← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9260

شرح رياض الصالحين لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (3 784 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- زوجة عبد الله بن مسعود ﵂ أن تتصدق بشيء من مالها، فقال لها زوجها أنا وولدك أحق من تصدقت عليه - لأنه كان فقيراً- ﵁ فقالت: لا حتى اسال النبي صلي الله عليه وسلم فقال: ((صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعطي الإنسان ولده من الزكاة، بشرط أن لا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه. يعني مثلاً: لو كان الإنسان عنده زكاة وأراد أن يعطيها ابنه، من أجل أن لا يطالبه بالنفقة؛ فهذا لا يجزي؛ لأنه أراد بإعطائه أن يسقط واجب نفقته. أما لو أعطاه ليقضي ديناً عليه؛ مثل أن يكون على الابن حادث، ويعطيه أبوه من الزكاة ما يسدد به هذه الغرامة؛ فإن ذلك لا بأس به، وتجزئه من الزكاة، لأن ولده أقرب الناس إليه؛ وهو الآن لم يقصد بهذا إسقاط واجب عليه، إنما قصد بذلك إبراء ذمة ولده؛ لا الإنفاق عليه، فإذا كان هذا قصده فإن الزكاة تحل له. والله الموفق أ. هـ. * * * ٦- وعن أبي إسحاق سعد بن أبى وقاص بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب النبي صلي الله عليه وسلم مرة بن كعب بن لوي القرشي الزهري ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، قال: ((جاءني رسول الله

стр. 37

صلي الله عليه وسلم عام حجة الوداع من وجع اشتد بين فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما تري، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث يا رسول الله، قال: الثلث والثلث كثير - أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تلتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في أمراتكزقال: فقلت: يا رسول الله اخلف بعد أصحابي، قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبنغي به وجه الله؛ إلا أزدت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمص لأصحابي هجرتهم، ولا تزدهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة)) يرثي له رسول الله صلي الله عليه وسلم أن مات بمكة. (متفق عليه) . [الشَّرْحُ] قال المؤلف ﵀ تعالي - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص- ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم جاءه يعوده في مرض ألم به، وذلك في مكة، وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلي المدينة، فتركوا بلدهم لله ، وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه يعود المرضي من أصحابه، كما أنه يزور منهم؛ لأن صلي الله عليه وسلم كان

стр. 38

أحسن الناس خلقاً؛ على أنه الإمام المتبوع. صلوات الله وسلامه عليه، كان من أحسن الناس خلقاً، وألينهم بأصحابه، واشدهم تحببا إليهم. فجاءه يعوده، فقال: يا رسول الله: ((إني قد بلغ بي من الوجع ما تري)) أي: اصابه الوجع العظيم الكبير. ((وأنا ذو مال كثير أوكبير)) أي: أن عنده مالاً كبيراً ((ولا يرثني إلا ابنة لي)) أي: ليس له ورثة بالفرض إلا هذه البنت. ((أفأتصدق بثلثي مالي)) يعني بثلثيه: اثنين من ثلاثة! ((قال: لا قلت: الشطر يا رسول)) أي: بالنصف. ((قال: لا: قلت: بالثلث قال: الثلث والثلث كثير)) . فقوله: ((أفأتصدق)) أي أعطيه صدقة؟ فمنع النبي صلي الله عليه وسلم من ذلك؛ لأن سعداً في تلك الحال كان مريضاً مرضاً يخشي منه الموت، فلذلك منعه الرسول صلي الله عليه وسلم أن يتصدق بأكثر من الثلث. لأن المريض مرض الموت المخوف لا يجوز أن يتصدق بأكثر من الثلث، لأن ماله قد تعلق به حق الغير؛ وهم الورثة. أما من كان صحيحاً ليس فيه مرض، أو فيه مرض يسير لا يخشي منه الموت، فله أن يتصدق بما شاء؛ بالثلث، أو بالنصف، أو بالثلثين، أو بماله كله، لا حرج عليه. لكن لا ينبغي أن يتصدق بماله كله؛ إلا إن كان عنده شيء يعرف أنه سوف يستغني به عن عباد الله. المهم أن الرسول صلي الله عليه وسلم منعه أن يتصدق بما زاد عن الثلث. وقال: ((الثلث والثلث كثير - أو كبير)) وفي هذا دليل علي أنه إذا

стр. 39

نقص عن الثلث فهو أحسن وأكمل؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: ((لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع)) ؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الثلث والثلث كبير)) وقال أبو بكر ﵁: ((أرضي ما رضيه الله لنفسه)) يعني: الخمس، فأوصي بالخمس ﵁. وبهذا نعرف أن عمل الناس اليوم؛ وكونهم يوصون بالثلث؛ خلاف الأولي، وإن كان هو جائزاً. لكن الأفضل أن يكون أدني من الثلث؛ أما الربع أو الخمس. قال فقهاؤنا ﵏ والأفضل أن يوصي بالخمس، لا يزيد عليه؛ اقتداء بأبي بكر الصديق ﵁. ثم قال الرسول ﵊: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس)) . أي: كونك تبقي المال ولا تتصدق به؛ حتى إذا مت وورثه الورثة صاروا أغنياء به، هذا خير من أن تذرهم عالة، لا تترك لهم شيئاً ((يتكففون الناس)) أي: يسألون الناس بأكفهم؛ أعطونا أعطونا. وفي هذا دليل على أن الميت إذا خلف مالاً للورثة فإن ذلك خير له. لا يظن الإنسان أنه إذا خلف المال، وورث منه قهراً عليه، أنه لا أجر له في ذلك! لا بل له أجر، حتى إن الرسول ﵊ قال: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة...ألخ)) لأنك إذا تركت المال للورثة انتفعوا به، وهم أقارب، وإن تصدقت به انتفع به الأباعد،

стр. 40

والصدقة على القريب أفضل علي البعيد، لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة. ثم قال ((إنك لن تنفق نفقة بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في أمرأتك)) يقول: لن تنفق نفقة؛ أي: لن تنفق مالاً؛ دراهم أو دنانير أوثياباً، أو فرشاً أو طعاماً أو غير ذلك تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه. الشاهد من هذا قوله: ((تبتغي به وجه الله)) أي: تقصد به وجه الله ، يعني تقصد به أن تصل إلي الجنة؛ حتى تري وجه الله . لأن أهل الجنة - جعلني الله وإياكم منهم - يرون الله سبحانه وتعالي، وينظرون إليه عياناً بأبصارهم، كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليللة البدر. يعني أنهم يرون ذلك حقا. ((حتى ما تجعله في في امرأتك)) أي: حتى اللقمة التي تطعمها امرأتك تؤجر عليها إذا قصدت بها وجه الله، مع ان الإنفاق على الزوجة أمر واجب، لو لم تنفق لقالت أنفق أو طلق، ومع هذا إذا أنفقت على زوجتك تريد إذا أنفقت على نفسك تبتغي بذلك وجه الله؛ فإن الله يثيبك علي هذا. ثم قال ﵁: ((أخلف بعد أصحابي)) يعني أو خلف بعد أصحابي، أي: هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة. فبين النبي صلي الله عليه وسلم أنه لن يخلف فقال: ((إنك لن تخلف)) وبين له أنه أو خلف ثم عمل عملاً يبتغي به

