Полный текст (3 784 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يفسخ العقد.
٢ ـ وإما أن يتبايعا على أن لا يكون الخيار لواحد منهما، وحينئذ يلزم البيع لمجرد العقد ولا خيار لأحد.
٣ ـ وإما أن يتبايعا أن الخيار للبائع وحده دون المشتري، وهنا يكون الخيار للبائع، والمشتري لا خيار له.
٤ ـ وإما أن يتبايعا على أن الخيار للمشتري والبائع لا خيار له، وحينئذ يكون الخيار للمشتري، وليس للبائع خيار. وذلك لأن الخيار حق للبائع والمشتري فإذا رضينا بإسقاطه أو رضي أحدهما دون الآخر، فالحق لهما لا يعدوهما، وقد قال النبي ﵊: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرما حلالا أو أحل حراما)) .
وقول النبي ﵊: (ما لم يتفرقا)) لم يبين التفرق، ولكن المراد التفرق بالبدن، يعني ما لم يتفرق أحدهما عن الآخر، فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع.
قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((فإن صدقا وبيتا بورك لهما في بيعهما)) وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب؛ لأن الباب باب الصدق.
قوله: ((فإن صدقا وبينا بورك في بيعهما)) . ((إن صدقا)) فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة، ((وبينا)) فيما يصفان به السلعة من
стр. 317
الصفات المكروهة. فمثلا لو باع عليه هذه السيارة وقال: هذه السيارة جديدة صنع عام كذا، ونظيفة وفيها كذا وكذا، ويمدحها بما ليس فيها، نقولا: هذا كذب فيما قال: وإذا باعه السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب نقول: هذا كتم ولم يبين. والبركة في الصدق والبيان. فالفرق بين الصدق والبيان أن الصدق فيما يكون مرغوباً من الصفات، والبيان فيما يكون مكروها من الصفات، فكتمان العيب هذا ضد البيان، ووصف السلعة بما ليس فيها هذا ضد الصدق.
ومثال آخر: باع عليه شاة ويقول: هذه الشاة لبنها كثير، وفيها كذا وكذا في اللبن، وهو يكذب، فهذا ضد الصدق؛ لأنه وصف السلعة بصفات مطلوبة مرغوبة، أما لو باع عليه الشاة وفيها مرض غير بين لكنه كتمه، نقول: هذا لم يبين. وإذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، فالبيان إذا للصفات المكروهة، والصدق للصفات المطلوبة، إذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، وإذا كتم ما فيها من الصفات المكروهة فهذا كتم ولم يبين.
ومن هذا ما يفعله بعض الناس الآن - نسأل الله العافية- يجعل الطيب من المال فوق والرديء أسفل، فهذا لم يبين ولم يصدق أيضاً، لم يبين لأنه ما بين التمر المعيب، ولم يصدق لأنه أظهر التمر بمظهر طيب وليس كذلك.
ومن هذا ما يفعله بعض الذين يبيعون السيارات، يبيعونها في المعارض، والبائع يعلم علم اليقين أن فيها عيباً، لكن يكتمه ويقول
стр. 318
للمشتري: ابصر بكل عيب فيها، فيبصر المشتري. لكن لو عين له العيب وحدده له ما اشتراها، وإنما يلبسون على الناس ويقولون لهم: فيها كل عيب ولم لأبع إليك إلا الإطارات أو مصابيح الإنارة، وهو يكذب ويدري ان فيها عيباً لكن لا يخبر المشتري، وهذا حرام على الدلال (صاحب المعرض) وصاحب السيارة، فعليهما أن يبينا للمشتري ويقولا له: فيها العيب كذا وكذا ويخبرانه في الشراء.
أما إذا كان لا يعلم العيب فلا بأس أن يبيعها، ويشترط أنه بريء من كل عيب.
стр. 319
٥- باب المراقبة
قال الله تعالي: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٨/٢١٩) وقال الله تعالي (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) وقال تعالي: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) وقال تعالي: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤وقال تعالي: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر: ١٩) ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
[الشَّرْحُ]
لما ذكر المؤلف- ﵀ باب الصدق، وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أعقب هذا بباب المراقبة. المراقبة لها وجهان:
الوجه الأول: أن تراقب الله .
والوجه الثاني: أن الله تعالي رقيب عليك كما قال تعالي:) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (الأحزاب: من الآية٥٢) .
أما مراقبتك لله فأن تعلم أن الله- تعالي- يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات، كما قال الله تعالي: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٧/٢١٩) ، يراك حين تقوم، أي: في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد، فالله سبحانه وتعالي يراه. حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلك ظلمة؛ فإن الله تعالي يراه.
وقوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء: ٢١٩) أي: وأنت تتقلب في الذين
стр. 320
يسجدون في هذه الساعة، يعني تقلبك فيهم، أي: معهم، فإن الله- سبحانه وتعالي- يري الإنسان حين قيامه وحين سجوده.
وذكر القيام والسجود؛ لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره، والسجود أفضل من القيام بهيئته.
أما كون القيام أفضل من السجود بذكره؟ فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن، والقرآن افضل الكلام.
أما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته؛ لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه ، كما ثبت ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) .
ولهذا أمرنا أن نكثر من الدعاء في السجود، كذلك من مراقبتك لله، أتعلم أن الله يسمعك، فأي قول تقوله؛ فإن الله تعالي يسمعك؛ كما قال الله:) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠) ، بلي: يعني نسمع ذلك.
ومع هذا فإن الذي تتكلم به - خيرا كان أم سرا، معلناً أم ميسراً- فإنه يكتب لك أو عليك؛ كما قال الله تبارك وتعالي:) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ: ١٨) فراقب هذا الأمر، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل دائما لسانك يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي ﵊: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،
стр. 321
فليقل خيراً أو ليصمت)) .
