← Тафсир

Тафсир · id 9254

توفيق الرحمن في دروس القرآن

فيصل آل مبارك

Полный текст (2 483 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولا ابنة، فهؤلاء الإخوة من الأم. إن كان واحدًا فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث. ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ . قال قتادة: إن الله ﵎ كره الضراء في الحياة وعند الموت، ونهى عنه، وقدم فيه فلا تصلح مضارة في حياة ولا موت، وقال ابن عباس: الضرار، والحيف في الوصية من الكبائر. وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ، أي: علم بالمضار وغيره، حليم لا يعاجل بالعقوبة. قال ابن جريج: وأما قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ، وسائر ما أوصى به في الأثنين , ثم قال: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ الله﴾ مصدرًا من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ . انتهى. قوله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (١٤) ﴾ . قال ابن عباس: قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ ، يعني: طاعة الله، يعني: المواريث التي سمى الله. وقال قتادة: تلك حدود الله التي حد لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها.

стр. 457

وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . قال ابن جرير: فإن قال قائل: أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعم إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكًا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادّ الله ورسوله في أمرهما، على ما ذكر ابن عباس من قول من قال: حين نزل على رسول الله ﷺ : ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين، أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدو، ولا يحوز الغنيمة، نصف المال أو جميع المال؟ استنكارًا منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الميت، ونسائه وإناث ولده، والله أعلم. * * *

стр. 458

الدرس الرابع والخمسون ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً (٢١) ﴾ . * * *

стр. 459

قوله : ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً (١٦) ﴾ . قال ابن عباس: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، فإن كانا محصنين رجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. وفي حديث عبادة عن النبي ﷺ : «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكران يجلدان وينفيان سنة، والثيبان يجلدان ويرجمان» . قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ ، قول من قال: السبيل التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصنين: الرجم بالحجارة، وللبكرين: جلد مائة ونفي سنة، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ : أنه رجم ولم يجلد. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ، قال ابن عباس: يؤذي بالتعيير، وضرب النعال.

стр. 460

قال البغوي: (فإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى، وذكر في هذه الآية الإيذاء، فكيف وجه الجمع؟ قيل: الآية الأولى في النساء، وهذه في الرجال، وهو قول مجاهد. وقيل: الآية الأولى في الثيب، وهذه في البكر) . انتهى. وقيل: نزل ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا﴾ ، في اللذين يعملان عمل قوم لوط، قال مجاهد: كل ذلك نسخته الآية التي في النور بالحد المفرض. قوله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٨) ﴾ . قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ، من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع من معصيته. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ ، قال الضحاك: كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» . رواه ابن جرير وغيره. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ، قال: إذا تبين الموت فيه لم يقبل الله له توبة، وقال ابن عباس: ولا الذين يموتون وهم كفار: أولئك أبعد من التوبة. قال

стр. 461

ابن كثير: يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه، ولا توبته ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ . قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً (٢١) ﴾ . قال ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً﴾ ، كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك. وقال مجاهد: كان إذا توفي الرجل كان ابنه الأكبر هو أحق بامرأته ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو يُنكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ، قال ابن عباس: يعني، الرجل نكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضربها لتفتدي. وقال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فلا بأس أن يضارها، ويشق عليها حتى تختلع منه، وقال ابن عباس: ﴿إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ، وهو البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل منها الفدية. وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ .

стр. 462

قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: لا تعضلوا نسائكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من غير ريبة ولا نشوز منهن، ولكن عاشروهن بالمعروف. وإن كرهتموهن فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله في إمساككم إياهن خيرًا كثيرًا، من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ، قال مجاهد: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ : طلاق امرأة مكان أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر. وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ، قال ابن عباس: الإفضاء: الجماع، ولكن الله كريم يكني. وقال قتادة: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ، والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» . رواه مسلم. وقال الربيع بن أنس: كلمة الله هي التشهد في الخطبة، والله أعلم. * * *