стр. 41

وجه الله إلا زادت به عن الله درجة ورفعة. يعني: لو فرض أنك خلفت ولم تتمكن من الخروج من مكة، وعملت عملاً تبتغي به وجه الله؛ فإن الله تعالي يزيدك به رفعة ودرجة، رفعة في المقام والمرتبة، ودرجة في المكان. فيرفعك الله في جنات النعيم درجات. حتى لو علمت بمكة وأنت قد هاجرت منها. ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((ولعلك أن تخلف)) أن تخلف: هنا غير أن تخلف الأولي ((لعلك أن تخلف)) : أي تعمر في الدنيا؛ وهذا هو الذي وقع فإن سعد ابن أبي وقاص عمر زماناً طويلاً، حتى إنه- ﵁ كما ذكر العلماء، خلف سبعة عشر ذكراً واثنتي عشر بنتاً. وكان في الأول ليس عنده إلا بنت واحدة، ولكن بقي وعمر ورزق أولاداً. سبعة عشر ابنا واثنتي عشرة ابنة. قال: ((ولعلك أن تخلف)) ((حتى ينتفع بك أقواماً ويضر بك آخرون)) وهذا الذي حصل، فإن سعداً _ ﵁ خلف وصار له أثر كبير في الفتوحات الإسلامية، وفتح فتوحات عظيمة كبيرة، فانتفع به أقوام وهم المسلمون، وضربه آخرون وهم الكفار. ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم)) سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بأمرين: الأمر الأول: ثباتهم على الإيمان؛ لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة.

стр. 42

والأمر الثاني: أن لا يرجع أحدهم منهم إلي مكة بعد أن خرج منها؛ مهاجراً إلي الله ورسوله. لأنك إذا خرجت من البلد مهاجراً إلي الله ورسوله؛ فهو كالمال الذي تتصدق به. يكون البلد مثل المال الذي تصدق به لا يمكن أن ترجع فيه. وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا يرجع فيه. ومن ذلك: ما وفق فيه كثير من الناس من إخراج التليفزيون من بيوتهم؛ توبة إلي الله، وابتعاداً عنه، وعما فيه من الشرور. فهؤلاء قالوا هل يمكن أن نعيده إلي البيت؟ نقول: لا، بعد أن أخرجتموه لله لا تعيدوه؛ لأن الإنسان إذا ترك شيئاً لله، وهجر شيئاً لله، فلا يعود فيه. ولهذا سأل النبي ﵊ ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم. وقوله: ((ولا تردهم علي أعقابهم)) أي لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون علي أعقابهم؛ لأن الكفر تأخر، والإيمان تقدم، وهذا على عكس ما يقوله الملحدون اليوم؛ حيث يصفون الإسلام بالرجعية، ويقولون إن التقدمية: أن ينسلخ الإنسان من الإسلام، وأن يكون علمانياً؛ يعني أنه لا يفرق بين الإيمان والكفر - والعياذ بالله - ولا بين الفسوق والطاعة، فالإيمان هو التقدم في الحقيقة. المتقدمون هم المؤمنون، والتقدم يكون بالإيمان، والرده تكون نكوصا لي العقبين؛ كما قال النبي _ ﵊ هنا: ((ولا تردهم علي أعقابهم)) .

стр. 43

وفي هذا الحديث من الفوائد فوائد عظيمة كثيرة!! منها: أن من هدي الرسول صلي الله عليه وسلم عيادة المرضي، لأنه عاد سعد بن أبي وقاص ﵁، وفي عيادة المرضي فوائد للعائد وفوائد للمعود. أما العائد فإنه يؤدي حق أخيه المسلم؛ لأن من حق أخيك المسلم أن تعوده إذا مرض. ومنها: أن الإنسان إذا عاد المريض فإنه لا يزال في مخرفة الجنة، يعني يجني ثمار الجنة حتى يعود. ومنها: أن في ذلك تذكيراً للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأي هذا المريض، ورأي ما هو فيه من المرض، ثم رجع إلي نفسه، ورأي ما فيها من الصحة والعافية عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية؛ لأن الشيء إنما يعرف بضده. ومنها: أن فيها جلبا للمودة والمحبة، فإن الإنسان إذا عاد المريض صارت هذه العيادة في قلب المريض دائماً، يتذكرها، وكلما ذكرها أحب الذي يعوده، وهذا يظهر كثيراً فيما إذا برأ المريض، وحصلت منه ملاقاة لك تجده يتشكر منك، وتجد أن قلبه ينشرح بهذا الشيء. أما المعود: فإن له فيها فائدة أيضاً، لأنها تؤنسه، وتشرح صدره، ويزول عنه ما فيه من الهم والغم والمرض. وربما يكون العائد موفقاً يذكره بالخير والتوبة والوصية؛ إذا كان يريد أن يوصي بشيء عليه من الديون وغيرها، فيكون في ذلك فائدة كبيرة للمعود. ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن عاد المريض أن ينفس له في أجله؛ أي

стр. 44

يفرحه يقول: ما شاء الله، أنت اليوم في خير وما اشبهه، وليس لأزماً أن يقول له: أنت طيب مثلاً؛ لأنه قد يكون اشد مرضاً من أمس، لكن يقول أنت اليوم في خير، لأن المؤمن كل أمره خير، إن أصابه ضراء فهو في خير، وإن أصابه سراء فهو في خير، فيقول: اليوم أنت بخير والحمد لله، وما أشبه ذلك مما يدخل عليه السرور. والاجل محتوم، إن كان هذا المرض أجله مات، وإن كان بقي له شيء من الدنيا بقي. وينبغي أيضاً أن يذكره التوبة، لكن لا يقول له ذلك بصفة مباشرة؛ لأنه ربما ينزعج، ويقول في نفسه لو أن مرضي غير خطير ما ذكرني بالتوبة. لكن يبدأ بذكر الآيات والأحاديث التي فيها الثناء على التائبين ما يتذكر به المريض، وينبغي كذلك أن يذكره الوصية، لا يقول له: أوص فإن أجلك قريب، لو قال هكذا انزعج. بل مثلاً: يذكره بقصص واردة عليه، يقول مثلاًك فلان كان عليه دين، وكان رجلاً حازماً، وكان يوصي أهله بقضاء دينه، وما أشبه ذلك..من الكلمات التي لا ينزعج بها. قال أهل العلم: ينبغي أيضاً إذا راي منه تشوفاً إلي أن يقرأ عليه؛ فينبغي أن يقرأ عليه، ينفث عليه بما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم. مثل قوله: ((أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) ومثل قوله: ((ربنا الله الذي في السماء

