Полный текст (2 483 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وقال ابن كثير: ثم قال جل وعلا: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ، أي: جعلناه يسير سيرًا آخر يُستدلّ به على مضيّ الشهور، كما أن الشمس يُعرف بها الليل والنهار، كما قال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ * مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ، قال مجاهد: لكل منهما حدّ لا يعدوه ولا يقصّر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا. ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ قال الضحاك: لا يذهب الليل من ها هنا حتى يجيء النهار من ها هنا. ... ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، قال ابن عباس: يجرون في فَلَكَةٍ كَفَلَكَةِ المغزل. وقال مجاهد: الفَلَكُ كحديدة الرَّحى، أو كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.
قوله : ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ (٤٤) ﴾ .
قال البغوي: والمراد بالذرية: الآباء، والأجداد. واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد. ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ، أي: المملوء، وأراد سفينة نوح، وهؤلاء من نسل من حُمل مع نوح، وكانوا في أصلابهم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تدرون ما: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ ؟ قلنا: لا، قال: هي
стр. 1787
السفن جُعلت لهم من بعد سفينة نوح على مثلها. وقال السدي: ألا ترى أنه قال: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ ؟ قال قتادة: أي: لا مغيث لهم، ﴿إِلا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ، أي: إلى الموت.
قال البغوي: يعني: إلا أن يرحمهم ويمتّعهم على حين آجالهم.
قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٤٧) ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: الآخرة فاعملوا لها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ يعني: الدنيا فاحذروها، ولا تغترّوا بها. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ عذاب الآخرة، وهو قول قتادة، ومقاتل. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا عن دليله ما بعده. ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: دلالة على صدق محمد ﷺ ، ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ﴾ أعطاكم الله ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾ أنرزق ﴿مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ؟ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأنعامهم، قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ﴾ أنرزق ﴿مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا إنما يتمسّك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله؛ وهذا الذي يزعمون باطل لأن
стр. 1788
الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بُخْلاً، وأمر الغنيّ بالإنفاق لا حاجةً إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما أمر وفرض له في مال الغنيّ، ولا اعتراض على مشيئة الله وحكمه في خلقه، ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ،
يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في خطأ بيّن في اتباعكم محمدًا وترك ما نحن عليه. انتهى. والله أعلم.
* * *
стр. 1789
الدرس الثاني والثلاثون بعد المائتين
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (٥٨) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (٦٩) لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ
стр. 1790
الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) ﴾ .
* * *
стр. 1791
قوله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ ، أي: القيامة، والبعث. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ ، أي: ينتظرون ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى، ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ، يعني: يختصمون في أمر الدنيا من البيع والشراء، ويتكلمون في المجالس والأسواق. قال: ورُوينا أن النبي ﷺ قال: «لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويناه، ولتقومنّ الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يَطْعَمُها» . وعن قتادة: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ ، أي: فيما في أيديهم، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: أعلجوا عن ذلك.
قوله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) ﴾ .
قال البغوي: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين النفختين أربعون سنة.
стр. 1792
وعن قتادة: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ، أي: القبور. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ ، يقول: يخرجون، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ ، قال: هذا قول أهل الضلالة والرقدة ما بين النفختين، ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ، قال: أهل الهدى، ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . قال البغوي: وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها، صار عذاب القبر في جنبها كالنوم، فقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا.
وقوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ، يعني: النفخة الأخيرة ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
قوله : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (٥٨) ﴾ .
عن ابن عباس: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ ، قال: افتضاض الأبكار، ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ﴾ ، قال: هي السُّرُر في الحِجال، ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ ، قال
البغوي: يتمنون ويشتهون. ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ، أي: يسلم الله عليهم ﴿قَوْلاً﴾ ، أي: يقول الله لهم قولاً. ثم روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربّ ﵎ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
стр. 1793
قوله : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) ﴾ .
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، أمر الله جهنم فيخرج منها عُنق ساطع مظلم، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، وهي قول الله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ » الآية. رواه ابن جرير. وقوله
تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال البغوي: ألم آمركم يا بني آدم: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ، أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله؟ ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهر العداوة ﴿وَأَنْ اعْبُدُونِي﴾ أطيعوني ووحّدوني ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ . ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً﴾ أي: خلقًا كثيرًا، ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس؟ ويقال لهم لما دنوا من النار: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا، ﴿اصْلَوْهَا﴾ : ادخلوها ﴿الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ هذا حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل بقولهم: ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم. انتهى.