الثالث: أن تراقب الله في سرك وفي قلبك، انظر ماذا في قلبك من الشرك بالله والرياء، والانحرافات، والحقد على المؤمنين، وبغضاء، وكراهية، ومحبة للكافرين، وما اشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله ؟
راقب قلبك، تفقده دائماً؛ فإن الله يقول:) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه) (قّ: من الآية١٦) ، قبل أن ينطق به.
فراقب الله في هذه المواضع الثلاثة، في فعلك، وفي قولك، وفي سريرتك، وفي قلبك، حتى تتم لك المراقبة، ولهذا لما سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإحسان قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) .
اعبد الله كانك تراه، كأنك تشاهده رأي عين، فإن لم تكن تراه فانزل إلي المرتبة الثانية: ((فإنه يراك)) .
فالأول: عبادة رغبة وطمع، أن تعبد الله كأنك تراه، والثاني: عبادة رهبة وخوف، ولهذا قال: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) .
فلابد أن تراقب ربك، وأن تعلم أن الله رقيب عليك، أي شيء تقوله، أو تفعله، أو تضمره في سرك فالله تعالي عليم به، وقد ذكر المؤلف- ﵀ من الآيات ما يدل علي هذا، فبدأ بالآية التي ذكرناها؛ وهي قوله- تعالي- لنبيه محمد النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم:) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ
стр. 322
تَقُومُ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء: ٢١٧-٢٢٠) .
الآية الثانية التي ساقها المؤلف- ﵀ تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) (الحديد: من الآية٤) الضمير (هو) يعود على الله، أي: الله سبحانه وتعالي مع عباده أينما كانوا: في بر أو بحر، أو جو، أو في ظلمة، أوفي ضياء. وفي أي حال هو معكم أينما كنتم. وهذا يدل على كمال إحاطته بنا علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك. ولا نعني أنه سبحانه وتعالي معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأن الله فوق كل سيء، كما قال الله تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (الطالب: ـه: ٥) ، وقال (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (الأنعام: من الآية١٨) وقال تعالي: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (الملك: من الآية١٦) وقال: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: من الآية٢٥٥) وقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى: ١) ، إلي غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء، لكنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته، وهو على دنوه، قريب في علوه جل وعلا، كما قال الله تعالي:) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ) (البقرة: من الآية١٨٦) ، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض، لأننا لو توهمنا هذا، لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالي. وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته:) وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (البقرة: من الآية٢٥٥) .
الكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها، والكرسي هو موضع قدي الرحمن ، والعرش أعظم وأعظم وأعظم، كما جاء في الحديث: ((إن السموات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في
стр. 323
فلاة من الأرض)) .
حلقة كحلقة المغفر صغيرة في فلاة من الأرض، أي مكان متسع، نسبة هذه الحلقة إلي الأرض ليست بشيء.
قال: ((زإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة)) ، فما بالك بالخالق جل وعلا! الخالق - سبحانه وتعالي- لا يمكن أن يكون في الأرض، لأنه - سبحانه وتعالي- أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) (الحديد: من الآية٤) .
واعلم أن المعية التي أضافها الله إلي نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن. فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وتدبيراً وغير ذلك، مثل هذه الآية: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) ومثل قوله تعالي:) مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة: من الآية٧) .
وتارة يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله تعالي: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء: ١٠٨) ، فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يبينوا ما لا يرضي من القول يكتمونه عن الناس، يظنون أن الله لا يعلم،
стр. 324
والله- سبحانه - عليم بكل شيء.
وتارة يراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه ذلك، مثل قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) ، وكما في قوله تعالي: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: ٣٥) ، والآيات في هذا كثيرة.
وهذا القسم الثالث من أقسام المعية تارة يضاف إلي المخلوق بالوصف، وتارة يضاف إلي المخلوق بالعين.
فقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨) ، هذا مضاف إلي المخلوق بالوصف، فأي إنسان يكون كذلك فالله معه.
وتارة يكون مضافاً إلي المخلوق بعين الشخص، مثل قوله تعالي: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: من الآية٤٠) ، فهذا مضاف إلي الشخص بعينه، وهي للرسول ﵊ وأبي بكر ﵁ وهما في الغار، لما قال أبو بكر للرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، لأن قريشاً كانت تطلب الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وابا بكر- ﵁ بكل جد! ما من جبل إلا صعدت عليه، وما من واد إلا هبطت فيه، وما من فلاة إلا بحثت، وجعلت لمن يأتي بالرسول- ﵊ وأبي بكر مائتي بعير، مائة للرسول، ومائة لأبي بكر، وتعب الناس وهم يطلبونها، ولكن الله معها. حتى وقفوا على الغار، يقول ابو بكر: لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، فيقول له الرسول عليه
стр. 325
الصلاة والسلام: ((لا تحزن إن الله معنا، فما ظنك باثنين الله ثالثهما؟))
والله ظننا لا يغلبهما أحد، ولا يقدر عليهما أحد. وفعلا هذا الذي حصل؛ ما رأوهما عدم المانع، فلم هناك عش كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار، ولا شجرة نبتت على فم الغار، وما كان إلا عناية الله ؛ لأن الله معهما.
وكما في قوله ـ سبحانه ـ لموسى وهارون، لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون: (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه ٤٥، ٤٦) .
الله أكبر: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده؟ لا يمكن، فهذه معية خاصة مقيدة بالعين: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله مع الخلق، لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته، ولا يدانيه أحد في صفاته، ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء؟
نقول: الله لا يقاس بخلقه، مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق. فلو سألنا سائل: اين موضع القمر؟ لقلنا: في السماء، كما قال الله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) (نوح: ١٦) ، وإذا قال: أين موضع النجوم؟ قلنا في السماء، واللغة العربية يقول المتكلمون فيها: ما زلنا نسير والقمر معنا، وما زلنا نسير القمر والنجم معنا! مع ان القمر في السماء
стр. 326
والنجم في السماء، لكن هو معنا، لأنه ما غاب عنا. فالله ـ تعالى ـ وهو على عرشه ـ سبحانه ـ فوق جميع الخلق.
وتقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنهجي بأنك إذا آمنت بأن الله معك، فإنك تتقيه وتراقبه؛ لأنه لا يخفى عليه حالك مهما كنت، لو كنت في بيت مظلم ليس فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك، لكن ليس في نفس المكان، وإنما محيط بك لا يخفى عليه شيء من أمرك. فتراقب الله، وتخاف الله، وتقوم بطاعته، وتترك مناهيه. والله الموفق.) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ... )
الآية الثالثة التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى ـ في باب المراقبة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: ٥) ، (شَيْءٌ) نكرة في سياق النفي في قوله: (لا يَخْفَى) فتعم كل شيء، فكل شيء لا يخفي على الله في الأرض ولا في السماء، وقد فصل الله هذا في قوله ﵎: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: ٥٩) .
قال العلماء: إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها؛ فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها؛ فهو بها أعلم .
أما قوله: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) . (حَبَّةٍ) : نكرة في سياق النفي المؤكد بمن. إذا يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة.
ولنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر، فهي في خمس
стр. 327
ظلمات:
الظلمة الأولي: ظلمة الطين المنغمسة فيه.
الثانية: ظلمة الماء في البحر.
الثالثة: ظلمة الليل.
الرابعة: ظلمة السحاب المتراكم.
الخامسة: ظلمة المطر النازل.
خمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة؛ والله يعلمها.
وقوله:) اوَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) مكتوب، مبين، بين، ظاهر، معلوم عند رب العالمين .
إذا من كان هذا سعة علمه فعلي المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالي، وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية، لأن خشية الله في السر أقوي في الإخلاص، لأنه ليس عندك أحد؛ لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس.
فاحرص- يا أخي المسلم- على مراقبة الله- وأن تقوم بطاعته امتثالاً لأمره واجتنابا لنهيه، ونسأل الله العون على ذلك؛ لأن الله إذا لم يعنا، فإننا مخذولون؛ كما قال تعالي: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) فإذا وفق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه.
стр. 328
) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: ٥/٦) ، لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم، وإلا كانت ضرراً على العبد. فهذه ثلاثة أمور، هي منهج الذين أنعم الله عليهم، ولهذا قال) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (: ٦) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦/٧) .
الآية الرابعة التي ذكرها المؤلف- ﵀ تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) ، وهذه الآية ختم الله بها ما ذكره من عقوبة عاد (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) ١٠) (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ) (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ٧-١٤) ، فبين، أنه بالمرصاد لكل طاغية، وأن كل طاغية فإن الله تعالي يقصم ظهره ويبيده ولا يبقي له باقية.
فعاد إرم ذات العماد، ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية، أعطاهم الله شديدة النبي صلي الله عليه وسلم فاستكبروا في الأرض وقالوا: من اشد منا قوة؟ ! فقال الله :) ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة) (فصلت: من الآية١٥) ، فبين الله أنه هو اشد منهم قوة، واستدل لذلك بدليل عقلي، وهو أن الله هو الذي خلقهم، ولهذا قال:) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ) (فصلت: من الآية١٥) ؛ ولم يقل: ((أو لم يروا أن الله هو اشد منهم قوة)) قال (الَّذِي خَلَقَهُمْ) ؛ لنه من المعلوم بالعقل علما ضروريا أن الخالق اقوي من المخلوق، فالذي خلقهم هو اشد منهم قوة:) وَكَانُوا بِآياتِنَا
стр. 329
يَجْحَدُونَ) (فصلت: من الآية١٥) ، فأصابهم الله - سبحانه وتعالي - بالقحط الشديد، وأمسكت السماء ماءها فجعلوا يستقون، أي: ينتظرون أن الله يغيثهم، فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام، أقبلت ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم.
) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الاحقاف: من الآية٢٤) ، حكمة من الله ، لم تأتهم الريح هكذا، وإنما جاءتهم وهم يؤملون أنها غيث ليكون وقعها اشد، شيء أقبل فظنوه ريحا تسقيهم فإذا هو ريح تدمرهم، فكون العذاب يأتي في حال يتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم.
مثل ما لو منيت شخصاً بدراهم ثم سحبتها منه صار اشد وأعظم:) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الاحقاف: من الآية٢٤) ، لأنهم كانون يتحدون نبيهم النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: إن كان عندك عذاب فأت به إن كنت صادقاً، فجاءتهم) رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) والعياذ باللههاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب، فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسوماً متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسماً، حتى إنها تحمل الواحد منهم إلي عنان السماء، ثم ترمي به، فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم- والعياذ بالله - كهيئة السجود؛ لأنهم يريدون أن يتخلصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض، ولكن لم ينفعهم هذا.
стр. 330
قال الله تعالي:) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) (فصلت: ١٦) والعياذ بالله.
أما) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر: ٩) ، فهم أيضاً عندهم عتو وطغيان وتحد لنبيهم، حتى قالوا له:) كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا) (هود: من الآية٦٢) ، أي كنا نرجوك ونظنك عاقلاً، أما الآن فأنت سفيه؛ لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه: ساحر أو مجنون، كما قال الله:) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذريات: ٥٢) .
فانظرهم ثلاثة أيام:) فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود: من الآية٦٥) ، فلما تمت الثلاثة- والعياذ بالله- ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم؛ فاصبحوا كهشيم المحتظر، أي: مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء، صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم.
