← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

فَيُقَالُ لِلْإِمَامِيَّةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ [فِي الدُّنْيَا] (١) بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَبِمَا نَصَرَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ (٢) عَلَيْكُمْ، فَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَبِالْيَدِ وَالسِّنَانِ (٣) ، كَمَا أَظْهَرَ دِينَ نَبِيِّهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ٣٣] وَكَانَ مِنْ دِينِهِ (٤) قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي (٥) خَالَفْتُمُوهُمْ [فِيهِ] (٦) ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّةِ وَالسِّنَانِ (٧) ، كَظُهُورِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَطُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ إِلَّا بِأَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵃ ظُهُورًا لَمْ يَحْصُلْ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَدْيَانِ. وَعَلِيٌّ ﵁ مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمِنْ سَادَاتِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، فَلَمْ (٨) يَظْهَرْ فِي خِلَافَتِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَطَمِعَ فِيهِمْ عَدُوُّهُمْ مِنَ [الْكُفَّارِ وَ] النَّصَارَى (٩) وَالْمَجُوسِ

стр. 1822

بِالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ. وَأَمَّا بَعْدَ عَلِيٍّ فَلَمْ يُعْرَفْ أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ (*، وَلَا أَهْلُ يَدٍ وَسَيْفٍ، نَصَرَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ إِلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ. وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِمَّا أَنْ تُعَاوِنَ (١) أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا أَنْ *) (٢) تُمْسِكَ عَنْ نَصْرِ الطَّائِفَتَيْنِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْكُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبَيْنَ مَنْ عَادَاهُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ (٣) . الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ (٤) : أَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّظَلُّمُ مِمَّنْ هُوَ؟ إِنْ قُلْتُمْ: مِمَّنْ ظَلَمَ عَلِيًّا، كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ عَلَى زَعْمِكُمْ، فَيُقَالُ لَكُمْ: الْخَصْمُ فِي هَذَا (٥) عَلِيٌّ، وَقَدْ مَاتَ كَمَا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِنَا وَلَا بِكُمْ إِلَّا بِطَرِيقِ بَيَانِ الْحَقِّ وَمُوَالَاةِ أَهْلِهِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ بِالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَوْلَى بِالْعَدْلِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُمَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الظُّلْمِ مِنْ كُلِّ مَنْ سِوَاهُمَا، وَأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِمَامُ الْأُمَّةِ دُونَهُمَا، كَمَا يُذْكَرُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] (٦) . وَإِنْ قُلْتُمْ: نَتَظَلَّمُ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَنَعُوا هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ مِنِ الْإِمَامَةِ، فَهَذَا فَرْعٌ عَلَى كَوْنِ هَؤُلَاءِ [الِاثْنَى عَشَرَ] (٧) كَانُوا يَطْلُبُونَ

стр. 1823

الْإِمَامَةَ، أَوْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ [الْأُمَّةِ الْمَعْصُومُونَ] (١) ، وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الْقَوْمِ. وَسَوَاءٌ كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ إِنْ كَانُوا مُخْتَصِمِينَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٤٦] . وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ بَعْضِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مُنَازَعَةٌ فِي وِلَايَةٍ أَوْ مَالٍ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَحْكُمُ بَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَصِمِينَ، فَإِنَّ نَفْسَ الشِّيعَةِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُخَاصَمَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا بَيْنَ سَائِرِ طَوَائِفِ [أَهْلِ] (٢) السُّنَّةِ. وَبَنُو هَاشِمٍ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمْ نَوْعٌ مِنَ الْحُرُوبِ، وَقَدْ جَرَى (٣) بَيْنَ بَنِي حَسَنٍ وَبَنِي حُسَيْنٍ مِنَ الْحُرُوبِ مَا يَجْرِي بَيْنَ أَمْثَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ. وَالْحُرُوبُ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ أَكْثَرُ مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ بَيْنَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَعْضِ بَنِي هَاشِمٍ، لَا لِشَرَفِ نَسَبِ أُولَئِكَ إِذْ (٤) نَسَبُ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ، لَكِنْ لِأَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ هُوَ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، [ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ] (٥) ، فَالْخَيْرُ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ أَكْثَرُ وَالشَّرُّ فِيمَا بَعْدَهَا أَكْثَرُ.

стр. 1824

وَإِنْ كَانَ التَّظَلُّمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ (١) الَّذِينَ لَمْ يَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلَمْ يُعَاوِنُوا ظَالِمًا، وَلَكِنْ يَذْكُرُونَ مَا يَجِبُ مِنَ الْقَوْلِ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالدَّلَائِلِ الْكَاشِفَةِ لِلْحَقِّ، فَلَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَدْنَى عَقْلٍ أَنَّ (٢) مَنْ شَبَّهَ مِثْلَ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ وَأَمْثَالِهِمْ، بِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُشَامِ بْنِ سَالِمٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ شُيُوخِ الرَّافِضَةِ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ. وَكَذَلِكَ مَنْ شَبَّهَ الْمُفِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَالْكَرَاجَكِيَّ (٣) وَأَمْثَالَهُمَا بِمِثْلِ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ (٤) الْبَصْرِيِّ: إِنَّهُ لَمِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ شُيُوخُ الْمُعْتَزِلَةِ، دَعْ مُحَمَّدَ بْنَ الْهَيْصَمِ (٥) وَأَمْثَالَهُ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ وَأَمْثَالَهُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، دَعْ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ كَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ (٦) ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ بَطَّةَ (٧) ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، [وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيِّ] (٨) . وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ، وَأَبِي

стр. 1825

الْحَسَنِ الدَّرَاقُطْنِيِّ، وَ [أَبِي عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ مَنْدَهْ (١) ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ سَمْعُونَ (٢) ، وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ. فَمَا مِنْ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ - عَلَى تَنَوُّعِهِمْ - إِلَّا إِذَا اعْتَبَرْتَهَا وَجَدْتَهَا (٣) أَعْلَمَ وَأَعْدَلَ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، مِنْ طَائِفَةِ الرَّافِضَةِ (٤) ، فَلَا يُوجَدُ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ مُعَاوَنَةُ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي الرَّافِضَةِ أَكْثَرُ، وَلَا يُوجَدُ فِي الشِّيعَةِ بَعْدُ [مَا] عَنْ (٥) ظُلْمِ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ فِي هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ. وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ الْعِيَانُ وَالسَّمَاعُ، لِمَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ وَنَظَرٌ. وَلَا يُوجَدُ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ لَا (٦) أَكْذَبَ مِنْهُمْ، وَلَا أَظْلَمَ مِنْهُمْ، وَلَا أَجْهَلَ مِنْهُمْ. وَشُيُوخُهُمْ يُقِرُّونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، يَقُولُونَ: يَا أَهْلَ السُّنَّةِ أَنْتُمْ فِيكُمْ فُتُوَّةٌ لَوْ قَدَرْنَا عَلَيْكُمْ لَمَا عَامَلْنَاكُمْ (٧) بِمَا تُعَامِلُونَا بِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْنَا.