стр. 45

تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ)) أو يقرأ عليه بسورة الفاتحة؛ لأن سورة الفاتحة رقية يقرأ بها علي المرضي، وعلي الذين لدغتهم العقرب، أو الحية، أو ما أشبه ذلك، فمتي راي العائد من المريض أنه يحب ان يقرأ عليه فليقرأ لئلا يلجيء المريض علي طلب القراءة، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((رأيت مع أمتي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)) وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتؤؤن ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) فقوله: ((لا يسترقون)) أي: لا يطلبون أحداً يقرأ عليهم، فأنت إذا رأيته يتشوق لتقرأ عليه، اقرأ عليه، لئلا تحرجه إلي طلب القراءة.

стр. 46

كذلك أيضاً إذا رأيت أن المريض يحب أن تطيل المقام عنده، فأطل المقام؛ فأنت على خير وعلي أجر، فأطل المقام عنده، وأدخل عليه السرور، ربما يكون في دخول السرور على قلبه سبباً لشفائه؛ لأن سرور المريض وانشراح صدره من أكبر أسباب الشفاء، فإذا رايت أنه يحبك تبقي فابق عنده، وأطل الجلوس عنده حتى تعرف أنه قد مل. أما إذا رأيت ان المريض متكلف ولا يحب أنك تبقي، أو يحب أن تذهب عنه حتى يحضر أهله ويأنس بهم فلا تتأخر، اسأل عن حاله ثم انصرف. ومن فوائده: حسن خلق النبي صلي الله عليه وسلم، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً؛ لأن الله تعالي: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ١/٤) . فأعظم الناس خلقاً وأحسن الناس خلقاً رسول الله صلي الله عليه وسلم. ولهذا كان يعود أصحابه، ويزورهم، ويسلم عليهم، حتى إنه يمر بالصبيان الصغار فيسلم عليهم، صلوات الله وسلامه عليه. ومن فوائد هذا الحديث: انه ينبغي للإنسان مشاورة أهل العلم، لأن سعد بن أبي وقاص، ﵁ استشار النبي صلي الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصدق بشيء منماله، فقال: يا رسول الله: ((إني ذو مال كثير، ولا يرثني إلا ابنة لي أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا ...)) الحديث. ففيه استشارة أهل العلم والرأي، وكل إنسان بحسبهن فمثلاً إذا كنت تريد أن تقدم على شيء من أمور الدين، فشاور أهل العلم؛ لنهم أعلم بأمور الدين من غيرهم، إذا أردت ان تشتري بيتاً فشاور أصحاب المكاتب

стр. 47

العقارية، إذا أردت أن تشتري سيارة فاستشر المهندسين في السيارات وهكذا. ولهذا يقال: ((ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار)) . والإنسان بلا شك لا ينبغي له أن يكمل نفسه. من ادعي الكمال لنفسه فهو الناقص، بل لابد أن يراجع خصوصاً في الأمور الهامة التي تتعلق بمسائل الأمة؛ فإن الإنسان قد يحمله الحما والعاطفة على فعل شيء هو في نفسه حق ولا باس به، لكن التحدث عنه قد يكون غير مصيب إما في الزمان، أو في المكان أو في الحال. ولهذا ترك النبي صلي الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خوفاً من الفتنة. فقال لعائشة ﵂: ((لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ولجعلت بابين باباً يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه)) . من أجل أن يتمكن الناس من دخول بيت الله ، لكن ترك ذلك خوف الفتنة مع كونه مصحلة!! بل أعظم من ذلك أن الله تعالي نهي أن نسب آلهة المشركين، مع أن آلهة المشركين جديرة بأن تسب وتعاب وينفر منها، لكن لما كان سبها يؤدي إلي سب الرب العظيم المنزه عن كل عيب ونقص، قال الله عز

стр. 48

وجل:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: ١٠٨) فالمهم إنه ينبغي أن نعلم أن الشيء قد يكون حسناً في حد ذاته وفي موضوعه، لكن لا يكون حسناً، ولا يكون من الحكمة، لا من العقل، ولا من النصح، ولا من الأمانة أن يذكر في وقت من الأوقات، أو في مكان من الأماكن، أو في حال من الأحوال، وإن كان هو في نفسه حقا وصدقاً وحقيقة واقعة، ومن ثم كان ينبغي للإنسان أن يستشير ذوي العلم والرأي والنصح في الأمر قبل أن يقدم عليه، حتى لا يكون لديه برهان، لأن الله قال لأشرف خلقه ﵊ وأسدهم رأياً، وأبلغهم نصحاً محمد صلي الله عليه وسلم قال:) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه) (آل عمران: من الآية١٥٩) . هذا وهو رسول الله صلي الله عليه وسلم أسد الناس رأياً، وأرجحهم عقلاً، وأبلغهم نصحاً صلوات الله وسلامه عليه. والإنسان ربما تأخذه العطفة فيندفع، ويقول: هذا لله، هذا أنا أفعله، ستصدع بالحقن سأقول: سوف لا تأخذني في الله لومة لائم وما أشبه ذلك من الكلام، ثم تكون العاقبة وخيمة، ثم إن الغالب أن الذي يحكم العاطفة، ويتبع العاطفة، ولا ينظر للعواقب، ولا للنتائج، ولا يقارن بين الأمور، الغالب أنه يحصل علي يديه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ، مع أن نيته طيبة، وقصده حسن، لكن لم يحسن أن يتصرف، لأن هناك فرقاً بين حسن النية وحسن التصرف، قد يكون الإنسان حسن

