← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 3746–3784 · переход к 3751.

стр. 3746

١٨٦٦ - وعنه قال كنا مع رسول الله ﷺ في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة وقال أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم ويأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فقال إن ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل

стр. 3747

الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت كذبت ثلاث كذبات نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون محمدا ﷺ وفي رواية فيأتوني فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم

стр. 3748

يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى متفق عليه [الشَّرْحُ] هذا الحديث الطويل الذي ساقه المؤلف ﵀ في آخر كتابه (رياض الصالحين) عن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا مع النبي ﷺ في دعوة فقدمت إليه الذراع فنهس منها نهسة وكانت تعجبه الذراع يعني ذراع الشاة وكانت تعجب النبي ﷺ لأن لحمها أطيب ما في الجسم من لحم لين وسريع الهضم ومفيد وكانت تعجب النبي ﷺ فنهس منها نهسة ثم حدثهم هذا الحديث العجيب الطويل فقال أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا شك أنه ﷺ سيد ولد آدم وأشرف بني الإنسان عند الله ﵎ أتدرون مم ذاك قالوا لا يا رسول الله فساق لهم بيان شرفه وفضله ﷺ على جميع بني

стр. 3749

آدم ذكر أن الناس يحشرون يوم القيامة في صعيد واحد أولهم وآخرهم كما قال قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم يجمعون في صعيد واحد والأرض يومئذ ممدودة ليست كهيئتها اليوم كروية لا ترى إذا مددت بصرك لا ترى إلا ما يواجهك من ظهرها فقط أما يوم القيامة فإن الأرض تمد مد الجلد وليس فيها جبال ولا أودية ولا أنهار ولا بحار تمد مدا واحدا والعالم فيها يسمعهم الداعي وينفذهم البصر يعني لو تكلم الإنسان يسمعهم آخر واحد والبصر ينفذهم يراهم لأنه ليس بها تكور حتى يغيب بعض عن بعض ولكن كلهم في صعيد واحد في ذلك اليوم تدنو الشمس من الخلائق على قدر ميل ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فتضيق بهم الأرض ويطلبون الشفاعة لعل أحدا يشفع فيهم عند الله جل وعلا ينقذهم من هذا الموقف العظيم على الأقل يلهمهم الله أن يأتوا إلى آدم أبي البشر فيأتون إليه ويبينون فضله، لعله يشفع لهم عند الله يقولون له: أنت آدم أبو البشر كل البشر من بني آدم الذكور والإناث إلى يوم القيامة خلقك الله بيده كما قال تعالى منكرا على إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ خلقه الله بيده وخلق بقية البشر بكلمة كن فيكون أما آدم فخلقه جل وعلا بيده يقولون خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته قال الله تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم

стр. 3750

فسجدوا﴾ وعلمك أسماء كل شيء قال الله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ونفخ فيك من روحه قال الله تعالى ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ كل هذا يعلمه الخلق ولاسيما أمة محمد الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم ما لم يعط أحدا من الأمم فيعتذر ويقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ولن يغضب مثله قط ثم يذكر خطيئته أن الله نهاه أن يأكل من شجرة فأكل قال الله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ شجرة في الجنة لا ندري ما هذه الشجرة ولا نوعها ولا كبرها ولا صغرها شجرة أبهمها الله فعلينا أن نؤمن بها مبهمة نهى آدم أن يأكل منها وبين له أنه إذا أكل منها هو وزوجه فإنهما يكونان من الظالمين ولكن عدوهما الشيطان دلاهما بغرور ووسوس لهما وقاسهما إني لكما لمن الناصحين فغرهما ونسى آدم ما عهده إلى الله ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ نسى وأكل من الشجرة فعوقب بأن أخرج من الجنة إلى الأرض لحكمة يريدها الله فيذكر معصيته ويقول نفسي نفسي يعني عسى أن أنقذ نفسي ويؤكد ذلك ويكرره ثلاث مرات اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح ونوح هو الأب الثاني للبشرية لأن الله أغرق جميع أهل الأرض الذين كذبوا نوحا ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ وكان نوح هو

