← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمَقْدُورَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ] (١) وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ لَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَجِّحُ لَهُ قُدْرَةُ الْعَبْدِ، فَالْقَادِرُ لَا يُرَجِّحُ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَجِّحُ [مِنَ اللَّهِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ] (٢) يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ (٣) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُرَجِّحًا تَامًّا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ يَجُوزُ (٤) وُجُودُ الْفِعْلِ وَعَدَمُهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْمُرَجِّحِ كَانَ مُمْكِنًا، وَالْمُمْكِنُ لَا يَتَرَجَّحُ وَجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ تَامٍّ يَجِبُ عِنْدَهُ وُجُودُ الْفِعْلِ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَحْصُلُ فِعْلُهُ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ يَجِبُ وُجُودُ (٥) الْفِعْلِ - كَانَ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ بِأَسْبَابٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ وُجُودُ الْحَادِثِ عِنْدَهَا. وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الرَّبِّ [﵎] خَالِقًا (٦) لِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِي الْعَبْدِ الْقُدْرَةَ التَّامَّةَ وَالْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ، وَعِنْدَ وُجُودِهِمَا (٧) يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ (٨) هَذَا سَبَبٌ تَامٌّ لِلْفِعْلِ، فَإِذَا وُجِدَ السَّبَبُ التَّامُّ وَجَبَ وُجُودُ الْمُسَبَّبِ.

стр. 1472

وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِلْمُسَبَّبِ (١) أَيْضًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ النَّارَ فِي الثَّوْبِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ (٢) مِنْ وُجُودِ الْحَرِيقِ عُقَيْبَ (٣) ذَلِكَ، وَالْكُلُّ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مُعَارَضَةُ ذَلِكَ (٤) بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ (٥) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ يَقِينِيٌّ، وَالْيَقِينِيَّاتُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَعَارِضٌ يُبْطِلُهَا، وَقُدِّرَ أَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِالْمُوجَبِ بِالذَّاتِ، (٦) فَهَذَا لَا يَنْقَطِعُ بِمَا ذَكَرْتُهُ، لَا سِيَّمَا وَعِنْدَهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ الَّتِي تُعْلَمُ بِدُونِ السَّمْعِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ جَوَابٍ عَقْلِيٍّ. الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قُدْرَةُ الرَّبِّ * (٧) [لَا يَفْعَلُ بِهَا إِلَّا مَعَ وُجُودِ مَشِيئَتِهِ، فَإِنَّ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فَعَلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [سُورَةُ الْقِيَامَةِ: ٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ٦٥] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ

стр. 1473

النَّبِيُّ ﷺ : " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: " أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: " هَاتَانِ أَهْوَنُ» " (١) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٩٩] ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ١١٨] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٥٣] وَمِثْلُ هَذَا مُتَعَدِّدٌ فِي الْقُرْآنِ. وَإِذَا كَانَ لَوْ شَاءَهُ لَفَعَلَهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ غَيْرِ الْمَقْدُورِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْفِعْلَ لَوْ وُجِدَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ قَادِرًا لَوَقَعَ كُلُّ مَقْدُورٍ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنَ الْإِرَادَةِ. وَحِينَئِذٍ قَوْلُ الْقَائِلِ: فَقُدْرَةُ الرَّبِّ] (*) (٢) تَفْتَقِرُ إِلَى مُرَجِّحٍ، لَكِنَّ الْمُرَجِّحَ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِرَادَةُ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ إِرَادَةِ الْعَبْدِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَجِّحُ إِرَادَةُ اللَّهِ، كَانَ فَاعِلًا بِاخْتِيَارِهِ لَا مُوجِبًا بِذَاتِهِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ الْكُفْرُ. الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: مَا تَعْنِي بِقَوْلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُوجِبًا بِذَاتِهِ؟ أَتَعْنِي بِهِ (٣) أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْأَثَرِ بِلَا قُدْرَةٍ وَلَا إِرَادَةٍ (٤) ، أَوْ تَعْنِي

стр. 1474

بِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ وَاجِبًا عِنْدَ وُجُودِ (١) الْمُرَجِّحِ الَّذِي هُوَ الْإِرَادَةُ مَثَلًا مَعَ الْقُدْرَةِ. فَإِذَا (٢) عَنَيْتَ الْأَوَّلَ لَمْ يُسَلَّمِ التَّلَازُمُ، (٣) فَإِنَّ الْفَرْضَ (٤) أَنَّهُ قَادِرٌ، وَأَنَّهُ مُرَجَّحٌ [بِمُرَجِّحٍ] (٥) فَهُنَا شَيْئَانِ: قُدْرَةٌ وَأَمْرٌ آخَرُ، وَقَدْ فَسَّرْنَا ذَلِكَ بِالْإِرَادَةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ مُرَجَّحٌ بِلَا قُدْرَةٍ وَلَا إِرَادَةٍ. وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ يَجِبُ وُجُودُ الْأَثَرِ إِذَا حَصَلَتِ الْإِرَادَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَهَذَا حَقٌّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ سَمَّى مُسَمٍّ هَذَا مُوجَبًا بِالذَّاتِ كَانَ نِزَاعًا لَفْظِيًّا، وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ وَجَبَ وُجُودُهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ وَجُودَهُ امْتَنَعَ وُجُودُهُ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، (٦) فَالْأَوَّلُ وَاجِبٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَالثَّانِي مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ (٧) فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمْ. وَالرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (٨) إِنَّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ، فَإِذَا أَرَادَ حُدُوثَ مَقْدُورٍ (٩) ، فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ وَجُودُهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَجِبَ، فَإِنْ وَجَبَ حَصَلَ

стр. 1475

الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ وُجُوبُ (١) الْأَثَرِ عِنْدَ الْمُرَجِّحِ، سَوَاءٌ (٢) سَمَّيْتَ هَذَا مُوجَبًا بِالذَّاتِ أَوْ لَمْ تُسَمِّهِ (٣) ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ وُجُودُهُ كَانَ وَجُودُهُ مُمْكِنًا قَابِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، (٤ فَوُجُودُهُ دُونَ عَدَمِهِ مُمْكِنٌ ٤) (٤) فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ، وَهَكَذَا هَلُمَّ (٥) جَرًّا، كُلُّ مَا قُدِّرَ قَابِلًا لِلْوُجُودِ وَلَمْ يَجِبْ (٦) وُجُودُهُ كَانَ وَجُودُهُ (* مُمْكِنًا مُحْتَمِلًا لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، فَلَا يُوجَدُ حَتَّى يَحْصُلَ الْمُرَجِّحُ التَّامُّ الْمُوجَبُ بِالذَّاتِ (٧) لَوُجُودِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَا وُجِدَ فَقَدْ وَجَبَ وَجُودُهُ *) (٨) بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ (٩) . كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُولُونَ: عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ صَارَ الْفِعْلُ أَوْلَى بِهِ، وَلَا تَنْتَهِي الْأَوْلَوِيَّةُ (١٠) إِلَى حَدِّ الْوُجُوبِ [كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَحْمُودٌ الْخُوَارَزْمِيُّ الزَّمَخْشَرِيُّ وَنَحْوُهُ] (١١)

стр. 1476

وَهُوَ (١) بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الْوُجُوبِ كَانَ مُمْكِنًا فَيَحْتَاجُ إِلَى مُرَجِّحٍ، فَمَا ثَمَّ إِلَّا وَاجِبٌ أَوْ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ. وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ [وِالْجَهْمِيَّةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحُسَيْنِ (٢) وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ] (٣) يَقُولُونَ: الْقَادِرُ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، فَيَجْعَلُونَ الْإِرَادَةَ حَادِثَةً بِلَا مُرَجِّحٍ لِحُدُوثِهَا، وَيَجْعَلُونَ إِرَادَةَ اللَّهِ حَادِثَةً لَا فِي مَحَلٍّ، وَيَجْعَلُونَ الْفِعْلَ مَعَهَا مُمْكِنًا لَا وَاجِبًا، وَهَذَا مِنْ أُصُولِهِمُ الَّتِي اضْطَرَبُوا فِيهَا فِي مَسْأَلَةِ فِعْلِ اللَّهِ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَفِي مَسْأَلَةِ فِعْلِ (٤) الْعَبْدِ وَالْقَدَرِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْمُوجَبِ (٥) بِالذَّاتِ لَفْظٌ فِيهِ إِجْمَالٌ، فَإِنْ عُنِيَ بِهِ مَا يَعْنِيهِ الْفَلَاسِفَةُ (٦) مِنْ أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ (٧) لِلْعَالَمِ فَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا، وَلَوْ كَانَ الْعَالَمُ مَعْلُولًا لَازِمًا لِعِلَّةٍ أَزَلِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَوَادِثُ، فَإِنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَحْدُثُ (٨) عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَحْسُوسِ.