стр. 1826

الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ (١) : أَنْ يُقَالَ: هَذَا الشِّعْرُ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ [وَاسْتَحْسَنَهُ] (٢) هُوَ قَوْلُ جَاهِلٍ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى قَبُولِ مَا رَوَى جَدُّهُمْ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي، بَلْ هُمْ يَقْبَلُونَ مُجَرَّدَ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلَا يَسْأَلُونَهُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وَإِنَّمَا سُمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ لِاتِّبَاعِهِمْ لِسُنَّتِهِ (٣) ﷺ . لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي [مَعْرِفَةِ] (٤) مَا رَوَاهُ جَدُّهُمْ، فَهُمْ يَطْلُبُونَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ (٥) الْعَلَوِيِّينَ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ (٦) ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَفَادُوهُ مِنْهُ] (٧) . وَأَمَّا مُجَرَّدُ كَوْنِ جَدِّهِمْ رَوَى عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي إِذَا لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ فَمَا يَصْنَعُ لَهُمْ (٨) ؟ وَالنَّاسُ لَمْ يَأْخُذُوا قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا لِكَوْنِهِمْ يُسْنِدُونَ أَقْوَالَهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَتْبَعِهِمْ لِذَلِكَ، وَأَشَدِّهِمُ اجْتِهَادًا (٩) فِي مَعْرِفَةِ [ذَلِكَ] وَاتِّبَاعِهِ (١٠) ، وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِلنَّاسِ فِي تَعْظِيمِ مِثْلِ (١١) هَؤُلَاءِ؟ .

стр. 1827

وَعَامَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرْوِيهَا هَؤُلَاءِ يَرْوِيهَا أَمْثَالُهُمْ، وَكَذَلِكَ عَامَّةٌ مَا يُجِيبُونَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ يَقُولُهُ (١) أَمْثَالُهُمْ، وَلَا يَجْعَلُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَحْدَهُ (٢) مَعْصُومًا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، بَلْ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا تُشَاهِدُهُ فِي زَمَانِكَ مِنْ عِلْمِ (٣) أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِمَا (٤) ، وَأَنْتَ (٥) تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَعْرِفُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا يَفْقَهُ مَعَانِيَ (٦) ذَلِكَ. فَإِذَا قَالَ هَذَا: رَوَى جَدُّنَا عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ الْبَارِي. قِيلَ: نَعَمْ. وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا رَوَى جَدُّكُمْ عَنْ جِبْرِيلَ، وَأَنْتُمْ تَرْجِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَيْهِمْ. وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ تَعَلَّمَ (٧) بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -[ ﷺ ]- (٨) مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ مِنْ غَيْرِ بَنِي

стр. 1828

هَاشِمٍ، كَانَ هَذَا مِنْ أَمَارَةِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا كَعِلْمِ أَمْثَالِهِمْ. فَبِمَنْ (١) يَأْتَمُّ النَّاسُ، وَعَمَّنْ يَأْخُذُونَ؟ عَمَّنْ يَعْرِفُ (٢) مَا جَاءَ بِهِ جَدُّهُمْ أَوْ عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ وَالْعُلَمَاءُ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدَ (٣) أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ. وَإِنْ قَالَ: مُرَادِي بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ. قِيلَ لَهُ: مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَمْثَالُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَدِّهِمْ، فَمَقْبُولٌ مِنْهُمْ كَمَا يَرْوِيهِ أَمْثَالُهُمْ. وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَدُوهُ عِنْدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، لَمَا عَدَلُوا عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ. وَإِلَّا فَأَيُّ غَرَضٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَكِلَاهُمَا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ، فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ؟ لَوْ وَجَدُوا عِنْدَ مُوسَى [بْنِ جَعْفَرٍ] (٤) مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مَا وَجَدُوهُ عِنْدَ مَالِكٍ - مَعَ كَمَالِ رَغْبَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ الرَّسُولِ، وَنَفْسُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا يَسْتَفِيدُونَ عِلْمَ الرَّسُولِ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَفِيدُونَهُ مِنِ ابْنِ عَمِّهِمْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ جَاءَ بَعْدَ مَالِكٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي أَشْيَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ مَا وَقَعَ، وَهُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا

стр. 1829

بِبَنِي هَاشِمٍ (* مِنْ مَالِكٍ (١) ، وَمِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَغَيْرِ [بَنِي عَمِّهِ] (٢) - فَلَوْ وَجَدَ (٣) عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ *) (٤) أَعْظَمَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ، لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ مُسَارَعَةً إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذِ [الْعِلْمَ] (٥) عَنْ أَحَدٍ أَعْلَمَ مِنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ مَشْحُونَةً بِالْأَخْذِ عَنْ هَذَيْنِ [الِاثْنَيْنِ] (٦) وَعَنْ غَيْرِهِمَا (٧) ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَأَمْثَالِهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، عَلِمَ أَنَّ مَطْلُوبَهُ مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ -[ ﷺ ]- (٨) كَانَ عِنْدَ مَالِكٍ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ. وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ عُلِمَ كَمَالُ مَحَبَّتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِحَدِيثِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمُوَالَاتُهُ لِمَنْ يُوَافِقُهُ، وَمُعَادَاتُهُ لِمَنْ يُخَالِفُهُ، وَمَحَبَّتُهُ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَتَصْنِيفُهُ فِي فَضَائِلِهِمْ، حَتَّى صَنَّفَ " فَضَائِلَ (٩) عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ " كَمَا صَنَّفَ " فَضَائِلَ الصَّحَابَةِ (١٠) "، وَمَعَ