стр. 49

النية، لكنه سيء التصرف، وقد يكون سيء النية، والغالب أن سيء النية يكون سيء التصرف، لكن مع ذلك: قد يحسن التصرف لينال غرضه السيء. فالإنسان يحمد على حسن نيته، لكن قد لا يحمد علي سوء فعله، إلا أنه إذا علم منه أنه معروف بالنصح والإرشاد النبي صلي الله عليه وسلم فإنه يعذر بسوء تصرفه، ويلتمس له العذر، ولا ينبغي أيضاً أن يتخذ من فعله هذا، الذي لم يكن موافقاً للحكمة- لا ينبغي، بل لا يجوز - أن يتخذ منه قدح في هذا المتصرف، وأن يحمل ما لا يتحمله، ولكن يعذر ويبين له وينصح ويرشد، ويقال: يا أخي هذا كلامك، أو فعلك حسن طيب وصواب في نفسه، لكنه غير صواب في نحله أو في زمانه، أو في مكانه. المهم أن في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأياً، وأكثر منه علما. وفيه أيضاً من الفوائد: أنه ينبغي للمستشير ان يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، وأسبابه، وموانعه وجميع ما يتعلق به، حتى يتيبن للمستشار حقيقة الأمر، ويبني مشورته على هذه الحقيقة، ولهذا قال سعد: ((إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة)) فقوله: ((إني ذو مال)) بيان لسبب العطية التي يريد أن يعطيها ((ولا يرثني إلا ابنة لي)) بيان لانتفاء المانع، يعني لا مانع من أن أعطي كثيراً لانتفاء الوارث. والمستشار، عليه أن يتقي الله فيما أشار فيه، وأن لا تأخذه العطفة في مراعاة المستشير؛ لأن بعض الناس إذا استشاره

стр. 50

الشخص؛ ورأي أنه يميل إلي أحد الأمرين، أو أحد الرأيين ذهب يشير عليه به. ويقول: أنا أحب أن أوافق الذي يري أنه يناسبه؛ وهذا خطأ عظيم، بل خيانة. والواجب إذا أستشار: أن تقول له ما تري أنه حق، وأنه نافع، سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحاً وأديت ما عليك، ثم إن أخذ هـ، وراي أنه صواب قذاك، وإن لم يأخذ به فقد برئت ذمتك، بل خيانة، مع أنك ربما تستنتج شيئاً خطأ، قد تستنتج أنه يريد كذا، وهو لا يريده فتكون خسرانا من وجهين: الوجه الأول: من جهة الفهم السيء. الوجه الثاني: من جهة القصد السيء. وفي قول الرسول ﵊ ((لا)) دليل علي أنه لا حرج أن يستعمل الإنسان كلمة ((لا)) وليس فيها شيء. فالنبي ﵊ استعمل كلمة ((لا)) ومن ذلك أن جابراً- ﵁ لما أعيا جملة ولحقه النبي ﵊، لأن من عادة الرسول ﵊ لأنه راعي أمته- أنه يمشي في الآخر، لا يمشي قدامهم؛ بل يمشي وراءهم، لأجل أنه إذا احتاج أحد إلي شيء؛ يساعده ﵊، فانظر إلي التواضع وحسن الرعاية. ((لحق جابراً - وكان جملة قد اعيا - لا يمشي _ فضرب النبي صلي الله عليه وسلم

стр. 51

الجمل، ودعا له، وقال: ((بغنيه بأوقية)) فقال جابر: لا، ولم ينكر عليه الرسول ﵊ قوله ((لا)) والنبي ﵊ هنا عند ما قال له سعد: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا إذن: فلا مانع من كلمة ((لا)) فإنها ليست سوء أدب وخلق، وكثير من الناس الآن يأنف أن يقول ((لا)) ويقول بدلاً عنها سلامتك، وهذا طيب أن تدعو له بالسلامة، لكن إذا قلت ((لا)) فلا عيب عليك. ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرضاً مخوفاً أن يعطي أكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة؛ لأن الورثة تعلق حقهم بالمال لما مرض الرجل، فلا يجوز أن يعطي أكثر من الثلث، لقول النبي صلي الله عليه وسلم في الثلثين: لا، وفي النصف: لا، وقال: ((الثلث والثلث كثير)) . وفيه: دليل على أنه ينبغي أن يكون عطاؤه أقل من الثلث، كما قال ابن عباس ﵄: أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الثلث والثلث كثير)) . ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضاً مرضاً يخشي منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله، لا صدقة، ولا مشاركة في بناء مساجد، ولا هبة، ولا غير ذلك. لا يزيد علي الثلث لأن النبي صلي الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدق بما زاد عن الثلث.

стр. 52

ومن فوائده: أنه ينبغي أن يغض من الثلث؛ يعني: الربع، الخمس، دون ذلك.. لأن الرسول صلي الله عليه وسلم أشار إلي استحباب الغض من الثلث في قوله ((والثلث كثير)) ؛ وبهذا استدل عبد الله بن عباس ﵄ حيث قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الثلث والثلث كثير)) . والوصية كالعطية، فلا يجوز أن يوصي الإنسان بشيء من ماله بعد موته زائدا على الثلث، فليكن من الثلث فأقل. والأفضل في الوصية أن تكون بخمس المال؛ لأن أبا بكر ﵁ قال: ارضي بما رضية الله لنفسه: الخمس، فأوصي بالخمس ﵁ ومن ثم فقاؤنا- ﵏: يسن أن يوصي بالخمس إن ترك مالاً كثيراً. ومن فوائد هذا الحديث أنه: إذا كان مال الإنسان قليلاً، وكان ورثته فقراء؛ فالأفضل أن لا يوصي بشيء، لا قليل، ولا كثير؛ لقوله ﵊: ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة)) خلافاً لما يظنه بعض العوام أنه لابد من الوصية، فهذا خطأ، والإنسان الذي ماله قليل وورثته فقراء ليس عندهم مال، لا ينبغي له أن يوصي، الأفضل أن لا يوصي. ويظن بعض العامة أنه لم يوص لم يكن له أجر، وليس كذلك، بل إذا ترك المال لورثته فهو مأجور في هذا، وإن كان الورثة سوف يرثونه قهراً، لكن إذا كان مسترشداً بهدي النبي صلي الله عليه وسلم، لقوله: ((إنك أن تذر ورثتك

