إحملوني إلى الحبيب
إحملوني إلى الحبيب وروحوا ... واطرحوني ببابه واستريحوا (١)
أنا من هيج الغرام شجاه ... وبراه الهيام والتبريح
طال سقمي وطال فيه عنائي ... ليت شعري متى يصح الجريح؟
شدة إثر شدة تتوالى ... ها أنا اليوم في الفراش طريح
لست آسى على لذائذ عيش ... أو على الجاه والشباب أنوح
стр. 317
غير اني انتزعت من بين صحبي ... فارساً معلماً بجسمي جروح.
...
قدر الله لا يرد بخط ... ليس إلا الخضوع والتسبيح
يا سهام الأقدار خلي ثلاثاً ... هي عندي وجه الحياة الصبيح
أتركي لي عقلي أفكر فيه ... وعيوني أرنو بها وأروح
ويدي تملأ الصحائف علماً ... وبلاغاً وبالشجون تبوح
...
رب قد أعجز الأطباء دائي ... ما لدائي سواك رب يزيح
وإذا شاءت العناية أمراً ... يسّرته من بعد يأس يلوح
في رحاب الكريم ألقيت رحلي ... أنَّ قصد الكرام رأي نجيح (١)
ولقد يقبل الكرام جناة ... قد تراموا ودمعهم مسفوح
стр. 318
علم الله ذلتي، وانكساري ... ودموعي وذو الهوى مفضوح
...
........................
........................
........................
سوف أبقى على الوفاء ما دمت حياً ... عسلاً ذقت أو طعامي شيح (١)
سوف أحدو للركب ما دمت حياً ... زاد بي الضر أو أبلت قروح
...
أيه يا نفس قد مضى لك عهد ... للشباب النضير فيه طموح
قد أمنت البلاء وهو قريب ... ورفضت الهدوء وهو مريح
صرفتك الأعباء في الحق عن أن ... تسمعي للطبيب وهو نصوح
стр. 319
وهجرت الأصحاب والأهل حتى ... كان منهم جوى (١) ومنهم مشيح (٢)
رغبة في مثوبة الله لما ... كان للشر ضجة وفحيح (٣)
فمضى الحق ظافراً بجنوده ... لهم قوة وعزم جموح
وهوى الجسم بعد طول عناء ... جسد ناحل وقلب صحيح
وذرعت البلاد شرقاً وغرباً ... طالباً للعلاج لا أستريح
يئس الطب من شفائي أخيراً ... لمحو تارة وآناً صريح
أتراني يا نفس أيأس منه ... ذاك في الدين ضلة وقبيح
حسبي الله لا أريد سواه ... هو أنسي وفي حماه أريح
رب لولاك ما استطعت ثباتاً ... في مسيري ولا سمت بي روح
فأدم فضلك العميم وأنعم ... بشفاء للقرب منك يتيح
стр. 320
القسم الثالث والثلاثين - الحكم الصالح
هو الذي يقوم على دعائم الدستور؛ فلا محاباة ولا تلاعب ولا تحكم ولا طغيان.
ويفرض هيبته باستقامة ولاته، فلا عقوبة إلا مع الجريمة، ولا عفو إلا مع المخلصين.
وينتزع الحب في قلوب الرعية؛ بالعدل الذي يسوي بين الناس، واليقظة التي تدفع الأخطار، والتفاني الذي يجهد النفس ويمنع لذائذ الحياة.
...
وهو الذي يرى ولاته أنهم خدام الأمة لا متكبروها.
وأنهم أمناء على أموالها لا سراقها ومبددوها.
وأنهم أقلهم شأناً ولكنهم أكثرهم واجبات.
стр. 321
وأنهم يلزمهم ما يلزم الخادم لسيده من النصح وأداء الأمانة.
...
وهو الذي تصان فيه فضائل الأمة من الذوبان.
وتحفظ أخلاقها من التدهور والانحطاط.
وتمنع عقيدتها من التحلل والتلوث بالخرافات.
وتنمى عقولها بالعلوم والآداب والثقافات.
حتى لتكون الأمة إيماناً يبعث على السمو، وكمالاً يدعو إلى الاحترام، ورقيًّا وحركة متقدمة بروية واتزان، وشخصية متميزة بين الأمم بحبها للخير ومحاربتها للفساد.
...
وهو الذي يعمل قادتها في وضح النهار لا في الظلام ...
ويقولون للأمة ما ينوون عمله وتنفيذه.
وتكون رجولتهم في أعمالهم أبين منها في خطبهم وأقوالهم.
ويكون الدهاء عندهم طريقاً لانتزاع حق الأمة من الغاصبين، لا للتغرير بها والتحكم في شؤونها، والتمكن من خيراتها وأموالها ولو أدى ذلك إلى وضع القيود في أعناقها لتذل للظالمين والمستعمرين.
***
стр. 322
وهو الذي يدخل السعادة إلى كل بيت! والطمأنينة إلى كل قلب، والكساء إلى كل جسم، والغذاء إلى كل بطن. فلا تعرى أمة ليكتسي أفراد، ولا تجوع آلاف ليشبع رجال، ولا تفتقر جماهير لتغنى فئات.
...
هو الحكم الذي يقول فيه التاريخ لرجاله: عففتم فعف ولاتكم، ولو سرقتم لسرقوا.
وهو الحكم الذي يقول كبير أمرائه: "مثلي ومثلكم كمثل قوم وكلوا إلى واحد منهم أموالهم؛ فلا يحل له أن ينفق منها إلا برأيهم ومشورتهم".
وهو الحكم الذي يقول فيه رجل الدولة: "القوي عندكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
...
هذا هو الحكم الذي يكون عرش رجاله في قلوب الأمة، والثقة به من رضاها وثنائها، واستمراره وبقاؤه رهين بتأييد الجماهير الواعية العاملة المؤمنة؛ لا بنفر محدود يرهبهم الوعيد، وتغريهم الوعود.
***
стр. 323
سيقولون: هذا انقطاع عن الحياة، وإغراق في الخيال.
وسيقول لهم الحق: طلب المثل العليا في أجواء الخيال أنبل من الإسفاف إلى واقع كله ضلال أنهمأعهيمنش.
