← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وَقَدِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ فُضَلَاؤُهُمْ، حَتَّى الْآمِدِيُّ فِي [كِتَابِ] " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ " (١) اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ (٢) لَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ إِلَّا تَمَاثُلَ الْجَوَاهِرِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى تَمَاثُلِ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَشْعَرِيُّ فِي " الْإِبَانَةِ " جَعَلَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّتِي أَبْطَلَهَا (٣) . وَسَوَاءٌ كَانَ تَمَاثُلُهَا حَقًّا أَوْ بَاطِلًا فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ جِسْمٌ كَهِشَامِ [بْنِ الْحَكَمِ] (٤) وَابْنِ كَرَّامٍ لَا (٥) يَقُولُ بِتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مِثْلَ شَيْءٍ (٦) مِنَ الْحَقَائِقِ، فَهُمْ أَيْضًا يُنْكِرُونَ التَّشْبِيهَ، فَإِذَا وَصَفُوا [بِهِ] (٧) لِاعْتِقَادِ الْوَاصِفِ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمْ، أَمْكَنَ كُلَّ طَائِفَةٍ أَنْ يَصِفُوا الْأُخْرَى بِالتَّشْبِيهِ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّهُ لَازِمٌ لَهَا، فَالْمُعْتَزِلَةُ وَالشِّيعَةُ تُوَافِقُهُمْ [عَلَى] أَنَّ أَخَصَّ وَصْفِ الرَّبِّ (٨) هُوَ الْقِدَمُ، وَأَنَّ مَا شَارَكَهُ فِي الْقِدَمِ فَهُوَ مِثْلُهُ، فَإِذَا أَثْبَتْنَا (٩) صِفَةً قَدِيمَةً لَزِمَ التَّشْبِيهُ، وَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ صِفَةً قَدِيمَةً فَهُوَ مُشَبِّهٌ، وَهُمْ يُسَمُّونَ جَمِيعَ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ مُشَبِّهًا بِنَاءً عَلَى هَذَا.

стр. 1157

فَإِنْ قَالَ هَذَا (١) الْإِمَامِيُّ: فَأَنَا أَلْتَزِمُ هَذَا. قِيلَ لَهُ: تَنَاقَضْتَ، لِأَنَّكَ أَخْرَجْتَ الْأَشْعَرِيَّةَ وَالْكَرَّامِيَّةَ عَنِ الْمُشَبِّهَةِ فِي اصْطِلَاحِكَ، فَأَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظٍ لَا تَفْهَمُ مَعْنَاهَا (٢) وَلَا مَوَارِدَ اسْتِعْمَالِهَا، وَإِنَّمَا تَقُومُ بِنَفْسِكَ صُورَةٌ تَبْنِي [عَلَيْهَا] (٣) . وَكَأَنَّكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنَيْتَ بِالْحَشْوِيَّةِ الْمُشَبِّهَةِ (٤) مَنْ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ مِنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، أَوِ الْحَنْبَلِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَهَذَا مِنْ جَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْحَنْبَلِيَّةِ قَوْلٌ انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ [طَوَائِفِ] (٥) أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ كُلُّ مَا يَقُولُونَهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ زِيَادَةِ الْإِثْبَاتِ مَا لَا يُوجَدُ فِيهِمْ. وَمَذْهَبُ (٦) أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ [مَعْرُوفٌ] (٧) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ، فَإِنَّهُ مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوْهُ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَانَ مُبْتَدِعًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ، وَمُتَنَازِعُونَ فِي إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدِهِمْ. [أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ومحنة خلق القرآن] وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اشْتُهِرَ بِإِمَامَةِ السُّنَّةِ (٨) وَالصَّبْرِ فِي

стр. 1158

الْمِحْنَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ أَوِ ابْتَدَعَ قَوْلًا، بَلْ لِأَنَّ السُّنَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعْرُوفَةً قَبْلَهُ عَلِمَهَا وَدَعَا إِلَيْهَا وَصَبَرَ عَلَى مَنِ امْتَحَنَهُ لِيُفَارِقَهَا (١) ، وَكَانَ الْأَئِمَّةُ قَبْلَهُ (٢) قَدْ مَاتُوا قَبْلَ الْمِحْنَةِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ مِحْنَةُ الْجَهْمِيَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ (٣) - عَلَى عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَأَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ ثُمَّ الْوَاثِقِ - وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى التَّجَهُّمِ وَإِبْطَالِ صِفَاتِ اللَّهِ

стр. 1159

تَعَالَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُتَأَخِّرُو الرَّافِضَةِ، وَكَانُوا قَدْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ مَنْ أَدْخَلُوهُ مِنْ [وُلَاةِ الْأُمُورِ (١) ، فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، حَتَّى تَهَدَّدُوا (٢) بَعْضَهُمْ بِالْقَتْلِ، وَقَيَّدُوا بَعْضَهُمْ، وَعَاقَبُوهُمْ (وَأَخَذُوهُمْ) (٣) بِالرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ، وَثَبَتَ] (٤) الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٥) عَلَى ذَلِكَ [الْأَمْرِ] (٦) حَتَّى حَبَسُوهُ مُدَّةً، ثُمَّ طَلَبُوا أَصْحَابَهُمْ لِمُنَاظَرَتِهِ، فَانْقَطَعُوا مَعَهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَلَمْ يَأْتُوا (٧) بِمَا يُوجِبُ مُوَافَقَتَهُ لَهُمْ، [بَلْ] بَيَّنَ خَطَأَهُمْ (٨) فِيمَا ذَكَرُوهُ (٩) مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَكَانُوا قَدْ طَلَبُوا لَهُ (١٠) أَئِمَّةَ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهِمْ، مِثْلِ أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بُرْغُوثٍ صَاحِبِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ (١١) وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمُنَاظَرَةُ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ

стр. 1160

مَعَ جِنْسِ الْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ [وَالنَّجَّارِيَّةِ] (١) وَالضِّرَارِيَّةِ وَأَنْوَاعِ الْمُرْجِئَةِ، فَكُلُّ مُعْتَزِلِيٍّ جَهْمِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ جَهْمِيٍّ مُعْتَزِلِيًّا، [لَكِنْ جَهْمٌ أَشَدُّ تَعْطِيلًا؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ تَنْفِي الصِّفَاتِ دُونَ الْأَسْمَاءِ] (٢) . وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ كَانَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ كَانَ مِنْ كِبَارِ (٣) .