стр. 3751

الأب الثاني للبشر اذهبوا إلى نوح فيأتون إلى نوح لأنهم في شدة وضيق فيأتونه ويذكرون نعم الله عليه وأنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض وأن الله سماه عبدا شكورا ولكنه يقول كما قال آدم في غضب الله إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قط ولن يغضب مثله ثم ذكر دعوته التي دعا بها على قومه ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ وفي رواية أنه يذكر دعوته التي دعا بها لابنه ﴿فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ يذكر ذنبه والشافع لا يشفع إلا إذا كان ليس بينه وبين المشفوع عنده ما يوجب الوحشة والمعصية بين العبد وربه توجب الوحشة بينهما وخجله منه فيذكر معصيته فيقول نفسي نفسي نفسي ويحيلهم إلى إبراهيم ﷺ فيأتي الناس إليه ويقولون أنت خليل الله في الأرض ويذكرون من صفاته ويطلبون منه أن يشفع لهم عند ربه فيعتذر ويقول إنه كذب ثلاث كذبات ويقول نفسي نفسي نفسي والكذبات هي قوله إني سقيم وهو ليس بسقيم لكنه قال متحديا لقومه الذين يعبدون الكواكب والثانية قوله للملك الكافر هذه أختي يعني زوجته ليسلم من شره وهي ليست كذلك والثالثة قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ أي الأصنام لأن إبراهيم ﷺ ذهب إلى أصنامهم وكسرها فلما

стр. 3752

رجعوا وجدوها مكسرة قالوا ﴿من فعل هذا بآلهتنا﴾ فقالوا فعله فتى يقال له إبراهيم وجرى بينهم وبين إبراهيم ما جرى وقال لهم ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ وهو ما فعل وإنما الذي فعله هو إبراهيم ﷺ لكن ذكر ذلك على سبيل التحدي لهؤلاء الذين يعبدون الأوثان هذه كذبات في ظاهر الأمر لكنها في الحقيقة وبمناسبة تأويله ﷺ لم تكن كذبات لكنه لشدة ورعه وحيائه من الله ﵎ اعتذر لهذا الإثم ويقول نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون إلى موسى ويذكرون من صفاته وأن الله تعالى كلمه تكليما واصطفاه على أهل الأرض برسالاته وكلامه فيذكر ذنبا ويعتذر يذكر أنه قتل نفسا قبل أن يؤذن له في قتلها وهو القبطي الذي كان في خصام مع رجل من بني إسرائيل وموسى من بني إسرائيل ﷺ والقبطي من أهل فرعون ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه﴾ دون أن يؤمر بقتله فرأى ﷺ أن هذا يحول مما يحول بينه وبين الشفاعة للخلق حيث قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقال نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون إلى عيسى ويذكرون منه منة الله عليه أنه نفخ فيه من روحه وأنه كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه لأنه عيسى خلق بلا أب

стр. 3753

فلا يذكر ذنبا ولكنه يحيلهم إلى محمد ﷺ وهذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ حيث كان أربعة من الأنبياء يعتذرون بذكر ما فعلوه وواحد لا يعتذر بشيء ولكن يرى أن محمدا ﷺ أولى منه فيأتون إلى رسول الله ﷺ فيقبل ذلك ويجلس تحت العرش ويفتح الله عليه من المحامد والثناء على الله ما لم يفتحه على أحد غيره ثم يقال له ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فيشفع ﷺ يقول يا رب أمتي أمتي فيتقبل الله شفاعته ويقال له أدخل أمتك من الباب الأيمن من الجنة وهم شركاء مع الناس في بقية الأبواب وهذه فيها دلالة ظاهرة على أن النبي ﷺ أشرف الرسل والرسل هم أفضل الخلق كما قال ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ هؤلاء هم الأصناف الأربعة الذين هم أفضل الخلق والنبي ﷺ أفضلهم والله الموفق ١٨٦٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال جاء إبراهيم ﷺ بأم إسماعيل وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند درجة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء

стр. 3754

ثم قفي إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا هذا الوادي ليس فيه أنيس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها قالت له آلله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﷺ حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾ حتى بلغ ﴿يشكرون﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقال صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فأغث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه

стр. 3755

حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف وفي رواية بقدر ما تغرف قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا قال فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافوا الضيعة فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم قال ابن عباس قال النبي ﷺ فألقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبيات وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل

стр. 3756

فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت خرج يبتغي لنا وفي رواية يصيد لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه قال فإذا جاء زوجك أقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد قالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله تعالى فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء قال النبي ﷺ ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه قال فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه وفي رواية فجاء فقال أين إسماعيل فقالت امرأته ذهب يصيد فقالت امرأته ألا تنزل فتطعم وتشرب قال وما طعامكم وما شرابكم قالت طعامنا اللحم وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال فقال أبو القاسم ﷺ بركة دعوة إبراهيم ﷺ قال

стр. 3757

فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد قال يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني بيتا ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وفي رواية إن إبراهيم خرج بإسماعيل وأم إسماعيل معهم شنة فيها ماء فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه يا إبراهيم إلى من تتركنا قال إلى الله قالت رضيت بالله فرجعت وجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها حتى لما

стр. 3758

فنى الماء قالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة وفعلت ذلك أشواطا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل الصبي فذهبت ونظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت فلم تقرها نفسها فقالت لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ثم قالت لو ذهبت فنظرت ما فعل فإذا هي بصوت فقالت أغث إن كان عندك خير فإذا جبريل ﷺ فقال بعقبه هكذا وغمز بعقبه على الأرض فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفن ... وذكر الحديث بطوله. رواه البخاري بهذه الروايات كلها الدوحة الشجرة الكبيرة قوله قف أي ولى والجري الرسول وألفي معناه وجد قوله ينشغ أي يشهق ١٨٦٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين متفق عليه

стр. 3759

[الشَّرْحُ] قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين الكمأة هي التي تعرف عند الناس بالفجع تنبت من كثرة الأمطار ولاسيما الأمطار الموسمية وهي معروفة لذيذة الطعم تنبت على الأرض وإذا كبرت يأخذها الناس بدون كلفة وبدون مشقة ولهذا قال النبي ﷺ إنها من المن أي مما من الله به على عباده بيسر وسهولة وماؤها شفاء للعين يعني أن الماء الذي يستخرج منها إذا مرضت العين بسبب الرطوبة فإن هذه تشفيه بإذن الله لأن ماءها ناشف وإن كان سائلا ينشف العين ويزيل عنها الرطوبات ولهذا قال وماؤها شفاء للعين يعني ليس من كل مرض بل من الأمراض التي أسبابها الرطوبة فإنها تشفى بإذن الله ولكن كيف يستخرج ماؤها قيل إنها تصهر على النار ثم تعصر لأنها إذا صهرت على النار لانت ثم تعصر وقيل إنها تقطع قطعا صغيرة ثم تعصر عصرا شديدا فيخرج منها الماء ولكنه قليل. والله الموفق

стр. 3760

كتاب الاستغفار قال الله تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وقال تعالى ﴿واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما﴾ وقال تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ وقال تعالى ﴿للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ إلى قوله ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وقال تعالى ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ وقال تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ وقال تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة [الشَّرْحُ] ختم المؤلف ﵀ كتابه بالاستغفار والتوبة لأن الله أمر نبيه ﷺ في آخر حياته فقال إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره

стр. 3761

إنه كان توابا فالمؤلف ﵀ حتم هذا الكتاب العظيم النافع الذي ينتفع به المسلمون في أقطار الدنيا كلها العامة وطلبة العلم بالاستغفار وهذا الكتاب رياض الصالحين من أبرك ما رأيت من الكتب في انتفاع الناس به مما يدل على حسن نية مؤلفه رحمة الله عليه الاستغفار هو طلب المغفرة وما من إنسان إلا وهو خطاء كما قال النبي ﷺ كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون والخطأ الذي يصدر من بني آدم إما تقصير في واجب أو فعل لمحرم ولا يخلو الإنسان من ذلك ولكن دواء الذنوب الاستغفار والحمد لله وفي الأثر أن الشيطان يقول أهلكت بني آدم يعني بالخطايا والذنوب وأهلكوني ب لا إله إلا الله والاستغفار فالاستغفار سبب للمغفرة ولذا أمر الله تعالى به في آيات كثيرة من القرآن ساق منها المؤلف جملة صالحة منها قول الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفره لذنبك﴾ فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يعلم بأنه لا معبود حقا إلا الله وأمره أن يستغفره قال استغفر لذنبك هذا وهو النبي ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أمر أن يستغفر لذنبه وقال تعالى ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ وكذلك

стр. 3762

أثني الله تعالى على المستغفرين في آيات كثيرة ومنها ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وهم الذين يستغفرون الله في آخر الليل قال العلماء وذلك أنهم يتهجدون ويعبدون الله ويرون أنهم مقصرون فيسألون الله المغفرة هذا مع أنهم مجتهدون قائمون الليل ومع ذلك يستغفرون خوفا من التقصير فينبغي للإنسان أن يكثر من استغفار الله ١٨٦٩ - وعن الأغر المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة رواه مسلم ١٨٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري ١٨٧١ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم رواه مسلم ١٨٧٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3763

في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ١٨٧٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب رواه أبو داود ١٨٧٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم [الشَّرْحُ] سبقت الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) التي فيها الحث على الاستغفار والثناء على أهله ثم ذكر المؤلف أحاديث متعددة في ذلك منها قوله عن النبي محمد ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ﷺ فيما رواه عنه الأغر المزني ﵁ إنه ليغان على قلبي يعني

стр. 3764

يحدث له شيء من الكتمة والغم وما أشبه ذلك وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة يقول أستغفر الله في اليوم مائة مرة هذا وهو النبي ﷺ الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بنا ولكن قلوبنا قاسية ميتة لا يغان عليها بكثرة الذنوب ولا يهتم الواحد منا بما فعل ولذلك تجد الإنسان غير مبال بمثل هذا وقليل الاستغفار والذي ينبغي للإنسان أن يكون له أسوة حسنة في رسول الله ﷺ يكثر الاستغفار كما قال ابن عمر إننا نعد للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة أو أكثر رب اغفر لي وارحمني وكذلك أخبر ﷺ أن من نعمة الله على العباد أنه إذا ابتلاهم بالذنوب فاستغفروا الله غفر لهم وأنه لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم وهذا حث على أن يستغفر الإنسان ربه ويكثر من الاستغفار لأنه ينال بذلك درجة المستغفرين الله وكذلك أخبر فيما رواه أبو داود أن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ومن لزم الاستغفار يعني داوم عليه وأكثر منه فإنه يفرج عنه الكروب وتوسع له الضيقات ويوسع له في رزقه ورزقه من حيث لا يحتسب والأحاديث في فضل الاستغفار والثناء على أهله والحث عليه كثيرة

стр. 3765

فعليك يا أخي بكثرة الاستغفار أكثر من قول اللهم اغفر لي اللهم ارحمني استغفر الله وأتوب إليه وما أشبه ذلك لعلك تصادف ساعة إجابة من الله فيغفر لك فيها ... والله الموفق ١٨٧٥ - وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة رواه البخاري أبوء بباء مضمومة ثم واو وهمزة مضمومة ومعناه أقر وأعترف ١٨٧٦ - وعن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام قيل للأوزاعي وهو أحد رواته كيف الاستغفار قال يقول أستغفر الله أستغفر الله رواه مسلم