стр. 1830

هَذَا فَكُتُبُهُ مَمْلُوءَةٌ بِعِلْمِ (١) مِثْلِ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ، دُونَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ. فَلَوْ وَجَدَ مَطْلُوبَهُ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ لَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي ذَلِكَ. فَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أُولَئِكَ لَكِنْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلنَّاسِ فِي عِلْمٍ يَكْتُمُونَهُ؟ (٢) فَعِلْمٌ لَا يُقَالُ بِهِ كَكَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَكَيْفَ (٣) يَأْتَمُّ النَّاسُ بِمَنْ لَا يُبَيِّنُ لَهُمُ الْعِلْمَ الْمَكْتُومَ، كَالْإِمَامِ الْمَعْدُومِ، وَكَلَاهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانُوا يُبَيِّنُونَ (٤) ذَلِكَ لِخَوَاصِّهِمْ دُونَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ. قِيلَ: أَوَّلًا: هَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ. وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْهُ (٥) هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، كَمَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشَاهِيرِ (٦) الْأَعْيَانِ.

стр. 1831

ثُمَّ مَنْ ظَنِّ بِهَؤُلَاءِ السَّادَةِ أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ عِلْمَهُمْ (١) عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، وَيَخُصُّونَ بِهِ قَوْمًا مَجْهُولِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِهِمْ، فَإِنَّ فِي هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ وَالرَّغْبَةِ فِي حِفْظِ دِينِهِ وَتَبْلِيغِهِ وَمُوَالَاةِ مَنْ وَالَاهُ وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ وَصِيَانَتِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا لَا يُوجَدُ قَرِيبٌ مِنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ شُيُوخِ الشِّيعَةِ. وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ لِمَنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ. وَاعْتَبِرْ هَذَا مِمَّا تَجِدُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ شُيُوخِ السُّنَّةِ وَشُيُوخِ الرَّافِضَةِ، كَمُصَنِّفِ هَذَا الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ أَفْضَلُهُمْ فِي زَمَانِهِ، بَلْ يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي جِنْسِ الْعُلُومِ مُطْلَقًا. وَمَعَ هَذَا فَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَيَرْوِي الْكَذِبَ (٢) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَذِبٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَذِبٌ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ (٣) يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (٤) " وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قِيلَ:

стр. 1832

فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ ... وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ (* وَأَمَّا الْأَبْيَاتُ الَّتِي أَنْشَدَهَا فَقَدْ قِيلَ فِي مُعَارَضَتِهَا: إِذَا شِئْتَ أَنْ تَرْضَى لِنَفْسِكَ مَذْهَبًا ... تَنَالُ بِهِ الزُّلْفَى وَتَنْجُو مِنَ النَّارِ فَدِنْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَّةِ (١) الَّتِي ... أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ نَقْلِ أَخْيَارِ (٢) وَدَعْ عَنْكَ دِينَ الرَّفْضِ (٣) وَالْبِدَعِ الَّتِي يَقُودُكَ دَاعِيهَا إِلَى النَّارِ وَالْعَارِ وَسِرْ خَلْفَ أَصْحَابِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُمْ ... نُجُومُ هُدًى فِي ضَوْئِهَا يَهْتَدِي السَّارِي وَعُجْ عَنْ طَرِيقِ الرَّفْضِ فَهْوَ مُؤَسَّسٌ ... عَلَى الْكُفْرِ تَأْسِيسًا عَلَى جَرُفٍ هَارِ هُمَا خُطَّتَا (٤) : إِمَّا هُدًى وَسَعَادَةٌ ... وَإِمَّا شَقَاءٌ مَعْ ضَلَالَةِ كُفَّارِ فَأَيُّ فَرِيقَيْنَا (٥) أَحَقُّ بِأَمْنِهِ ... وَأَهْدَى سَبِيلًا عِنْدَ مَا يَحْكُمُ الْبَارِي أَمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ وَخَالَفَ الْـ ... كِتَابَ وَلَمْ يَعْبَا بِثَابِتِ أَخْبَارِ (٦) أَمِ الْمُقْتَدِي بِالْوَحْيِ يَسْلُكُ مَنْهَجَ الـ صَّحَابَةِ مَعْ حُبِّ الْقَرَابَةِ الَاطْهَارِ (٧) *) (٨)

стр. 1833

[كلام الرافضي على اختيار الناس لمذهب أهل السنة طلبا للدنيا والرد عليه] فَصْلٌ (١) . قَالَ الرَّافِضِيُّ (٢) : " وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنَ الْمُحَصِّلِينَ (٣) وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَاخْتَارَ (٤) غَيْرَ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ بَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ طَلَبًا لِلدُّنْيَا؛ حَيْثُ وُضِعَتْ لَهُمُ الْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَالْأَوْقَافُ حَتَّى تَسْتَمِرَّ (٥) لِبَنِي الْعَبَّاسِ الدَّعْوَةُ وَيُشِيدُوا (٦) لِلْعَامَّةِ اعْتِقَادَ إِمَامَتِهِمْ ". فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ (٧) لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِأَحْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَوْ مَنْ (٨) هُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا وَعِنَادًا، وَبُطْلَانُهُ (٩) ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى الْمَدَارِسُ أَقْوَى وَأَظْهَرُ، فَإِنَّ الْمَدَارِسَ إِنَّمَا بُنِيَتْ فِي بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ: بُنِيَتِ النِّظَامِيَّةُ فِي حُدُودِ السِّتِّينَ وَالْأَرْبَعِمِائَةِ، وَبُنِيَتْ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (١٠) . وَالْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ طَبَقَتِ الْمَشْرِقَ