стр. 53

أغنياء خير من أن تذرهم عالة)) فإن أجره في ذلك أفضل من أن يتصدق عنه بشيء من ماله. ومن فوائد هذا الحديث: خوف الصحابة المهاجرين من مكة أن يموتوا فيها؛ لأن سعداً ﵁ قال: ((أخلف بعد أصحابي)) وهذه الجملة استفاهمية والمعني ((أخلف؟)) وهذا استفهام توقعي مكروه، يعني أنه لا يحب أن يتخلف فيموت في مكة وقد خرج منها مهاجراً إلي الله ورسوله، وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا ينبغي أن يرجع فيه، وقد سبق لنا في شرح الحديث أن من ذلك ما فعله بعض الناس؛ حيث تخلصوا من جهاز التلفزيون لما رأوا من مضاره ومفاسده ما يربو على مصالحه ومنافعه، تركوه لله فكسروه، ثم جاؤوا يسألون: هل يعيدوه مرة ثانية؟ نقول: لا تعده مرة أخري ما دمت قد تخلصت منه ابتغاء وجه الله فلا ترجع فيما تركته لله. ومن فوائد الحديث: ظهور معجزة لرسول الله صلي الله عليه وسلم؛ وهو أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال له: ((إنك لن تخلف حتى يضر بك أقوام وينتفع بك آخرون)) فإن الأمر وقع كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم، فإن سعداً ﵁ بقي إلي خلافة معاوية وعمر طويلاً بعد قول الرسول صلي الله عليه وسلم له، وهذا من آيات النبي صلي الله عليه وسلم؛ أن يخبر عن شيء مستقبل فيقع كما أخبر به ﵊، ولكن هذا ليس خبرا محضاً، بل توقع، لقوله: ((لعلك أن تخلف)) فلم يجزم، ولكن كان الأمر كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم. ومن فوائد هذا الحديث: انه ما من إنسان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله

стр. 54

إلا ازداد به رفعة ودرجة، حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر. ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلم: أن الإنسان إذا صلي في أرض مغصوبة فإن صلاته صحيحة، لأن النهي ليس عن الصلاة بل النهي عن الغضب. فالنهي منصب على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغضوب، لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب. نعن نعود لو ورد عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال: ((لا تصل في أرض مغصوبة)) لقلنا: ((إذا صليت في الأرض المغصوبة فصلاتك باطلة، كما نقول: إنك إن صليت في المقبرة والحمام)) هذا غير صلاة الجنازة؛ لأنها تجوز حتى في المقبرة. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي وجه الله فإنه يثاب عليها، حتى النفقات على أهله وعلى زوجته، بل وعلى نفسه؛ إذا ابتغي بها وجه الله أثابه الله عليها. وفيه إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر نية التقرب إلي الله في

стр. 55

كل ما ينفق حتى لا يكون له في ذلك أجر. كل شيء تنفقه صغيراً كان أم كبيراً، على نفسك أو على أهلك أو على أصحابك أو على أي واحد من الناس؛ إذا ابتغيت به وجه الله أثابك الله على ذلك. وقوله: ((لكن البائس سعد بن خولة..)) سعد بن خولة ﵁ من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثي له النبي ﵊؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها. هذا ما تيسر من الكلام على هذا الحديث، والمؤلف- ﵀ تعالي- ذكره في باب النية؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال لسعد: ((إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)) وقال له: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها)) فأشار في هذا الحديث إلي الإخلاص في كون الإنسان يبتغي بعمله وبإنفاق ماله وجه الله؛ حتى ينال على ذلك الأجر وزيادة الدرجات والرفعة عند الله . والله الموفق * * * ٧-وعن أبي هريرة عبد الرحمن بت صخر ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلي أجسادكم ولا إلي صوركم ولكن ينظر إلي قلوبكم)) . (رواه مسلم) .

стр. 56

[الشَّرْحُ] هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم) (الحجرات: من الآية١٣) . فالله سبحانه وتعالي لا ينظر إلي العباد إلي أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلي الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلي الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلي الأموال، ولا ينظر إلي شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوي، فمن كان لله أتقي كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدا إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فأحمد الله عليه قوله ﵊: ((ولكن ينظر إلي قلوبكم)) فالقلوب هي التي عليها المدار، وهذا يؤيد الحديث الذي صدر المؤلف به الكتاب؛ ((إنما الأعمال بالنيات)) القلوب هي التي عليها المدار، كم من إنسان ظاهر عمله أنه صحيح وجيد وصالح، لكن لما بني على خراب صار خراباً، فالنية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد، مقتدين بإمام واحد، يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب؛ لأن القلب مختلف، أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائيا في صلاته- والعياذ بالله - يريد بها الدنيا.

стр. 57

والآخر قلبه حاضر يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم. فبينهما فرق عظيم، فالعمل على ما في القلب، وعلي ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة؛ كما قال الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (الطارق: ٨) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: ٨/٩) أي: تختبر السرائر لا الظواهر. في الدنيا الحكم بين الناس على الظاهر؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع لكن في الآخرة على ما في السرائر، نسأل الله أن يطهر سرائرنا جميعاً. العلم على ما في السرائر: فإذا كانت السريرة جيدة صحيحة فأبشر بالخير، وإن كانت الأخرى فقدت الخير كله، وقال الله :) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات٩/١٠) فالعلم على ما في القلب. وإذا كان الله تعالي في كتابه، وكان رسوله صلي الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية؛ فالواجب على الإنسان أن يصلح نيته، يصلح قلبه، ينظر ما في قلبه من الشك فيزيل هذا الشك إلي اليقين. كيف؟ وذلك بنظره في الآيات:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ١٩٠)

стр. 58

(وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: ٤) إذا ألقي الشيطان في قلبك الشك فانظر في آيات الله. انظر إلي هذا الكون من يدبره انظر كيف تتغير الأحوال، كيف يداول الله الأيام بين الناس، حتى تعلم أن لهذا الكون مدبراً حكيماً . الشرك؛ طهر قلبك منه. كيف أطهر قلبي من الشرك؟ أطهر قلبي؛ بأن أقول لنفسي: إن الناس لا ينفعوني إن عصيت الله ولا ينقذونني من العقاب، وإن أطعت الله لم يجلبوا إلي الثواب. فالذي يجلب الثواب ويدفع العقاب هو الله. إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشرك بالله- لماذا تنوي بعبادتك أن تتقرب إلي الخلق. ولهذا من تقرب إلي الخلق بما يتقرب به إلي الله ابتعد عنه، وابتعد عنه الخلق. يعني لا يزيده تقربه إلي الخلق بما يقربه إلي الله؛ إلا بعداً من الله ومن الخلق؛ لن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس، وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس، نعوذ بالله من سخطه وعقابه. المهم يا أخي: عالج القلب دائماً، كن دائماً في غسيل للقلب حتى يطهر؛ كما قال الله :) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم) (المائدة: من الآية٤١) فتطهير القلب أمر مهم جداً، أسال الله أن يطهر قلبي وقلوبكم، وأن يجعلنا له مخلصين ولرسوله متبعين.

