Полный текст (2 483 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ
اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) ﴾ .
عن قتادة: قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله. وقال ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ، يعني: أمينًا عليه يحكم على ما كان قبله من الكتب. وعن مسروق: أنه كان يحلّف اليهودي والنصراني [بالله] ، ثم قرأ: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ ، وأنزل الله أن لا يشركوا به شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ عن قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ، يقول: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة. للتوراة شريعة، وللإِنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، بلاءً ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين واحد، الذي لا يقبل غيره، التوحيد والإِخلاص لله الذي جاءت به الرسل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ، عن ابن
عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن
стр. 632
دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود، وأشرافهم، وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإنَّ بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك. فأبى رسول الله ﷺ فأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . والله أعلم.
* * *
стр. 633
الدرس الثامن والسبعون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن
لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ
стр. 634
يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) ﴾ .
* * *
стр. 635
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (٥٣) ﴾ .
عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثيرٌ عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبيّ: «يا أبا الحباب؛ ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه» قال: قد قبلت، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ .
وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ .
قال البغوي: في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 636
قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ : ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم، ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولّ أحدًا إلا وهو به وبدينه، وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكمه حكمه.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ ، قال قتادة: أناس من المنافقين كانوا يوادون اليهود، ويناصحونهم دون المؤمنين. ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال: بالقضاء، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ من موادتهم اليهود ومن غشهم للإِسلام وأهله. وقال السدي: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ فتح مكة، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ ، قال: الأمر: الجزية. وقال مجاهد: ﴿فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ حينئذٍ يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين.
قال البغوي: يعني: يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ حلفوا بالله ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، أي: حلفوا بأغلظ الإيمان، ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ ، أي: إنهم لمؤمنون؟ يريد أن المؤمنين حينئذٍ يتعجبون من كذبهم، وحلفهم بالباطل؛ قال الله تعالى:
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطل كل خير عملوه، ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب، وفوات الثواب.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) ﴾ .
قال الضحاك في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ هو: أبو بكر وأصحابه، لمَّا ارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردّهم إلى الإسلام. وعن مجاهد في قول الله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ، قال: أناسٌ من أهل اليمن. وعن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ
стр. 637
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ، قال: أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه فقال: «هم قوم هذا» . رواه ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، قال عليّ ﵁: أهل رقة على أهل دينهم، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم.
وقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ عن أبي ذر ﵁ قال: (أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني: بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني: أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني: أن أصل الرحم وإن أدبرَتْ، وأمرني: أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني: أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني: أن لا أخاف في الله لومة
стр. 638
لائم، وأمرني: أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنز تحت العرش) . رواه أحمد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، أي: متخشّعون في صلاتهم وزكاتهم. وعن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ، قلنا: مَنِ الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلغنا أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب. قال: عليُّ من الذين آمنوا. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، قال السدي: أخبرهم - يعني الرب تعالى ذكره - من الغالب فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة.
قال البغوي: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، يعني يقول: للقيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين. قال ابن عباس ﵁: يريد المهاجرين والأنصار. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ﴾ ، يعني: أنصار الله هم الغالبون.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (٥٨) ﴾ .
عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوث، وسويد بن الحارث قد
стр. 639
أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله فيهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ ، قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع
المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حُرق الكاذب. فدخل خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم، وأهله نيام فسقطت شرارة، فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله.
قوله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٦٣) ﴾ .
قال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، قال: ... «أؤمن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» فلما ذكر عيسى حجدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ
تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ .
стр. 640
قال ابن جرير: معنى الكلام: هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وفسقكم؟
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ، عن السدي: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ﴾ ، يقول: ثوابًا عند الله.
قال البغوي: قل يا محمد: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبركم، ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتم، يعني قولهم: لم نر أهل دين أقلّ حظًا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، وإن لم يكن الابتداء شرًا، لقوله: ﴿أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ﴾ النار، ﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابًا وجزاء، ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ، أي: هو: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ، يعني: اليهود، ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ فالقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى ﵇، ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ، أي: جعل منهم عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سوّل له، ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ .
قال ابن جرير: قل لهم يا محمد: هؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، أَشَرٌ أم مَنْ لعنه الله؟
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾ ، هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
стр. 641
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ، قال ابن زيد: هؤلاء اليهود، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ إلى قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ، قال: يصنعون ويعملون واحد، قال لهؤلاء حين لم ينتهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا. قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشدّ توبيخًا من هذه الآية ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهى.
قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ
وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) ﴾ .