стр. 3766

١٨٧٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه متفق عليه [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث ساقها النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) في باب الاستغفار منها حديث شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال سيد الاستغفار يعني أشرف الاستغفار وأفضله أن تقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها ثم مات من يومه قبل أن يمسي دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها ثم مات قبل أن يصبح دخل الجنة يقول سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي وأنا عبدك فتقر لله بلسانك وبقلبك أن الله هو ربك المالك لك المدبر لأمرك المعتني بحالك وأنت عبده كونا وشرعا عبده كونا يفعل بك ما يشاء إن شاء أمرضك وإن شاء أصحك وإن شاء أغناك وإن شاء أفقرك وإن شاء أضلك وإن شاء هداك حسبما تقتضيه حكمته وكذلك أنت عبده شرعا تتعبد له بما أمر تقوم بأوامره وتنتهي عن نواهيه تقر بذلك اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت تقر بأن الله خلقك هو الذي أوجدك من العدم وأنك على عهده ووعده ما استطعت على عهده لأن كل إنسان قد عاهد الله أن يعمل بما علم وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب

стр. 3767

لتبيننه للناس ولا تكتمونه فمتى أعطاك الله علما فإنه قد عهد إليك أن تعمل به وعلى وعدك أي تطبيق وعدك ما وعدت أهل الخير من الخير وما وعدت أهل الشر من الشر ولكن أنا على وعدك أي في الخير لأنك في هذه الكلمات تتوسل إلى الله أعوذ بك من شر ما صنعت يعني أنت تعوذ بالله من شر ما صنعت لأن الإنسان يصنع خير فيثاب ويصنع شرا فيعاقب ويصنع الشر فيكون سببا لضلاله كما قال الله تعالى ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ فأنت تتعوذ بالله من شر ما صنعت ثم أبوء لك بنعمتك علي يعني أعترف بنعمتك العظيمة الكبيرة التي لا أحصيها وأبوء بذنبي أعترف به فاغفر لي هذا الذنب إنك أنت الغفور الرحيم فاحرص على حفظ هذا الدعاء وحافظ عليه صباحا ومساء إن مت من يومك فأنت من أهل الجنة وإن مت من ليلتك فأنت من أهل الجنة ثم ذكر أحاديث أخرى منها حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام إذا انصرف يعني إذا سلم أول ما تبدأ بعد أن تسلم من الفريضة تقول أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله ثلاث مرات كيف تقول أستغفر الله وأنت صليت أديت طاعة لأن طاعتك هذه لا تخلو من نقص وخلل فتستغفر الله تعالى مما حصل فيها من خلل ونظير ذلك أن المجتهدين المتهجدين في الليل إذا فرغوا

стр. 3768

من تهجدهم استغفروا كما قال تعالى ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ وتقول اللهم أنت السلام ومنك السلام أنت السلام يعني السالم من كل نقص وعيب ومنك السلام يعني منك السلامة لولا الله ما سلمنا ولا عملنا ولا قمنا ولا قاتلنا تباركت يا ذا الجلال والإكرام وليس فيها وتعاليت ولكن في أحاديث أخرى فيها يا ذا الجلال والإكرام أي عظمت خيراتك وبركاتك ونعمك على عبادك فينبغي للإنسان أن يستغفر بعد الصلاة الفريضة ثلاث مرات ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ١٨٧٨ - وعن أنس ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة رواه الترمذي وقال حديث حسن عنان السماء بفتح العين قيل هو السحاب وقيل هو ما عن لك منها أي ظهر وقراب الأرض بضم القاف وروي بكسرها والضم

стр. 3769

أشهر وهو ما يقارب ملئها ١٨٧٩ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار قالت امرأة منهن ما لنا أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت ما نقصان العقل والدين قال شهادة امرأتين بشهادة رجل وتمكث الأيام لا تصلي رواه مسلم [الشَّرْحُ] نقل النووي ﵀ أحاديث كثيرة في كتابه (رياض الصالحين) حول الاستغفار والحث عليه منها أن الله سبحانه تعالى قال يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك يعني مهما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك لأن الله عند ظن عبده به كما ثبت ذلك عنه ﵎ في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه أن الله تعالى قال أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه

стр. 3770

وفيه أيضا أن الله قال يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتني لغفرت لك فهذا يدل على أن الإنسان مهما عمل من الذنوب إذا استغفر الله تعالى ورجع إليه فإن الله تعالى يغفر له وكذلك أمر النبي ﷺ النساء أن يكثرن من الصدقة والاستغفار حيث رآهن أكثر أهل النار فدل هذا على أن الاستغفار من موانع دخول النار فعليك يا أخي بكثرة الاستغفار أكثر من قول أستغفر الله اللهم اغفر لي وارحمني ... وما أشبه ذلك وهو كلام يسير لا يضرك ولا يشق عليك

стр. 3771

باب بيان ما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة قال الله تعالى ﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ والآيات في الباب كثيرة معلومة ثم ختم المؤلف ﵀ كتابه (رياض الصالحين) ببيان ما أعده الله للمؤمنين من النعيم المقيم جعلني الله إياكم منهم وهذا نرجو أن يكون تفاؤلا حسنا وأن الله يختم لنا ولكم بعمل أهل الجنة وأن يكون قد غفر لمؤلف الكتاب وختم له بعمل أهل الجنة ذكر الله تعالى في كتابه العظيم آيات كثيرة فيها بيان ما أعد الله لأهل الجنة ومن أجمع الآيات قول الله ﵎ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم كل ما يشتهي الإنسان من نعيم فإنه في الجنة كل ما يطلب فإنه في الجنة بل أكثر من ذلك قال الله تعالى ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ وقال جل ذكره ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ يعني أنه لا يمكن للإنسان أن يحيط علما بحقيقة ما أعد الله لأهل الجنة فيها لأنه فوق ما يتصور الإنسان ما يوجد من نعيم الدنيا فإنه نموذج لا ينسب لشيء من نعيم الآخرة لكن الله تعالى أرى عباده شيئا من النعيم وشيئا من العذاب في الدنيا حتى يعتبروا به فقط وإلا فبين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة فرق لا يمكن إدراكه والجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين وقد بدأ المؤلف بقول الله ﵎ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَّعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ﴾ يعني يقال لهم ادخلوها بسلام آمنين من كل شيء من كل آفة من كل مرض من الهرم من الموت من كل شيء ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ يعني أنهم إذا دخلوا الجنة نزع الله تعالى ما في صدورهم من غل وذلك أنهم يوقفون قبل دخول الجنة على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض حتى إذا هذبوا ونقوا وبقيت قلوبهم صافية ليس فيها غل دخلوا الجنة بعد أن ينزع الله ما في قلوبهم من غل وقوله ﴿على سرر متقابلين﴾ السرر جمع سرير وهو معروف ما يجلس عليه وقوله ﴿متقابلين﴾ يعني أنهم على جانب من الأدب العظيم في جلوسهم لا يستدبر بعضهم بعضا ولكنهم متقابلون قال بعض العلماء لأنهم يجلس بعضهم إلى بعض على حلقة واسعة والحلقة لا يتدابر فيها الجالسون كل واحد مقابل للآخر ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ يعني لا يمسهم تعب وإعياء ولا يخرجون منها بل هم ساكنوها أبد الآبدين الآية الثانية ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم﴾ ينادي الله عباده المؤمنين يوم القيامة إذا دخلوا الجنة يقول ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ الخوف مما يستقبل والحزن من الماضي ذلك لأنهم نالوا كمال النعيم فلا يخافون من مستقبل ولا يحزنون على ماض لأنه كمل لهم النعيم ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ آمنوا بقلوبهم وكانوا مسلمين بجوارحهم منقادين لأمر الله لا يعصون الله لا بفعل محرم ولا بترك واجب ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ يعني تنعمون وأزواجكم هم الحور العين وزوجاتهم في الدنيا أيضا لقول الله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ فهم وأزواجهم يحبرون أي في مكان حبر أي أنهم منعمون مترفون وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ ولم يبين الله تعالى من يطوف عليهم في هذه الآية لكن بينها في آيات أخرى فقال ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ﴾ الآية الثالثة قوله تعالى ﴿إن المتقين في مقام أمين﴾ أي في مكان إقامة آمنين كما سبق آمنين من كل شيء ﴿يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين﴾ هذا لباسهم وهو أعلى أنواع الحرير وقال تعالى ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا

стр. 3772

يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾

стр. 3773

الأبرار هم الذين فعلوا الخيرات وتركوا المحرمات مأخوذة من البر وهو القيام بطاعة الله ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ يعني أنهم في نعيم في القلب وفي نعيم في البدن فهم في أسر ما يكون جعلنا الله وإياكم منهم ﴿على الأرائك ينظرون﴾ الأرائك جمع أريكة وهي السقف المغطاة المزخرفة المزينة وينظرون ما أعد الله لهم من النعيم في هذه الجنات ويشمل ذلك النظر إلى وجه الله ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ أي أنك إذا رأيتهم عرفت أنهم منعمون لأن وجوههم نضرة حسنة جميلة ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ أي يشربون من خير الشراب مختوم يعني له خاتمة وهي رائحة طيبة مسك وفي هذا الثواب والأجر والنعيم فليتسابق المتسابقون والله الموفق ١٨٨٠ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس رواه مسلم

стр. 3774

١٨٨١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرؤوا إن شئتم ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ متفق عليه ١٨٨٣ - وعنه قال قال رسول الله ﷺ أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة عود الطيب أزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء متفق عليه وفي رواية للبخاري ومسلم آنيتهم فيها الذهب ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا

стр. 3775

قوله على خلق رجل واحد رواه بعضهم بفتح الخاء وإسكان اللام وبعضهم بضمهما وكلاهما صحيح ١٨٨٤ - وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال سأل موسى ﷺ ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر رواه مسلم ١٨٨٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى يقول الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله له اذهب

стр. 3776

فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك قال فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه فكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة متفق عليه [الشَّرْحُ] هذه أحاديث كثيرة ذكرها المؤلف ﵀ في كتابه (رياض الصالحين) في بيان نعيم أهل الجنة فمنها أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وهذه أول زمرة وهي أفضل الزمر وقد ثبت عن النبي ﷺ أن أول أهل الجنة دخولا هم هذه الأمة ثم الذين يلونهم على ألمع كوكب دري في السماء يعني مثل أضواء نجم في السماء ثم الذين يلونهم على حسب مراتبهم وفيه أيضا أن أهل الجنة يأكلون ويشربون لكنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون لأن جميع فضلاتهم ليست كفضلات أهل الدنيا إنما فضلاتهم تخرج رشحا يعني كالعرق أطيب من ريح المسك وجشاء أطيب من رائحة المسك لأنهم في نعيم مقيم ثم ذكر أيضا أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم وكلها تدل على فضل هذا النعيم نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله أما أهل النار والعياذ بالله فهم أسفل من ذلك وحق لعين ترجوا الجنة ألا تنام وحق لعين تخشى النار ألا

стр. 3777

تنام لأن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولكن حكمة من الله وابتلاء وامتحان أن الناس في هذه الدنيا كأن لم يكن إلا الدنيا عند كثير من الناس كأنما خلقوا لها مع أن الدنيا هي التي خلقت لهم إن الإنسان إنما خلق للآخرة فهي الدار الباقية التي لا تفنى فإما في جحيم وسعير والعياذ بالله وإما في نعيم مقيم نسأل الله لنا ولكم أن نكون من الصالحين الذين أعد الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ١٨٨٥ - وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا متفق عليه الميل ستة آلاف ذراع ١٨٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة ما يقطعها متفق عليه وروياه في الصحيحين أيضا من رواية أبي هريرة ﵁ قال

стр. 3778

يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطعها ١٨٨٧ - وعنه عن النبي ﷺ قال إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين متفق عليه ١٨٨٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب متفق عليه ١٨٨٩ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن في الجنة سوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا رواه مسلم

