Полный текст (2 483 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له علي: أُدْنُه، أدنه. ثم قال: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ يوم القيامة، قال السدي: حجة.
قوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً (١٤٢) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) ﴾ .
عن السدي: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ، قال: يعطيهم يوم القيامة نورًا يمشون به على المسلمين كما كانوا معهم في الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفيه، فيقومون في ظلمتهم، ويضرب بينهم السور.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ ، قال قتادة: وإنه والله لولا الناس ما صلّى المنافق، ولا يصلي إلا رياء.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً﴾ . قال الحسن: إنما قَلّ لأنه كان لغير الله. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» .
وفي رواية: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين جنتين لشهد العشاء، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية، لحرقت عليهم بيوتهم بالنار» . وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «تلك صلاة
стр. 562
المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» . رواه مسلم وغيره.
وقوله تعالى: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ . قال قتادة في قوله: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «مثل المنافق كمثل الشاة العائزة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع» . رواه ابن جرير وغيره.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً (١٤٧) ﴾ .
عن قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ، وإن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول عذرًا مبينًا. وقال عكرمة: ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة. وعن ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم. وقال حذيفة: ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، ثم قرأ: ﴿إِلا الَّذِينَ
стр. 563
تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ ، أي: أنه لا يعذب المؤمن الشاكر. ﴿وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ ، أي: من أطاعه صادقًا أثابه أوفر الجزاء. والله أعلم.
* * *
ــ
انتهى الجزء الأول بحمد الله، ويليه الجزء الثاني
ــ
стр. 564
تَألِيفُ
فَضَيلةِ الشَّيْخِ العَلاَّمةِ
فَيْصَلَ بِنَ عَبدِ العَزِيزِ آل مُبَارَك
ت ١٣٧٦هـ ﵀
الجزء الثاني
من سورة النساء آية ١٤٨ إلى آخر سورة الإسراء
стр. 565
الدرس التاسع والستون
... ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ
وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِن مِّنْ أَهْلِ
стр. 566
الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٦١) لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) ﴾ .
* * *
стр. 567
قوله : ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً (١٤٩) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ﴾ ، أي: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «المستبان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلموم» . رواه أبو داود.
وقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ . في الحديث الصحيح: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً (١٥٢) ﴾ .
стр. 568
قال قتادة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ : الآيتين أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت اليهود
بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من لله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ كلهم. وهم: المؤمنون، ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ، أي: غفورًا لذنوبهم، رحيمًا بهم.
قوله : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً (١٥٤) ﴾ .
عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله فآتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ .
قال البغوي: وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح، لا سؤال انقياد، والله تعالى لا ينزل آيات على اقتراح للعبادة.
стр. 569
قوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ ، أي: أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذين خرج بهم موسى ﵇ إلى الجبل، ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً﴾ ، أي: عيانًا، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ . ﴿ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ ، يعني: إلهًا، وثم هنا لترتيب الأخبار لا للتعقيب، لأن اتخاذهم العجل قبل سؤالهم رؤية الله .
وقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ، أي: المعجزات التسع، وإهلاك فرعون وجنوده، ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ﴾ ولم نستأصلهم بالعقوبة، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ، أي: حجة بينة.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ .
قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ ، يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ ، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد لنعملن بما في التوراة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ ، قال قتادة: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ أصر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا يعرضوا لها وأحل لهم ما وراء ذلك.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ، يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون ما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه مما ذكر في هذه الآية ومما في التوراة.
قوله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ
стр. 570
الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) ﴾ .
قال قتادة في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ، يقول: فبنقضهم ميثاقهم، لعناهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، أي: لا تفقه، ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ولعنهم حين فعلوا ذلك.
قال في جامع البيان: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ ما مزيدة للتأكد ﴿مِّيثَاقَهُمْ﴾ فعلنا بهم ما فعلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ، قال ابن عباس: يعني: أنهم رموها بالزنا. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ، قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود، اشتهروا بقتل عيسى بن مريم رسول الله، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذكر لنا أن نبي الله عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه بشبهي فإنه مقتول؟ فقال رجل من أصحابه: أنا. فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ إتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ قال الكلبي: اختلافهم هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه، وقالت طائفة من النصارى: نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ما قتله هؤلاء، ولا هؤلاء؛ بل رفعه الله إلى السماء، ونحن ننظر إليه.