стр. 1477

وَسَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ، كَمَا يَقُولُهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ، أَوْ قِيلَ: إِنَّهُ ذَاتٌ (١) مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ لَكِنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعْلُولِهَا - فَإِنَّهُ بَاطِلٌ أَيْضًا (٢) . وَإِنْ (٣) فُسِّرَ الْمُوجَبَ بِالذَّاتِ بِأَنَّهُ يُوجِبُ (٤) بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كُلَّ وَاحِدٍ [وَاحِدٌ] (٥) مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَحْدَثَهُ فِيهِ (٦) ، فَهَذَا دِينُ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يُوجِبُ (٧) أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَغَيْرَهَا (٨) مِنَ الْحَوَادِثِ [فَهُوَ] (٩) مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِلْمَعْنَى الَّذِي قَالَتْهُ الدَّهْرِيَّةُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ أَنْ يُقَالَ: (١٠) مَا ذَكَرْتَهُ أَنْتَ مِنَ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ اسْتِنَادُ أَفْعَالِنَا الِاخْتِيَارِيَّةِ إِلَيْنَا، وَوُقُوعُهَا بِحَسَبِ اخْتِيَارِنَا - مَعَارَضٌ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِنَا مِثْلَ الْأَلْوَانِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحَصِّلُ اللَّوْنَ الَّذِي يُرِيدُ حُصُولَهُ فِي الثَّوْبِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى طَبِيعَتِهِ وَصَنْعَتِهِ، (١١) وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ اللَّوْنُ مَفْعُولًا لَهُ.

стр. 1478

وَأَيْضًا فَمَا يَنْبُتُ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ قَدْ يَحْصُلُ بِحَسَبِ (١) اخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى ازْدِرَاعِهِ (٢) ، وَلَيْسَ الْإِنْبَاتُ مِنْ فِعْلِهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا اسْتَنَدَ إِلَى الْعَبْدِ وَوَقَعَ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ كَانَ مَفْعُولًا لَهُ، وَهَذِهِ الْمُعَارَضَةُ (٣) أَصَحُّ مِنْ تِلْكَ، فَإِنَّهَا مُعَارَضَةٌ عَقْلِيَّةٌ بِنَفْسِ أَلْفَاظِ الدَّلِيلِ، (٤ وَتِلْكَ لَيْسَتْ مُعَارَضَةٌ عَقْلِيَّةٌ (٤) وَلَا هِيَ بِنَفْسِ أَلْفَاظِ الدَّلِيلِ ٤) (٥) . [الْوَجْهُ (٦) السَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْإِمَامِيُّ وَأَمْثَالُهُ مُتَنَاقِضُونَ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ مَعَ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ (٧ يَجِبُ الْفِعْلُ، وَهُنَا قَالَ: إِنَّهُ مَعَ الدَّاعِي وَالْقُدْرَةِ ٧) (٧) لَا يُجِبِ الْفِعْلُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ يَتَكَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَا يَرَوْنَهُ (٨) نَاصِرًا لِقَوْلِهِمْ، لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى حَقٍّ يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ حَقًّا (٩) يَقْصِدُونَ نَصْرَهُ. [فصل الكلام على قول الرافضي أي شركة هنا والرد عليه] فَصْلٌ] (١٠) . وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَيُّ شَرِكَةٍ هُنَا؟ (١١) . فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتِ الْحَوَادِثُ حَادِثَةً (١٢) بِغَيْرِ فِعْلِ اللَّهِ وَلَا قُدْرَتِهِ (١٣) فَهَذِهِ

стр. 1479

مُشَارَكَةٌ لِلَّهِ (١) صَرِيحَةٌ [وَلِهَذَا شُبِّهَ هَؤُلَاءِ بِالْمَجُوسِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ فَاعِلَ الشَّرِّ غَيْرَ فَاعِلِ الْخَيْرِ، فَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا آخَرَ] (٢) وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالسُّلْطَانِ يُقَرِّرُ الْمُشَارَكَةَ، فَإِنَّ [نُوَّابَ] (٣) السُّلْطَانِ شُرَكَاءُ لَهُ [فِي مُلْكِهِ] (٤) ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمْ، لَيْسَ هُوَ خَالِقَهُمْ وَلَا رَبَّهُمْ، [بَلْ وَلَا خَالِقَ قُدْرَتِهِمْ] (٥) بَلْ هُمْ مُعَاوِنُونَ لَهُ عَلَى تَدْبِيرِ الْمُلْكِ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْ قُدْرَتِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ عَاجِزًا عَنِ الْمُلْكِ. فَمَنْ جَعَلَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَعَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ نُوَّابِ السُّلْطَانِ مَعَهُ فَهَذَا (٦) صَرِيحُ الشِّرْكِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَرْتَضِيهِ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ؛ لِأَنَّهُ (٧) شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ لَا فِي الْأُلُوهِيَّةِ، فَإِنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهَا (٨) مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا (٩) هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ مَا يَمْلِكُهُ (١٠) الْعَبْدُ مِنْ أَفْعَالِهِ مِلْكًا لِلَّهِ (١١)

стр. 1480

وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [﵄] : (١) الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ (٢) وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَّصَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ (٣) . وَقَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ يَتَضَمَّنُ (٤) الْإِشْرَاكَ وَالتَّعْطِيلَ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِخْرَاجَ بَعْضِ الْحَوَادِثِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا فَاعِلٌ، وَيَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ فَاعِلٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ اللَّهِ. وَهَاتَانِ شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ (٥) الْكُفْرِ، فَإِنَّ أَصْلَ كُلِّ كُفْرٍ التَّعْطِيلُ أَوِ الشِّرْكُ (٦) ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ صَارَ مُرِيدًا فَاعِلًا بِإِرَادَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِدُونِ مُحْدِثٍ أَحْدَثَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ وَلَا فَاعِلًا لَهُ، (٧ ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ فَاعِلًا لَهُ ٧) (٧) . وَهَذَا الْأَمْرُ (٨) حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَادِثٌ بِلَا إِحْدَاثِ أَحَدٍ، وَهَذَا أَصْلُ التَّعْطِيلِ، فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَحْدُثَ حَادِثٌ بِلَا إِحْدَاثِ أَحَدٍ، وَأَنْ يَتَرَجَّحَ وُجُودُ الْمُمْكِنِ عَلَى عَدَمِهِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَأَنْ يَتَخَصَّصَ أَحَدُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُخَصِّصٍ - كَانَ هَذَا تَعْطِيلًا لِجِنْسِ الْحَوَادِثِ وَالْمُمْكِنَاتِ

