باب، حتى استولى الكفار الفرنج على البلاد فهم نقبوا نقبًا ودخلوا فيه وصار ذلك مثل الباب، ثم لما فتح المسلمون البلاد لم يسد ذلك النقب. فالسنة أن يسد ولا يدخل أحد إلى هناك لا لصلاة ولا غيرها، كما كان عليه الأمر على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، فمتى أقر الصحابة والتابعون أحدًا على شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، القبور أو غيرها؟! وبصرة لما رأى أبا هريرة قادمًا من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال: لو أدركتك قبل أن تذهب إليه لم تذهب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) ووافقه أبو هريرة على ذلك، هكذا رواه أهل السنن والموطأ.
وفي الصحيحين أن أبا هريرة روى هذا الحديث، فإما أن يكون أبو هريرة قد نسي الحديث، أو يقال لم يكن سمعه وهو ضعيف، أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب دون قصة بصرة بن أبي بصرة.
نعم الذي أقر عليه الصحابة والتابعون (*) وأئمة المسلمين هو السفر إلى مسجد النبي ﷺ ، وهذا مستحب مشروع بالنص والإجماع، والإنسان إذا أتى مسجده فصلى في مسجده ما يشرع له من الصلاة، والصلاة على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه، وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، فهذا كله مشروع مستحب في مسجده، هذا هو المقصود من الزيارة الشرعية.
والسفر إلى مسجده للصلاة فيه وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع، ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب / ينهى عن السفر إلى مسجد رسول الله ﷺ
стр. 352
وزيارته الزيارة الشرعية وأنه حكى في ذلك قولين، وبهذا يشنع بعض الناس ممن له غرض فاسد أو جهل بما يقال أو جمع الأمرين، وهذا باطل.
وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بين أن السفر إلى مسجده وزيارته الزيارة الشرعية مستحب باتفاق المسلمين، لم ينه عنه أحد. وهذا الذي اتفق عليه المسلمون، وإن تنازعوا في بعض تفاصيل الزيارة الشرعية، فثم أمور يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم قد ذكرت في مواضع.
فمواضع النزاع لا يصح فيها دعوى الإجماع، ومحل النزاع لم يذكر في الجواب فيه نزاع. فإن كان هذا المعترض ظن أنه حكى الإجماع على تحريم السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية فهذا خطأ منه ليس في الجواب شيء من هذا، بل فيه تقرير السفر إلى مسجده والزيارة الشرعية، فإنه جعل عمدة المتنازعين قوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)، وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد - أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة، ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا
стр. 353
يجب عنده الوفاء بالنذر إلا فيما كان من جنسه واجبًا بالشرع، وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة فلم يوجبه أحد من العلماء، هكذا في الجواب.
والشافعي ﵀ في القول الذي لا يوجب / فيه السفر إلى المسجدين يستحبه. بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة فإنه لا يوجبه ولا يستحبه، وهذا معروف من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه مثل تعليقة الشيخ أبي حامد وغيرها، وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى.
فهذا في نفس الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء كما دل عليه الحديث الصحيح الذي اتفقوا على صحته، ولكن تنازعوا في وجوب ذلك بالنذر، مع أن الذين قالوا لا يجب السفر إلى المسجدين قالوا: إنه يستحب، بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم، بل صرح بالتحريم من صرح منهم كمالك وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد، قال الشافعي في مختصر المزني: (ولو قال لله علي أن أمشي، لم يكن عليه شيء حتى يكون برًّا، فإن لم يكن برًّا فلا شيء عليه، لأنه ليس في المشي إلى غير مواضع التبرر بر وذلك مثل المسجد الحرام قال وأحب لو نذر إلى مسجد
стр. 354
المدينة أو إلى بيت المقدس أن يمشي).
قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني: إذا نذر مشيًا فلا يخلو إما أن يعين الموضع الذي يمشي إليه أو لا يعين، فإن لم يعين الموضع فإن هذا النذر لا ينعقد. لأن المشي في نفسه ليس بقربة، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة كالحج والعمرة والجهاد. وإن عين الموضع الذي يمشي إليه فلا يخلو إما أن يقول: لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى مسجد الرسول ﷺ ، أو إلى المسجد الأقصى، أو إلى أحد المساجد -قال الشافعي: كمسجد مصر أو إفريقية- فإذا نذر المشي إلى بيت لله الحرام انعقد نذره، وإن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى فالذي في الأم أنه لا يلزمه لأنه قال: وأحب لو نذر المشي إلى مسجد المدينة؛ وقال / في البويطي: يلزمه المشي إليه وهو قول مالك، وعلل أبو حامد القولين وقال في توجيه منع اللزوم: فيحمل على أنه أراد لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبًا، ويحتمل لا تشد مستحبًّا لكنه وجوبًا أو استحبابًا، فتبين أنه لا يستحب السفر إلى غير المواضع الثلاثة.
