Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
الإناء وكراهة التنفس في الإناء واستحباب إدارة الإناء على الأيمن فالأيمن بعد المبتدئ) وقد بين المؤلف في الباب السابق ما يتعلق بالطعام فقد سبق جمل كثيرة من آداب الأكل ولله على عباده نعم لا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا فالأكل والشرب من نعم الله : ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من حرمها نسأل الله ألا يحرمنا إياها فمن حرمها وذاق الجوع وذاق العطش عرف نعمة الله تعالى بالأكل والشرب وهذه إحدى الحكم من الصيام أن الإنسان يمسك عن الأكل والشرب حتى يعرف قدر نعمة الله عليه بتيسير الأكل والشرب وللشرب آداب منها أن يسمى الله إذا شرب فيقول عند الشرب: بسم الله ومنها أن يتنفس في الشرب ثلاثا لقول أنس بن مالك رضى الله عنه كان النبي ﷺ إذا شرب تنفس في الشراب ثلاثا كيف يتنفس في الشراب ثلاثا؟ يعني يشرب ثم يفصل الإناء عن فمه ثم يشرب الثالثة ولا يتنفس في الإناء لحديث أبي قتادة
стр. 2102
رضى الله عنه أن النبي ﷺ : نهى أن يتنفس الإنسان في الإناء والحكمة من ذلك أن النفس في الإناء مستقذر على من يشرب من بعده وربما تخرج من النفس أمراض في المعدة أو في المريء أو في الفم فتلتصق بالإناء وربما يشرق إذا تنفس في الإناء فلهذا نهي النبي ﷺ أن يتنفس الإنسان في الإناء بل يتنفس ثلاثة أنفاس كل نفس يبعد فيه الإناء عن فمه وقد أخبر النبي ﵊ بأن هذا أهنأ وأبرأ وأمرأ أهنأ لأنه يشرب بمهلة وأبرأ: يعني أبرأ من العطش، وأسلم من المرض.
وأمرأ: أسهل في النزول إلى الأمعاء ووجه ذلك أن العطش عبارة عن حرارة المعدة لقلة الماء أو لغير ذلك وأحيانا يكون المرض فإذا جاءها الماء دفعة واحدة ربما يضر فإذا راسله الإنسان عليها مراسلة كان هذا أبرأ في إزالة العطش وفي السلامة من المرض ولأثر الذي يحصل بورود الماء على المعدة دفعة واحدة ولهذا ينبغي أيضا إذا شرب أن لا يعب الماء عبا وإنما يمصه مصا لا يعبه عبا فيأخذ جرعات كبيرة بل يمصه مصا حتى يأتي المعدة شيئا فشيئا فيمصه في النفس الأول ثم يطلق الإناء ثم يمصه في النفس الثاني ثم يطلق الإناء ثم في النفس الثالث هذه
стр. 2103
هي السنة وأما التناول يعني بمن يبدأ في إعطاء الإناء إذا أراد أن يعطي الشراب أحدا؟ مثال ذلك: رجل دخل ومعه شراب شاي أو قهوة بمن يبدأ نقول: إذا كان أحد من الناس قد طلب الشراب فقال هات الماء مثلا فإنه يبدأ به هو الأول وإذا لم يكن أحد طلبه فإنه يبدأ بالأكبر ثم الأكبر يناوله من على يمينه وإذا كان لكل واحد إناء كالكئوس مثلا فليبدأ بالأكبر ثم يعطي الذي عن يساره لأن الذي عن يساره هو الذي عن يمين الصاب والصاب هو الذي سيناول فيبدأ بمن على يمينه والذي على يمين الصاب هو الذي على يسار الشارب لأن الصاب مستقبل للشارب فيكون من على يسار الشارب هو الذي على يمين الصاب مثال ذلك مثلا: إنسان طلب الماء فجيء إليه بالماء فشرب منه وأراد أن يناوله أحدا بعده إن كان الذي جاء بالشراب واقفا على رأسه يقول: أعطني الإناء إذا فرغت فيعطيه إياه وإن لم يكن فإنه إذا انتهى يعطيه للذي على يمينه سواء كان صغيرا أو كبيرا شريفا أو وضيعا والدليل على هذا أن النبي ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء فشرب وعلى يمينه
стр. 2104
رجل من الأعراب وعلى يساره أبو بكر وعمر فلما فرغ النبي ﷺ ناوله الأعرابي فقال عمر للأعرابي هذا أبو بكر يريد من الأعرابي أن يكرم أبا بكر ويقول خذه يا أبا بكر لأن أبا بكر مشهور معروف بين الصحابة أنه أخص أصحاب النبي ﷺ بالنبي ولكن الأعرابي أخذ الإناء فشرب فهنا نجد أن النبي ﷺ فضل المفضول على الفاضل لأن أبا بكر أفضل من الأعرابي لكن فضله عليه لأنه عن يمينه وقال: الأيمن فالأيمن والقصة الثانية: أتي النبي ﷺ بشراب فشرب منه وعلى يمينه غلام وعلى يساره الأشياخ الكبار فلما شرب قال للذي على يمينه وهو الغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء يعني الأشياخ فقال والله يا رسول الله ما أنا بالذي أوثر بنصيبي عليك أحدا يعني ما أوثرهم على أنا أحب أن أشرب فضلتك فتله رسول الله ﷺ في يده يعني أعطاه الإناء في يده فهذا دليل على أنه إذا كان الذي على اليمين أصغر سنا فإنه يفضل على الذي على اليسار ولو كان أكبر سنا والأول يدل على أنه كان الذي على اليمين أقل قدرا فإنه يعطي ويقدم على الذي هو أعظم قدرا إذا كان على اليسار لقول الرسول: الأيمنون الأيمنون
стр. 2105