стр. 1161

وَظَهَرَ لِلْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ أَمْرَهُمْ، وَعَزَمَ عَلَى رَفْعِ الْمِحْنَةِ، حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ (١) يُشِيرُ عَلَيْهِ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَضْرِبْهُ [وَإِلَّا] انْكَسَرَ (٢) نَامُوسُ الْخِلَافَةِ، فَضَرَبَهُ (٣) ، فَعَظُمَتِ الشَّنَاعَةُ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَأَطْلَقُوهُ. ثُمَّ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ سَبَبًا فِي الْبَحْثِ عَنْ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَمَا فِيهَا مِنَ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ جَانِبَيِ الْمُثْبِتَةِ وَالنُّفَاةِ لِلصِّفَاتِ (٤) ، وَصَنَّفَ (٥) النَّاسُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٍ. وَأَحْمَدُ (٦) وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ (٧) السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مَا زَالُوا يَعْرِفُونَ فَسَادَ

стр. 1162

مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ الْمِحْنَةِ كَثُرَ الْكَلَامُ، وَرَفَعَ اللَّهُ قَدْرَ هَذَا الْإِمَامِ، فَصَارَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ (١) ، وَعَلَمًا مِنْ أَعْلَامِهَا، [لِقِيَامِهِ بِإِعْلَامِهَا] (٢) وَإِظْهَارِهَا، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى نُصُوصِهَا وَآثَارِهَا، وَبَيَانِهِ لِخَفِيِّ أَسْرَارِهَا (٣) ، لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَ مَقَالَةً أَوِ ابْتَدَعَ رَأْيًا (٤) . وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ (٥) : الْمَذْهَبُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالظُّهُورُ لِأَحْمَدَ ; يَعْنِي أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ (٦) مَذْهَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَتَخْصِيصُ (٧) الْكَلَامِ مِنْ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ وَالِاعْتِزَالِ، كَتَخْصِيصِهِ (٨) بِالْكَلَامِ مَعَهُ فِي مَسَائِلِ الْخَوَارِجِ الْحَرُورِيَّةِ، بَلْ فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَالرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَالْخِطَابُ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِيمَا أَخْبَرَ [بِهِ] (٩) ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ [بِهِ] (١٠) ، قَدْ شَمِلَ جَمِيعَ الْعِبَادِ، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَأَسْعَدُهُمْ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وَأَتْبَعُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ (١١) ، وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي الْحَنْبَلِيَّةِ - أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ

стр. 1163

أَهْلِ السُّنَّةِ - مَنْ قَالَ أَقْوَالًا بَاطِلَةً، لَمْ يَبْطُلْ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ، بَلْ يُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْبَاطِلَ، وَتُنْصَرُ السُّنَّةُ بِالدَّلَائِلِ (١) . وَلَكِنَّ الرَّافِضِيَّ أَخَذَ يَنْكُتُ (٢) عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يُجَرِّحُهَا بِهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، ظَانًّا أَنَّ طَائِفَتَهُ هِيَ السَّلِيمَةُ مِنَ الْجَرْحِ (٣) . وَقَدِ اتَّفَقَ عُقَلَاءُ (٤) الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي [طَائِفَةٍ مِنْ] (٥) طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَكْثَرُ جَهْلًا وَضَلَالًا وَكَذِبًا وَبِدَعًا، وَأَقْرَبُ إِلَى كُلِّ شَرٍّ، وَأَبْعَدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ طَائِفَتِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا صَنَّفَ الْأَشْعَرِيُّ كِتَابَهُ فِي " الْمَقَالَاتِ " ذَكَرَ أَوَّلًا مَقَالَتَهُمْ، وَخَتَمَ بِمَقَالَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِكُلِّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَقْوَالِ (٦) أَهْلِ السُّنَّةِ [وَالْحَدِيثِ] (٧) يَقُولُ، وَإِلَيْهِ يَذْهَبُ (٨) . وَتَسْمِيَةُ هَذَا الرَّافِضِيِّ - وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ - لِأَهْلِ الْإِثْبَاتِ مُشَبِّهَةً كَتَسْمِيَتِهِمْ لِمَنْ أَثْبَتَ خِلَافَةَ [الْخُلَفَاءِ] (٩) الثَّلَاثَةَ نَاصِبِيًّا (١٠) بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا (١١) أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِعَلِيٍّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ

стр. 1164

هَؤُلَاءِ، جَعَلُوا كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ هَؤُلَاءِ نَاصِبِيًّا، كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْقَدَمَيْنِ (١) مُتَمَاثِلَانِ، أَوْ أَنَّ الْجِسْمَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالُوا: إِنَّ مُثْبِتَةَ الصِّفَاتِ مُشَبِّهَةٌ. فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذَا (٢) : إِنْ كَانَ مُرَادُكَ بِالنَّصْبِ وَالتَّشْبِيهِ بُغْضَ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَجَعْلَ صِفَاتِ الرَّبِّ مِثْلَ صِفَاتِ الْعَبْدِ (٣) ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَيْسُوا نَاصِبِيَّةً وَلَا مُشَبِّهَةً. وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ (٤) بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يُوَالُونَ الْخُلَفَاءَ (٥) ، وَيُثْبِتُونَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَسَمِّ هَذَا بِمَا شِئْتَ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. وَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ إِذَا كَانَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، كَلَفْظِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. ثُمَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَمْدَحَ أَوْ يَذُمَّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ دُخُولَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ فِي تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا الْمَدْحَ وَالذَّمَّ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الِاسْمُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَدُخُولُ الدَّاخِلِ فِيهِ مِمَّا يُنَازَعُ فِيهِ الْمَدْخَلُ، بَطَلَتْ كُلٌّ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَكَانَ (٦) هَذَا الْكَلَامُ مِمَّا لَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.