قال: وأما إذا نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد سوى الثلاثة -مثل مسجد مصر وإفريقية- فإن هذا لا يلزمه، وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين لزمه الصلاة ولا يتعين الموضع، وله أن يصلي في أي مسجد شاء، لأن المشي في نفسه ليس بقربة. وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة، ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة مزية بعضها على بعض في القربة فلم يتعين المشي إليه أو الصلاة فيه
стр. 355
بالنذر. فإذا كان هذا في الفتيا فكيف يجوز أن يظن أن فيها النهي عمّا فعله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين من السفر إلى مسجده، وقد صرح فيها بأن ذلك طاعة مشروعة بالنص والإجماع وأما زيارته ففي نفس الجواب.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي ﷺ ، ولو كان هذا اللفظ مشروعًا عندهم أو معروفًا أو مأثورًا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة.
والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك -أي عن زيارة قبر النبي ﷺ لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇، وعلى هذا اعتمد أبو داود / في سننه، وكذلك مالك في الموطأ، روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت) ثم ينصرف.
فهذا قد ذكر في الجواب أن الأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة لم تعتمد الأئمة على شيء منها، بل مالك كره أن يقال زرت قبر النبي ﷺ ، ولكن أحمد وغيره كأبي داود وعبد الملك بن حبيب اعتمدوا في زيارة قبره على قوله ﷺ :
стр. 356
(ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇، ومالك وأحمد وغيرهما احتجوا بحديث ابن عمر أنه كان يسلم على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكان عند الأئمة كمالك وأحمد من المأثور في ذلك السلام عليه، وهذا هو الذي يسمى زيارة قبره، فأحمد وأبو داود وغيرهما يسمون السلام عليه زيارة لقبره ﷺ ، وكذلك ترجم أبو داود عليه: باب ما جاء في زيارة قبر النبي ﷺ . وأما مالك فإنه يستحب هذا السلام ولا يسميه زيارة لقبره، ومالك قد تقدم كلامه، وأنه في مواضع لم يستحب سوى السلام كما جاء عن ابن عمر، وقد ذكر في الجواب.
وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلم عليه فقال أبوحنيفة: يستقبل القبلة أيضًا ولا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء -يعني لنفسه- كما يفعله المستغيثون بالميت ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر في هذه الحال إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها.
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ بيده ولا يقبله فقد ذكر ما ذكره العلماء في زيارته والسلام عليه وأين يسلم عليه وأين يدعو، / وهذا كله إنما يكون في المسجد.
وقد تقدم أن السفر إلى المسجد مستحب مشروع بالنص والإجماع. فهذا
стр. 357
الذي أجمع عليه المسلمون ذكر في الجواب أنه مستحب، فهذا الذي يزعم أن في الجواب ما يقتضي إجماع الصحابة والأئمة على تقرير الحرام قول باطل ظاهر البطلان، بل في الجواب ذكر ما أجمع عليه وما تنازعوا فيه والمجمع عليه من الزيارة والسفر، ذكره وذكر أنه ثابت بالنص والإجماع.
стр. 358
فصل
قال المعترض:
ـ[لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع. وفتاوى أباح فيها ما حرم الله من الأبضاع. وتعرض لتنقيص الأنبياء، وحط من مقادير الصحابة والأولياء. فلقد تجرأ بما ادعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين مجاهدته والقيام عليه، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين، ليكون عبرة للمعتبرين، وليرتدع به أمثاله من المتمردين. والحمد لله رب العالمين.]ـ
آخر كلامه.
والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا ليس كلامًا في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع، ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ودل عليه الكتاب والسنة، وإنما هي دعاوى مجردة على شخص معين. ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه).
الوجه الثاني: أن يقال: ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوى: فاليهود يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 359
وأمته أباحوا ما حرمه الله كالعمل في السبت، ومثل أكل كل ذي ظفر كالإبل والبط والإوز وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك، والنصارى تقول: إنهم تنقصوا المسيح والحواريين، فإن الحواريين عندهم هم رسل الله، وقد يفضلونهم على إبراهيم وموسى، / [ويقولون عن المسيح أنه الله] ويقولون هو ابن الله، ومن قال إنه عبد الله فقد سبّه وتنقصه عندهم، والطائفتان يحرمون التسري، والنصارى يحرمون الطلاق، واليهود إذا تزوجت المطلقة حرمت على المطلق أبدًا، والنصارى قد يحرمون التزوج ببنات العم والعمة والخال والخالة ويحرمون أن يتزوج الرجل أكثر من واحدة. فمحمد ﷺ وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرمه الله من الأبضاع على زعمهم. فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان كما قد يقوله أهل الحق بمجرد دعواه لا يقبل، بل على المدعي أن يبين [أن ما ادعاه] مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس.
الوجه الثالث: إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة، كما يقول الرافضة إن الصحابة خالفوا نص الرسول ﷺ بالخلافة على علي وبدلوه وكتموه، وذلك أعظم من مخالفة الإجماع.
стр. 360
ويقولون: إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات وهو عندهم مما حرمه الله من الأبضاع.