الأيمنون ألا فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا هكذا جاء الحديث لكن هذا فمن إذا شرب يريد أن يناول من على يمينه أو على يساره أما ما يفعله الناس اليوم يأتي الرجل بالإبريق ويدخل المجلس فهنا يبدأ بالأكبر لأن الرسول ﵊ كانوا يبدءون به فيعطونه أولا ولأنه لما أراد أن يناول ﵊ المسواك أحد الرجلين اللذين وقفا قيل له: كبر كبر وقد ورد في ذلك أيضا أحاديث عن النبي ﵊ أنك إذا دخلت المجلس تبدأ بالأكبر لا بمن على يمين
стр. 2106
باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم
٧٦٢ - عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية يعني أن تكسر أفواها ويشرب منها متفق عليه
٧٦٣ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يشرب من في السقاء أو القربة متفق عليه
٧٦٤ - وعن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضى الله عنه وعنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فشرب في قربة معلقة قائما فقمت إلى فيها فقطعته رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وإنما قطعتها لتحفظ موضع فم رسول الله ﷺ وتتبرك به وتصونه عن الابتذال وهذا الحديث محمول على بيان الجواز
стр. 2107
والحديثان السابقان لبيان الأفضل والأكمل والله أعلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم) من آداب الشرب ألا يشرب الإنسان من فم القربة أو السقاء لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك والحكمة من هذا أن المياه فيما سبق ليست بتلك المياه النظيفة فإذا صارت في القربة أو في السقاء فإنه يكون فيها أشياء مؤذية عيدان أو حشرات أو غير ذلك مما هو معروف لمن كانوا يستعملون هذا من قبل فلهذا نهى النبي ﷺ : عن اختناث الأسقية يعني أن الإنسان يكسر أفواهها هكذا ثم شرب وذكر أن رجلا شرب مرة هكذا فخرجت حية من القربة وهذا لاشك أنه على خطر إما أن تلدغه أو تؤذيه لهذا ينهي عن الشرب من فم القربة وليس من ذلك الشرب من الصنبور أو من الجرار التي يخزن فيها الماء لأن هذه معلومة ونظيفة فهو كالشرب من الأواني لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس أن يشرب الإنسان من فم القربة مثل أن يكون محتاجا إلى الماء وليس عنده إناء فإنه يشرب من في القربة وعلى هذا فيكون النهي عن ذلك كما قال المؤلف ﵀ للكراهة وليس للتحريم ويستفاد من الحديث الأخير: أنه يجوز أن يشرب الإنسان قائما إذا دعت الحاجة إلى ذلك مع أن النبي ﷺ وعلي آله
стр. 2108
وسلم نهي عن الشرب قائما لكن إذا كان هناك حاجة فلا بأس كما في هذه الحالة القربة معلقة والمعلقة تكون عالية عن القاعد وليس عنده إناء فشرب النبي ﷺ من هذه القربة المعلقة قائما وفي الحديث أيضا: دليل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ وهو كذلك وقد كان الصحابة يتبركون بعرق النبي ﷺ ويتبركون بريقه ويتبركون بثيابه ويتبركون بشعره أما غيره ﷺ فإنه لا يتبرك بشيء من هذا منه فلا يتبرك بثياب الإنسان ولا بشعره ولا بأظفاره ولا بشيء من متعلقاته إلا النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم
стр. 2109
باب كراهة النفخ في الشراب
٧٦٥ - عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: أهرقها قال: فإني لا أروي من نفس واحد؟ قال: فأبن القدح إذا عن فيك رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
٧٦٦ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في آداب الطعام والشراب: (باب كراهة النفخ في الشراب) ثم ذكر حديثين فيهما النهي عن النفخ في الشراب وذلك لأن الإنسان إذا نفخ ربما يحصل من الهواء الذي يخرج منه أشياء مؤذية أو ضارة كمرض ونحوه فلهذا نهي النبي ﷺ عن النفخ فيه فسأله
стр. 2110
الرجل قال: يا رسول الله القذاة يعني تكون في الشراب يعني مثل العود الصغير أو ما أشبه ذلك فينفخه الإنسان من أجل أن يخرج فقال النبي ﷺ : أهرقها يعني صب الماء الذي فيه القذاة ولا تنفخ فيه ثم سأله: أنه لا يروي بنفس واحد فقال: أبن الإناء عن نفسك المعنى أنه يشرب ويحتاج إلى تنفس فأمره النبي ﷺ أن يبين الإناء عن فمه يعني يفصله ثم يتنفس ثم يعود فيشرب إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت الحاجة إليه كم لو كان الشراب حارا ويحتاج إلى السرعة فرخص في هذا بعض العلماء ولكن الأولى ألا ينفخ حتى لو كان حارا إذا كان حارا وعنده إناء آخر فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده مرة ثانية حتى يبرد وفي هذا: دليل أن الشريعة الإسلامية كاملة من جميع الوجوه كل شيء قد علمنا إياه رسول الله ﷺ كما قال أبو ذر: لقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحه في السماء إلا ذكر لنا منه علما حتى الطيور في السماء لنا منها علم بتعليم الله ورسوله إيانا وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي رضى الله عنه