стр. 59

٨- وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ قال: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ريياه: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) متفق عليه. [الشَّرْحُ] وفي لفظ للحديث: ((ويقاتل ليري مكانة؛ أي ذلك في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) . قوله: ((من قاتل لتكون)) في هذا إخلاص النية لله وهذا الذي ساق المؤلف الحديث من أجله؛ إخلاص النية. فد سئل الرسول صلي الله عليه وسلم عن الذي يقاتل على أحد الوجوه الثلاثة! شجاعة، وحمية، وليري مكانة. أما الذي يقاتل شجاعة: فمعناه أنه رجل شجاع، يحب القتال؛ لأن الرجل الشجاع متصف بالشجاعة، والشجاعة لابد لها من ميدان تظهر فيه، فتجد الشجاع يحب أن الله ييسر له قتالاً ويظهر شجاعته، فهو يقاتل لأنه شجاع يحب القتال. الثاني: يقاتل حمية: حمية على قوميته، حمية على قبيلته، حمية على وطنه، حمية لأي عصبية كانت. الثالث: يقاتل ليري مكانه: أي ليراه الناس ويعرفوا أنه شجاع، فعدل

стр. 60

النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، وقال كلمة موجزة ميزاناً للقتال فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله عي العليا فهو في سبيل الله)) . وعدل النبي ﵊ عن ذكر هذه الثلاثة؛ ليكون أعم واشمل؛ لأن الرجل ربما يقاتل من أجل الاستيلاء على الأوطان والبلدان، يقاتل من أجل أن يحصل علي امرأة يسبيها من هؤلاء القوم، والنيات لا حد لها، لكن هذا الميزان الذي ذكره النبي ﵊ ميزان تام وعدل، ومن هنا نعلم أنه يجب ان تعدل اللهجة التي يتفوه بها اليوم كثير من الناس. ولذلك؛ على الرغم من قوة الدعاية للقومية العربية لم نستفد منها شيئاً، فاليهود استولوا على بلادنا، ونحن تفككنا، دخل في ميزان هذه القومية قوم كفار؛ من النصاري وغير النصاري، وخرج منها قوم مسلمون من غير العرب، فخسرنا ملايين العالم، ملايين الناس؛ من أجل هذه القومية، ودخل فيها قوم لا خير فيهم، قوم إذا دخلوا في شيء كتب عليه الخذلان والخسارة. واللهجة الثانية: قوم يقاتلون للوطن، ونحن إذا قاتلنا من أجل

стр. 61

الوطن؛ لم يكن هناك فرق بين قتالنا وبين قتال الكافر عن وطنه. حتى الكافر يقاتل عن وطنه ويدافع عن وطنه. والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن _ فقط- ليس بشهيد. ولك الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي- ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل لإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق؛ نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، ونحمي الإسلام، لو كنا في أقصي الشرق أو الغرب. لو كانت بلادنا في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا من أجل الإسلام في وطنا أو من أجل وطننا لأنه غسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه. أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئاً، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن. والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن - فقط - ليس بشهيد. ولكن الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي - ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق، نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا للإسلام وليس لوطننا فقك، فيجب أن تصحح هذه اللهجة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه. أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئاً، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن. وما يذكر من أن ((حب الوطن من الإيمان)) وأن ذلك حديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم كذب. حب الوطن إن كان لأنه وطن إسلامي فهذا تحبه لأنه إسلامي. ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد من بلاد المسلمين؛ كلها وطن الإسلام يجب أن نحميه.

стр. 62

علي كل حال يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الدفاع عن الإسلام في بلدنا، أو من أجل وطننا لأنه وطن إسلامي، لا لمجرد الوطنية. أما قتال الدفاع أي: لو أن أحداً صال عليك في بيتك، يريد أخذ مالك، أو يريد أن ينتهك عرض أهلك - مثلا- فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي ﵊، فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: ((لا تعطه مالك قال: أرأيت إن قتلتله؟ قال: قاتله. قال: أرايت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار!!)) ؛ لأنه معتد ظالم؛ حتى وإن كان مسلماً، إذا جاءك المسلم يريد أن يقاتلك من أجل أن يخرجك من بلدك، أو من بيتك فقاتله، فإن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد، ولا تقل كيف أقتل مسلماً؟ فهو المعتدي، ولو كتفنا أيدينا أمام المعتدين الظالمين الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا ديناً؛ لكان المعتدون لهم السلطة، ولأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ولذلك نقول: هذه المسألة ليست من باب قتال الطلب. قتال الطلب: معلوم أنني لا أذهب أقاتل مسلماً أطلبه، ولكن أدفع عن نفسي، ومالي، وأهلي، ولو كان مؤمنا؛ مع أنه لا يمكن أبدا أن تكون

стр. 63

شخص معه إيمان يقدم على مسلم يقاتله ليستولي على أهله وماله أبدا. ولهذا قال النبي ﵊: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) لا إيمان لإنسان يقاتل المسلمين إطلاقاً النبي صلي الله عليه وسلم فإذا كان الرجل فاقداً الإيمان، أو ناقص الإيمان؛ فإنه يجب أن نقاتله دفاعاً عن النفس وجوباً؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((قاتله)) وقال: ((إن قتلته فهو في النار)) وقال: ((وإن قتلك فأنت شهيد)) لأنك تقاتل دون مالك، ودون أهلك، ودون نفسك. والحاصل أن هناك قتالين: قتالاً للطلب؛ أذهب أنا أقاتل الناس مثلاً في بلادهم، هذا لا يجوز إلا بشروط معينة. مثلاًك قال العلماء: إذا ترك أهل قرية الأذان؛ وهو ليس من أركان الإسلام، وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم حتى يؤذنوا؛ لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام. وإذا تركوا صلاة العيد، وقالوا لا نصليها لا في بيوتنا، ولا في الصحراء؛ يجب أن نقاتلهم، حتى لو فرض أن قوماً قالوا: هل الأذان من أركان الإسلام؟ قلنا: لا، ولكنه من شعائر الإسلام؛ فنقاتلكم حتى تؤذنوا. وإذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، مثل: قبيلتان بينهما عصبية،

стр. 64

تقاتلا، وجب علينا أن نصلح بينهما، فإن بغت إحداهما علي الأخرى وجب أن نقاتلها، حتى تفيء إلي أمر الله، مع أنها مؤمنة، ولكن هناك فرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب، الطلب: ما نطلب، إلا من أباح الشارع قتاله، وأما الدفاع فلابد أن ندافع. ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نري في الجرائد والصحف: الوطن! الوطن! الوطن! وليس فيها ذكر للإسلام، هذا نقص عظيم، يجب أن توجه الأمة غلي النهج والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يجب ويرضي. * * * ٩-وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي _ ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقتال والمقتول في النار)) قلت: يا رسول الله، هذا القتال فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) (متفق عليه) . [الشَّرْحُ] قوله: ((إذا التقي المسلمان بسيفهما)) أي: يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر، فسل عليه السيف، وكذلك لو اشهر عليه السلاح؛ كالبندقية، أو غيرها مما يقتل؛ كحجر ونحوه!