стр. 1794
وروى مسلم وغيره في حديث أبي هريرة (الطويل) : «ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيّك وبكتابك، وصمت وصلّيت وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدًا؟ فيفكر في نفسه: من الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق ليعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله تعالى عليه» .
قوله : ﴿وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا
مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (٦٩) لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) ﴾ .
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ ، أي: الطريق، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ، يقول: لو شئنا لتركناهم عميًا يتردّدون، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لأقعدناهم على أرجلهم ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا، ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ يقول: من نمد له في العمر ننكسه في الخلق ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ، يعني: الهرم، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ . قال البغوي: فيعتبروا، ويعلموا أن الذي قدر على تصريف أحوال الناس يقدر على البعث بعد الموت. وعن قتادة قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ ، قال: قيل لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: (كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل آخره أوله، وأوله آخره، فقال أبو بكر: أنه ليس
стр. 1795
هكذا، فقال نبي الله: «إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي» ، والبيت المشار إليه قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ قال البغوي ﴿إِنْ هُوَ﴾ . يعني: القرآن، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة، ﴿وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ في: الفرائض،
والحدود، والأحكام. ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً﴾ ، يعني: مؤمنًا حي القلب لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر. ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ وتجب حجة العذاب، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: هو رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين.
قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦) ﴾ .
قال البغوي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ تولينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد، ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون، أي: لم يخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم،
стр. 1796
وهي قوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ سخرناها لهم ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ ، أي: ما يركبون وهي الإبل، ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ لحمانها. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ ، أي: من أصوافها وأوبارها ونسلها وَمَشَارِب من ألبانها، ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ رب هذه النعم؟ وقال ابن جرير يقول: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ نعمتي هذه وإحساني إليهم بطاعتي، وإفراد الألوهية لي والعبادة، وترك طاعة الشيطان وعبادة الأصنام؟
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ . قال ابن كثير: يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى.
قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ، أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل، وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.
وقوله ﵎: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ، قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ، يعني: الآلهة، ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ، والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم شرًا.
وقوله تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ، أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وسنجازيهم على أعمالهم.
قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
(٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ
стр. 1797
الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) ﴾ .
قال مجاهد وغيره: جاء أبيّ بن خلف - لعنه الله - إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال ﷺ : «نعم. يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» ، ونزلت هذه الآيات من آخر سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ إلى آخرهن.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ ، قال البغوي: جدل بالباطل بين الخصومة، يعني: إنه مخلوق من نطفة، ثم يخاصم. فكيف لا يتفكر في بدوّ خلقه حتى يدع الخصومة! ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ بدء أمره ﴿قالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بالية؟ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾ . قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ. والأخرى: العفار، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتخرج منهما النار بإذن الله ؛ تقول
العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ، أي: تقدحون، وتوقدون النار من ذلك الشجر. ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ ، أي: قل: بلى، هو قادر على ذلك، ﴿وَهُوَ الْخَلاقُ﴾ يخلق
стр. 1798
خلقًا بعد خلق، ﴿الْعَلِيم﴾ بجميع ما خلق. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ﴾ ملك، ﴿كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . وعن حذيفة ﵁ قال: (قُمت مع رسولِ الله ﷺ ذات ليلة فقرأ السبعَ الطوال في سبع ركعاتٍ وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع اللَّهُ لمن حمده - ثم قال -: الحمد لله ذي الملكوتِ والجبروتِ، والكبرياءِ والعظمة» ؛ وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف وقد كادت تنكَسِرُ رجلاي) . رواه أحمد. وفي حديث عوف بن مالك عند أبي داود: (ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة» ؛ ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك) . وعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأوا على موتاكم سورة يس» . رواه البغوي وغيره. والله أعلم.
* * *
стр. 1799
الدرس الثالث والثلاثون بعد المائتين
[سورة الصافات]
مكية، وهي مائة وثمانون آية
... عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات) . رواه النسائي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٥) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا
стр. 1800
لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)
مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ (٤٥) بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ
الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ
стр. 1801
الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) ﴾ .
* * *
стр. 1802
قوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) ﴾ .
