← Акыда

Акыда · id 927

منهاج السنة النبوية

ابن تيمية

Полный текст (4 413 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. [وَسَائِرُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالِاعْتِبَارُ] (١) . وَأَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ تَقْدِيمِ جَعْفَرٍ أَوْ تَقْدِيمِ طَلْحَةَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ فِي أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ لَا تَقْدِيمًا عَامًّا، [وَكَذَلِكَ مَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي عَلِيٍّ] (٢) .

стр. 632

[الرد على القسم الثاني من المقدمة] وَأَمَّا قَوْلُهُ (١) : " وَبَعْضُهُمُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ (٢) وَرَأَى (٣) لِطَالِبِ الدُّنْيَا مُتَابِعًا (٤) ، فَقَلَّدَهُ [وَبَايَعَهُ] (٥) وَقَصَّرَ فِي نَظَرِهِ، فَخَفِيَ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَاسْتَحَقَّ (٦) ، الْمُؤَاخَذَةَ مِنَ اللَّهِ (٧) بِإِعْطَاءِ الْحَقِّ لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ " قَالَ: " وَبَعْضُهُمْ قَلَّدَ لِقُصُورِ فِطْنَتِهِ، وَرَأَى الْجَمَّ الْغَفِيرَ فَتَابَعَهُ، وَتَوَهَّمَ (٨) أَنَّ الْكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ الصَّوَابَ، وَغَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [سُورَةُ ص: ٢٤] ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سُورَةُ سَبَأٍ: ١٣] ". فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُفْتَرِي الَّذِي جَعَلَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: أَكْثَرُهُمْ طَلَبُوا الدُّنْيَا، وَصِنْفٌ قَصَّرُوا فِي النَّظَرِ، وَصِنْفٌ عَجَزُوا عَنْهُ ; لِأَنَّ الشَّرَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِفَسَادِ الْقَصْدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجَهْلِ، وَالْجَهْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَفْرِيطٍ فِي النَّظَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَجْزٍ عَنْهُ. وَذَكَرَ (٩) أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ (١٠) وَغَيْرِهِمْ مَنْ قَصَّرَ فِي النَّظَرِ حِينَ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ نَظَرَ لَعَرَفَ الْحَقَّ، وَهَذَا يُؤَاخَذُ عَلَى تَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ النَّظَرِ الْوَاجِبِ. وَفِيهِمْ

стр. 633

مَنْ عَجَزَ عَنِ النَّظَرِ فَقَلَّدَ الْجَمَّ الْغَفِيرَ، يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى [سَبَبِ] (١) مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ. فَيُقَالُ لَهُ: وَهَذَا مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَعْجَزُ عَنْهُ أَحَدٌ. وَالرَّافِضَةُ قَوْمُ بُهْتٍ، فَلَوْ طُلِبَ مِنْ هَذَا الْمُفْتَرِي دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ. وَاللَّهُ [تَعَالَى] (٢) قَدْ حَرَّمَ الْقَوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمَعْرُوفُ (٣) ضِدَّ مَا قَالَهُ؟ فَلَوْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ عَالِمِينَ بِأَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ نَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِمَا لَا نَعْلَمُ مِنْ فَسَادِ الْقَصْدِ وَالْجَهْلِ بِالْمُسْتَحَقِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: ٣٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ٦٦] . فَكَيْفَ إِذَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَكْمَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ (٤) عَقْلًا [وَعِلْمًا] (٥) وَدِينًا؟ كَمَا قَالَ فِيهِمْ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ مَسْعُودٍ (٦) : مَنْ كَانَ [مِنْكُمْ] (٧) مُسْتَنًّا

стр. 634

فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا وَاللَّهِ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَبَرَّهَا قُلُوبًا (١) ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا (٢) ، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ (٣) لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ (٤) وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ (٥) وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، (٦ وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَدِينِهِمْ ٦) (٦) ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ. رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ابْنُ بَطَّةَ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَى هُوَ غَيْرَهُ بِالْأَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ إِلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ مَسْعُودٍ (٧) : إِنَّ اللَّهَ [تَبَارَكَ]

стр. 635

وَتَعَالَى (١) نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ (٢) خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَابْتَعَثَهُ (٣) بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ (٤) فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءِ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَآهُ (٥) الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ (٦) الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ سَيِّئٌ.