стр. 1481

أَنْ يَكُونَ (١) لَهَا فَاعِلٌ، وَاللَّهُ فَاعِلُهَا بِلَا شَكٍّ، فَهُوَ (٢) تَعْطِيلٌ لَهُ (٣) أَنْ يَكُونَ خَالِقًا لِمَخْلُوقَاتِهِ. وَأَمَّا الشِّرْكُ فَلِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ مُسْتَقِلٌّ بِإِحْدَاثِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ مُحْدِثًا لَهُ، كَأَعْوَانِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ أَفْعَالًا بِدُونِ أَنْ يَكُونَ الْمُلُوكُ جَعَلَتْهُمْ فَاعِلَيْنِ لَهَا، وَهَذَا إِثْبَاتُ شُرَكَاءَ مَعَ اللَّهِ يَخْلُقُونَ كَبَعْضِ (٤) مَخْلُوقَاتِهِ. وَهَذَانِ الْمَحْذُورَانِ - التَّعْطِيلُ وَالْإِشْرَاكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ - لَازِمَانِ (٥) لِكُلِّ مَنْ أَثْبَتَ فَاعِلًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ اللَّهِ، كَالْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ (٦) حَرَكَةً اخْتِيَارِيَّةً، بِسَبَبِهَا تَحْدُثُ الْحَوَادِثُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ مَا يُوجِبُ حَرَكَتَهُ، وَلَا كَانَ فَوْقَهُ مُتَجَدِّدٌ (٧) يَقْتَضِي حَرَكَتَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ حِينَئِذٍ بِاخْتِيَارِهِ تَكُونُ كَحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ بِاخْتِيَارِهِ. فَيُقَالُ: مَصِيرُ الْفَلَكِ مُتَحَرِّكًا بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ (٨) أَمْرٌ مُمْكِنٌ لَا وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، فَلَا بُدَّ [لَهُ] (٩) مِنْ مُرَجِّحٍ تَامٍّ، وَمَا مِنْ وَقْتٍ إِلَّا وَهُوَ يَتَحَرَّكُ فِيهِ

стр. 1482

بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَا بُدَّ لِكَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا مِنْ أَمْرٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ (١) بِلَا مُحْدِثٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُوجَبُ بِذَاتِهِ هُوَ الْمُرَجِّحُ أَوِ الْفَاعِلُ (٢) : سَوَاءٌ كَانَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَهِيَ (٣) مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْعَقْلِ أَوِ الْعُقُولِ (٤) . قِيلَ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُوجَبَ بِذَاتِهِ عَلَى حَالٍ (٥) وَاحِدَةٍ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَادِثُ صَادِرًا عَنْهُ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَرَكَةِ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، (٦) فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ [ذَلِكَ الْحَادِثُ] ثَابِتًا (٧) فِي الْأَزَلِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ عِلَّةً تَامَّةً فِي الْأَزَلِ، (٨ فَعُلِمَ امْتِنَاعُ صُدُورِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ فِي الْأَزَلِ ٨) (٨) . وَأَيْضًا فَمُرَجِّحُ الْحَوَادِثِ إِنْ كَانَ مُرَجِّحًا تَامًّا (٩) فِي الْأَزَلِ لَزِمَهُ الْمَفْعُولُ، وَلَمْ يَحْدُثْ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرَجِّحًا تَامًّا (١٠) فِي الْأَزَلِ، فَقَدْ صَارَ مُرَجِّحًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَعْلَهُ مُرَجِّحًا، فَيَكُونُ الْمُرَجِّحُ لَهُ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ إِرَادَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتِلْكَ (١١) الْأُمُورُ لَمْ تَكُنْ

стр. 1483

مُرَجِّحًا تَامًّا فِي الْأَزَلِ، وَإِلَّا لَبَطَلَتِ (١) الْحَوَادِثُ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنِ الْمُرَجِّحِ فِي الْأَزَلِ شَيْءٌ [مُقَارِنٌ لَهُ] (٢) فَامْتَنَعَ قِدَمُ الْفَلَكِ. وَأَيْضًا صَارَ مُرَجِّحًا لِمَا يُرَجِّحُهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجَبَ إِضَافَةُ الْحَوَادِثِ إِلَيْهِ؛ لِوُجُوبِ إِضَافَةِ الْحَوَادِثِ (٣) إِلَى الْمُرَجِّحِ التَّامِّ، فَثَبَتَ أَنَّ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ مُؤَثِّرًا يَتَجَدَّدُ تَأْثِيرُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَهَؤُلَاءِ إِذَا لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ كَانُوا مُعَطِّلِينَ لِحَرَكَةِ الْفَلَكِ وَالْحَوَادِثِ (٤) أَنْ يَكُونَ لَهَا فَاعِلٌ، وَهَذَا التَّعْطِيلُ أَعْظَمُ مِنْ تَعْطِيلِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ [أَنْ يَكُونَ لَهَا مُحْدِثٌ] (٥) . وَأَيْضًا فَقَدْ جَعَلُوا الْفَلَكَ [يَفْعَلُ] (٦) بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ، كَمَا جَعَلَتِ الْقَدَرِيَّةُ الْحَيَوَانَ يَفْعَلُ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ حَرَكَةٍ قُدْرَةً (٧) مُقَارِنَةً لِلْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْفَلَكَ عِنْدَهُمْ تَحْدُثُ عَنْهُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْأُولَى، فَشَرْطُ الثَّانِيَةِ انْقِضَاءُ الْأُولَى، كَالَّذِي يَقْطَعُ (٨) مَسَافَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَلَكِنَّ ذَاكَ الَّذِي يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ إِنَّمَا قَطَعَ الثَّانِيَةَ بِقُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ قَامَتْ بِهِ وَحَرَكَاتٍ قَطَعَ بِهَا الثَّانِيَةَ، فَالْفَاعِلُ تَجَدَّدَ لَهُ مِنَ الْإِرَادَةِ وَالْقُوَّةِ مَا قَطَعَ بِهِ الْمَسَافَةَ الثَّانِيَةَ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لِلْفَلَكِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ

стр. 1484

الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ مَا يَتَحَرَّكُ بِهِ، (١) لَكِنَّ الْمُجَدِّدَ لَهُ [ذَلِكَ] (٢) لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ لَا وَاجِبٌ، فَالْحَوَادِثُ (٣) فِيهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ (٤) الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ مَوْجُودًا عِنْدَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ لَهُ كَمَالُ التَّأْثِيرِ [فِي] (٥) الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ لِذَلِكَ الْكَمَالِ مِنْ فَاعِلٍ، وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مَا تَقَدَّمَ (٦) فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ فَاعِلٌ يُحْدِثُ مَا بِهِ يَتَحَرَّكُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ مَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ غَيْرِهِ. [شرك الفلاسفة وَتَعْطِيلُهُمْ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ شِرْكِ الْقَدَرِيَّةِ وَتَعْطِيلِهِمْ] وَشِرْكُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَتَعْطِيلُهُمْ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ شِرْكِ الْقَدَرِيَّةِ وَتَعْطِيلِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ (٧) الْفَلَكَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِلْحَوَادِثِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَلَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شَيْئًا أَحْدَثَهُ، (٨) بِخِلَافِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوا عَنْ إِحْدَاثِهِ أَفْعَالَ الْحَيَوَانِ وَمَا تَوَلَّدَ عَنْهَا. فَقَدْ لَزِمَهُمُ التَّعْطِيلُ مِنْ إِثْبَاتِ حَوَادِثَ بِلَا مُحْدِثٍ وَتَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنْ (٩) إِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَإِثْبَاتِ شَرِيكٍ فَعَلَ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ.

стр. 1485

وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ [وَغَيْرِهِمْ] (١) قَوْلَهُمْ: إِنَّ الرَّبَّ مَا زَالَ عَاطِلًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى أَحْدَثَ الْعَالَمَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: مَا زَالَ وَلَا يَزَالُ مُعَطَّلًا عَنِ الْإِحْدَاثِ، بَلْ عَنِ الْفِعْلِ، فَإِنَّ مَا لَزِمَ ذَاتَهُ كَالْعَقْلِ (٢) وَالْفَلَكِ لَيْسَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلًا لَهُ؛ إِذِ الْفِعْلُ لَا يُفْعَلُ (٣) إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَأَمَّا مَا لَزِمَ الذَّاتَ (٤) فَهُوَ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ لَوْنِ (٥) الْإِنْسَانِ وَطُولِهِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَهُ، بِخِلَافِ حَرَكَاتِهِ (٦) فَإِنَّهَا فِعْلٌ لَهُ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَحَرِّكًا كَمَا يُقَالُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ (٧) : إِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَتَحَوَّلُ (٨) مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَإِنَّ الْقَلْبَ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا (٩) - فَكَوْنُ (١٠) الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ يَقُومُ بِهِ فِعْلُهُ (١١) يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعْقُولٍ، (١٢) بِخِلَافِ مَا لَزِمَهُ لَازِمٌ يُقَارِنُهُ فِي الْأَزَلِ، فَهَذَا لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُثْبِتُونَ لِلرَّبِّ فِعْلًا أَصْلًا، فَهُمْ مُعَطِّلَةٌ حَقًّا

