← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9267

هكذا علمتني الحياة

مصطفى السباعي

Полный текст (361 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الشدة ينكشف صدق الأخوة. لا تغرنك ! .. لا تغرنك دمعة الزاهد فربما كانت لفرار الدنيا من يده، ولا تغرنك بسمة الظالم، فربما كانت لإحكام الطوق في عنقك، ولا تغرنك مسالمة الغادر، فربما كانت للوثوب عليك وأنت نائم، ولا يغرنك بكاء الزوجة، فربما كان لإخفاقها في السيطرة عليك!. احذر ضحك الشيطان منك احذر ضحك الشيطان منك في ست ساعات: ساعة الغضب، والمفاخرة، والمجادلة، وهجمة الزهد المفاجئة، والحماس وأنت تخطب في الجماهير، والبكاء وأنت تعظ الناس. احذر اللئيم احذر لئيم الأصل، فقد يدركه لؤم أصله وأنت في أشد الحاجة إلى صداقته، واحذر لئيم الطبع، فقد يدركه لؤم طبعه وأنت في أشد الحاجة إلى معونته. احذر! احذر الحقود إذا تسلط، والجاهل إذا قضى، واللئيم إذا حكم، والجائع إذا يئس، والواعظ المتزهد (أي الذي يتظاهر بالزهد) إذا كثر

стр. 37

مستمعوه. من عيشة المؤمن ثلاث هنّ من عيشة المؤمن: عبادة الله، ونصح الناس، وبذل المعروف. من طبيعة المؤمن ثلاث هنَّ من طبيعة المؤمن: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وسخاء النفس. من خلق المؤمن ثلاث هنَّ من خلق المؤمن: الإغضاء عن الزلَّة، والعفو عند المقدرة، ونجدة الصديق مع ضيق ذات اليد. حسن الخلق من أوتي حسن الخلق لا عليه ما فاته من الدنيا. المنافق المنافق شخص هانت عليه نفسه بقدر ما عظمت عنده منفعته. المنافق ممثل مسرحي، له كذب الممثل وليس له تقدير المتفرجين. اعتذرا ! قيل لخطيب منافق: لماذا تتقلَّب مع كل حاكم؟ فقال:

стр. 38

هكذا خلق الله القلب متقلباً، فثباته على حالة واحدة مخالفة لإرادة الله! .. عقوبة المجتمع إن الله يعاقب على المعصية في الدنيا قبل الآخرة، ومن عقوبته للمجتمع الذي تفشو فيه المظالم أن يسلّط عليه الأشرار والظالمين: ? وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق القول فدمرناها تدميراً?. ميزان الله الفقير ميزان الله في الأرض، يوزن به صلاح المجتمع وفساده. والله أعدل الحاكمين أمر الله أن يعطى الفقير حقه والغني حقه، فدافع دجاجلة الدين عن حق الغني ولم يدافعوا عن حق الفقير، وأكل طواغيت الدنيا حق الغني دفاعاً عن حق الفقير، والله أعدل الحاكمين. حكم الشيطان لم يرضهم حكم الله في أموالهم فسلَّط عليهم من يحكم فيها بحكم الشيطان.

стр. 39

أين أنت يتساءلون عنك: أين أنت؟ فيا عجباً للعُمْي البُلْه! متى كنت خفيًّا حتى نسأل عنك؟ ألست في عيوننا وأسماعنا؟ ألست في مائنا وهوائنا؟ ألست في بسمة الصغير وتغريد البلبل؟ ألست في خفيف الشجر وضياء القمر؟ ألست في الأرض والسماء؟ ألست في كلِّ شيء كلِّ شيء؟ أليست هذه آياتك الدالة عليك؟ أليست هذه من بدائع صنعك يا أحسن الخالقين؟ أليست آيات تدبيرك الحكيم بارزة في صغير هذا الكون وكبيره؟ فكيف يسأل عنك هؤلاء إلا أن يكونوا عمياً في البصائر والأبصار؟ ﴿إن في السموات والأرض لأيتٍ للمؤمنين ̄ وفي خلقكم وما يبث من دابةٍ ءاياتٌ لقوم يوقنون ̄ واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح ءايات لقوم يعقلون﴾. أين حكمتك ؟ يتساءلون عن حكمتك في المرض والجوع، والزلازل والكوارث، وموت الأحبَّاء وحياة الأعداء، وضعف المصلحين وتسلط الظالمين, وانتشار الفساد وكثرة المجرمين، يتساءلون عن حكمتك فيها وأنت الرؤوف الرحيم بعبادك؟ فيا عجباً لقصر النظر ومتاهة الرأي، إنهم إذا وثقوا بحكمة إنسان سلموا إليه أمورهم، واستحسنوا أفعاله وهم لا يعرفون حكمتها، وأنت .. أنت يا مبدع السموات والأرض، يا خالق الليل والنهار، يا

стр. 40

مسير الشمس والقمر، يا منزل المطر ومرسل الرياح، يا خالق الإنسان على أحسن صورة وأدقّ نظام .. أنت الحكيم العليم .. الرحمن الرحيم .. اللطيف الخبير .. يفقدون حكمتك فيما ساءهم وضرهم، وقد آمنوا بحكمتك فيما نفعهم وسرّهم، أفلا قاسوا ما غاب عنهم على ما حضر؟ وما جهلوا على ما علموا؟ أم أن الإنسان كان ظلوماً جهولاً؟! انتصار المؤمنين في بحار من الظلمات بعضها فوق بعض، وفي حشود من الشر يأتي بعضها إثر بعض، وفي أرسالٍ من الشك يردف بعضها بعضاً، في زمجرة الأعاصير، وفي تفجُّر البراكين، في أمواج البحر المتلاطمة .. يلجأ المؤمنون إلى إيمانهم فيملأ قلوبهم برداً وأمناً، ويفيئون إلى ربهم فيسبغ عليهم سلاماً منه ورضواناً، ويرجعون إلى كتاب هدايتهم فيملأ عقولهم حكمة وعلماً، ويلتفُّون حول رسولهم فيزيدهم بصيرة وثباتاً .. حينذاك .. يناجي المؤمنون ربهم وقد خضعت له جباههم، وخشعت له قلوبهم: ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ̄ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ̄ ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾. هنالك يستجيب لهم الحق بوعد الصدق: ﴿أني لا أضيعُ عمل