стр. 636

وَفِي رِوَايَةٍ: [قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ - الرَّاوِي لِهَذَا الْأَثَرِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁] (١) : وَقَدْ رَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا أَنْ يَسْتَخْلِفُوا أَبَا بَكْرٍ. وَقَوْلُ (٢) [عَبْدِ اللَّهِ] (٣) بْنِ مَسْعُودٍ: كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، كَلَامٌ جَامِعٌ، بَيَّنَ فِيهِ حُسْنَ قَصْدِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ بِبِرِّ الْقُلُوبِ، وَبَيَّنَ فِيهِ كَمَالَ الْمَعْرِفَةِ وَدِقَّتَهَا بِعُمْقِ الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ فِيهِ تَيَسُّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَامْتِنَاعَهُمْ مِنَ الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ بِقِلَّةِ التَّكَلُّفِ (٤) . وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ [هَذَا] (٥) الْمُفْتَرِي، الَّذِي وَصَفَ أَكْثَرَهُمْ بِطَلَبِ الدُّنْيَا وَبَعْضَهُمْ بِالْجَهْلِ: إِمَّا عَجْزًا وَإِمَّا تَفْرِيطًا. وَالَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَقٌّ، فَإِنَّهُمْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ; حَيْثُ قَالَ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» " (٦) . وَهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ، الْوَسَطُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ، الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفَ (٧) فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَيْسُوا مِنْ

стр. 637

الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ، وَلَا مِنَ الضَّالِّينَ (١) الْجَاهِلِينَ كَمَا قَسَّمَهُمْ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرُونَ إِلَى ضُلَّالٍ وَغُوَاةٍ، بَلْ لَهُمْ كَمَالُ الْعِلْمِ وَكَمَالُ الْقَصْدِ، إِذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (٢) لَلَزِمَ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَ الْأُمَمِ، وَأَنْ (٣) لَا يَكُونُوا خَيْرَ الْأُمَّةِ، وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَيْضًا فَالِاعْتِبَارُ الْعَقْلِيُّ (٤) يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ [ ﷺ ] (٥) ، وَتَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ (٦) وَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ، تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ بَسْطِهِ. وَالصَّحَابَةُ أَكْمَلُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ، وَلِهَذَا لَا تَجِدُ أَحَدًا مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ إِلَّا وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِفَضْلِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ، وَتَجِدُ مَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ كَالرَّافِضَةِ [مِنْ أَجْهَلِ] (٧) النَّاسِ. وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ فِي أَئِمَّةِ الْفِقْهِ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ رَافِضِيٌّ، وَلَا فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ [وَلَا فِي أَئِمَّةِ] (٨) الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَا فِي الْجُيُوشِ الْمُؤَيَّدَةِ

стр. 638

الْمَنْصُورَةِ جَيْشٌ رَافِضِيٌّ (١) ، وَلَا فِي الْمُلُوكِ الَّذِينَ نَصَرُوا الْإِسْلَامَ وَأَقَامُوهُ وَجَاهَدُوا [عَدُوَّهُ] (٢) مَنْ هُوَ رَافِضِيٌّ، وَلَا فِي الْوُزَرَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ سِيرَةٌ مَحْمُودَةٌ مَنْ هُوَ رَافِضِيٌّ. وَأَكْثَرُ مَا تَجِدُ الرَّافِضَةَ إِمَّا فِي (٣) الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ (٤) الْمُلْحِدِينَ، وَإِمَّا فِي جُهَّالٍ لَيْسَ لَهُمْ عِلْمٌ لَا (٥) بِالْمَنْقُولَاتِ وَلَا بِالْمَعْقُولَاتِ، قَدْ نَشَأُوا بِالْبَوَادِي وَالْجِبَالِ، أَوْ تَحَيَّزُوا عَنْ (٦) الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجَالِسُوا أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِمَّا فِي ذَوِي الْأَهْوَاءِ مِمَّنْ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ رِيَاسَةٌ وَمَالٌ، أَوْ [لَهُ] (٧) نَسَبٌ يَتَعَصَّبُ لَهُ كَفِعْلِ [أَهْلِ] (٨) الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا مَنْ هُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ رَافِضِيٌّ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ فِي قَوْلِهِمْ، وَتَجِدُ ظُهُورَ الرَّفْضِ (٩) فِي شَرِّ الطَّوَائِفِ كَالنَّصِيرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالْمَلَاحِدَةِ الطُّرُقِيَّةِ (١٠) ، وَفِيهِمْ مِنْ