عن ابن عباس: قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ ، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. وقال قتادة: أما قوله: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قالوا: الله بخيل غير جواد، قال الله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ .
قال ابن كثير: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل، والحسد، والجبن، والذلة أمر عظيم.
стр. 642
قال ابن جرير: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، فقال بعضهم: عنى بذلك نعمتاه، وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة، وقال آخرون منهم: بل يد الله صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح آدم، وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وقال به العلماء وأهل التأويل. انتهى ملخصًا.
قال البغوي: ويد الله صفة من صفات ذاته، كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وقال النبي ﷺ : «كلتا يديه يمين» . والله أعلم بصفاته. فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنَّة في هذه الصفات: أمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ ، قال قتادة: حملهم حسد محمد ﷺ والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ، قال
стр. 643
قتادة: أولئك أعداء الله اليهود، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، لقد جاء الإسلام حين جاءوهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه. وقال السدي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء، فرّقه الله وأطفأ حربهم ونارهم وقذف في قلوبهم الرعب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، قال قتادة: يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرم الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ، قال ابن عباس: ﴿لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ ، يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ تخرج الأرض بركتها.
وقوله تعالى: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾ عن قتادة: قال الله فيهم: ﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ ، يقول: على كتابه وأمره؛ ثم ذم أكثر القوم فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾ . وقال الربيع: إلا مدة المقتصدة الذين لا هم قصّروا في الدين، ولا هم غلوا. والله أعلم.
* * *
стр. 644
الدرس التاسع والسبعون
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٧٢) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٤) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ
стр. 645
انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ
انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) ﴾ .
* * *
стр. 646
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) ﴾ .
قال قتادة: أخبر الله نبيه ﷺ أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. وعن ابن عباس: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ، يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلّغ رسالتي. وعن سعيد بن جبير: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ، قال رسول الله ﷺ : «لا تحرسوني إن ربي قد عصمني» .
قوله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ
стр. 647
وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ﴾ .
عن ابن عباس قال: جاء رسول الله ﷺ رافع بن حارثة وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حرملة فقالوا: يا محمد تزعم إنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد إنها من عند الله حق؟
فقال رسول الله ﷺ بلى، ولكنكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيّنوه للناس، وأنا برئ من إحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك. فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وقال ابن زيد: فقد صرنا من أهل الكتاب: التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى. وما أنزل إليكم من ربكم ما أنزل إليك من ربك، أي: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ﴾ حتى تعملوا بما فيه، وعن السدي قوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ، يقول: لا تحزن.
قوله : ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) ﴾ .
стр. 648
عن قتادة: قوله: ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية، يقول: حب القوم أن لا يكون بلاء. ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ كلما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فيه.
وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ في التوحيد والنبوة، ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى
أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ﴾ عيسى ومحمد صلوات الله عليهما ﴿وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ يحيى وزكريا، ﴿وَحَسِبُواْ﴾ ظنوا: ﴿أَن لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ، أي عذاب وقتل. وقيل: ابتلاء واختبار؛ أي: ظنوا أن لا يبتلوا، ولا يعذبهم الله، ﴿فَعَمُواْ﴾ عن الحق فلم يبصره، ﴿وَصَمُّواْ﴾ عنه فلم يسمعوه، يعني: عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه ﴿ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ ببعث عيسى ﵇، ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ بالكفر بمحمد ﷺ ، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ .
قوله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (٧٢) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٧٤) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
стр. 649
وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٧٧) ﴾ .
عن السدي: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ، قال: قالت النصارى: هو المسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ، أي: لا تتجاوزوا الحد، ولا تقولو على الله إلا الحق؛ والغلوّ والتقصير مذمومان في الدين. ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ ، يعني: رؤساء الضالة من فريقي اليهود والنصارى، ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ ، يعني: من اتبعهم على أهوائهم ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ ، وفي الحديث المشهور عن النبي ﷺ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى: على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
قوله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) ﴾ .
стр. 650
عن ابن عباس: قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ، قال: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن، وقال قتادة: لعنهم الله على لسان داود في زمانهم، فجعلهم قردةً خاسئين، وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، فلما رأى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ » . ثم قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يدي المسيء، ولتأطرنّه على الحق أطرًا أو ليعزبنّ الله قلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم» . رواه ابن جرير.
وفي رواية أبي عبيدة: «فضرب الله على قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ - حتى بلغ -: ﴿ولكن كثيرًا منهم فاسقون﴾ » .
قوله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا
стр. 651
نَصَارَى
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) ﴾ .