مصطفى السباعي
стр. 324
القسم الرابع والثلاثين - بين الحكومة والشعب
الشكوى من رجال الحكم طبيعة في الأمم، وقلَّ أن تجد في التاريخ حاكماً استطاع أن يرضي الناس جميعاً، ولعل منشأ ذلك: أن أهواء الناس متعددة، ومنافعهم متضاربة، وكل منهم يريد تحقيق مصلحته، وليس يستطيع الحاكم ذلك ما دام في الدولة قانون يحكم، وشرع يسود، ومن هنا يقول شاعرنا:
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام! هذا إن عدل
أما إذالم يعدل: أما إذا حاد عن طريق الحق، واتبع أهواء النفس، واستغل منصبه لتقريب الأنصار ولو كانوا بلهاء، وإبعاد الخصوم ولو كانوا أكفاء، فكل الناس أعداء له، وأول أعدائه في الحقيقة أولئك الذين يدوس حرمة القانون ليقربهم إليه، وليحقق لهم أغراضهم ومصالحهم. وبذلك اعتاد الشعب خلال ربع قرن كامل أن ينفر من كل حكومة قائمة، ويرى في كل قانون تسنه قيداً جديداً ترهق به ماليته وحريته وكرامته.
وذلك يوم كان المستعمر الراحل هو الذي يعين الحكام، وهو الذي يؤلف الوزارات، وهو الذي يأتي إلى الحكم برجال لا تعترف الأمة لهم بفضل ولا بوطنية ولا بإخلاص، وأصبح التذمر لنا
стр. 325
عادة دائمة، والشكوى من رجال الحكم نغمة مستحبة حتى بعد قيام العهد الوطني، ولم يكتب لنا في التاريخ أن تمتد الأيدي بعضها إلى بعض فتنطلق متعاونة في البناء، متفاهمة على الخير، واستمرت الجفوة حتى وصل الأمر بنوابنا أن يتراشقوا بالتهم في ندوتهم، وأن ينقلب سلاحهم إلى تهديد بالمسدسات، وهجوم بالكراسي، وغير ذلك مما أخذ الناس يقرأونه في صحفهم عن مجلسهم النيابي في آخر حياته، وإنها لعمر الله مأساة تتفطر لها القلوب!.
من المسؤول عن ذلك؟ أهي الحكومة؟ نعم! ونقولها بكل صراحة. أم هو الشعب؟ نعم! ونقولها بكل وضوح. فالحكومة مسؤولة لأنها لم تحسن تصريف الأمور في كثير من الأحيان، ولم تستطع أن تكون جريئة في الإصلاح، ولا واضحة في الإدارة، ولا متخلية عن أهواء بعض وزرائها الذين أصبحت خطتهم مثلاً سائراً يتحدث به الناس في مجالسهم. فهل نعجب بعد ذلك إذا ارتفعت الشكوى بحق وبغير حق من فساد الأوضاع، واختلال النظام، وتشجيع الخونة والعجزة، وإقصاء الوطنيين والأكفاء، والاستهانة بمالية الأمة ومقدرات الوطن؟ وقد تكون الحكومة معذورة في بعض، وقد تكون مجتهدة فأخطأت الطريق، وقد تكون لها سياستها التي دقت عن أفكار الشعب!
стр. 326
ولكن الأمة لا تعذرها في ذلك كله ما دام تصرف بعض المسؤولين فيها تصرفاً كيفيًّا ينبو عن قواعد الدستور، ومبادئ العدالة، ومتعارف الناس في أخلاقهم وعقائدهم.
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
وأما الشعب: فهو المسؤول أيضاً؛ لأنه لم يحسن اختيار نوابه والمتكلمين باسمه في المجلس النيابي، وحسبك أن تلقي نظرة على مجموعة النواب الحاليين لتحكم بكل تجرد وإخلاص: هل هؤلاء في مجموعهم يمثلون إرادة الأمة ووثبتها ونهضتها ومطامحها ورقيها؟ إن في المجلس النيابي عدداً من الأكفاء، وفيه من المخلصين من لا ننكر إخلاصهم، ولكن فيه عدا عن ذلك من لا كفاءة لهم إلا جاههم ونفوذهم، ومن لا تؤثر عنه كلمة واحدة في المجلس من أولى جلساته إلى آخرها. ومن إذا تكلم لا يحسن الكلام، ولا يضبط أعصابه، ولا يعرف كيف يسلك سبيل النقاش وطرائق الهجوم والدفاع! هذه حقيقة واقعة قد يسكت عنها بعض حملَة الأقلام؛ إما مجاملة، وإما خوفاً، وإما طمعاً! والذي أدى إلى أن يكون مجلسنا النيابي بهذا الشكل هو الشعب الذي رضي أن يكون فريق نوابه على ذلك الطراز! وقد يكون الشعب معذوراً ما دام النظام الانتخابي على قواعده الحاضرة التي وضعها المستعمرون! ولكنه غير معذور في حالتين:
стр. 327
في سكوته اليوم على هذا النظام الفاسد، وفي سكوته عدا عن عمليات اللف والدوران التي يقوم بها المرشحون للنيابة مع فريق من المنتخبين الثانويين إذا بقي هذا النظام قائماً! إن الشعب هو المسؤول؛ لأنه هو الذي يجب أن يختار نوابه، فإذا شكا اليوم وتألم فليظهر غداً إرادته الواضحة في إقصاء من يتألم منهم وإبقاء من رضي عنهم، أما الشكوى في الأندية والأسواق والشوارع، ثم السكوت وقت الانتخابات، أو المجاملة والرضوخ لإرادة المتنفذين؛ فتلك علامة الموت، وتلك خطة الشعب الذي ابتلاه الله بالثرثرة وطول اللسان، والتقصير في الأعمال الصالحة في كل ميدان.
وما دامت قواعد الانتخاب على شكلها الحاضر، وطرق النيابة على ما اعتاد الناس رؤيته في كل دورة انتخابية، فسيمثل الأمة من لا تريده الأمة، وسيحكم فيها من لاي يحسن الحكم، وستزداد الأوضاع سوءاً، والبلاد اضطراباً، وستكون الفرصة مواتية لبعض المغرضين أن يستغلوا نقمة الأمة من أشخاص فيحولوها إلى أن تكون نقمة من حكم، وغضباً على عهد، وحنيناً إلى أيام سوداء رأت فيها البلاد ألواناً من النكال والمآسي والنكبات.
الطريقة الوحيدة لاستقامة الأمور: أن يترك الشعب حرًّا في إختيار نوابه مباشرة، وسيقول بعض الناس: أليس الشعب الآن حرًّا في اختيار نوابه مباشرة، ونحن نحيلهم إلى الخزائن التي تفتح،
стр. 328
والولائم التي تقام، والوعود التي تعطى، والمؤامرات التي تحاك! ليروا إن كان هنالك شعب ينتخب أم أفراد يتآمرون!.
مصطفى السباعي
стр. 329
القسم الخامس والثلاثين - مسؤولية القادة
بلى إنها الأمة! هي هذه الأمة التي تهرع إلى المساجد والأندية لتسمع إلى من يبصرها بعيوبها، ويزيل الغشاوة عن عيونها!.