стр. 1165

وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ " نَاصِبِيَّةٍ " (١) وَلَا " مُشَبِّهَةٍ " وَلَا " حَشْوِيَّةٍ " وَلَا فِيهِ أَيْضًا لَفْظُ " رَافِضَةٍ ". وَنَحْنُ إِذَا قُلْنَا " رَافِضَةً " نَذْكُرُهُ لِلتَّعْرِيفِ، لِأَنَّ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمَ يَدْخُلُ فِيهِ أَنْوَاعٌ مَذْمُومَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَكْذِيبِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ، وَمُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - بَلْ خِيَارِ أَوْلِيَائِهِ - وَمُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، كَمَا تُبَيِّنُ وُجُوهُ الذَّمِّ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّهُمْ مَعْنًى مَذْمُومٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِحَالٍ كَمَا يَعُمُّ الرَّافِضَةَ. نَعَمْ يُوجَدُ فِي بَعْضِهِمْ مَا هُوَ مَذْمُومٌ، وَلَكِنْ هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَمُّهُمْ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مَذْمُومٌ لِذَنْبٍ رَكِبَهُ، لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ (٢) ذَمُّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ الْقَائِمِينَ (٣) بِوَاجِبَاتِهِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ (٤) أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جِسْمٌ أَوْ لَيْسَ بِجِسْمٍ، فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاسَ فَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، وَوَقْفٍ، وَتَفْصِيلٍ (٥) ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ. وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ أَبُو عِيسَى بُرْغُوثٌ لِأَحْمَدَ هَذَا فِي مُنَاظَرَتِهِ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قُلْتَ إِنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جِسْمًا ; لِأَنَّ

стр. 1166

الْقُرْآنَ صِفَةٌ وَعَرَضٌ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِفِعْلٍ، وَالصِّفَاتُ وَالْأَعْرَاضُ وَالْأَفْعَالُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْأَجْسَامِ، أَجَابَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُدْرَى مَقْصُودُ صَاحِبِهِ بِهِ، فَلَا نُطْلِقُهُ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. أَمَّا (١) مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَلِأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢) وَسَلَفَ الْأُمَّةِ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِذَلِكَ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، فَلَا قَالُوا (٣) : هُوَ جِسْمٌ، وَلَا قَالُوا: [هُوَ] (٤) لَيْسَ بِجِسْمٍ. وَلَمَّا سَلَكَ مَنْ سَلَكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَدَخَلُوا فِي هَذَا الْكَلَامِ، ذَمَّ السَّلَفُ (٥) الْكَلَامَ وَأَهْلَهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ طَلَبَ الدِّينِ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ (٦) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ (٧) ، وَقَالَ: لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا ظَنَنْتُ مُسْلِمًا يَقُولُهُ،

стр. 1167

وَلَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (١) مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ (٢) . وَقَدْ صُنِّفَتْ (٣) فِي ذَمِّهِمْ مُصَنَّفَاتٌ مِثْلُ كِتَابِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ (٤) ، وَكِتَابِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيِّ (٥) وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُجْمَلٌ يُدْخِلُ فِيهِ نَافِيهِ (٦) مَعَانِيَ يَجِبُ إِثْبَاتُهَا لِلَّهِ، وَيُدْخِلُ فِيهِ مُثْبِتُهُ (٧) مَا يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُدْرَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ [بِهِ لَمْ يُنْفَ وَلَمْ يُثْبَتْ، وَإِذَا فُسِّرَ] (٨) مُرَادُهُ قُبِلَ الْحَقُّ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَرُدَّ الْبَاطِلُ، وَإِنْ تَكَلُّمَ بِلَفْظٍ لَمْ يَرِدْ عَنِ الشَّارِعِ

стр. 1168

لِلْحَاجَةِ إِلَى إِفْهَامِ الْمُخَاطَبِ بِلُغَتِهِ مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ [بَأْسٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ] (١) تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْإِفْهَامِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ قَدْ تَعَوَّدَ عِبَارَةً مُعَيَّنَةً إِنْ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ (٢) صِحَّةُ الْقَوْلِ وَفَسَادُهُ، وَرُبَّمَا نَسَبَ الْمُخَاطِبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ مَا يَقُولُ. وَأَكْثَرُ الْخَائِضِينَ فِي الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ: تَرَى أَحَدَهُمْ يَذْكُرُ لَهُ (٣) الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَقْبَلُونَهَا لِظَنِّهِمْ أَنَّ فِي عِبَارَتِهِمْ مِنَ الْمَعَانِي مَا لَيْسَ فِي تِلْكَ، فَإِذَا أَخَذَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَصِيغَ (٤) بِلُغَتِهِمْ، وَبُيِّنَ بِهِ (٥) بُطْلَانُ قَوْلِهِمُ الْمُنَاقِضِ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، خَضَعُوا لِذَلِكَ (٦) وَأَذْعَنُوا لَهُ، كَالتُّرْكِيِّ وَالْبَرْبَرِيِّ [وَالرُّومِيِّ] (٧) وَالْفَارِسِيِّ الَّذِي يُخَاطِبُهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ وَيُفَسِّرُهُ فَلَا يَفْهَمُهُ حَتَّى يُتَرْجِمَ لَهُ شَيْئًا بِلُغَتِهِ (٨) فَيَعْظُمَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ، وَيَقْبَلَ الْحَقَّ وَيَرْجِعَ عَنْ بَاطِلِهِ، لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ أَكْمَلُ الْمَعَانِي وَأَحْسَنُهَا وَأَصَحُّهَا، لَكِنْ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ لِهَذَا وَلِهَذَا، كَالتُّرْجُمَانِ الَّذِي [يُرِيدُ أَنْ] يَكُونَ حَاذِقًا فِي فَهْمِ اللُّغَتَيْنِ (٩) .