стр. 1486

وَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ إِنَّمَا أَثْبَتُوا (١) الْعِلَّةَ الْأُولَى مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا (٢) عِلَّةً غَائِيَّةً، (٣) كَحَرَكَةِ الْفَلَكِ، فَإِنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ عِنْدَهُمْ بِالِاخْتِيَارِ كَحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، فَيَكُونُ هُوَ مَطْلُوبَهَا. [وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ (٤) بِالْعِلَّةِ الْأُولَى كَحَرَكَةِ الْمُؤْتَمِّ بِإِمَامِهِ وَالْمُقْتَدِي (٥) بِقُدْوَتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى تَشْبِيهِهِ بِحَرَكَةِ الْمَعْشُوقِ لِلْعَاشِقِ، لَيْسَ الْمَعْنَى أَنْ ذَاتَ اللَّهِ مُحَرِّكَةٌ لِلْفَلَكِ، إِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ مُرَادَ الْفَلَكِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ] (٦) . فَقَالُوا: إِنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى وَهِيَ (٧) الَّتِي يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِأَجْلِهَا (٨) عِلَّةٌ لَهُ تُحَرِّكُهُ (٩) كَمَا تَحَرَّكَ الْعَاشِقُ لِلْمَعْشُوقِ (١٠) بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَهَى طَعَامًا (١١) ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ أَوْ رَأَى مَنْ يُحِبُّهُ، فَسَعَى إِلَيْهِ - فَذَاكَ (١٢) الْمَحْبُوبُ هُوَ الْمُحَرِّكُ؛ لِكَوْنِ الْمُتَحَرِّكِ أَحَبَّهُ، لَا لِكَوْنِهِ أَبْدَعَ الْحَرَكَةَ وَلَا فَعَلَهَا.

стр. 1487

وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ (١) قَدْ أَثْبَتُوا لِحَرَكَةِ الْفَلَكِ مُحْدِثًا أَحْدَثَهَا غَيْرَ الْفَلَكِ، كَمَا [لَمْ] (٢) تُثْبِتِ الْقَدَرِيَّةُ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ مُحْدِثًا أَحْدَثَهَا (٣) غَيْرَ الْحَيَوَانِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْفَلَكُ عِنْدَهُمْ حَيَوَانًا كَبِيرًا، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ (٤) بِالْعِلَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ (٥) الْعِلَّةَ الْأُولَى مَعْبُودَةٌ لَهُ مَحْبُوبَةٌ لَهُ. وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّ الْفَلْسَفَةَ هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ (٦) عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ. فَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمُ الرَّبُّ: لَا إِلَهًا لِلْعَالَمِ (٧) وَلَا رَبًّا لِلْعَالَمِينَ [بَلْ (٨) غَايَةُ مَا يُثْبِتُونَهُ أَنَّهُ (٩) يَكُونُ شَرْطًا فِي وُجُودِ الْعَالَمِ] (١٠) وَأَنَّ كَمَالَ الْمَخْلُوقِ فِي أَنْ يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِهِ، (١١) فَهَذَا هُوَ الْأُلُوهِيَّةُ عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الرُّبُوبِيَّةُ (١٢) ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ شَرًّا مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُمْ أَبْعَدُ عَنِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْهُمْ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (١٣) .

стр. 1488

فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةَ قَدَرِيَّةٌ فِي جَمِيعِ حَوَادِثِ الْعَالَمِ، وَأَنَّهُمْ مِنْ أَضَلِّ بَنِي آدَمَ؛ وَلِهَذَا يُضِيفُونَ الْحَوَادِثَ إِلَى الطَّبَائِعِ الَّتِي فِي الْأَجْسَامِ، فَإِنَّهَا (١) بِمَنْزِلَةِ الْقُوَى الَّتِي فِي الْحَيَوَانِ، فَيَجْعَلُونَ كُلَّ مُحْدِثٍ فَاعِلًا مُسْتَقِلًّا، كَالْحَيَوَانِ عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ، وَلَا يُثْبِتُونَ مُحْدِثًا لِلْحَوَادِثِ (٢) . وَحَقِيقَةُ قَوْلِ الْقَوْمِ (٣) الْجُحُودُ لِكَوْنِ اللَّهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ، (٤) (٤ فَلَا يُثْبِتُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ ٤) (٥) ، بَلْ غَايَتُهُمْ (٦) أَنْ يَجْعَلُوهُ (٧) شَرْطًا فِي وُجُودِ الْعَالَمِ، وَفِي التَّحْقِيقِ هُمْ مُعَطِّلَةٌ لِكَوْنِ اللَّهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْفَلَكَ وَاجِبُ الْوُجُودِ [بِنَفْسِهِ] (٨) مِنْهُمْ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا عِلَّةً (٩) إِمَّا غَائِيَّةً عِنْدَ قُدَمَائِهِمْ، وَإِمَّا فَاعِلِيَّةً عِنْدَ مُتَأَخِّرِيهِمْ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا حَقِيقَةَ لِمَا أَثْبَتُوهُ (١٠) ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ الطَّبَائِعِيُّونَ (١١) مِنْهُمْ. وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقًا لِحَرَكَتِهِ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى (١٢) أَنَّ الْمُحَرِّكَ لَهُ عِلَّةٌ (١٣) مَعْشُوقَةٌ يَتَشَبَّهُ بِهَا، بَلْ يَجُوزُ

стр. 1489

أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَرِّكُ هُوَ الْمُحَرِّكُ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَتَبَيَّنَ (١) الْكَلَامُ عَلَى [بُطْلَانِ] مَا ذَكَرَهُ (٢) أَرِسْطُو فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِاللَّهِ [ ] . (٣) وَمَنْ دَخَلَ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ [مِنْهُمْ] (٤) كَالْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِمَا مِنْ مَلَاحِدَةِ (٥) الْمُسْلِمِينَ، وَمُوسَى بْنِ مَيْمُونٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مَلَاحِدَةِ الْيَهُودِ، وَمَتَّى وَيَحْيَى بْنِ عَدِيٍّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ مَلَاحِدَةِ النَّصَارَى - فَهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَهُمْ أَصَحُّ عَقْلًا (٦) وَنَظَرًا فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ مِنَ الْمَشَّائِينَ كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ، وَإِنْ كَانَ لِأُولَئِكَ مِنْ تَفْصِيلِ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ سَبَقُوا هَؤُلَاءِ إِلَيْهَا (٧) . فَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْأُمُورَ الْإِلَهِيَّةَ أُولَئِكَ أَجْهَلُ بِهَا وَأَضَلُّ فِيهَا، (٨) فَإِنَّ هَؤُلَاءِ حَصَلَ لَهُمْ نَوْعٌ مَا مِنْ نُورِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَعُقُولِهِمْ (٩) وَهُدَاهُمْ، فَصَارُوا بِهِ أَقَلَّ ظُلْمَةً مِنْ أُولَئِكَ؛ وَلِهَذَا عَدَلَ ابْنُ سِينَا عَنْ طَرِيقَةِ سَلَفِهِ فِي إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَسَلَكَ الطَّرِيقَةَ الْمَعْرُوفَةَ لَهُ [فِي تَقْسِيمِ الْوُجُودِ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَأَنَّ الْمُمْكِنَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْوَاجِبِ.

