Полный текст (2 483 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فيا عجبًا كيف يعصي الإِله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
تنبيه: المعروف عند بعض القراء أنه لا يقف على ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ، ولا على ﴿الرَّحِيمِ﴾ ، لاتصال الصفة بالموصوف، ولا مانع من ذلك لأن المعنى ظاهر، والأصل هو الوقوف على رؤوس الآي، ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أم سلمة ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته يقول: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، فالفصل والوصل جائزان: ويحسن الفصل مع الترتيل والوصل مع الهذ وفي الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ واصعد في درج الجنة، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر أية تقرؤها» ، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًّا كان أو ترتيلاً.
قوله : ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ .
قال ابن كثير: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: ... (الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة) ، وقال ابن عباس: (هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر) .
وقال ابن جرير: (حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر،
стр. 37
سمعت العزرمي يقول: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم، قال: بالمؤمنين.
قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله ... ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ، ليكون من باب قرب الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ .
قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
قال ابن كثير: وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عاداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا والآخرة. وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحدًا إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، وقال الضحاك عن ابن عباس: ... ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد معه في ذلك اليوم حكمًا كملكهم في الدنيا قال: و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه.
стр. 38
قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله ، وهذا كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ، قال ابن عباس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، يعني إياك نوحد ونخاف، ونرجوك يا ربنا لا غيرك. ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، على طاعتك وعلى أمورنا كلها. قال البغوي: (والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده) .
قوله : ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ .
قال ابن كثير: لمّا تقدم الثناء على المسئول ﵎، ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: (فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل) ، وهذا أكمل أحوال السؤال، أن يمدح مسئوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين، والهداية ها هنا: الإرشاد والتوفيق.
وقال البغوي: وهذا الدعاء من المؤمنين، مع كونهم على الهداية، بمعنى التثبيت، وبمعنى طلب مزيد الهداية، لأن الألطاف والهدايات من الله لا تتناهى.
стр. 39
وقال ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح، الذي لا اعوجاج فيه، وقال مجاهد: ... ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ ، قال: الحق.
وروى الإِمام أحمد وغيره عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جانبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا؛ وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم» .
قوله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ .
أي: مننت عليهم بالهداية والتوفيق للإيمان، والاستقامة عليه من النبيين والمؤمنين، قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ ، بطاعتك، وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ .
стр. 40
قوله : ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
قال ابن كثير: والمعنى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. انتهى.
وروى الإمام أحمد وغيره عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ ، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صفوا له، فقالت: يا رسول الله نأى الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فَمُنَّ عليّ مَنَّ الله عليك، قال: «ومن وافدك» ؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: «الذي فر من الله ورسوله» ؟ قالت: فمنّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه عليّ، قال: سليه حملانًا، فسألته فأمر له، قال: فأتتني فقالت: إنك فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيّان - وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت إنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: «يا عدي ما أَفَرَّكَ؟ أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرَّك أن يقال الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله » قال: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى» ... وذكر الحديث.
стр. 41
قال ابن كثير: مسألة، والصحيح من مذاهب العلماء، أنه يغتفر الإِخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما لمن لا يميز ذلك؛ وأما حديث: «أنا أفصح من نطق بالضاد» فلا أصل له، والله أعلم. انتهى ملخصًا، قال ابن مفلح في الفروع: (وإن قرأ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين بظاء، فالوجه الثالث يصح مع الجهل) . قال في تصحيح الفروع: (أحدها لا تبطل الصلاة، اختاره القاضي، والشيخ تقي الدين، وقدمه في المغني والشرح وهو الصواب) انتهى. يعني: تصح الصلاة ولو كان يميز الضاد والظاء، والأحوط للإِمام القراءة بالضاد إذا كان يميز ذلك.
وقال ابن كثير: اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو: يوم الدين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. انتهى.
стр. 42
ويستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: (آمين) في الصلاة وغيرها. ومعناها: اللهم استجب لنا. لما رواه الإمام أحمد وغيره عن وائل بن حجر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، فقال: «آمين» مد بها صوته. ولأبي داود: (رفع بها صوته) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تلا ... ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ ، قال: «آمين» ، حتى يسمع من يليه من الصف الأول) . رواه أبو داود وابن ماجة وزاد فيه: ... (فيرتج بها المسجد) .