стр. 41

عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾. ثم تدفعهم يد الله إلى طريق المعركة مبينة لهم وسائل النصر: ﴿يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. ويسير المؤمنون وهم يرفعون عقيرتهم بالدعاء: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾. ويخوضون معركة الحق وهم يرددون: ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين﴾. ويسجل كتاب الخلود نتيجة المعركة بثلاث كلمات: ﴿فهزموهم بإذن الله﴾. عصور الخير لم يكن أهل الخير في عصر من عصور التاريخ أكثر

стр. 42

عدداً من أهل الشر أو يساوونهم، ولكن عصور الخير هي التي تمكن فيها أهل الخير من توجيه دفتها. الضاحك الباكي السعيد المحبوب هو الذي يضحك وقلبه باك، ويغنِّي ونفسه حزينة. لكي يحبك الناس لكي يحبَّك الناس أفسح لهم طريقهم، ولكي ينصفك الناس افتح لهم قلبك، ولكي تنصف الناس افتح لهم عقلك، ولكي تسلم من الناس تنازل لهم عن بعض حقك. عذاب .. عذاب العاقل بحبسه مع من لا يفهم، وعذاب المجرِّب برئاسته على من لم يجرب، وعذاب العالم بوضع علمه بين أيدي الجهال، وعذاب الرجل بتحكيمه بين النساء، وعذاب المرأة بمنعها من الكلام .. العواطف والعقول والأهواء العواطف تنشئ الدولة، والعقول ترسي دعائمها، والأهواء تجعلها ركاماً. بين الذئب والشاة قال الذئب للشاة: ثقي بي فسأقودك إلى مرتع خصب.

стр. 43

فقالت الشاة: إني أرى بعينيك عظام زميلاتي .. قال الذئب: لم آكلها أنا وإنما أكلها ذئب غيري .. قالت الشاة: وهل انسلخت من طبيعتك حتى لا تفعل ما فعلوا؟ دولة المؤمن ! عقل الفيلسوف يبني دولة في الهواء، وعقل القصصي يبني دولة فوق الماء، وعقل الطاغية يبني دولة فوق مستودع بارود، وعقل المؤمن يبني دولة أصلها ثابت وفرعها في السماء. خلود .. خلود العالِم بعلومه، وخلود الفيلسوف بتأملاته، وخلود القائد بفتوحاته، وخلود النبي برسالته، وخلود المصلح بصحابته. يريد أن يحسن فيسيء بعض أصدقائك يريد أن يحسن إليك فيسيء، فإن كانت اجتهاداً فاعف عنه، وإن كانت غفلة فلا تعتمد عليه. جواز سفر خلق الله المال ليكون جواز سفر إلى الجنة، فجعلته أطماع الإنسان جواز سفرٍ إلى جهنَّم ...

стр. 44

كيف يؤتى الحق لا يؤتى الحقّ إلا من الدخلاء في حشوده، والأغرار في قيادته، والنائمين في حراسته، والمفسدين في أسلحته. إذا أراد الله إذا أراد الله أن يسلب من عبد نعمة أغفله عن صيانتها، وإذا أراد أن يمنحه نعمة هيَّأه لحسن استقبالها، وإذا أراد أن يمتحنه في نعمة أيقظ عقله وهواه، فإن غلب هواه عقلَه لم يكن بها جديراً. من تعلق ... من تعلَّق قلبه بالدنيا لم يجد لذَّة الخلوة مع الله، ومن تعلق قلبه باللهو لم يجد لذة الأنس بكلام الله، ومن تعلق قلبه بالجاه لم يجد لذة التواضع بين يدي الله، ومن تعلق قلبه بالمال لم يجد لذة الإقراض لله، ومن تعلق قلبه بالشهوات لم يجد لذة الفهم عن الله، ومن تعلق قلبه بالزوجة والولد لم يجد لذة الجهاد في سبيل الله، ومن كثرت منه الآمال لم يجد في نفسه شوقاً إلى الجنة. القسم الرابع بين ... وبين بين الشقاء والسعادة، تذكر عواقب الأمور. بين الجنة والنار، تذكر الحياة والموت. بين السبق والتأخر، تذكر الهدف والغاية.

стр. 45

بين الصلاح والفساد، يقظة الضمير. بين الخطأ والصواب، يقظة العقل. إذا صحت منك العزيمة إذا صحَّت منك العزيمة للوصول إليه، مدَّ يده إليك، وإذا صحَّت منك العزيمة للوقوف بين يديه، فرش لك الباسط، ودلَّك بنوره عليه. إذا صدقت الله ... إذا صدقت الله في الزهد في الدنيا كرَّهك بها، وإذا صدقته الرغبة في الآخرة حبب إليك أعمالها، وإذا صدقته العزم على دخول الجنة أعطاك مفاتيحها، وإذا صدقته حب رسوله حبب إليك اقتفاء أثره، وإذا صدقته الشوق إلى لقائه كشف لك الحجب إلا حجاب النور. دعوى الحب الحب من غير اتِّباع دعوى، ومن غير إخلاص بلوى، ومن غير نجوى حسرة وعبرة. مناجاة ! إلهي! دعوتنا إلى الإيمان فآمنا، ودعوتنا إلى العمل فعملنا، ووعدتنا النصر فصدَّقنا، فإن لم تنصرنا لم يكن ذلك إلا من ضعف في إيماننا، أو تقصير في أعمالنا، ولأن نكون قصرنا في العمل، أقرب إلى أن نكون ضعفنا في الإيمان،