أما فرعون - وما أدراك ما فرعون- فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر، الذي طغي وأنكر الله- وقال لموسى: ما رب العالمين؟ وقال لقومه: ما لكم من إله غيرينعوذ بالله، وقال لهامان وزيره:) ابْنِ لِي صَرْحاً) يعني: بناء عاليا (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) يقوله تهكما-والعياذ بالله- (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً) (غافر: ٣٦، ٣٧) .
стр. 331
وكذب في قوله: وإني لأظنه كاذبا؛ لأنه يعلم أنه صادق، كما قال الله تعالي في مناظر مع موسي، قال له موسي:) لَقَدْ عَلِمْت) يا فرعون) مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (الاسراء: من الآية١٠٢) ، ما أنكر، مقال: علمتبل سكت، والسكوت في مقام التحدي والمناظرة يدل على الانقطاع وعدم الجواب.
وقال الله تعالي عنه وعن قومه:) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) (النمل: من الآية١٤) .
فهم- والعياذ بالله- فرعون وجنوده- يعلمون أن موسي صادق، لكنهم مستكبرون جاحدون. ماذا حصل لهم؟
حصل لهم- والعياذ بالله- هزائم، أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة
جمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى- ﵊ وموسى هو الذي عين الموعد أمام فرعون، مع ان موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفاً لولا أن الله نصره وأيده.
قال لهم موسى:) مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) (طه: من الآية٥٩) ، يوم الزينة يوم العيد، لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة. وقوله:) وَأَنْ يُحْشَرَ) يجمع (النَّاسُ ضُحىً) لا في الليل في الخفاء. فجمع فرعون جميع من عنده من عظماء السحرة وكبرائهم، واجتمعوا بموسى- ﵊ وألقوا حبالهم وعصيهم. الحبال معروفة، والعصا معروفة، ألقوها في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين- حيات - تمشي،
стр. 332
أرهبت الناس كلهم، حتى موسى أوجف في نفسه خيفةّفأيده الله وقال له:) لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) (٦٨ (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) (طه: ٦٨/٦٩) .
فالقي ما في يمينه وهي العصا، عصا واحدة فقط؛ فإذا هي تلقف ما يأفكون، كل الحبال والعصي أكلتها هذه العصا، سبحان الله العظيموأنت تعجب: أين ذهبت العصا؟ ليست كبيرة حتى تأكل كل هذا، لكن الله على كل شيء قدير، فالتهمت الحبال والعصي، وكأن السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك، فعرفوا أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر، وأنه آية من آيات الله ، فألقي السحرة ساجدين.
وانظر إلي كلمة (ألقي) كأن هذه السجود جاء اندفاعاً بلا شعور، ما قال: سجدواألقوا ساجدين، كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا بدون شعور ولا اختبار؛ حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله.
(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) فتوعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم، فقال: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) (طه: من الآية٧١) ، سبحان الله! علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم؟! سبحان الله! لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل.
قال:) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) أقطع اليد اليمني والرجل اليسري.) وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) (طه: من الآية٧١) ، ما الذي قالوا له؟
) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات) ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات! أنت كذاب لست برب، الرب رب موسى وهارون.
стр. 333
) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ) (طه: من الآية٧٢) انظر إلي الإيمان إذا دخل القلوب! رخصت عليهم الدنيا كلها (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض) أي: افعل ما تريد) إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) لأنه قد أكرهمم لكي يأتوا ويقابلوا موسى (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: من الآية٧٣) ، فالإيمان إذا دخل القلب، واليقين إذا دخل القلب لا يفتنه شيء، وإلا فإن السحرة جنود فرعون، كانوا في أول النهار سحرة كفرة، وفي آخر النهار مؤمنين برره، يتحدون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان، فهذه هزيمة نكراء لفرعون، لكن مع ذلك ما زال في طغيانه.
وفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فحرج موسى في قومه هرباً منه متجهاً بأمر الله إلي البحر الأحمر ويسمي ((بحر القلزم)) متجهاً إليه مشرقاً، فتكون مصر خلفه غرباً، فلما وصل إلي البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم،) قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا، اين نفر؟ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: ٦٢) ، اللهم صل وسلم عليه، هكذا يقين الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في المقامات الحرجة الصعبة، تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير- بل الذي يظن أنه متعذر- أمرا يسيرا سهلا (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فلما فوض الأمر إلي الله - سبحانه وتعالي- أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر الأحمر. فضرب البحر بعصاة ضربة واحدة فانفلق البحر اثني عشر طريقاً؛ لأن بني إسرائيل كانوا
стр. 334
اثنتي عشرة قبيلة، اثني عشر سبطاً، والسبط بمعني القبيلة عند العرب.
فضربهن وبلحظة يبس) فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى) (طه: من الآية٧٧) ، فعبر موسى بقومه في أمن وأمان؛ الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف، الماء جوهر سيال، لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال.
حتى إن بعض العلماء قال: إن الله- سبحانه وتعالي - جعل في كل طود من هذه المياه، جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلي بعض؛ لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا، من أجل أن يطمئنوا.
فلما انتهي موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم، وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون وقع في نفوسهم أن فرعون لم يغرق، فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء، قال:) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (يونس: من الآية٩٢) ، حتى يشاهدوه بأعينهم، واطمانوا أن الرجل قد هلك.
فتأمل هؤلاء الأمم الثلاث الذين هم في غاية الطغيان، كيف أخذهم الله- وكان لهم بالمرصاد، وكيف أهلكوا بمثل ما يفتخرون به.
فقوم عاد قالوا: من اشد منا قوة؛ فأهلكوا بالريح، وهي أصلاً لطيفة وسهلة.
وقوم صالح: أهلكوا بالرجفة والصيحة.