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمنَّ الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين» . رواه ابن ماجة.
وعنه قال: (بينا رسول الله ﷺ وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيقًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منها إلا أوتيته) . رواه مسلم، والنسائي وهذا لفظه.
стр. 43
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإنّ نَفَرَنا غُيِّبٌ فهل منكم
راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقيه فرقاه فبرئ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي أو نسأل رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة، ذكرناه للنبي ﷺ فقال: «وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم» . رواه البخاري ومسلم، والله أعلم.
* * *
стр. 44
الدرس الثاني
[سورة البقرة]
مدنية، وهي مائتان وثمانون وست أو سبع آيات
... عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا واستخرجت ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش، فوصلت بها، أو فصلت بسورة البقرة. ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم» . رواه أحمد.
وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي لا تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة، لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة؛ أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها) . وفي رواية: (لم يقربه ولا أهله يومئذٍ
стр. 45
شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق) . رواه الدرامي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا، وهم ذوو عدد، فاستقرأهم كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا، فقال: «ما معك يا فلان» ، فقال معي كذا وكذا، وسورة البقرة فقال: «أمعك سورة البقرة» ، قال: نعم، قال: «اذهب فأنت أميرهم» . فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني
أن أتعلم سورة البقرة، إلا إني خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ : «تعلموا القرآن واقرءوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه، فقرأ وقام به، كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه، كمثل جراب أوكى على مسك» . رواه الترمذي وغيره.
قال البخاري: وقال الليث حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير ﵁ قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي فقال: «اقرأ يا ابن حضير» . قال: قد أشفقت يا رسول الله على يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: «وتدري ما ... ذاك» ؟ قال: لا. قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم» . ولمسلم: «عرجت في الجو» .
стр. 46
وذكر الحافظ ابن حجر أن في الحديث اختصارًا، أصله كما رواه أبو عبيد: (رفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بمثل الظلة، فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها) .
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: «تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة» . قال: ثم سكت ساعة ثم قال: «تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبر كالرجل الشاحب فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول أنا صاحبك القرآن، الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تجارة من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والديه حلتان لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان بم كُسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ، هذًّا كان أو ترتيلاً» . رواه الإِمام أحمد.
قال ابن العربي في (أحكام القرآن) : (اعلموا وفقكم الله أن علماءنا قالوا: إن هذه السورة من أعظم سور القرآن. سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر ولعظيم فقهها أقام عبد الله بن عمر ثمان سنين في تعلمها) .
стр. 47
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ
وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ﴾ .
* * *
стр. 48
قوله : ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴾ .
قال الشعبي وغيره: ﴿آلم﴾ . وسائر حروف الهجاء في أوائل القرآن، من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي سر القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن، وأوائل السور. وعن ابن عباس أنه قال: معنى ﴿آلم﴾ : أنا الله أعلم، ومعنى ﴿آلمص﴾ : أنا الله أعلم وأفصل. ومعنى ﴿آلمر﴾ : أنا الله أرى. ومعنى ﴿آلمر﴾ : أنا الله أعلم وأرى. وقال مجاهد: هذه الحروف أسماء السور. وقال آخرون: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور، بيانًا لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله؛ وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال الزمخشري: (ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن) . انتهى. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ، يقول تعالى: هذا الكتاب وهو القرآن، لاشك فيه أنه من عند الله تعالى، وأنه الحق والصدق، كما قال تعالى: ﴿آلم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 49
وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ، أي: رشد وبيان لأهل التقوى خاصة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلا خَسَاراً﴾ . قال ابن عباس: التقيّ من يتقيّ الشرك والكبائر والفواحش. وأنشد أبو الدرداء:
يريد المرء أن يؤتى مُناه ... ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المرء: فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفادا
والتقوى: هي: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، أي: الذين يصدقون بما غاب عنهم، مما أخبر الله به من أمور الآخرة والقدر وغير ذلك. قال أبو العالية: يؤمنون بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيبٌ كله. وعن أبي جمعة ﵁ قال: تغدينا مع رسول الله ﷺ ، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: «نعم قومٌ من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني» .