стр. 65

فذكر السيف هنا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التعيين. بل إذا التقي المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل، فقتل أحدهما الآخر فالقاتل والمقتول في النار - والعياذ بالله فقال أبو بكرة للنبي صلي الله عليه وسلم: ((هذا القاتل؟)) يعني أن كونه في النار واضح؛ لأنه قتل نفساً مؤمنة متعمداً؛ والذي يقتل نفساً مؤمنة متعمداً بغير حق فإنه في نار جهنم. قال الله تعالي:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) . فأبوبكرة ﵁ قال للنبي صلي الله عليه وسلم: ((هذا القاتل)) وهذه الجملة هي ما يعرف في باب المناظرة بالتسليم، يعني: سلمنا أن القاتل في النار، فما بال المقتول؟ كيف يكون في النار وهو المقتول؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((لأنه كان حريصا على قتل صاحبه)) فهو حريص علي قتل صاحبه؛ ولهذا جاء بآلة القتل ليقتله، ولكن تفوق عليه الآخر فقتله. فيكون هذا - والعياذ بالله - بنية القتل، وعمله السبب الموصل للقتل يكون كأنه قاتل؛ ولهذا قال: ((لأنه كان حريصا على قتل صاحبه)) ففي هذا الحديث: دليل على أن الأعمال بالنيات، وأن هذا لما نوي قتل صاحبه، صار كأنه فاعل ذلك، أي كأنه قتل. وبهذا نعرف الفرق بين هذا الحديث وبين قوله صلي الله عليه وسلم: ((من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد)) . وقوله فيمن أتي ليأخذ

стр. 66

مالك: ((إن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد)) وذلك أن الإنسان الذي يدافع عن ماله، وأهله، ونفسه، وعرضه إنما دافع رجلاً معتدياً صائلاً، لا يندفع إلا بالقتل، فهنا إذا قتل الصائل كان في النار، وإن قتل المدافع كان شهيداً في الجنة، فهذا هو الفرق بينهما. فبهذا علم أن من قتل أخاه مريداً لقتله فإنه في النار، ومن قتله أخوه، وهو يريد قتل أخيه، لكن عجز، فالمقتول أيضاً في النار. القاتل والمقتول في النار. وفي هذا الحديث: دليل على عظم القتل، وإنه من أسباب دخول النار والعياذ بالله. وفيه: دليل علي أن الصحابة ﵃ كانوا يوردون على الرسول صلي الله عليه وسلم الشبه فيجيب عنها. ولهذا لا نجد شيئا من الكتاب والسنة فيه شبهة حقيقة إلا وقد وجد حلها، إما أن تكون حلها بنفس الكتاب والسنة من غير إيراد سؤال، وإما أن يكون بإيراد سؤال يجاب عنه. ومن ذلك أيضاً: أن الرسول صلي الله عليه وسلم لما أخبر بأن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوماً؛ اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كالأسبوع،

стр. 67

وبقية الأيام كأيامنا، سأله الصحابة فقالوا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنه هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: ((لا)) اقدروا له قدره، ففي هذا أبين دليل على أنه لا يوجد - ولله الحمد- في الكتاب والسنة شيء مشتبه ليس له حل، لكن الذي يوجد: قصور في الأفهام تعجز عن معرفة الحل، أو يقصر الإنسان؛ فلا يطلب، ولا يتأمل، ولا يراجع؛ فيشتبه عليه الأمر. أما الواقع: فليس في القرآن والسنة- ولله الحمد - شي مشتبه إلا وجد حله في الكتاب أو السنة؛ إما ابتداء، وإما جواباً عن سؤال يقع من الصحابة- ﵃ والله الموفق. * * * ١٠- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتي المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلارفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة، ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلي فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)) (متفق عليه)

стр. 68

وهذا لفظ مسلم، وقوله صلي الله عليه وسلم: ((ينهزه)) هو بفتح الباء والهاء، وبالزاي: أي يخرجه وينهضه. [الشَّرْحُ] إذا صلي الإنسان في المسجد مع الجماعة كانت هذه الصلاة أفضل من الصلاة في بيته أو في سوقه سبعاً وعشرين مرة؛ لأن الصلاة مع الجماعة قيام بما أوجب الله من صلاة الجماعة. فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة فرض عين؛ وأنه يجب علي الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، لأحاديث وردت في ذلك، ولما اشار الله إليه - سبحانه وتعالي- في كتابه حين قال:) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ....) (النساء: من الآية١٠٢) . فأوجب الله الجماعة في حال الخوف، فإذا أوجبها في حال الخوف؛ ففي حال الأمن من باب أولى وأحري. ثم ذكر السبب في ذلك: ((بأن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلي المسجد لا ينهزه، أو لا يخرجه إلا الصلاة، لم يحط خطوة إلا رفع الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)) ، سواء أقرب مكانه من المسجد أم عد، كل خطوة يحصل بها فائدتان: الفائدة الأولي: أن الله يرفعه بها درجة.

стр. 69

والفائدة الثانية: أن الله يحط بها خطيئة، وهذا فضل عظيم. حتى يدخل المسجد؛ فإذا دخل المسجد فصلي ما كتب له، ثم جلس ينتظر الصلاة؛ ((فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة)) ؛ وهذه أيضاً نعمة عظيمة؛ لو بقيت منتظراً للصلاة مدة طويلة، وأنت جالس لا تصلي، بعد أن صليت تحية المسجد، وما شاء الله - فإنه يحسب لك أجر الصلاة. وهناك أيضاً شيء رابع: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في مجلسه الذي صلي فيه، تقول (٠ اللهم صل عليه، اللهم أغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه)) وهذا أيضاً فضل عظيم لمن حضر بهذه النية وبهذه الأفعال. والشاهد من هذا الحديث قوله: ((ثم خرج من بيته إلي المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) فإنه يدل على اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم. أما لو خرج من بيته لا يريد الصلاة، فإنه لا يكتب له هذا الأجر؛ مثل أن يخرج من بيته إلي دكانه؛ ولما أذن ذهب صلي؛ فإنه لا يحصل علي هذا الأجر؛ لأن الأجر إنما يحصل لمن خرج من البيت لا يخرجه إلا الصلاة. لكن ربما يكتب له الأجر من حين أن ينطلق من دكانه، أو من مكان بيعه وشرائه إلي أن يصل إلي المسجد؛ ما دام انطلق من هذا المكان وهو على طهارة. والله الموفق. * * *