стр. 46

فوعزَّتك ما زادتنا النكبات إلا إيماناً بك، ولا الأيام إلا معرفة لك، فأما العمل فأنت أكرم من أن تردَّه لنقصٍ وأنت الجواد، أو لشبهة وأنت الحليم، أو لخلل وأنت الغفور الرحيم. المرائي ليس أشقى من المرائي في عبادته، لا هو انصرف إلى الدنيا فأصاب من زينتها، ولا هو ينجو في الآخرة فيكون مع أهل جنَّتها .. أصناف الإخوان الإخوان ثلاثة: أخ تتزين به، وأخ تستفيد منه، وأخ تستند إليه، فإذا ظفرت بمثل هذا فلا تفرِّط فيه؛ فقد لا تجد غيره. صراخ المرضى أسمع بجانبي صراخ مرضى يقولون: يا الله! علموا أن لهم ربًّا يرحمهم فاستغاثوا برحمته، إني لأرحمهم لآلامهم وأنا عبد مثلهم، فكيف لا يرحمهم الله وهو ربهم وخالقهم؟ .. زرع لا يحصد ! الجيل الذي زرعته يد الله لا تحصده يد إنسان. أنواع الظلم الظلم ثلاث: ظلم الإنسان لنفسه بأن لا ينصحها،

стр. 47

وظلم الإنسان لأمته بأن لا يخدمها، وظلم الإنسان للحقيقة الكبرى بأن لا يعترف بربه ﴿إن الشرك لظلمٌ عظيم﴾. أنت تعلم .. وأنا أعلم إلهي! أنت تعلم: أني لم أتقرَّب إليك بصالح الأعمال. وأنا أعلم: أنك تغفر الذنوب جميعاً إلا الإشراك بك. أنت تعلم: أني لم أبتعد عما نهيت من سيئ الأعمال. وأنا أعلم: أنك ما كلفتنا من التقوى إلا بما نستطيع. أنت تعلم: أني لم أعبدك كما ينبغي لجلال وجهك أن يُعبد. وأنا أعلم: أنك تخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. أنت تعلم: أن نفسي لم تصف من كدورتها برغم تعرّضي لنفحاتك. وأنا أعلم: أنك خلقتني من الطين، وأنبتّني من التراب، وأسكنتني في الأرض، وامتحنتَني بالشيطان. أنت تعلم: أني أسبح في بحر متلاطم الأمواج لأصل إلى شاطئ أمنك وسلامتك. وأنا أعلم: أنك شددتني في الحياة بما يبطئ بي في

стр. 48

الوصول إليك من زوجة وولد، وحاجة ومرض، وهموم وأحزان. أنت تعلم: أني مشوق إلى الغوص في بحار أسرارك، والتعرض لفيوض أنوارك. وأنا أعلم: أنك خلقت فيَّ مع نور العقل ظلمة الشهوة، ومع خضوع الملائكة تمرُّد إبليس، ومع سموِّ السماء هبوط الأرض، ومع صفاء الخير كدورة الشر، ومع نار الحب دخان الهوى. أنت تعلم: أني أريد الوصول إليك صادقاً منكسراً. وأنا أعلم: أنك تجتبي من تشاء، وتصطفي من تختار، بفضل منك لا بأعمالهم، وبكرم منك لا باستحقاقهم. إلهي! هذا بعض ما تعلمه مني، وبعض ما أعلمه عنك، فاجعل ما علمته شفيعاً لما علمته، وأوصلني إلى ما تعلمه مما أحاول، على ما أعلمه عندي من ضعف الوسائل، ولا تجعل علمك بي مبعداً لي عنك، ولا علمي بك فاتناً لي عن الوصول إليك، اللهم إنك تعلم ونحن لا نعلم وأنت الحكيم الوهّاب. تجارة لا تبور من تعرَّض لنفحات الله في الأسحار، وأُعطياته لأحبابه من الأبرار، وتعجبه من الطاعة، وسروره عند التوبة، كان هو التاجر بما لا يبور، والمتعامل مع من لا يخيس، والمدَّخر لما لا يفنى.

стр. 49

ما كلّ .. ليس كل من أمسك القلم كاتباً، ولا كل من سوَّد الصحف مؤلفاً، ولا كل من أبهم في تعبيره فيلسوفاً، ولا كل من سرد المسائل عالماً، ولا كل من تمتم بشفتيه ذاكراً، ولا كل من تقشَّف في معيشته زاهداً، ولا كل من امتطى الخيل فارساً، ولا كل من لاث العمامة شيخاً، ولا كل من طرّ شاربه فتى، ولا كل من طأطأ رأسه متواضعاً، ولا كل من افترَّ ثغره مسروراً. تخير من تقرأ له كل مؤلف تقرأ له، يترك في تفكيرك مسارب وأخاديد، فلا تقرأ إلا لمن تعرفه بعمق التفكير، وصدق التعبير، وحرارة القلم، واستقامة الضمير. تجليات الله تجلَّى للعارفين بفيوض الأنوار، وتجلَّى للواصلين بلطائف الأسرار، وتجلَّى للعابدين بلذة الإسرار، وتجلَّى للمريدين بحلاوة المزار، وتجلَّى للتائبين بإسدال الأستار، وتجلَّى للناظرين بحسن الاختيار، وتجلَّى للغافلين بتعاقب الليل والنهار. لا تحقد ! لا تحقد على أحد، فالحقد ينال منك أكثر مما ينال من

стр. 50

خصومك، ويبعد عنك أصدقاءك كما يؤلب عليك أعداءك، ويكشف من مساويك ما كان مستوراً، وينقلك من زمرة العقلاء إلى حثالة السفهاء، ويجعلك تعيش بقلب أسود، ووجه أصفر، وكبدٍ حرّى. الأصحاء والمرضى رأيت الناس بين مريض في جسمه سليمٍ في قلبه، صحيح في جسمه مريض في قلبه، وقلَّ أن رأيت صحيح الجسم والقلب معاً. للخير طريقان للخير طريقان: بذل المعروف أو نيَّته، ومن لم يكن له نصيب في هذا ولا ذاك فهو أرض بوار. مناجاة ! يا حبيبي! أنا أرق لهجرك الدمع، ولا جافيت لعتبك المضجع، ولا تركت لذيذ الطعام والشراب، ولكن أمضّني اللهم فيك حتى أمرضني، وأرهقني السعي إليك حتى أقعدني، فهل شافعي القيام بهذا عن التقصير في ذاك؟ وهل أنت مسعفي بلذيذ وصالك، بعد طول صدودك؟ أم أنك لا ترضى من محبيك، إلا أن يتحققوا بكل خصائص العبودية، وأن ينسوا أنفسهم حتى لا يروا غير آلائك، ولا تبهر أبصارهم سوى أنوارك؟ وأنَّى لي هذا إلا بعونك ورحمتك؟