стр. 463

الدرس الخامس والخمسون ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ

стр. 464

ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (٢٨) ﴾ . * * *

стр. 465

قوله : ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً (٢٢) ﴾ . قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يَحْرُم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ، وقال أيضًا: كل امرأة تزوجها أبوك وابنك، دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام. وعن البراء بن عازب: (أن رسول الله ﷺ بعث أبا بردة إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله، ويأخذ ماله) . رواه الإمام أحمد، وأهل السنن. قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم

стр. 466

مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) ﴾ . قال ابن عباس: حُرّم من النسب سبعٌ، ومن الصِّهر سبعٌ. ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، قال: والسابعة: ولا تنكحوا ما نَكح آباؤكم من النساء. قال البغوي: وجملة المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة: سبعٌ بالنسب، وسبعٌ بالسبب. فأما السبع بالسبب: فمنها اثنتان بالرضاع، وأربع بالصهرية، والسابعة المحصنات، وهن من ذوات الأزواج. وأما السبع بالنسب: فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ويدخل فيهن الجدات وإن علونَ، ﴿وَبَنَاتُكُم﴾ ويدخل فيهن بنات الأولاد وإن سفلن، ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ سواء كانت من قِبَل الأب، أو والأم، ﴿وَعَمَّاتُكُم﴾ ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك، وأجدادك وإن علوا، ﴿وَخَالاتُكُم﴾ ويدخل فيهن جميع أخوات أمهاتك، وجداتك، ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ ويدخل فيهن بنات أولاد الأخ، والأخت وإن سفلن. وأما المحرمات بالرضاع: فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وجملته: أن يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. وأما المحرمات بالصهرية: فقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وجملته: أَن كل من عقد النكاح على امرأة فتحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من

стр. 467

الرضاعة والنسب بنفس العقد، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الربائب جمع: ربيبة، وهي بنت المرأة، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: جامعتموهن، ويحرم عليه أيضا بناتُ المنكوحة وبنات أولادها، وإن سفلن من الرضاع، والنسب بعد الدخول بالمنكوحة، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتت جاز له أن ينكح بنتها، ولا يجوز له أن ينكح أُمَّها؛ لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات وقال في تحريم الربائب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ، يعني: أزواج أبنائكم. وجملته: أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من الرضاع والنسب بنفس العقد. وإنما قال: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ليعلم أن حليلة المتبنَّي لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبي ﷺ تزوج امرأة زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبنَّاه رسولُ الله ﷺ . والرابع من المحرمات بالصهرية: حليلةُ الأب والجدّ وإن علا، فتحرم على الولد، وولدِ الولد بنفس العقد، سواء كان الأب من الرضاع، أو النسب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، والوطء بشبهة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت الأخوّة بينهما بالنسب، أو بالرضاع، وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها. قوله تعالى: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، يعني: لكن ما مضى فهو معفوٌ عنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: ذوات الأزواج، لا يحل للغير نكاحُهُنّ قبل مفارقة الأزواج، وهذه السابعة من النساء

стр. 468

اللاتي حُرّمن بالسبب. قال أبو سعيد الخدري: (نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فتزوجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن، ثم استثنى فقال: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهن أزواج في دار الحرب، فيحِلُّ لمالِكِهنَّ وطؤهنَّ بعد الاستبراء) . انتهى ملخصًا. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب؛ فهي لك حلال إذا استبرأتها. وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عنها، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ ، قال: ما وراء ذات القرابة. وقال ابن جرير: إن الله جل ثناؤه بيّن لعباده المحرمات، بالنسب والمصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناءه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات، المبيّنات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحًا، وملك يمين لا سفاحًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ قال ابن عباس: إذا تزوج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو: النكاح. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. وفي

стр. 469

الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية) . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ . قال ابن جرير: وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ . وقال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقال البغوي: ذهب عامة أهل العلم أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة. وعن سبرة بن معبد الجهني: أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا» . رواه مسلم. قوله : ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ

стр. 470

أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٥) ﴾ . قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ ، قال: من لم يكن له سعة. وقال مجاهد: الغنى أن ينكح المحصنات المؤمنات: ﴿فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، قال سعيد ابن جبير: أما من لم يجد ما ينكح الحرة تزوج الأمة. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ، أي: كلكم من نفس واحدة، ودينكم واحد، والله يعلم سرائركم، فلينكح بعضكم من بعض. وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾ أي: الإماء، ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ ، أي: مواليهن، ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ على ما تراضيتم به من غير مطل ولا ضرار ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائف ... ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ، قال ابن عباس: والمسافحات: المعلنات بالزنا، ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ، ذات الخليل الواحد. كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي. يقولون: أما ما ظهر منه فهو لوم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك. فأنزل الله ﵎: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ، ليس المراد أن التزويج شرط لوجوب الحد؛ بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنًا فلا رجم عليه، إنما حدّه خمسون جلدة. قال قتادة في قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ، خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فتبيّن زناها فليجلدها الحج ولا يثرب عليها، ثم إن زنت

стр. 471

فليجلدها الحدّ ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر» . وفي رواية: سئل النبي ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «إن زنت فاجلدوها» الحديث. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه خطب فقال: (يا أيها الناس أقيموا الحد على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن) . رواه مسلم. وعند أبي داود مرفوعًا: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، قال ابن عباس: العنت الزنا. وقال السدي: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يقول: وإن تصبروا ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين فهو خير لكِ. قوله : ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً (٢٨) ﴾ . قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ، أي: يريد الله أن يوضح لكم شرائع دينكم، ومصالح أموركم، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ، يعني: طرائقهم الحميدة، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ من الإِثم والمحارم، ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبر من أمورهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن

стр. 472

تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ . قال مجاهد: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ ، أن تكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. وقال ابن زيد: يريد أهل الباطل، وأهل الشهوات في دينهم أن تميلوا في دينكم ميلاً عظيمًا، تتبعون أمر دينهم، وتتركون أمر الله وأمر دينكم. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ ، قال مجاهد: يريد الله أن يخفف عنكم في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر. وقال ابن كيسان: خلق الإِنسان ضعيفًا، يستميله هواه وشهوته، وقال طاووس: ليس يكون الإِنسان في شيء أضعف منه في النساء. والله أعلم. * * *

стр. 473

الدرس السادس والخمسون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) ﴾ . * * *

стр. 474

قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً (٣١) ﴾ . قال السدي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ ، نهوا عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، وبالربا والقمار، والبخس والظلم، ﴿إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ ، ليربح في الدرهم ألفًا إن استطاع. قال قتادة: والتجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرها. وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة. وقال مجاهد في قول الله ﵎: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ في تجارة بيع، أو عطاء يعطيه أحد أحدًا. وقال الشعبي في البيّعين: إنهما بالخيار ما لم يفترقا، فإذا تصادرا فقد وجب البيع. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخيّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع» . متفق عليه. واللفظ لمسلم. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، عن عمرو بن

стр. 475

العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله : ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا) . رواه أحمد وغيره. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينًا فجز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله : عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة» . وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ . قال ابن كثير: أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًا فيه ظالمًا في تعاطيه، أي: عالمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه، ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد. وقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ . في الصحيحين عن النبي أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم

стр. 476

الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . وعن ابن مسعود قال: (سألت النبي ﷺ ما الكبائر؟ قال: «أن تدعوا لله ندًا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك» . وقرأ علينا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ . رواه ابن جرير وغيره. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس , واليمين الغموس» . قال ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وفي رواية: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. قوله : ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) ﴾ . عن مجاهد قال: (قالت أم سلمة: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ، ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ

стр. 477

وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ . وقال ابن عباس: لا يتمنى الرجل يقول: ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وقال ابن سيرين: نهيتم عن الأماني، ودُللتم على ما هو خير منه: ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ . قال ابن كثير: أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيوفقه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج» . رواه الترمذي. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ . قال ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ . قال: الموالي: العصبة يعني: الورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ . قال الحسن: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال فقال: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقال ابن عباس: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى

стр. 478

بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً﴾ ، يقول: إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف وقال مجاهد: ... ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، كان حلف في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والنصرة والمشورة، ولا ميراث. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم، وإني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة» . رواه ابن جرير. وقال ابن كثير في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ، أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربائه، وهم يرثون دون سائر الناس. كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ

стр. 479

أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) ﴾ . قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ ، يعني: أمراء. عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته وسعيه. وقال الضحاك: الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله، فإن أبت فله أن يضربها ضربًا غير مبرح، أي: غير مؤثر. وقال السدي: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ ، يأخذون على أيديهن ويؤدبهن. وقال قتادة: ( صك رجل امرأته فأتت النبي ﷺ فأراد أن يقيدها منه، فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ . وقال الزهري: لو أن رجلاً شج امرأته أو جرحها لم يكن عليه في ذلك قود، وكان عليه العقل، يعني: الدية، إلا أن يعدوا عليها فيقتلها فيُقتل بها. وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ قال سفيان: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ يعملن بالخير، ﴿قَانِتَاتٌ﴾ ، قال مجاهد: مطيعات. وقال قتادة: أي: مطيعات لله ولأزواجهن. ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ . قال السدي: تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها - ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ » الآية. رواه ابن جرير. قال ابن جرير: وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه عن ذكره ومعناه ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ ، فأحسنوا إليهن وأصلحوا.

стр. 480

وقوله تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ . قال ابن زيد: النشوز معصية الزوج وخلافه. وقال مجاهد: إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل عليها. وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ، يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها. وقال قتادة: إذا خاف نشوزها وعظها، فإن قبلت وإلا هجر مضجعها. وعن معاوية بن حيدة: أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت» . وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ، قال: تهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت، وإلا فقد حل لك منها الفدية، ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ . قال: إذا ضاجعته. وقال سفيان بن عيينة: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ . قال ابن كثير: فيه تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليّهن، وهو منتقم ممن ظلمهم وبغى عليهن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أن قال: «لا تضربوا إماء الله» . فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله فقال: ذئرن النساء على أزواجهن. فرخص رسول الله ﷺ في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» . رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة.

стр. 481

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . قال السدي في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ ، إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقته، يقول: عادته. وقال سعيد بن جبير يعظها: فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلا السلطان، فيبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم رده السلطان، وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزًا أمره أن يخلع. وقال ابن عباس في قوله: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب. وقال البخاري: باب الشقاق: وهل يشير بالخلع عند الضرورة؟ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ ، الحكام، وأن المراد بقوله: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً﴾ ، الحكمان، وأن الحكمين يكون أحدهما من جهة الرجل، والآخر من جهة المرأة، إلا أن لا يوجد من أهلهما من يصلح، فيجوز أن يكون من الأجانب ممن يصلح لذلك، وأنهما إذا اختلفا لم ينفذ قولهما، وإن اتفقا نفذ في الجميع بينهما من غير توكيل. واختلفوا فيما إذا اتفقا على الفرقة: فقال مالك، والأوزاعي، وإسحاق: ينفذ بغير توكيل ولا إذن من الزوجين. وقال الكوفيون، والشافعي، وأحمد: يحتاجان إلا الإذن. فأما مالك ومن تابعه فألحقوه بالعنّين والمولى، فإن الحاكم يطلق عليهما، فكذلك هذا وأيضًا، فلما كان المخاطب بذلك الحكام، وأن الإرسال إليهم دل على أن بلوغ

стр. 482

الغاية من الجمع أو التفريق إليهم، وجرى الباقون على الأصل، وهو أن الطلاق بيد الزوج، فإن أذن في ذلك وإلا طلق عليه الحاكم) . انتهى. وقال الشيخ ابن سعدي: ومهما وجدا طريقًا إلى الإصلاح والاتفاق والملاءمة بينهما لم يعدِلا عنها إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها، ورُأي أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الملاءمة، فرقا بينهما بما تقتضيه الحال، بعوض أو بغير عوض، ولا يشترط في هذا رضى الزوج، لأن الله سماهما حكمين لا وكيلين. ومن قال: أنهما وكيلان اشترط في التفريق رضى الزوج، ولكن هذا القول ضعيف. ولمحبة الباري للاتفاق بينهما، وترجيحه على الآخر قال: ... ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ . انتهى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ . قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً﴾ ، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره، ﴿خَبِيراً﴾ بذلك وبغيره من أمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم حتى يجازي كلاً منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا. وبالله التوفيق. * * *

