Полный текст (231 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الملائكة وملكوت السموات والأرض وآيات الآفاق والأنفس وما بث فيها من دابة، ومعرفة الكواكب السماوية والآثار العلوية، ومعرفة أقسام الموجودات كلها، وكيفية ترتب البعض منها على البعض، وكيفية ارتباط البعض منها بالبعض، وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره، ومعرفة القيامة والحشر والنشر والجنة والنار والصراط والميزان، ومعرفة الجن والشياطين، وتحقق أن ما سبق إلى الإفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ، حتى تخيلوا منها في الله تعالى أموراً، من كونه على العرش وفوق العالم بالمكان وقبله بالزمان، وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين، وفي أحوال الآخرة من الجنة والنار، هل هي كما اعتقدوه من غير تفاوت، أو هي أمثلة وخيالات، ولها معان سوى المفهوم عن ظاهرها؟ فتحقق هذه الأمور بالصدق والحقيقة الصافية عن الشك، ورجم الظنون المنفكة عن المرية والتخمين، هي العلوم النظرية المجردة عن العمل.
стр. 177
وأما العملي فهي الأحكام الشرعية، والعلوم الفقهية، والسنن النبوية. وذلك معرفة سياسة النفس مع الأخلاق كما مضى، ومعرفة تدبير أهل البيت والولد والمطعم والملبس. وكيفية المعيشة والمعاملة. وهذا علم الفقه، ويشتمل على ربع المعاملات والنكاح والعقوبات. ثم إذا عرف أنواعها، فينبغي أن يعرف مراتبها، كيلا يضيع العمر إلا في المقصود، أو فيما يقرب منه. وأما المقتنع بالقسم الأول المتعلق باللفظ، فمختصر على القشر المحض. والقانع منه بالنحو والإعراب والعروض ومخارج الحروف، فقانع أيضاً من القشرة بأوجهها. وأما الخائض في تعرف الطريق الذي به يتميز الدليل الحقيق عن الإقناع، فمشتغل بأمر مهم. فإن اقتصر عليه فهو مقتصر على الآلة والوسيلة، كمن يقصد الحج فيشتري الجمل ويعدّ الزاد والراحلة، ويقعد في بيته. فلذلك مهم وضروري لكونه آلة ضرورية، ولكن إذا لم
стр. 178
يستعمل في المقصد، لا فائدة له. فلا خير في مجرد السلاح إذ لم يستعمل في القتال.
وأما الخائض في العلوم العملية المقتصر عليها، أعني الفقهيات وتفصيلها، فحالة أقرب من حال المقتصر على اللغات، فهو بالإضافة إليه عظيم القدر، كما أن العلم باللغات أيضاً بالإضافة إلى العلم بالرقص والزمّر عظيم، ولكن أن أضيف إلى جانب المقصود، فهو في غاية البعد ولا يتشكل ذلك إلا بمثال. فإذا علق السيد عتق عبده على أن يحج، ووعده بعد ذلك بما ينال به الرئاسة، فله ثلاث مقامات في الوصول إلى سعادة العتق وما بعده. الأول تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الرواية وإعداد الزاد، والآخر السلوك لمفارقة الوطن والتوجه إلى المقصد منزلاً بعد منزل، والثالث الاشتغال بالحج ركناً فركناً، ثم العتق معه، مع التعرض لاستحقاقه المال الموصل إلى السعادة، وله في كل مقام منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخره، ومن أول سلوك الطريق إلى آخره. وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من
стр. 179
ابتدأ بالاستعداد، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك. فوازن الحج مما نحن فيه كمال النفس بطهارة الأخلاق، وقطع الرذائل كلها، وكمالها مع ذلك بانكشاف الحقائق لها. ومثال المال الموصل إلى الرئاسة ها هنا الموت، الذي يكشف الحجاب الحائل بينه وبين رتبة مشاهدة نفسه، وكمالها وجمالها، ليرى نفسه من الكمال في أعلى عليّين، فيفرح به ويسرّ سروراً مؤبداً. ومثال سلوك منازل الطريق منزلاً بعد منزل سلوك مهذّب الأخلاق في محو الأخلاق الرديئة عن نفسه خلقاً بعد خلق، وطالب العلوم النظرية التي ذكرناها دون سائر العلوم، الخادمة للعلوم النظرية من الفقهيات واللغويات. فالمتعلّم للفقه كالخارز للرواية، والمقتصر عليه كالمقتصر على الرواية، والمقتصر على اللغة كالمقتصر على دباغة الجلد، الذي يتخذ منه الرواية مثلاً، فإن الحاج لا يستغني عن الدباغ ومستغرق أوقاته بمعرفة تفريعات الفقه، على ما يشتمل عليه الخلافيات في هذا العصر، مما لم يعهد في عصر الصحابة،
стр. 180
كمستغرق أوقاته في أحكام الرواية، بعد سلوك الخيوط التي يخرزها وتحسن الخرز.