عن قتادة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً﴾ ، قال: قسم، أقسم الله بخلق ثم خلق ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ الملائكة صفوفًا في السماء. وعن مجاهد في قوله: ... ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً﴾ ، قال: الملائكة، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ ، قال: الملائكة. وعن قتادة: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ وقع القسم على هذا، ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ . ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ قال: مشارق الشمس في الشتاء والصيف.
قوله : ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) ﴾ .
عن قتادة قوله: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ ، قال: مُنِعُوهَا، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً﴾ قذفًا، قذفًا بالشهب، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: دائم، ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ من نار، وثقوبه: ضوءه. قال ابن عباس: لا يقتلون بشهاب ولا يموتون، ولكنهم تحرقهم من غير قتل وتخلل وتجرح.
قوله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً
стр. 1803
يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٥) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) ﴾ .
قال ابن جرير: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : فاستفت يا محمد هؤلاء المشركين الذين ينكرون البعث بعد الممات، والنشور بعد البلاء، يقول: فسلهم: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً﴾ ، يقول: أخلقهم أشدّ خلقًا أم من عددنا خلقه من: الملائكة، والشياطين، والسماوات والأرض؟ وعن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ ، قال: هو الطين الحر الجيد اللزق.
وعن قتادة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، قال: عجب محمد ﵇ من هذا القرآن حين أعطيه وسخر منه أهل الضلالة. ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا
لَا يَذْكُرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون ولا يبصرون ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يسخرون منها ويستهزئون. ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ تكذيبًا بالبعث، ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال السدي: هي النفخة ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ، قال قتادة: يدين الله فيه العباد بأعمالهم، ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ، يعني: يوم القيامة.
وعن ابن عباس قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ يعني: أتباعهم ومن اتبعهم من الظلمة، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال قتادة:
стр. 1804
الأصنام ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس يقول: وجهوهم. وقال ابن مسعود: وليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئًا إلا وهو مرفوع له يتبعه، قال: فيلقى اليهود فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيرًا؟ فيقول: هل يسركم الماء؟ فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم قرأ: ﴿إنا عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ، قال: ثم يلقى النصارى فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: المسيح، فيقول: هل يسركم الماء؟ فيقولون: نعم. فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئًا، ثم قرأ عبد الله: ... ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ .
وعن قتادة قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ لا والله لا يتناصرون، ولا يدفع بعضهم عن بعض، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ في عذاب الله.
قوله : ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) ﴾ .
عن ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ ، يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء. وقال مجاهد: يعني: عن الحق، والكفار تقوله للشياطين، ﴿قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ، قال ابن كثير: تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة
стр. 1805
للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه.
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ ، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله إنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة، ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ ، أي: دعوناكم إلى
الضلالة، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ ، أي: فدعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا؛ قال الله ﵎: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ، أي: الجميع في النار، كل بحسبه، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ ، أي: في الدنيا، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ، أي: أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون. وعن قتادة: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ ، يعنون: محمدًا ﷺ ، ﴿بَلْ جَاء بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن، ... ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، أي: صدق من كان قبله من المرسلين. قال البغوي: أي: أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله.
قوله : ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ (٤٥) بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (٤٩) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال
стр. 1806
تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
وعن قتادة: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، قال: هذه ثنية الله، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الجنة، ﴿فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ﴾ ، قال قتادة: كأس من خمر جارية، والمعين هي: الجارية، ﴿بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ، قال مجاهد: وجع بطن. ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ ، قال قتادة: يقول: ليس فيها وجع بطن، ولا صداع رأس. وقال السدي: لا تنزف عقولهم.
وعن قتادة: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ، قال: قصر طرفهنّ على أزواجهنّ فلا يردن غيرهم. وعن السدي في قوله: ﴿عِينٌ﴾ ، قال: عظام الأعين، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ ، قال: البيض حين يقشّر قبل أن تمسّه الأيدي.
قوله : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) ﴾ .
عن قتادة: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ ، قال: أهل الجنة. وعن ابن عباس قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ﴾ ، قال: هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان فيقول له المشرك: إنك لتصدّق بأنك مبعوث من بعد الموت ﴿أَئِذَا كُنَّا
стр. 1807
تُرَاباً﴾ ؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجنة، وأدخل المشرك النار.