стр. 51

لك من حياتك خمس ! لك من حياتك: طاعة الله، وطلب المعرفة، وبذل الخير، وبر الأقرباء والأصدقاء، ودفع الأذى عن جسمك، وما عدا ذلك فهو عليك. أخطاء الأصدقاء لا تهجر أخاك لأخطائه ولو تعددت، فقد تأتيك ساعة لا تجد فيها غيره. استعن بمالك من استعان بماله على حفظ كرامته فهو عاقل، ومن استعان به على تكثير أصدقائه فهو حكيم، ومن استعان به على طاعة الله فهو محسن ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾. لماذا نكره الحق ؟ نحن كالأطفال: نكره الحق لأننا نتذوق مرارة دوائه، ولا نفكر في حلاوة شفائه، ونحب الباطل لأننا نستلذ طعمه، ولا نبالي سمَّه. الهوى لولا الهوى لصلح مَنْ في الأرض جميعاً، ولو صلحوا جميعاً لما استحقوا الموت، ولو عاشوا جميعاً لما وسعتهم الأرض .. !

стр. 52

قيادة الأغرار إياك وقيادة الأغرار في معركة حاسمة؛ فإنهم إمّا أن ينشغلوا بك عن أنفسهم، وإما أن ينشغلوا بأنفسهم عنك، وفي كلا الحالين توقع الهزيمة. الفهم عن الله إذا فهمت عنه في الضراء كما تفهم عنه في السراء فقد صدقت في حبه. ظلم الإنسان من ظلم الإنسان وجهله أن يتلقى عن ربه ما لا يعطيه إلا هو، ثم يسأل: أين الله؟ لا تضِنَّ بالقليل احذر أن تضنَّ بالقليل على عباد الله، فيأخذ الله منك القليل والكثير. لا تظلم الضعيف احذر أن تظلم الضعفاء، فيظلمك من هو أقوى منك. جحود الظالم لو أيقن الظالم أن للمظلوم ربًّا يدافع عنه لما ظلمه، فلا يظلم الظالم إلا وهو منكر لربه.

стр. 53

العقوبة على السيئة الجزاء على الحسنة قد يؤجَّل إلى الآخرة، ولكن العقوبة على السيئة تكون في الدنيا قبل الآخرة. حَنين قد يقلع العاقل عن خلق ذميم، ولكن نفسه يعاودها الحنين إليه فترة بعد أخرى. مناجاة ! يا رب! خلقتنا فنسيناك، ورزقتنا فكفرناك، وابتليتنا لنذكرك فشكوناك، ونسأت لنا في الأجل فلم نبادر إلى العمل، ويسرت لنا سبيل الخير فلم نستكثر منه، وشوّقتنا إلى الجنة فلم نطرق أبوابها، وخوّفتنا من النار فتقحَّمنا دروبها، فإن تعذّبنا بنارك فهذا ما نستحقه وما نحن بمظلومين، وإن تدخلنا جنتك فذاك ما أنت أهله وما كنا له عاملين. الأمل لولا الأمل لما عمل إنسان، فهو من أكبر نعم الله التي لا ترى. مطية السعادة الأمل مطيتك إلى السعادة، فإن وصلت إليها وإلا فابدأ

стр. 54

أملاً جديداً. سمو الآلام رأيت نفسي دائماً تسمو بالآلام! ولكن من يطيق استمرارها؟ كن خيراً منه لا تعامل أخاك بمثل ما يعاملك به، بل كن خيراً منه دائماً. حسن الظن لأن تحسن الظن فتندم، خير من أن تسيء الظن فتندم!. أقوال المبغضين اصبر على ما يشيعه عنك مبغضوك من سوء، ثم انظر فيما يقولون، فإن كان حقًّا فأصلح نفسك، وإن كان كذباً فلا تشك في أن الله يظهر الحق ولو بعد المدى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾. العاقل والأحمق العاقل من يرى فيما يقال عنه تنبيهاً لأخطائه، والأحمق يرى فيها محض إيذائه. تبدل الرأي كم من كثيرين كنت تتمنى صفعهم، ثم أصبحت تتمنى

стр. 55

تقبيلهم. القسم الخامس حسن الظن احمل أخطاء الناس معك دائماً محمل الظن إلا أن تتأكد من صدق الإساءة. من الذي لا عيب فيه ؟ لو أنك لا تصادق إلا إنساناً لا عيب فيه لما صادقت نفسك أبداً. الأخ الكامل إذا لم يكن في إخوانك أخ كامل فإنهم في مجموعهم أخ كامل يتمم بعضهم بعضاً. كيف تعامل الناس ؟ لا تعامل الناس على أنهم ملائكة فتعيش مغفلاً, ولا تعاملهم على أنهم شياطين فتعيش شيطاناً، ولكن عاملهم على أن فيهم بعض أخلاق الملائكة وكثيراً من أخلاق الشياطين. الجزاء على المعروف الجزاء الكامل عن المعروف لا يكون إلا من الله تعالى. لا ترَ نفسك لا تكن ممن يرى نفسه دائماً، فيكرهك الناس ويستثقلك إخوانك.