стр. 1834

وَالْمَغْرِبَ (١) وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَدْرَسَةٌ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْغَرْبِ (٢) لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُمْ وَلَدُ الْعَبَّاسِ. ثُمَّ السُّنَّةُ كَانَتْ قَبْلَ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَظْهَرَ مِنْهَا وَأَقْوَى فِي دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ دَخَلَ فِي دَوْلَتِهِمْ كَثِيرٌ (٣) مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. ثُمَّ إِنَّ (٤) أَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَخْتَصُّ بِبَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنَّهُ لَوْ تَوَلَّاهَا بَعْضُ الْعَلَوِيِّينَ أَوِ الْأُمَوِيِّينَ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ جَازَ، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ مُدَاهَنَةِ الْمُلُوكِ أَوْ مُقَارَبَتِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ (٥) أَهْلَ السُّنَّةِ إِنَّمَا يُعَظِّمُونَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ. ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ أَحَدٌ (٦) رَافِضِيٌّ، بَلْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَجْهِيلِ الرَّافِضَةِ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَكُتُبُهُمْ كُلُّهَا

стр. 1835

شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَهَذِهِ كُتُبُ الطَّوَائِفِ كُلُّهَا تَنْطِقُ (١) بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يُلْجِئُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الرَّافِضَةِ، وَذِكْرِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ. وَهُمْ دَائِمًا يَذْكُرُونَ مِنْ جَهْلِ الرَّافِضَةِ وَضَلَالِهِمْ مَا يُعْلَمُ مَعَهُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّافِضَةَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَضَلِّهِمْ، وَأَبْعَدِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهُدَى. كَيْفَ (٢) . وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةِ قَدْ جَمَعَ عَظَائِمَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَهْمِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ رَافِضَةٌ (٣) . وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ فِي ذَمِّ كُلِّ (٤) صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ، وَالْكُتُبُ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ، كَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ شَرٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالْمُرْجِئَةِ (٥) وَالْحَرُورِيَّةِ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِي وَتَطَلُّعِي إِلَى مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ النَّاسِ [وَمَذَاهِبِهِمْ] (٦) مَا عَلِمْتُ رَجُلًا لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ يَتَّهِمُ (٧) بِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ (٨) يَعْتَقِدُهُ فِي الْبَاطِنِ. وَقَدِ اتُّهِمَ بِمَذْهَبِ الزَّيْدِيَّةِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، وَكَانَ فَقِيهًا

стр. 1836

صَالِحًا (١) زَاهِدًا (٢) ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْقُلْ (٣) أَحَدٌ عَنْهُ (٤) : إِنَّهُ طَعَنَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشُكَّ فِي إِمَامَتِهِمَا. وَاتُّهِمَ (٥) طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى (* بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ (٦) ، وَلَمْ يُتَّهَمْ أَحَدٌ مِنَ الشِّيعَةِ الْأُولَى بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَلْ كَانَتْ عَامَّةُ الشِّيعَةِ الْأُولَى *) (٧) الَّذِينَ يُحِبُّونَ عَلِيًّا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ (٨) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَكِنْ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ تُرَجِّحُهُ (٩) عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ النَّاسُ فِي الْفِتْنَةِ صَارُوا شِيعَتَيْنِ: شِيعَةً عُثْمَانِيَّةً، وَشِيعَةً عَلَوِيَّةً. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ كَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى عُثْمَانَ، بَلْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُفَضِّلُ عُثْمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

стр. 1837

[كلام الرافضي على تدين بعض أهل السنة بمذهب الإمامية في الباطن والرد عليه] فَصْلٌ (١) . قَالَ الرَّافِضِيُّ (٢) : " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا مَنْ يَتَدَيَّنُ فِي الْبَاطِنِ بِمَذْهَبِ (٣) الْإِمَامِيَّةِ، وَيَمْنَعُهُ عَنْ إِظْهَارِهِ حُبُّ الدُّنْيَا وَطَلَبُ الرِّيَاسَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ يَقُولُ: إِنِّي عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَ (٤) تَدْرُسُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي مَذْهَبِكُمُ الْبَغْلَاتُ وَالْمُشَاهَرَاتُ. وَكَانَ أَكْبَرُ مُدَرِّسِي (٥) الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا حَيْثُ تُوُفِّيَ أَوْصَى أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ فِي غَسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ (٦) وَأَنْ يُدْفَنَ فِي مَشْهَدِ مَوْلَانَا الْكَاظِمِ، وَأَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ ". وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " وَكَثِيرًا مَا رَأَيْنَا " هَذَا كَذِبٌ (٧) ، بَلْ قَدْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيٌّ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ مَنْ هُوَ فِي الْبَاطِنِ مُنَافِقٌ، فَإِنَّ الرَّافِضَةَ لَمَّا كَانُوا مِنْ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ يُخْفُونَ أَمْرَهُمُ احْتَاجُوا أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ (٨) ، كَمَا احْتَاجَ الْمُنَافِقُونَ (٩) أَنْ يَتَظَاهَرُوا بِغَيْرِ الْكُفْرِ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا فِيمَنْ هُوَ

стр. 1838

جَاهِلٌ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ كَيْفَ كَانَ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ رَافِضِيًّا إِلَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ، أَوْ جَاهِلٌ بِالْإِسْلَامِ كَيْفَ كَانَ، [مُفْرِطٌ فِي الْجَهْلِ] (١) . وَالْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمُدَرِّسِينَ ذَكَرَ لِي بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا كَذِبٌ مُفْتَرًى، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُدَرِّسِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ هُوَ زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ مَارِقٌ مِنَ الْإِسْلَامِ (٢) ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ رَافِضِيًّا. وَمَنِ اسْتَدَلَّ بِزَنْدَقَةِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ زَنَادِقَةٌ، كَانَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، كَذَلِكَ (٣) مَنِ اسْتَدَلَّ بِرَفْضِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْبَاطِنِ. وَلَوْ كُشِفَ لَنَا عَنِ اسْمِ هَذَا الْمُدَرِّسِ وَهَذَا الْمُدَرِّسِ لَبَيَّنَّا مِنْ جَهْلِهِ (٤) مَا يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ حَالِهِ (٥) . وَهَلْ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِ الرَّجُلِ تَوَلَّى التَّدْرِيسَ فِي مِثْلِ دَوْلَةِ التُّرْكِ الْكُفَّارِ، أَوِ الْحَدِيثِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، مَا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْمُدَرِّسِ وَدِيَانَتِهِ، حَتَّى يُجْعَلَ لَهُ قَوْلٌ؟ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ (٦) كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَوَلَّى التَّدْرِيسَ