стр. 1169

وَهَذَا الْإِمَامِيُّ يُنَاظِرُ فِي ذَلِكَ أَئِمَّتَهُ كَهِشَامِ [بْنِ الْحَكَمِ] (١) وَأَمْثَالِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْطَعَهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، كَمَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْطَعَ الْخَوَارِجَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُجَسِّمَةِ مِنَ الْفَسَادِ مَا فِيهِ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِثَالًا (٢) فَنَقُولُ: أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا وَيُرَى فِي الْآخِرَةِ، [لَمْ يَتَنَازَعْ أَهْلُ السُّنَّةِ إِلَّا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا مُطْلَقًا] (٣) ] ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ (٤) يُرَى فِي الدُّنْيَا، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَرُدُّونَ عَلَى هَذَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِثْلُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ مُوسَى [﵇] (٥) مُنِعَ مِنْهَا، فَمَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» " [رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ] (٦) ، وَبِطُرُقٍ عَقْلِيَّةٍ: كَبَيَانِهِمْ عَجْزَ الْأَبْصَارِ فِي الدُّنْيَا عَنِ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 1170

وَأَمَّا هَذَا وَأَمْثَالُهُ فَلَيْسَتْ لَهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ (١) حُجَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَلَا شَرْعِيَّةٌ، فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي نَفْيِ الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ لَوْ رُئِيَ لَكَانَ فِي جِهَةٍ وَلَكَانَ جِسْمًا (٢) ، وَهَؤُلَاءِ [يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا، بَلْ] (٣) يَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي جِهَةٍ (٤) وَهُوَ جِسْمٌ. فَإِنْ أَخَذُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَنَفْيِ الْجِسْمِ، كَانَ مُنْتَهَاهُمْ مَعَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ (٥) ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ. فَإِنِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ، كَانَ مُنْتَهَاهُمْ مَعَهُمْ إِلَى أَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ، وَمَا قَامَتْ بِهِ الْأَعْرَاضُ مُحْدَثٌ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَهُوَ قَدِيمٌ وَالْأَعْرَاضُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ تَقُومُ بِالْقَدِيمِ. فَإِنْ قَالُوا: الْجِسْمُ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ أَوِ السُّكُونِ (٦) ، وَمَا لَا يَخْلُو

стр. 1171

عَنْهُمَا فَهُوَ مُحْدَثٌ لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، فَهَذَا مُنْتَهَى مَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الشِّيعَةِ. قَالَ لَهُمْ أُولَئِكَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُوَا عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ [الْوُجُودِيَّيْنِ] (١) ، بَلْ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، لِأَنَّ السُّكُونَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ [مُطْلَقًا (٢) ، وَعَدَمُ الْحَرَكَةِ] (٣) عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَقْبَلَهَا، فَيَجُوزُ ثُبُوتُ (٤) جِسْمٍ قَدِيمٍ سَاكِنٍ لَا يَتَحَرَّكُ. وَقَالُوا لَهُمْ (٥) : لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا، وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نَفْيِ ذَلِكَ بِالْمَطَاعِنِ الْمَعْرُوفَةِ، حَتَّى حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ (٦) كَالرَّازِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِيِّ وَأَبِي الثَّنَاءِ الْأُرْمَوِيِّ (٧) وَغَيْرِهِمْ طَعَنُوا فِي ذَلِكَ (* كُلِّهِ، وَطَعَنَ الرَّازِيُّ فِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ كَانَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ *) (٨) فِي

стр. 1172

مَوَاضِعَ (١) . وَالْآمِدِيُّ طَعَنَ (٢) فِي طُرُقِ النَّاسِ إِلَّا طَرِيقَةً ارْتَضَاهَا (٣) ، وَهِيَ (٤) أَضْعَفُ مِنْ غَيْرِهَا طَعَنَ فِيهَا غَيْرُهُ. فَهَذَانِ مَقَامَانِ مِنَ الْمَقَامَاتِ الْعَقْلِيَّةِ لَا يَقْدِرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَغْلِبُوا فِيهَا شُيُوخَهُمُ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِذَا كَانُوا لَا يَنْفُونَ (٥) رُؤْيَتَهُ فِي الدُّنْيَا (٦) إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إِلَّا عَلَى مَنْ يَقُولُ (٧) : إِنَّهُ يُرَى وَيُصَافَحُ وَأَمْثَالَ

стр. 1173

ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ مَعَ أَنَّ هَذَا [مِنْ] (١) أَشْنَعِ الْمَقَالَاتِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ (٢) قَائِلٌ [مَعْدُودٌ] (٣) مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَبَيَانُ هَذَا: بِالْوَجْهِ الْخَامِسِ (٤) [وَهُوَ] (٥) أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ حَكَاهَا النَّاسُ عَنْ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ أَكْثَرُهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ غُلَاةِ النُّسَّاكِ، وَدَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ (٦) . (* قَالَ الْأَشْعَرِيُّ فِي " الْمَقَالَاتِ " (٧) : وَقَالَ دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ (٨) *) (٩) وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وَأَنَّهُ جُثَّةٌ وَأَعْضَاءٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ (١٠) : لَحْمٌ (١١) وَدَمٌ وَشَعْرٌ وَعَظْمٌ، لَهُ