стр. 56

التواضع التواضع يرفع رأس الرجل، والتكبر يخفضه. لا تتحدث عن نفسك تحدثك عن نفسك دائماً دليل على أنك لست واثقاً من نفسك. حسن الخلق في البيت كثير من الناس يكونون داخل بيوتهم من أفظِّ الناس وأغلظهم، وهم خارجها من ألطف الناس وآنسهم. لا تندم على حسن الخلق لا تندم على حسن الخلق ولو أساء إليك الناس، فلأن تحسن ويسيئون خير من أن تسيء ويسيئون. العلم والمال من ضاق ماله كثر همه، ومن اتسع علمه قلّ همه، ولأن تقلل همومك بكثرة العلم خير من أن تقللها بسعة المال، فقلَّ أن يسلم غني من المهالك، وقلَّ أن يقع عالم فيها، وقلَّ أن رأيت إنساناً اجتمع له العلم الغزير والمال الكثير مع سلامة من المهالك وبسطة في عمل الخير، ولكن قرأت عن مثل هؤلاء في التاريخ. أنفع ثروة لأولادك أنفع ثروة تخلفها لأولادك: أن تحسن تربيتهم وتعليمهم،

стр. 57

وأبقى أثر منك ينتفعون به بعد موتك: علمك وخدمتك للناس. كيف تسلم أعصابك من التلف ؟ عامل القدر بالرضى، وعامل الناس بالحذر، وعامل أهلك باللين، وعامل إخوانك بالتسامح، وعامل الدهر بانتظار تقلباته، تسلم أعصابك من التلف والانهيار. بين القرآن والإنجيل حكمة الإنجيل: "من أمسك بطرف ثوبك فاترك له ثوبك كله" أسلم للفرد، وحكمة القرآن: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى﴾ أسلم للجماعة. الإنجيل "يحتم" تسامح الإنسان في حقه، وهذا أقرب إلى المثل الأعلى، والقرآن "يرغب" في ذلك، وهذا أقرب لطبيعة الإنسان. عيش العاقل وعيش الأحمق العاقل من يأخذ بحظه من سعة العيش ويحسب لتقلبات الأيام حساباً، والأحمق من يتوسع في عيشه آمناً من غدرات الزمان. الحكيم والأحمق الحكيم من يعيش يومه وغده، والجاهل من يعيش فحسب.

стр. 58

احترام العالم من احترم العالم لعلمه فقد أنصفه، ومن احترمه لعلمه وخلقه فقد أكرمه. انسَ الإساءة ! من تذكر إساءة إخوانه إليه لم تصفُ له مودتهم، ومن تذكر إساءة الناس إليه لم يطب له العيش معهم، فانسَ ما استطعت النسيان. بر الوالدين مَنْ برَّ والديه فقد حكم لهما بالإحسان في ولادتهما له، ومن عقَّهما فقد حكم عليهما. أب .. وابن .. ربَّ ولد خلَّد أباه، وربَّ أب قتل ولده. لا تصاحب لا تصاحب المسرف فيتلف لك مالك، ولا تصاحب البخيل فيتلف لك مروءتك. مع جارك اكتم على جارك ثلاثاً: عورته، وثروته، وكبوته، وانشر عن جارك ثلاثاً: كرمه، وصيانته، ومودته.

стр. 59

ما يكشف عن أخلاق الرجال أربعة أشياء تكشف عن أخلاق الرجال: السفر، والسجن، والمرض، والمخاصمة. لا تمتدح .. حتى .. لا تمتدح إنساناً بالورع حتى تبتليه بالدرهم والدينار، ولا بالكرم حتى ترى مشاركته في النكبات، ولا بالعلم حتى ترى كيف يحل مشكلات المسائل، ولا بحسن الخلق حتى تعاشره، ولا بالحلم حتى تغضبه، ولا بالعقل حتى تجربه. معالجة الأمور رب متكلم يبدو لك أنه من أحكم الحكماء، فإذا عالج الأمور كان من أسخف السخفاء. دليل المودة لا تثق بمودة إنسان حتى ترى موقفه منك أيام العسرة. صنوف الإخوان الإخوان ثلاثة: أخ يفتح لك قلبه وجيبه فشدَّ يدك عليه، وأخ يفتح لك قلبه فاستفد منه، وأخ يغلق عنك قلبه وجيبه فلا ترحل إليه. إذا اجتمعت .. إذا اجتمعت إلى حكيم فأنصت إليه، وإذا اجتمعت إلى

стр. 60

عاقل فتحدث معه، وإذا اجتمعت إلى سخيف ثرثار فقم عنه وإلا قتلك!. الصمت والكلام إذا اشتهيت الصمت فتكلم، وإذا اشتهيت الكلام فاصمت، فإن شهوة الصمت وقار مفضوح، وشهوة الكلام خفة مزرية. شهوة اللذة إذا اشتهت نفسك لذة مباحة، فإن كنت تعلم أنك إن منعتها شغبت عليك وحزنت فاسترضها، وإلا فخير لك أن تعوِّدها الفطام. عباد الله ... إن لله عباداً قطعوا عوائق الشهوات، وأسرجوا مراكب الجدِّ بصدق العزمات، وامتطوا جياد الأمل، واتَّجهوا إلى الله ، وتزودوا إليه بصالح العمل مع إخلاص النية، وتوسلوا إليه بصفاء القلب وصدق الطوية، فمروا بالخضرة الفاتنة مسبحين، وبالحطب اللاهب مستعيذين، ولم يعبأوا بالعقبات، ولم يلتفتوا إلى المغريات، قد صانوا وجوههم عن الابتذال، وطهروا أقدامهم من الأوحال، استعانوا بالله على مشقة الطريق فذلل لهم صعابه، وعلى بعد المدى فلملم لهم رحابه، فلما اجتازوا الصعاب سألوا الله ففتح لهم بابه، فلما دخلوه

стр. 61

استضافوه فقربهم ورفع دونهم حجابه، فلما استطابوا المقام بعد طول السرى قالوا: ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين﴾ أولئك أحباء الله، صدقوه العهد فصدقهم الوعد، ومحضوه الحب فمنحهم القرب، أما ملائكة الله فتراهم: ﴿حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾. صفة أخ لي أخ صادق في حبه، مخلص في قربه، سريع في نجدته، غيور في مشهده وغيبته، سخي أكثر مما عرف عن بيئته، بصير بمواطن النفع والضر لمصلحته، غير أنه يشتد في الخصام، ويسرف في الأوهام، ويبالغ في الأرقام. التجارب .. التجارب تنمي المواهب، وتمحو المعايب، وتزيد البصير بصراً، والحليم حلماً، وتجعل العاقل حكيماً، والحكيم فيلسوفاً، وقد تشجع الجبان، وتسخي البخيل، وقد تقسي قلب الرحيم، وتلين قلب القاسي، ومن زادته عمى على عماه، وسوءاًَ على سوئه فهو من الحمقى المختومين. القسم السادس - شيطان يتظلم ! تعرض شيطان اسمه (أخصَرَ عَشء) يوماً لمتصوف جاهل