стр. 70

١١- وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب- ﵄ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه- تبارك وتعالي- قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعطيها كتبها الله- تبارك وتعالي- عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات، إلي سبعمائة ضعف، إلي اضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) (متفق عليه) . [الشَّرْحُ] قوله: (٠ إن الله كتب الحسنات والسيئات)) ؛ كتابته للحسنات والسيئات تشمل معنيين: المعني الأول: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، فإن الله - تعالي- كتب في اللوح المحفوظ؛ كل شي كما قال الله:) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: ٤٩) وقال تعالي (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (القمر: ٥٣) فالله - سبحانه وتعالي- كتب السيئات والحسنات في اللوح المحفوظ، إذا عملها العبد فإن الله - تعالي- يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته، وحسب ما يقتضيه عدله وفضله. فهاتان كتابتان: كتابة سابقة: لا يعلمها إلا الله فكل واحد منا لا يعلم

стр. 71

ماذا كتب الله له من خير أو شر حتى يقع ذلك الشيء. وكتابة لاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كتب إذا عمل الإنسان العمل كتب له حسب ما تقتضيه الحكمة، والعدل، والفضل: ((ثم بين ذلك)) أي: ثم بين النبي صلي الله عليه وسلم ذلك كيف يكتب، فبين أن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله - تعالي - حسنة كاملة. مثاله: رجل هم أن يتوضأ ليقرأ القرآن، ثم لم يفعل ذلك وعدل عنه، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة. مثال آخر: رجل هم أن يتصدق، وعين المال الذي يريد أن يتصدق به، ثم أمسك ولم يتصدق، فيكتب له بذلك حسنة كاملة. هم أن يصلي ركعتين، فأمسك ولم يصل، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة. فإن قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها؟ فالجواب علي ذلك: أن يقال إن فضل الله واسع، هذا الهم الذي حدث منه يعتبر حسنة؛ لأن القلب همام؛ إما بخير أو بشر، فإذا هم بالخير فهذه حسنة تكتب له، فإن عملها كتبها الله عشر حسنات إلي سبعمائة ضعف إلي أضعاف كثيرة. وهذا التفاوت مبني على الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كان الإنسان في عبادته أخلص لله كان أجره أكثر، وكلما كان الإنسان في عبادته أتبع للرسول صلي الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر، فالتفاوت هذا يكون بحسب الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم. أما السيئة فقال: ((وإن هم بسيئة فلم يتعبها كتبها الله حسنة كاملة))

стр. 72

كرجل هم أن يسرق، ولكن ذكر الله- فأدركه خوف الله فترك السرقة، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة؛ لأنه ترك فعل المعصية لله فأثيب على ذلك كما جاء ذلك مفسراً في لفظ آخر: ((إنما تركها من جراي)) أي من أجلي، هم أن يفعل منكراً كالغيبة مثلاً، ولكنه ذكر أن هذا محرم فتركه لله؛ فإنه يعطي على ذلك حسنة كاملة. فإن عمل السيئة كتب سيئة واحدة فقط، لا تزيد، لقوله - تعالي-) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠) . وهذا الحديث فيه: دليل على اعتبار النية؛ وأن النية قد توصل صاحبها إلي اليخير. وسبق لنا أن الإنسان إذا نوي الشر، وعمل العمل الذي يوصل إلي الشر، ولكنه عجز عنه؛ فإنه يكتب عليه إثم الفاعل؛ كما سبق فيمن التقيا بسيفهما من المسلمين: ((إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار)) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) والله الموفق.

стр. 73

١٢- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵄ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((انطق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلي غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار؛ فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله - تعالي- بصالح أعمالكم. قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلها أهلا ولا مالا. فناي بي طلب الشجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما عبوقهما، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلها أهلا أو مالا، فلبثت -والقدح علي يدي- أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر- والصبية يتضاغون عند قدمي- فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه. قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ىبنة عم، كانت أحب الناس إلي - وفي رواية؛ ((كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء)) - فأردتها على نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار؛ على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها- وفي رواية: ((فلما قعدت بين رجليها)) - قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

стр. 74

وقال الثالث: اللهم أستأجرت أجرأء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: ((يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت: كل ما تري من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزي بي ! فقلت: لا استهزيء بك فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجههك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون)) \ (متفق عليه) . [الشَّرْحُ] قوله: ((انطلق ثلاثة نفر)) أي: ثلاثة رجال. ((فآواهم المبيت فدخلوا في غار)) يعني: ليبينوا فيهن والغار: هو ما يكون في الجبل مما يدخله الناس يبيتون فيه، أو يتظللون فيه عن الشمس، وما أشبه ذلك. فهم دخلوا حين آواهم المبيت إلي هذا الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزهوها؛ لأنها صخرة كبيرة. فرأوا أن يتوسلوا إلي الله - سبحانه وتعالي - بصالح أعمالهم. فذكر أحدهم بره التام بوالديه، وذكر الثاني عفته التامة، وذكر الثالث ورعه ونصحه.

стр. 75

أما الأول: يقول إنه كان له أبوان شيخان كبيران ((وكنت لا أعبق قبلهما أهلاً ولا مالاً)) الأهل: مثل الزوجة والأولاد، والمال: مثل الأرقاء وشبهه. وكان له غنم، فكان يسرح فيها ثم يرجع في آخر النهار، ويجلب الغنم، ويعطي أبويه- الشيخين الكبيران - ثم يعطي بقية أهله وماله. يقول: ((فنأي به طلب الشجر ذات يوم)) أي: أبعد بي طلب الشجر الذي يرعاه. فرجع، فوجد أبويه قد ناما، فنظر، هل يسقي أهله وما له قبل أبويه، أو ينتظر حتى برق الفجر؛ أي حتى طلع الفجر- وهو ينتظر استيقاظ أبويه-، فلما استيقظا وشربا اللبن أسقي أهله وما له. قال: ((اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه)) ومعناه: اللهم إن كنت مخلصاً في عملي هذا- فعلته من أجلك- فافرج عنا ما نحن فيه. وفي هذا دليل على الإخلاص لله في العمل، وأن الإخلاص عليه مدار كبير في قبول العمل، فتقبل الله منه هذه الوسيلة وانفرجت الصخرة؛ لكن انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه. أما الثاني: فتوسل إلي الله بالعفة التامة؛ وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حباً شديداً كاشد ما يحب الرجال النساء ((فأرادها
следующие страницы →