فإن قلت: فهذا إن قلته عن اعتقاد فهو خلاف اجماع الفقهاء، وإن قلته حكاية، فمن المعتقد لهذا المذهب؟ فأقول: لست أقوله إلا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف. وقد اتفقوا على المعنى الذي يفهمه هذا المثال، وإن لم يكن هذا المثال بعينه من جهتهم. فإن قلت: فهل ما قالوه حق أم لا؟ فأقول ليس هذا الكتاب لبيان الحق والباطل بالبرهان في هذه الأمور، بل هي وصايا تنبّه على الغفلة وترشد إلى مواضع الطلب، كي لا يغفل الإنسان عمّا قالوه. فإن إمكانه ليس ببعيد في أول الأمر، فليبحث المتعلم المسترشد عنه ليعرف سره وغائلته. فإن قلت: إني وأن كنت لا أعتقد مذهب التصوف، فلا تسمح نفسي أيضاً بعد أن استغرقت عمري في الفقه خلافاً ومذهباً أن أنحط عند الصوفية إلى هذه الرتبة الخسيسة، فأرى بهذه العين، فلم قلت أن مذهبهم يوجب هذا؟ فاعلم إنك تتحقق السبب إن علمت تفاصيل ما سبق من ارتباط السعادة بمحو وإثبات عن النفس. وفيها، وأن المحو لما لا ينبغي أن يكون تزكية لها، والإثبات لما ينبغي أن يكون تكميلاً لها بكشف الحقائق فيها. وذلك لا يحصل إلا بتهذيب الأخلاق، والتفكر في آلاء
стр. 181
الله وملكوت السموات والأرض، حتى تنكشف أسرارها. والفقه إنما يحتاج إليه من حيث أنه محتاج إليه البدن، والبدن لا يبقى إلا بعلم الأبدان، وهو الطب. وعلم الأديان، وهو الفقه، إذ الآدمي خلق بحيث لا يمكن أن يعيش وحده كالبهيمة الوحشية، بل يفتقر إلى أن يكون بين جمع متعاونين على أشغال كثيرة، في تهيئة المطاعم والملابس وآلاتهما، ولا بد إذ كان لهم اجتماع من أن يكون بينهم عدل وقانون في المعاملة، عليه يترددون، ولولاه لتنازعوا وتقاتلوا وهلكوا. فالفقه هو بيان ذلك القانون، وتفصيله في ربع النكاح والمعاملات والعقوبات، فالبدن في طريق السائرين إلى الله تعالى يجري مجرى الناقة الراوية في طريق الحج، ومصالح الأبدان كمصالح الناقة، والراوية والعلم والمتكفل بمصالح البدن كالصناعة المتكفلة بخرز الراوية وتقديرها وتطهيرها، ورتبته من هذا المقصد كرتبتها من ذلك المقصد إن صح ما ذكروه في السلوك والاستعداد والمقصد، وإنهم يقولون لولا إرادة الله عمارة الدنيا، لارتفعت الحجب وزالت الغفلة وتوجه الخلق كلهم إلى سبيل الله، وترك كل فريق ما هو بعيد عن المقصود، ولكن كل حزب بما لديهم
стр. 182
فرحون، وبه قوام العالم، بل لولاه لبطلت الصناعات. فلو لم يعتقد الخيّاط والحائك والحجام في صنعته ما يوجب ميله إليها، لتركها وأقبل الكل على أشرف الصنائع، ولبطلت كثرة الصنائع. فإن رحمة الله غفلتهم بوجه من الوجوه. وعليه حمل بعضهم قوله ﵇: " اختلاف أمتي رحمة "، يعني اختلاف هممهم، ولو عرف الكنّاس ما في صناعته لتركها، ولاضطر العلماء والخلفاء والأولياء أن يتولوها بأنفسهم. وكذلك الدباغة والحدادة والزراعة، وجميع الأمور فلولا أن الله تعالى حبّب علم الفقه والنحو ومخارج الحروف والطب والفقه في قلوب طوائف، لبقيت هذه العلوم معطّلة، ولتشوش النظام الكلي، وليس من شرط المتجرد لعلم أو صناعة أن يتطلع على قدر رتبته ونسبته إلى من فوقه. بل إلى من تحته. وإنما المطّلع على حملة مراتب العلوم هم المتكفل بالعلوم كلها، وهو الذي آتاه الله الحكمة، وأراه الأشياء على ما هي عليه. فهذا جواب هؤلاء، وإليك الرأي بعد هذا في الاقتصار على ما أنت فيه، أو سلوك طريق هؤلاء والبحث عن هذا الفن، لتعرف حقيقة الحق فيه.
стр. 183
الوظيفة العاشرة: للمتعلم أن يكون قصده في كل ما يتعلمه في الحال كمال نفسه وفضيلتها، وفي الآخرة التقرب إلى الله . ولا يكون قصده الرئاسة والمال، ومباهاة السفهاء، ومماراة العلماء، فقد قال ﵇: " من تعلم العلم ليباهي به السفهاء ويماري به العلماء دخل النار "، وقد سبق أن العلوم لها منازل في الوصول بها إلى الله ، والقوّام بتلك العلوم كحفظة الرباطات في طريق الجهاد. فإذا عرف كل أحد رتبته ووفّاه حقه وقصد به وجه الله تعالى، لم يضع أجره، فإن الله يرفعه بقدر علمه في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: (يّرْفَعُ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، وقال: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله) . ولا ينبغي أن يفتر رأيك في العلوم بما حكيناه من طريق الصوفية، فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم، بل يعتقد كل مسلم حرمتها وعظمتها. وما ذكروه، إنما أوردوه بالإضافة إلى مرتبة الأولياء والأنبياء، وذلك جار مجرى استحقارك الصيارفة عند قياسهم بالسلاطين والوزراء. وذلك لا يوجب نقيصتهم، مهما قستهم بالكناسين والدباغين، ولا تطالب من نزل عن الرتبة القصوى لسقاطة القدر بها، فإن الرتبة القصوى
стр. 184
للأنبياء، ثم للأولياء، ثم للعلماء، على تفاوت مراتبهم، ثم للصالحين في الأعمال. وبالجملة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ يَرَه) . ومن قصد التقرب إلى الله بالعلوم، نفعه الله ورفعه لا محالة.
فهذه هي الوظائف للمتعلم. وأما وظائف المعلم المرشد فهي ثمان. واعلم قبل كل شيء أن للإنسان في العلم أربعة أحوال، كما في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حال استفادة، فيكون مكتسباً، وحال ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحال انفاق على نفسه، فيكون منتفعاً، وحال إفادته غيره بالإنفاق، فيكون به سخياً متفضلاً، وهو أشرف أحواله، فمن أصاب علماً فاستفاد وأفاد، كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، مستغن عن السؤال، وحال استبصار وهو تفكّره في المحصّل، وحال تبصير وتعليم، وهو أشرف أحواله، فكذلك العلم كالمال، ولصاحبه استبصار وهو تفكيره في المحصل، وحال تبصير وتعليم وهو أشرف أحواله. فمن أصاب علماً فاستفاده وأفاد
стр. 185
كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، والمسك الذي يطيب وهو طيب، ومن أفاد غيره ولم ينتفع به، فهو كالدفتر يفيد غيره، وهو خال عنه، وكالمسنّ يشحذ غيره يقطع، أو كذبالة المصباح تضيء غيرها وهو تحترق.