هي هذه الأمة التي تبكي حين يتلى عليها أمر من الله تركته، أو تحذير من رسول الله ﷺ عصته، أو حوادث تاريخ سلفها الصالح الذي نسيته!.
هي هذه الأمة التي لا يختلف عامتها عن خاصتها في فهم العلل التي أنشبت مخالبها في مجتمعنا فشلّت حركته وعاقت تقدمه، بل لا يختلف عامتها عن خاصتها في معرفة الدواء ولكنها تنتظر الأطباء!.
هذه هذه الأمة التي يثيرها نداء، ويبعث حميتها تاريخ، ويسيل عبراتها ماض زاهر، وحاضر ثائر، ومستقبل حائر!.
هي هذه الجماهير التي رأيتها تتدافع بالمناكب شيباً وشباباً، فلاحين وعمالاً، علماء وجهالاً، إلى الأماكن التي تدعى إليها، فإذا هي كالأرض العطشى تنتظر الماء، بل كالجسم المريض
стр. 330
يرجو الدواء، بل كالجنود المشتتين يتطلعون إلى القائد.
إنها أمة لو وحدت قائدها لزغردت أمجادها!.
لا تستطيع وأنت تشهد بواكير الوعي الاجتماعي تتجلى في تلك الاجتماعات والحفلات إلا أن تتساءل: لماذا لا تستقيم أمورنا الداخلية حتى اليوم؟ أهو إعراض من الأمة أم تقصير من القادة؟ أما هذه الأمة فالله يعلم وقادتها يشهدون أنها ما قصرت في بذلٍ، ولا ونت عن مساعدة، ولا تلكأت عن تضحية، ولا أصمّت آذانها عن نداء، أفرأيت لو أن قادتها الذين قادوها في ميادين النضال السلبي أرادوا أن يقودوها إلى معركة الإصلاح الإيجابي، أكانت تعرض عنهم وتتخلف؟ أوَمِنَ المعقول أن تجيبهم في الحرب ولا تجيبهم في السلم، وأن تمشي وراءهم في الموت، ولا تسير معهم للحياة، وأن ترضى بالخراب والدمار والمنافي والسجون ثم لا ترضى بالبناء والاطمئنان، والإصلاح والعمران.
لا! ليست العلة من هذه الأمة ومن اتهمها بذلك فقد جحد فضلها، أو جهل حقيقتها، ولكنما العلة من هؤلاء القادة؛ لم يكادوا ينتهون من النصر حتى ركنوا إلى اللذة والنوم، فمن طالبهم بالعمل أنكروا قصده، ومن ناقشهم الحساب أحالوه إلى الماضي، ومن رغب منهم الجد والاستقامة رموه بالبله والجمود!. ومن عجبٍ أنهم وقد نسوا هذه الأمة في وقت الظفر فلم يذكروا إلا لهوهم
стр. 331
ومنفعتهم ونيابتهم وضمان مصالحهم، ما يزالون حتى الآن يمنون بأنهم لها يعملون، وفي سبيلها يسهرون، ولسعادتها يحكمون! .. والأمة تستمع إليها في هذه الدعاوى فيذهلها البهتان، وتؤلمها المراوغة ويحز في نفوسها تنكب السبيل! أمن أجل الأمة هذه المؤامرات لا المؤتمرات؟! ومن أجلها تلك الحفلات والرحلات؟ أو من أجلها تلك الأندية والمقامر والليالي الساهرات؟ ومن أجلها تلك القوانين التي تداس والدستور الذي ينتهك، والرشوات التي يغضى عنها، والمحسوبيات التي تقرب الأغنياء وتبعد الأكفاء، وتعطي الأشرار وتحرم الأخيار، وترفع الخونة وتنسى المخلصين؟!.
مسكينة هذه الأمة! عليها الغرم في أموالها وديارها وراحتها وثقافتها وعقيدتها، ولبعض الناس الغنم من أموال الدولة وجاهها ونفوذها وكبريائها .. ولهم السلطة المطلقة في أن يفسدوا ما شاءوا من عقيدتها وثقافتها وأخلاقها وتقاليدها!.
كلا أيها القادة! إن أمتكم تريد منكم شيئاً غير هذا؛ تريد أن تحفظوا عقائدها، وتحترموا آدابها، وتصونوا أموالها، وتحقنوا دماءها، وتوفروا طمأنينتها. إنها تريد منكم أن تعنوا بالقرى كما تعنون بالمدن، وبشؤون المحافظات كما تعنون بشؤون العاصمة، وبأبناء الفقراء كما تعنون بأبناء الأغنياء، وبتثقيف سكان الريف والصحراء كما تعنون بتثقيف أولاد الكبراء والزعماء!.
стр. 332
إنها تريد أن تعيش في نعمة سابغة، وأمن وارف، وعلم مفيد، وعدالة شاملة، وخلق يسمو بها للسماء ولا يهوي بها إلى الحضيض؟ هذا ما تريده منكم الأمة، وفي سبيله تدفع لكم الضرائب وتحترم القوانين، وتنفذ الأوامر، وتبذل الطاعة، وتدعو لكم بالبقاء، وكل انحراف بها عن هذه الأماني خيانة للأمانة، وتفريط بالحق، وتهديم للدولة!.
أيها القادة! إن هذه الأمة فتحت أعينها فجنبوها الظلام، وجمعت شملها، فهيئوا لها الأعلام، وعرفت أمراضها، فاختاروا لها الأطباء، وسلكت الطريق فكونوا لها خير الهداة.
يا هداة الركب! كيف تصلون وقد انحرفتم عن الجادة؟ ومتى تصلون وقد أعمتكم المادة؟ وفيم تقودون إذا ضللتم الهدف وفقدتم الغاية.
مصطفى السباعي
стр. 333
القسم السادس والثلاثين - يا شيوخنا في السياسة لقد آذانا ضعفكم فاتركونا نسير !
ما أعتقد أن جيلين اصطدما في عصر واحد كما يصطدم الشباب العربي مع شيوخ السياسة العربية في عصرنا الحاضر؛ فشيوخ السياسة عندنا نشأوا في عصر الضغط والإرهاق، وفي عهد التملق والحذر والمداراة، فلما خاضوا معركة السياسة ألفوا أنفسهم أمام دولة طامعة قوية تُدلُّ بقوتها وتتيه بكبريائها، ولم يحاولوا أن يكونوا خياليين في مطالبهم من هذه الدولة؛ فقصروا حركتهم على ما يمكن تحقيقه من مطالب الأمة، ولم يشاؤوا أن يصطدموا مع المستعمرين إلا مكرهين! فإذا أصابهم نفي أو سجن أو عنت أو عذاب، كان ذلك نتيجة تعسف المستعمر أكثر من أن يكون نتيجة عملوا لها بأنفسهم وعرفوا خاتمتها وهم في أول خطواتها.