стр. 2111
علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة يعني حتى الجلوس على قضاء الحاجة لبول أو غائط قال: أجل وذكر ما علمه النبي ﷺ في ذلك ألا نستقبل القبلة بغائط ولا بول، وألا نستنجي باليمين، وألا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وألا نستنجي برجيع أو عظم فالمهم أن شريعتنا ولله الحمد كاملة من كل وجه، ليس فيها نقص ولا تحتاج إلى أحد يكملها وفيه رد على السفهاء الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية إنما تنظم العبادة بين الله وبين الخلق فقط وأما المعاملات بين الناس بعضهم بعضا فإن الشريعة لا تعتني بها فيقال لهؤلاء تبا لكم وسفها لعقولكم أطول آية في كتاب الله العزيز كلها في المداينة في التعامل بين الناس وهل بعد هذا من اعتناء وما أكثر الآيات في القرآن الكريم في تنظيم المال وإصلاحه وما أشبه ذلك وكذلك في السنة فالشريعة الإسلامية ولله الحمد كاملة من كل وجه
стр. 2112
باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا فيه حديث كبشة السابق
٧٦٧ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم متفق عليه
٧٦٨ - وعن النزال بن سبرة رضى الله عنه قال: أتى علي رضى الله عنه باب الرحبة فشرب قائما وقال إني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت رواه البخاري
٧٦٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
٧٧٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا رواه الترمذي وقال:
стр. 2113
حديث حسن صحيح
٧٧١ - وعن أنس رضى الله عنه عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائما قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث رواه مسلم وفي رواية له أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائما
٧٧٢ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول ﷺ : لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسى فليستقيء رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى (باب بيان جواز الشرب قائما وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعدا) فالأفضل في الأكل والشرب أن يكون الإنسان قاعدا لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ولا يأكل وهو قائم ولا يشرب وهو قائم أما الشرب وهو قائم فإنه صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذلك وسئل أنس بن مالك عن الأكل قال: ذاك أشر وأخبث يعني معناه أنه إذا نهى عن الشرب قائما فالأكل قائما من باب أولى لكن في حديث ابن عمر الذي أخرجه الترمذي وصححه قال:
стр. 2114
كنا في عهد النبي ﷺ نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام فهذا يدل على أن النهي ليس للتحريم ولكنه لترك الأولى بمعنى أن الأحسن والأكمل أن يشرب الإنسان وهو قاعد وأن يأكل وهو قاعد ولمكن لا بأس أن يشرب وهو قائم وأن يأكل وهو قائم والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: سقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله من زمزم فشرب وهو قائم زمزم هي عين الماء التي حول الكعبة وسببها أن إبراهيم الخليل ﵊ ترك هاجر أم إسماعيل وابنها إسماعيل في مكة وليس فيها أحد ليس فيها سكان وليس فيها كعبة وليس فيها أحد بل وليس فيها زروع هي واد غير ذي زرع وجعل عندهما وعاء من تمر وسقاء من ماء وانصرف لأن الله أمره أن يبقيهما هنالك فلما انصرف لحقته هاجر وقالت له: كيف تذهب وتتركنا هل أمرك الله بذلك؟ قال نعم قالت إذا كان الله أمرك بذلك فإنه لن يضيعنا وهذا يدل على كمال إيمان هاجر رضى الله عنها وقصتها هذه نظير قصة أم موسى بن عمران كان فرعون مسلطا على بني إسرائيل يقتل أبنائهم ويبقى نساءهم إذلالا لهم وقد قيل أن المنجمين قالوا له إنه سيظهر من بني إسرائيل رجل يكون
стр. 2115
هلاكك على يده فصار يقتل أبناءهم فخافت أم موسى عليه فأوحى الله إليها وحي إلهام لا وحي بنوة أنها إذا خافت عليه تجعله في تابوت صندوق من الخشب وتلقيه في البحر وهذا شيء شديد على النفس أن تضع ولدها في تابوت وتلقيه في البحر لكنها مؤمنة واثقة بوعد الله ففعلت جعلته في التابوت وألقته في البحر فرآه جند فرعون فأخذوه ليقتلوه فلما رأته زوجة فرعون ألقى الله محبته في قلبها وقالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ واضطربت أم موسى أصبح فؤادها فارغا يعني ما كأن شيئا وراءه قد فر قلبها على ولدها مع إيمانها بالله ولمن الله بقدرته جعل هذه الابن كلما عرضت عليه امرأة ليرضعها أبي أن يرضعها لا يرضى أن يرضع من أي امرأة فإذا أخت موسى قد أرسلتها والدته تنظر ماذا حدث له فرأت الناس يبحثون عن مرضع لهذا الصبي فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فرده الله إلى أمه قبل أن يرضع من أي امرأة ما رضع من أحد سوى أمه مع أنها قد ألقته في البحر لكن رده الله عليها
стр. 2116
فهاجر رضى الله عنها لما قال لها إبراهيم: إن الله أمرني بهذا قالت إذا لا يضيعنا ثم بقيت هي وطفلها في هذا المكان الذي ليس فيه أحد من بني آدم وجعلت تأكل من التمر وتشرب من الماء وتدر اللبن على الولد ويرضع حتى نفذ التمر والماء وجاعت الأم ومعلوم أن الأم إذا جاعت لا يكون فيها لبن وجعل الطفل يصيح ويبكي فبحثت بما ألهمها الله عن أقرب جبل لها تصعد عليه لعلها تسمع صوتا أو ترى أحدا فوجد أقرب مكان إليها الصفا والمشاهد الآن أن أقرب جبل للكعبة هو الصفا فصعدت عليه وتسمعت فما وجدت أحدا فنزلت وقالت: أذهب إلى الجهة الثانية وأقرب جبل إليها في الجهة الثانية وهو المروة فصعدت على المروة تسمع فلم تجد أحدا وكان بين الصفا والمروة شعيب واد مجرى سيل ومعروف أن الشعيب يكون نازلا عن الأرض فكانت إذا نزلت في الشعيب ركضت ركضا عظيما تركض من أجل أن تسمع الولد وتلتفت إليه وتراه فعلت هذا سبع مرات فلما أكملت سبع مرات إذا هي تسمع شيئا فقالت أغث إن كان عندك غواث سمعت حسا وإذا هو جبريل أمره به أن ينزل إلى الأرض فيضرب بعقبه أو بجناحه مكان زمزم فضربه
стр. 2117
مرة واحدة فخرج هذا الماء ينبع فجعلت تحوطه تحجر عليه خافت أن يسيح في الأرض وينقص وشربت من الماء وإذا الماء يكفي عن الطعام والشراب وهو ماء فجعلت تشرب من هذا الماء وترضع الولد وفرج الله عنها وكان حولها أناس ولكنهم كانوا بعيدين عنها من جرهم قبيلة من العرب كانوا حولها فرأوا الطيور تهوى إلى هذا المكان مكان زمزم الذي فيه الماء والطير يري من بعيد فقالوا ما خبرنا أن هنا ماء حتى تأوي الطيور إليه لكنهم قالوا لا يمكن للطيور أن تأوي إلا إلى الماء فتبعوا هذه الطيور حتى وصلوا إلى المكان وإذا المكان عين تنبع فنزلوا حول المرأة وأنست بهم وكبر إسماعيل وتزوج منهم بعد مدة جاء إبراهيم ﵊ فدخل على أهل إسماعيل وعلى هاجر وسأل زوجة إسماعيل كيف حالكم؟ فشكت الحال وتضجرت فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له يغير عتبة بابه فجاء إسماعيل وأخبرته الذي حصل قال: هل جاءكم أحد؟ قالت: نعم جاء شيخ صفته كذا وكذا وإنه قال: أقريئه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ماذا يريد إبراهيم بهذه الكلمة؟ يريد أن يطلقها لأن المرأة شكاية شكت زوجها يعني أن ما عندهم إلا كل بؤس
стр. 2118
فقال: هذا أبي وأنت العتبة فالحقي بأهلك
ثم تزوج غيرها ثم جاء إبراهيم مرة أخرى بعد أن غاب عنه مدة ودخل على بيت ابنه إسماعيل ووجد الزوجة فسألها عن حالهم فأثنت على حالهم وقالت: نحن بخير وأثنت علي الحال فقال أقرئي زوجك مني السلام وقولي له يمسك بعتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه سأل هل جاء أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ صفته كذا وكذا وانه يقرئك السلام ويقول يمسك عتبة بابه قال: ذاك أبي وأنت عتبة الباب وأمرني أن أمسكك فالحاصل أن زمزم ماء مبارك طعام وطعم وشفاء سقم وماء زمزم لما شرب له إن شربته لعطش رويت وإن شربته لجوع شبعت حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم هذا الحديث أن الإنسان إذا كان مريضا وشربه للشفاء شفى وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حفظا وإذا شربه لأي غرض ينفعه فعلى كل حال هذا الماء ماء مبارك
стр. 2119
فالحاصل أن الأكمل والأفضل أن يشرب الإنسان وهو قاعد ويجوز الشرب قائما وقد شرب علي بن أبي طالب رضى الله عنه قائما وقال: إن النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت فدل ذلك على أن الشرب قائما لا بأس به لكن الأفضل أن يشرب قاعدا بقي أن يقال إذا كانت البرادة في المسجد ودخل الإنسان المسجد فهل يجلس ويشرب أو يشرب قائما؟ لأنه إن جلس خالف قول النبي ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين وإن شرب قائما ترك الأفضل فنقول الأفضل أن
стр. 2120
يشرب قائما لأن الجلوس قبل صلاة الركعتين حرام عند بعض العلماء بخلاف الشرب قائما فهو أهون وعلى هذا فيشرب قائما ثم يذهب ويصلي تحية المسجد
стр. 2121
باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا
٧٧٣ - عن أبي قتادة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: ساقي القوم آخرهم شربا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتاب أدب الطعام: (باب استحباب كون ساقي القوم أخرهم شربا) يعني الذي يسقي القوم ماء أو لبنا أو قهوة أو شايا ينبغي أن يكون هو آخرهم شربا من أجل أن يكون مؤثرا على نفسه ومن أجل أن يكون النقص إن كان على نفس الساقي وهذا لاشك أنه أحسن امتثالا لأمر النبي ﷺ وأخذا بأدب النبي ﷺ لكنه إذا كان لا يشتهي أن يشرب فليس بلازم أن يشرب بعدهم إن شاء شرب وإن شاء لا يشرب المهم أن يكون هو الأخير إذا أن يشرب لما في ذلك من الإيثار وامتثال أمر النبي ﷺ وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يخدم إخوانه بسقيهم وإذا كان صاحب البيت فليقدم
стр. 2122
إليهم الشراب أو الأكل كما فعل إبراهيم ﵊ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ فصاحب البيت يقرب الأكل ويناول الشراب ويكون هو آخر القوم ثم هل الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم في الطعام سواء كان غداء أو عشاء أو فطور أو الأفضل أن ينصرف ولا يشاركهم؟ هذا يرجع إلى عادة الناس فإذا كانت مشاركته أطيب لقلوب الضيوف وأكثر إنياسا فليأكل معهم وإذا كان الأمر بالعكس وجرت العادة أنه لا يأكل الإنسان مع ضيوفه فلا يأكل وإن فهذا أمر يرجع إلى العرف إن كان العرف أن من إكرام الضيف ألا تأكل معه وأن تجعله حرا يأكل ما شاء فلا تأكل وإن كان الأمر بالعكس فكل ولقد قال رسول الله ﷺ : ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولم يبين نوع الإكرام فيرجع في ذلك إلى ما جرى به عرف الناس
стр. 2123
باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة وجواز الكرع وهو الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال
٧٧٤ - عن أنس رضى الله عنه قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقى قوم فأتى رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم كلهم قالوا كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة متفق عليه هذه رواية البخاري وفي رواية له ولمسلم: أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء فأتى بقدح رحراح فيه شيء من ماء فوضع أصابعه فيه قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه فحزرت من توضأ ما بين السبعين إلى الثمانين
٧٧٥ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: أتانا النبي ﷺ فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ رواه البخاري
стр. 2124
الصفر بضم الصاد ويجوز كسرها وهو النحاس والتور كالقدح وهو بالتاء المثناه من فوق
٧٧٦ - وعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل علي رجل من الأنصار ومعه صاحب له فقال رسول الله ﷺ : إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة وإلا كرعنا رواه البخاري الشن: القربة
٧٧٧ - وعن حذيفة رضى الله عنه قال: إن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هي لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة متفق عليه
٧٧٨ - وعن أم سلمة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه وفي رواية لمسلم: إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب
стр. 2125
وفي رواية له: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم
[الشَّرْحُ]
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ في كتابه لبيان حكم الأواني واستعمالها في الشرب ليعلم أن هناك قاعدة نافعة وهي أن الأصل في كل ما خلق الله في الأرض أنه حلال فالأصل أن حكمه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه ودليل ذلك قول الله ﵎: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كل ما في الأرض فهو لنا حلال من حيوان وأشجار وأحجار وكل شيء كل الذي في الأرض حلال أحله الله لنا إلا ما قام الدليل على تحريمه وبناء على هذه القاعدة العظيمة التي بينها الله لنا في كتابه فإن كل من ادعى أن هذا حرام فعليه الدليل إذا قال مثلا: إن هذا الحيوان حرام نقول: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال إذا قال: هذه الآنية حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنها حلال إذا قال: هذا الشجر حرام قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل أنه حلال لأن الذي يقول: إنه حلال معه أصل من الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقال عز وجل
стр. 2126
﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ فهذا هو الأصل ولهذا قال المؤلف ﵀: (باب جواز الشرب من جميع الآنية) من خشب أو حجر أو غير ذلك إلا الذهب والفضة فإن الذهب والفضة لايجوز فيهما الأكل ولا الشرب ودليل هذا حديث حذيفة بن اليمان وأم سلمة رضى الله عنها أما حديث حذيفة بن اليمان فقد صرح رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة وكذلك حديث أم سلمة وبين النبي ﵌ الحكمة من ذلك فقال: هي لهم في الدنيا يعني الكفار وهي لكم في الآخرة فالكفار في الآخرة في نار جهنم والعياذ بالله إذا استغاثوا وهلكوا من العطش فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يؤتي إليهم بالماء كالمهل وهو كرديء الزيت المحمي والعياذ بالله إذا قربوه إلى وجوههم ليشربوا منه فإنه يشوي وجوههم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ والعياذ بالله لكن أهل الجنة جعلنا الله منهم ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ يسقون بآنية الذهب
стр. 2127
والفضة ولذلك نهي النبي ﷺ عن الأكل والشرب فيهما لأنهما آنية الجنة ونهي عن لبس الحرير للرجال لأن الحرير للمؤمنين في الجنة والرجال لا يليق بهم لبس الحرير في الدنيا وكذلك النساء لولا أن الله تعالى رخص لهن في لباس الحرير من أجل مصلحتهن ومصلحة أزواجهن حتى تتجمل المرأة لزوجها فيحص بذلك مصلحة للجميع ولولا هذا لكان الحرير حراما على النساء كما هو حرام على الرجال لأنه لباس أهل الجنة فالحاصل أن جميع الأواني من زجاج وخزف وخشب وأحجار وغير ذلك الأصل فيها الحل حتى لو كانت من أغلى المعادن فإنها حلال إلا الذهب والفضة والعلة في ذلك ليس كما قال بعض الفقهاء: إنها الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وما أشبه ذلك لأنه لو كان هكذا لكان كل إناء يكسر قلوب الفقراء يحرم فيه الأكل والشرب لكن العلة بينها الرسول ﵊: هي لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة وهذا خاص بآنية الذهب والفضة ولو أن الإنسان شرب في آنية من معدن أغلى من الذهب والفضة لم يكن هذا حراما إذا لم يصل إلى حد السرف ولكن لو أكل أو شرب في الذهب والفضة كان ذلك حراما لأن النبي ﷺ نهى عن
стр. 2128
ذلك وبين السبب وفي حديث أم سلمة: دليل على أن الأكل في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب لأن النبي ﷺ توعد على ذلك بأن من فعله: فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم الجرجرة صوت الطعام والشراب وهو ينحدر في البلعوم فإذا أكل أو شرب في إناء الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم وهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب لأن فيه الوعيد وكل ذنب فيه وعيد فإنه من كبائر الذنوب والمطلي بالذهب والفضة قال العلماء: إنه كالخالص لا يجوز أن يؤكل فيه ولا أن يشرب فيه
стр. 2129
كتاب اللباس
باب استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير
قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: (كتاب اللباس) وهذا من أحسن الترتيب فإن الأكل والشرب لباس الباطن والثياب لباس الظاهر قال الله ﵎: إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى فقال: ﴿ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ لأن الجوع عرى الباطن فخلو البطن من الطعام عري لها ﴿ولا تعرى﴾ من لباس الظاهر ﴿وأنك لا تظمأ فيها﴾ هذا حرارة الباطن ﴿ولا تضحي﴾ هذا حرارة الظاهر، ولهذا أشكل على بعض الناس قال: لماذا لم يقل إن لك ألا تجوع فيها ولا تظمأ وأنك لا تعرى فيها ولا تضحي؟ ولكن من تفطن للمعنى الذي أشرنا إليه تبين له بلاغة القرآن ﴿ألا تجوع فيها﴾ هذا
стр. 2130
انتفاء العري في الباطن ﴿ولا تعرى﴾ انتفاؤه في الظاهر ﴿لا تظمأ﴾ هذا انتفاء الحرارة في الباطن ﴿ولا تضحي﴾ يعني لا تتعرض للشمس الحارة فيه انتفاء للحرارة في الظاهر كذلك المؤلف ﵀ بدأ بآداب الأكل ثم بآداب الشرب ثم اللباس الذي هو كسوة الظاهر وافتتح هذا الكتاب بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فذكر الله تعالى نوعين من اللباس: نوعا ظاهرا ونوعا باطنا أو نوعا حسيا ونوعا معنويا وذكر أن الحسي قسمان: قسم ضروري تواري به العورة، وقسم كمالي وهو الريش لباس الزينة والله من حكمته أن جعل بني آدم محتاجين للباس لمواراة السوءة يعني لتغطية السوءة حتى يتستر الإنسان وكما أنه محتاج للباس يواري سوءته الحسية فهو محتاج للباس يواري سوءته المعنوية وهي المعاصي وهذا من حكمة الله تعالى ولهذا نجد غالب المخلوقات سوي الآدمي لها ما يستر جلدها من شعر أو صوف أو وبر أو ريش لأنها ليست بحاجة إلى أن تتذكر العري المعنوي بخلاف بني آدم فإنهم محتاجون إلي أن يتذكروا العورة المعنوية وهي عورة الذنوب حمانا الله منها
стр. 2131
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُّوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ أي عوراتكم ﴿وريشا﴾ أي ثاب زينة وجمال زائدة عن اللباس الضروري ﴿ولباس التقوى﴾ هذا هو اللباس المعنوي ﴿ذلك خير﴾ أي خير من اللباس الظاهر سواء كان مما هو ضروري كالذي يواري السوءة أم من الكمالي وإذا كان لباس التقوى خيرا من لباس الظاهر فيجب على الإنسان أن يفكر حيث تجدنا نحرص على نظافة اللباس الظاهر فالإنسان إذا أصاب ثوبه بقعة أو وسخ هب يغسلها بالماء والصابون وبما يقدر عليه من المنظف لكن لباس التقوى كثير من الناس لا يهتم به يتنظف أو يتسخ لا يهتم به مع أن هذا كما قال الله هو الخير وهو إشارة إلى أنه يحب الاعتناء بلباس التقوى أكثر مما يجب الاعتناء بلباس البدن الظاهر الحسي لأن لباس التقوى أهم وهنا قال: ﴿ذلك خير﴾ ولم يقل: ولباس التقوى هو خير لأن اسم إشارة وجيء بها للبعيد إشارة إلي علو مرتبة هذا اللباس كما قال تعالى: ﴿آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ ولم يقل هذا الكتاب إشارة إلى علو مرتبة القرآن كذلك قوله ﴿ذلك خير﴾ إشارة إلى علو مرتبة لباس التقوى
стр. 2132
فينبغي للإنسان أن يعتني بهذا اللباس بأن يتقي الله وأن يفكر دائما في سيئاته ومعاصيه وتنظيف السيئات والمعاصي أسهل من تنظيف الثياب الظاهرة الثياب الظاهرة تحتاج إلى عمل وتعب وأجرة وتحضير ماء ومنظف لكن الأمر سهل جدا ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ بالاستغفار والتوبة يمحي كل ما سلف نسأل الله تعالى أن يتوب علينا بمنه وكرمه
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾
٧٧٩ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
стр. 2133
٧٨٠ - وعن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم رواه النسائي والحاكم وقال حديث صحيح
٧٨١ - وعن البراء رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ مربوعا ولقد رأيته في حلة حمراء ما رأيت شيئا قط أحسن منه متفق عليه
[الشَّرْحُ]
وذكر المؤلف ﵀ آية أخرى وهي قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ السرابيل: هي الدروع يعني مثل لباسنا هذا يسمى سرابيل: القمص والدروع وشبهها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أما السرابيل التي تقينا البأس فهي سرابيل الحديد الدروع من الحديد كانوا في السابق يلبسونها عند الحرب والقتال لأنها تقي الإنسان السهام الواردة إليه فإنها عبارة عن حلق
стр. 2134
من حديد منسوج كما قال الله تعالى وهو يعلم داود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ فيصفون هذه الدروع بأنها إذا لبسها الإنسان وجاءته السهام أو الرماح أو السيوف ضربت على هذا الحديث ورقته الشر أما قوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ فهي الثياب من القطن وشبهها تقي الحر وقد يقول قائل: لماذا لم يقل تقيكم البرد؟ أجاب العلماء عن ذلك بأن هذا على تقدير شيء محذوف أي تقيكم الحر وتقيكم البرد لكنه ذكر الحر لأن السورة مكية نزلت في مكة وأهل مكة ليس عندهم برد فذكر الله منته عليهم بهذه السرابيل التي تقي الحر وقيل: إنه ليس في الآية شيء محذوف وأن الدروع التي تقي البأس تقي الإنسان حر السهام ونحوها والسرابيل الخفيفة تقي الحر الجوي وذلك أن الإنسان في الجو الحار لو لم يكن عليه سرابيل تقيه الحر للفحه الحر واسود جلده وتأذي وجف ولكن الله جعل السرابيل التي تقي الحر من نعمته ﵎ ثم ذكر حديث ابن عباس رضى الله عنهما وحديث سمرة في أن النبي ﷺ حث على لبس الثياب البيض وقال إنها من خير ثيابكم وقال: كفنوا فيها موتاكم وصدق النبي عليه الصلاة
стр. 2135
والسلام فإن الثوب الأبيض خير من غيره من جهة الإضاءة والنور ومن جهة أنه إذا اتساخ أدنى اتساخ ظهر فيه فبادر الإنسان إلى غسله أما الثياب الأخرى فربما تتراكم فيها الأوساخ والإنسان لا يشعر بها ولا يغسلها وإذا غسلها فلا يدري هل تنظف أم لا؟ فلهذا قال النبي ﵊ إنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم وهو شامل للبس الثياب البيض القمص والأزر والسراويل كلها ينبغي أن تكون من البياض فإنه أفضل ولكن لو أنه لبس من لون آخر فلا بأس بشرط ألا يكون مما يختص لبسه بالنساء فإن كان مما يختص لبسه بالنساء فإنه لا يجوز أن يلبسه الرجل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وكذلك بشرط ألا يكون أحمر لأن الأحمر قد نهى عنه النبي ﷺ إذا كان أحمر خالصا فإن كان أحمر وفيه أبيض فلا بأس وعلى هذا يحمل الحديث الثالث الذي ذكره المؤلف أن النبي ﷺ كان مربوعا وأنه كان عليه حلة حمراء هذه الحلة الحمراء ليس معناها أنها كلها حمراء لكن معناها أن أعلامها حمر مثل ما تقول الشماغ أحمر وليس هو كله أحمر بل فيه بياض كثير لكن
стр. 2136
نقطه ووشمه الذي فيه أحمر كذلك الحلة الحمراء يعني أن أعلامها حمر أما أن يلبس الرجل أحمرا خالصا ليس فيه شيء من البياض فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك
٧٨٢ - وعن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضى الله عنه قال: رأيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم فخرج بلال بوضوئه فمن ناضح ونائل فخرج النبي ﷺ وعلية حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه فتوضأ وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح ثم ركزت له عنزة فتقدم فصلى يمر بين يديه الكلب والحمار لا يمنع متفق عليه العنزة بفتح النون نحو العكازة
٧٨٣ - وعن أبي رمثة رفاعة التيمي رضى الله عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح
٧٨٤ - وعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل يوم
стр. 2137
فتح مكة وعليه عمامة سوداء رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها النووي ﵀ في رياض الصالحين في (كتاب اللباس) وقد سبق ذكر شيء من هذه الأحاديث وهنا حديث وهب بن عبد الله السوائي أبي جحيفة رضى الله عنه أنه رأى النبي ﷺ في قبة له حمراء من أدم أو من أدم ولكن الصواب من أدم وذلك في الأبطح في حجة الوداع فإن النبي ﷺ لما قدم مكة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة قدمها ضحى يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ونزل إلى المسجد الحرام فطاف وسعى ثم خرج إلى الأبطح فنزل فيه إلى اليوم الثامن وكان في هذه القبة التي ضربت له ﵊ يقول فخرج يعني حين زالت الشمس فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء كأني أنظر إلى بياض ساقيه وهذه الحلة حمراء يعني أن أعلامها حمر ليست سودا ولا خضرا لأن الأحمر الخالص قد ثبت نهي النبي ﷺ عن لبسه فتحمل هذه على أن المراد أن أعلامها يعني خطوطها ونقشها حمر خرج بلال رضى الله عنه بوضوء النبي عليه الصلاة والسلام
стр. 2138
يعني بما بقي من مائه الذي توضأ به فجعل الناس يأخذون منه من ناضح ونائل يعني بعضهم أخذ كثيرا وبعضهم أخذ قليلا يتبركون بفضل وضوئه وآله فخرج النبي ﷺ من هذه القبة وأذن بلال ثم ركزت العنزة لرسول الله ﷺ والعنزة رمح في طرفه زج يعني رمح في طرفه حديدة محددة كان النبي ﷺ يصحبها معه في السفر ركزت العنزة من أجل أن يصلي إليها لأن الإنسان إذا كان في السفر فإنه ينبغي أن يصلي إلى شيء قائم كعصا يركزها في الأرض أو ما أشبه ذلك يقول فتقدم فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وهذا يدل على جواز الجمع للمسافر وإن كان نازلا لكن الأفضل ألا يجمع إلا من حاجة كما لو كان سائرا يمشي أو كان نازلا ولكن يحتاج إلى راحة فيجمع جمع تأخيرا أو جمع تقديم وإلا فالأفضل للنازل ألا يجمع ثم ذكر وهب بن عبد الله السوائي أو جحيفة كيف كان أذان بلال يقول جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يعني يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح واختلف العلماء ﵏: هل يقول حي على الصلاة على اليمين حي علي الصلاة على اليسار ثم حي على الفلاح علي
стр. 2139
اليمين حي علي الفلاح على اليسار أم أنه يجعل حي على الصلاة كلها على اليمين وحي على الفلاح كلها على اليسار والأمر في هذا واسع وإن فعل هذا أو هذا فكله على خير ولا بأس به ثم ذكر حديثين آخرين أحدهما: أن النبي ﷺ كان عليه لباس أخضر والثاني: كان عليه عمامة سوداء وهذا يدل أيضا على جواز لباس الأخضر ولباس الأسود
٧٨٥ - وعن أبي سعيد عمرو بن حريث رضى الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه رواه مسلم وفي رواية له: أن رسول الله ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء
٧٨٦ - وعن عائشة رضى الله عنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه السحولية بفتح السين وضمها وضم الحاء المهملتين: ثياب
стр. 2140
تنسب إلى سحول قرية باليمين والكرسف القطن
٧٨٧ - وعنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل منه شعر أسود رواه مسلم المرط بكسر الميم: وهو كساء والمرحل بالحاء المهملة: هو الذي فيه صورة رحال الإبل، وهي الأكوار
٧٨٨ - وعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في مسير فقال لي: أمعك ماء؟ قلت نعم فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى في سواد الليل ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه وعليه جبة من صوف فلم يستطيع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ومسح عليهما متفق عليه وفي رواية وعليه جبة شامية ضيقه الكمين وفي رواية: أن هذه القصة كانت في غزوة تبوك
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ في (كتاب اللباس)
следующие страницы →