وفرعون أهلك بالماء والغرق، وكان يفتخر بالماء، يقول لقومه: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ
стр. 335
هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) يعني موسى (وَلا يَكَادُ يُبِينُ) (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف: ٥١-٥٣) ، فأغرقه الله تعالي بالماء.
فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: ١٤) .
الآية الخامسة: قوله : (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر: ١٩) ، يعلم يعني الله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) وخائنة الأعين خيانتها. فالخائنة هنا مصدر كالعاقبة والعافية وما أشبهها.
ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون؛ فيكون من باب إضافة الصفة إلي موصوفها.
على كل حال هذه مسألة نحوية ما تهم هنا، المهم أن للأعين خيانة، وذلك أن الإنسان ينظر إلي الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظراً محرماً، ولكن الله يعلم أنه ينظر نظراً محرماً.
كذلك ينظر إلي الشخص نظر كراهية، والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية، ولكن الله تعالي يعلم أنه ينظر نظر كراهية، كذلك ينظر الشخص إلي شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يري هذا الناظر أنه ينظر إلي الشيء نظر إنكار رضا، ولكن الله سبحانه هو يعلم ذلك- فهو- سبحانه وتعالي_ يعلم خائنة الأعين.
ويعلم أيضاً ما تخفي الصدور أي: القلوب؛ لأن القلوب في الصدور، والقلوب هي التي يكون بها الفهم، ويكون
стр. 336
بها التدبير، كما قال الله:) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) (الحج: من الآية٤٦) (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) .
سبحان الله! كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم، بل حال الناس في القديم. يعني: هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟
هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلي الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلي قول الله تعالي وقول رسوله صلي الله عليه وسلم.
وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب، وأن القلب في الصدر) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) وقال (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) ولم يقل القلوب التي في الأدمغة قال (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، فالأمر فيه واضح جداً أن العقل يكون في القلب، ويؤيد هذا قول النبي صلي الله عليه وسلم.: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب)) .
فما بالك بأمر شهد به كتاب الله، والله تعالي هو الخالق العالم بكل شيء، وشهدت به سنة الرسول صلي الله عليه وسلم!
إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله تعالي
стр. 337
وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا، وأن لا نرفع به رأساً.
إذا: القلب هو محل العقل ولاشك، ولكن الدماغ محل التصور، ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلي القلب، ثم القلب يأمر أو ينهي النبي صلي الله عليه وسلم فكأن الدماغ (سكرتير) يجهز الأشياء ثم يدفعها إلي القلب، ثم القلب يوجه، يأمر أو ينهي، وهذا ليس بغريب) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات: ٢١) ، وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول، فليس بغريب أن الله- سبحانه وتعالي- يجعل التصور في الرأس، فيتصور الدماغ وينظم الأشياء، حتى إذا لم يبق إلا الأوامر أرسلها إلي القلب، ثم القلب يحرك، يأمر أو ينهي.
لأن النبي- ﵊ قال: (٠ إذا صلحت صلح الجسد)) فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
إذاً: فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص، ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ، ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل! فهذا مرتبط بهذا، لكن العقل المدبر في القلب، والقلب في الصدر) وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: من الآية٤٦) .
* * *
стр. 338
٦٠- وأما الأحاديث: فالأول: عن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يري عليه ار السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد ان لا إله الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا يسأله ويصدقه! قال: أخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت: قال فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها باعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطق فلبتث ملياً، ثم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) (رواه مسلم) .
ومعني ((تلد الأمة ربتها)) أي: سيدتها ومعناه: أن تكثر السراري
стр. 339
حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها، وبنت السيد في معني السيد، وقيل غير ذلك. ((والعالة)) الفقراء وقوله: ((مليا)) أي: زمان طويلاً، وكان ذلك ثلاثا.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ حديث عمر بن الخطاب- ﵁ هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلي الله عليه وسلم لعمر في آخره: ((أتدري من السائل)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) إذا ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كل الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.
قوله: ((بينما)) هذه ظرف تدل عل المفاجأة، ولهذا تأتي بعدها ((إذا)) المفيدة للمفأجاة، وكان الصحابة- ﵃ يجلسون عند النبي صلي الله عليه وسلم كثيراً، لأن الرسول ﵊ لا يغيب عن أصحابه أو أهله:
إما في البيت: في شؤون بيته- صلوات الله وسلامه عليه- يحلب الشاة ويرقع
الثوب ويخصف النعل.
وإما مع أصحابه في المسجد، وإما ذاهبا إلي عيادة مريض، أو زيارة قريب، أو
غير ذلك من الأمور التي لا يمضي منها لحظة إلا وهو في طاعة الله ﵊، قد حفظ الوقت، وليس مثلنا نضيع الأوقات. والغريب أن أغلي شيء عند الإنسان هو الوقت، وهو أرخص شيء عند الإنسان، قال الله:) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)
стр. 340
(لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) (المؤمنون: ٩٩، ١٠٠) ، حتى لا يضيع على الوقت. ما يقول: لعلي أتمتع في المال، أو أتمتع بالزوجة، أو أتمتع في المركوب، أو أتمتع في القصور، بل يقول: لعلي اعمل صالحا فيما تركت.
مضي على الوقت وما استفدت منه، فالوقت هو أغلي شيء، لكن هو أرخص شيء عندنا الآن، نمضي أوقاتنا كثيرة بغير فائدة، بل نمضي أوقاتنا كثرية فيما يضر، ولست أتحدث عن رجل واحد، بل عن عموم المسلمين. اليوم- مع الأسف الشديد- أنهم في سهو ولهو وغفلة، ليسوا جادين في أمور دينهم، أكثرهم في غفلة وفي ترف، ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم. فالرسول ﵊ كان دائما في المصالح الخاصة أو العامة، ﵊.