ومن حسن حظ هؤلاء الزعماء أن كان في الأمة بقية من إيمان!. حفزها للعمل والتضحية، ونفخ فيها روح الأنفة والكرامة، ثم ألقاها في أتون الثورات والمعارك والاصطدامات؛ فقوافل الضحايا والشهداء والجرحى
стр. 334
والمشوهين، وآثار الخراب والثكل واليتم والفقر، إنما كان نتيجة لازمة لثورة الأمة النفسية التي أجج الإيمان أوارها، ولم يكن نتيجة روح أثارها زعماؤنا الشيوخ، ولا خطط أحكموا وضعها!.
ولما حاول المستعمرون أن يفاوضوا الأمة الثائرة لم يجدوا أمامهم إلا هؤلاء الشيوخ وهم على وطنيتهم وإخلاص كثير منهم ورغبتهم في إنقاذ أمتهم، لم يكونوا على قدر كبير من متانة الأعصاب، لأنهم في الواقع كانوا يجهلون حيوية الأمة، وطبيعة الاستعمار، ومن ثم كانوا يعتقدون بضعف أمتهم، وقوة أعدائهم، فكان أقل ما يلوح لهم به المستعمر كافياً لأن يعدوه كسباً عظيماً ونصراً مبيناً. كذلك فعلوا عام ١٩٣٦ في سوريا وفي مصر؛ إذ كانوا ينعتون ما حصلوا عليه من معاهدات يومئذ بينهم وبين المستعمرين بأنها وثائق الشرف والاستقلال! هذا بينما لم يتورعوا عن إضافة ذيول سريعة للمعاهدة تُفقد كل ما بقي للأمة فيها من مظاهر الاستقلال.
ذلك الجيل الضعيف في أعصابه، الشاك في حيوية أمته، الفزع من قوة أعدائه، البسيط الطيب الذي يخدع بالمواثيق بل بالابتسامات والتحيات! هو الذي يقف اليوم حائلاً دون اندلاع النار! نار الشباب الذي يستهين بالصعاب، نار الإيمان الذي يهزأ بقوى الأرض، نار الكرامة التي لا تعرف أنصاف الحلول
стр. 335
ولا متوسط الأمور! هذه النار هي التي تضطرم في نفوس الجيل الجديد، ولكن شيوخ السياسة يحاولون إطفاءها؛ لأن الحكمة تقضي بالوقوف في وجه السياسة الهوجاء! ويريدون بالهوجاء كل تطرف في الوطنية، وتصلب في الحقوق، واعتزاز بالكرامة، ويرون من مظاهر هذه السياسة الهوجاء، كل ثورة وكل تظاهر، وكل عنف مع المستعمر؛ لأنهم أعطوه الموثق الأكيد أن يسيروا معه إلى نهاية الشوط، فكيف يتركون هؤلاء الشباب يغضبونه ويثيرون حفيظته، فتضيع الكراسي، ويذهب الجاه، وتفوت المغانم، وذلك كله عندهم معناه ضياع الاستقلال!.
إننا نمسك اليوم بالعصا نقرع بها ظهور الخوالف، ونهدد بها سلطان الباغين، ولكن شيوخنا الكبار يريدون أن يحملوا الزهور والرياحين ليشهد لهم المستعمر أنهم أهل للحكم ومحل للثقة، ومهما حاولوا أن يقنعونا بسداد آرائهم، وصدق حكمتهم؛ فنحن مع اقتناعنا بذلك نريد أن نسير!.
نريد أن نسير! فلا يبقى في الأمة ضعيف ولا خوَّار ولا جبان.
نريد أن نسير! فلا يبقى في البلاد غش ولا كذب ولا استهتار.
نريد أن نسير! فلا يبقى في الدولة اختلاس ولا رشوة ولا استئثار.
стр. 336
نريد أن نسير! فلا يبقى في الوطن أجنبي يمسك بخناقنا باسم "التحالف" بعد أن يئس من ذلك باسم "الاستعمار".
نريد أن نسير ورؤوسنا مرفوعة، وكرامتنا مصونة، وتراثنا محفوظ، وقلوبنا مؤمنة، وأيدينا طاهرة، ورسالتنا تشق طريقها إلى القلوب لننقذ الدنيا مرة أخرى!.
أيها الساسة الشيوخ، إننا نريد أن نسير فافسحوا لنا الطريق.
أبو حسني
стр. 337
القسم السابع والثلاثين - هذه الأمة الواعية! لن تقبل بعد اليوم أنصاف الآلهة
نحن في كفاح مع المستعمر لا ينتهي حتى تنتهي كل آثاره في بلادنا العربية، ومن واجبات هذا الكفاح: أن تحشد له جميع القوى والمواهب، وأن تخاض له جميع الميادين والمناسبات، وأن لا تطغى فيه فرصة على فرصة ولا موهبة على موهبة، ولا طائفة على طائفة، ما دام خصومنا يستغلون كل ما في الطبيعة البشرية من قوة التأثير والإغراء والخداع والمكر؛ فإن من حقنا بل من واجبنا أن نستعمل كل ما عندنا من قوى الكفاح والنضال واسترجاع الحق السليب من الحيوان المفترس، وإذا كانت ميادين كفاحنا فيما مضى ميادين سلبية لا تعرف إلا الاحتجاج والإثارة والإضراب والمظاهرات، وإذا فتحت لنا اليوم في حياتنا الجديدة آفاق العمل الديبلوماسي، وميادين المؤتمرات الدولية والعلائق السياسية، فإن من الضرر البالغ بحقنا أن نقف عند هذا الحد فحسب، وأن نغفل الناحية الشعبية التي ما برحت قوام الحركات السياسية والاجتماعية في مختلف أنحاء العالم.
стр. 338
إن أقطاب العالم والمتحكمين في مصائره اليوم يحسبون حساباً لثورة الجماهير ونقمتهم؛ فإذا وقفت وفودنا تناضل عن حقها بالطرق القانونية والدولية، ثم كتب لها أن تخفق في الوصول إلى بغيتها، فإن الواجب الوطني أن تثبت شعوبنا تأييدها لها، واهتياجها لإخفاقها، وتصميمها على الوصول إلى حقوقها، إن عاجلاً وإن آجلاً، إن سلماً وإن حرباً، حتى يكتب لها الله الفوز ولأعدائها الخذلان، ويوم تقف الشعوب هذا الموقف المهتاج، يومئذ يطأطئ الظالمون رؤوسهم ويخففون من غلوائهم، ويحسبون حساباً لمنافسيهم في الاستعمار، ولمصالحهم في البلاد، ولبترولهم في بطون الأرض التي فتحناها لهم وقلنا لهم خذوها هنيئاً مريئاً لقاء ثمن بخس دراهم معدودات!.