стр. 571
وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ ، قال الحسن: والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وعن أبي مالك في قوله: ﴿إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ، قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر كأنّ رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين لعله
- مهرودتين - فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيح الغلالة الكذاب الدجال، وتقع الأمنة في الأرض في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمان والصبيان بالحيات لا يضرهم بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله، وربما قال: أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» . رواه ابن جرير. وعن قتادة: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ ، يقول: يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة أنه قد بلغ رسالة ربه وأقر بالعبودية على نفسه.
قوله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (١٦١) لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ
стр. 572
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) ﴾ .
عن قتادة: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه، وبغي بغوه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم
وبظلمهم. وقال مجاهد في قول الله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ ، قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ .
قال ابن جرير: يعني: ما كانوا يأخذون من الرشا على الحكم، كما وصفهم الله في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ . قال قتادة: استثنى الله منهم ثنية من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله، وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله يؤمنون به ويصدقون به، ويعلمون أنه الحق من ربهم.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، يعني: الجنة. والله أعلم.
* * *
стр. 573
الدرس السبعون
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) ﴾ .
* * *
стр. 574
قوله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) ﴾ .
قال ابن عباس: قال سكين، وعدي بن ثابت: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ .
قال ابن كثير: والزبور: الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇.
قال البغوي: وكان فيه التحميد والتمجيد، والثناء على الله ، ثم روي بسنده عن أبي موسى ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك، لقد أعطيت مزمارًا من مزامير آل داود» ، فقال: أما والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمتع لحبرته تحبيرًا. وكان عمر ﵁ إذا رآه يقول: ذكّرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.
стр. 575
وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ في حديث أبي ذر الطويل قلت: يا رسول الله كم
الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا» . قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير» .
وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ هذا تشريف لموسى ﵇، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلاً يقرأ: وكلم اللهَ موسى تكليمًا فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر. وقرأها رجل كذلك على بعض المشايخ فقال له: ياابن اللخناء كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ؟ ! يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل. قال الفرّاء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكن لا تحقّقه بالمصدر، فإذا حقّق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. وقال ابن عباس: لما سمع موسى كلام الآدميين، مقتهم ممّا وقع في مسامعه من كلام الرب .
وقوله تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ، عن السدي: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلاً. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : «لا أحد أَغْيَرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد
стр. 576
أحبّ إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه» .
قوله : ﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) ﴾ .
عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من يهود فقال لهم: «إني والله أعلم لتعلمون أني رسول الله» فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله ﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ قال قتادة: شهود والله غير متّهمة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ ، أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق وسعوا في صد الناس عن اتباعه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ .
قال ابن كثير: ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه
стр. 577
ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، بالصدّ عن سبيله، وارتكاب محارمه، وانتهاك مآثمه، بأنه لا يغفر لهم، ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ ، أي: سبيلاً إلى الخير ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا استثناء منقطع، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ .
قال البغوي: وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ ، أي: يكن الإيمان خيرًا لكم، ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ .
قال ابن جرير: يقول: ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيته في ذلك، وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم ﴿حَكِيماً﴾ ، يعني: حكيمًا في أمره إيّاكم بما أمركم به، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه، والله أعلم.
* * *
стр. 578
الدرس الحادي والسبعون
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) ﴾ .
* * *
стр. 579
قوله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) ﴾ .
قال البغوي: نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية، والملكانية، والنسطورية، والمرقسية. فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية. وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله. وقالت المرقسية: ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأصل الغلوّ مجاوزة الحد.
وعن الربيع: ثاروا فريقين: فريق غلوا في الدين فكان غلوّهم فيه الشك فيه والرغبة عنه، وفريق منهم قصروا عنه ففسقوا عن أمر ربهم. وعن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . رواه أحمد وغيره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ، عن قتادة: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ، قال: هو قوله: كن،
стр. 580
فكان. وقال شاذ بن يحيى في قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ : ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار
عيسى. وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنّة حقّ والنار حقّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» . متفق عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، لأن النبي إنما يجوز لمن يتصور له، ولد وذلك لا يجوز على الرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ، ولهذا قال تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ ... وَكِيلاً﴾ .
قوله : ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً (١٧٣) ﴾ .
قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه يقول: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ﴾ لن يأنف
стр. 581
ولن يستكبر المسيح أن يكون عبدًا لله. وقال قتادة: لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا لله ﴿وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ .
قال البغوي: قيل: الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو العلو والتكبر من غير أنفة. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ من تضعيف ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأما الذين استنكفوا واستكبروا عن عبادته فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون اللهِ ولياً ولا نصيراً.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (١٧٥) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، أي: بينة من ربكم، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ ، وهو هذا القرآن. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ، قال ابن جريج في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ ، قال: بالقرآن.
وقال البغوي: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ امتنعوا به من زيغ الشيطان ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ، يعني: الجنة. ... ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ .
قال ابن جرير: يقول: ويوفقهم لإِصابة فضله الذي تفضّل به على أوليائه،
стр. 582
ويسدّدهم لسلوك منهج مَنْ أنعم عليه من أهل طاعته ولاقتفاء آثارهم وإتباع دينهم، وذلك هو الصراط المستقيم، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإِسلام.
قوله : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) ﴾ .
في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: (دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، قال: فتوضّأ ثم صبر عليّ فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض وفي لفظ: فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ الآية) .
وعن عمر قال: ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: «يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» . رواه أحمد وغيره.
قال ابن كثير: فسّرها أكثر العلماء فيمن يموت وليس له ولد ولا والد.
قال قتادة: وذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية: أنزلها الله في الزوج والزوجة والإِخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء: أنزلها في الإِخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة
стр. 583
الأنفال: أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة.
وعن السدي: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ، يقول: مات ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ذكر ولا أنثى ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ .
قال ابن جرير: يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ، يقول: فلأخته التي تركها بالصفة التي وصفنا نصف تركته ميراثًا عنه دون سائر عصبته، وما بقي فلعصبته. قال: فأمّا إذا كان للميت ولد أنثى، فهي مع عصبة.
وعن ابن جريج قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ . قال: في شأن المواريث ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: والله بكل شيء من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء ﴿عَلِيمٌ﴾ ، يقول: هو بذلك كلَّه ذو علم. انتهى. والله أعلم وبالله التوفيق.
* * *
стр. 584
الدرس الثاني والسبعون
[المائدة]
مدنية، وهي مائة وعشرون آية
... عن عبد الله بن عمرو قال: (آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح) . رواه الترمذي. يعني: إذا جاء نصر الله والفتح. روى الحاكم عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: (يا جبير تقرأ المائدة؟) فقلت: نعم. فقالت: (أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن
стр. 585
صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن
تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾ .
* * *
стр. 586
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ ، يعني: بالعهود. وعن مجاهد: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ ما عقد الله على العباد مما أحل لهم، وحرّم عليهم. وقال عبد الله بن عبيدة: العقود خمس: عقدة الإِيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحلف.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ ، قال الحسن: من الإبل، والبقر، والغنم. وعن ابن عباس: أن بقرة نُحرت فوُجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ، قال قتادة: إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. وعن ابن عباس: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ، هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير ما أهل لغير الله به. وقال مجاهد: إلا الميتة وما ذكر معها.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ .
стр. 587
قال البغوي: معنى الآية: أحلّت لكم بهيمة الأنعام كلّها إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإِحرام.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ﴾ ، قال ابن عباس: كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظّمون حرمة المشاعر، ويتّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فقال الله : ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ﴾ وسئل عطاء عن شعائر الله فقال: حرمات الله: اجتناب سخط الله وإتباع طاعته، فذلك شعائر الله. وقال ابن عباس: مناسك الحج.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ، قال ابن عباس: يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه. قال قتادة: كان الشرك يومئذٍ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ﴾ ، أي: لا تتعرضوا للهدايا المقلّدات وغير المقلّدات. وقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، يقلّد من الشعر فلم يعرض له أحد، فإذا رجع يقلّد قلادة فلم يعرض له أحد.
وقوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ ، قال ابن جريج: ينهى عن الحجاج أن تقطع سبلهم. وقال ابن عباس:
نهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا أن يحج البيت، أو يعرضوا له من مؤمن وكافر، ثم أنزل الله بعد هذا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ ، قال مجاهد: هي رخصة.
стр. 588
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾ ، قال قتادة: أي: لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا.
قال ابن كثير: أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتقتصّوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد.
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ، قال ابن عباس: البرّ ما أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه.
قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣) ﴾ .
قال ابن كثير: قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ِ﴾ ، أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام، لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته ... على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر اسم غيره من صنم، أو طاغوت، أو وثن، أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وقال ابن عباس: المنخنقة: التي تختنق فتموت؛ وقال قتادة: هي التي تموت في خناقها، وقال أيضًا: كان أهل
стр. 589
الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. والموقوذة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا حتى إذا ماتت أكلوها. وقال السدي: المتردية هي التي تردّى من الجبل أو البئر فتموت. والنطحية: التي تنطحها البقر والغنم فتموت، يقول: هذا حرام لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه. وعن ابن عباس: وما أكل السبع يقول: وما أخذ السبع. قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع سيئًا من هذا أو أكل منه أكلوا ما بقي.