стр. 1839

بِجَاهِ الظَّلَمَةِ الْجُهَّالِ (١) يَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَظْلَمِهِمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُلَمَاءِ مَا اشْتَهَرَ مِنْ عِلْمِهُمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ آثَارِ كَلَامِهِمْ وَكُتُبِهِمْ. فَهَلْ عَرَفَ أَحَدٌ (٢) مِنْ فُضَلَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَ [أَصْحَابِ] مَالِكٍ (٣) كَانَ رَافِضِيًّا؟ أَمْ يَعْلَمُ (٤) بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ كُلَّ فَاضِلٍ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ (٥) مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِنْكَارًا لِلرَّفْضِ. وَقَدِ اتُّهِمَ طَائِفَةٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ بِالْمَيْلِ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اتُّهِمَ بِالرَّفْضِ (٦) ، لِبُعْدِ الرَّفْضِ (٧) عَنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ أَقْوَالُهُمْ مُتَضَمِّنَةً (٨) لِبِدَعٍ مُنْكَرَةٍ، فَإِنَّ فِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ (٩) وَالدِّينِ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْإِسْلَامِ [مِنْهُمْ] (١٠) مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْمَلَاحِدَةِ، بَلْ وَمِنَ الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ مَا أَوْجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِمْ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِنِ انْتَسَبُوا (١١) إِلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ

стр. 1840

الطَّوَائِفِ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَمَنْ دَخَلَ فِيهِمْ مِنَ الْمُظْهِرِينَ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ بَاطِنًا (١) فَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ، أَوْ زِنْدِيقًا مُلْحِدًا. [كلام الرَّافِضِيُّ على وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ] فَصْلٌ (٢) . قَالَ الرَّافِضِيُّ (٣) : " الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا (٤) إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ (٥) ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ (٦) ، وَهُمَا (٧) إِمَامَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ تَسْطِيحَ الْقُبُورِ هُوَ الْمَشْرُوعُ، لَكِنْ لَمَّا جَعَلَتْهُ الرَّافِضَةُ شِعَارًا لَهُمْ (٨) عَدَلْنَا عَنْهُ إِلَى التَّسْنِيمِ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ،

стр. 1841

وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [سُورَةِ الْأَحْزَابِ: ٤٢] أَنَّهُ يَجُوزُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُصَلَّى عَلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتِ الرَّافِضَةُ ذَلِكَ فِي (١) أَئِمَّتِهِمْ مَنَعْنَاهُ، وَقَالَ مُصَنِّفُ " الْهِدَايَةِ " مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْمَشْرُوعَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ (٢) ، وَلَكِنْ لَمَّا اتَّخَذَتْهُ الرَّافِضَةُ جَعَلْنَا التَّخَتُّمَ فِي (٣) فِي الْيَسَارِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. فَانْظُرْ إِلَى مَنْ يُغَيِّرُ الشَّرِيعَةَ وَيُبَدِّلُ الْأَحْكَامَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٤) وَيَذْهَبُ إِلَى ضِدِّ الصَّوَابِ مُعَانَدَةً لِقَوْمٍ [مُعَيَّنِينَ] (٥) ، فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى أَقْوَالِهِ (٦) ؟ ". وَالْجَوَابُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِالرَّافِضَةِ أَلْصَقُ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ بُرَآءٌ مِنْ هَذَا. أَمَّا الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: لَا نَعْلَمُ طَائِفَةً أَعْظَمَ تَعَصُّبًا فِي الْبَاطِلِ مِنَ الرَّافِضَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ دُونَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ عُرِفَ مِنْهُمْ شَهَادَةُ الزُّورِ لِمُوَافِقِهِمْ

стр. 1842

عَلَى مُخَالِفِهِمْ، وَلَيْسَ فِي التَّعَصُّبِ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ، وَحَتَّى أَنَّهُمْ فِي التَّعَصُّبِ جَعَلُوا لِلْبِنْتِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ، لِيَقُولُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ ﵂ وَرِثَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دُونَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ [﵁] (١) ، وَحَتَّى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ حَرَّمَ لَحْمَ الْجَمَلِ (٢) ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَاتَلَتْ عَلَى جَمَلٍ، فَخَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةَ لِأَمْرٍ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ (٣) ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْجَمَلَ الَّذِي رَكِبَتْهُ عَائِشَةُ [﵂] (٤) مَاتَ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ حَيٌّ فَرُكُوبُ الْكُفَّارِ عَلَى الْجِمَالِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا، وَمَا زَالَ الْكُفَّارُ يَرْكَبُونَ جِمَالًا (٥) وَيَغْنَمُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ، وَلَحْمُهَا حَلَالٌ لَهُمْ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي رُكُوبِ عَائِشَةَ لِلْجَمَلِ مِمَّا (٦) يُوجِبُ تَحْرِيمَ لَحْمِهِ؟ . وَغَايَةُ مَا يَفْرِضُونَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا رَكِبَ جَمَلًا (٧) ، مَعَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ مُفْتَرُونَ فِيمَا يَرْمُونَ بِهِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂. وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ (٨) " الْعَشَرَةِ " بَلْ يَقُولُونَ: تِسْعَةٌ وَوَاحِدٌ. وَإِذَا بَنَوْا أَعْمِدَةً أَوْ غَيْرَهَا لَا يَجْعَلُونَهَا عَشَرَةً، وَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ.