ويقولون: إن الصحابة وجمهور الأمة حطوا من مقادير أولياء الله -علي وأئمة أهل بيته- وهم الخلفاء الراشدون وهم عندهم معصومون، وهم غلاة في عصمتهم، وقالوا: إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال. وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدًا لما يدعونه من عصمة الأئمة أولياء الله، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء، وجمهورهم يقولون: الناس أحوج إليهم منهم إلى الأنبياء، وإنهم قد يستغنون عن النبي ﷺ ولا يستغنون عن الإمام المعصوم، وذلك واجب عندهم في كل زمان. وقالوا: إنه من حين صغره يكون معصومًا، حتى قالوا لأجل ذلك: إن النبي يجب أيضًا أن يكون قبل النبوة معصومًا من الغلط والسهو في كل شيء، وزعم بعضهم أنه لا بد أن يكون النبي والإمام عارفًا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها، ولا بد أيضًا أن يكون عالمًا بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف / ليكون مستغنيًا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا، وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط، ولأن رجوعه إليهم يقتضي نقصه عندهم وحاجته. وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرض لتنقيص الأنبياء وحط من مقادير الأئمة والأولياء. وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرأ بما ادعاه وقاله على تنقيص الأنبياء
стр. 361
لا محالة، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته، نصرة للأنبياء والمرسلين ولأولياء الله أئمة الدين. وبهذا ونحوه استحل أهل البدع تكفير جمهور المسلمين وقتالهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبي عيالهم، واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين الترك والتتار حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان والجزيرة والشام وغير ذلك، وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين. وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال، بل أهل الردة والنفاق، كما يقوله الكفار في أهل الإيمان، وقد يقوله المحق فيمن يستحقه. وأكثر من عرف أنه يقوله في أهل العلم هم أهل البدع والنفاق والكفار. ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه، إذ هو من أهل البدع الجهال، ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال.
стр. 362
الوجه الرابع: أن يقال: علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون في بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرمه هذا، كما يبيح كثير منهم نكاح أم المزني بها وابنتها، ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة، وهو قول الشافعي وغيره.
وآخرون يحرمون ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
وتنازعوا في الخلية والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة، فقوم يقولون هي واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره، وهو قول الشافعي وغيره.
стр. 363
وقوم يقولون هي ثلاثة كما نقل عن علي وهو مذهب مالك وغيره.
وقوم يقولون واحدة بائنة كما نقل عن ابن مسعود وهو مذهب أحمد، وأحمد كان يتوقف في ذلك وترجح عنده الثلاثة ويكره أن يفتي به. وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده ولو نوى بائنة لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي، وروي عنه أنها تكون بائنة كقول أبي حنيفة. وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاووس وعكرمة وغيرهم وقالوا: الخلع ليس بطلاق، واستدلوا بالكتاب والسنة، وهو أحد قولي الشافعي / وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الحديث، وقيل: بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان وغيره من الصحابة، لكن ضعف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ابن عباس، وهو قول كثير من التابعين. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في القول الآخر. وتنازعوا فيما سوى ذلك، وهم كلهم مجتهدون مصيبون بمعنى أنهم مطيعون لله، وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران، والآخر له أجر وخطؤه مغفور له، لا يطلق القول على أحدهم إنه أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله بمعنى الاستحلال والتعمد. وإذا أريد أن ذلك وقع على وجه التأويل فعامة العلماء
стр. 364
وقعوا في مثل هذا والله يأجرهم ولا يؤاخذهم على خطئهم.
الوجه الخامس: أن يقال: قول القائل فيما يتكلم فيه العلماء بالأدلة الشرعية مثل ما إذا قيل: إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم ولا السجود لقبورهم ولا الحج إليها ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك، أو قيل: إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة كما قاله مالك وأكثر العلماء، أو قيل: إنه يكره الصلاة عليه عند الذبح، أو لا يستحب كما هو قول مالك وأحمد، وقيل: يستحب وهو قول الشافعي. فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل: إن هذا تنقيص للأنبياء، فإن أراد بذلك أن قائل هذا القول قصد التنقيص لهم والعيب لهم والطعن عليهم والشتم فقد كذب وافترى كذبًا ظاهرًا، وإن قال: إنه نقصهم عما يستحقونه عند الله فهذا محل النزاع، فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ فيما يستحقونه، ولم يقل ما ينقص درجتهم التي يستحقونها، وإن قدر أنه أخطأ في اجتهاده فلا إثم عليه في ذلك، فكيف إذا كان هو المصيب للصواب، المتبع [للكتاب والسنة] ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب؟
الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما
стр. 365
قال أصحابه في مثل هذه المسألة التي قد أفتى فيها وصنف فيها، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟
الوجه السابع: أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب / فيها الإجماع، والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعًا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلاً ومن الاستدلال فقهًا وحديثًا ما لم يطلع عليه.
الوجه الثامن: أن المجيب -ولله الحمد- لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء كما قال الإمام أحمد: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام) فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصور أن يكون الإجماع واقعًا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب، ومن علم حجة على من لم يعلم. والمثبت مقدم على النافي.
الوجه التاسع: أن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه
стр. 366
بأقوال العلماء، إنما معناها عدم العلم بالمنازع، ليس معناها الجزم بنفي المنازع، فإن ذلك قول بلا علم.
ولهذا رد الأئمة -كالشافعي وأحمد وغيرهما- على من ادعاها بهذا المعنى، وبسط الشافعي في ذلك القول.
وأحمد كان يقول هذا كثيرًا، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه أن الناس لم يختلفوا؟ ولكن يقول: لا أعلم مخالفًا.
وأبو ثور قال: إن الذي يذكر من الإجماع معناه أنا لا ننعلم منازعًا. ثم ما يعرف من ادعى الإجماع في هذه الأمور إلا وقد وجد في بعض ما نذكره من الإجماعات نزاعًا لم يطلع عليه، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع.