стр. 1174

جَوَارِحُ (١) وَأَعْضَاءٌ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ (٢) وَلِسَانٍ (٣) وَرَأْسٍ وَعَيْنَيْنِ (٤) وَهُوَ مَعَ هَذَا (٥) لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ وَلَا يُشْبِهُهُ غَيْرُهُ (٦) . وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ الْجَوَارِبِيِّ (٧) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ (٨) أَجْوَفُ مِنْ فِيهِ إِلَى صَدْرِهِ وَمُصْمَتٌ مَا سِوَى ذَلِكَ ". " وَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيُّ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى صُورَةِ [الْإِنْسَانِ] (٩) ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَحْمًا وَدَمًا، وَإِنَّهُ نُورٌ سَاطِعٌ يَتَلَأْلَأُ بَيَاضًا (١٠) ، وَإِنَّهُ ذُو حَوَاسَّ خَمْسٍ كَحَوَاسِّ الْإِنْسَانِ: سَمْعُهُ غَيْرُ بَصَرِهِ (١١) ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ حَوَاسِّهِ: لَهُ يَدٌ وَرِجْلٌ [وَأُذُنٌ] (١٢) وَعَيْنٌ وَأَنْفٌ وَفَمٌ، وَإِنَّ لَهُ وَفْرَةً سَوْدَاءَ ". قُلْتُ: أَمَّا دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ فَقَدْ عُرِفَ عَنْهُ الْقَوْلُ الْمُنْكَرُ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ. وَأَمَّا مُقَاتِلٌ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ. وَالْأَشْعَرِيُّ يَنْقُلُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ مِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَفِيهِمُ انْحِرَافٌ عَلَى (١٣) مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ،

стр. 1175

فَلَعَلَّهُمْ زَادُوا فِي النَّقْلِ عَنْهُ، أَوْ نَقْلُوا عَنْهُ، أَوْ نَقَلُوا عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، وَإِلَّا فَمَا أَظُنُّهُ يَصِلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ (١) . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَرَادَ التَّفْسِيرَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُقَاتِلٍ، وَمَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ (٢) . وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْحَدِيثِ - بِخِلَافِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (٣) فَإِنَّهُ ثِقَةٌ - لَكِنْ لَا رَيْبَ (٤) فِي عِلْمِهِ بِالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ وَاطِّلَاعِهِ (٥) ، كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ خَالَفُوهُ فِي أَشْيَاءَ

стр. 1176

وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِي فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ، وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا، مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْخِنْزِيرِ الْبَرِّيِّ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَبْعُدُ (١) أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهَذَا الْإِمَامِيُّ (٢) نَقَلَ النَّقْلَ الْمَذْكُورَ عَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ، أَوْ مِنْ نَقْلِهِ [هُوَ] (٣) عَنْهُ، فَإِنَّ دَاوُدَ الطَّائِيَّ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا زَاهِدًا عَابِدًا

стр. 1177

فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَشَرِيكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى (١) وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ ثُمَّ انْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ، وَأَخْبَارُهُ وَسِيرَتُهُ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ (٢) الْعُلَمَاءِ (٣) ، وَلَمْ يَقُلِ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْقَائِلُ لِذَلِكَ دَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ، فَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى شُيُوخِهِ الْجَوَارِبِيُّ بِالطَّائِيِّ (٤) ، إِنْ لَمْ يَكُنِ (٥) الْغَلَطُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي أُحْضِرَتْ [إِلَيَّ] ، وَدَاوُدُ الْجَوَارِبِيُّ أَظُنُّهُ (٦)

стр. 1178

كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ هَذَا، وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ (١) . قَالَ الْأَشْعَرِيُّ (٢) : " وَفِي الْأُمَّةِ (٣) قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ النُّسُكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (٤) الْحُلُولُ فِي الْأَجْسَامِ (٥) ، وَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا يَسْتَحْسِنُونَهُ قَالُوا: لَا نَدْرِي، لَعَلَّهُ، رُبَّمَا هُوَ (٦) . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَرَى اللَّهَ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ (٧) ، فَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ أَحْسَنَ رَأَى مَعْبُودَهُ أَحْسَنَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَانَقَةَ وَالْمُلَامَسَةَ وَالْمُجَالَسَةَ فِي الدُّنْيَا (٨) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذُو أَعْضَاءٍ وَجَوَارِحَ وَأَبْعَاضٍ: لَحْمٍ وَدَمٍ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، لَهُ مَا لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْجَوَارِحِ. وَكَانَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي شُعَيْبٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُسَرُّ وَيَفْرَحُ بِطَاعَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَيَغْتَمُّ وَيَحْزَنُ إِذَا عَصَوْهُ.

стр. 1179

وَفِي النُّسَّاكِ قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى مَنْزِلَةٍ (١) تَزُولُ عَنْهُمُ الْعِبَادَاتُ، وَتَكُونُ الْأَشْيَاءُ الْمَحْظُورَاتُ عَلَى غَيْرِهِمْ - مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ - مُبَاحَاتٍ لَهُمْ. وَفِيهِمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى أَنْ يَرَوُا اللَّهَ (٢) ، وَيَأْكُلُوا (٣) مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَيُعَانِقُوا (٤) الْحُورَ الْعِينَ فِي الدُّنْيَا وَيُحَارِبُوا الشَّيَاطِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَبْلُغُ بِهِمْ [إِلَى] (٥) أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ". [قُلْتُ: هَذِهِ الْمَقَالَاتُ الَّتِي (٦) حَكَاهَا الْأَشْعَرِيُّ - وَذَكَرُوا أَعْظَمَ مِنْهَا - مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ. وَفِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِحُلُولِهِ فِي الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَمْرَدِ يُشَاهِدُ مَعْبُودَهُ أَوْ صِفَاتِ مَعْبُودِهِ أَوْ مَظَاهِرَ جَمَالِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَسْجُدُ لِلْأَمْرَدِ. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ، لَكِنَّهُ يَتَعَبَّدُ بِمَظَاهِرِ الْجَمَالِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ اللَّذَّةِ لَهُ، فَيَتَّخِذُ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَرَى اللَّهَ مُطْلَقًا وَلَا يُعَيِّنُ الصُّورَةَ الْجَمِيلَةَ. بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمَوَاضِعَ الْمُخْضَرَّةَ خَطَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اخْضَرَّتْ مِنْ وَطْئِهِ عَلَيْهَا، وَفِي