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ، قال ابن عباس: يقول: ما أدركت ذكاته من هذا كله يتحرك له ذنب، أو تطرف له عين، فاذبح، واذكر الله عليه، فهو حلال.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ، قال قتادة: والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك.
قال ابن كثير: فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى لو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ ، قال الحسن: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا يعمدون إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب: أؤمرني، وعلى الآخر: انهني، ويتركون الآخر محلّلاً بينهما ليس عليه شيء، ثم يحلّونها فإن خرج الذي عليه: أؤمرني، مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه: انهني، كفّوا وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ، قال ابن عباس: يعنى: من أكل من ذلك كله فهو فسق.
стр. 590
وقال ابن كثير: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ، أي: تعاطيه فسق وغيّ وضلالة وجهالة وشرك، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ ، قال مجاهد: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ ،
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ : هذا حين فعلت. وقال ابن زيد في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ ، قال: هذا يوم عرفة. وقال ابن عباس: يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا.
قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميّز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله.
وقال ابن جريج: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ . قال ابن جرير يقول: ولكن خافون إن أنتم خالفتم أمري، واجترأتم على معصيتي، وتعدّيتم حدودي، أن أحلّ بكم عقابي وأنزل بكم عذابي.
وعن ابن عباس: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، وهو: الإسلام، قال: أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا. وعن هارون بن عنترة عن أبيه: قال لما نزلت: ... ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكي عمر فقال له النبي ﷺ : «ما يبكيك» ؟ قال: أبكاني أنَّا كنا في زيادة من
стр. 591
ديننا، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلاَّ نقص، فقال: «صدقت» . وعن قتادة: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ الآية: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ يوم عرفة يوم الجمعة، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص للمسلمين حجهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ ، يعني: في مجاعة. وقال مجاهد ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لّإِثْمٍ﴾ غير متعمد لإثم، وقال السدي: يقول: غير متعرض لإِثم، أي: يبتغي فيه شهوة أو يتعدّى في أكله. وعن أبي واقد الليثي قال قلنا: يا رسول الله إنا بأرض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: «إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفتوا بقلاً فشأنكم بها» . رواه ابن جرير.
قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) ﴾ .
روى ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين أنهما سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله قد حرّم الله الميتة فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ .
стр. 592
وعن الحسن في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ، قال: كل ما علم فصاد من كلب أو صقر أو فهد أو غيره.
قال ابن جرير: فقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه.
وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ .
قال البغوي: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ تؤدبوهن آداب أخذ الصيد، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ ، أي: من العلم الذي علمكم الله. قال ابن عباس: إن المُعَلَّم من الكلاب: أن يمسك صيده، فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه، فيدرك ذكاته فلا يأكل من صيده. وقال طاوس: إذا أكل الكلب فهو ميتة فلا تأكل. وقال إبراهيم: إذا أكل البازي، والصقر من الصيد فكل، فإنه لا يعلّم. وروى ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فما يحلّ لنا منها؟ قال: «يحلّ لكم ما علّمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علّمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه» . ثم قال: ... «ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ مما أمسك عليك» . قلت: وإن قتل؟ قال: «وإن قتل، ما لم يأكل» ، قلت: يا رسول الله وإن خالطت كلابنا كلابًا غيرها؟ قال: «فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك» ، قال: قلت: إنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: «ما ذكرت اسم الله عليه وخزفت فكل» .
стр. 593
قال ابن كثير: اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة فدل على التفرقة بينهما في الحكم والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ، قال قتادة: إذا أرسلت كلبك المعلّم، أو طيرك، أو سهمك، فذكرت اسم الله فأخذ، أو قتل، فكل. وقال
الضحاك: إذا أرسلت كلبك المعلّم فذكرت اسم الله حين ترسله، فأمسك، أو قتل هو حلال، فإذا أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه. وقال ابن عباس: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله إن نسيت فلا حرج.
قوله : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾ .
قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ : اليوم أحل لكم أيها المؤمنون الحلال من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها.