فإذا كان هذا في ادعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدعيه هذا المعترض / من الإجماع؟ وهو من جنس ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع فيها. وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة، فجعل السفر لمجرد زيارة القبور أمرًا مجمعًا عليه! وأن من قال بخلاف ذلك فقد تنقص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة! والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن يتحكمون في الدين بلا علم، فإنهم مجمعون على أن قول رسول الله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
стр. 367
مساجد) متناول لشد الرحال لزيارة القبور، ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم، أو موجبه نفي الفضيلة والاستحباب؟ فمن قال إنه يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة -كزيارة القبور- فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب مع مخالفته للرسول ﷺ ، فهو ممن خالف الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم، لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى وعرف ما قاله الرسول ﷺ والمؤمنون لم يكفر، فإن الله إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فقد توعده بأنه يوليه ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا.
ومن قال إن السفر إلى غير الثلاثة -كزيارة القبور- مستحب، فقد خالف الرسول ﷺ وخالف علماء أمته.
وأما السفر إلى مسجده ﷺ فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه، وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلم فهو محسن في هذه الزيارة، كما كان محسنًا في شد الرحل إلى مسجده، وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضًا كما أجمعوا أنه لا تشد الرحال لمجرد زيارة القبور، فذاك الإجماع على شدها إلى مسجده وزيارته الشرعية حق، وهذا الإجماع على أنه لا يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة حق، وكلا الإجماعين معه نص عن الرسول ﷺ .
والعالم من اتبع هذا وهذا، وليس هو من ترك النص والإجماع من أحد الجانبين وتمسك في الجانب الآخر / بألفاظ مجملة يظن الإجماع على ما فهمه منها، ولم تجمع الأمة على ما فهمه، بل ما فهمه قد يكون مجمعًا على تحريمه [فمن
стр. 368
يفهم من الزيارة الحج إليهم ودعاءهم من دون الله فهذا مجمع على تحريمه]. والله أعلم.
الوجه العاشر: أن النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور إنما يكون تنقصًا بالنبي ﷺ لو كانت زيارة القبور المشروعة هي من باب تعظيم الزائر للمزور والخضوع له، وأنه إنما شرع زيارة قبره لعظم قدره وجاهه عند الله وعلو مرتبته عنده، فإذا قيل إنه لا يزار قبره أو لا يسافر إلى زيارة قبره كان ذلك غضًّا ونقصًا لمنزلته المذكورة وليس الأمر في دين الإسلام كذلك بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله ﷺ -إذنًا فيها، وفعلاً لها، أو ترغيبًا فيها- إنما المقصود بها نفع الزائر للمزور وإحسانه إليه بدعائه له واستغفاره له إن كان مؤمنًا، وإن كان كافرًا فالمقصود بها تذكرة الموت، ليس المقصود بما شرعه الله ورسوله ﷺ من زيارة القبور خضوع الزائر للمزور لعلو جاهه وقدره.
وبهذا يظهر الفرقان بين الزيارة الشرعية المباحة والمستحبة، وبين الزيارة البدعية المكروهة والمنهي عنها. وإذا كان كذلك فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا كانت زيارة قبورهم إنما هي للدعاء لهم كما يصلي على جنائزهم، كزيارة سائر قبور المؤمنين، وليست خضوعًا من الزائر لهم لعلو جاههم وعظم قدرهم، لم يكن
стр. 369
في ترك هذه الزيارة تنقص بهم ولا غض من قدرهم، فترك الإنسان زيارته لكثير من قبور المسلمين لا يكون تنقصًا لهم، ولو كان ترك زيارتهم تنقصًا لكان فعلها واجبًا، وكذلك إذا نهي عن السفر إليها كما نهى عن السفر لزيارة سائر القبور / فلا يخطر ببال أحد أن ذلك تنقص بهم، فأن لا يكون ذلك تنقصًا بالأنبياء أولى وأحرى. وإنما ظن النهي أو الترك تنقصًا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم وعظم قدرهم، كالإيمان بهم وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله. ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم، أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله أو أمروا به فقد تنقصهم، وهو كافر مرتد إن أظهر ذلك، ومنافق زنديق إن أبطنه. وهذا الموضع منشأ الاشتباه على كثير من الناس، فلفظ زيارة القبور في كلام الرسول ﷺ وما فعله هو من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعًا للميت ولا تعظيمًا لجاهه وقدره، بل كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا صلي على جنازته، وإذا كان الذي يصلى على جنازته ويزار قبره أعظم قدرًا كان الدعاء له أعظم، لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه ويزيده من فضله وبين أن يقصد دعاءه وسؤاله والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله. فالزيارة المشروعة من الجنس الأول، من جنس الصلاة على الجنازة، لا من جنس الثاني كرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول ﷺ أن يشفع لهم، وكرغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم، فهذا الطلب منه كان لعلو جاهه وعظم منزلته عند الله، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردهم هذا إلى هذا حتى يردهم
стр. 370
المسيح إليه، وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجهون إلى الله ويتوسلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله، ولما مات استسقوا بالعباس عمه، وقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. رواه البخاري في صحيحه. ومعنى قوله (كنا نتوسل إليك بنبينا) أي بدعائه وشفاعته، ولهذا توسلوا بعد موته بدعاء العباس وشفاعته لما تعذر عليهم التوسل به بعد موته / كما كانوا يتوسلون به في حياته، ولم يرد عمر بقوله (كنا نتوسل إليك بنبينا) أن نسألك بحرمته أو نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيًا شافعًا لنا كما يفعله بعض الناس بعد موته، فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته، إنما كانوا يتوسلون بدعائه. ولو كانوا يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنًا بعد موته كما كان في حياته، ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس. وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر، وإذا تدبره عرف الفرق. ولو كان التوسل به بعد موته ممكنًا كالتوسل به في حياته لما عدلوا عن الرسول ﷺ إلى
стр. 371
العباس.