стр. 1490

وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ لَهُ] (١) وَلِمَنِ اتَّبَعَهُ كَالسُّهْرَوَرْدِيِّ (٢) الْمَقْتُولِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، [وَأَبِي حَامِدٍ] وَالرَّازِيِّ (٣) وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ (٤) مِنْ مُتَأَخِّرِي [أَهْلِ] الْكَلَامِ، (٥) الَّذِينَ خَلَطُوا الْفَلْسَفَةَ بِالْكَلَامِ. [وَهَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ خَلَطُوا الْفَلْسَفَةَ بِالْكَلَامِ] (٦) : (* كَثُرَ (٧) اضْطِرَابُهُمْ وَشُكُوكُهُمْ وَحَيْرَتُهُمْ بِحَسَبِ مَا ازْدَادُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ هَؤُلَاءِ (٨) الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ خَلَطُوا الْفَلْسَفَةَ بِالْكَلَامِ *) (٩) فَأُولَئِكَ قَلَّتْ ظُلْمَتُهُمْ بِمَا دَخَلُوا فِيهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَهَؤُلَاءِ كَثُرَتْ ظُلْمَتُهُمْ بِمَا دَخَلُوا فِيهِ مِنْ كَلَامِ أُولَئِكَ الْمُتَفَلْسِفَةِ. هَذَا مَعَ أَنَّ فِي الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالشَّكِّ فِي أَشْيَاءَ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ فِي مَوَاضِعَ، وَاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ (١٠) فِي مَوَاضِعَ، وَالتَّقْصِيرِ فِي الْحَقِّ فِي مَوَاضِعَ - مَا ذَمَّهُمْ لِأَجْلِهِ عُلَمَاءُ الْمِلَّةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، (١١) فَإِنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي (١٢) مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَعَدَلُوا

стр. 1491

عَنْهَا إِلَى طُرُقٍ (١) أُخْرَى مُبْتَدَعَةٍ فِيهَا مِنَ الْبَاطِلِ مَا لِأَجْلِهِ خَرَجُوا عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ [بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ] (٢) ، وَدَخَلُوا فِي بَعْضِ الْبَاطِلِ الْمُبْتَدَعِ، (٣) وَأَخْرَجُوا مِنَ (٤) التَّوْحِيدِ مَا هُوَ مِنْهُ كَتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِثْبَاتِ حَقَائِقِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَّا تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ (٥) . وَهَذَا التَّوْحِيدُ كَانَ يُقِرُّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سُورَةُ لُقْمَانَ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الْآيَاتِ (٦) [سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ: ٨٦، ٨٧] . وَقَالَ عَنْهُمْ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: ١٠٦] . قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: يَقُولُ لَهُمْ (٧) مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، وَهُمْ مَعَ هَذَا (٨) يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ هُوَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ، الْمُتَضَمِّنُ

стр. 1492

لِتَوْحِيدِ (١) الرُّبُوبِيَّةِ، بِأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، (٢) فَيَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَلَا يُخَافُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يُدْعَى (٣) إِلَّا اللَّهُ، وَيَكُونُ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ (٤) مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَيُحِبُّونَ لِلَّهِ، وَيُبْغِضُونَ لِلَّهِ، وَيَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ (٥) . وَالْعِبَادَةُ تَجْمَعُ غَايَةَ الْحُبِّ وَغَايَةَ الذُّلِّ، (٦) فَيُحِبُّونَ اللَّهَ بِأَكْمَلِ مَحَبَّةٍ، وَيَذِلُّونَ لَهُ (٧) أَكْمَلَ ذُلٍّ، وَلَا يَعْدِلُونَ بِهِ، وَلَا يَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، وَلَا يَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ. كَمَا قَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ هَذَا التَّوْحِيدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ قُطْبُ رَحَى الْقُرْآنِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ [الْقُرْآنُ] (٨) وَهُوَ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، وَالتَّوْحِيدَ فِي الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ. فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ] . وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ. وَالْقُرْآنُ ثُلُثُهُ تَوْحِيدٌ، وَثُلُثُهُ قَصَصٌ، وَثُلُثُهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَالْكَلَامُ إِمَّا إِنْشَاءٌ وَإِمَّا إِخْبَارٌ، وَالْإِخْبَارُ إِمَّا عَنِ الْخَالِقِ وَإِمَّا عَنِ

стр. 1493

الْمَخْلُوقِ، فَصَارَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءٌ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ، وَجُزْءٌ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ (١) ، وَجُزْءٌ إِخْبَارٌ عَنِ الْخَالِقِ، فَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " صِفَةُ الرَّحْمَنِ [مَحْضًا] (٢) . [وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى تَحْقِيقِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (٣) فِي مُجَلَّدٍ (٤) ، وَفِي تَفْسِيرِهَا فِي مُجَلَّدٍ آخَرَ (٥) ] (٦) . وَ [أَمَّا] التَّوْحِيدُ فِي [الْعِبَادَةِ وَ] الْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ (٧) فَكَمَا فِي سُورَةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سُورَةُ.

стр. 1494

الْكَافِرُونَ] . فَالتَّوْحِيدُ [الْأَوَّلُ] (١) يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ نُعُوتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ بِإِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ صِفَاتِهِ، وَ [الثَّانِي] : يَتَضَمَّنُ (٢) إِخْلَاصَ الدِّينِ لَهُ كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سُورَةُ الْبَيِّنَةِ: ٥] فَالْأَوَّلُ بَرَاءَةٌ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَالثَّانِي بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (٣) وَأَصْلُ الشِّرْكِ (٤) : إِمَّا التَّعْطِيلُ (٥) مِثْلَ تَعْطِيلِ (٦) فِرْعَوْنِ مُوسَى، وَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ خَصْمِ إِبْرَاهِيمَ، (٧) وَالدَّجَّالِ مَسِيحِ الضَّلَالِ خَصْمِ مَسِيحِ الْهُدَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ [ ﷺ ] (٨) ، وَإِمَّا الْإِشْرَاكُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْأُمَمِ أَكْثَرُ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَأَهْلُهُ خُصُومُ جُمْهُورِ (٩) الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي خُصُومِ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ مُعَطَّلَةٌ وَمُشْرِكَةٌ، لَكِنَّ التَّعْطِيلَ الْمَحْضَ [لِلذَّاتِ] (١٠) قَلِيلٌ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَهُوَ تَعْطِيلُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْطِيلِ الذَّاتِ، فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِمَا يُوجِبُ (١١) أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الْوُجُودِ.

стр. 1495

ثُمَّ إِنَّهُ [كُلُّ] مَنْ كَانَ (١) إِلَى الرَّسُولِ [ ﷺ ] (٢) وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَقْرَبَ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى كَمَالِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَقْلِ وَالْعِرْفَانِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَنْهُمْ أَبْعَدَ كَانَ عَنْ ذَلِكَ أَبْعَدَ، (٣) فَمُتَأَخِرُّو مُتَكَلِّمَةِ الْإِثْبَاتِ الَّذِينَ (٤) خَلَطُوا الْكَلَامَ بِالْفَلْسَفَةِ كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَنَحْوِهِمَا هُمْ [دُونَ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَأَمْثَالِهِ فِي تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَمْثَالُهُ دُونَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ (٥) وَأَمْثَالِهِ] (٦) فِي ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ دُونَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي ذَلِكَ، وَالْأَشْعَرِيُّ فِي ذَلِكَ دُونَ أَبِي مُحَمَّدِ (٧) بْنِ كُلَّابٍ، وَابْنُ كُلَّابٍ دُونَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ. وَمُتَكَلِّمَةُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ هُمْ خَيْرٌ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ [الْكَمَالِ] (٨) مِنَ الْقَدَرِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ (٩) لِأَنَّ أَهْلَ الْإِثْبَاتِ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ كَمَالَ الْقُدْرَةِ وَكَمَالَ الْمَشِيئَةِ وَكَمَالَ الْخَلْقِ وَأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ

стр. 1496

بِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ وَحْدَهُ (١) خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ؛ وَلِهَذَا جَعَلُوا أَخَصَّ صِفَةِ الرَّبِّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ مِنْ جُمْلَةِ خَصَائِصِهِ، لَيْسَتْ هِيَ وَحْدَهَا أَخَصَّ (٢) صِفَاتِهِ. وَأُولَئِكَ يُخْرِجُونَ أَفْعَالَ (٣) الْحَيَوَانِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لَهُ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ (٤) تَعْطِيلُ هَذِهِ الْحَوَادِثِ عَنْ خَالِقٍ لَهَا، وَإِثْبَاتُ شُرَكَاءَ لِلَّهِ يَفْعَلُونَهَا [وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرَةِ الْقَدَرِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعِبَادَ خَالِقُونَ لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ سَلَفُهُمْ يَجْتَرِئُونَ عَلَى ذَلِكَ (٥) ] (٦) . وَأَيْضًا فَمُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ [الْإِثْبَاتِ] (٧) يُثْبِتُونَ لِلَّهِ صِفَاتَ الْكَمَالِ كَالْحَيَاةِ (٨) وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ (٩) وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ. وَهَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ (١٠) ذَلِكَ لَكِنْ قَصَّرُوا فِي بَعْضِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَقَصَّرُوا فِي التَّوْحِيدِ، فَظَنُّوا أَنَّ كَمَالَ التَّوْحِيدِ هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَمْ يَصْعَدُوا إِلَى تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ.