﴿فَاطَّلَعَ﴾ المؤمن فرأى صاحبه ﴿فِي سَوَاء الْجَحِيمِ﴾ وسطها ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ . قال قتادة: أي: في عذاب الله، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ . قال ابن كثير: هذا من كلام المؤمن، مغتبطًا بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة، والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب. ولهذا قال : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، وعن قتادة: قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ، قال: هذا قول أهل الجنة.
قوله : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ (٦٧)
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) ﴾ .
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ الذي أعطيت هؤلاء المؤمنين من الكرامة في الآخرة، ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ في الدنيا لأنفسهم ... ﴿الْعَامِلُونَ﴾ ليدركوا ما أدرك هؤلاء بطاعة ربهم.
وعن قتادة: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ؟ حتى بلغ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ ، قال: لما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظلمة فقالوا: ينبّئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي
стр. 1808
أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ ، غُذّيت بالنار ومنها خُلقت، ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ شبّهه بذلك، ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ﴾ ، قال ابن عباس: يعني: شرب الحميم على الزقوم، وقال السدي: الشوب: الخلط. وهو: المزج.
وعن قتادة: قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ فهم في عناء وعذاب من نار جهنم وتلا هذه الآية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ . [وقوله] ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ، قال مجاهد: أي: يسرعون إسراعًا في ذلك.
* * *
стр. 1809
الدرس الرابع والثلاثون بعد المائتين
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ (٧٢) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
(١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى
стр. 1810
إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) ﴾ .
* * *
стр. 1811
قوله : ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ (٧٢) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، أي: من الأمم الخالية ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ الكافرين أي: كان عاقبتهم العذاب، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، قال السدي: الذين استخلصهم الله. قال ابن جرير: واستثنى عباد الله من المنذرين لأن معنى الكلام: فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله المؤمنين، فلذلك حسن استثناؤهم منهم.
قوله : ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) ﴾ .
عن قتادة: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ قال: أجابه الله. وعن السدي: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال: من الغرق. وعن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾ ، قال: «سام، وحام، ويافث» . قال قتادة: فالناس كلهم من ذرية نوح.
وعن ابن عباس قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ، يقول: يُذْكَرُ بخير، ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ
стр. 1812
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ .
قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين. وعن قتادة: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ ، قال: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقيّة قومه.
قوله : ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ، يقول من أهل دينه. وقال مجاهد: على منهاجه وسنّته. وعن قتادة: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ واللهِ من الشرك، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال ابن كثير: أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: ﴿أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا
ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، قال قتادة: يعني: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟
وقال البغوي: وقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجّة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويفرشون لهم
стр. 1813
الفراش، ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم زعموا التبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإبراهيم: ألا تخرج غدًا معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم. قال ابن عباس: مطعون، وكانوا يفرّون من الطاعون فرارًا عظيمًا. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ إلى عيدهم، فدخل إبراهيم على الأصنام فكسرها، كما قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ مال إليها ميلة في خفية فقال استهزاء بها: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ، يعني: الطعام الذي بين أيديكم، ﴿مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ، أي: كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى على العمل من الشمال، ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ يسرعون، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه.
قال لهم إبراهيم على وجه الحجاج: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام، ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ ، قال مقاتل: بنوا له حائطًا من الحجر طوله في
السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملأوه من الحطب، وأوقدوا فيه النار فطرحوه فيها. ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ شرًّا، وهو: أن يحرقوه، ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ ، أي: المقهورين حيث سلَّم الله تعالى إبراهيم وردّ كيدهم. انتهى ملخصًا.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذبات: اثنتين في ذات الله تعالى قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقوله في سارة: هي أختي» . متفق عليه.
قوله : ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ
стр. 1814
عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم ﵊: أنه بعدما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، يعني: أولادًا مطيعين يكونون عوضًا من قومه وعشريته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ وهذا الغلام هو: إسماعيل ﵇، فإنه أول ولد بُشّر به إبراهيم، وهو أكبر من إسحاق، باتفاق المسلمين، وأهل الكتاب.
وعن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ لما شبّ حتى بلغ سعيه، سعى إبراهيم. قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا أصيمع، أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحاق بمكّة؟ إنما كان إسماعيل بمكّة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه. وقال ابن إسحاق وغيره: فلما أُمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أُمر ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ .
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ انقاد وخضعا لأمر الله تعالى. قال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ، قال ابن عباس: أضجعه على جبينه على الأرض. وعن قتادة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ، أي: وكبّه لِفِيه وأخذ
الشفرة ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ حتى بلغ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ .
стр. 1815
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ، قال ابن كثير: أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ﴾ ، أي: الاختبار الواضح الجليّ حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ، قال مجاهد: سمّاه عظيمًا لأنه متقبَّل. قال ابن عباس: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قرّبه ابن آدم. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ، قال: سأل إبراهيم فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ، قال: فترك الله عليه الثناء الحسن في الآخِرين، كما ترك اللسان السوء على فرعون وأشباهه، كذلك ترك اللسان الصدق والثناء الصالح على هؤلاء.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ . قال ابن كثير: لما تقدّمت البشارة بالذبيح وهو: إسماعيل. عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي هود، والحجر. وقوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
стр. 1816
الدرس الخامس والثلاثون بعد المائتين
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ
(١٤٥) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) ﴾ .
* * *
стр. 1817
قوله : ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) ﴾ .
وعن قتادة: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من آل فرعون، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ : التوراة، ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ : الإسلام.
قوله : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) ﴾ .
عن مجاهد في قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ ، قال: ربًّا. وقال ابن زيد: بعل صنم كانوا يعبدونه، كانوا ببعلبك وهم وراء دمشق وكان بها البعل الذي كانوا يعبدون. وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه: أن الله قبض
حِزْقيل، وعظمت في بني إسرائيل أحداث، ونُسوا ما كان من عهد الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها دون الله، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران
стр. 1818
نبيًّا. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبعثون إليهم بتجديد ما نُسوا من التوراة، فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل، يقال له: أحاب، وكان اسم امرأته: أربل، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يعبدونه من دون الله يقال له: بعل. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله.
يقول الله لمحمد: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرّقة بالشام، كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملك - الذي كان إلياس معه يقوّم له أمره ويراه على هدى من بين أصحابه - يومًا: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى فلانًا وفلانًا بعد، وملوكًا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله، إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون، ويشربون، وينعمون مملكين ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل، فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس استرجع، وقام شعر رأسه وجلده، ثم
رفضه وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه، عبد الأوثان، وصنع ما يصنعون، فقال إلياس: اللهمّ إن بني إسرائيل قد أبوا إلا أن يكفروا بك، والعبادة لغيرك، فغيّر ما بهم من نعمتك، أو كما قال.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، قال ابن جرير يقول: فإنهم لمحضرون في عذاب الله فيشهدونه، إلا عباد الله الذين
стр. 1819
أخلصهم من العذاب، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ، يقول: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده. وعن السدي: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قال: إلياس.
قوله : ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨) .
عن قتادة: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ ، قال: نعم والله، صباح ومساء يطؤونها وطأ. من أخذ من المدينة إلى الشام، أخذ على سدوم قرية قوم لوط.
وقال ابن زيد في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ، قال: أفلا تفتكرون ما أصابهم في معاصي الله أن يصيبكم ما أصابهم؟ .
قوله : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) ﴾ .
عن قتادة في قوله: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ كنا نحدث أنه: الموقر. ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ ، قال: فاحتبست السفينة فعلم القوم أنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا فقرع يونس فرمي بنفسه، ... ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: في ضعة. قال ابن زيد: والمليم: المذنب.
وعن ابن عباس قوله: ﴿فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ يقول: من المقروعين. وقال البغوي: وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، أي: من جملة رسل الله،
стр. 1820
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ، يعني: هرب. قال ابن عباس، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمتواري منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست السفينة. فقال الملاحون: ها هنا عبد أبق من سيده، فاقترعوا ثلاثًا، فوقعت القرعة على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء.
وقال ابن كثير: ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ، أي: المغلوبين. وذلك أن السفينة تَلَعَّبَت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس ﵊ ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس ﵇، فلا يَهْشِمُ له لحمًا ولا يكسر له عظمًا، فجاء ذلك الحوت وألقى يونس نفسه، فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلّها، ولما استقرّ يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات ثم حرّك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حيّ، فقام فصلّى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا ربّ اتخذت لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس. وعن قتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ كان كثير الصلاة في الرخاء فنجَّاه الله بذلك. قال: وقد كان يقال في الحكمة: أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَرَ، فإذا صُرِعَ وُجِدَ مُتَّكِأً. وعن أنس مرفوعًا: «أن يونس النبيّ حين بدا له أن يدعو الله بالكلمات حين ناداه وهو في بطن الحوت فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا ربّ هذا صوت ضعيف معروف في بلاد غريبة، قال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: ذلك عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له
عمل متقبَّل ودعوة مستجابة! قالوا: يا رب أو لا يُرحم
стр. 1821
بما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ ! قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء» . رواه ابن جرير.