стр. 639

الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَإِخْلَافِ (١) الْوَعْدِ مَا يَدُلُّ عَلَى نِفَاقِهِمْ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " زَادَ مُسْلِمٌ: " وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ» " (٢) . وَأَكْثَرُ مَا تُوجَدُ هَذِهِ الثَّلَاثُ فِي طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي الرَّافِضَةِ. وَأَيْضًا فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُفْتَرِي: هَبْ أَنَّ الَّذِينَ بَايَعُوا الصِّدِّيقَ كَانُوا كَمَا ذَكَرْتَ: إِمَّا طَالِبُ دُنْيَا، وَإِمَّا جَاهِلٌ فَقَدْ جَاءَ بَعْدَ أُولَئِكَ فِي قُرُونِ الْأُمَّةِ مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ أَحَدٍ ذَكَاءَهُمْ وَزَكَاءَهُمْ (٣) ، مِثْلُ: سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ (٤) ،

стр. 640

[وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ] (١) وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (٢) وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ [بْنِ أَبِي بَكْرٍ] (٣) وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَمُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ وَحَبِيبٍ الْعَجَمِيِّ وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَمَكْحُولٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ (٤) وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَمَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ (٥) إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ بَعْدَهُمْ مِثْلَ (٦) أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ

стр. 641

وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَقَتَادَةَ وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَالْأَعْمَشِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَهِشَامٍ الدِّسْتُوَائِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَمَنْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَاللَّيْثِ [بْنِ سَعْدٍ] (١) وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَشَرِيكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنِ الْمَاجَشُونِ. وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [الْقَطَّانِ] (٢) وَعَبْدِ الْرِحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَعَبْدِ الْرَحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ [بْنِ الْحَسَنِ] (٣) وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَلٍ] (٤) وَإِسْحَاقَ [بْنِ رَاهَوَيْهِ] (٥) وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهَ، مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ غَرَضٌ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِ الْفَاضِلِ لَا لِأَجْلِ رِيَاسَةٍ وَلَا مَالٍ، وَمِمَّنْ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ (٦) النَّاسِ نَظَرًا فِي الْعِلْمِ وَكَشْفًا لِحَقَائِقِهِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. (* بَلِ الشِّيعَةُ الْأُولَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ كَانُوا يُفَضِّلُونَ أَبَا بَكْرٍ

стр. 642

وَعُمَرَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ *) (١) ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا [مِمَّنْ] (٢) أَقْتَدِي بِهِ (٣) يَشُكُّ فِي تَقْدِيمِهِمَا، يَعْنِي عَلَى عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ (٤) ، فَحَكَى إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (٥) عَلَى تَقْدِيمِهِمَا. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا مَائِلِينَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ كَمَا كَانَ أَهْلُ الشَّامِ، بَلْ قَدْ خَلَعُوا بَيْعَةَ يَزِيدَ، وَحَارَبَهُمْ عَامَ الْحَرَّةِ وَجَرَى بِالْمَدِينَةِ مَا جَرَى (٦) ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا قَتَلَ عَلِيٌّ (٧) مِنْهُمْ أَحَدًا كَمَا قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمِنْ أَهْلِ (٨) الشَّامِ بَلْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ (٩) مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْهَا، وَهُمْ