стр. 1497

وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهِمْ أَخَذُوهُ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ مُقَصِّرُونَ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُوَفُّوا تَوْحِيدَ (١) الرُّبُوبِيَّةِ حَقَّهُ، فَكَيْفَ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ. وَمَعَ هَذَا فَأَئِمَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَشُيُوخُهُمْ وَأَئِمَّةُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَنَحْوُهُمْ خَيْرٌ فِي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ مُتَفَلْسِفَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ خَلَطُوا ذَلِكَ بِتَوْحِيدِ الْفَلَاسِفَةِ كَابْنِ سِينَا (٢) وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ أَبْعَدُ الْكَلَامِ عَنِ التَّحْقِيقِ فِي التَّوْحِيدِ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا مِنْ كَلَامِ قُدَمَائِهِمْ أَرِسْطُو وَذَوِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّ غَايَتَهُمْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا (٣) وَاجِبَ الْوُجُودِ، وَهَذَا حَقٌّ لَمْ يُنَازِعْ (٤) فِيهِ لَا مُعَطِّلٌ وَلَا مُشْرِكٌ، (٥) بَلِ النَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ وَاجِبٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ النَّاسِ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَالَمَ حَدَثَ (٦) بِنَفْسِهِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ: [إِنَّ] هَذَا (٧) لَمْ تَقُلْهُ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ تَقْدِيرًا كَمَا تُقَدَّرُ الشُّبَهُ (٨) السُّوفِسْطَائِيَّةُ لِيُبْحَثَ عَنْهَا، (٩) وَهَذَا مِمَّا يَخْطِرُ (١٠) فِي قُلُوبِ

стр. 1498

بَعْضِ النَّاسِ، كَمَا يَخْطِرُ أَمْثَالُهُ مِنَ السَّفْسَطَةِ، لَا أَنَّهُ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ لِطَائِفَةٍ [مَعْرُوفَةٍ] (١) يَذُبُّونَ عَنْهُ، فَإِنَّ ظُهُورَ فَسَادِهِ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، إِذْ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ امْتِنَاعًا، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ أَبْيَنِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَرَّرُوا وَاجِبًا [بِذَاتِهِ] (٢) أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ وَاحِدًا وَحْدَهُ، لَا يُوجَدُ (٣) إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَهُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ [فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ] الْوُجُودَ (٤) الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ [لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ] (٥) أَوْ مُقَيَّدًا (٦) بِالسُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ، كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ [وَهَذَا أَدْخَلُ فِي التَّعْطِيلِ مِنَ الْأَوَّلِ] (٧) . وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ (٨) مُضَاهَاةً لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ شَارَكُوهُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَسَمَّوْا ذَلِكَ تَوْحِيدًا، فَصَارُوا يَتَبَاهَوْنَ فِي التَّعْطِيلِ الَّذِي سَمَّوْهُ (٩) تَوْحِيدًا أَيُّهُمْ فِيهِ أَحْذَقُ (١٠) حَتَّى فُرُوعُهُمْ تُبَاهَوْا بِذَلِكَ، (١١)

стр. 1499

كَتَبَاهِيهِمْ: كَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِ الْفَلَاسِفَةِ، وَابْنِ التُّومَرْتِ (١) وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِ الْجَهْمِيَّةِ، [فَهَذَا يَقُولُ بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ] (٢) وَهَذَا يَقُولُ (٣) بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ، وَأَتْبَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا يُبَاهُونَ [أَتْبَاعَ] الْآخَرِينَ (٤) فِي الْحِذْقِ فِي هَذَا التَّعْطِيلِ. كَمَا [قَدِ] اجْتَمَعَ بِي (٥) طَوَائِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَخَاطَبْتُهُمْ فِي ذَلِكَ وَصَنَّفْتُ لَهُمْ مُصَنَّفَاتٍ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَمَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِمْ وَبَيَانِ فَسَادِهِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَهُمْ، فَقَالُوا لِي: إِنْ لَمْ [تُبَيِّنْ وَ] تَكْشِفْ (٦) لَنَا (٧) حَقِيقَةَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي قَالُوهُ، ثُمَّ تُبَيِّنْ فَسَادَهُ وَإِلَّا لَمْ

стр. 1500

نَقْبَلْ (١) مَا يُقَالُ مِنْ رَدِّهِ، فَكَشَفْتُ لَهُمْ حَقَائِقَ مَقَاصِدِهِمْ، فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ بَيَّنْتُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْإِلْحَادِ، حَتَّى رَجَعُوا وَصَارُوا يُصَنِّفُونَ فِي كَشْفِ بَاطِلِ سَلَفِهِمُ الْمُلْحِدِينَ، الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ أَئِمَّةَ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْعِرْفَانِ وَالْيَقِينِ. [أدلة الوحدانية عند الفلاسفة] وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ [فِي تَوْحِيدِهِمْ] (٢) الَّذِي هُوَ تَعْطِيلٌ [مَحْضٌ] فِي الْحَقِيقَةِ (٣) حُجَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ (٤) لَوْ كَانَ وَاجِبَانِ (٥) لَاشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ وَامْتَازَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ، وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ غَيْرُ مَا بِهِ الِامْتِيَازُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبُ الْوُجُودِ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ [وَأَجْزَاؤُهُ غَيْرُهُ] (٦) وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ (٧) وَاجِبًا بِنَفْسِهِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا إِذَا اتَّفَقَا فِي الْوُجُوبِ (٨) ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ مَعْلُولًا لِلْمُخْتَصِّ، كَمَا إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ، وَامْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ بِشَخْصِهِ، فَالْمُشْتَرَكُ مَعْلُولٌ لِلْمُخْتَصِّ (٩) [وَهَذَا بَاطِلٌ هُنَا.

стр. 1501

وَذَلِكَ] (١) لِأَنَّ كُلًّا مِنَ (٢) الْمُشْتَرَكِ وَالْمُخْتَصِّ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَارِضًا [لِلْآخَرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ عَارِضًا] (٣) لِلْوَاجِبِ أَوْ مَعْرُوضًا لَهُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يَكُونُ الْوُجُوبُ (٤) صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْوَاجِبِ، وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَازِمًا لِلْآخَرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ عِلَّةً لِلْمُخْتَصِّ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَتِ الْعِلَّةُ وُجِدَ الْمَعْلُولُ، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ الْمُشْتَرَكُ [وُجِدَ الْمُخْتَصُّ وَالْمُشْتَرَكُ] (٥) فِي هَذَا وَهَذَا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْتَصُّ بِهَذَا فِي هَذَا، وَمَا يَخْتَصُّ بِهَذَا فِي هَذَا، وَهَذَا مُحَالٌ يَرْفَعُ الِاخْتِصَاصَ. وَهَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي إِشَارَاتِهِ (٦) هُوَ وَشَارِحُو الْإِشَارَاتِ كَالرَّازِيِّ (٧) وَالطُّوسِيِّ (٨) وَغَيْرِهِمَا. وَهَاتَانِ الْحُجَّتَانِ مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْفَارَابِيُّ (٩) وَالسُّهْرَوَرْدِيُّ (١٠) وَغَيْرُهُمَا مِنَ