فبينما الصحابة عنده جلوس، إذا طلع عليهم رجل ((شديد بياض الثياب النبي صلي الله عليه وسلم شديد سواد الشعر، لا يري عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)) وهذا غريب! ليس مسافرا حتى نقول إنه غريب عن البلد، ولا يعرف فنقول إنه من أهل البلد.
فتعجبوا منه، ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفاً: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، أي: شاب لا يري عليه اثر السفر، لأن المسافر- لا سيما في ذلك الوقت- يكون أشعث أغبر؛ لأنهم يمشون على الإبل، أو على الإقدام، والأرض غير مسفلتة، كلها غبار، لكن هذا لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فهو غريب ليس بغريب!
стр. 341
حتى جاء وجلس إلي النبي- ﵊ وهذا الرجل هو جبريل- ﵊ أحد الملائكة العظام، بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم؛ لشرف عمله؛ لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلي الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو ملك عظيم، رآه النبي صلي الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء.
_ مرة في الأرض وهو في غار حراء، رآه وله ستمائة جناح، قد سد الأفق - كل الأفق _ أمام الرسول ﵊ لا يري السماء من فوق، لأن هذا الملك قد سد الأفق؛ لأنه له ستمائة جناح.
سبحان الله!! لأن الله يقول في الملائكة:) جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ) (فاطر: من الآية١) ، لهم أجنحة يطيرون بها طيراناً سريعاً.
والمرة الثانية عند سدرة المنهي. قال الله تبارك وتعالي:) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
(لنجم: ٤) (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (لنجم: ٤/٩) .
هذا في الأرض، دنا جبريل من فوق فتدلي، أي: قرب إلي محمد صلي الله عليه وسلم فأوحي إلي عبده- الرسول ﵊ ما أوحاه من وحي الله الذي حمله إياه.
أما الثانية: فقال:) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (لنجم: ١٣/١٤) ،
فهذا جبريل. ولكن الله جعل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية، فها هو قد جاء في صورها هذا الرجل.
قوله: ((حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه)) أي أسند
стр. 342
ركبتي جبريل إلي ركبتي النبي صلي الله عليه: ((ووضع كفيه علي فخذيه)) قال العلماء: وضع كفيه على فخذي نفسه، لا علي فخذي النبي صلي الله عليه وسلم، وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلم أمام المعلم، بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع، واستماع لما يقال من الحديث.
جلس هذه الجلسة ثم قال: ((يا محمد أخبرني عن الإسلام)) - ولم يقل: يا رسول الله أخبرني- كصنيع أهل البادية الأعراب؛ لأن الأعراب إذا جاؤوا إلي النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: يا محمد.
أما الذين سمعوا أدب الله لهم فإنهم لا يقولون: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله، لأن الله تعالي قال في كتابه:) لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (النور: من الآية٦٣) ، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهي، فلا نجعل أمره كأمر الناس: إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا، ولا نجعل نهيه كنهي الناس: إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا.
كذلك عندما ندعوه، لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضا فنقول: يا فلان يا فلان، مثلما تنادي صاحبك، وإنما تقول: يا رسول الله، لكن الأعراب- لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم- إذا جاؤوا ينادونه باسمهن فيقولون: يا محمد.
قال: ((أخبرني عن الإسلام)) أي: ما هو الإسلام؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)) .
هذا الركن الأول: تشهد بلسانك نطقاً، وبقلبك إقراراً: أن لا إله إلا
стр. 343
الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالي.
وألوهية الله فرع عن ربوبيته؛ لأن من تاله لله أقر بالربوبية، إذ إن المعبود لابد أن يكون رباً، ولابد أن يكون أيضاً كامل الصفات، ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله- عندهم نقص عظيم في العبودية، لنهم يعبدون من لا شيء.
فالرب لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يعبد بمقتضي هذه الصفات، ولهذا قال الله تعالي:) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (لأعراف: من الآية١٨٠) ، ((أدعوه)) أي: تعبدوا له وتوسلوا بأسمائه إلي مطلوبكم. فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
المهم أنه قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله)) ، فلا له من الخلق، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا شمس، ولا قمر ولا سجود ولا حجر، ولا بر، ولا بحر، ولا ولي، ولا صديق، ولا شهيد،، ولا إله إلا الله وحده.
وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل، فقال الله تعالي:) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) وقال تعالي:) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: من الآية٣٦) أي: ابتعدوا عن الشرك.
فهذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزماً بما تقضيه من الإيمان والعمل الصالح، فإنه يدخل الجنة بها، قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل
стр. 344
الجنة)) ، جعلنا الله وإياكم منهم.
وقوله: ((وأن محمداً رسول الله)) أي: تشهد بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسول الله، ولم يذكر من سواه من الرسل؛ لأنه نسخ جميع الأديان كل ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه ناسخ لما قبله من الأديان.
فكل الأديان باطلة ببعثه الرسول ﵊، فدين اليهود باطل، ودين النصاري باطل غير مقبول عند الله؛ لقول الله تعالي:) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥) .
يتعبون في عبادتهم التي ابتدعوها تعبا عظيماً، وينصبون نصبا عظيماً، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء، لن تقبل منهم.
وقوله: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة؛ لأن أديانهم باطلة، فالذين يدعون الآن من النصارى أنهم ينتسبون إلي عيسي بن مريم ﵊ هم كذابون، والمسيح بريء منهم، ولو جاء المسيح لقاتلهم، وسنزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام. فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد، لا يقبل إلا الإسلام.
وقوله: ((وأن محمداً رسول الله)) أي: إلي الخلق كافة، كما قال الله:
стр. 345
) تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان: ١) ، للعالمين كلهم.
وقال الله تعالي:) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف: ١٥٨) ، فهو رسول إلي جميع الخلق.
وقد أقسم صلي الله عليه وسلم: ((أنه لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار)) .
ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار، لأن هذه شهادة النبي ﵊، والجنة حرام عليهم، لأنهم كفرة أعداء لله تعالي ولرسله عليهم الصلاة والسلام، أعداء لإبراهيم، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله)) مع قوله: ((وأن محمداً رسول الله)) هذان جمعا شرطي العبادة، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم؛ لأن من قال: لا إله إلا الله أخلص لله، ومن شهد أن محمداً رسول الله
стр. 346
اتبع رسول الله ولم يتبع سواه.
ولهذا عد هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام، لأنهما يعودان إلى شئ واحد، وهو تصحيح العبادات، لان العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين: شهادة أن لا اله إلا الله التي يكون بها الإخلاص، وان محمد رسول الله التي يكون بها الاتباع.
وقوله: ((وان محمدا رسول الله)) يجب أن تشهد بلسانك، مقرا بقلبك، أن محمدا رسول اله، أرسله إلى العالمين جميعا رحمة بالعالمين، كما قال الله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧) وأن تؤمن بان خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب: من الآية٤٠) فلا نبي بعده، ومن ادعى النبوة بعده فهو كافر كاذب، ومن صدقه فهو كافر. ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شرعيته وسنته، وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منهن ولهذا نقول: أن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول ﷺ ما ليس منها انهم لم يحققوا شهادة: شهادة أن محمدا رسول الله! حتى وأن قالوا أننا نحبه ونعظمه، فانهم لو أحبوه تمام المحبة وعظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه، ولا ادخلوا في شريعته ما ليس منها. فالبدعة مضمونها حقيقة القد لرسول الله ﷺ كأنما يقول هذا المبتدع: أن الرسول ﷺ لم يكمل الدين ولا الشريعة، لان هناك دينا وشريعة ما جاء بها! ثم في البدعة محذور
آخر، وهو عظيم جدا، وهو انه يتضمن تكذيب
стр. 347
قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية٣) لان الله تعالى إذا كان اكمل الدين، فمعناه انه لا دين بعدما جاء به الرسول ﵊، وهؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه، من تسبيحات وتهليلات وحركات وغير ذلك، فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (المائدة: من الآية٣) وكذلك قادحون برسول الله ﷺ متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر، وحاشاه من ذلك. ومن شهادة أن محمدا رسول الله أن تصدقه فيما اخبره به، فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به، وأن لا تعارض هذا بعقلك وتقديراتك وتصوراتك، لأنك لو لم تؤمن لا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنا حقيقة، بل متبعا لهواك ولا أخذا بهداك، الذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام_ حقا يقول فيما صح عنه من الأخبار: سمعنا وأمنا وصدقنا. إما أن يقول: كيف كذا؟ كيف يكون كذا؟ وهذا غير مؤمنا حقيقة، ولذلك يخشى على أولئك القوم الذين يحكمون عقولهم فيما اخبر به الرسول ﵊، لانهم أن كانوا لا يقبلون إلا بما
شهدت به عقولهم_ وعقولهم لا شك إنها قاصرة_ فانهم لم يؤمنوا حقا برسول الله ﷺ ولم يشهدوا انه رسول الله ﷺ على وجه الحقيقة، عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما اخبر به. كذلك من تحقيق شهادة: ((أن محمدا رسول الله)) إلا تغلو فيه وتنزله بمنزلة اكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها، مثل أولئك الذين يعتقدون أن
стр. 348
الرسول ﷺ يكشف الضر، حتى انهم عند قبره يسألون النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم، وان يجلب النفع لهم. هذا غلو في الرسول _ ﵊ _ وشرك بالله !! لا يقدر أحد علي ذلك إلا الله سبحانه وتعالي. والنبي صلي اله عليه وسلم بعده موته لا يملك لنفسه شيئا أبدا. حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه_واستسقوا في مسجد الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ ما جاءوا إلى القبر يسألون الرسول أو يقولون ادع لنا اله أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث. قال عمر يدعو الله: ((اللهم أنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلي الله عليه وسلم فتسقينا، وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا))
ثم أمر العباس أن يقوم ويدعوا الله تعالي بإنزال الغيث. لماذا؟ لان النبي صلي الله عليه وسلم ميت لا عمل له بعد موته، هو الذي قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله الآمن ثلاث: الآمن صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) . فالنبي صلي الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئا، لا يملك أن يدعو لك وهو في قبره أبدا. فمن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فانه لم يحقق شهادة
((أن محمدا
стр. 349
رسول الله)) بل شهد أن محمدا رب مع الله نعوذ بالله، لان معني كونه رسولا انه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، نحن في صلاتنا كل يوم نقول: ((اشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله)) . فهو عبد كغيره من العباد مبوب، والله هو المعبود وهو الرب. إذا نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلي الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، نقول لهم: أنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا اله إلا الله، ولا شهادة أن محمدا رسول الله. فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما مدار عظيم، كل الإسلام فهو عليهما. لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم علي ما يتعلق بهما منطوقا ومفهوما ومضمونا وإشارة لاستغرق أياما! ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما، ونسأل الله تعالي أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة، وقولا، وفعلا،
الركن الثاني: أقام الصلاة: الصلاة سميت صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله، فان الإنسان إذا قام يصلي فانه يناجي ربه ويحاوره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة_ ﵁ _ عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله قال: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سال، فإذا قال: ((الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال:
стр. 350
(الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال، (ملك يوم الدين) قال مجدني عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سال، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير الغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سال)) . فتأمل محاورة ومناجاة بين الإنسان وبين ربه، ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه، تجده يتجول يمينا وشمالا، مع انه يناجي من يعلم ما في الصدور . وهذا من جهلنا وغفلتنا. فالواجب علينا_ ونسأل الله أن يعيننا عليه_ أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرا ذ متنا وحتى ننتفع بها، لان الفوائد المترتبة علي الصلاة إنما تكون علي صلاة كاملة،
ولهذا كلنا يقرا قول الله : (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: من الآية٤٥ ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارا لمنكر، أو عرفا لمعروف زائدا عما سبق حين دخوله في الصلاة. يعني لا يتحرك القلب ولا يستفيد، لان الصلاة ناقصة، هذه الصلاة هي اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وقد فرضها الله_ عز وجل_ علي نبيه محمد صلي الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى الرسول، وفرضها عليه في اعلي مكان وصله بشر، وفرضها عليه في
стр. 351
أشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، وفرضها عليه خمسين صلاة في اليوم، فهذه أربعة أمور:
أولا: لم يكن فرضها كفرض الزكاة والصيام والحج، بل هو من الله تعالى مباشرة إلى الرسول ﵊.