عن مجاهد في قول الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ ، قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً﴾ ، القسيسون: العلماء، والرهبان: العباد.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ، أي: الذين زعموا أنهم نصارى، من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، - إذ كانوا على دين المسيح - من الرقة والرأفة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ، قال ابن عباس: مع محمد ﷺ وأمته. والله أعلم.
стр. 652
الدرس الثمانون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) ﴾ .
* * *
стр. 653
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) ﴾ .
عن أبي مالك في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية. قال عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين: حرموا عليهم النساء، وامتنعوا من الطعام والطيب، وأراد بعضهم أن يقطع ذكره، فنزلت هذه الآية. وعن عكرمة: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ ، يعني: ما أحل الله لهم من الطعام.
قوله : ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) ﴾ .
قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. وعن الحسن: ... ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ،
стр. 654
يقول: بما تعمّدت فيه المآثم
فعليك الكفارة. قال قتادة: أما اللغو فلا كفارة فيه. وقالت عائشة: أيمان الكفارة كل يمين حلف فيها الرجل على أحد من الأمور في غضب أو غيره، ليفعلن، ليتركن، فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة. وقال تعالى ذكره: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ عن عبد الله بن حنش قال: سألت الأسود عن: ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ، قال: الخبز، والتمر، والزيت، والسمن. وأفضله اللحم. وقال ابن عمر: من أوسط ما يطعم أهله: الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز والزيت، ومن أفضل ما يطعم الخبز واللحم. وقال الحسن: يجزيك أن تطعم عشرة مساكين أكلة واحدة حتى يشبعوا. وعن إبراهيم عن عمر قال: إني أحلف على اليمين ثم يبدو لي، فإذا رأيتني قد فعلت فأطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدّين من حنطة. وعن عبد الكريم الجزري قال: قلت لسعيد بن جبير: أجمعهم؟ قال: لا، أعطهم مدّين، مدّين من حنطة مًدا لطعامه، ومدًّا لإِدامه من حنطة لكل مسكين. وعن عليّ: يغدّيهم ويعشّيهم. وعن ابن عباس: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ، قال: من عسرهم ويسرهم.
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ، قال: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. وقال عطاء: لا يجزي في الرقبة إلا صحيح. وقال: يجزي المولود في الإِسلام.
وقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ ، أي: متتابعات. قال: معتمر بن سليمان: قلت لعمر بن راشد: الرجل يحلف ولا يكون عنده من الطعام إلا بقدر ما يكفّر، قال: كان قتادة يقول: يصوم ثلاثة أيام.
стр. 655
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي ﷺ : «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير» . متفق عليه.
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ
الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) ﴾ .
قال ابن زيد في قوله: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ : الرجس: الشر. وعن محمد بن قيس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه الناس، وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ... ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخصة نأكل الميسر، ونشرب الخمر ونستغفر من ذلك، حتى أتى رجل صلاة المغرب فجعل ... يقرأ: قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد. فجعل لا يجود ذلك ولا يدري ما يقرأ، فأنزل
стр. 656
الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة، فيدعون شربها ليأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ فقالوا: انتهينا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ . قال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل
الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بعضهم على بعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن - والله لو كان بي رؤوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا، فوقعت في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ فقال ناس من المتكلفين: رجس في بطن فلان قتل يوم بدر، وقتل فلان يوم أحد؟ ! فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ الآية. وقال قتادة: لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : أصيب فلان يوم بدر، وفلان يوم أحد وهم يشربونها فأخبرهم أنهم من أهل الجنة، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي لهم يومئذٍ حلال، ثم حرّمت بعدهم، فلا جناح عليهم في
стр. 657
ذلك. وفي حديث أبي هريرة عند أحمد: ثم نزلت آية المائدة فقالوا: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم وكانوا يشربونها؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية. فقال النبي ﷺ : «لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتموه» .
وقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ﴾ ، أي: اتقوا الشرك وصدقوا، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الخمر والميسر بعد تحريمهما، ﴿وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ما حرم الله عليهم كله، ﴿وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . والله أعلم.
* * *
стр. 658
الدرس الحادي والثمانون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩٨) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) ﴾ .
* * *
стр. 659
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) ﴾ .
عن مجاهد في قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ ، قال: ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ صغار الصيد، أخذ الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفروا. الرماح قال: كبار الصيد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، قال عطاء: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان. وقال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنَّة في الخطأ، يعني: في المُحْرِم يصيي الصيد.