وعن قتادة: قوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لصار له بطن الحوت قبرًا إلى يوم القيامة. ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء﴾ ، قال: بأرض ليس فيها شيء ولا نبات. وعن ابن عباس قال: خرج به - يعني: الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبيّ المنغوس لم ينقص من خلقه شيء. وعن السدي: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ كهيئة الصبيّ. وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ ، قال: كل شيء ينبت على وجه الأرض ليس له ساق. قال قتادة: كنا نحدّث أنها الدبّاء - هذا القرع الذي رأيتم - أنبتها الله عليه يأكل منها. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ، قال: بل يزيدون، كانوا مائة ألف وثلاثين ألفًا. قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أهل الموصل قال: قال الحسن: بعثه الله قبل أن يصيبه ما أصابه ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ : الموت.
* * *
стр. 1822
الدرس السادس والثلاثون بعد المائتين
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ
الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢) ﴾ .
* * *
стр. 1823
قوله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) ﴾ .
عن قتادة: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ يعني: مشركي قريش. قال ابن زيد: سلهم. وقال السدي: كانوا يعبدون الملائكة. قال ابن كثير: وقوله ﵎: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم! ؟ كقوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ .
وعن قتادة: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾ ، يقول: من كذبهم: ﴿لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ؟ يقول: كيف يجعل لكم البنين ولنفسه البنات؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ ، أي: عذر بيّن. وعن السدي في قوله: ﴿سُلْطَانٌ مُّبِينٌ﴾ ، قال: حجّة. ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ ، قال مجاهد: قال كفار قريش: الملائكة بنات الله فسأل أبو بكر: من أمهاتهنّ؟ فقالوا بنات سروات الجنّ، ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ إنها ستحضر الحساب. وقال السدي: إن هؤلاء الذين قالوا هذا، ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ : لمعذبون.
стр. 1824
قال ابن كثير: وقوله جلّت عظمته: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، أي: تعالى وتقدّس وتنزّه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع، وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائدًا على الناس جميعهم، ثم استثنى منهم المخلَصين، وهم: المتّبعون للحقّ المنزل.
قوله : ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) ﴾ .
عن ابن عباس قوله: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ يقول: ما أنتم بفاتنين على أوثانكم أحدًا إلا من قد سبق له أنه صال الجحيم. وقال الحسن: ما أنتم عليه بمضلّين إلا من كان في علم الله أنه
سيصلى الجحيم. وعن السدي في قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ ، قال الملائكة. وعن عائشة قالت: قال نبيّ الله ﷺ : «ما في سماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أو قائم فذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ » . رواه ابن جرير.
وعن قتادة قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، قال: قد قالت هذه الأمة ذاك قبل أن يبعث محمد ﷺ : لو كان
стр. 1825
عندنا ذكر من الأوّلين، لكنا عباد الله المخلَصين، فلما جاءهم محمد كفروا به. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، وقال ابن عباس: لما جاء المشركون من أهل مكة ذكر الأوّلين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب، ... ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يقول: قد جاءكم محمد بذلك فكفروا بالقرآن، وبما جاء به محمد.
قوله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) ﴾ .
عن قتادة: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، قال: سبق هذا من الله لهم أن ينصرهم. وعن السدي في قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ ، يقول: بالحجج. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ، قال: حتى يوم بدر.
وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ، يقول: أنظرهم فسوف يبصرون ما لهم بعد اليوم، يقول: يبصرون يوم القيامة ما ضيّعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه؛ قال: (فأبْصِرْهُمْ) (وأَبْصِرْ) واحد. وقال البغوي: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إذا نزل بهم العذاب، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ، فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال الله : ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ ، قال: وذكر قول النبي ﷺ حين صبّح أهل خيبر: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» . ثم كرّر ما ذكر تأكيدًا لوعيد العذاب، فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ﴾ العذاب إذا نزل بهم: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ .
следующие страницы →