وكذلك معاوية لما استسقى توسل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي. وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس. فمن فهم مراد الرسول ﷺ بزيارة القبور، وفرق بين الشرعية والبدعية، تبين له الحق من الباطل.
ونبينا ﷺ أمر الله بالصلاة والسلام عليه، وأمر عند سماع الأذان أن تطلب الوسيلة له، فهذا حق له على الأمة، وهو مشروع مأمور به في كل مكان لا يختص به في مكان عند قبره، فلم يبق في زيارة قبره أمر يختص به ذلك المكان بخلاف غيره. وأيضًا فنهى عن اتخاذ بيته عيدًا وقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) وكذلك السلام قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة. وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدًا لئلا يتخذ قبره وثنًا ومسجدًا، بخلاف قبور
стр. 372
سائر المؤمنين فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتخذ وثنًا ومسجدًا إلا إذا اتخذ مسجدًا.
فلهذا نهى عن اتخاذ القبور -قبور الأنبياء والصالحين- مساجد.
فتبين أن الذي يجعل ما أمر الله به ورسوله تنقيصًا إنما هو لجهله وشركه وضلاله، / ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول ﷺ ، وهو المنقص للرسول الطاعن عليه الذام لما جاء به الآمر بما نهى عنه الناهي عما أمر به المبدل لشريعته، وهو أحق بالكفر والقتل، فإنه إن كان المخطئ المخالف للرسول ﷺ في هذه المسألة كافرًا يجب قتله فلا ريب أنه المخالف فيكون كافرًا مباح الدم، وإن كان المخطئ معذورًا لأنه لم يقصد مخالفة الرسول ﷺ وإنما خفيت عليه سنته واشتبه عليه الحق لم يكفر ولم يقتل واحد منهما، لكن المخالف له أقرب إلى الكفر وحل الدم. فأما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما أمر به الناهي عما نهى عنه كافرًا مباح الدم والمخالف له المبدل لدينه الطاعن في شريعته المعادي لسنته المعادي لأوليائه المبلغين لسنته معصوم الدم، فهذا تبديل للدين وقلب لحقائق الإيمان، وهذا فعل أهل الجهل والطغيان، كالنصارى وعباد الأوثان.
الوجه الحادي عشر: أن يقال: الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء
стр. 373
الموتى والاستغاثة بهم والتضرع لهم ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد الثلاثة أو أفضل منه هم مشركون من جنس عباد الأوثان، قد جعلوا القبور أوثانًا، وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فقبره لا يمكن (*) أحدًا أن يصل إليه حتى يتخذه وثنًا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن قد يقصد المسافر إليه أن يتخذه وثنًا كقبر غيره أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك بخلاف قبور غيره فإن فيها ما اتخذ أوثانًا.
وقد ثبت بل استفاض عن النبي ﷺ أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك، فإذا كان من اتخذها مسجدًا يصلى فيه لله تعالى ويدعو الله / ملعونًا فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرع فيها لغير الله ويخضع ويخشع فيها لغير الله أحق باللعنة، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح، ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك، فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرًا بالشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه، آمرًا بما حرم الله ورسوله ولعن فاعله.
والشرك أعظم الذنوب كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: (قلت يا
стр. 374
رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك) وأنزل الله تصديق ذلك ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ الآية [سورة الفرقان: (٦٨)]، وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [سورة النساء: (٤٨)].
ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله، ولأنهم أمروا بتوحيده وعبادته، وبلغوا أمره ونهيه، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء: (٢٥)]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [سورة الزخرف: (٤٥)]. فالغلاة في المخلوقين -كالنصارى ونحوهم من أهل البدع- صاروا بغلوهم مشركين، قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [سورة التوبة: (٣١)]، وقال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله [ولا تقولوا ثلاثة
стр. 375
انتهوا خيرًا لكم]-إلى قوله- فسيحشرهم إليه جميعًا﴾ / [سورة النساء: (١٧١ - ١٧٢)].
ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان: أحدهما الشرك والغلو في المخلوق، والثاني نقص رسول من بعض حقه -كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله، ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرًا من أن يسلط العدو عليه حتى يصلب- فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه كان هذا الخطأ دون خطأ من غلا فيه وأشرك به.