هذه حقيقة نؤمن بها نحن الشباب الصغار في أعمارنا، المندفعين في ثورتنا، المؤمنين بحق أمتنا، السائرين إلى المجد بأعصاب لم تهن، وبعزائم لم تفتر، وبظهور لم تنحنِ حتى الآن.
وقد كان من حق الكبار في أعمارهم، المحنكين في تجاربهم، الذين يمنون دائماً على الأمة بأنهم قادوها إلى مواطن الظفر، أن يفهموا هذه الحقيقة قبل أن نعمل لها نحن الصغار، وأن يسلكوها قبل أن نسلكها نحن الناشئين! .. ويومئذ لا تجيز لهم الوطنية أن يخمدوا حركات الشباب. ولا أن يهتاجوا
стр. 339
لصراحة الأمة، ولا أن يرسلوا بطاقات التهديد، ولا أن يقولوا نحن حكام الأمة لا يحق للشعب أن يتكلم إلا إذا تكلمنا، ولا أن يرفع صوته إلا إذا شئنا، ولا أن يعلن عزمه على الاستبسال بحقه إلا أن نأذن له بذلك.
إن الوطنية لا تجيز هذه المواقف، ولا تفهم هذه اللغة، ولا ترضى لمدعيها أن يحملوا هذا الوزر، فإذا ركب بعض الناس هذا المركب الخشن كان من حق الأمة أن تسألهم: فيمَ تكبتون الشعور؟ وفيمَ تهددون العاملين؟ وفيمَ تغضبون من الذين يبيضون وجوه وفودكم أمام الغاصبين والظالمين؟ لقد كان الاستعمار يسلك مثل هذه السبل فكانت تنصبُّ عليه اللعنات، وتثار من حوله الدنيا، ويكون أول الناقمين عليه هم الذين يرضون اليوم أن يقفوا مثل هذا الموقف! فهل نسي هؤلاء تاريخهم؟ وهل نسوا خطبهم ومقالاتهم؟ وهل نسوا اجتماعاتهم ومظاهراتهم؟ وهل يكون كبت شعور الأمة حراماً على المستعمرين، وحلالاً لفريق من أبناء الأمة حاكمين أو متنفذين!.
إن الأمة لم تعد تطيق أن ترى بينها أنصاف الآلهة الذين يتمثلون بقول فرعون ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، إنها لا تطيق أن ترى إلا خداماً لمصالحها أمناء على حقوقها، يفهمون الحكم كما فهمه عظماؤنا في عصور الخير "إن من ولي أمر هذه الأمة لزمه ما يلزم الخادم لسيده من النصح وأداء
стр. 340
الأمانة! .. ".
أما بعد: فهذا أول سطر من تاريخ سيكتب، تبيضُّ فيه وجوه وتسودُّ وجوه.
مصطفى السباعي
стр. 341
القسم الثامن والثلاثين - بأي سلاح نحارب
الدنيا من حولنا تعج بالمؤامرات والمؤتمرات، وحصومنا يتألبون على أوطاننا ويودون القضاء علينا ولو بأيام معدودات، ونحن قد تنفسنا الصعداء فلا أجنبي يذرع البلاد بجيوشه وآلاته، ولا مستشار يفرض إرادته فيمنعنا من أن نتحرر، ويحول بيننا وبين أن نعمل لسعادتنا كما نريد؛ فنحن في الداخل أحرار؛ نستطيع أن نعمل كل شيء، ونحن في الخارج محاطون بشبكة من الدسائس يريد كل جماعة أن يلحقونا بركبهم ويجعلونا مطيتهم الذلول، فما هو السلاح الذي تسلحنا به حكوماتنا للدفاع عن أنسفنا؟ وما هي الخطط التي وضعت لتقوية بنائنا الداخلي وقد استلمناه من عدونا ركاماً فوق ركام؟.
إن أردت أن تقرأ الخطب والبيانات والتصريحات التي يصدرها المسؤولون في هذه البلاد، قلت: إننا نسير على نظام خير من نظام الأمم الراقية، ونعيش في سعادة تحسدنا عليها أوربا وأمريكا وبلاد العالم المتمدن .. وإن أردت أن تقرأ واقعنا في الأسواق والبيوت والمحلات
стр. 342
العامة ودوائر الدولة، ارتد إليك طرفك خاسئاً وهو حسير! .. وهذا التباين البشع بين الأقوال والأعمال، وبين الوعود والواقع أهم ما تتميز به سياستنا الداخلية، وأبرز ما يتصف به زعماؤنا السلبيون!. ألم يقل رئيس الوزراء في حديثه الصحفي الأخير: إن موجة الغلاء قد خفت، وإن الناس يعيشون بسلام؟ .. بينما الجماهير البائسة تفتش بعيون حادة وتستعين ب"الجماهير" لترى شيئاً عن هذا فلا تجده ولا تعثر عليه!.
الواقع أننا نخوض أشد المعارك هولاً وخطراً في تاريخنا ونحن بغير سلاح! والمسؤول عن هذا هم هؤلاء الذين يكونون خارج الحكم، فإذا هم أشد الناس رغبة في العمل، فإذا حكموا عملوا .. ولكن لأنفسهم ولجاههم ولنفوذهم، وأخيراً لنجاحهم في الانتخابات! .. أما تسليح الأمة بكل سلاح يعيدها للظفر في معركة الموت أو الحياة، فهذا أبعد من أن يعملوا له بل أبعد من أن يفكروا فيه، وتعالوا أيها السادة نحاسبكم بلسان هذه الأمة التي وضعتكم فوق رؤوسها، ورفعتكم إلى ميادين الزعامة، وانتطرت منكم أن تكونوا لها فكنتم - واأسفاه - عليها وإن أبت بياناتكم وألسنتكم أن تعترف بذلك!.