стр. 50
وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ، أي: يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها، بحدودها وأركانها وهيآتها، والمراد بها الصلوات الخمس.
قال ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع والإِقبال عليه فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ، أي: في جميع ما يلزمهم من الزكاة وغيرها. قال قتادة: هذه الأموال عَوَارٍ وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها.
وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ، أي: يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ، أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. قال البغوي: قوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ﴾ ، أي: بالدار الآخرة. سميت الدنيا دنيا لدنوّها من الآخرة، وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ، أي: يستيقنون أنها كائنة.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . يقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ ، أي: المتصفون بالإِيمان وإقام الصلاة والإِنفاق مما أعطاهم الله ﴿عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ، أي: على نور وبيان وبصيرة ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، أي: الناجون الفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النار.
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ
стр. 51
تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (٧) ﴾ .
يقول الله تعالى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ . قال البغوي: (والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق) .
وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ، أي: طبع الله على قلوبهم، فلا تعي خيرًا ولا تفهمه، وعلى سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ . يقول تعالى: وعلى أبصارهم غطاء، فلا يرون الحق، ولهم عذاب عظيم في الآخرة، فالختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ
стр. 52
لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ،
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زادت زاد حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ » . رواه ابن جرير وغيره. وقال الترمذي: (حسن صحيح) . قال مجاهد: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإِقفال، والإِقفال أشد من ذلك كله.
قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشْعُرُونَ (١٢) ﴾ .
هذه الآيات نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي، وأصحابه وغيرهم ممن أظهر كلمة الإِسلام واعتقد خلافها. قال ابن كثير: النفاق هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي وهو: الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي
стр. 53
وهو: من أكبر الذنوب. قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ كذبهم الله تعالى في قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ، يقول تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا بإظهار الإِيمان وإبطانهم الكفر، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كنفعهم عند بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُم﴾ ، أي: لأن وبال خداعهم راجع عليهم، بفضيحتهم في الدنيا وعقابهم في الآخرة، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ، أي: لا يدرون أنهم يخدعون أنفسهم، وإن وبال خداعهم يعود عليهم.
وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ، يقول تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ ، أي: شك ونفاق، ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ ، أي: شكًا ونفاقًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
стр. 54
فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ، أي: ولهم عذاب مؤلم موجع، يخلص حده إلى قلوبهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ، أي: بكذبهم في دعواهم الإِيمان بالله وباليوم الآخر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشْعُرُونَ﴾ ، يقول تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإِيمان، ﴿قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، أي: إنما نريد الإِصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لا يَشْعُرُونَ﴾ بكونه فسادًا. قال أبو العالية: وكان فسادهم ذلك معصية الله، لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
قوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (١٦) ﴾ .
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ للمنافقين: آمنوا بمحمد ﷺ وبما جاء به كما آمن الناس، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ يعنون أصحاب محمد ﷺ ، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء﴾ الجهال في الدين الضعفاء الرأي، ... ﴿وَلَكِن لا يَعْلَمُونَ﴾ . ذلك.
стр. 55
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنون قالوا: آمنا كإيمانكم مصانعة وتقية، وإذا خلوا
انصرفوا ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ رؤسائهم، قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكْمْ﴾ ، أي: على دينكم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بمحمد وأصحابه نلعب بهم.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، أي: يملي لهم في ضلالتهم يترددون متحيرين.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى﴾ أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ ، أي: ما ربحوا في تجارتهم لأنهم استبدلوا الكفر بالإيمان، ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ . قال قتادة: قد والله رأيتموهم، من خرجوا من الهدى إلى الضلال، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
قوله : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ﴾ .