стр. 1502

الْفَلَاسِفَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا بِمَعْنَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ فِي " تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ " (١) . وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُمَا الرَّازِيُّ (٢) وَالْآمِدِيُّ (٣) بِمَنْعِ كَوْنِ الْوُجُوبِ صِفَةً ثُبُوتِيَّةً، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي نَرْضَاهَا. لَكِنَّ الْجَوَابَ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الْمُعَارَضَةُ وَذَلِكَ أَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوُجُودَيْنِ يَمْتَازُ عَنِ الْآخَرِ بِخَاصَّتِهِ، (٤) فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ (٥) الْوَاجِبُ مُرَكَّبًا مِمَّا بِهِ الِاشْتِرَاكُ، وَمِمَّا بِهِ الِامْتِيَازُ، وَأَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ الْوَاجِبُ مَعْلُولًا، وَالْمُعَارَضَةُ أَيْضًا بِالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ، وَالْوَاجِبُ يَمْتَازُ عَنِ الْمُمْكِنِ بِمَا يَخُصُّهُ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ الْوَاجِبَةُ مُرَكَّبَةً مِنَ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُخْتَصِّ، وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ الْوَاجِبَةُ مَعْلُولَةً، وَالْمُعَارَضَةُ بِلَفْظِ الْمَاهِيَةِ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ إِلَى آخِرِهِ. وَالثَّانِي حَلُّ الشُّبْهَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ الْمَوْجُودَيْنِ (٦) فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ كَانَا وَاجِبَيْنِ أَوْ مُمْكِنَيْنِ، وَسَوَاءٌ قُدِّرَ التَّقْسِيمُ فِي مَوْجُودَيْنِ، أَوْ جَوْهَرَيْنِ أَوْ جِسْمَيْنِ أَوْ حَيَوَانَيْنِ أَوْ إِنْسَانَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - لَمْ يُشْرِكْ

стр. 1503

أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (١) فِي الْخَارِجِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، لَا فِي وُجُوبِهِ، وَلَا فِي وُجُودِهِ، وَلَا فِي مَاهِيَتِهِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا شَابَهَهُ فِي ذَلِكَ. وَالْمُطْلَقُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا (٢) مُشْتَرَكًا فِيهِ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَهُوَ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ عَامٍّ مُشْتَرَكٍ فِيهِ، بَلْ إِذَا قِيلَ: الْوَاجِبَانِ إِذَا اشْتَرَكَا (٣) فِي الْوُجُوبِ (٤) فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا (٥) عَنِ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ، فَهُوَ (٦) مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَازَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ (٧) بِمَا يَخُصُّهُ، فَالْحَقِيقَةُ تُوجَدُ عَامَّةً وَخَاصَّةً كَمَا أَنَّ الْوُجُوبَ (٨) يُوجَدُ عَامًّا وَخَاصًّا، فَالْعَامُّ لَا يَكُونُ عَامًّا مُشْتَرَكًا فِيهِ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا خَاصًّا لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ، فَمَا فِيهِ الِاشْتِرَاكُ لَا امْتِيَازَ فِيهِ، وَمَا فِيهِ الِامْتِيَازُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِيهِ مُشْتَرَكٌ وَمُمَيَّزٌ (٩) لَكِنْ فِيهِ وَصْفٌ يُشَابِهُ الْآخَرَ فِيهِ (١٠) وَوَصْفٌ لَا يُشَابِهُهُ فِيهِ. وَغَلَطُ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْإِلَهِيَّاتِ مِنْ جِنْسِ غَلَطِهِمْ (١١) فِي الْمَنْطِقِ فِي

стр. 1504

الْكُلِّيَّاتِ: الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالْفَصْلِ، وَالْخَاصَّةِ، وَالْعَرَضِ الْعَامِّ - حَيْثُ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيٌّ (١) مُشْتَرَكٌ فِيهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا وَبَيَّنَّا أَنَّ الْكُلِّيَّ الْمُشْتَرَكَ فِيهِ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُخْتَصًّا لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ، وَالِاشْتِرَاكُ وَالْعُمُومُ وَالْكُلِّيَّةُ إِنَّمَا تَعْرِضُ لَهُ إِذَا كَانَ ذِهْنِيًّا لَا خَارِجِيًّا. وَهُمْ قَسَّمُوا الْكُلِّيَّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: طَبِيعِيٌّ، وَمَنْطِقِيٌّ، وَعَقْلِيٌّ. فَالطَّبِيعِيُّ: هُوَ الْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطٍ، كَالْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَمِيعِ قُيُودِهِ. وَالْمَنْطِقِيُّ: كَوْنُهُ عَامًّا وَخَاصًّا، وَكُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا، فَنَفْسُ وَصْفِهِ بِذَلِكَ مَنْطِقِيٌّ ; لِأَنَّ الْمَنْطِقَ (٢) يَبْحَثُ فِي الْقَضَايَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُلِّيَّةً وَجُزْئِيَّةً. وَالْعَقْلِيُّ: هُوَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ الْمَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ عَامًّا وَمُطْلَقًا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ (* إِلَّا فِي الذِّهْنِ عِنْدَهُمْ، إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ شِيعَةِ أَفْلَاطُونَ مِنْ إِثْبَاتِ الْمُثُلِ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ، وَلَا رَيْبَ فِي بُطْلَانِ هَذَا، فَإِنَّ الْخَارِجَ لَا يُوجَدُ *) (٣) فِيهِ عَامٌّ. وَأَمَّا الْمَنْطِقِيُّ: فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الذِّهْنِ. وَأَمَّا الطَّبِيعِيُّ: فَقَدْ يَقُولُونَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ، فَإِذَا قُلْنَا: هَذَا الْإِنْسَانُ، فَفِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ لَكِنْ يُقَالُ: هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ لَكِنْ (٤) بِقَيْدِ التَّعْيِينِ وَالتَّخْصِيصِ لَا بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا مُطْلَقًا لَا

стр. 1505

بِشَرْطٍ، فَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقٌ لَا بِشَرْطٍ وَلَا مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، بَلْ إِنَّمَا فِيهِ الْمُعَيَّنُ الْمُخَصَّصُ، فَالَّذِي (١) يُقَدِّرُهُ الذِّهْنُ مُطْلَقًا لَا بِشَرْطِ التَّقْيِيدِ يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ بِشَرْطِ التَّقْيِيدِ. وَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْأَذْهَانِ بِمَا فِي الْأَعْيَانِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا مِنْ غَلَطِ الْمَنْطِقِيِّينَ مَا هُوَ سَبَبُ الضَّلَالِ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ كَاعْتِقَادِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْعَقْلِ أُمُورًا مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ. [وَهَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيُّونَ الْإِلَهِيُّونَ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ أَيْضًا: إِنَّ الْكُلِّيَّاتِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَيُوجَدُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ مَا يَظْهَرُ بِهِ خَطَأُ كَلَامِهِمْ فِي مَوَاضِعَ، فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَفَسَادِ الْفِطْرَةِ عَارِضٌ، فَقَلَّ مَنْ يُوجَدُ لَهُ (٢) كَلَامٌ فَاسِدٌ إِلَّا وَفِي كَلَامِهِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ وَيَظْهَرُ بِهِ تَنَاقُضُهُ.] (٣) . وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى تَوْحِيدِ هَؤُلَاءِ (٤) الْفَلَاسِفَةِ. وَهَؤُلَاءِ أَصَابَهُمْ فِي لَفْظِ الْوَاجِبِ مَا أَصَابَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي لَفْظِ الْقَدِيمِ، فَقَالُوا: الْوَاجِبُ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، كَمَا قَالَ أُولَئِكَ: لَا يَكُونُ الْقَدِيمُ إِلَّا وَاحِدًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ (٥) . وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ ظَهَرَ الزَّلَلُ فِي كَلَامِ مُتَأَخِّرِي الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا الْكَلَامَ