стр. 1180

ذَلِكَ حِكَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَطُولُ وَصْفُهَا، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ وَحِلِّ الْمُحَرَّمَاتِ - أَوْ بَعْضِهَا - لِلْكَامِلِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْبَاطِنِيَّةِ الْقَرَامِطَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَغَيْرِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ فَيُقَالُ: فُلَانٌ يَسْتَحِلُّ دَمِي كَاسْتِحْلَالِ الْفَلَاسِفَةِ مَحْظُورَاتِ الشَّرَائِعِ. وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى التَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُفَضِّلُ نَفْسَهُ أَوْ مَتْبُوعَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، مَوْجُودٌ كَثِيرٌ فِي الْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَغُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَبَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ] (١) . فَفِي الْجُمْلَةِ هَذِهِ مَقَالَاتٌ مُنْكَرَةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهِيَ وَأَشْنَعُ مِنْهَا - مَوْجُودَةٌ (٢) فِي الشِّيعَةِ. وَكَثِيرٌ مِنَ النُّسَّاكِ يَظُنُّونَ (٣) أَنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا بِأَعْيُنِهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ (٤) يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ فِي قَلْبِهِ بِسَبَبِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ مِنَ الْأَنْوَارِ (٥) مَا يَغِيبُ [بِهِ] (٦) عَنْ حِسِّهِ الظَّاهِرِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ [هُوَ] شَيْءٌ (٧) يَرَاهُ بِعَيْنِهِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي قَلْبِهِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تُخَاطِبُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ (٨) الَّتِي يَرَاهَا خِطَابَ الرُّبُوبِيَّةِ

стр. 1181

وَيُخَاطِبُهَا أَيْضًا بِذَلِكَ، وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ إِذَا رَأَى رَبَّهُ فِي صُورَةٍ بِحَسَبِ حَالِهِ. فَهَذِهِ الْأُمُورُ تَقَعُ كَثِيرًا فِي زَمَانِنَا وَقَبْلِهِ، وَيَقَعُ الْغَلَطُ مِنْهُمْ حَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ. [وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ، وَيَرَى نُورًا أَوْ عَرْشًا أَوْ نُورًا عَلَى الْعَرْشِ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَنَا نَبِيُّكَ، وَهَذَا قَدْ وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ تَخَاطُبِهِ الْهَوَاتِفُ بِخِطَابٍ عَلَى لِسَانِ الْإِلَهِيَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْمُخَاطِبُ لَهُ جِنِّيًّا، كَمَا قَدْ وَقَعَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ. لَكِنَّ بَسْطَ (الْكَلَامِ) (١) عَلَى مَا يُرَى وَيُسْمَعُ وَمَا هُوَ فِي النَّفْسِ وَالْخَارِجِ، وَتَمْيِيزِ حَقِّهِ مِنْ بَاطِلِهِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ] (٢) . وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْحَالِ (٣) وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَ اللَّهَ عِيَانًا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يَخْطُوَا خَطَوَاتٍ (٤) . [وَقَدْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كُلُّ رِزْقٍ لَا يَرْزُقُنِيهِ الشَّيْخُ فُلَانٍ لَا أُرِيدُهُ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ شَيْخَهُمْ هُوَ شَيْخُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ الْغُلَاةِ فِي الشُّيُوخِ، لَكِنْ يُوجَدُ فِي جِنْسِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الشِّيعَةِ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالْغُلَاةِ مِنَ

стр. 1182

النُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ غُلُوًّا وَكُفْرًا مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ، فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ مَقَالَةٌ خَبِيثَةٌ إِلَّا وَفِي جِنْسِ الشِّيعَةِ مَا هُوَ أَخْبَثُ مِنْهَا] (١) . وَأَهْلُ الْوَحْدَةِ (٢) الْقَائِلُونَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، كَأَصْحَابِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ (٣) (٤) يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللَّهَ دَائِمًا، فَإِنَّ [عِنْدَهُمْ] (٥) مُشَاهَدَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، إِذْ كَانَتْ ذَاتُهُ (٦) الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ السَّارِيَ فِي الْكَائِنَاتِ. فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَأَمْثَالُهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ، وَلَكِنَّ الْمَقَالَاتِ الْمَوْجُودَةَ فِي الشِّيعَةِ أَشْنَعُ وَأَقْبَحُ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْغَالِيَةِ مِنَ النُّصَيْرِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ النُّصَيْرِيَّةُ يُعَظِّمُونَ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ [الْوُجُودِ] (٧) . وَكَانَ التِّلِمْسَانِيُّ (٨) شَيْخُ الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ [الَّذِي شَرَحَ " مَوَاقِفَ "

стр. 1183

النِّفَّرِيِّ (١) . وَصَنَّفَ غَيْرَ ذَلِكَ] (٢) قَدْ ذَهَبَ إِلَى النُّصَيْرِيَّةِ وَصَنَّفَ لَهُمْ كِتَابًا وَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ جِدًّا، وَحَدَّثَنِي نَقِيبُ الْأَشْرَافِ عَنْهُ (٣) أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَنْتَ نُصَيْرِيٌّ؟ قَالَ: نُصَيْرٌ جُزْءٌ مِنِّي (٤) ; والنُّصَيْرِيَّةُ يُعَظِّمُونَهُ غَايَةَ التَّعْظِيمِ. [التعليق على ما ذكره الرافضي من رمد الله وبكائه وغير ذلك] وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ [هَذَا الْإِمَامِيُّ] (٥) مِنْ رَمَدِهِ وَعِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ وَبُكَائِهِ عَلَى طُوفَانِ نُوحٍ [﵇] ; (٦) فَهَذَا قَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَنْقُلُونَهُ (٧) عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ، وَلَمْ أَجِدْ هَذَا مَنْقُولًا عَمَّنْ أَعْرِفُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٨) ، فَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ

стр. 1184

بَعْضُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَلَا يُنْكَرُ وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ (١) ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ: " «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ (٢) حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ (٣) لَدَخَلْتُمُوهُ» " (٤) . لَكِنْ مُشَابَهَةُ ب (فَقَطْ) : لِمُشَابِهَةِ. الرَّافِضَةِ لِلْيَهُودِ وَوُجُودُ (٥) مِثْلِ هَذَا فِيهِمْ أَظْهَرُ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] (٦) . [التعليق على قول الرافضي: يَفْضُلُ عَنْهُ الْعَرْشِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعَ أَصَابِعَ] وَأَمَّا قَوْلُهُ (٧) : إِنَّهُ يَفْضُلُ عَنْهُ الْعَرْشُ (٨) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعَ أَصَابِعَ ;

стр. 1185

(١ فَهَذَا لَا أَعْرِفُ قَائِلًا لَهُ وَلَا نَاقِلًا، وَلَكِنْ رُوِيَ فِي ١) (١) حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ (٢) أَنَّهُ: مَا يَفْضُلُ مِنَ الْعَرْشِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، يُرْوَى بِالنَّفْيِ وَيُرْوَى بِالْإِثْبَاتِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ طَعَنَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ، [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ لَهُ شَوَاهِدَ وَقَوَّاهُ (٣) . وَلَفْظُ النَّفْيِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ يَرِدُ (٤) لِعُمُومِ النَّفْيِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَا فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ] (٥) قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» (٦) "، أَيْ مَا فِيهَا مَوْضِعٌ.

стр. 1186

وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: مَا فِي السَّمَاءِ قَدْرُ كَفٍّ سَحَابًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَفَّ تُقَدَّرُ (١) بِهَا الْمَمْسُوحَاتِ كَمَا يُقَدَّرُ بِالذِّرَاعِ، وَأَصْغَرُ الْمَمْسُوحَاتِ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ أَعْضَائِهِ كَفُّهُ (٢) ، فَصَارَ هَذَا مَثَلًا لِأَقَلِّ شَيْءٍ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَا يَفْضُلُ مِنَ الْعَرْشِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، كَانَ الْمَعْنَى: مَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنَ الْعَرْشِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ [قَدْ] (٣) قَالَهُ فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُ، [وَإِنْ كَانَ [قَدْ] (٤) قَالَهُ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ] (٥) ] ، وَإِنْ (٦) كَانَ قَالَهُ بِالنَّفْيِ لَمْ يَكُنْ قَالَهُ بِالْإِثْبَاتِ ; [وَالَّذِينَ قَالُوهُ بِالْإِثْبَاتِ] (٧) ذَكَرُوا فِيهِ مَا يُنَاسِبُ أُصُولَهُمْ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ - سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا - لَا يَقْدَحُ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا يَضُرُّهُمْ، لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا لَيْسَ هُوَ قَوْلَ جَمَاعَتِهِمْ، بَلْ غَايَتُهُ

стр. 1187

أَنَّهُ [قَدْ] (١) قَالَتْهُ طَائِفَةٌ وَرَوَاهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَمَا كَانَ (٢) بَاطِلًا رَدَّهُ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا يَرُدُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ كَثِيرًا مِنَ الْبَاطِلِ، فَمَا يَكُونُ هَذَا ضَارٌّ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي أَقْوَالِ الْإِمَامِيَّةِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ مَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذَا فِيهِ، لَوْ كَانَ قَدْ قَالَهُ [بَعْضُ] (٣) أَهْلِ السُّنَّةِ. (فَصْلٌ) قَالَ الْإِمَامِيُّ (٤) : " وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ بِشَكْلِ أَمْرَدَ (٥) رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ بِبَغْدَادَ وَضَعَ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ مَعْلَفًا يَضَعُ كُلَّ (٦) لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فِيهِ شَعِيرًا وَتِبْنًا، لِتَجْوِيزِ أَنْ يَنْزِلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حِمَارِهِ عَلَى ذَلِكَ السَّطْحِ، فَيَشْتَغِلَ الْحِمَارُ بِالْأَكْلِ وَيَشْتَغِلَ الرَّبُّ بِالنِّدَاءِ: هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ (٧) تَعَالَى اللَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَقَائِدِ الرَّدِيَّةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى (٨) . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُنْقَطِعِينَ الْمُبَارَكِينَ (٩) مِنْ شُيُوخِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُ اجْتَازَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ نَفَّاطٌ (١٠) وَمَعَهُ أَمْرَدُ حَسَنُ الصُّورَةِ قَطَطُ