فأول وظائف المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه، كما قال ﵇: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ". وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من حق الأب، فإنه سبب حياته الباقية، والأب سبب حياته الفانية، وكذلك قال الإسكندر، لما قيل له: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك؟ فقال: " بل معلمي ". وكما أن من حق بني الأب الواحد أن يتحابّوا ولا يتباغضوا، فكذلك حق بني المعلم، بل حق بني الدين الواحد. فإن العلماء كلهم مسافرون إلى الله تعالى، وسالكون إليه الطريق. في الطريق يوجب تأكد المودة، فأخوة الفضيلة فوق أخوة الولادة. وإنما منشأ التباغض إرادتهم بالعلم المال الرياسة، فيخرجون به عن سلوك سبيل الله، ويخرجون عن قوله تعالى:
стр. 186
(إنّما المُؤْمنونَ إخْوَة) ، ويدخلون تحت قوله: (الأخِلاّءُ يَومَئذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إلا المتّقِين) .
الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً وجزاء. قال تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً) . فإن من يطلب المال وأغراض الدنيا بالعلم، كمن نظف أسفل مداسه بوجهه ومحاسنه، فجعل المخدوم خادماً، إذ خلق الله الملابس والمطاعم خادمة للبدن، وخلق البدن مركباً، وخادماً للنفس، وجعل النفس خادمة للعلم. فالعلم مخدوم ليس بخادم، والمال خادم ليس بمخدوم. ولا معنى للضلال إلا عكس هذا الأمر. والعجب أن الأمر قد انتهى بحكم تراجع الزمان، وخلوّ الأعصار عن علماء الدين، إلى أن صار المتعلم يقلّد معلمه ليستفيد منه، ويجلي بين يديه ويطمع في أغراض دنيوية، عوضاً عن استفادته، وهذا غاية الانتكاس ومنشأ ذلك طلب المعلمين الرياسة، والتجمل بكثرة المستفيدين،
стр. 187
لقصور علمهم وعدم ابتهاجهم بكمال علومهم الذاتية، فأطمع ذلك المستفيدين منهم فيهم.
الوظيفة الثالثة: ألا يدخر شيئاً من نصح المتعلم وزجره عن الأخلاق الردية، بالتعريض والتصريح، ومنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه، وأن يتصدى لاشتغال فوق طاقته، وأن ينبهه على غاية العلوم، وإنما هي السعادة الآخروية دون أغراض الدنيا. فإن رأى من لا يتعلم إلا لأجل طلب الرياسة، ومباهاة العلماء، لم يزجره عن التعلّم. فاشغاله بالتعلم مع هذا القصد خير من لأعراض، فإنه مهما اكتسب العلم تنبّه بالآخرة لحقائق الأمور. وأن الطالب بالعلم لأغراض الدنيا منغبون، وقد بيّن العلماء هذا المعنى بقولهم: " تعلمنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله ". بل أقول: إن كان الناس لا يرغبون في تعلم العلم لله، فينبغي أن يدعوهم إلى نوع من العلم يستفاد به الياسة بالأطماع في الرياسة، حتى يستدرجهم بعد ذلك إلى الحق. ولهذا رؤي الرخصة في علم المناظرة في الفقهيات، لأنها بواعث على المواظبة لطلب المباهاة أولاً، ثم بالآخرة، يتنبه لفساد قصده، ويعدلك عنه إلى التعلم بالأطماع في الرياسة إنا نطمعه فيه بالصولجان، وشراء الطيور،
стр. 188
وأسباب اللعب، ونطلق له ذلك في بعض الأوقات، لتنبعث دواعيه إلى التعلم ابتداءً طمعاً فيما رعيناه آخراً تدريجياً، وقد جعل الله تعالى قصد الرياسة من تعلّم العلم حفظاً للشرع والعلم.
ويجري تحريض المتعلمين على العلم بالأطماع في الرياسة وحسن الذكر مجرى الحب يبث حوالي القمح والملواح المقيد على الشبكة ومجرى شهوة الغذاء والنكاح التي خلقهما الله داعية إلى الفعل الذي فيه بقاء الشخص والنوع، ولولا هذه المصلحة في المناظرة، لما كان يجوز أن يسمح فيها بحال من الأحوال، فإنها ليست تفضي إلى تغيير المذاهب، وترك المعتقد.
الوظيفة الرابعة: إنه ينبغي أن ينهي عما يجب النهي عنه، بالتعريض لا بالتصريح، لأن التعريض يؤثر في الزجر، والتصريح بالزجر مما يغري بالمنهى عنه. قال ﵇: " لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء ". وينبه على هذا قصة آدم وحواء وما نهيا عنه. وقد قيل: رب تعريض أبلغ من تصريح. وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط والتنبه للخفيات، تميل إلى التعريض شغفاً باستخراج معناه بالفكر. والتعريض لا يهتك حجاب الهيبة،
стр. 189
والتصريح يرفعه بالكلية، فيستفيد المنهي جراءة على المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة مرة أخرى.
الوظيفة الخامسة: إن المتكفل ببعض العلوم، لا ينبغي له أن يقبح في نفس المتعلم العلم الذي ليس بين يديه، كما جرت عادة معلمي اللغة من تقبيح الفقه، عند المتعلمين وزجرهم عنه، وعادة الفقهاء من تقبيح العلوم العقلية والزجر عنها، بل ينبّه على قدر العلم الذي فوقه ليشتغل به عند استكمال ما هو بصدده. وإن كان متكفلاً بعلمين مترتبين، فإذا فرغ من أحدهما رقي المتعلم إلى الثاني وراعى فيه التدريج.
الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلمين على قدر إفهامهم، فلا يرقّيهم إلى الدقيق من الجلي، وإلى الخفي من الظاهر، هجوماً وفي أول رتبة، ولكن على قدر الاستعداد، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم حيث قال: " إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلم الناس بقدر عقولهم ". وقال: " ما أحد يحدث قوماً حديثاً لا يبلغه عقولهم، إلا كان ذلك فتنة على بعضهم ". وقال: علي ﵁، وقد أومأ إلى صدره: " إن ههنا لعلوماً جمة، لو وجدت لها حملة ". وقال ﵇: " كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن
стр. 190
يكذب الله ورسوله "، وقال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهم خَيْرَاً لأَسْمَعَهُمْ) . وسئل بعض المحققين عن شيء فأعرض، فقال السائل: أما سمعت قول رسول الله ﵇: " من كتم علماً نافعاً، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار "، فقال: اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه فكتكته فليلجمني به. ولما قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءِ أَمْوَالَكُمُ) ، نبّه على أن حفظ العلم وإمساكه عمن يفسده العلم أولى. ولما قال تعالى: (فَإنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم) نبّه على أن من بلغ رشده في العلم، ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم، ويرقى من الجلي الظاهر، إلى الدقيق الخفي الباطن، فليس الظلم في منع المستحق، بأقل من الظلم في إعطاء غير المستحق. وقال المتقدم في مثل ذلك:
стр. 191
فَمَنْ مَنَحَ الجهّال علماً أضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ المسْتَوجِبِين فَقَدْ ظَلَمْ
وادخار حقائق العلوم عن المستحق لها فاحشة عظيمة. قال الله تعالى: (وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِثَاقَ الذِينَ أُوتوا الكِتَابَ لتُبَيّنّنَهُ للنّاس وَلاَ تَكْتُمُون) .
الوظيفة السابعة: إن المتعل القاصر ينبغي أن يذكر له ما يحتمله فهمه، ولا يذكر له أن ما وراء ما ذكرت ذلك تحقيقاً وتدقيقاً أدخره عنك، فإن ذلك يفتر رأيه في تلقف ما ألقي إليه، بل يخيل إليه أنه كل المقصود، حتى إذا استقل به رقي إلى غيره بالتدريج. ومن هذا يعلم أن تقيّد من العوام بقيد الشرع، واعتقد الظاهر وحسن حاله في السيرة، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده وينبّه على تأويلات الظواهر. فإن ذلك يؤدي إلى أن ينحلّ عنه قيد الشرع، ثم لا يمكن أن يقيّد بتحقيق الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور، فينقلب شيطاناً وشريراً، بل ينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة، والأمانة في الصناعة، التي هو بصددها، وأن يملأ نفسه من الرغبة والرهبة على الوجه الذي نطق به القرآن، وأن لا يولّد شبهة، فإن تولدت شبهة وتشوقت نفسه إلى حلها، فيعالج دفع شبهته بما يقنع به من كلام عامي، وإن لم يكن على حقائق الأدلة.
стр. 192
ولا ينبغي أن يفتح له باب البحث والطلب، فإنه يعطل عليه الصناعة التي بها تعمر الأرض وينتفع الخلق. ثم يقصر عن درك العلوم، فإن وجد ذكياً مستعداً لقبول الحقائق العقلية، جاز أن يساعده على التعليم، إلى أن تنحل له الشبهات، وقد حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في أخلاقه، فإن وجدوا فيه خلقاً ردّياً منعوه التعلم أشد المنع. وقالوا إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الردي، فيصير العلم آلة شرّ في حقه، وإن وجدوه مهذب الأخلاق قيدوه في دار العلم، وعلّموه وما أطلقوه قبل الاستكمال، خيفة أن يقتصر على البعض، ولا تكمل نفسه، فيفسد به دينه ودين غيره، وبهذا الاختبار قيل: " نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب. فذلك يفسد الدين وهذا يفسد الحياة الدنيا ".
الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم للعلم العملي، أعني الشرعيات، عاملاً بما يعلمه، فلا يكذّب مقاله بحاله، فينفر الناس عن الاسترشاد والرشد. وذلك أن العمل مدرك بالبصر، والعلم بالبصيرة، وأصحاب الأبصار أكثر من أرباب البصائر.
стр. 193
فليكن عنايته بتزكية أعماله أكثر منه بتحسين علمه ونشره. وكل طبيب تناول شيئاً وزجر الناس عنه، وقال: " لا تتناولوه فإنه سمّ "، يحمل على الهزؤ والسفه. وإنما هو الذي اعتقد فيه أنه أنفع الأشياء يريد أن يستأثر به، فينقلب النهي إغراء وتحريضاً. والمتعظ من الواعظ يجري مجرى الطين من النقش، والظل من العود، وكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه، وكيف يستوي الظل، والعود أعوج؟ ولذلك قيل:
لاَ تَنْه عَنْ خُلْقٍ وَتَأت مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيم
بل قال الله تعالى: (أَتَأْمُرونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ) . ولذلك قيل: وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر غيره، لأنه يقتدى به، فيحمل أوزاراً مع أوزاره. كما قال ﵇: " من سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". فعلى كل عاص في كل معصية وظيفة واحدة، وهو تركها وترك الاظهار، كي لا يتبعه الناس، فإذا أظهر فقد ترك واجبين، وإن أخفى فقد ترك أحد الواجبين. ولذلك قال علي ﵁:
стр. 194
" قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك، وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بنسكه والعالم يغرهم بتهتكه ".
بيان تناول المال وما في كسبه من الوظائف
اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها الخير النافع وفيها السم الناقع. ومثالها مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمّها من حيث لا يدري. وقيل: المال من الخيرات المتوسطة، فإنه ينفع من وجه ويضرّ من وجه، فلم يكن من بد الاقتصار على النافع منه، والاحتراز من المهلك منه.
стр. 195
وأصل ذلك معرفة رتبة المال من المقاصد، فإن أصل الأمور كلها العلم بحقائق الأشياء. فنقول: على طالب السعادة الآخروية وظائف في حق المال، من حيث جهة الدخل وجهة الخرج، وقدر المتناول بالنية الواجبة في تناوله.