стр. 483

الدرس السابع والخمسون ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِم عَلِيماً (٣٩) إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢) ﴾ . * * *

стр. 484

قوله : ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (٣٧) ﴾ . قال البغوي: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ﴾ أي: وحدوه وأطيعوه ﴿وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ . ثم ساق بسنده عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ فقال: هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس» ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا شركوا به شيئًا. أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم» . قال قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: «دعهم يعملون» . قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ، برًا بهما وعطفًا عليهما، ... ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ، أي: أحسنوا، ﴿بِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ . ثم ساق بسنده عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم في الجنة

стр. 485

هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ . قال ابن عباس: يعني: ذا الرحم. وقال مجاهد: جارك وهو ذا قرابتك. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ ، قال ابن عباس: الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقال مجاهد: البعيد في النسب وهو جار. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ . قال مجاهد: صاحبك في السفر. وقال علي: هي: المرأة. وقال ابن عباس: ﴿الصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ ، الملازم. قال ابن جرير: وقد يدخل في هذا الرفيق في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب؛ وساق بسنده عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إن خير الأصحاب عن الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عن الله خيرهم لجاره» . وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ . قال مجاهد: هو الذي يمر عليك وهو مسافر. وقال قتادة: هو الضيف. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، يعني: الأرقاء. قال مجاهد: كل هذا أوصى الله به.

стр. 486

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ ، قال مجاهد: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾ متكبرًا، ﴿فَخُوراً﴾ ، قال: بعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله. قال أبو رجاء: لا تجد سيِّئ الملكة إلا وجدته مختالاً فخورًا. وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ ، ولا عاقًا إلا وجدته جبارًا شقيًا، وتلا: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ . وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . قال طاووس: البخل: أن يبخل الإنسان بما في يديه. والشح: أن يشح على ما في أيدي الناس. قال يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام لا يقنع. وقال قتادة في قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ، هم: أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. قال ابن كثير: والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ . قال ابن كثير: فالبخيل جحود لنعمة الله، ولا تظهر عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ ، أي: بحاله وشمائله. وقال ها هنا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ولهذا نوعدكم بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ والكفر: هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها

стр. 487

ويجحدها. فهو كافر لنعمة الله عليه. وفي الحديث: «أن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه» . وفي الدعاء النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا» . انتهى ملخصًا. قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكَانَ اللهُ بِهِم عَلِيماً (٣٩) ﴾ . قال السدي: نزلت في المنافقين. قال ابن كثير: ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم السمعة، وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراءون بأعمالهم. (يقول صاحب المال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت إنما أردت أن يقال: جواد، فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك) . وإن رسول الله ﷺ قال لعدي بن حاتم: «إن أباك أراد مرادًا فبلغه» . وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ سئل عن

стр. 488

عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: «لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» . ولهذا قال: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية، أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم، فحسن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً﴾ ، ولهذا قال الشاعر: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارَن يقتدي ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ الآية، أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله، وسلكوا الطريق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلا الإخلاص والإيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه اللتي يحبها الله ويرضاهها؟ [و] قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ بِهِم عَلِيماً﴾ ، أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم وإلهامه ورشده ويقبضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا بالله من ذلك. انتهى. قوله : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢) ﴾ . قال ابن عباس في قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ، قال: رأس نملة حمراء. وقال قتادة: كان بعض أهل العلم يقول: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذرة، أحب إليّ