стр. 56
قال ابن عباس: نزلت في المنافقين، يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله، فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإِيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فلذلك نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ ، أي: هم صم عن الحق لا يقبلونه، بكم خرس عن الحق لا يقولونه، عمي لا بصائر لهم، فهم لا يرجعون عن الضلالة إلى الحق.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لصنف آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون أخرى. والصيّب: المطر، من صاب يصوب، أي: نزل من السماء، أي: من السحاب، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ . قال ابن عباس: الرعد: اسم ملك يسوق السحاب، والبرق: لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وعن أبي كثير قال: كنت عند أبي الخلد إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب ... إليه، فكتب إليه: كثيرًا تسألني عن الرعد، فالرعد: الريح، والبرق من الماء. قال السخاوي: إن سبب الرعد اضطراب أجرام السحاب
واصطكاكها إذا ساقها الريح من الارتعاد. قال بعض المفسرين: وإن أطلق الرعد على الملك أيضًا فهو مشترك بين الصوت المذكور والملك الثابت في الأحاديث.
وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مخافة الهلاك؛ فهذا المثل ضربه الله للقرآن وصنيع المنافقين معه، فإن من شأنهم
стр. 57
الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ ، أي: عالم بهم. قال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ ، أي: وقفوا. قال ابن عباس: أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا، أي: متحيرين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ ، أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة، كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فصار الناس ثلاثة أقسام: مؤمنون، وكفار، ومنافقون، وكل سيجازى بعمله. قال الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ
قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
стр. 58
نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
قال ابن مسعود: نورهم يسعى بين أيديهم على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط، منهم مَنْ نورُه مثل الجبل، ومنهم مَنْ نوُره مثل النخلة، وأدناهم نورًا مَنْ نوُره في إبهامه يتّقد مرة ويُطفأ أخرى. قال ابن عباس: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ . والله أعلم.
* * *
стр. 59
الدرس الثالث
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ﴾ .
стр. 60
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴾ .
يقول تعالى: يا أيها الناس وحدوا ربكم الذي خلقكم، وخلق الذين من قبلكم، لعلكم تتقون: لكي تنجوا من العذاب.
وقال بعض المفسرين: لعلكم تتقون: حال من الضمير في اعبدوا؛ كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تدخلوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المسترجين لجوار الله تعالى، ولعل في الأصل للترجي، وهي في كلام الله تعالى للتحقيق، وقيل: لعل هنا للأطماع كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ .
وقال ابن جرير: معنى ذلك: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم؛ لتتقوه بطاعته، وتوحيده، وإفراده بالربوبية والعبادة. وقال ابن عباس: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴾ .
стр. 61
يقول تعالى: اعبدوا ربكم خالقكم، وخالق من قبلكم، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً، أي: بساطًا وَالسَّمَاء بِنَاء، سَقْفاً مرفوعاً، وأنزل من السماء، أي: من السحاب، ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم،
طعامًا لكم وعلفًا لدوابكم، فلا تجعلوا لله أنداداً، أي: أمثالاً تعبدونها كعبادة الله، وأنتم تعلمون أنه واحد لا خالق معه. قال ابن عباس: فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون، أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعملون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه رسول الله ﷺ من التوحيد، هو الحق الذي لا شك فيه؟
قال ابن كثير: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
قوله : ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) ﴾ .
يقول تعالى: وإن كنتم في ريب، أي: شك مما نزلنا على عبدنا محمد ﷺ فأتوا بسورة من مثله، أي: مثل القرآن، وادعوا شهداءكم واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها من دون الله إن كنتم صادقين أن محمداً تقوله من تلقاء نفسه. كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ
стр. 62
قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ثم تحدّاهم بسورة واحدة فعجزوا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ ، أي: فيما مضى، ولن تفعلوا أبداً، وهذه معجزة أخرى، ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ ، أي: فآمنوا واتركوا المعاصي لتنجوا من النار، ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ . قال ابن عباس يعني: حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر التهاباً، ﴿أُعِدَّتْ﴾ : هيئت، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ : الذين هم أهلها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعنا وجبة فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها» . رواه مسلم.
قوله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) ﴾ .
لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه الكافرين عطف بذكر حال أوليائه المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ﴾ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ من الأفعال والأقوال. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه أربعة
стр. 63
أشياء: العلم، والنية، والصبر، والإخلاص، ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ جمع جنة والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، أي: من تحت
أشجارها، ومساكنها. وفي الحديث: «إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود» ، ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ قال ابن عباس وغيره: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل الدنيا. وقال عكرمة: معناه، مثل الذي كان بالأمس. وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به، وأتوا به متشابهًا. قال ابن عباس وغيره: متشابهًا في الألوان مختلفًا في الطعوم. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي. وقال يحيى بن أبي كثير: عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي آتيتمونا آنفًا به؟ فتقول لهم الولدان: كلوا، فاللون واحد والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ ، أي: من الحور والآدميات ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ ، أي: من الغائط والبول، والحيض والنفاس، والبصاق والمخاط، والمني والولد، وكل قذر. قال الحسن: هنَّ عجائزكم الغمص العمش، طهرن من قذرات الدنيا.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ... «إن أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها» .
стр. 64
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، أي: دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها: وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل من مشمر للجنة؟ وأن الجنة لا خطر لها، وهي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» . قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها. قال: «قولوا إن شاء الله» . قال القوم: إن شاء الله.
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) ﴾ .
قال قتادة: إن الله لا يستحي من الحق أن يذكر شيئًا ما قل أو كثر، وإن الله
стр. 65
حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمحمد والقرآن، ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ يعني المثل هو ﴿الْحَقُّ﴾ الصدق ﴿مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا﴾ ، أي: شيء ﴿أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ المثل ﴿مَثَلاً﴾ وعن ابن عباس وغيره: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله تعالى:
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ ، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ أجابهم الله في قولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً، فقال: يضل به كثيرًا من الكفار، وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالاً، ويهدي به كثيرًا من المؤمنين، فيصدقونه فيزيدهم هدى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم: كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ وكذلك قال ها هنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ . قال ابن عباس: يعني: المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ هذا وصف من الله تعالى للفاسقين المذكورين ها هنا بأنهم الذين ينقضون، أي: يخالفون ويتركون عهد الله،
стр. 66
أمر الله الذي عهد إليهم في كتبه وعلى ألسنة رسله من بعد ميثاقه توكيده، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام وغيرها، ويفسدون في الأرض بالكفر والظلم والمعاصي أولئك هم الخاسرون بأعياضهم الفساد عن الصلاح والعقاب عن الثواب. كما
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ .
قوله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ﴾ .
يقول تعالى: كيف تكفرون بالله وتعبدون معه غيره! وكنتم أمواتًا في أصلاب آبائكم، فأحياكم، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم للبعث، ثم إليه ترجعون، فيجازيكم بأعمالكم. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ . وكقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيبَ ... فِيهِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: هو الله ربكم الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا؛ لكي تنتفعوا، فاعبدوه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
стр. 67
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ قال ابن عباس وغيره: أي ارتفع، ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ : خلقهن مستويات لا فطور فيها،
ولا صدوع، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، فإن بالعلم يصح الخلق، ويحكم الفعل.
قال البغوي: قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، وقالون، ... (وهو، وهي) بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء: واوٌ، أو فاء، أو لام. زاد الكسائي وقالون: (ثم هو) . وقالون: (أن يملَّ هو) .
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فلذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني: بعضها تحت بعض. والله أعلم.
* * *
стр. 68
الدرس الرابع
... ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴾ .
* * *
стр. 69
قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (٣٠) ﴾ .
يقول تعالى: واذكر يا محمد: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ، أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾ . ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ ، كما فعل الجن؟ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ، أي: نثني عليك وننزهك عما لا يليق بعظمتك وجلالك.
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . قال قتادة: فكان في علم الله، أنه سيكون في تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. وقال ابن عباس: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وقال عبد الله بن عمر: وكان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء فيها، فبعث الله جندًا من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوا بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ ، ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . وقال ابن عباس: يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.
стр. 70
قوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ﴾ .
قال ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ ، قال: علمه أسماء ولده إنسانًا، إنسانًا، والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.