ولو قال قائل: إنه لا يشرع زيارة القبور بحال لا بسفر ولا غير سفر، وقال آخر: بل يشرع السفر إليهم لدعائهم والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع، لكان هذا الشرك أعظم خطأ وضلالاً من ذلك النقص، فالشرك عند الله أعظم إثمًا، وصاحبه أعظم عقوبة وأبعد عن المغفرة من المتنقص لهم عن كمال رتبتهم، فإنه إذا كان كلاهما كافرًا فكفر المشركين أعظم، وكل شرك بالله فهو تكذيب للرسل وتنقص بهم، وليس كل من كذب بعض ما جاءوا (*) به يكون مشركًا كافرًا مثل كثير من أهل الكتاب. فالشرك أعظم الذنوب، وهؤلاء
стр. 376
الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلو وتكذيب الرسول -الذي هو أعظم إثمًا- كما أصاب النصارى، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وكان ما فروا إليه من الشرك والغلو وتكذيب الرسل وتنقصهم أعظم إثمًا وعقابًا مما فروا منه مما ظنوه تنقصًا، ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في الشرك كان ما فروا إليه شرًّا مما فروا منه.
والدين الحق دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسله، كما يدل عليه قولنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
والله سبحانه يجمع بين هذين الأصلين في غير موضع كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشًا [والسماء بناء وأنزل من السماء ماء]) الآية، فبدأ بالتوحيد، ثم قال: ﴿وإن كنتم في ريب / مما نزلنا على عبدنا﴾ الآية [سورة البقرة (٢١ - ٢٣)]، وفي أول (*) آل عمران [(٢ - ٤)] قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ ثم قال: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان﴾ فذكر التوحيد أولاً ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب. وفي سورة القصص [(٦٢ - ٦٥)] قال: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون * قال الذين حق عليهم القول -إلى قوله- ماذا أجبتم المرسلين﴾ فذكر مناداتهم لتحقيق التوحيد أولاً، ثم مناداتهم ماذا أجابوا المرسلين، وذكر تبري المعبودين من العابدين ثم قال: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون -إلى قوله- وما كانوا يفترون﴾ [سورة القصص: (٧٤ - ٧٥)]، فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد،
стр. 377
وهنا اعتراف المعبودين. وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة فقرر التوحيد أولاً ثم النبوة فقال بعد قوله: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم -إلى قوله- فأنى تصرفون﴾ [سورة يونس: (٢٨ - ٣٢)]، وذكر أنه ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا ثم قال: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله -إلى قوله- إن كنتم صادقين﴾ [سورة يونس: (٣٧ - ٣٨)]، فقرر النبوة، ثم تحداهم بالمعارضة ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، وأنه إنما أنزله الله. وكذلك سورة هود افتتحها بقوله: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير -إلى قوله- ثم توبوا إليه﴾ [سورة هود: (١ - ٣)]، وافتتحها بذكر الكتاب فإنه الداعي إلى التوحيد، فإن هذه نزلت بمكة ولم يكونوا مقرين بالتوحيد بخلاف آل عمران فإنها من أواخر ما نزل، نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، والخطاب مع النصارى، وكانوا مقرين بالتوحيد، لكن ابتدعوا شركًا وغلوًّا واتبعوا المتشابه، من جنس الذين يحجون إلى القبور ويتخذونها أوثانًا، ولهذا / لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات -إلى قوله- مسلمون﴾ [سورة هود: (١٣ - ١٤)]، وأظهر عجزهم، وأن القرآن منزل من الله بالإيمان بالكتاب والرسول وبالتوحيد قال: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾، وقوله (بعلمه) أي نزل متضمنًا لعلمه، أخبر فيه بعلمه، كما قال: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه﴾ [سورة النساء: (١٦٦)]، فتبين أن الذي تضمنه هو علم الله لا علم غيره، ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم. ومن قال أنزله وهو يعلمه فقوله ضعيف، فإنه يعلم كل شيء، وليس كلامه في إثبات علمه. ومثل هذا في
стр. 378
القرآن مذكور في مواضع. وقد قال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون﴾ [سورة الحجر: (٩١ - ٩٢)]، قال أبو العالية -وهو من قدماء التابعين -: خلتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: (ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين) وقال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ الآية [سورة البقرة: (١٣٦)]، فجمع في هذه الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه، وبين عبادته وحده لا شريك له.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية، وبآية في سورة آل عمران [(٦٤)] قوله ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية، وهذه الآية هي التي كتبها النبي ﷺ إلى قيصر ملك النصارى في كتابه إليه، وآية البقرة قد قال قبلها: ﴿وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم﴾ الآية [سورة البقرة: (١٣٥)]. وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزله على أنبيائه ثم قال: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾ الآية [سورة البقرة: (١٣٩)]، فأفصح في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله، مع أن الربوبية شاملة، والأعمال مختصة لكل عامل عمله، والإخلاص يتناول الإخلاص / في عبادته والإخلاص في التوكل عليه.
стр. 379
وفي المأثور عن أبي الدرداء -رواها أبو نعيم في الحلية وغيره- أنه كان يقول: ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستلام للرب. وهذان الأصلان -توحيد الرب والإيمان برسوله- لا بد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا يتضمن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين. وقد بسط الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك.
والمقصود هنا أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء، وأمر أن لا نتخذهم أربابًا، ولا نشرك بهم، ولا نغلو فيهم، ولا نعبد إلا الله وحده. قال تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق﴾ الآية [سورة البقرة: (١٣٦)]، فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء، ولهذا كان الإيمان بجميع ما جاءوا (*) به واجبًا، ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر مرتد،
стр. 380
ومن سب نبيًّا كان مرتدًّا مباح الدم باتفاق الأئمة، وإنما تنازعوا في قبول توبته، وقد بين كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض فقال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض -إلى قوله- أولئك هم الكافرون حقًّا﴾ الآية [سورة النساء: (١٥٠ - ١٥١)]، وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ الآية [سورة البقرة: (٢٨٥)]، وقال تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [سورة البقرة: (١٧٧)]، وقال تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [سورة البقرة: (٤ - ٥)].