стр. 62

يتعاطى الوعظ فقال له: لماذا لا تتعلم الدين، فتنشر سيرة العلماء، وتنشر في الناس الحلال والحرام، وتفتيهم في شؤون دينهم عن هدى وبصيرة؟ قال المتصوف: اغرب عليك لعنة الله! أتظن أني أخدع بك! لو كان من طبيعتك النصح لما كنت شيطاناً، إنما تريد بدعوتي للعلم أن أنصرف عن ذكر الله! لا أفعل! قال الشيطان: فهل لك في كلمة حق عند سلطان جائر فيكون لك أجر المجاهدين؟ قال المتصوف: اخسأ عليك غضب الله! أتريد أن تعرِّضني لعدواتهم فأسجن وأحارب فيحرم الناس من وعظي وإرشادي؟. قال الشيطان: إمَّا لا هذه ولا تلك، فلماذا لا تجمع المال لتحفظ به كرامتك، وتدَّخره لفقير محتاج، أو مريد منقطع، أو جامع يبنى، أو خير تسهم فيه؟ قال المتصوف متلمِّظاً: أما هذه فنعم، قاتلك الله! فأين أجد المال؟. قال الشيطان: ما رأيت والله أحمق منك! ألا ترى إلى مريديك، تحفظ لهم آخرتهم أفلا يحفظون لك دنياك؟ وتعمر لهم قلوبهم أفلا يعمرون لك جيبك؟ وتحيي لهم أرواحهم أفلا يحيون لك بيتك؟

стр. 63

ومدّ المتصوف الجاهل يده إلى جيوب مريديه فأفرغها في جيبه، وكانت من الكثرة بحيث تفيض عن حاجة يومه وغده وكان من الكذب في دينه بحيث لا يفكر في إنفاقها في سبيل الله، فحار ماذا يصنع بها، فاستشار الشيطان فقال له: إنك إن أبقيت المال في خزانتك لم تأمن عليه من لص ينتهبه، أو جائحة تذهب به، أو ولد صالح يلطشه (كلمة عامية شامية تعني أخذ الشيء بوقاحة) فأين أنت من شراء الأراضي والمزارع؟ فقال المتصوف: قاتلك الله لقد نصحتني. واقتنى الضياع واحدة بعد الأخرى. ولكن أمره انكشف بين الناس، وماله المجموع من السحت والنصب (كلمة عامية شامية تعني الاحتيال في أخذ المال) والتسول ما زال يتزايد يوماً بعد يوم، فلجأ إلى صديقه الشيطان يستشيره، فقال له: وأين أنت من شراء السيارات، وبناء الدور، وعمارة القصور؟ قال المتصوف: ولكني أخشى أن أفتضح أيضاً. قال الشيطان: لا أصلحك الله! أتعجز عن تسجيلها باسم زوجتك وأولادك وهم كثيرون؟. وفعل المتصوف ذلك، غير أن المال ما زال يتدفق على جيب الشيخ الجاهل الواعظ، وأخذ يفتش عن أستاذه الشيطان

стр. 64

ليستشيره فيما يفعل. ولكن أستاذه كان قد غاظه من تلميذه مزاحمته له في مهنة الخداع ووسوسة الشر، فقرر الدعوة إلى مؤتمر غير عادي للشياطين ليرفع إليهم أمر هذا التلميذ المزاحم. وانعقد المؤتمر برئاسة إبليس، ووقف الشيطان يشرح قصته ويقول: لقد كان المدعى عليه إنساناً جاهلاً فمسخته ببراعتي وكيدي إلى شيطان ذكي، وكنت أنتظر منه أن يعرف لي فضلي فلا يزاحمني في (منطقتي) ولكنه أخذ يزاحمني مزاحمة خشيت منها على زبائني من التحول جميعهم إليه، فقد أخذ يسلك لإغوائهم من الطرق ما لا أعرف، فاجتذب من الربائن ما لم أكن أطمع في تعاملهم معي. لقد كنت أغوي الناس بالخمرة والمرأة واللذة والقمار والثروة وغير ذلك، فلم يستمع إليَّ من بغِّضت إليه هذه اللذائذ كلها، أما هذا التلميذ العاق فقد أخذ يخدع الناس باسم الدين والزهد والفضيلة حتى أغواهم وأوقعهم في الجهل والخرافة ومحاربة الدين وعلمائه .. وأنتم تعلمون يا حضرات الزملاء أن ميزة زبائننا، الغفلة مع شيء من الذكاء! .. فما يكاد الواحد منهم يتعامل معنا قليلاً حتى يهديه ذكاؤه إلى خبثنا وسوء طريقتنا فيتركنا .. أما هذا التلميذ المخادع فقد استطاع أن يخبل عقول زبائنه بالترَّهات والخرافات ليتمكن بذلك من استثمارهم

стр. 65

فترة أطول مما نستثمر بها زبائننا. فأنا أسألكم باسم حرمة المهنة, وبحق غضب الله علينا أن تفصلوا في أمره بما توحي به ضمائركم النجسة!. ونهض الشيطان التلميذ ليدافع عن نفسه فقال: يا حضرات الزملاء الملعونين! .. إني وغضب الله عليَّ وعليكم ما خنت هذه المهنة بعد أن شرّفني رئيسنا إبليس بالدخول إلى (حظيرة دنسه) وما تنكرت يوماً لفضل أستاذي (أخْصَرَ عَشْ) عليَّ، ولكني وجدته بعد التجربة قليل الحيلة ضعيف الذكاء، وتعلمون أن أحدنا كلما كان أبرع في اقتناص الفريسة والفرصة كان أقرب إلى نفس رئيسنا إبليس أخزانا الله وإياه، ولقد استطعت بوسائل الخداع التي أُلْهِمْتُهَا من (حظيرة الدنس) أن أجتذب من الزبائن في محيط أستاذي في سنوات، ما لم يستطع أن يجتذبه في مئات السنين. إننا حضرات الزملاء الملعونين .. في عصر استيقظت فيه روح الدين والهداية في نفوس الناس، فيجب أن نطوِّر وسائل الضلال والغواية بما يتفق مع هذا التطوُّر الخطير، وإذا ظللنا على أساليبنا القديمة فسيخسر رئيسنا إبليس أخزانا الله وإياه عرشه ومملكته. ولا يخفى عليكم أن وسيلتي التي أتَّبعها نفرت كثيراً من الدين بما ألصقته به من خرافات وأباطيل، وما اتبعته مع الناس