الوظيفة الأولى: معرفة رتبته، فقد سبق أن المقتنيات المرغوب فيها ثلاثة: نفسية ثم بدنية ثم خارجية. والخارجية أدناها رتبة، والمال من جملة الخارجية، وأدناها الدراهم والدنانير، فإنهما خادمان ولا خادم لهما، إذ النفس تخدم العلم الفضائل النفسية لتحصّلها، والبدن يخدم النفس، فيكون آلة، والمطاعم والملابس تخدم البدن، والدراهم والدنانير تخدم المطاعم والملابس. وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن، ومن البدن تكمل النفس. فمن عرف هذا الترتيب وراعاه، فقد عرف قدر المال، ووجه رتبته،
стр. 196
وعرف وجه شرفه، من حيث هو ضرورة كمال النفس. ومن عرف غاية الشيء واستعمله لتلك الغاية، فقد أحسن إلى الغاية، وعند ذلك يقتصر على قدر الحاجة الموصلة إلى الغاية، فلا يركن إليه معتكفاً بكنه همته عليه. وبهذا النظر ينكشف له الشبه في ذم الله تعالى المال في مواضع حيث قال: (إِنّما أَمْوِالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَة) ، ومدحه حيث امتن به فقال: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين) . فإنه من حيث كونه وسيلة للآخرة محمود، ومن حيث كونه صارفاً عنها مذموم، ولذلك قال ﵇: " نعم المال الصالح ". وقال تعالى (لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأولئكَ هُمُ الخَاسِرُون) . وكيف لا يكون خاسراً من يجمع الشعير لدابته، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير، وهو الخسران،
стр. 197
بل مثال الناس كلهم في الاغترار برهرة الدنيا، والاعتكاف على لزوم لذاتها، مثل راكبي سفينة متوجهين إلأى أفضل بلدة، ينال فيها أعلى رتبة، فأفضت بهم السفينة إلى جزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج تهيئة للطهارة، وأن يكونوا على حذر من غوائال الجزيرة، فرأوا حجراً مزبرجاً، وزهراً منوّراً، فأعجبهم ذلك وشغفوا به، فتباعدوا عن المركب، ونسوا المركب والمقصد، وبقوا لا هين، حتى سارت السفينة وجنّ عليهم الليل، فثارت عليهم الأسود تفترسهم، والأساود تنتهشهم، ولم يغن عنهم حجرهم وزهرهم شيئا. فيقول واحد منهم: (يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً) ، والآخر يقول: (مَا أَغْنَى عَنّي مَالِيه هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَه) . والآخر يقول: يا حسرتاً على ما فرطت في جنب الله، ولم يبق بأيديهم إلا حسرة وندامة لا آخر لها، ومجاورة الأفاعي والأسود مع الخزي والنكال. فهذا بعيينه مثال المغترين بمتاع الدنيا. ولهذا الخطر العظيم استعاذ الخليل إبراهيم وقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنيّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) ، وعنى به هذين الحجرين، الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد الإلهية في شيء من الحجارة. ولهذا قال الإمام علي:
стр. 198
" يا حميراء، غريّ غيري، ويا بويضاء غرّي غيري ". ولذلك شبّه ﵇ طلاب الدنانير والدراهم المشغوفين بهما بعبدة الحجارة، فقال: " تعس عبد الدراهم، تعس عبد الدنانير، ولا انتعش، وإذا شيك فلا انتقش ".
الوظيفة الثانية: في مراعاة جهة الدخل والخرج. فالدخل إما بالاكتساب، وإما بالبخت. أما البخت فميراث، أو وجود كنز، أو حصول عطية من غير سؤال. وأما الكسب، فجهاته معلومة. ومن أخذ من حيث كان مذموماً شرعاً، فلا ينبغي أن يأخذ إلا من وجهه. والوجوه الطيبة معلومة من الشرع، فإن وجد حلالاً طيباً فليأخذه، وإن كان حراماً محضاً، فليتجنبه. فإن قدر على الحلال المطلق، من غير تعب فليترك. فإن كان يقدر على الحلال المطلق، ولكن بعد طول التعب واستغراق الوقت، فإن كان من العبّاد العاملين بالجوارح، مع اعتقاد عامي مصمّم فليشتغل بطلب الحلال، فإن تعبه في طلب الحلال عبادة، كتعبه في سائر العبادات. وإن كان من أصحاب القلوب وأرباب العلوم وكان يتعطل عليه ما هو بصدده، لو استغرق أوقاته في الحلال المطلق فليأخذ من الذي يتيسّر قدر حاجته،
стр. 199
فإن المحظور المحض قد ينقلب مباحاً، خوفاً من محظور آخر أشرّ منه. فمن غصّ بلقمة، فله أن يتناول الخمر حذراً من فوات النفس. والعلم وعمل القلب لا يوازيه غيره. فالكل خدم له. فكما يباح إتلاف مال الغير على النفس، بل يحل تناول لحم الخنزير، فكذلك في محل الشبهة يتساهل في التحضير على العلم، وعند هذا قد يثور شغب الجاهل مهما تناول العلم، ما زجر عنه الجاهل، إذ لا يدرك الجاهل تفاوت هذه الدقيقة بينهما. وليكن العالم متلطفاً في ذلك، كيلا يحرك سلاسل الشيطان.
الوظيفة الثالثة: في المقدار المأخوذ. ومهما عرفت أن المال هذا دائر، فمعناه مقدار الحاجة المذكورة ولا غنى بك عن ملبس ومسكن ومطعم. وفي كل واحد ثلاث مراتب: أدنى وأوسط وأعلى.
стр. 200
وأدنى المسكن ما يقل من الأرض، من رباط أو مسجد أو وقف، كيفما كان، وأوسطه ملك لا تزاحم فيه، فتقدر على أن تخلو فيه بنفسك ويبقى معك عمرك، وهو على أقل الدرجات من حسن البناء، وكثرة المرافق، هو حد الكفاية، وأعلاه دار فيحاء فسيحة، مزينة البناء، كثيرة المرافق، وتتبعها زيادات لا تنحصر، على ما يرى عليه أرباب الدنيا، وأولو الرتب. والأول هو قدر الضرورة، إذ المقصود من المسكن أرض تقلّك، يحيط بها حائط يمنع عنك السباع، ويظل عليك سقف، يمنع المطر وحر الشمس ولا يقنع به المتوكلون. والأوسط هو حدّ الكفاية، وما بعده خارج عن حدّ الدين وإقبال على أمر الدنيا، أعني الاشتغال بزينتها. فأما الجلوس فيها، مع الغفلة عنها، دون ابتهاج بها وطمأنينة إليها، فمن المباحات. وأما صرف الأوقات إلى تزيينها، فمباح للعوام على لسان الفقه، الذي عقد لضرور جهل العوام، وقصورهم عن مشافهتهم بالمنع منه. فأما في طريق التصوف فحرام، وأعني بالتصوف ما خلق الإنسان له من سلوك سبيل القرب إلى الله تعالى. والعبادات لا مناقشة فيها، ولذلك قيل:
стр. 201
مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحات، أي يقتصرون على قدر الضرورة من المباح، ويواظبون على الفرائض، كما يواظبون على هذه فهي عندهم كالمباحات.
وأما المطعم، فهو الأصل العظيم، إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور. ولهذا أيضاً ثلاث مراتب، أدناها قدر الضرورة، وهو ما يسدّ الرمق، ويبقى معه البدن وقوة العبادة. وذلك يمكن تقليله بالعادة، تارة بتقليل الطعام شيئاً فشيئاً، حتى يتعوّد الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى الزهّاد في القدر كل يوم إلى حمّصة، وبعضهم في الوقت عشرين يوماً، وقيل أربعين، وهذه رتبة عظيمة، يقلّ من يستقل بها. فإن لم يقدر عليه، فالدرجة الوسطى، وهي في ثلث البطن، كما ذكرناه من قبل. ولا ينبغي أن يزيد على القدر الذي حدده الشرع، فالزيادة عليه بطنة. ثم يقتصر أيضاً من نوعه على الوسط كما اقتصر من قدره على الوسط، فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، ولكن النظر يختلف في قدر الكفاية إلى الوقت،
стр. 202
فرب إنسان هو فارغ القلب من قوت يومه، مشغول القلب بعده، وينتهي حرصه إلى أن يقدّر لنفسه عمراً طويلاً، ويريد أن يفرغ قلبه طول عمره. ثم قد يقدر له حوائج، فيطلب الاستظهار بالخزائن، وهو الضلال المحض. والمدّخر بالإضافة إلى المستقبل ثلاث درجات، وأدناها قوت يوم وليلة، وأعلاها ما يجاوز سنة، وأوسطها قوت سنة. وأرفع الدرجات درجة من لم يلتفت إلى غده، وقصر همته على يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلاً من الدنيا مستعداً للارتحال. ومن لم يشتغل بهذا، أو كان فارغ القلب عن قوت سنة، فاشتغل بما وراءه كان من المطرودين المذكورين بقوله: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدُه) . وأما الملبس فكذلك فيه ثلاث درجات، فأدناها من حيث القدر ما يستر العورة، أو الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها.
стр. 203
وبالإضافة إلى الوقت ما يبقى يوماً وليلة، كما نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه، أونه رقع قميصه بورق شجر، فقيل له: هذا لا يبقى، فقال: " أو أحيا إلى أن يفنى ". وأوسطه ما يليق بمثل حاله، من غير تنعم وترفّه ولا ملبوس حرام كأبريسم غالب. وأعلاه جمع الثياب وطلب الترفه بها، على ما عليه جماهير أهل الدنيا.
وأما المنكح، فإنه يزيد في حق من تاقت نفسه إلى الوقاع، ويحسبه تزيد الحاجة. وقد ذكرنا ما يحمد من المنكح وما يذمّ. وفيما ذكرناه مقنع. ومن ساعده من هذه الأمور قدر كفايته ثم اشتغل قلبه بغيره، كان مغبوناً بل معلوناً. قال ﵇: " من صبح آمناً في شربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، وهذا القدر كاف في البلغة، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة، ووجودها في حق العاقل كعدمها.
стр. 204
الوظيفة الرابعة: في الخرج والإنفاق. وكما للدخل وجه معين، فكذا الخرج فلا بد من مراعاة التركيب فيه، فالإنفاق محمود ومذموم كالأخذ، والمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة، وهو الصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال. ومنه ما يكسب الجرية والفضيلة، وهو إيثار الغير على النفس، على الوجه المندوب إليه شرعاً. والمذموم ضربان: إفراط وتفريط. فالإفراط الإنفاق أكثر مما يجب، بحيث لا يحتمله حاله، فيما لا يجب، والإخلال بالهم، والصرف إلى ما دونه. والتفريط المنع عما يجب الصرف إليه، والنقصان من القدر الذي يليق بالحال. ومهما أخذ العبد المال من وجهه، ووضعه في وجهه، كان محموداً مأجوراً. فإن قلت: فمن وسع الله عليه المال، فأخذه وإنفاقه بالمعروف أولى، أو الإعراض عن أخذه؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا، فقالوا: الناس ثلاثة أصناف، صنف هم المنهمكون في الدنيا بلا التفاف إلى العقبى، إلا باللسان وحديث النفس وهم الأكثرون. وقد سموا في كتاب الله عبدة الطاغوت
стр. 205
وشرّ الدواب ونحوها. وصنف مخالفون لهم غاية المخالفة، اعتكفوا بكنه هممهم على العقبى، ولم يلتفتوا أصلاً إلى الدنيا، وهم النساك. وصنف ثالث متوسطون، وفوا الدارين حقهما، وهم الأفضلون عند المحققين، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة، ومنهم عامة الأنبياء ﵈، إذ بعضهم الله ، لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد. وقيل ثلاثتهم المراد بقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً، فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَة، وَأَصْحَابُ المشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المشْأَمَةِ، والسَّابِقُونَ السَّابِقُون) . فالمراعي للدنيا والدين، كما يجب وعلى ما يجب، جامعاً بينهما، خليفة الله في أرضه، فهو السابق عند قوم. فإن قلت فقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدونَ) ، فاعلم أن مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال ﵇: " الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ".
стр. 206
فإن قلت: فقد قال بعض المحققين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه، فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده، فهو من الهالكين، ورجل مشتغل بهما، وذلك درجة المخاطرين، والفائز أحسن حالاً من المخاطر، فاعلم أن فيه سراً، وهو أن المنازل الرفيعة لا تنال إلا باقتحام الأخطار. وإنما هذا الكلام ذكر تحذيراً وتنبيهاً على خطر الخلافة لله تعالى في أمر عباده، حتى لا يترشح لها من لا يقدر عليها. وقد حكي أن بعض أولاد الملوك العادلة عظمت رتبته في العلم والحكمة، فاعتزل الناس وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض الملوك: قد اعتزلت ما نحن فيه، فإن علمت إن ما اخترته أفضل، فعرفنا لنذر ما نحن فيه، ولا تحسبني أقبل منك قولاً بلا حجة. فكتب إليه: إعلم إنا عبيد لرب رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه. فلما قربنا من الزحف، صرنا ثلاثة أقسام: متخوف طلب السلامة منه، فاعتزل عنه، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة، ومتهور قدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه،
стр. 207
وشجاع أقبل على بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد، فهو الفائز التام الفوز. وإني لما وجدتني ضعيفاً، رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين. فكن أيها الملك من أفضل الطوائف، تكن من أكرمهم عند الله، وهذا الكلام يكشف عن حقيقة الأمر فيه، وينبّهعلى صحة ذلك قوله تعالى: (وَابْتَغ فِيما آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ) . وإنما يمكن الإحسان بإدخال السرور على قلوب المسلمين بالمال، ولكن الخطر فيه عظيم، فإنه ربما يشتغل من ضعفت بصيرته بما فيه ضرره من حيث لا يدري، فلخطره وجبت المبالغة في الزجر عنه.
الوظيفة الخامسة: أن تكون نيته صالحة في الأخذ والترك، فيأخذ ما يأخذه ليستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له، فقد قال ﵇: " من طلب رزقه على ما سنّ فهو جهاد "، وقال ﵇ لابن مسعود: "
стр. 208
إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فم امرأته ". وأراد بالمؤمن من يعرف حقائق الأمور، فيقصد بما يتعاطاه وجه الله والاستعانة على سلوك طريقه. وعند هذا يتبين أنه ليس الزاهد من لا مال له، بل الزاهد من ليس مشغولاً بالمال، وإن كان له أموال العالمين. ولذلك قال الإمام علي ﵁: " إن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض، وأراد به وجه الله فليس براغب ". فليكن جميع حركاتك وسكناتك لله، بأن تكون حركتك مقصورة على عبادة، أو على ما يعين على عبادة، ولا يستغني العباد عنه، كالأكل وقضاء الحاجة مثلاً، فإنهما معينان على العبادة، وهما أبعد الحركات عن العبادة. وعند هذا يكون الكامل النفس في تناول الدنيا كالراقي الحاذق في مسّ الحية متقياً سمّها ومستخرجاً جوهرها، والعامي إذا تشبه به، ونظر إليه ظن أنه أخذها مستحسناً شكلها وصورتها، مستليناً مسها، مستصحباً إياها، فإذا ظن ذلك أخذها، وتقلدها فقتلته. وقد شبهت الدنيا بها، فقيل: الدنيا كحية تنفث السموم النواقع، وإن لان ملمسها. وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة، فمحال أن يتشبّه
стр. 209
العامي بالكامل في تناول الدنيا. وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتي مع رتبة النبوة، علم أن الزهد زهد النفس، لا خلو اليد. وكيف تضّر الدنيا بالأنبياء والأولياء، وهم يعرفون ضرها ونفعها ورتبتها في الوجود، ويعلمون أن للإنسان في وجوده ثلاث منازل: منزلة في بطن أمه، ومنزلة في فضاء العالم، ومنزلة بعد الموت. والدنيا في مثال رباط بني، وينتهي إلى المسافر في المنزل الأوسط، وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ليستعين بها المسافر، وينتفع بها انتفاعه بالعارية والمنحة، ويخليها لمن يلتحق بعده، فيأخذها بشكر ويتركها بانشراح صدر. وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى فظنواأن هذا المنزل وطن، وإلا هذه الأسباب ليست عارية وإنما هي موهبة مؤبدة، فصاروا لا يخرجونها من أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح. وقيل إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا كمثل رجل هيأ داراً، وهو يدعو أقواماً إلى داره على الترتيب، واحداً بعد واحد، فأدخل واحداً داره، فقدم إليه طبق ذهب، عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه، لا ليتملكه، فجهل رسمه فظنّ أنه وهب له، فلما استرجع منه، ضجر وتفجع. ومن كان عالماً انتفع به، وشكره وردّه بانشراح صدر فهذه وظائف المباشرة لأموال الدنيا.
стр. 210
بيان الطريق في نفي الغم في الدنيا
مهما كان الإنسان آمناً في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فحزنه وغمه بسبب أمر الدنيا أمارة نقصانه وحماقته، فإن غمه ليس يخلو إما أن يكون تأسفاً على ماضٍ، أو خوفاً من مستقبل، أو حزناً على سبب حاضر في الحال. فإن كان على فائت فالعاقل بصير بأن الجزع لا ما فات لا يلم شعثاً، ولا يرم انتكث. وما لا حيلة له، فالغم عليه خرق. ولذلك قال تعالى: (ِلَكْيلا تَأسُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) . وقال الشاعر: وهل جزع مجد عليّ فأجزعا.
وإن كان حاضر، فأما أن يكون حسداً لوصول نعمة إلى من يعرفه، أو يكون حزناً للفقر، وفقدان المال والجاه، وأسباب الدنيا. وسبب هذا الجهل بغوائل الدنيا وسمومها، ولو عرفها معرفتها لشكر الله تعالى على كونه من المخففين، دون المثقلين.
стр. 211
ولو فكّر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه، لم يعشقه، إذ يعلم أن الدنيا حمالة المصائب، كدرة المشارب، تورث للبرية أنواع البلية، مع كل لقمة غصمة، فما أحد فيها، إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة، سهم نقمة وسهم رزية وسهم منية:
تناضِلهُ الأوقاتِ مِنْ كلِّ جَانبٍ ... فَتخطئهُ طَوراً وطَوراً تصيبهُ
فمن كان معتبراً بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها، وحلول القوارع بأصحابها، وشدة اغتمامهم بفقدها، لم يتأسف على فواتها. ولذلك قيل لبعضهم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده. ومهما أمعن الإنسان فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم فيها، تسلى عنها، وهان عليه تركها. وكان بعض الصوفية وظّف على نفسه كل يوم أن يحضر دار المرضى " أي البيمارستان " ليشاهدهم، ويشاهد عللهم ومنحهم، ويحضر حبس السلطان أيضاً، ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات، وأيضاً يحضر المقابر، فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على
стр. 212
ما لا ينفع، مع اشتغال الموتى بما هم فيه، كان يعود إلى بيته بالشكر طول النهار على نعم الله عليه في تخليصه من كل البلايا. وحق للإنسان في الدنيا أن ينظر أبداً ما عاش إلى من هو دونه، ليشكر، وفي الدين إلى من هو فوقه، ليشمّر. والشيطان إذا استولى نكس هذا النظر وعكسه. فإذا قيل له: لمَ تتعاطى هذا الفعل القبيح؟ اعتذر بأن بلاناً يتعاطى ما هو أكبر منه، مع أنه ليس في المعصية، ولا في الكفر مناظرة. وإذا قيل له: لما لا تقنع بهذا الموجود؟ فيقول: فلان أغنى مني، فلم أصبر على ما ليس يصبر عنه؟ وهذا عين الضلال والجهل المحض. ومهما التقى الهم بهذا العائق، بطل غمّ الحسد. فمن أنعم الله عليه بنعمة، فإن كان يستحقها، لم يغتم به وإن كان لا يستحقها، فوبالها عليه أكثر من نفعها. فأما إن كان الغم في الأمر المستقبل، فإن كان على أمر ممتنع كونه أو واجب كونه، مثل الموت فعلاجه محال. وإن كان ممكناً كونه نظر، فإن كان لا يقبل الدفع، كالموت قبل الهرم، فالحزن له حماقة.
стр. 213
وإن كان قابلاً للدفع، فلا معنى للغم، بل ينبغي أن يحتال الدفعبعقل غير مشوب بحزن. فإذا فعل ما قدر عليه، من تمهيد حيل الدفع، بقي ساكن القلب، منظراً لقضاء الله وقدره عالماً بأنه لا مرد لما قضاه، فيتلقاه بصبر، إن لم يندفع ويتحقق إن ما قدر فهو كائن. ويتذكر قوله تعالى: (ما أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرض وَلا في أَنْسِكُمْ إلا في كتابٍ مِنْ قَبْل أن نَبْرأهَا) الآية. وإنما حرض الناس على تهيئة أسباب الدنيا، منشأه الغرور وحسن الظن بانحسار الآفات وتقدم صفاء الأوقات، وهيهات، ثم هيهات! قال الإمام علي، ﵁: " ما قال الناس لقوم طوبى لكم، إلا وقد خبأهم الدهر ليوم سوء ". وصدق الشاعر، فيما قال:
إنّ الليالي لم تُحسنْ إلى أحَدٍ ... إلاّ أسَاءَتْ إليهِ بَعْدَ إحْسَانِ
وما قصر أبو منصور الثعالبي في وصف الدنيا، حيث قال:
تَسَلِّ الدّنيا وَلاَ تَخطبنّها ... ولا تخطبنّ قتاله من تناكَح
فليسَ يفي مرجوّهاً بمخوفها ... ومكروهها لما تدبَّرت راجح
لقد قالَ فيها الواصِفونَ فأكثروا ... وَعندِي لَها وصفٌ لعمري صالح
سلاف قصاراه زعاف، ومركب ... شهي، إذا استلذذته فهو جامح
وشخصٌ جميلُ يونقُ الناس حسنهُ، ... ولكن له أسرار سوء قبائح
فالعاقل، إذا أمعن النظر في هذه الأمور، خفّ على قلبه أكثر الغموم، إلا إذا كانت العلاقة قد استحكمت بينه وبين معشوق،
стр. 214
من آدمي أو مال أو عقار، أو حرفة، أو رياسة أو ولاية، أو امر من الأمور، فلا خلاص له عن غمومها، إلا بعد قطع العلائق عنها. ولا يمكن ذلك إلا بكفّ النفس عنها تدريجياً، والاشتغال بغيرها، وإن كان ذلك الغير أيضاً مما يجانسها في وجوب التباعد عنه، ولكن لا بأس بغسل الدم بالدم، إذا كان الأول أشد لصوقاً والتزاقاً، وهذه من دقائق الرياضيات، فإن النزوع عما وقع الألف به دفعة واحدة عسر، بل ممتنع. ولذلك يرقى الصبي الذي يعلم الأدب بالترغيب في اللعب بالصولجان والطيور، ثم يكفّ عن اللعب بالترغيب في الثروة والمال، والتزيين بالثياب الجميلة وغيرها، ثم يرقيه من ذلك بالترغيب في المحمدة والثناء، ونيل الكرامة والرئاسة، ثم يرقيه بالترغيب في سعادة الآخرة، ويكون الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. ولقد كانت هذه المعالجة بأمور محذورة في نفسها، ولكن مطلوبة بالإضافة إلى ما هو شرّ منها، وكأنها منازل وأطوار الآدمي يرتقي فيها واحداً، ولا يمكن الخلاص إلا بهذا التدريج، فليراع ذلك في كل صفة استولت على النفس، واشتدت علاقتها، وبقطع العلائق تمحّى الغموم.
стр. 215
بيان نفي الخوف من الموت
للإنسان حالتان، حالة قبل الموت، وحالة بعد الموت. أما قبل الموت، فينبغي أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت، كما قال ﵇: " أكثروا من ذكر هازم اللذات، فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه ". والناس فيها قسمان: غافل وهو الأحمق الحقيقي الذي لا يتفكر في الموت وما بعده إلا نظراً، في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ويتدبر في أحوال نفسه، ولكن لا يتذكر إلا إذا رأى جنازة فيقول بلسانه: (إنا لله وَإِنَّا إِليهِ راجِعُون) ، ولا يرجع إلى الله بأفعاله إلا بأقواله، فيكون كاذباً في أقواله تحقيقاً. وأما العاقل الكيس فلا يفارقه ذكر الموت، كالمسافر إلى مقصد الحاج مثلاً، فإنه لا يفارقه ذكر المقصد، وأشغال المنازل في الحط والترحال لا تنسيه مقصوده. وعلى الجملة، فذكر الموت يطرد فضول الأمل، ويكف غرب المنى، فتهون المصائب ويحول بين الإنسان وبين الطغيان.
следующие страницы →