ثانيا: من ناحية المكانة فهو في اعلي مكان وصل إليه البشر، تفرض علي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأرض.
ثالثا: من ناحية الزمان في اشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج.
رابعا: في الكمية: لم تفرض صلاة واحدة، بل خمسون صلاة، مما يدل علي محبة الله لها، وانه يحب من عبده أن يكون مشغولا بها. ولكن الله جعل لكل شئ سببا، لما نزل الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ مسلما أتمر الله قانعا بفريضة الله، ومر بموسى_ عليه الصلاة والسلام_ وسأله موسى: ماذا فرض الله علي أمتك؟ قال: ((خمسين صلاة في اليوم والليلة)) ، قال: أن أمتك لا تطيق ذلك، إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل اشد المعالجة اذهب إلى ربك وأساله أن يخفف علي أمتك! فذهب إلى الله، وجعل يتردد بين موسى_ عليه الصلاة والسلام_ وبين الله_ عز وجل_ حتى جعلها الله خمسا، لكن الله بمنه وكرمه _
стр. 352
وله الحمد والفضل _ قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من باب قبيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من باب قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا، فهذه خمس صلوات عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الوحدة بعشر أمثالها لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكن هذه خاصة، صل خمس كأنما صليت خمسين صلاة، قال: هي حمس في الفعل وخمسون في الميزان، وهذا يدل علي عظم هذه الصلوات، ولهذا فرضها
الله_ سبحانه وتعالى_ علي عباده في اليوم والليلة. خمس مرات لابد منها. لابد أن تكون مع الله خمس مرات تناجيه في اليوم والليلة. ولو أن أحدا من الناس حصل علي مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعد ذلك من مناقبه ولفرح بذلك وقال: كل يوم أجالس الملك خمس مرات! فأنت تناجي ملك الملوك_ عز وجل_ في اليوم خمس مرات علي الأقل، فلماذا ل اتفرح بهذا؟ احمد الله علي هذه النعمة وأقم الصلاة. وقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((وتقيم الصلاة)) يعني: تأتى بها قويمة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها.
فمن أهم شروطها: الوقت: لقول الله سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية١٠٣) وإذا كانت الصلوات خمسا فأوقاتها خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة
стр. 353
لأهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع. والغرب والعشاء يكون وقتاهما وقت واحد إذا جاز الجمع. هذان وقتان. والفجر وقت واحد، ولهذا فصلها الله : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (الإسراء: من الآية٧٨) ، ولم يقل: لدلوك الشمس إلى طلوع الفجر! بل قال: (إلى غسق الليل) وغسق الليل يكون عند منتصفه، لان اشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لان منتصف الليل هو ابعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف، ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:
١_ الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض في الأفق_ إلى أن تطلع الشمس.
وهنا انبه فأقول: أن تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر علي مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر انه صلي قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه إضافي الرؤية. فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لآذان الفجر، لأنه مقدم، وهذه مسالة خطيرة جدا، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك وما صارت فريضة. وقد حدثني انس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار، انهم لا يشاهدون الفجر ال بعد هذا التقويم بثلث ساعة، أي: عشرين دقيقة أو ربع ساعة أحيانا، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي
стр. 354
بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق. علي كل حال: وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض_ إلى طلوع الشمس.
٢_ الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لان الشمس خصوصا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة، بل العبرة انك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدا يزيد ادني زيادة فان الشمس قد زالت، فاجعل علامة علي ابتداء زيادة الظل: فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
٣_ ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها.
٤_ ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يختلف، أحيانا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع، واحيانا يكون ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، ولذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا باس به، واحدة ونصف (١,٣٠) غروبي.
٥_ وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل. بمعني انك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه. فالنصف هو منتهى صلاة العشاء. ويترتب علي هذا فائدة عظيمة: لو طهرت المرأة من الحيض في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب، لأنها طهرت بعد الوقت.
стр. 355
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي_ عليه الصلاة والسلام_ قال: ((وقت العشاء إلى نصف الليل)) . وليس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم حديث علي أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدا. ولهذا فان القول الراجح إلى نصف الليل، والآية الكريمة تدل علي هذا، لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة (أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي: زوالها (إلى غسق الليل) جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل، فمن ساعة خروج الظهر يدخل العصر، ومن ساعة خروج العصر يدخل المغرب، ومن ساعة خروج المغرب يدخل العشاء، إما الفجر فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء: من الآية٧٨) فالفجر لا تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لان بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينهما وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر. واعلم أن
الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى ولو كبر المصلي تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة، فإنها لا تقبل علي إنها فريضة، لان الشي الموقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فانه لا يجزئه عن رمضان، كذلك لو كبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت فان الصلاة لا تقبل منه علي إنها فريضة، لكن أن كان جاهلا لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها
следующие страницы →