وعن السدي قوله: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، قال: أما جزاء مثل ما قتل من النعم فإن قتل نعامة أو حمارًا فعليه بدنة، وإن قتل بقرة أو إبلاً أو أروى فعليه بقرة، أو قتل غزالاً أو أرنبًا فعليه شاة، وإن قتل ضبعًا أو حرباء أو يربوعًا فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن. وسئل عطاء: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟
قال: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ؟ وقال ابن عباس: (إذا أصاب المحرم الصيد وجب عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، فإن لم يجد جزاءه قوّم
стр. 660
الجزاء دراهم، ثم قوّم الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يومًا، قال: إنما أريد بالطعام الصوم، فإذا وجد طعامًا وجد جزاءً) .
وفي رواية: (إذا أصاب الرجل الصيد حكم عليه فإن لم يكن عنده قوّم عليه ثمنه طعامًا، ثم صام لكل نصف صاع يومًا) .
وفي رواية: (فإن قتل ظبيًا أو نحره فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) . وقال الضحاك: (وما كان من جرادة أو نحوها ففيه قبضة من طعام، وما كان من طير البَر ففيه أن يقوّم ويتصدّق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يومًا) . وقال مجاهد: (فإن لم يجد صام عن كل مُدِّ يومًا) . قال عطاء: (فكل شيء في القرآن (أو) فليختر منه صاحبه ما شاء) . وقال قبيصة بن جابر: (أصبت ظبيًا وأنا محرِم، فأتيت عمر فسألته عن ذلك، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف، فقلت: يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من ذلك، قال: فضربني بالدّرة ثم قال: قتلت الصيد وأنت محرِم ثم تغمص الفتيا؟ قال: فجاء عبد الرحمن فحكما بشاة) .
وفي رواية: ثم قال عمر: (يا قبيعة بن جابر إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بيّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة
وخلق سيِّء، فيفسد الخلق السيِّئ الأخلاق الحسنة فإيّاك وعثرات الشباب) . وعن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء. وقال عطاء: الدم والطعام بمكة، والصيام حيث شاء، واختار ابن جرير القول الأول. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: رجل أصاب صيدًا في الحج أو العمرة، فأرسل بجزائه في المحرّم أو غيره من المشهور أيجزئ عنه؟ قال: نعم، ثم قرأ: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ، قال يحيى: وبه نأخذ.
стр. 661
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف﴾ ؟ قال: عما كان في الجاهلية. قلت: ما ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ ؟ قال: من عاد في الإسلام فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة. وقال السدي: أمّا ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ فعقوبة أمره.
قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) ﴾ .
عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ، قال: صيده ما صيد منه. وقال عمر: صيده ما صيد منه، وطعامه ما قذف. وقال ابن عباس: طعامه ما وجد على الساحل ميتًا. وعن عكرمة في قوله: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ، قال: لمن كان بحضرة البحر، وللسيارة في السفر.
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ ، أي: اصطياده، ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ وفي قصة صيد أبي قتادة فقال النبي ﷺ : «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها» ؟ قالوا: لا. قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» . وعن أبي سلمة قال: نزل عثمان بن عفان المعرج وهو محرِم، فأهدى صاحب المعرج له قطًا فقال لأصحابه: «كلوا فإنه إنما أصيد على اسمي» ، فأكلوا ولم يأكل. وعن أبي الشعثاء قال: قلت لابن عمر: كيف ترى في قوم حرام لقوا قوم حلالاً، ومعهم لحم صيد، فإما باعوهم وإما أطعموهم؟ فقال: حلال. وعن الزبير أنه كان يتزود لحوم الوحش، وهو محرِم. وعن أبي مجلز: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ ، قال: ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده، وما كان حياته في الماء فذاك. وقال عطاء: أكثر ما يكون حيث يفرخ فهو منه.
стр. 662
قوله : ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩٨) مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) ﴾ .
قال مجاهد: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة، وعن سعيد بن جبير: ... ﴿قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ ، قال: صلاحًا لدينهم. وعن ابن عباس: قوله: ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ﴾ ، يعني: قيامًا لدينهم ومعالم لحجّهم. وقال السدي: جعل الله هذه الأربعة قيامًا للناس، وهو قوام أمرهم.
وقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ، قال السدي: هم المشركون. والطيب: هم المؤمنون.
وقال ابن كثير: يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الحرام الكثير الضار.
وقال البغوي: نزلت في شريح بن ضبعة البكري، وحجاج بن بكر بن وائل، ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ﴾ ولا تتعرضوا للحجاج. والله أعلم.
* * *
стр. 663
الدرس الثاني والثمانون
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) ﴾ .
стр. 664
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) ﴾ .
قال ابن عباس: (كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: مَنْ أبي؟ ، والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية) .
وعن أنس قال: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا بيّنت لكم» . قال أنس: فجعلت أنظر يمينًا وشمالاً فأرى كل إنسان لافًّا ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان إذا لاح يدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة» ، قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، وأعوذ بالله من سوء الفتن. فقال رسول الله ﷺ لم أر الشر والخير كاليوم قط، إنه صوّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية.
وفي رواية: (فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ) .
стр. 665
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب عليكم الحج» ، فقال رجل: لكلّ عام يا رسول الله؟ حتى عاد مرتين أو ثلاثًا. فقال: ... «من السائل» ؟ فقال: فلان. فقال: «والذي نفسي بيدي لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم» ، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن جرير: نزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها، فأخبر كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله أو أجل غيره. وعن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» .
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ . قال ابن عباس: نهاكم أن تسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين.
قوله : ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) ﴾ .
عن سعيد بن المسيب قال: (البحيرة) : التي يمنع درّها للطواغيت، فلا يحلبها
стр. 666
أحد من الناس. (والسائبة) : كانوا يسيّبونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرّ قصبه في النار، كان أول من سيّب السوائب» . (والوصيلة) : الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإِبل بأنثى، ثم تثنّي بعد بأنثى، وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. (والحام) : فحل الإِبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي. رواه البخاري. وقال ابن زيد: البَحيرة: كان الرجل يجدع أذني ناقته ثم يعتقها كما يعتق جاريته وغلامه، لا تحلب ولا تركب. والسائبة: يسيّبها بغير تجديع. وقال قتادة: قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ ، لتشديد شدّده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم، وتغليظ عليهم ولا يعقلون.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . قال ابن مسعود: وليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم، فإذا رُدّت عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ... ولم تنه، فإن الله تعالى يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليبلّغ الشاهد الغائب» ، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وعن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني كيف تصنع بهذه الآية. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؟ فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خيرًا مني، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت
стр. 667
شحًّا مطاعًا وهوى متّبعًا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك وذر عوامّهم، فإن وراءكم أيامًا أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم» . وعن قيس بن حازم قال: قال أبو بكر وهو على المنبر: (يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها، ﴿لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمّهم الله بعقابه) . رواهما ابن جرير. وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكر فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . رواه مسلم.
قوله : ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) ﴾ .
стр. 668
عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . قال: من أهل دينكم أو ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ، قال: من غير أهل ملّتكم. قال شريح: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في وصية , ولا تجوز في وصية إلا في سفر. وعن السدي: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ . قال: هذا في الحضر، أو ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا في الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما.
وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾ عن الشعبي: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال:
فحضرته الوفاة فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعريّ فأخبراه، وقدما بتركته ووصيّته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله، ما خانا ولا كذبا، ولا بدلا ولا كتما، ولا غيّرا وأنها لَوَصِيَّةُ الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. وقال سعيد بن جبير: إن صدقهما الورثة قُبِلَ قولهما، وإن اتهموهما أُحلفا بعد صلاة العصر.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . قال سعيد بن جبير: إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر، فإذا اطلع عليهما بعد
стр. 669
حلفهما أنهما خانا شيئًا، حلف أولياء الميت أنه كان كذا وكذا ثم استحقوا. وعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم الداري، وعدي بن بداء، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم أنزلت: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ .
وقال البغوي: ( ﴿فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ تثنية الأولى، واستُحق بضم التاء على المجهول، هذا قراءة العامة، يعني الذين استحق عليهم، أي: فيهم ولأجلهم الإثم، وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم، وقرأ حفص: استَحَق بفتح التاء والحاء وهي قراءة عليّ والحسن، أي: حق ووجب عليهم الإِثم. يقال: حق والمستحق بمعنى واحد. ﴿الأوْلَيَانِ﴾ نعت للآخران، أي: فآخران الأوليان، ومعنى الآية: إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت، ... ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ ، يعني: يميننا أحق من يمينهما) . انتهى ملخصًا.
وقال ابن العربي في (أحكام القرآن) المسألة الخامسة والثلاثون: (قوله تعالى: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ وهذا فصل مشكل المعنى، مشكل الإِعراب، كثر فيه الاختلاط، إما إعرابه ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه بدل من الضمير في يقومان ويكون التقدير: فالأوليان يقومان مقام الأولين) . إلى آخر كلامه.
стр. 670
وقال في (جامع البيان) : ومرة قرأ استُحق فهو فاعل، أي: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . قال قتادة: ذلك أحرى أن يصدقُوا في شهادتهم، وأن يخافوا العقاب، وقال
ابن زيد في قوله: ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ، قال: فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء. والله أعلم.
* * *
следующие страницы →