стр. 3779

١٨٩٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب في السماء متفق عليه ١٨٩١ - وعنه ﵁ قال: شهدت من النبي ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال في آخر حديثه فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ إلى قوله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ رواه البخاري ١٨٩٢ - وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا إن لكم أن تنعموا فلا تبؤسوا أبدا رواه مسلم [الشَّرْحُ] هذه الأحاديث في بيان تفصيل ما لأهل الجنة من النعيم فيها فمنها أن

стр. 3780

النبي ﷺ ذكر أن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا وأن له فيها أهلين لا يرى بعضهم بعضا وذلك والله أعلم لسعتها وحسن غرفها وسترها ومنها أن النبي ﷺ أخبر أن أهل الجنة ينادي فيهم مناد إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وذكر الحديث أي أنهم في نعيم دائم لا يخافون الموت ولا السقم ولا انقطاع ما هم فيه من النعيم كما قال تعالى وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وأن لهم سوقا كل يوم جمعة يعيني في مقدار ذلك وإلا فالجنة ليس فيها صلاة ولا جمعة ولا غيرها وأنها تهب ريح الشمال فتزيدهم حسنا وجمالا والمراد ريح تشبه ريح الشمال في برودتها ولذاذتها وكل هذا المذكور في هذه الأحاديث توجب للإنسان الرغبة في العمل الصالح الذي يتوصل به إلى هذه الدار جعلنا الله وإياكم من أهله وأحسن ما فيها وأنعم ما فيها أنهم ينظرون إلى الله نظرا حقيقيا كما قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال تعالى ﴿على الأرائك ينظرون﴾ وقال تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﵎ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من أهلها ١٨٩٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له تمن فيتمنى ويتمنى فيقول له هل تمنيت فيقول نعم فيقول له فإن لك ما تمنيت ومثله معه رواه مسلم ١٨٩٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا

стр. 3781

وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا متفق عليه ١٨٩٥ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته متفق عليه ١٨٩٦ - وعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم رواه مسلم قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 3782

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال مؤلفه يحيى النووي غفر الله له فرغت منه يوم الاثنين رابع عشر شهر رمضان سنة سبعين وستمائة بدمشق [الشَّرْحُ] ذكر المؤلف في سياق الأحاديث الواردة في نعيم أهل الجنة في كتابه (رياض الصالحين) الذي ختم به الكتاب ﵀ ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا فألا طيبا فيدخله وإيانا جنة النعيم ذكر حديثين في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الجنة وذكر أن الله تعالى يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدا ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة وأئمة الأمة ولم ينكرها إلا من أعمى الله قلبه والعياذ بالله ولهذا كانت هذه الأحاديث من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ يقول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ويقول ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وقد فسر أعلم الخلق بكتاب الله محمد رسول الله الزيادة أنها النظر إلى وجه الله وقال الله ﵎ ﴿على الأرائك ينظرون﴾ أي ينظرون ما

стр. 3783

أعد الله لهم من النعيم وأعلاه النظر إلى وجه الله وقال تعالى ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ والمزيد هو الزيادة التي قال الله تعالى فيها ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ والتي فسرها النبي ﷺ بالنظر إلى وجه الله تعالى وقال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ فقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ يدل على أن الأبصار تراه ولكنها لا تدركه لأنه جل وعلا أعظم من أن تدركه الأبصار فهذه خمس آيات في كتاب الله كلها تدل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ولا ينكر هذا إلا ظالم فنسأل الله تعالى أن يهديه إلى الحق أو أن يحرمه لذة النظر إلى وجهه لأنه لا ينكر هذا إلا معاند إذ إن الآيات واضحة أما الأحاديث فإنها متواترة كما قال الناظم مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية وشفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذه بعض رؤية يعني رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ومن ذلك أن النبي ﷺ قال إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته وقال إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب والأحاديث كثيرة جدا من أحب أن يطلع عليها فليرجع إلى كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم رحمه الله

стр. 3784

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم إنه على كل شيء قدير والله الموفق