стр. 1188

الشَّعْرِ عَلَى الصِّفَاتِ الَّتِي يَصِفُونَ رَبَّهُمْ بِهَا، فَأَلَحَّ الشَّيْخُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَكَرَّرَهُ وَأَكْثَرَ تَصْوِيبَهُ إِلَيْهِ (١) فَتَوَهَّمَ فِيهِ النَّفَّاطَ فَجَاءَ إِلَيْهِ (٢) لَيْلًا وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ رَأَيْتُكَ تُلِحُّ بِالنَّظَرِ (٣) إِلَى هَذَا الْغُلَامِ وَقَدْ أَتَيْتُكَ بِهِ (٤) ، فَإِنْ كَانَ لَكَ فِيهِ نِيَّةٌ فَأَنْتَ الْحَاكِمُ (٥) . فَحَرَدَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّمَا كَرَّرْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ لِأَنَّ مَذْهَبِي أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ عَلَى صُورَتِهِ (٦) فَتَوَهَّمْتُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ النَّفَّاطُ: مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ [النَّفَّاطَةِ] (٧) أَجْوَدُ مِمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ مَعَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ". فَيُقَالُ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ وَأَمْثَالُهَا دَائِرَةٌ (٨) بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ كَذِبًا مَحْضًا مِمَّنِ افْتَرَاهَا عَلَى بَعْضِ شُيُوخِ أَهْلِ بَغْدَادَ (٩) ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ وَقَعَتْ لِجَاهِلٍ مَغْمُورٍ (١٠) لَيْسَ بِصَاحِبِ قَوْلٍ وَلَا مَذْهَبٍ، وَأَدْنَى الْعَامَّةِ أَعْقَلُ مِنْهُ وَأَفْقَهُ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَهْلَ السُّنَّةِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ

стр. 1189

ذِي عِلْمٍ (١) أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالسُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْهَذَيَانِ، الَّذِي لَا يَنْطَلِي عَلَى صَبِيٍّ مِنَ الصِّبْيَانِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَجَائِبَ الْمَحْكِيَّةَ عَنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا، مَعَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ. وَأَمَّا هَذِهِ الْحِكَايَةُ فَحَدَّثَنِي طَائِفَةٌ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ بَغْدَادَ (٢) أَنَّهَا كَذِبٌ مَحْضٌ عَلَيْهِمْ، وَضَعَهَا إِمَّا (٣) هَذَا الْمُصَنِّفُ، أَوْ مَنْ حَكَاهَا لَهُ لِلشَّنَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ، فَإِنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ لَهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ وَالذِّهْنِ مَا لَا يُرَوَّجُ عَلَيْهِمْ مَعَهُ (٤) مِثْلُ هَذَا. وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَرَوِهِ أَحَدٌ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ (٥) ، وَلَا رَوَى أَحَدٌ [مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ] (٦) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، [وَلَا أَنَّهُ يَنْزِلُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ] (٧) إِلَى الْأَرْضِ (٨) ، وَلَا أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي شَكْلِ

стр. 1190

أَمْرَدَ (١) بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْآثَارِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْهَذَيَانِ، بَلْ وَلَا فِي [شَيْءٍ

стр. 1191

مِنَ] (١) الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَكُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِيهِ هَذَا فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كَذِبٌ، مِثْلُ حَدِيثِ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ، وَأَنَّ [اللَّهَ] يَنْزِلُ (٢) عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُعَانِقُ الرُّكْبَانَ وَيُصَافِحُ الْمُشَاةَ (٣) ، وَحَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي الطَّوَافِ، وَحَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَالَّذِينَ وَضَعُوهَا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ وَضَعُوهَا عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ لِيُقَالَ: إِنَّهُمْ يَنْقُلُونَ مِثْلَ هَذَا، (* كَمَا وَضَعُوا [مِثْلَ] (٤) حَدِيثِ عَرَقِ الْخَيْلِ عَلَيْهِمْ (٥) ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجُهَّالِ وَالضُّلَّالِ وَضَعُوا مِثْلَ هَذَا *) (٦) الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَضَعَتِ الرَّوَافِضُ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْكَذِبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ فِيهَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ

стр. 1192

بِالْحَدِيثِ (١) عَلَى كَذِبِهِ، وَمِنَ الْكَذِبِ (٢) الَّذِي لَا يَخْفَى أَنَّهُ كَذِبٌ إِلَّا عَلَى مُفْرِطٍ فِي الْجَهْلِ، مَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي " مِنْهَاجِ النَّدَامَةِ ". وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا: لَا نَبِيَّ وَلَا غَيْرَ نَبِيٍّ، وَلَمْ يَتَنَازَعِ النَّاسُ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي نَبِيِّنَا [مُحَمَّدٍ] (٣) ﷺ خَاصَّةً (٤) ، مَعَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْمِعْرَاجِ الْمَعْرُوفَةَ (٥) لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ رَآهُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا رُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ [ضَعِيفٍ] (٦) مَوْضُوعٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِ " إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ "، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ [مُتَّفِقُونَ] (٧) عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ [كَذِبٌ] (٨) . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ [﵁] (٩) قَالَ: «قُلْتُ

стр. 1193

يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (١) . وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّؤْيَةِ إِلَّا مَا (٢) فِي الْحَدِيثِ. وَمَا يَرْوِيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَهُ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ، وَأَنَّ عَائِشَةَ سَأَلَتْهُ فَقَالَ: لَمْ أَرَهُ، كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ ; وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ فِي الرُّؤْيَةِ، (٣) وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (٤) . وَأَمَّا أَحَادِيثُ النُّزُولِ (٥) إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (٦) كُلَّ لَيْلَةٍ فَهِيَ الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ الثَّابِتَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (٧) ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ دُنُوِّهِ عَشِيَّةَ

стр. 1194

عَرَفَةَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (١) ، وَأَمَّا النُّزُولُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهِ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ (٢) . ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ، كَمَا نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ (٣) وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلُوهُ

стр. 1195

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى مُسَدَّدٍ (١) [يَقُولُ] (٢) : " وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ (٣) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَيْفَ يَنْزِلُ، وَلَا تُمَثَّلُ صِفَاتُهُ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ ". وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي النُّزُولِ هَلْ هُوَ [صِفَةُ] (٤) فِعْلٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الرَّبِّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ (٥) أَوْ فِعْلُ مَنْ يَقُومُ بِهِ، عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (٦) وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفُ. وَكَذَلِكَ تَنَازَعُهُمْ فِي الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ هَلْ هُوَ فِعْلٌ (٧) مُنْفَصِلٌ عَنْهُ
следующие страницы →