стр. 1506

بِالْفَلْسَفَةِ كَمَا ظَهَرَ أَيْضًا الْغَلَطُ فِي كَلَامِ مَنْ خَلَطَ التَّصَوُّفَ بِالْفَلْسَفَةِ، كَصَاحِبِ " مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ " وَ " الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " (١) وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (٢) مِمَّا قَدْ بُسِطَ (٣) الْكَلَامُ عَلَيْهَا (٤) فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. [الكلام على دليل التمانع عند المتكلمين] حَتَّى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى تَقْرِيرِ مُتَقَدِّمِيهِمْ لِدَلِيلِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ دَلِيلُ التَّمَانُعِ وَاسْتَشْكَلُوهُ. وَأُولَئِكَ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا [الدَّلِيلَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ . وَلَيْسَ الْأَمْرُ.] (٥) كَذَلِكَ بَلْ أُولَئِكَ قَصَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهَؤُلَاءِ قَصَّرُوا فِي مَعْرِفَةِ كَلَامِ (٦) أُولَئِكَ الْمُقَصِّرِينَ، فَلَمَّا قَصَّرُوا (٧) فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ (٨) عَدَلُوا (٩) إِلَى مَا أَوْرَثَهُمُ الشَّكَّ وَالْحَيْرَةَ وَالضَّلَالَ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لَكِنْ نُنَبِّهُ (١٠) عَلَيْهِ هُنَا. وَذَلِكَ أَنَّ دَلِيلَ التَّمَانُعِ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ لَكَانَ أَحَدُهُمَا إِذَا أَرَادَ أَمْرًا (١١) وَأَرَادَ الْآخَرُ خِلَافَهُ، مِثْلَ أَنْ

стр. 1507

يُرِيدَ أَحَدُهُمَا إِطْلَاعَ (١) الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَيُرِيدَ الْآخَرُ إِطْلَاعَهَا مِنْ مَغْرِبِهَا [أَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى] (٢) . امْتَنَعَ أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُهُمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَيَلْزَمُ إِمَّا (٣) أَنْ لَا يَحْصُلَ مُرَادُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا رَبًّا (٤) (٥ وَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ٥) (٥) فَيَكُونُ الَّذِي حَصَلَ مُرَادُهُ هُوَ الرَّبُّ دُونَ الْآخَرِ. وَقَدْ يُقَرَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ (٦) : إِذَا أَرَادَ مَا لَا يَخْلُو الْمَحَلُّ عَنْهُمَا، مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيكَ جِسْمٍ وَيُرِيدَ الْآخَرُ تَسْكِينَهُ، امْتَنَعَ حُصُولُ مُرَادِهِمَا، (٧ وَامْتَنَعَ عَدَمُ مُرَادِهِمَا ٧) (٧) جَمِيعًا ; لِأَنَّ الْجِسْمَ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَكُونُ هُوَ الرَّبَّ. وَعَلَى هَذَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ الْإِرَادَتَانِ فَلَا يُفْضِي إِلَى الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ أَجَابَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ عَارَضَهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ (٨) كَمَا قَدْ (٩) بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَهْتَدِ هَؤُلَاءِ إِلَى تَقْرِيرِ الْقُدَمَاءِ، كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَغَيْرِهِمْ.

стр. 1508

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ عَلِمُوا أَنَّ وُجُوبَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِرَادَةِ يَسْتَلْزِمُ عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمَا، [كَمَا أَنَّ تَمَانُعَهُمَا يَسْتَلْزِمُ عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمَا] ، (١) فَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ هَذَا التَّقْرِيرِ (٢) ; لِأَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ (٣) فَرْضَ اثْنَيْنِ يَقْتَضِي عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمَا. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَةُ الْآخَرِ، كَانَ ذَلِكَ أَظْهَرَ فِي عَجْزِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَيَّنَ ذَلِكَ، كَمَا بَيَّنُوا (٤) أَيْضًا امْتِنَاعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: إِذَا فُرِضَ رَبَّانِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَادِرًا بِنَفْسِهِ أَوْ لَا يَكُونَ قَادِرًا إِلَّا بِالْآخَرِ. [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا إِلَّا بِالْآخَرِ] (٥) ، كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ مُقْتَضِيًا لِلدَّوْرِ فِي الْعِلَلِ وَالْفَاعِلِينَ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ (* كُلٌّ مِنْهُمَا جَعَلَ الْآخَرَ قَادِرًا، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا فَاعِلًا حَتَّى يَكُونَ الْآخَرُ (٦) قَادِرًا، فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَعَلَ الْآخَرَ قَادِرًا فَقَدْ جَعَلَهُ فَاعِلًا، وَلَا يَكُونُ *) (٧) كُلٌّ مِنْهُمَا جَعَلَ الْآخَرَ رَبًّا (٨) ; لِأَنَّ الرَّبَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا (٩) ، فَيَكُونُ هَذَا جَعَلَ هَذَا قَادِرًا فَاعِلًا رَبًّا وَكَذَلِكَ الْآخَرُ.

стр. 1509

وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي الرَّبَّيْنِ الْوَاجِبَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا الْقَدِيمَيْنِ ; لِأَنَّ هَذَا (١) لَا يَكُونُ قَادِرًا (٢) رَبًّا فَاعِلًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْآخَرُ. فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا مَوْجُودًا حَتَّى يَجْعَلَهُ الْآخَرُ مَوْجُودًا. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ بِالضَّرُورَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلُ بِالْإِشَارَةِ (٣) إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الدَّوْرَ الْقَبْلِيَّ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، كَالدَّوْرِ فِي الْفَاعِلِينَ وَالْعِلَلِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ عِلَّةً لِلْآخَرِ وَفَاعِلًا لَهُ، أَوْ جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ وَالْفَاعِلِ. فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ قَادِرًا أَوْ فَاعِلًا إِلَّا بِالْآخَرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عِلَّةً فَاعِلَةً، أَوْ عِلَّةً (٤) لِتَمَامِ مَا بِهِ يَصِيرُ (٥) الْآخَرُ قَادِرًا فَاعِلًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، فَلَزِمَ أَنَّ الرَّبَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ إِرَادَةُ خِلَافِ مَا يُرِيدُ الْآخَرُ (٦) أَمْكَنَ اخْتِلَافُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُرِيدَ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ (٧) لَزِمَ الْعَجْزُ. فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُرِيدَ وَيَفْعَلَ إِلَّا مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ وَيَفْعَلُ (٨) ، لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ هَذَا (٩) أَيْضًا مُمْتَنِعٌ لِنَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ [هَذَا لَا يَقْدِرُ حَتَّى يَقْدِرَ هَذَا، كَانَ] (١٠) ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ. [فَإِذَا كَانَ هَذَا

стр. 1510

لَا يَكُونُ مُمْكِنًا إِلَّا بِتَمْكِينِ الْآخَرِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكُونُ قَادِرًا إِلَّا بِإِقْدَارِ الْآخَرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمَانِعُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الِانْفِرَادِ هُوَ الْآخَرُ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَانِعًا مَمْنُوعًا، وَهَذَا (١) لَا يَكُونُ مَانِعًا إِلَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَنْعِ وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ مِنَ الْفِعْلِ، فَقُدْرَتُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَوْلَى، فَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ فَاعِلًا (٢) حَتَّى يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ، وَإِذَا (٣) كَانَ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ، فَامْتَنَعَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعًا مَمْنُوعًا، (٤) وَذَلِكَ لَازِمٌ لِوُجُوبِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْفِعْلِ، فَعُلِمَ امْتِنَاعُ وُجُوبِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْفِعْلِ، وَثَبَتَ إِمْكَانُ اخْتِلَافِهِمَا] (٥) فَمَتَى فُرِضَ لُزُومُ اتِّفَاقِهِمَا (٦) كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ (٧) هَذَا فِي الْمَخْلُوقِينَ ; لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَهُمْ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ غَيْرِهِمَا. فَإِذَا قِيلَ: لَا يَقْدِرُ هَذَا حَتَّى يَقْدِرَ هَذَا، كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَالِثٌ (٨) يَجْعَلُهُمَا قَادِرَيْنِ، وَمِنْ هُنَا أَمْكَنَ الْمَخْلُوقُ أَنْ يُعَاوِنَ الْمَخْلُوقَ، وَامْتَنَعَتِ الْمُعَاوَنَةُ عَلَى خَالِقَيْنِ (٩) ; لِأَنَّ الْمَخْلُوقَيْنِ الْمُتَعَاوِنَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قُدْرَةٌ
следующие страницы →