ودين الأنبياء واحد، وملتهم واحدة وهي / الأمة، وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾ [سورة المائدة: (٤٨)].
وقد افترق اليهود والنصارى: فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾ [سورة البقرة: (٨٧)]، والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله، قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله -إلى قوله- فسيحشرهم إليه جميعًا﴾ الآية [سورة النساء: (١٧١ - ١٧٢)].
فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود، وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز اتخاذهم أربابًا ولا الشرك بهم والغلو
стр. 381
فيهم يخرج عن مشابهة النصارى، فإن اتخاذهم أربابًا كفر، قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران: (٨٠)]. والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان، قال تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ الآية [سورة التوبة: (٣١)]، فمن غلا فيهم واتخذهم أربابًا فهو كافر، ومن كذب شيئًا مما جاءوا (*) به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر، فلا بد من رعاية هذا الأصل [وهذا الأصل].
وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم دون جانب التوحيد لله والنهي عن الشرك، فوقعوا في الغلو والشرك، فبقوا مشابهين للنصارى، وهذا مخالف لدين الإسلام، كما أن من لم يؤمن بهم وبما جاءوا (*) به ومن لم يجعل الطريق إلى الله هو اتباعهم وموالاتهم ومعاداة من خالفهم فهو مخالف لدين الإسلام.
الوجه الثاني عشر: أن يقال: لا ريب أن الجهاد، والقيام على من خالف الرسل، والقصد بسيف الشرع إليهم، وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء والمرسلين، / وليكون عبرة للمعتبرين، ليرتدع بذلك أمثالهم من المتمردين، من أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرب بها إليه. وذلك قد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يتعين على من علم أن غيره لا يقوم به. والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي جهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان
стр. 382
وهم يظنون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن. كجهاد أهل البدع والأهواء كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين [من المهاجرين والأنصار] والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، كما جاهدوا عليًّا ومن معه وهم لمعاوية ومن معه أشد جهادًا، ولهذا قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) فقتلهم علي ومن معه إذ كانوا أولى بالحق من معاوية ومن معه، وهم كانوا يدعون أنهم يجاهدون في سبيل الله لأعداء الله.
وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكفار من أهل الكتاب والمشركين والتتر وغيرهم هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله، بل وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون.
وإنما المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: (قيل: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وقد قال
стр. 383
تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [سورة الأنفال: (٣٩)]، والجهاد باللسان هو مما جاهد به الرسول، كما قال تعالى في السورة المكية: / ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا * فلا تطع الكافرين﴾ الآية [سورة الفرقان: (٥٠ - ٥١)]. وإذا كان كذلك فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورًا مكتومًا أو باطلاً معدومًا، كما قال في المنافقين وأهل الذمة، إذ كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب، فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، وإنما يمكن حين يكون الدين الظاهر دين الله، كما قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ [سورة التوبة: (٣٣)]، ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك. فجهاد المشركين من أعظم الجهاد كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وكلمة الله إما أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد (لا إله إلا الله) فيكون هذا من نمط الآية، وإما أن يراد بها الجنس، أن يكون ما يقوله الله ورسوله، فهو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة، فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله،
стр. 384
ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول فهو الذي يستحق الجهاد، وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين فإنهم متفقون على أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وإن شد الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك إما بطريق العموم اللفظي -كدخول المساجد- وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب. فإنه إذا كان السفر إلى المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله غير مشروع، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعًا.
ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد، وهو في المساجد أفضل منه في القبور، فإذا كان لا يسافر / لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق الأولى، وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبها الله ورسوله -وهي إما واجبة وإما مستحبة- إذا لم يسافر لها، لا إلى المساجد ولا إلى القبور، فلا يسافر إلى القبور ولما لم يأمر الله به من الشرك والبدع بطريق الأولى.
فهذا أم معلوم بالاضطرار من دين الرسول. لكن لمن عرف دينه المتفق عليه بين علماء أمته، فمن جعل هذا السفر مستحبًّا أومشروعًا أو استحل عداوة من هى عنه وعقوبته فهذا محاد لله ولرسوله، وهو المستحق للجهاد دون الآمر بما أمر الله به الناهي عما نهى الله عنه، فإنه يجب نصره وموالاته كما يجب جهاد المخالف له ومعاداة ما أتاه من الباطل. وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه
стр. 385
من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي فهذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد، فإن كانوا يجاهدون من نهى عن هذا فهذا لا وجود له. وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد بل جدال وبيان وحجة وبرهان وهذا جهاد باللسان، وإما أن يكون فيها جهاد فيكون لمن خالف السنة والرسول لا من اتبع الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله -من أهل البدع والضلال والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة خاتم الرسل- هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان بحسب الإمكان، وإنهم -فيما استحلوه من جهاد أهل العلم والسنة- من جنس الخوارج المارقين، بل هم شر من أولئك، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم كظن النصارى أنهم ينصرون المسيح ورسل الله وقد ﴿اتخذوا أحبارهم / ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [سورة التوبة: (٣١)]، وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما قال له: ما عبدوهم، قال: (إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم) رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما
стр. 386
وصححه، فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رؤوسهم لما أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم كانت تلك الطاعة عبادة لهم وشركًا بالله، وهذا يتناول ما إذا أحلوا وحرموا متعمدين للمخالفة أو متأولين مخطئين، لا سيما وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم يفعلوا إلا ما يسوغ لهم فعله كالرؤساء إذا قدر أنهم اجتهدوا وأخطئوا (*) يغفر لهم، فإن من اتبعهم مع علمه بأنهم أخطئوا (*) وخالفوا الرسول ﷺ فقد عبد غير الله وأشرك به.