إن أول سلاح تحتاج إليه أمة كأمتنا هو سلاح العقيدة، أي سلاح الإيمان الذي مكن لعشرات الألوف من أبناء الجزيرة العربية أن يتغلبوا على أكبر دول العالم، وأن يحكموا شعوباً تعد بعشرات الملايين! .. هذا الإيمان بل هذه العقيدة، ماذا
стр. 343
عملتم لها وأنتم ترون بأعينكم كيف تتحلل في نفوس الأمة، وكيف حاول المستعمرون خلال ربع قرن أن يقتلوها، ليقتلوا روح العزة والمقاومة في نفوسنا؟ لقد كنتم في الواقع حرباً عليها بتخليكم عن نصرتها ونصرة الداعين إليها، وبتشجيعكم من يحاربها من الدخلاء على هذه الأمة أو المنسلخين عن فضائلها، وكنتم حين يطالبكم المصلحون بأن تعملوا لتقوية هذه العقيدة؛ أجبتم بأنكم تخشون أن تتهموا بالرجعية! .. فإذا تقدم للعمل لها فريق من شباب الأمة وقفتم في طريقهم كي لا يغلبوكم على هذه الجماهير فتضيع من أيديكم. ويفلت زمامها من نفوذكم.
وتحتاج الأمة إلى سلاح الأخلاق القوية التي تعرف كيف تصمد للنكبات، وكيف تتغلب على الشهوات! فماذا عملتم في هذا السبيل؟ إنكم لا تطمعون منا أن نعتقد بسعيكم لتقويم الأخلاق! ولكن تعالوا نحاسبكم على سعيكم لانحدارها! .. أين رقابتكم على أندية القمار التي تنتشر يوماً بعد يوم؟ وأين رقابتكم على محلات اللهو التي كانت تخشى في بعض الأيام أن تسترسل في الخلاعة، فأبحتم لها اليوم كل شيء؟ وأين رقابتكم على أفلام السينما التي يعرض أكثرها على أبصار شبابنا وبناتنا وأطفالنا كل ما يهيج الغريزة ويقتل الفضيلة، وتركتم أصحابها يثرون على حساب الخلق القويم والشهامة التي عرفت بها أمتنا بين أمم العلم؟ أين عملكم للحد من انتشار الخمور التي ينص القانون على أن يكون لها في دمشق سبعون حانة فإذا
стр. 344
هي اليوم مائة وخمسون؟!. ستدافعون عن أنفسكم بأجوبة لا تقتنعون أنتم بها .. ولكننا نذكركم بحفلة ساهرة أقامها رجل مسؤول في ناد رسمي دارت فيها الكؤوس، ولعبت فيها الخمرة برؤوس الرجال والنساء، ومالت الخصور على الخصور، وخرج المدعوون في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل يرتمي بعضهم على أحضان بعض، ومن أوصاف بعضهم في دواوين الدولة أنهم حماة الديار، وذادة الوطن؟.
والأمة في حاجة إلى سواعد قوية، وبطون ممتلئة، وأجسام مكسوة، وسعادة ترفرف فوق كل بيت .. فأين هي السواعد التي هيأتموها للنضال؟ وأين هي البطون التي درأتم عنها الجوع؟ وأين هي الأجسام التي أنقذتموها من العري؟ وأين هي السعادة التي أدخلتموها إلى كل بيت؟ ستذهلون من هذا الاتهام! ولكنا نطالبكم بأن تزوروا هذه الأحياء الفقيرة، وهذه الجموع العاملة، وهذه الكتائب "السائلة"، وهذه الآلاف من العجزة الذين يهيمون في الطرقات، وهذه الهياكل البشرية التي يسكن بعضها في القبور وهم أحياء! .. ونسألكم أن تنظروا في سجلات دوائر الصحة والمستشفيات العامة، بل نسألكم أن تسألوا بعض أنصاركم من عامة الشعب ليصدقوكم القول عما يعانيه الشعب من بؤس وشقاء، وعما تتخبط به الأمة من فوضى اقتصادية لا يرتضيها خلق ولا شرع ولا حكم ديمقراطي! .. اسألوا أنصاركم عن هذا لعلهم يصدقونكم ساعة في حياتهم! فقد يئسنا من أن تزوروا العامل في بيته، والفلاح في كوخه؛
стр. 345
والفقير في قبره .. وكيف يفرغ لهذا من يسهر الليل، ويدأب النهار؛ لتتم "الطبخة" الشهية التي تتحلب لها أفواه الراغبين في النيابات والزعامات! ..
أما بعد، فما نتجنى والله على زعمائنا حين نبلغهم آلام الأمة وإنَّ لنا فيهم أصدقاء أعزاء نحترمهم ونقدر إخلاصهم. ولكنهم وقد ربطوا أنفسهم بـ"مركبة واحدة" وهم يريدون اليوم أن يشدوها من جديد بعد أن تخلخلت أجزاؤها، نريد لهم أن يفكروا قليلاً بأمر هذه الأمة، ونحن لهم من الناصحين حين نبلغهم شكواهم، وندلهم على عللها وبلواها .. وليس أحب إلينا والله من صلاحهم لتستقيم الأمور، وتنجو "الغنم" من الهزال، و"الخط" من الاعوجاج.
مصطفى السباعي
стр. 346
القسم التاسع والثلاثين
لماذا أخفقت الجامعة العربية؟
وكيف تصبح أداة نافعة للعرب ؟
"نص الكلمة التي ألقاها الدكتور السباعي في احتفال الهيئة الوطنية
في لبنان بالذكرى الثامنة لجامعة الدول العربية في ٥ رجب ١٣٧٢ هـ - ٢١ مارس ١٩٥٣ م".
стр. 347
أقامت الهيئة الوطنية في لبنان حفلة كبرى بمناسبة الذكرى الثامنة لتأسيس الجامعة العربية، وذلك مساء السبت الواقع في ٥ رجب ١٣٧٢ هالموافق ١٢ من آذار (مارس) ١٩٥٣ م، وقد حضر الحفلة رئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء والنواب والعلماء وفريق كبير من وجوه العاصمة وشبابها وسيداتها.
وتكلم في الحفلة كل من الدكتور سليم حيدر وزير المعارف، والأستاذ فؤاد عمون المدير العام لوزارة الخارجية، والدكتور مصطفى السباعي نائب رئيس المجلس النيابي السوري سابقاً، والأستاذ نبيه فارس رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأميركية في بيروت، والأستاذ رمضان لاوند.
وقد كان لكلمة الدكتور السباعي صدى عظيم في مختلف أوساط العاصمة لما اتسمت به من الصراحة والجرأة في الحديث عن أخطاء الجامعة العربية وأسباب فشلها. وقد رأينا - نحن فريقاً من تلاميذ الأستاذ السباعي - نشر هذا الخطاب القيم ليكون في متناول أيدي الجمهور وحملة الرأي والقلم في أمتنا، عسى أن تتعاون القلوب المخلصة على إشادة بناء نهضتنا الحديثة على أسس ثابتة لا تضطرب ولا تنحرف.