стр. 66

من كذب واحتيال وتدجيل، وكان من نتيجة ذلك أن تشكّك كثير من الناس بحقائق الدين الصافية ودعاته الصادقين وعلمائه المخلصين، مما جعلهم مهيّئين ليكونوا من فرائس أستاذي وزبائنه. كما أن هؤلاء جعلوا يصبّون اللعنات عليّ بدلاً من أستاذي كما كان الأمر من قبل. ومن هنا ترون يا حضرات الزملاء الملعونين .. أنني أستحق شكر أستاذي لو كان مخلصاً لمهنته، لكن أنانيته وطمعه واستئثاره جعلته يستعديكم عليَّ، وأخشى أن يكون أستاذي قد أصابته عدوى الهداية فقلَّت فيه روح الشيطنة وخبثها .. فلم يعد يصلح للمهنة، أما أنا فأظل أخاكم المخلص وزميلكم النجيب!. وهنا تداول المؤتمرون القضية من جميع نواحيها، ثم أعلن إبليس قرار المؤتمر التالي: لما كان الثابت من وقائع الدعوى وباعتراف المدعي (أخصر عش) بأن المدّعى عليه قد أصبح بارعاً في مهنة الشيطنة خبيراً بأساليب الضلالة والإغواء. ولما كان الثابت من وقائع الدعوى وباعتراف المدعي أيضاً أن زبائننا قد تضاعفوا بفضل المدعى عليه أضعافاً مضاعفة عما كانوا عليه في عهد المدعي.

стр. 67

ولما كانت المادة الأولى من دستورنا وهي التي تقول: "كل من استطاع الإغواء والإضلال يعتبر شيطاناً" تنطبق على المدعى عليه تماماً. ولما كانت المادة الخامسة من هذا الدستور قد نصَّت على الشروط المطلوبة من التلميذ لمنحه لقب "أستاذ". ولما كانت روح الشر المتأصلة فينا تقتضينا أن نعمل جاهدين لنشر الضلالة والفساد بين بني الإنسان وأن نفرح لذلك ونشجع عليه. ولما كان من الثابت أن المدَّعى عليه قد استطاع بفضل وسائله المبتكرة المتطورة أن يزيد في عدد ضحايانا وأن ينشر نفوذنا انتشاراً واسعاً. لهذا كله قرر المؤتمر منح لقب "أستاذ" للمدعى عليه، وتكريس أستاذيَّته في محفل الشيطان الأعظم، ونقش اسمه في عداد شياطين الإنس الخالدين .. حكماً وجاهياً قابلاً للاستئناف .. رئيس المؤتمر: إبليس القسم السابع زيارة زر السجن مرة في العمر لتعرف فضل الله عليك في

стр. 68

الحرية، وزر المحكمة مرة في العام لتعرف فضل الله عليك في حسن الأخلاق، وزر المستشفى مرة في الشهر لتعرف فضل الله عليك في الصحة والمرض، وزر الحديقة مرة في الأسبوع لتعرف فضل الله عليك في جمال الطبيعة، وزر المكتبة مرة في اليوم لتعرف فضل الله عليك في العقل، وزر ربَّك كل آن لتعرف فضله عليك في نعم الحياة. العاقل والحكيم والفيلسوف العاقل من لم تطْغُ عاطفته على تفكيره، والحكيم من حفظ دروس الحياة، والفيلسوف من يحاول معرفة المجهول من المعلوم. الجمال جمال النفس يسعد صاحبها ومن حولها، وجمال الصورة يشقي صاحبها ومن حولها. درس من الطبيعة ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه الطبيعة علينا وأنا أنظر إليها من نافذة غرفتي، ها هي النسمات تميل الأشجار الخضراء باتجاه واحد حتى تكاد تتعانق، ثم تعود لتتلاقى مرة أخرى، كذلك الإنسان النابض بالحياة يتجاوب مع المجتمع النابض بالحياة.

стр. 69

توسط في كل شيء عش مع أهلك وسطاً بين الشدَّة واللين، وعش مع الناس وسطاً بين العزلة والانقباض، وعش مع إخوانك وسطاً بين الجد والهزل، وعش مع تلاميذك وسطاً بين الوقار والانبساط، وعش مع أولادك وسطاً بين القسوة والرحمة، وعش مع الحاكمين الصالحين وسطاً بين التردد والانقطاع، وعش مع بطنك وسطاً بين الشبع والجوع، وعش مع جسمك وسطاً بين التعب والراحة، وعش مع نفسك وسطاً بين المنع والعطاء، وعش مع ربك وسطاً بين الخوف والرجاء، تكن من السعداء. لا تشته لا تشته الزهد كيلا تبتلى بالرياء, ولا تشته الجاه كيلا تبتلى بالكبرياء، ولا تشته المرض كيلا تبتلى بالتبرُّم بالقضاء، ولا تشته الصحة كيلا تبتلى بالعدوان على الضعفاء، ولا تشته الفقر كيلا تبتلى بحسد الأغنياء، ولا تشته الغنى كيلا تبتلى بظلم الفقراء، ولكن سل الله دائماً ما هو خير لك عنده وأبقى، فإذا أقامك على حالة فقل: آمنت بالله ثم استقم. فضل المرض بالمرض تعرف نعمة الصحة، وبالصحة تنسى آفة المرض.