стр. 1843

مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ قَدْ جَاءَ بِذِكْرِ " الْعَشَرَةِ " وَ " الْعَشْرِ " (١) فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ١٩٦] ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ٢٣٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ١٤٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْرِ - وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [سُورَةِ الْفَجْرِ: ١، ٢] . فَذَكَرَ اسْمَ " الْعَشَرَةِ " فِي مَوَاضِعَ مَحْمُودَةٍ. وَذَكَرَ اسْمَ " التِّسْعَةِ " فِي مَوْضِعٍ مَذْمُومٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [سُورَةِ النَّمْلِ: ٤٨] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» " (٢) . وَكَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ: " «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ» " (٣) فَإِذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِاسْمِ " الْعَشَرَةِ " وَعَلَّقَ بِهَذَا

стр. 1844

[الْعَدَدِ] (١) أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً مَحْمُودَةً، كَانَ نُفُورُهُمْ عَنِ التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ تَسَمَّى بِهِ (٢) عَشَرَةٌ مِنَ النَّاسِ يُبْغِضُونَهُمْ غَايَةَ الْجَهْلِ وَالتَّعَصُّبِ. ثُمَّ قَوْلُهُمْ: تِسْعَةٌ وَوَاحِدَةٌ، هُوَ مَعْنَى الْعَشَرَةِ مَعَ طُولِ الْعِبَارَةِ. وَإِذَا (٣) كَانَ اسْمُ الْعَشَرَةِ أَوِ التِّسْعَةِ أَوِ السَّبْعَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْدُودٍ بِهَذَا الْعَدَدِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ النَّاسِ أَوِ الدَّوَابِّ أَوِ الثِّيَابِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، وَبَعْضُ الْمَعْدُودَاتِ يَكُونُ مَحْمُودًا، وَبَعْضُهَا يَكُونُ مَذْمُومًا، فَنُفُورُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْأَعْدَادِ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ (٤) ، وَإِنَّمَا هُوَ كَنُفُورِهِمْ عَنِ التَّكَلُّمِ بِأَسْمَاءِ قَوْمٍ يُبْغِضُونَهُمْ، كَمَا يَنْفِرُونَ عَمَّنِ اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ [وَعُثْمَانُ] (٥) لِبُغْضِهِمْ لِشَخْصٍ كَانَ اسْمُهُ هَذَا الِاسْمَ. وَقَدْ كَانَ مِنَ (٦) الصَّحَابَةِ ﵃ مَنْ هُوَ مُسَمًّى بِأَسْمَاءٍ تُسَمَّى بِهَا (٧) بَعْضُ الْكُفَّارِ كَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى

стр. 1845

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ [إِذَا قَنَتَ] (١) : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَنْجِ سَلَمَةَ (٢) بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» " (٣) . وَهَذَا الْوَلِيدُ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَأَبُوهُ الْوَلِيدُ كَافِرٌ شَقِيٌّ، وَكَذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ وَأُتِينَا بِرُطَبِ ابْنِ طَابَ (٤) ، فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا (٥) فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ لَنَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» (٦) ". وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَفِي الْكُفَّارِ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ قُتِلَ هُوَ وَأَبُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرَيْنِ. وَفِي الصَّحَابَةِ

стр. 1846

كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ شَاعِرُ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ (١) الْأَشْرَفِ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢) حَتَّى نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِقَتْلِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابَهُ (٣) . وَفِي الصَّحَابَةِ «أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (٤) الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ » [سُورَةِ الْبَيِّنَةِ: ١] (٥) يَعْنِي قِرَاءَةَ (٦) تَبْلِيغٍ لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ (٧) . وَفِي الْمُشْرِكِينَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ [أَحَدًا] (٨) غَيْرَهُ، وَقَالَ: " «إِنَّ (٩) مِنْ أَشَدِّ

стр. 1847

النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ» " (١) . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ. [وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ] (٢) ، وَقَدْ سَمَّى عَلِيٌّ ﵁ ابْنَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ (٣) . فَفِي الْجُمْلَةِ أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، كَمَا تُسَمِّي الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَالْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَلَيْسَ فِي تَسْمِيَةِ الْكَافِرِ بِاسْمٍ مَا يُوجِبُ هِجْرَانَ ذَلِكَ الِاسْمِ (٤) ، [فَلَوْ فُرِضَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَنَّ هَؤُلَاءِ كُفَّارٌ، كَمَا يَقُولُ الْمُفْتَرُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ (٥) - لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ هِجْرَانَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ] (٦) ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي التَّعَصُّبِ وَالْجَهْلِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَكْرَهُونَ هَذَا الِاسْمَ لِأَنَّ الْمُسَمًّى بِهِ يَكُونُ سُنِّيًّا.

стр. 1848

قِيلَ: فَهُمْ قَدْ يَعْرِفُونَ (١) مَذْهَبَ الرَّجُلِ وَلَا يُخَاطِبُونَهُ بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ، مُبَالَغَةً فِي هِجْرَانِ هَذَا الِاسْمِ. وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا وَجَدُوا مُسَمًّى بِعَلِيٍّ أَوْ جَعْفَرٍ أَوِ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ بَادَرُوا إِلَى إِكْرَامِهِ (٢) ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فَاسِقًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ سُنِّيًّا، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُسَمُّونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ. كُلُّ هَذَا مِنَ التَّعَصُّبِ وَالْجَهْلِ، وَمِنْ تَعَصُّبِهِمْ وَجَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يُبْغِضُونَ بَنِي أُمَيَّةَ كُلَّهُمْ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ كَانَ مِمَّنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا. وَقَدْ كَانَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ قَوْمٌ صَالِحُونَ مَاتُوا قَبْلَ الْفِتْنَةِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ أَكْثَرَ الْقَبَائِلِ عُمَّالًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ (٣) ، وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (٤) بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَخَوَيْهِ (٥) أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ (٦) وَسَعِيدَ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى أَعْمَالٍ أُخَرَ (٧) ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ

стр. 1849

حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى نَجْرَانَ أَوِ ابْنَهُ (١) يَزِيدَ، وَمَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا (٢) ، وَصَاهَرَ [نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ] (٣) بِبَنَاتِهِ الثَّلَاثَةِ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَزَوَّجَ أَكْبَرَ بَنَاتِهِ زَيْنَبَ بِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ (٤) ، وَحَمِدَ صِهْرَهُ لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ (٥) أَبِي جَهْلٍ، فَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي [أُمَيَّةَ] (٦) بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ، وَقَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي (٧) ، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي " (٨) .