فريق من طلاب الجامعات
في لبنان
بيروت ٢٧ من رجب ١٣٧٢ هـ
١٢ من نيسان ١٩٥٣ م
стр. 348
ينقسم حيدث الناس عن الجامعة العربية في مثل هذه المناسبات إلى ناحيتين اثنتين: الفكرة التي قامت عليها الجامعة، والخطة التي سارت عليها الجامعة لتحقيق تلك الفكرة.
فكرة الجامعة
أما الجامعة العربية كفكرة، فنحن من الذين يرونها أمراً لا بد منه مهما طال الزمن أو قصر؛ إن وحدة العرب واجتماع شملهم ووقوفهم بين الأمم كأمة واحدة في وطنها وفي رسالتها هو مما لا مجال للنزاع فيه؛ لأنه منطق الحياة، ومنطق التاريخ، ومنطق الحوادث، ولندع لأولئك الذين يشككون في هذه الحقيقة عن طريق العلم، أو عن طريق السياسة، أو عن طريق العاطفة، أو عن طريق التاريخ المصطنع، أو عن طريق الخوف الموهوم، لندع لهؤلاء أساليبهم في نقاش الفكرة العربية أو محاربتها أو إضعافها؛ فإن الزمن وحده هو الذي سيجعل من نقاشهم وتشكيكهم عبثاً كان يحاول أن يسد على الحق طريقه، ومتى بدأت الأمم تشق طريقها إلى الحياة، فإرادتها وحدها هي التي تحكم على علم العلماء وفلسفة الفلاسفة وعبث العابثين.
стр. 349
خطة الجامعة
وأما الجامعة العربية كوسيلة وخطة، فالناس إزاءها أيضاً فريقان: فريق يحسن الظن ويغدق الثناء وينسب إليها المعجزات، وفريق يسيء بها الظن ويلحق بها وزر ما أصاب العرب من محن. وإني لأصارحكم إني من الفريق الثاني. وبهذه الروح سأنقذ الجامعة العربية وأتكلم عما منيت به من هزائم منكرة وعما أخفقت فيه من حاولات إخفاقاً ذريعاً.
إن الأمم قد تصاب بنكسات، والدعوات قد تمنى بهزائم، وإن المصلحين قد يتعثرون في أول خطوات الطريق، ولكن هزيمة الجامعة وإخفاقها ليس من ذلك في قليل ولا كثير .. إن هزيمتها هزيمة القادر على الانتصار ولكنه أبى إلا أن ينهزم، وإخفاقها إخفاق القادر على النجاح بيد أنه أبى إلا أن يفشل.
لقد كان لدى زعماء الجامعة العربية حين قيامها كل وسائل النجاح والنصر: من ظروف دولية، ومن وعي قومي عام، ومن قلوب تخفق لرؤية الوحدة العربية حقيقة قائمة، لقد كانت شعوب العرب ورقابهم وأموالهم وثرواتهم وبترولهم وأحاسيسهم، كل ذلك كان أسلحة ماضية في المعارك التي خاضتها الجامعة العربية، ولكن الرؤساء أبوا إلا أن يجعلوها أسلحة مفلولة تلحق بنا أشنع الهزائم.
стр. 350
لماذا فشلت الجامعة ؟
ولا مجال الآن لتعديد أسباب هذا الفشل، ولكني أقتصر على أمرين رئيسيين:
لم تنشأ الجامعة بإرادة الرؤساء
أولاً: إن الجامعة حين قيامها لم تنشأ بإرادة من الرؤساء دفعتهم لتحقيق آمال شعوبهم في الوحدة والاجتماع، وإنما نشأت بإرادة أجنبية كان من مصلحتها أن تقوم هذه الجامعة في تلك الظروف، ولم يكن عند العرب مانع من أن تلتقي المصلحة الأجنبية مع المصلحة العربية، ولكن المؤسف أن المصلحة الأجنبية ظلت دائماً وأبداً هي محور نشاط الجامعة من حيث يدري أكثر أعضائها أو لا يدرون. فبدا رجال الجامعة بوجه الممثلين لأدوار أعدت من قبل لتلعب لعبتها المكشوفة فيما بعد، ورضي الممثلون لأنفسهم أن يكونوا هدف تصفير الجماهير وسخريتها أيضاً! ..
ثانياً: إن الجامعة كانت توجهها عقليات متخلفة عن الزمن تتسم بهذه الميزات:
المطامع الشخصية
أ - ... العمل في دائرة المطامع الشخصية، وليست قضية فلسطين إلا مثلاً للمطامع التي أدت إلى تلك الكارثة، لقد كان كل جيش حذراً من الآخر، وكان كل ملك أو رئيس يخشى أن
стр. 351
يستغل سواه هذه الحرب لو نجحت، ولا أنسى - ومن واجبي أن أذكر هذه الحقيقة ليذكرها أحفادنا من بعد - إننا حين كنا في القدس وأحسسنا بخطر سقوطها في أيدي الأعداء، وبدأنا نرسل صرخات الاستغاثة، وكان مما قاله لنا بعض الرؤساء الكبار في الجامعة: لا تهتموا بسقوطها فسنستردها نحن وإخواننا! .. ولما أوشكت القدس أن تسقط في أيدي الأعداء في إحدى المعارك الضارية، وأخذنا نستنجد برؤساء الجامعة في الليل .. كان الجواب من أحد رؤسائها الكبار: إذا كنتم تشعرون بالخطر فانسحبوا منها! قلنا: ولكنها القدس! وفيها أربعون ألف لاجئ، ولو انسحبنا منها لتمت أفظع مجزرة في التاريخ؟! فكان الجواب .. ولكنكم عندنا أغلى! .. وأقسم لكم أننا لو أصغينا يومئذ إلى تلك النصائح الغالية! لرأى العالم اليوم أعمدة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى وكنيسة القيامة!.
ازدراء قوى العرب
ب - ... النظر إلى إمكانيات العرب وقواهم نظرة ضعف وازدراء، وإلى إمكانيات غيرهم نظرة قوة وإكبار، وعلى هذا الأساس كانت توجيهات الدول الاستعمارية تلقى آذاناً صاغية في دوائر الجامعة ويستجاب لها بدون إبطاء، وكان العذر في أنفسهم دائماً: إننا ضعفاء لا نستطيع أن نقف في وجوه أولئك الأقوياء .. وليس أمر الاستجابة إلى طلب الهدنة الأولى إلا مثلاً لازدراء قادة العرب بقوى أمتهم وشعوبهم، واعترافهم في قرارة أنفسهم بأنهم لا يستطيعون أن يبدوا حراكاً تجاه رغبات
стр. 352
الدول الكبرى.
تضليل الجماهير العربية
ت - ... اعتبار الجماهير العربية كتلة من غُثاء الشعوب تؤخذ بالعاطفة، وتخدع بأكاذيب البيانات وبلاغة الخطب والتصريحات .. لقد كانوا - في معركة فلسطين - يعطوننا النصر في بيان، ويلحقون بنا الهزيمة في ميدان! .. وكان كل شيء يسير وفق ما تبيِّت الدول الكبرى، ورؤساؤنا يحققون لهم أهدافهم ثم يأبى فريق منهم إلا أن يصموا آذاننا بالعزم على مواصلة الكفاح في البر والبحر والجو، كما كان يقول تشرشل تماماً في أيام الحرب! ولكن غيرنا كان يقول هذا والدموع تنحدر من عينيه، أما بعضهم فقد كان يقول لنا هذا وأموال فلسطين تملأ يديه، والضحك من جماهيرنا يكاد يمزق رئتيه!.
عدم اعتبار مصالح العرب
ث - ... اعتبار الجامعة العربية رابطة بين دول لا أداة لتجمُّع أمة! فكانت مصالح كل دولة هي التي تسيطر على عقول رجال الجامعة، وليس أدل على ذلك من أنهم قد أصدروا من البيانات التي تؤمن بالتعاون والوحدة ما يملأ أسفاراً ضخمة، ولكن الجامعة لم تخط حتى الآن خطوة واحدة إيجابية في سبيل التعاون الصحيح العملي المثمر، ذلك لأن ما ينفع دولة من هذه الخطوات، قد يضر الأخرى، ولو كانت مصلحة الشعوب
стр. 353
العربية هي التي ينظر إليها رجال الجامعة في كل مقرراتهم لما تضاربت المصالح، ولكنها مصلحة دول أو كيانات مبعثرة يريدها بعض الرؤساء حدوداً فاصلة إلى الأبد بين أبناء أمة واحدة!.
رجعية رؤساء الجامعة
ج - ... جمود رؤساء الجامعة في وجه التطور الذي شمل العالم العربي في أفكاره ووسائل معيشته، فلقد أبى أكثر هؤلاء الرؤساء حتى اليوم أن يفهموا أن معركة الحياة التي يخوضها العرب اليوم ليست معركة سلاح أو سياسة بقدر ما هي معركة فكر ونظام وعلم .. لقد كانت قوانا واليهود في معارك فلسطين غير متكافئة .. كانت المعركة بيننا وبينهم معركة بين فوضى وتنظيم، وفقر وغنى، وجهل وعلم، وعاطفة وعقيدة .. فهل تعجبون من ذلك إذا انتصر النظام على الفوضى، والعلم على الجهل، والعقيدة على العاطفة الجاهلة؟! .. ... ولا يزال حتى الآن كثير من رؤساء الجامعة لا يريدون أن يفهموا أن ابن القرن العشرين لا يغلبه ابن القرن الخامس عشر بسلاحه ونظامه، وبجهله وبطراز معيشته! وأن جماهير وفدت إلى فلسطين من أنحاء الدنيا لعقيدة نُشِّئت عليها منذ الصغر، لا يمكن أن تغلبها جماهير حُشدت من مختلف دنيا العروبة لغاية لا تعلمها، ولفكرة لم تغذَّ بها ولا ربيت عليها!.
стр. 354
الهزيمة هزيمة الرؤساء وحدهم
... هذه أيها السادة هي أهم ما تمتاز به العقلية التي كانت توجه سياسة الجامعة، فانهزمت وألصقت بنا عار هذه الهزيمة.
أما نحن: فما زلنا نعلن منذ انتهت معركة فلسطين، أننا لم نخسر إلا الجولة الأولى منها، وأن تلك الجولة لم تخسرها شعوبنا ولا أمتنا، وإنما خسرها رؤساؤنا وملوكنا وقادتنا العسكريون فحسب! .. فلا مجال ليائس ولا لشامت أن يشمت من هزيمة الجامعة فيتخذ منها وسيلة لمحاربة الفكرة التي قامت عليها.
لا تزال الجامعة محط آمالنا
... إن فكرة الجامعة هي فكرة القدر الذي أبى ألا تكون دنيا العرب دنيا واحدة في مصالحها وآلامها وآمالها، وإن تمايزت في قطر منها عن قطر، وتباينت في ثقافتها أو مشاكلها ما بين بلد وبلد .. ومن ثم فنحن لا نزال نرى الجامعة العربية رمزاً لآمالنا البعيدة، ومهوى لأفئدتنا الكليمة، ولكن ذلك لا يتم إلا إذا سارت الجامعة بعد الآن خطى وعقلية جديدة، تقوم على الحقائق التالية:
مصلحة الجماهير قبل مصلحة العروش
أولاً: إن مصلحة العروش والرئاسات هي من مصلحة الشعوب والجماهير .. فلا سلطان لعرش فقد سلطانه في قلوب
стр. 355
شعبه، ولا كرامة لرئيس فقد شعبه كل مظاهر الكرامة في حياته!
إن كرامة أمتنا في أن تتحرر من الجهل والفقر والضعف والظلم والخوف والرذيلة .. فليحرر ملوكنا ورؤساؤنا شعوبهم من هذه القيود، تكن لهم كرامتهم وسلطانهم في الأفئدة والقلوب، وما دام في دنيا العرب شعب يخاف من الحاكم أن ينقده فيكبل بالأغلال، وحاكم يخاف من معارضيه في الرأي فيرى فيهم متآمرين على حكمه وحياته.
فلن تستطيع الدنيا العربية أن تحطم قيود الأعداء من حولها .. إن الشعوب لا تساق إلى ميادين المجد بالنار والضغط والإكراه، وإنما تساق إليها بالعقيدة ولذة التضحية ورغبة الاستشهاد.
كبرياء الشعب إن أذللتها ... لن تراه في العلى يهوى الزحاما
وهوادي الرأي أما احتبست ... في صدور القوم أفلتَّ الزماما
إن على ملوك الجامعة ورؤسائها أن يعطوا شعوبهم الحرية، لا هبةً ولا منة ولا صدقة! بل حقًّا مقدساً لهذه الجماهير يعادل حق الحياة بل لا حياة دونه! فمن اغتصبه كان شرًّا ممن يغتصب الأموال، ومن حال دون تمتع الأمة به كان أشد - في نظر الحق والتاريخ - جريمة ممن ينتزع من نفس واحدة حياتها .. إن حرية الشعوب هي مفتاح انطلاقها في معارج المجد، فمن شاء أن يدخل من باب الخلود فليفتح لأمته باب الحرية على مصراعيه، ومن أبى إلا أن يغلقه دونها فليفعل ثم لن يكون أعز