стр. 70

اعتنِ بصحتك لا تهمل العناية بصحتك مهما كانت وجهتك في الحياة، فإن كنت عاملاً أمدتك بالقوة، وإن كنت طالباً أعانتك على الدراسة، وإن كنت عالماً ساعدتك على نشر المعرفة، وإن كنت داعية دفعت عنك خطر الانقطاع، وإن كنت عابداً حبَّبت إليك السهر في نجوى الحبيب .. نفسك مطيتك فارفق بها. الصحة والهرم من عني بصحته في شبابه لم يدركه الهرم ولو عاش مائة عام. الصحة والواجب لا تلهينَّك العناية بصحتك عن أداء رسالتك. قليل من الوقت تعنى به في صحتك يوفر عليك كثيراً من الوقت في أداء رسالتك. الاعتدال أساس الصحة كن معتدلاً في أكلك ومعيشتك، وفرحك وحزنك، وعملك وراحتك، ومنعك وعطائك، وحبك وبغضك، لا تعرف المرض أبداً: ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً﴾.

стр. 71

الراحة والخلوة لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأنفقت نصف أوقاتي في الراحة والخلوة، (قليل دائم خير من كثير منقطع). نصيحة الطبيب لا تستهن بنصيحة طبيبك اعتماداً على صحتك، فقد يأتي يوم تفقد فيه صحتك ولا تجديك مشورة طبيبك. عاجل بالعلاج لا تؤجل تناول العلاج إلى انتهائك من العمل، فقد تنقطع عن العمل وتفوت فرصة العلاج. النفقة على الصحة أيها البخيل! نفقة الاعتناء بصحتك أقل من نفقة العلاج من مرضك. التفكير في الصحة تفكير الصحيح أصح من تفكير المريض إلا أن يكون للمريض أنس بربِّه. عزاء للمريض إذا ضقت ذرعاً بمرضك، فاذكر أن هنالك مرضى يتمنَّون ما أنت فيه لعظم ما أصابهم من الأمراض، وبذلك تهدأ

стр. 72

نفسك وترضى عن ربك. اللذة والمرض من لم يمتنع باختياره عما يضرّه من لذة، فسيضطر إلى ما يكره من دواء. الفقر مع الصحة حصيرة بالية تنام عليها وأنت صحيح، خير من سرير ذهبي تلقى عليه وأنت مريض. مفاخرة بين الصحة والمرض تفاخرت الصحة والمرض يوماً: فقالت الصحة: بي ينشط الناس للعمل. وقال المرض: وبي يقصر الناس طول الأمل. قالت الصحة: بي يجتهد العابدون في العبادة. قال المرض: وبي يخلصون في النية. قالت الصحة: ومن أجلي تشاد معاهد الطب. قال المرض: وبي تتقدم بحوث الطب. قالت الصحة: كل الناس يحبونني. قال المرض: لولاي لما أحبوك هذا الحب. ليل ونهار ليلك نهار غيرك، وليل غيرك نهارك!.

стр. 73

بين السمع والاختبار بعض الناس تسمعهم فتتمنى صحبتهم ولو في النار، فإذا خبرتهم كرهت صحبتهم ولو في الجنة. اغتنم ساعة نشاطك للنفس ساعات تنشط فيها للخير، وساعات تحرن فيها، فإذا نشطت فأكثر، وإذا حرنت فأقصر، فإنك إن أكرهتها على الخير وهي لا تريده كانت كالدابة التي تركبها مرغمة، لا تأمن أن تلقي بك وأنت حُطَمَة!. مصاحبة الأحمق لا تصاحب الأحمق بحال، فإنك لا تستطيع التحامق معه، وهو لا يستطيع التعاقل معك، والأول شرٌّ لك، والثاني خارج عن طبيعته. · مصاحبة الأحمق كمصاحبة الأفعى، لا تدري متى يؤذيك!. الغلاظة في الدين بعض دعاة الدين يذكرون قوله تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ وهم لا يفهمون معناها، وينسون قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وهي واضحة المعنى.

стр. 74

كثرة الكلام من ابتلي بكثرة الكلام أصيب بالعيِّ في موطن يحسن الكلام فيه. ثلاثيات ! احذر ثلاثاً في ثلاث عند ثلاث: الزهو بعلمك عند المناقشة، والفخر بعملك عند الذين يعرفونك، والتقصير في الخير عند سنوح فرصته. طبيعة المرأة المرأة طفل كبير يريد منك أن تعامله معاملة الكبار. غرور المرأة المرأة غزال يظن أن قرونه تغني عنه غناء أنياب الأسد. خداع الشيطان باسم الطاعة إني لا أخشى على نفسي أن يغريني الشيطان بالمعصية مكاشفة، ولكني أخشى أن يأتيني بها ملفعة بثوب من الطاعة. · يغريك الشيطان بالمرأة عن طريق الرحمة بها، ويغريك بالدنيا عن طريق الحيطة من تقلباتها، ويغريك بمصاحبة الأشرار عن طريق الأمل في هدايتهم، ويغريك بالنفاق للظالمين عن طريق الرغبة في توجيههم، ويغريك بالتشهير بخصومك عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويغريك بتصديع

стр. 75

وحدة الجماعة عن طريق الجهر بالحق، ويغريك بترك إصلاح الناس عن طريق الاشتغال بإصلاح نفسك، ويغريك بترك العمل عن طريق القضاء والقدر، ويغريك بترك العلم عن طريق الانشغال بالعبادة، ويغريك بترك الجهاد عن طريق حاجة الناس إليك، ويغريك بترك السنَّة عن طريق اتباع الصالحين، ويغريك بالاستبداد عن طريق المسؤولية أمام الله والتاريخ، ويغريك بالظلم عن طريق الرحمة بالمظلومين. إساءة الحمقى إلى الدين بعض الغيورين على الدين يسيئون إليه بحمقهم وغرورهم أكثر مما يسيء إليه أعداؤه بخبثهم ومكرهم. لا تدع للشيطان فرصة لا تعط الشيطان فرصة التردد عليك، بل احزم أمرك معه، وأفهمه أنك لا تحب الخائنين. إذا خوفك الشيطان إذا خوفك الشيطان من الفقر، فردَّه بالرزق المكتوب ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ وإذا خوفك من الموت والقتل، فرده بالأجل المكتوب ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾.
следующие страницы →