ومثل هذا المعترض يريد ممن يبين له سنة الرسول ﷺ وشرعه وتحليله وتحريمه أن يدع ذلك ويتبع غيره، وهذا حرام بإجماع المسلمين، فقد أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول ﷺ لم يجز له أن يقلد أحدًا في خلافه.
وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند الأكثرين، وقيل لا يجوز بحال.
وأما القادر على الاجتهاد فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز له
стр. 387
التقليد، وذهب طائفة إلى جوازه، وقيل يجوز تقليد الأعلم ويروى هذا عن محمد بن الحسن وغيره. فمن عاب من اتبع ما تبين له من سنة الرسول ﷺ ولم يستحل أن يخالفه ويتبع غيره فهو مخطئ مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين، فكيف إذا كان يدعو إلى ما يفضي إلى الشرك العظيم: من دعاء غير الله، واتخاذهم أوثانًا، والحج إلى غير بيت الله، لا سيما مع تفضيل الحج إليها على حج بيت الله أو تسويته به أو جعله قريبًا منه، فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقين للجهاد، / وبيان ما دعوا إليه من الضلال والفساد، وما نهوا عنه من الهدى والرشاد، ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 388
[ونختم الكلام بخاتمة] في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق الهدى من الضلال، وذلك أن الله -كما تقدم التنبيه عليه- أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاءوا (*) به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه، وأمرنا أيضًا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئًا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا، وفرق بين حقه الذي يختص به والذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصًا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، فاصطفى من الملائكة حبريل لرسالته، واصطفى من البشر محمدًا ﷺ ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغًا له عن الله قال تعالى: ﴿من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ [سورة البقرة: (٩٧)]، وقال: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ [سورة الشعراء: (١٩٢ - ١٩٥)]، كما قال في الآية الأخرى ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذي آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ [سورة النحل: (١٠١ - ١٠٣)] وقوله ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ إلى قوله: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ يبين أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه، وبعض الكفار لما زعم أنه يتعلم من بشر قال الله تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه﴾ أي
стр. 389
يضيفون إليه التعليم ﴿أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ فدل على أن هذا اللسان العربي المبين تعلمه من الملك، لم يتعلمه من بشر ولا من تلقاء نفسه، بل جاءه به روح القدس، وروح القدس هو جبريل، وهو الروح الأمين، فإنه أخبر أن جبريل نزله على قلبه وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل هو الروح الأمين. وقال ها / هنا إنه ﴿نزله روح القدس من ربك﴾ فعلم أنه روح القدس. وقال في سورة التكوير [(١٩ - ٢٣)] ﴿إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين﴾، ثم قال ﴿وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين﴾ كما ذكر ذلك في سورة النجم. وقال في سورة الحاقة [(٣٨ - ٤٧)] ﴿فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون -إلى قوله- حاجزين﴾ فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله، وهذا قول عامة العلماء.
وقد غلط بعض من شذ فزعم أن جبريل غلط، كما غلط منهو أعظم غلطًا منه فزعم أن التي في التكوير في محمد ﵇، وهو سبحانه إنما أضافه إلى هذا تارة وإلى هذا تارة بلفظ الرسول ﷺ ليبين أنه قول رسول بلغه عن مرسله، لم يحدث منه شيئًا من تلقاء نفسه. ولا منافاة بين أن يكون ذلك الرسول بلغه إلى هذا، وهذا بلغه إلى الإنس والجن، فهو قول هذا وقول هذا.
وقد غلط بعض الناس فظن أنه أضافه إلى الرسول لأنه أحدث القرآن العربي وعبر به عن المعنى الذي فهمه. وهذا باطل من وجوه: إذ لو كان هذا حقًّا تناقض
стр. 390
الخبران، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر أحدثه، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه، بخلاف ما إذا بلغه فإنه يبلغه هذا إلى هذا وهذا إلى الناس والناس يبلغونه بعضهم إلى بعض، كما قال تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ [سورة الأنعام: (١٩)]. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصًا، وبالملك الذي جاءه بالقرآن، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملاً، وأما محمد ﷺ فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، وأن نصدقه في كل ما أخبر به، وغيره من الأنبياء ﵈ علينا أن نؤمن / بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم، ومحمد ﷺ أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام: مثل عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالملائكة والنبيين وجمل الشرائع، بعد ما ذكره في سورة الأنعام، وسبحان، بل وعامة السور المكية، فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل.