Полный текст (3 784 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
متفق عليه.
١٣٤٠ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
١٣٤١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق رواه مسلم.
١٣٤٢ - وعن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة & فقال: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض.
وفي رواية: حبسهم العذر وفي رواية إلا شركوكم في الأجر رواه البخاري من رواية أنس ورواه مسلم من رواية جابر واللفظ له.
стр. 2907
١٣٤٣ - وعن أبي موسى ﵁ أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه وفي رواية: يقاتل شجاعة ويقاتل حمية وفي رواية: ويقاتل غضبا فمن في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان أمور في الجهاد في سبيل الله منها الرمي وقد سبق أن النبي ﷺ قال: ألا إن القوة الرمي كررها ثلاثا.
وفي الأحاديث التي ساقها المؤلف في هذا الباب حث على تعلم الرمي وعلى أن من ترك الرمي بعد أن من الله تعالى عليه به فإنها نعمة كفرها وفي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ تبرأ منه.
وفي بعض الأحاديث أيضا إنها ستفتح عليكم أرضون وسيكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه.
ففي هذه الأحاديث وأشباهها حث على تعلم الرمي وعلى أن الإنسان ينبغي له أن يتعلم كيف يرمي ولو بالأسلحة الخفيفة لأنه لا يدري ماذا يحدث له حتى إن النبي ﷺ أجاز العوض في المسابقة في الرمي يعني مثلا رمي اثنان بالبندقية أو شبهها من السلاح ويجعلون بينهما عوضا من يرمي منهم يأخذه
стр. 2908
هذا أيضا لا بأس به وجائز لما في ذلك من الحث على تعلم الرمي وفي هذه الأحاديث أن النبي ﷺ قال: اركبوا وارموا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا لأن الرمي يدركه الإنسان الراكب والراجل أما الركوب فلا يدركه إلا من ركب ولهذا كان الرمي أحب إلى النبي ﷺ من الركوب.
وفي هذه الأحاديث أيضا دليل على فضيلة الصيام في الجهاد في سبيل الله وأن الإنسان إذا صام يوما في سبيل الله باعد الله بين وجهه وبين النار سبعين خريفا يعني سبعين سنة وفي هذه الأحاديث دليل على وجوب إخلاص النية لله فإن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل زورا ويقاتل غضبا يعني عصبية لقومه فمن في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
١٣٤٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم لهم أجورهم رواه مسلم.
١٣٤٥ - وعن أبي أمامة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال النبي ﷺ : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله رواه
стр. 2909
أبو داود بإسناد جيد.
١٣٤٦ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: قفلة كغزوة رواه أبو داود بإسناد جيد.
القفلة الرجوع والمراد: الرجوع من الغزو بعد فراغه ومعناه: أنه يثاب في رجوعه بعد فراغه من الغزو.
١٣٤٧ - وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ من غزوة تبوك تلقاه الناس فتلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع رواه أبو داود بإسناد صحيح بهذا اللفظ ورواه البخاري قال: ذهبنا نتلقى رسول الله ﷺ مع الصبيان إلى ثنية الوداع.
١٣٤٨ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة رواه أبو داود بإسناد صحيح.
١٣٤٩ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم رواه أبو داود بإسناد صحيح.
стр. 2910
١٣٥٠ - وعن أبي عمرو ويقال: أبي حكيم النعمان بن مقرن ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
١٣٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا متفق عليه.
١٣٥٢ - وعنه وعن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: الحرب خدعة متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث هي بقية أحاديث باب الجهاد المنقولة في كتاب رياض الصالحين وفيها الحث على الغزو وأن الإنسان إذا لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو ولم يخلف غازيا في أهله وماله فإنه تصيبه قارعة قبل يوم القيامة وهذه القارعة ربما تفسر بما سبق في الحديث من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق وفيها أيضا الحث على جهاد المشركين بالمال والنفس واللسان بالمال: أي يبذل الإنسان مالا يساعد به المجاهدين أو يشتري به سلاحا أو غير ذلك
стр. 2911
والنفس أن يخرج بنفسه يقاتل واللسان أن يهجوهم [أي المشركين] بالقصائد والأشعار لأن هجو المشركين يؤثر عليهم ويكون ذكرى سيئة في حقهم إلا ما شاء الله مثلا إلى الآن ونحن نسمع هجاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم للمشركين.
وفي هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ فضيلة الجهاد في سبيل الله وأنه من أفضل الأعمال وقد مرت الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى وأطال المؤلف ﵀ في نقل الأحاديث في ذلك لأن باب الجهاد من أهم أبواب الدين حتى إن النبي ﷺ قال: ذروة سنامه أي ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله لما فيه من إعلاء كلمة الله ونصر الإسلام والمسلمين وغير ذلك من المصالح العظيمة والله الموفق.
стр. 2912
باب بيان جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة يغسلون ويصلى عليهم بخلاف القتيل في حرب الكفار
١٣٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله متفق عليه.
١٣٥٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما تعدون الشهداء فيكم قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قالوا: فمن يا رسول الله قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن فهو شهيد والغريق شهيد رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين باب بيان شيء من الشهداء يعني غير المقتولين في سبيل الله والمقتول في سبيل الله هو أعلى أنواع الشهداء أما الشهداء الآخرون فهم كما أشار إليهم المؤلف هم شهداء في الآخرة في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا ويتبين ذلك بأن الشهيد
стр. 2913
المقتول في سبيل الله شهيد في الدنيا والآخرة فهو شهيد في الدنيا إذا قتل ومات فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن ولا يأتيه الملكان اللذان يسألانه عن ربه وعن دينه وعن نبيه فلا يغسل من أجل أن يبقى أثر الدم عليه أثر الدم الذي قتل في سبيل الله من أجله فيأتي يوم القيامة وجرحه يسغب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك لذلك قال العلماء: يحرم أن يغسل ويحرم أن يغسل دمه بل يبقى على ما هو عليه.
ولا يكفن وإنما يكفن في ثيابه التي قتل فيها حتى يأتي يوم القيامة بهذه الثياب ولا يصلى عليه لأن الصلاة شفاعة كما قال النبي ﷺ في الصلاة على الميت: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه والمقتول في سبيل الله لا يحتاج لأن يشفع له أحد لأن الشفاعة له كونه يعرض رقبته لأعداء الله إعلاء لكلمة الله.
ولهذا علل النبي ﷺ عدم فتنته في قبره فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة أي كفى بها اختبارا وصدق رسول الله ﷺ .
فيكفن في ثيابه ليأتي بها يوم القيامة ولا يصلى عليه ونظير هذا في بعض الوجوه الرجل إذا مات محرما فإنه يغسل بماء وسدر ولا يحنط ولا يقرب طيبا ولا يغطى رأسه ولا يكفن في ثياب غير ثياب الإحرام التي
стр. 2914
كانت عليه لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا يبعث يقول: لبيك اللهم لبيك.
والشهيد يبعث يوم القيامة جرحه يسغب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك فهذا الشهيد في أحكام الدنيا الشهيد في سبيل الله يجنب هذه الأشياء لا يغسل لا يكفن بكفن جديد وإنما يكفن في ثيابه ولا يصلى عليه ويدفن ولا يأتيه الملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه لأن هذا أكبر امتحان واختبار له ودليل على صدقه أما في الآخرة فقد قال الله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
أما بقية الشهداء المذكورين في الحديث فهم شهداء في الآخرة لا في الدنيا ومع ذلك فإنهم لا يساوون الذين قتلوا في سبيل الله ولكنهم شهداء ولكل درجات مما عملوا المطعون والمبطون والغريق ومن قتل في سبيل الله شهيد في الدنيا وصاحب الهدم.
الأول: المطعون يعني من مات بالطاعون والطاعون وباء فتاك معدي نسأل الله العافية إذا وقع في أرض فإنه يهلك ولهذا قال النبي ﷺ في الطاعون: إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه لأنه كيف تفر من الله وانظر إلى قوم ألوف خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال الله لهم: موتوا فماتوا هربوا من الموت لكن الله تعالى أراد أن يبين لهم أنه لا مفر من الله قال الله لهم موتوا فماتوا ثم أحياهم ليتبين أنه لا مفر من قدر الله لكن نفعل الأسباب التي أمرنا بها أما التي نهينا عنها فلا
стр. 2915
ولهذا قال: إذا وقع وأنتم في أرض فلا تخرجوا منها فرارا منه هذا المطعون إذا مات بالطاعون كان شهيدا.
الثاني: المبطون والمبطون هو الذي أصابه داء البطن ويشبه والله أعلم ما يسمونه الآن الغاشية تصيب الإنسان في بطنه ثم يموت هذه إذا مات بها الإنسان فإنه يكون شهيدا.
الثالث: الغريق الذي يغرق إما في أنهار عظيمة أو يقع في النهر أو في البحر أو ما أشبه ذلك فإنه يكون من الشهداء في الآخرة ولهذا أمر الإنسان أن يتعلم السباحة فالإنسان مأمور أن يتعلم السباحة حتى إذا حصل مثل هذه الأشياء أمكنه أن يتوقى منه.
وأما الرابع: من مات بهدم يعني رجل انهدم عليه البيت أو الجدار أو ما أشبه ذلك فإنه يكون شهيدا لأن هؤلاء كلهم ماتوا بحوادث مميتة بريئة وهل يقاس عليهم مثلهم كالذي يموت في حادث أو في صدم أو ما أشبه ذلك الله أعلم قد يقاسون على هذا ويقال لا فرق بين أن ينهدم الجدار أو أن تنقلب السيارة لأن كل حادث مات به الإنسان يحكم على من مات بهذا الحادث أنه شهيد لكننا لا نجزم به لأن مسائل الجزاء عقوبة أو مثوبة ليس فيها قياس فالحاصل أن هناك شهداء غير المقتولين في سبيل الله ومن ذلك أيضا من مات في سبيل الله وإن لم يقتل فهو شهيد لكنه شهيد في الآخرة كرجل خرج مع المجاهدين ومات في الطريق موتة طبيعية فهذا أيضا من الشهداء لكن شهيد الآخرة أما في الدنيا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع الناس
стр. 2916
كالشهداء الذين ذكرهم الرسول ﷺ وهو من مات بهدم أو غرق أو طاعون أو بطن والله الموفق.
١٣٥٥ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيد متفق عليه.
١٣٥٦ - وعن أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
١٣٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك قال: أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال: أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال: هو في النار رواه مسلم.
стр. 2917
[الشَّرْحُ]
هذه بقية الأحاديث في بيان الشهداء في ثواب الآخرة منها ما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه أن النبي ﷺ قال: من قتل دون ماله فهو شهيد يعني إذا أتاك أحد يريد أخذ مالك فدافعت عنه حتى قتلت فأنت شهيد.
وفي الحديث الأخير أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله أرأيت إن جاء أحد يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال: قاتله قال: أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال: هو في النار.
فدل ذلك على أن الإنسان يدافع عن ماله إذا جاء أحد يريد أخذ المال فإنك تدافع فإذا لم يندفع إلا بالقتل فاقتله وإن اندفع بدون ذلك فلا تقتله يعني لو أمكن أن تكون أنت أقوى منه وتشد يديه ورجليه وتأسره فلا تقتله لأنه لا حاجة لقتله وإذا كان لا يمكن فقاتلك فقاتله ولو قتلته وإن خفت أن يبادرك بالقتل فاقتله ولا حاجة للمقاتلة يعني لو جاء إليك يسعى يشتد ومعه سلاح قد شهره فاقتله لأنك إن لم تبادره قتلك فإذا قتلته فإنه في النار وإن قتلك هو فأنت شهيد.
وكذلك في حديث سعيد بن زيد من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد.
حتى لو أن أحدا أراد أن يفتنك في دينك يهتك عرضك أو ما أشبه ذلك فقاتلته فقتلك
стр. 2918
فأنت شهيد وإن قتلته أنت فهو في النار.
ولهذا قال العلماء: إن دفع الصائل ولو أدى إلى قتله جائز لأنه إذا صال عليك فلا حرمة له لكن إذا اندفع بما دون القتل فلا تقتله.
نسأل الله تعالى أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 2919
باب فضل العتق
قال الله تعالى ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾
١٣٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه متفق عليه.
١٣٥٩ - وعن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قال: قلت أي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا متفق عليه.
стр. 2920
باب فضل الإحسان إلى المملوك
قال الله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ .
١٣٦٠ - وعن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر ﵁ وعليه حلة وعلى غلامه مثلها فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه فقال النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم متفق عليه.
١٣٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه رواه البخاري.
الأكلة بضم الهمزة: هي اللقمة.
стр. 2921
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف في كتابه & رياض الصالحين: باب فضل العتق العتق هو: تحرير الرقاب يعني أن يكون هناك إنسان مملوك فيأتي شخص فيعتقه ويحرره ابتغاء وجه الله فهذا من أفضل الأعمال قال الله تعالى: فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة.
اقتحم العقبة يعني رأس صعدها على مشقة والعقبة هي الطريق المرتفع ومعلوم أن اقتحام العقبات صعب وشاق وكذلك إعتاق الرقاب صعب على النفوس لأن فيه إخراج المملوك عن ملكه وهو شاق وقوله: ﴿فك رقبة﴾ يشمل العتق ويشمل فك الأسير من العدو فإن هذا من فك الرقاب ففي الآية دليل على فضيلة العتق ثم ذكر المؤلف ما ثبت عن النبي ﷺ أن من أعتق عبدا أعتق الله بكل عضو منه أي من العتيق عضوا منه أي من المعتق من النار حتى الفرج بالفرج يعني أنك إذا أعتقت عبدا أعتق الله كل بدنك من النار لأنك أعتقت هذا العبد من الرق فيعتقك الله تعالى من النار ثم ذكر فضل الإحسان إلى المملوك وصدر هذا بقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ اعبدوا الله يعني أطيعوا الله فعبادة الله هي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه وهذا هو الذي خلق العباد من أجله قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ما خلقنا الله لنأكل ونشرب ونلبس ونسكن ونتمتع لا هذه كلها وسائل الغاية هي العبادة ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فمن لم يعبد الله أو عبد مع الله غيره أو لم يعبد أحدا فإنه أضاع دينه ودنياه لأنه أضاع ما خلق من أجله.
وقوله: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ عام و ﴿شيئا﴾ مشرك به لأنه نكرة في سياق النهي فيكون عاما فلا تشرك بعبادة الله أحدا لا الرسول ولا جبريل ولا وليا من أولياء الله ولا صديقا ولا شهيدا لا تعبد إلا الله وحده لا تشرك به شيئا فمن أشرك بالله شيئا فإن كان شركا أكبر فقد قال الله في حقه: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ .
مثاله: أن يذهب إلى قبر ثم يسجد له أو يدعوه يقول: يا سيدي أغثني يا سيدي ارزقني ولدا ارزقني زوجة ارزقني مالا فهذا الشرك الأكبر مخرج من الملة حتى لو صام الإنسان وتصدق وصلى وقرأ القرآن وحج البيت وهو باق على هذا الشرك فإنه لا يدخل الجنة والجنة عليه حرام ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لأنه أشرك بالله.
قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ...
﴾ ولم يذكر الله حق النبي ﷺ مع أن حق الرسول أعظم من حق الوالدين يجب على الإنسان أن يحب الرسول ﷺ أشد من حبه لنفسه ومن حبه لولده ومن حبه لوالده وحق الرسول فوق كل حقوق الخلق.
قال العلماء: لأن حق الرسول من حق الله لأن عبادة الله لا يمكن أن تقبل إلا باتباع رسول الله ﷺ فحق الرسول داخل في ضمن حق الله فمن لم يجرد العبادة لله إخلاصا وللرسول اتباعا فلا عبادة له ولهذا لم يذكر حق الرسول ﷺ لأنه داخل في حق الله.
وقوله: ﴿وبالوالدين﴾ يشمل الأم والأب ﴿إحسانا﴾ يعني أحسنوا للوالدين إحسانا إحسانا بالمال تعطهم من مالك إذا كانوا فقراء محتاجين أو غير فقراء ولكن تعطهم كمالا كماليات تتودد إليهما ومن الإحسان أن تخدمهما أرسلك أبوك إلى شيء اذهب قال: انتظر فلان انتظره قال: ائت لي بالحاجة الفلانية تأت له فتخدمهما بالمال وبالبدن وبالجاه أيضا لو كان الابن له جاه عند الناس أو عند الدولة وأبوه محتاج إلى جاهه فمن الإحسان أن يخدمه بجاهه وكذلك الأم فالإحسان هنا يشمل كل ما يعد إحسانا ويأتي بقية الكلام على الآية وما بعدها من الأحاديث.
باب فضل المملوك الذي يؤدي حق الله وحق مواليه
١٣٦٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين متفق عليه.
١٣٦٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : للعبد المملوك المصلح أجران والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك متفق عليه.
١٣٦٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران رواه البخاري.
١٣٦٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ورجل كانت له أمة فأدها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذا الباب عقده المؤلف في كتابه رياض الصالحين في باب فضل العتق ليبين ما جاءت به الأحاديث أن المملوك إذا قام بحق الله وحق سيده كان له الأجر مرتين الأجر الأول لقيامه بحق الله والثاني: لقيامه بحق سيده لأن لله عليه حقا كالصلوات والصيام وغيرهما من العبادات التي ليست مبنية على أمر مالي وللسيد عليه حق وهو القيام بخدمته وما إلى ذلك فإذا قام بالحقين صار له أجران.
وكذلك في الحديث الأخير ذكر النبي ﷺ أن ثلاثة لهم الأجر مرتين: رجل من أهل الكتاب اليهود والنصارى يعني كان يهوديا أو نصرانيا ثم آمن بالرسول ﷺ فهذا له الأجر مرتين الأجر الأول إيمانه برسوله والثاني إيمانه بمحمد ﷺ وليعلم أن اليهود والنصارى إذا بلغتهم رسالة محمد ﷺ فلم يؤمنوا به حبطت أعمالهم حتى أعمالهم التي يتدينون بها في ملتهم حابطة غير مقبولة لقول الله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين أما الثاني: فهو العبد المملوك الذي قام بحق سيده وحق الله أما الثالث: فرجل عنده أمة أدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله الأجر مرتين المرة الأولى لإحسانه إليها وهي رقيقة مملوكة والأجر الثاني لإحسانه إليها بعد أن أعتقها لم يضيعها بل تزوجها وكفها وأحصن فرجها والله الموفق.
стр. 2922
باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن ونحوها
١٣٦٦ - عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : العبادة في الهرج كهجرة إلي رواه مسلم.
стр. 2923
باب فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان والنهي عن التطفيف
قال الله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ وقال تعالى: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ وقال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس & يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل السماحة في البيع والشراء.
البيع والشراء أمران ضروريان لا تقوم حياة بني آدم إلا بهما غالبا وذلك لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء عند غيره فكيف يواصل إليه إن استجداه وقال: هبه لي أذل نفسه وإن استعاره بقي في قلق وإن أخذه غصبا ظلمه فكان من حكمة الله أن شرع البيع والشراء لأني أنا ممكن أحتاج دراهم فأبيع ما عندي وأنت محتاج هذا الشيء المعين عندي فتشتريه بالدراهم فكان البيع أمرا ضروريا لحاجة بني آدم.
стр. 2924
ولكن من الناس من يبيع بالعدل ومن الناس من يبيع بالظلم ومن الناس من يبيع بالإحسان فالناس ثلاثة أقسام: ١ - قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم كما قال تعالى في الذين يتعاملون بالربا وأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
٢ - وقسم يبيع بالجور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك.
٣ - وقسم يبيع بالفضل والإحسان فيكون سمحا في البيع وفي الشراء إن باع لم يطلب حقه وافيا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنا.
وقد استدل المؤلف ﵀ على فضل السماحة في البيع والشراء بآيات منها قوله تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم﴾ كلمة من خير نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الخيرات من أي جهة وهي مؤكد عمومها بـ (من) ﴿من خير﴾ يعني أي خير تفعلونه فإن الله به عليم يعني لا يخفى عليه ولا يفوته وسيجازيكم على هذا أفضل مما عملتم لأن الله يجازي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
والمراد بالآية الكريمة المراد بذلك الحث على فعل الخير وأن يعلم الفاعل أنه لن يضيع عليه شيء من فعله فإن الله به عليم وسيجازيه عليه أفضل الجزاء ومن الخير السماحة في البيع والشراء وقد دعا النبي ﷺ للمتسامحين في البيع والشراء فقال: رحم الله امرءا سمحا إذا باع
стр. 2925
سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى فالإنسان كلما كان أسمح في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل وقال الله تعالى عن شعيب أنه قال لقومه: ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أوفوا المكيال: أي ما تبيعونه كيلا والميزان ما تبيعونه وزنا أوفوه ولا تنقصوا منه شيئا.
وهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاء في الشرائع السماوية السابقة واللاحقة وقال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ .
ويل: كلمة وعيد يتوعد الله المطففين الذين هذه صفاتهم إذا اكتالوا على الناس يستوفون يعني إذا كان الحق لهم واكتالوا فإنهم يستوفون حقهم كاملا وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون يعني إذا كان الحق عليهم وكالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون أي يبخسون الكيل والميزان فيظلمون من الوجهين أو يطلبون العدل فيما يتعاملون به ويبخسون فيما يعاملون الناس به وهذا هو المطفف وهذه الآية وإن
стр. 2926
كانت قد وردت في المكيال والميزان إلا أن العامل حتى الموظف إذا كان يريد أن يعطي راتبه كاملا لكنه يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج فإنه من المطففين الذي توعدهم الله بالويل لأنه لا فرق بين إنسان يكيل أو يزن للناس وبين إنسان موظف عليه أن يحضر في الساعة الفلانية ولا يخرج إلا في الساعة الفلانية ثم يتأخر في الحضور ويتقدم في الخروج هذا مطفف وهذا المطفف في الوظيفة لو نقص من راتبه ريال واحد من عشرة آلاف لقال لماذا تنقص هذا مطفف يدخل في هذا الوعيد ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ ثم قال تعالى منكرا عليهم ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ يعني هل هؤلاء نسوا يوم الحساب نسوا يوم القيامة الذي ما أقرب منه.
فالإنسان في هذه الدنيا ليس معه ضمان أن يعيش ولا لحظة واحدة يموت الإنسان وهو يتغذى أو يتعشى يموت وهو نائم يموت وهو على مكتبه يموت وهو ذاهب لحاجته أو راجع منها ثم يأتي اليوم العظيم ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ استعظمه الله بين أنه عظيم فيدل على عظمه وقد وصف الله هذا اليوم في آيات كثيرة كلها تزعج وتروع وتخوف هؤلاء سوف يتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم هؤلاء المطففون سيتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ يقوم الناس كلهم لرب العالمين من في مشارق الأرض ومغاربها يبعثون على صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر الداعي يسمعهم كلهم لأن الأرض مبسوطة غير كروية يغيب بعض الناس فيها عن بعض بل هي
стр. 2927
سطح واحد إذا تكلم أحد في أولهم سمعه آخرهم وينفذهم البصر يراهم الرائي بخلاف الدنيا الأرض منعطفة كروية لكن في الآخرة الأرض سطح واحد كما قال ﵎: ﴿وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾ تمد كما يمد الجلد هذا اليوم العظيم يقوم الناس فيه لله للحساب والمعاقبة ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة والشمس من فوقهم بقدر ميل ولا شجرة يستظلون به ولا بناء ولا شيء إلا من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم فهذا اليوم العظيم سيجد هؤلاء المطففون عقوبتهم في ذلك اليوم لا فيه ولد ينفع ولا أب ولا أم ولا زوجة ولا أحد لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه فليحذر هؤلاء المطففون وليتقوا الله ويؤدوا الحق كاملا وإن زادوا فضلة فهو أفضل ولهم أن يأخذوا حقهم كاملا وإن تسامحوا فهو أفضل والله الموفق.
١٣٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه فقال رسول الله ﷺ : دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ثم قال: أعطوه سنا مثل سنه قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه قال: أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء متفق عليه.
стр. 2928
١٣٦٨ - وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رواه البخاري.
١٣٦٩ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ذكرها المؤلف النووي رحمه في باب فضل السماحة في البيع والشراء وسبق الكلام على الآيات التي في صدر بها المؤلف & هذا الباب.
أما الأحاديث فمنها حديث أبي هريرة أن أعرابيا جاء يتقاضى الرسول ﷺ حقه يتقاضاه يعني يطلب أن يقضيه النبي ﷺ حقه وذلك أن الرسول ﷺ استقرض بكرا يعني ناقة صغيرة فجاء صاحبها يطلبها يقول: أعطني بكري والأعراب كما نعلم عندهم جفاء فأغلظ للرسول ﷺ القول فهم به الصحابة يعني هموا به أن يضربوه أو يسكتوه أو ما أشبه ذلك فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا صلوات الله وسلامه عليه ما ظنكم لو تكلم مثل هذا الأعرابي على جندي من الجنود ماذا يفعل به يبطش به أو على أمير من الأمراء أو على قاض من
стр. 2929
القضاة أو على وزير من الوزراء لو جاء يطلب حقه ولو بسهولة ربما يفتك به إلا من شاء الله هذا يغلظ القول لمحمد رسول الله ﷺ ويقول: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان عليه حق لشخص وكان الشخص جاء يطلبه فلصاحب الحق أن يغلظ له القول لأنه صاحب حق والرسول ﷺ سيوفيه لا شك لكن قد لا يكون عنده تلك الساعة شيء ولذلك أمرهم بقضاء بكره فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا خيرا من سنة وفي رواية قالوا: لا نجد إلا رباعيا خيارا والرباعي أحسن بكثير من البكر البكر صغير والرباعية كبيرة تتحمل الحمل والأثقال وغير ذلك فأمرهم النبي ﷺ أن يعطوه إياها وقال: إن خيركم أحسنكم قضاء في صفة القضاء وفي معاملة المستقضي الذي يطلب حقه فينبغي للإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في حسن القضاء لكن معاملة المستقضي الذي يطلب حقه أي لا يعامله بالجفاء والسب والشتم بل باللين لأن له حقا ومقالة ولا في المقضي يعني يقضي أحسن مما عليه سواء كان أحسن مما عليه كيفية أو أكثر مما يطلب فمثلا إذا استقرضت من شخص مائة ريال وعند الوفاء أعطيته مائة وعشرة بدون شرط فإن هذا لا بأس به وهو من خير القضاء وكذلك لو استقرضت منه صاعا من الطعام وسطا ليس بالطيب ولا بالرديء فأعطيته صاعا طيبا فهذا أيضا من حسن القضاء وخير الناس أحسنهم قضاء
стр. 2930
وفي حديث جابر أن النبي ﷺ جمع قال: رحم الله امرءا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى وكذلك سمحا إذا قضى فقوله ﵊ رحم الله امرءا أو قال رجلا هذا خبر بمعنى الدعاء يعني يدعو له بالرحمة إذا كان سمحا في هذه المواضع الأربعة سمحا إذا باع لا يشتد على المشتري ويكون سهلا يواضعه ويضع عنه سمحا إذا قضى إذا قضى غيره كان سمحا يعطيه في وقته ولا يماطل كذلك سمحا إذا اشترى وكذلك سمحا إذا اقتضى إذا أخذ حقه فهذه الأحوال الأربعة ينبغي للإنسان أن يكون سمحا فيها حتى ينال دعاء رسول الله ﷺ ويأتي الكلام إن شاء الله على بقية الأحاديث.
١٣٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كان رجل يداين الناس وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه متفق عليه.
١٣٧١ - وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال الله : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه رواه مسلم.
стр. 2931
١٣٧٢ - وعن حذيفة ﵁ قال: أتى الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالا: فقال له: ماذا عملت في الدنيا قال: ولا يكتمون الله حديثا قال يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري ﵄ هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث الثلاثة في باب فضل السماحة في البيع والشراء وفيها فضل العفو عن الناس والتجاوز عنهم ففي الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: كان رجل يداين الناس يعني يتعامل معهم بالدين والدين ليس هو المعروف عندنا يعني أن تشتري سلعة لتبيعها وتنتفع بثمنها الدين كل ما ثبت في الذمة فهو دين حتى لو بعت إلى شخص سيارة بثمن غير مؤجل ولم يسلمك الثمن فالثمن في ذمته دين وإن استأجرت بيتا وتمت المدة ولم تسلمه الأجرة فالأجرة في ذمتك دين المهم أن المداينة أن يعامل الناس ليس نقدا يعني يدا بيد بل يبيع إليهم ويشتري منهم ويعفو عن المعسر فكان يقول لغلامه: إذا رأيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فكان الغلام يفعل هذا فلقي الله
стр. 2932
عز وجل فجازاه الله بمثل ما يجازي به الناس يعني بمثل ما يفعل هذا الرجل في الناس عامله الله فتجاوز عنه وذلك لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ولأن الجزاء من حسن العمل ففي هذا الحديث حديث أبي هريرة والحديثين بعده دليل على فضيلة إنظار المعسر والتجاوز عنه وإبرائه.
واعلم أن هذا لا ينقصك شيئا من المال لأن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال بل هذا يجعل في مالك البركة والخير والزيادة والنماء.
وأما إنظار المعسر فإنه واجب يجب على الإنسان إذا كان صاحبه معسرا لا يستطيع الوفاء يجب عليه أن ينظره ولا يحل له أن يكربه أو يطالبه لقول الله تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فهناك فرق بين الإبراء وهو إسقاط الدين عن المعسر وبين الإنظار الإنظار واجب والإبراء سنة ولا شك أن الإبراء أفضل لأن الإبراء تبرأ به الذمة نهائيا والإنظار تبقي الذمة مشغولة لكن صاحب الحق لا يطالب به حتى يستطيع المطلوب أن يوفي وبعض الناس نسأل الله العافية تحل لهم الديون على أناس فقراء فيؤذونهم ويضربونهم ويطالبونهم ويدفعون بهم إلى ولاة الأمور ويحسبونهم عن
стр. 2933
أهليهم وأولادهم وأموالهم وهذا لا شك أنه منكر والواجب على القضاة إذا علموا أن هذا معسر لا يستطيع الوفاء الواجب عليهم أن يقولوا للدائن ليس لك حق في مطالبته لأن الله تعالى هو الحكم هو الحاكم بين العباد وقد قال الله تعالى: ﴿إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ لكن & يتعلل بعض القضاة في هذه المسألة يقولون: إن بعض المدينين يتلاعبون بالناس فيأخذون الأموال ويجحدون الإيثار فيعاملونهم بهذا تنكيلا بهم وهذا نعم إذا ثبت أن هذا المدين يدعي الإعسار وليس بمعسر فإنه لا بأس أن يجبر ويحبس ويضرب حتى يوفي فإن لم يفعل فإن الحاكم يتولى بيع ما شاء من ماله ويوفي دينه أما الذي نعلم أنه معسر حقيقة فإنه لا يجوز لطالبه أن يطالبه ولا أن يقول: أعطني يجب أن يعرض عنه بالكلية ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ والله الموفق.
١٣٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
١٣٧٤ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ اشترى منه بعيرا فوزن له فأرجح
стр. 2934
متفق عليه.
١٣٧٥ - وعن أبي صفوان سويد بن قيس ﵁ قال: جلبت أنا ومحرمة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي ﷺ فساومنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي ﷺ للوزان: زن وأرجح رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
[الشَّرْحُ]
هذه بقية الأحاديث الواردة في فضل السماحة في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء وقد سبق أحاديث كثيرة حول هذا الموضع والأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ وردت فيمن أنظر معسرا أو وضع عنه فإن الله تعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنظره يعني أمهله حتى يوسع الله عليه وهذا أمر واجب كما سبقت الإشارة إليه فإن وضع عنه فهو أفضل وأكمل لأنه إذا وضع عنه أبرأ ذمته وأما إذا أنظره فإنما أمهله وبقيت ذمته أي ذمة المطلوب مشغولة لم تنفك.
ثم ذكر حديثين أيضا فيهما ذكر الوزن والإرجاح حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ اشترى منه فوزن وأرجح يعني أرجح الوزن لأنهم كانوا فيما سبق يتعاملون بالنقود وزنا لا عددا وإن كانوا يتعاملون أيضا بها عددا لكن الكثير وزنا كما جاء في الحديث ليس فيما دون خمس أواق
стр. 2935
صدقة فوزن له النبي ﷺ وأرجح يعني زاده أكثر مما يستحق وهكذا ينبغي للإنسان عند الوفاء أن يوفي كاملا بدون نقص وإذا زاد فهو أفضل والله الموفق.
стр. 2936
كتاب العلم باب فضل العلم علما وتعليما لله قال الله تعالى ﴿وقل رب زدني علما﴾ وقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي في كتابه رياض الصالحين باب فضل العلم تعلما وتعليما لله والمراد بالعلم الذي وردت به النصوص في فضله والثواب عليه ورفعه أهله وكونهم ورثة الأنبياء إنما هو علم الشريعة عقيدة وعملا وليس علم ما يتعلق بالدنيا كالحساب والهندسة وما أشبه ذلك المراد بالعلم العلم الشرعي الذي جاءت به الشرائع هذا هو العلم الذي يثني على من أدركه وعلى من علمه وتعلمه.
والعلم جهاد جهاد في سبيل الله وعليه يبنى الجهاد وسائر الإسلام لأن من لا يعلم لا يمكن أن يعمل على الوجه المطلوب ولهذا قال الله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني لولا نفر بالجهاد من المؤمنين من كل فرقة منهم طائفة وقعدت طائفة أخرى ليتفقهوا أي الطائفة القاعدون في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أي رجعوا من الغزو لعلهم يحذرون
стр. 2937
فجعل الله تعالى الفقه في دين الله معادلا للجهاد في سبيل الله بل أولى منه لأنه لا يمكن أن يجاهد المجاهد ولا أن يصلي المصلي ولا أن يزكي المزكي ولا أن يصوم الصائم ولا أن يحج الحاج ولا أن يعتمر المعتمر ولا أن يأكل الآكل ولا أن يشرب الشارب ولا أن ينام النائم ولا أن يستيقظ المستيقظ إلا بالعلم فالعلم هو أصل كل شيء ولذلك قال النبي ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
ولا فرق بين المجاهد الذي يسوي قلل قوسه وبين طالب العلم الذي يستخرج المسائل العلمية من بطون الكتب كل منهم يعمل للجهاد في سبيل الله وبيان شريعة الله لعباد الله ولهذا أعقب المؤلف ﵀ باب الجهاد بباب العلم ليبين أنه مثله بل إن بعض العلماء فضله على الجهاد في سبيل الله والصحيح أن في ذلك تفصيلا فمن الناس من يكون الجهاد في حقه أفضل ومن الناس من يكون طلب العلم في حقه أفضل فإذا كان الرجل قويا شجاعا مقداما لكنه في العلم بضاعته مزجاة قليل الحظ قليل الفهم يصعب عليه تلقي العلم فهنا نقول: الجهاد في حقه أفضل وإذا كان بالعكس رجل ليس عنده تلك القوة البدنية أو الشجاعة القلبية لكن عنده حفظا وفهما واجتهادا فهذا طلب العلم في حقه أفضل فإن تساوى الأمران فإن من أهل العلم من رجح طلب العلم لأنه أصل ولأنه ينتفع به الناس كلهم القاصي والداني وينتفع به من كان حيا
стр. 2938
ومن يولد بعد وينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته كما قال النبي ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له وجميع الناس محتاجون للعلم الأنبياء وغير الأنبياء كلهم محتاجون للعلم ولهذا أمر الله نبيه أن يقول: ﴿وقل رب زدني علما﴾ ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما﴾ فالرسل محتاجون إلى العلم والزيادة فيه وإلى سؤال الله أن يزيدهم منه فمن دون الأنبياء من باب أولى فجدير بالعبد أن يسأل الله دائما أن يزيده من العلم ولكن إذا سأل الله أن يزيده من العلم فلابد أن يسعى في الأسباب التي يحصل بها العلم أما أن يطلبه ويقول: رب زدني علما وهو لم يفعل الأسباب فهذا ليس من الحكمة ولا من الصواب هذا كمن قال الله ارزقني ولدا ولا يتزوج من أين يأتي هذا الولد فلابد إذا سألت الله شيئا أن تسعى للأسباب التي يحصل بها لأن الله حكيم قرن المسببات بأسبابها وفي هذه الآية ﴿وقل رب زدني علما﴾ دليل على فضل العلم لم يقل لنبيه وقل رب زدني مالا بل قال له: وقل رب زدني علما وقال له في الدنيا: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لتفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾ أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله
стр. 2939
على بصيرة.
وقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين باب فضل العلم تعلما وتعليما لله وقد سبق لنا شيء من الكلام على العلم وبيان أن العلم الممدوح الذي فيه الثواب هو العلم في شريعة الله : وما كان وسيلة لذلك كعلم النحو والصرف وما إليهما فإنه وسيلة وقد قال العلماء: إن للوسائل أحكام المقاصد.
والعلم الشرعي ينقسم إلى قسمين: قسم فرض عين يجب على كل إنسان أن يتعلمه وقسم آخر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن بقية الناس وقسم ثالث يتفرع عن الثاني سنة وهو إذا ما قام بالعلم من يكفي فيكون للباقين سنة.
أم العلم الفرض العين الذي يجب على كل إنسان فهو أن يتعلم الإنسان ما يحتاج إليه في أمور دينه الواجبة كأن يتعلم ما يتعلق بتوحيد الله وبيان ما ينافيه ويناقضه من الشرك كله جليه وخفيه صغيره وكبيره لأن هذا مفروض على كل أحد كل إنسان يجب عليه أن يعرف توحيد الله ويوحد الله تعالى بما يختص به جل وعلا كذلك أيضا الصلاة الصلاة مفروضة على كل أحد لا تسقط عن المسلم أبدا ما دام عقله ثابتا فلابد أن يتعلمها ويتعلم ما يلزم لها من طهارة
стр. 2940
وغيرها حتى يعبد الله على بصيرة الزكاة لا يجب تعلمها على كل أحد من عنده مال وجب عليه أن يتعلم ما هو المال الزكوي وما مقدار النصاب وما مقدار الواجب ومن الذي تؤتى إليه الزكاة وما أشبه ذلك لكن لا يجب على كل واحد أن يتعلم الزكاة فإذا كان فقيرا فلماذا نوجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وهو ليس عنده مال الصوم يجب تعلمه على كل أحد يجب أن يتعلم الإنسان ماذا يصوم عنه وما هي المفطرات وما هي نواقض الصوم وما هي منقصاته وما أشبه ذلك كل إنسان يصوم يجب عليه أن يتعلم ذلك الحج لا يجب على كل أحد أن يتعلمه وإنما يجب أن يتعلمه من استطاع إليه سبيلا حتى يحج على بصيرة.
ومع الأسف أن كثيرا من الناس لا يتعلمون ما يجب عليهم من أحكام دينهم فيقعون في المتاعب ولاسيما في الحج وما أكثر الذين يسألون عن الحج وتجدهم قد وقعوا في خلل كبير لأنهم لم يتعلموا قبل أن يعملوا البيع مثلا أحكام البيع لا يجب على كل إنسان أن يتعلم أحكام البيع لكن من أراد أن يتجر ويبيع ويشتري لابد أن يتعلم ما هو البيع الممنوع وما هو البيع المشروع حتى يكون على بصيرة من أمره وهلم جرا.
فتبين الآن أن العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين الأول فرض عين والثاني فرض كفاية وفرض الكفاية يستحب لمن زاد على من تقوم به الكفاية أن يتعلم ليحفظ شريعة الله ويهدي الله به عباده وينتفع الناس به.
ولا شيء أشرف من العلم ويدل لهذا قول الله ﵎ لنبيه
стр. 2941
صلى الله عليه وسلم: ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما ربنا يقول للرسول ﷺ ﴿وقل رب زدني علما﴾ الرسول ﵊ محتاج إلى زيادة العلم فدل ذلك على فضيلة العلم لأنه لم يقل له وقل رب زدني مالا زدني زوجات زدني أولادا بل قال له: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى﴾ ومما يدل على فضل العلم قول الله ﵎: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ بين كل الناس قول عام ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والجواب مفهوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وهذا أمر منتف بمقتضى طبيعة الإنسان وفطرته أنه لا يستوي الإنسان الذي يعلم والذي لا يعلم لكن الله ذكره على صيغة الاستفهام ليكون متضمنا للتحدي ليكون هذا النفي متضمنا للتحدي يعني ما في أحد يقول إنه يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا أحد يقول بذلك ولا يمكن أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أبدا حتى في أمور الدنيا لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
وقال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ هذا أيضا يدل على فضيلة العلم ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا﴾ يعني قوموا
стр. 2942
وارتفعوا ﴿فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ فإذا دخل إنسان والمجلس ملئ بالجالسين وقال تفسحوا فليفسحوا له يفسح الله لكم يعني يوسع لكم الأمور لأنكم وسعتم على هذا الداخل فيوسع الله عليكم لأن الجزاء من جنس العمل فمن عامل أخاه بشيء عامله الله تعالى بمثله إن أيسرت على معسر يسر الله عليك إن فرجت عن مؤمن كربة فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة إن أعنت أحدا كان الله في عونك والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ولهذا قال: ﴿فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ يعني قوموا فقوموا وفي هذا دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يقول للجماعة الذين عنده انشزوا اخرجوا بارك الله فيكم انتهى شغلكم ولا حياء في ذلك لا حياء في ذلك ولا غضاضة على الإنسان حتى الجلوس لا ينبغي لهم أن يكونوا ثقلاء لا يقومون إلا إذا قيل قوموا ينبغي للإنسان أن يخفف الجلوس عند الناس ما استطاع إلا إذا علم من صاحبه أنه يحب أن تبقى عنده فلا بأس وإلا فالأصل ألا تطيل الجلوس عند الناس لأن الناس قد يكون لهم شغل ويستحيون أن يقولوا قم لكن من قال قم فلا حرج عليهم حتى إن الله قال لجلساء نبيه الذين يجلسون عنده بعد أن ينتهوا من الطعام قال لهم : ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق﴾ يعني معناه إذا انتهيتم من الطعام فاخرجوا لا تجلسوا فإن ذلك يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق فإذا قيل: ﴿انشزوا فانشزوا﴾
стр. 2943
ومثل ذلك أيضا إذا استأذن عليك أحد في البيت ففتحت له وقلت ارجع ما في جلوس الآن فلا حرج عليك كما قال تعالى: ﴿وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم﴾ بعض الناس إذا أرجعته من عند الباب يغضب والله يقول: ﴿هو أزكى لكم﴾ أحسن إن ترجعوا يعطيكم الله زكاءا يزكيكم قال: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ ولم يعين الدرجات لأن هذه الدرجات بحسب ما مع الإنسان من الإيمان والعلم كلما قوي الإيمان وكلما كثر العلم وانتفع الإنسان به ونفع غيره كان أكثر درجات فهلم فأكثر قوي إيمانك أكثر من طلب العلم أكثر من بث العلم ما استطعت فإن الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ رفعني الله وإياكم بذكره وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
١٣٧٦ - وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ساق الإمام النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين ما يتعلق أو بعض ما يتعلق من كتاب الله في فضل العلم وسبق الكلام على آيات ثلاث مما ذكره في باب
стр. 2944
فضل العلم تعلما وتعليما لله.
أما الآية الرابعة فيه قوله تعالى: إنما يخشى الله من عبادة العلماء والخشية هي الخوف المقرون بالتعظيم فهي أخص من الخوف فكل خشية خوف وليس كل خوف خشية ولهذا يخاف الإنسان من الأسد ولكنه لا يخشاه أما الله فإن الإنسان يخاف منه ويخشاه قال الله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون﴾ ولكن من هم أهل الخشية حقا أهل الخشية حقا هم العلماء العلماء بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه الذين يعرفون ما لله من الحكم والأسرار في مقدوراته ومشروعاته جل وعلا وأنه كامل من كل الوجوه ليس في أفعاله نقص ولا في أحكامه نقص فلهذا يخشون الله وفي هذا دليل على فضيلة العلم وأنه من أسباب خشية الله والإنسان إذا وفق للخشية عصم من الذنوب وإن أذنب استغفر وتاب إلى الله لأنه يخشى الله يخافه يعظمه ثم ذكر الأحاديث وصدرها بحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله جل وعلا يريد في خلقه ما يشاء من خير وشر لكن إرادته خير وأما مراداته ففيها الخير والشر كل قضائه خير وأما مقتضياته ففيها الخير والشر والناس أوعية منهم من يعلم الله تعالى في قلبه خيرا فيوفقه ومنهم من يعلم الله في قلبه شرا فيخذله والعياذ بالله قال الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ لم يزغ قلوبهم إلا حين زاغوا هم أولا وأرادوا الشر لم يوفقوا لخير
стр. 2945
أما من علم الله في قلبه خيرا فإن الله يوفقه فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرا أراد به الخير وإذا أراد به الخير فقهه في دينه وأعطاه من العلم بشريعته ما لم يعط أحدا من الناس وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي له أن يحرص غاية الحرص على الفقه في الدين لأن الله تعالى إذا أراد شيئا هيئ أسبابه ومن أسباب الفقه أن تتعلم وأن تحرص لتنال هذه المرتبة العظيمة أن الله يريد بك الخير فاحرص على الفقه في دين الله والفقه في الدين ليس هو العلم فقط بل العلم والعمل ولهذا حذر السلف من كثرة القراء وقلة الفقهاء فقال عبد الله بن مسعود ﵁: (كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم) فإذا علم الإنسان الشيء من شريعته الله ولكن لم يعمل به فليس بفقيه حتى لو كان يحفظ أكبر كتاب في الفقه عن ظهر قلب ويفهمه لكن لم يعمل به فإن هذا لا يسمى فقيها يسمى قارئا لكن ليس بفقيه الفقيه هو الذي يعمل بما علم فيعلم أولا ثم يعمل ثانيا هذا هو الذي فقه في الدين وأما من علم ولم يعمل فليس بفقيه بل يسمى قارئا ولا يسمى فقيها ولهذا قال قوم شعيب لشعيب: ﴿ما نفقهه كثيرا مما نقول﴾ لأنهم حرموا الخير لعلم الله ما في قلوبهم من الشر فاحرص على العلم واحرص على العمل به لتكون ممن أراد الله به خيرا أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من هؤلاء الذين فقهوا في دين الله وعملوا وعلموا ونفعوا وانتفعوا به.
следующие страницы →