стр. 1850

«وَزَوَّجَ ابْنَتَيْهِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ: " لَوْ كَانَتْ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْنَاهَا عُثْمَانَ» " (١) . وَكَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ (٢) يُبْغِضُونَ أَهْلَ الشَّامِ؛ لِكَوْنِهِمْ (٣) كَانَ فِيهِمْ أَوَّلًا مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَكَّةَ كَانَ فِيهَا كُفَّارٌ وَمُؤْمِنُونَ، وَكَذَلِكَ الْمَدَنِيَّةُ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنُونَ وَمُنَافِقُونَ (٤) ، وَالشَّامُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ (٥) مَنْ يَتَظَاهَرُ بِبُغْضِ عَلِيٍّ، وَلَكِنْ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ يَسْحَبُونَ ذَيْلَ الْبُغْضِ. وَكَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يَذُمُّونَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْ آثَارِ بَنِي أُمَيَّةَ، كَالشُّرْبِ مِنْ نَهْرِ يَزِيدَ، وَيَزِيدُ لَمْ يَحْفِرْهُ [وَلَكِنْ وَسَّعَهُ] (٦) ،

стр. 1851

وَكَالصَّلَاةِ فِي جَامِعٍ بَنَاهُ بَنُو أُمَيَّةَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ يَسْكُنُ فِي الْمَسَاكِنِ الَّتِي بَنَوْهَا، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْ [مَاءِ] (١) الْآبَارِ الَّتِي حَفَرُوهَا، وَيَلْبَسُ [مِنَ] (٢) الثِّيَابِ الَّتِي نَسَجُوهَا، وَيُعَامِلُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي ضَرَبُوهَا. فَإِذَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِمَسَاكِنِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ، وَالْمِيَاهِ الَّتِي أَنْبَطُوهَا (٣) ، وَالْمَسَاجِدِ الَّتِي بَنَوْهَا، فَكَيْفَ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ؟ ! . فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ كَافِرًا وَحَفَرَ نَهْرًا، لَمْ يُكْرَهِ الشُّرْبُ مِنْهُ (٤) بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لِفَرْطِ تَعَصُّبِهِمْ كَرِهُوا مَا يُضَافُ إِلَى مَنْ يُبْغِضُونَهُ. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي ثِقَةٌ أَنَّهُ كَانَ لِرَجُلٍ (٥) مِنْهُمْ كَلْبٌ فَدَعَاهُ آخَرُ مِنْهُمْ: بُكَيْرٌ

стр. 1852

بُكَيْرٌ (١) فَقَالَ صَاحِبُ الْكَلْبِ: أَتُسَمِّي كَلْبِي بِأَسْمَاءِ أَصْحَابِ النَّارِ (٢) ؟ ! فَاقْتَتَلَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَرَى بَيْنَهُمَا دَمٌ. فَهَلْ يَكُونُ أَجْهَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ ! . وَالنَّبِيُّ ﷺ يُسَمِّي أَصْحَابَهُ بِأَسْمَاءٍ قَدْ تَسَمَّى بِهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ [اللَّهُ] (٣) فِي الْقُرْآنِ، كَالْوَحِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ [فِي الْقُرْآنِ] (٤) فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ١١] وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لِابْنِ هَذَا، وَاسْمُهُ أَيْضًا الْوَلِيدُ، وَيُسَمِّي الِابْنَ وَالْأَبَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: " «اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ» " كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ (٥) . وَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ (٦) أَنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى يَوْمٍ أَحَبَّ اللَّهُ صِيَامَهُ فَيَرَوْنَ فِطْرَهُ، كَيَوْمِ عَاشُورَاءَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ (٧) وَإِذَا نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ " وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٨)

стр. 1853

وَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وَتَعَصُّبِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى دَابَّةٍ عَجْمَاءَ فَيُؤْذُونَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، إِذْ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُبْغِضُونَهُ (١) ، كَمَا يَعْمِدُونَ إِلَى نَعْجَةٍ حَمْرَاءَ يُسَمُّونَهَا عَائِشَةَ وَيَنْتِفُونَ شَعْرَهَا، وَيَعْمِدُونَ إِلَى دَوَابَّ لَهُمْ فَيُسَمُّونَ بَعْضَهَا أَبَا بَكْرٍ وَبَعْضَهَا عُمَرَ وَيَضْرِبُونَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُصَوِّرُونَ صُورَةَ إِنْسَانٍ مِنْ حَيْسٍ (٢) يَجْعَلُونَهُ عُمَرَ وَيَبْعَجُونَ بَطْنَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ وَيَشْرَبُونَ دَمَهُ (٣) . وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ فَنَقُولُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ أَنَّ مَا كَانَ مَشْرُوعًا لَمْ يُتْرَكْ لِمُجَرَّدِ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ: لَا الرَّافِضَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ. وَأُصُولُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ تُوَافِقُ (٤) هَذَا، مِنْهَا مَسْأَلَةُ التَّسْطِيحِ الَّذِي ذَكَرَهَا،

стр. 1854

فَإِنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ أَنَّ تَسْنِيمَ الْقُبُورِ أَفْضَلُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ مُسَنَّمًا» (١) ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ مُشَابَهَةِ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَأَمْنَعُ عَنِ الْقُعُودِ (٢) عَلَى الْقُبُورِ. وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ التَّسْطِيحَ لِمَا رُوِيَ مِنَ الْأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ (٣) الْقُبُورِ، فَرَأَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ هِيَ التَّسْطِيحُ (٤) ، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ قَالَ: [إِنَّ] (٥) هَذَا شِعَارُ الرَّافِضَةِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ، فَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ (٦) وَقَالُوا: بَلْ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَإِنْ فَعَلَتْهُ الرَّافِضَةُ. وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ هُوَ (٧) مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ تَكَلَّمَ فِي الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِهَا، وَبِسَبَبِ (٨) الْقُنُوتِ، وَنَسَبَهُ إِلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْعِرَاقِ أَنَّ الْجَهْرَ [كَانَ] (٩) مِنْ شِعَارِ (١٠)