وقال أيضًا: هي هذه الأسماء التي يتعارف الناس بها: إنسان، ودواب، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، وخيل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم، وغيرها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ ، أي: المسميات، ﴿عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي﴾ أخبروني، ﴿بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لا أخلق خلقًا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه، ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقك، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمرك، ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ فسمى آدم كل شيء، ﴿فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ﴾ ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الظاهر والخفي ما كان وما يكون كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ .
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . قال ابن عباس: مرَّ إبليس على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه، فقال: لأمر
ما خلق هذا! ثم دخل في فيه وخرج من دبره، وقال: إنه خلق لا يتماسك؛ لأنه أجوف. ثم قال للملائكة الذين معه: أرأيتم إن فضِّل هذا عليكم، وأمرتم بطاعته، ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا. فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه
стр. 71
لأهلكته، ولئن سلط عليّ لأعينه، فقال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ، يعني: ما يبديه الملائكة من الطاعة ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: ما يكتمه إبليس من المعصية.
قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) ﴾ .
هذه كرامة عظيمة أيضًا لآدم وذريته، حيث أمر الله الملائكة أن يسجدوا له، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ ، أي: سجود تعظيم وتحية، كما سجد إخوة يوسف له، لا سجود عبادة، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم، وحرّم ذلك في شريعتنا فسجدوا طاعة لله، وتعظيمًا لآدم، إلا إبليس أبى واستكبر عن السجود لآدم وكان من الكافرين في سابق علم الله. قال قتادة: حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكِبْر. استكبروا عدو الله أن يسجد لآدم ﵇.
قوله : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (٣٥) ﴾ .
قال ابن إسحاق: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم وعلمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . قال: ثم أُلقيت السِّنة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره - ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبّ من نومه، حتى خلق الله
стр. 72
من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشف عنه السِّنة، وهبّ من نومه رآها امرأة إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون، والله أعلم -: لحمي ودمي وزوجتي. فسكن إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه، قال له قبيلاً: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ . انتهى.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً﴾ ، أي: واسعًا كثيرًا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ كيف شئتما، ومتى شئتما، وأين شئتما، ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ أنفسكما بالمعصية.
قوله : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) ﴾ .
قال البغوي: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ استزل الشيطان آدم وحواء، أي: دعاهما إلى الزلة، وقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ أي: عن الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس، والمنزل الرحب، والرزق الهني، والراحة، وعن أبيّ بن كعب مرفوعًا: «إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً
كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء» .
وفي رواية: «لما ذاق آدم من الشجرة فرّ هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي: يا آدم أفرارًا مني؟ قال: بل حياء منك. قال: يا آدم اخرج من جواري، فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا، ثم
стр. 73
عصوني لأسكننهم دار العاصين» . رواه ابن أبي حاتم.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ﴾ : انزلوا إلى الأرض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ .
قال البغوي: أراد العداوة التي بين ذرية آدم، والحية، وبين المؤمنين من ذرية آدم، وبين إبليس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، وقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً﴾ فهبطوا ونزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند فنبتت شجرة الطيب، فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها أسفًا على الجنة حين أخرج منها.
стр. 74
وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان، وعن أبي موسى قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوّده من أثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير. وروى مسلم،
والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها» .
قال بعض العارفين: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها، وقال الشاعر:
يا ناظرًا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدًا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درج الجنان ونيل فوز العابد
أنسيت ربك حين أخرج آدمًا ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
وقال بعضهم:
ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ : مواضع قرار، ومتاع بلغة مستمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم.
قوله : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) ﴾ .
قال سعيد بن جيبر وغيره: الكلمات هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقال مجاهد عن عبيد ابن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني؟ أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل شيء
كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفر لي. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ، وعن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ . قال: قال آدم ﵇: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال له: بلى ونفخت فيّ من روحك؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ تجاوز عنه، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ على عباده، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بخلقه. كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ
стр. 75
السَّيِّئَاتِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
قوله : ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴾ .
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية: أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهُدَى الأنبياء والرسل والبينات، والبيان. ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ ، من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ يوم القيامة، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون، فيها فنعوذ بالله من حالهم.
* * *
следующие страницы →