وعن مجاهد: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ، قال: الذبائح. وقال الضحاك: أحلّ الله لنا طعامهم ونساءهم. وعن الشعبي أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وقرأ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي
стр. 594
أَخْدَانٍ﴾ ، عن مجاهد: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ ، قال: الحرائر. وقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن لا تزني وتغتسل من الجنابة. وعن ابن عباس: قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾
، يعني: ينكحوهن بالمهر والبيّنة ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ متعالين بالزنا، ﴿وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ ، يعني: يسرّون بالزنا. وسئل الحسن: أيتزوج رجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات؟ فإن كان لا بد فاعلاً فليعمد إليها حصانًا غير مسافحة. وعن عطاء: أن الرخصة كانت مختصةً بذلك الوقت؛ لأنه كان في المسلمات قلّة، وكان عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ .
قلت: وأكثر اليهود والنصارى في هذا الوقت دهرية، ولا يتمسكون بكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، قال عطاء: الإِيمان: التوحيد. والله أعلم.
* * *
стр. 595
الدرس الثالث والسبعون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴾ .
* * *
стр. 596
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) ﴾ .
سئل عكرمة عن قول الله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فكلّ ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: لا وضوء إلا من حدث. وقال السدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ، يقول: قمتم وأنتم على غير طهر. وعن أنس قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوّز خفيفًا، فقال: هذا وضوء من لم يُحْدث. وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكلّ صلاة فلما كان عام الفتح صلَّى الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! قال: «عمدًا فعلتُه» . قال ابن جرير كلامًا معناه: أنه أَمْرُ فرضٍ على المحدث، وأمرُ ندبٍ إن كان على طهر.
وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» . رواه ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ، قال إبراهيم: يجزي اللحية ما سال
стр. 597
عليها من الماء. وكان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه. وعن قتادة عن الحسن قال: ليس عرك العارضين في الوضوء بواجب. وقال أبو عمر: وليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء. وعن شعبة قال: سألت الحكم وقتادة عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، فقال: يمضي في صلاته. وقال ابن عمر: الأذنان من الرأس، فإذا مسحت الرأس فامسحها؛ وعنه أنه: (كان إذا توضأ عرك عارضيه، وشبك لحيته بأصابعه أحيانًا، ويترك أحيانًا) . وعن أم سلمة: (أن رسول الله ﷺ توضأ فخلّل لحيته) . رواه ابن جرير. وعن أبي أيوب قال: (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء) . رواه ابن جرير.
قال ابن جرير: الوجه الذي أمر الله جلّ ذكره بغسله، كل ما انحدر عن منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضًا، مما هو ظاهر لعين الناظر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ، قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في المرافق فيما يغسل.
وقال ابن جرير: فأما المرفقان وما وراءهما، فإن ذلك من الندب.
стр. 598
وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ، أي: مع المرافق، وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين.
وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ في الصحيحين عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: (أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه) .
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ ، أي: واغسلوا أرجلكم مع الكعبين. وعن ابن عباس أنه قرأها: فامسحوا برؤسكم وأرجلَكم بالنصب، وقال: عاد الأمر إلى الغسل. وعن ابن مسعود قال: خلّلوا الأصابع بالماء لا تخلّلها النار. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار» . رواه مسلم، زاد البيهقي: «وبطون الأقدام» . وعن حذيفة: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا ثم توضأ ومسح على خفيه) . متفق عليه.
стр. 599
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ ، أي: اغتسلوا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ فيه دليل على أن التيمم يكفي من لا يجد الماء عن الحدث الأصغر والأكبر، وكذلك المريض، إذا خاف الضرر من استعماله.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال مجاهد: ﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾ من ضيق. وعن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يتوضأ فيغسل وجهه إلا خرجت خطاياه من وجهه وإذا غسل يديه أو ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» . رواه ابن جرير وغيره.
قوله : ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم
стр. 600
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) ﴾ .
عن مجاهد: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، قال: بالنعم. وعن ابن عباس: قوله: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية. يعني: حيث بعث الله النبي ﷺ وأنزل الكتاب فقالوا: آمنا بالنبي ﷺ وبالكتاب.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ ، أي: كونوا قوامين بالحق لله ، وكونوا ﴿شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ ، أي: بالعدل لا بالجور. ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ ، أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو عدوًا.
وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، أي: اعدلوا في أوليائكم وأعدائكم، فالعدل أقرب إلى التقوى من تركه.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ، أي: وعد الله المؤمنين الجنة ووقفهم لأعمالها، وأعدّ للكافرين النار بتكذيبهم وعتّوهم.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
следующие страницы →