стр. 1855

الرَّافِضَةِ، وَأَنَّ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ كَانَ مِنْ شِعَارِ (١) الْقَدَرِيَّةِ [الرَّافِضَةِ] (٢) ، حَتَّى أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ، [كَمَا يَذْكُرُونَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ كَانَ مِنْ شِعَارِ الرَّافِضَةِ] (٣) ، وَمَعَ هَذَا فَالشَّافِعِيُّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ. وَكَذَلِكَ إِحْرَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَقِيقِ يُسْتَحَبُّ (٤) عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ. وَكَذَلِكَ مَالِكٌ يُضَعِّفُ أَمْرَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، حَتَّى أَنَّهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَمْسَحُ فِي الْحَضَرِ، وَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ. وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، الْمَشْهُورُ عَنْهُ (٥) أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَسْتَظِلُّ (٦) بِالْمَحْمَلِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلَ الرَّافِضَةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ السُّجُودَ يُكْرَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَالرَّافِضَةُ يَمْنَعُونَ مِنَ (٧) السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْتَحِبُّ الْمُتْعَةَ - مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَيَأْمُرُ بِهَا حَتَّى يَسْتِحَبَّ (٨) هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ - أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ - لِمَنْ أَحْرَمَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَنْ

стр. 1856

يَفْسَخَ ذَلِكَ إِلَى الْعُمْرَةِ وَيَصِيرَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ جَاءَتْ بِذَلِكَ؛ حَتَّى قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (١) لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَوِيَتْ قُلُوبُ الرَّافِضَةِ لَمَّا أَفْتَيْتَ أَهْلَ خُرَاسَانَ بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ، كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ أَنَّكَ أَحْمَقُ، وَكُنْتُ أَدْفَعُ عَنْكَ، وَالْآنَ فَقَدْ (٢) ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّكَ أَحْمَقُ: عِنْدِي أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؟ ! . وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى (٣) غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ [﵁ (٤) ] : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلِيِّ (٥) وَغَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ

стр. 1857

اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄ (١) ] أَنَّهُ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ [مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ] عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ (٢) (* وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ [﵁] (٣) قَالَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَمَّا صَارَتِ الشِّيعَةُ تَخُصُّ بِالصَّلَاةِ عَلِيًّا دُونَ غَيْرِهِ، [وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي حَقِّهِ بِخُصُوصِهِ دُونَ غَيْرِهِ] (٤) ، وَهَذَا خَطَأٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَيُصَلَّى عَلَى جَمِيعِ آلِهِ تَبَعًا لَهُ (٥) . وَآلُ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ هُمُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ (٦) عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا إِلَى أَنَّهُمْ أُمَّةُ [مُحَمَّدٍ ﷺ ] . وَقَالَتْ (٧) طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّهُمُ الْأَوْلِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ، وَرُوِيَ (٨) فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ

стр. 1858

ضَعِيفٌ (١) لَا يَثْبُتُ، فَالَّذِي قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ (٢) لَا يُصَلُّونَ إِلَّا عَلَى عَلِيٍّ دُونَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى عَلِيٍّ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَيُكْرَهُ (٣) لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ، فَأَمَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى (٤) عَلَى عَلِيٍّ وَعَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ (٥) . فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي فِعْلٍ مُسْتَحَبٍّ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ لَمْ يَصِرْ مُسْتَحَبًّا * (٦)) . [وَمِنْ هُنَا] (٧) ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَرْكِ بَعْضِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا صَارَتْ شِعَارًا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا بِذَلِكَ (٨) ، لَكِنْ قَالَ (٩) : فِي إِظْهَارِ ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ لَهُمْ، فَلَا يَتَمَيَّزُ السُّنِّيُّ مِنَ الرَّافِضِيِّ، وَمَصْلَحَةُ التَّمَيُّزِ (١٠) عَنْهُمْ لِأَجْلِ هِجْرَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ هَذَا الْمُسْتَحَبِّ. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إِذَا كَانَ فِي الِاخْتِلَاطِ وَالِاشْتِبَاهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ فِعْلِ ذَلِكَ (١١) الْمُسْتَحَبِّ، لَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ عَارِضٌ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَجْعَلَ الْمَشْرُوعَ لَيْسَ

стр. 1859

بِمَشْرُوعٍ دَائِمًا، بَلْ هَذَا مِثْلُ لِبَاسِ (١) شِعَارِ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا [إِذَا] (٢) لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لَهُمْ، كَلُبْسِ الْعِمَامَةِ الصَّفْرَاءِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ شِعَارًا لِلْيَهُودِ، فَإِذَا صَارَ شِعَارًا لَهُمْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ (٣) . [زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة] فَصْلٌ (٤) . قَالَ الرَّافِضِيُّ (٥) : " مَعَ أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا أَشْيَاءَ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فَإِنَّ مَصِيرَهَا إِلَى النَّارِ» ". وَقَالَ ﷺ : " «مَنْ أَدْخَلَ (٦) فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» "، وَلَوْ رُدُّوا عَنْهَا كَرِهَتْهُ (٧) نُفُوسُهُمْ وَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ، كَذِكْرِ الْخُلَفَاءِ فِي خُطَبِهِمْ (٨) مَعَ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا فِي زَمَنِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَا فِي صَدْرِ (٩) وِلَايَةِ الْعَبَّاسِيِّينَ، بَلْ شَيْءٌ (١٠) أَحْدَثَهُ الْمَنْصُورُ لِمَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ

стр. 1860

الْعَلَوِيَّةِ (١) [خِلَافٌ] (٢) ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُرْغِمَنَّ أَنْفِي وَأُنُوفَهُمْ وَأَرْفَعُ (٣) عَلَيْهِمْ بَنِي تَيْمٍ وَعَدِيٍّ، وَذَكَرَ الصَّحَابَةَ فِي خُطْبَتِهِ، وَاسْتَمَرَّتْ [هَذِهِ الْبِدْعَةُ] (٤) إِلَى هَذَا الزَّمَانِ ". [الجواب على زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة من وجوه] فَيُقَالُ: الْجَوَابُ (٥) مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذِكْرَ الْخُلَفَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَحَدِيثُ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ (٦) مِنْ أَشْهَرِ الْأَحَادِيثِ. فَرَوَى الطَّلَمَنْكِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إِذَا خَطَبَ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ وَالِيَهَا، صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ثَنَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَدْعُو لَهُ. فَيَقُومُ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ فَيَقُولُ (٧) : فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ (٨) ذِكْرِ صَاحِبِهِ قَبْلَهُ يُفَضِّلُهُ؟ (٩) - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ﵄. ثُمَّ قَعَدَ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا أَمْحَكَهُ (١٠) أَبُو مُوسَى، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ ﵁ أَنَّ ضَبَّةَ
следующие страницы →