стр. 489

من أن تكون لي الدنيا جميعًا. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها، الرزق في الدنيا ويجزي بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإن كان يوم القيامة لم تكن له حسنة» . رواه ابن جرير وغيره. وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، قال: الجنة. وفي حديث الشفاعة الطويل عن رسول الله ﷺ : «فيقول الله : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه أدنى، أدنى، أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية، متفق عليه. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ . قال ابن جريج: قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ، قال: رسولهها، فيشهد علينا أن قد أبلغهم ما أرسله الله إليهم. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ ، قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى عليها فاضت عيناه) , وعن ابن مسعود: (أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ عليّ» . قال: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ! قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» . قال: فقرأت سورة النساء، حتى أتيت عل هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ . فقال: «حسبك الآن» . فالتفت فإذا عيناه تذرفان) . متفق عليه. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل إلى ابن عباس فقال:

стр. 490

سمعت الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلا أَن قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ . فقال ابن عباس: أما قوله ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا الله لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنجحد، فقالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثًا. وقال الحسن: إنها مواطن: ففي موطن لا يتكلمون، ولا تسمع إلا همسًا، وفي موطن يتكلمون ويكذبون، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم. وهو قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ . والله أعلم. * * *

стр. 491

الدرس الثامن والخمسون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (٥١) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ

стр. 492

نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) ﴾ . * * *

стр. 493

قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (٤٣) ﴾ . روى ابن جرير عن عليّ: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلط فيها، فنزلت: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ . وعن أبي رزين قال: كانوا يشربون بعدما أنزلت التي في البقرة وبعد التي في النساء، فلما أنزلت التي في المائدة تركوها. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول» . رواه البخاري، والنسائي. وفي بعض ألفاظه: «فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ ، قال ابن عباس: قوله: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: المسافر. يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللت لكم أن تمسحوا بالأرض. وقال إبراهيم لا بأس أن يمر الجنب في المسجد إذا لم يكن له طريق غيره. وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ

стр. 494

أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ . عن ابن أبي مليكة قال: دخل ابن عباس على عائشة فقال: كنتِ أعظم المسلمين بركة على المسلمين، سقطت قلادتك بالأبواء فأنزل الله فيك آية التيمم. وقال ابن مسعود: المرض الذي قد أرخص له في التيمم هو: الكسير الجريح، فإذا أصابت الجنابة الكسر اغتسل ولا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها. وقال سعيد بن جبير: إذا كان به جروح أو قروح يتيمم. وقال مجاهد: والمرض أن يصيب الرجل والجرح، والقرح، والجدري، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء. وقوله: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُ مِّن الْغَآئِطِ﴾ هو كناية عن حاجة الإنسان. والغائط في الأصل: الموضع المطمئن من الأرض. قال مجاهد: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُن مِّن الْغَآئِطِ﴾ ، قال: الغائط الوادي. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ ، قال ابن عباس: هو الجماع، ولكن الله كريم يكني. وقال ابن مسعود: القبلة من اللمس، وفيها الوضوء. قال إبراهيم: اللمس من شهوة ينقض الوضوء. وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء) . رواه ابن جرير. وعن ابن جريج: قلت لعطاء: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ ، قال: الطيب ما حولك. قلت: مكان جرد غير بطح أيجزئ عني؟ قال: نعم. قال ابن جرير يعني (بالطيِّب) : طاهرًا من الأقذار والنجاسات. وعن أبي مالك قال. وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعها فنفخها فمسح وجهه وكفيه ثم قال: هكذا التيمم. قال الحسن: يصلي المتيمم

стр. 495

بتيممه ما لم يحدث. وعن علي ﵁ أنه كان يقول: التيمم لكل صلاة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأعدل الأقوال: التيمم لوقت كل صلاة. قوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً (٤٦) ﴾ . قال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، إذا كلم رسول الله لوى لسانه وقال: راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ . وقال مجاهد في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ، تبديل اليهود التوراة. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ ، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان: اسمع لا سمعت، أذى لرسول الله ﷺ وشتمًا له واستهزاء. وقوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ ، قال الضحاك: كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك، يلوي بذلك لسانه. يعني: يحرف معناه. قال ابن زيد: والراعن: الخطأ من الكلام. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ ، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَوْ
следующие страницы →