стр. 643

مُتَّفِقُونَ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، (١ فَهَؤُلَاءِ الَّذَيْنِ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَدْيَنُ النَّاسِ يَرَوْنَ تَفْضِيلَهُ فَضْلًا عَنْ خِلَافَتِهِ ١) (١) . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لَمْ يَخْتَلِفِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَقَالَ شَرِيكُ [بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ أَبِي نَمِرٍ (٢) ، وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَيُّمَا أَفْضَلُ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ [لَهُ] (٣) : أَبُو بَكْرٍ (٤) . فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: أَتَقُولُ (٥) هَذَا وَأَنْتَ مِنَ الشِّيعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّمَا الشِّيعِيُّ مَنْ يَقُولُ هَذَا، وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّى عَلِيُّ هَذِهِ الْأَعْوَادِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، أَفَكُنَّا نَرُدُّ قَوْلَهُ؟ أَفَكُنَّا نُكَذِّبُهُ؟ وَاللَّهِ مَا كَانَ كَذَّابًا. وَذَكَرَ هَذَا الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي كِتَابِ " تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ " لَهُ، وَعَزَاهُ إِلَى كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَلْخِيِّ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي النَّقْضِ عَلَى ابْنِ الرَّاوِنْدِيِّ اعْتِرَاضَهُ عَلَى الْجَاحِظِ (٦) .

стр. 644

(١ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَدْيَنُ النَّاسِ يَرَوْنَ تَفْضِيلَهُ فَضْلًا عَنْ خِلَافَتِهِ ١) (١) ، فَكَيْفَ يُقَالُ [مَعَ هَذَا] (٢) : إِنَّ الَّذِينَ بَايَعُوهُ كَانُوا طُلَّابَ الدُّنْيَا أَوْ جُهَّالًا؟ وَلَكِنَّ هَذَا وَصْفُ [الطَّاعِنِ] (٣) فِيهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ فِي طَوَائِفِ أَهْلِ (٤) الْقِبْلَةِ أَعْظَمَ جَهْلًا مِنَ الرَّافِضَةِ، وَلَا أَكْثَرَ حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا. وَقَدْ تَدَبَّرْتُهُمْ فَوَجَدَتْهُمْ لَا يُضِيفُونَ إِلَى الصَّحَابَةِ (٥ عَيْبًا إِلَّا وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ اتِّصَافًا بِهِ وَالصَّحَابَةُ ٥) (٥) أَبْعَدُ النَّاسِ (٦) عَنْهُ، فَهُمْ أَكْذَبُ النَّاسِ بِلَا رَيْبٍ (٧) كَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِذْ قَالَ: أَنَا نَبِيٌّ صَادِقٌ وَمُحَمَّدٌ كَذَّابٌ \ ٨ ٢٩) (٨) ، وَلِهَذَا يَصِفُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَيَصِفُونَ الصَّحَابَةَ بِالنِّفَاقِ، وَهُمْ أَعْظَمُ الطَّوَائِفِ نِفَاقًا، وَالصَّحَابَةُ أَعْظَمُ الْخَلْقِ إِيمَانًا. [الرد على القسم الأخير من المقدمة] وَأَمَّا قَوْلُهُ (٩) : " وَبَعْضُهُمْ طَلَبَ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ بِحَقٍّ [لَهُ] (١٠) وَبَايَعَهُ الْأَقَلُّونَ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَلَمْ تَأْخُذْهُمْ (١١) فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، بَلْ

стр. 645

أَخْلَصُوا لِلَّهِ وَاتَّبَعُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ (١) طَاعَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ، وَحَيْثُ حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ النَّظَرُ فِي الْحَقِّ وَاعْتِمَادُ الْإِنْصَافِ (٢) ، وَأَنْ يُقِرَّ الْحَقَّ مَقَرَّهُ (٣) وَلَا يَظْلِمُ مُسْتَحِقَّهُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ١٨] . فَيُقَالُ لَهُ: أَوَّلًا: قَدْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا ذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى كَذَا وَطَائِفَةٌ إِلَى كَذَا، وَجَبَ أَنْ يَنْظُرَ أَيَّ الْقَوْلَيْنِ أَصَحُّ، فَأَمَّا إِذَا رَضِيَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْأُخْرَى بِاتِّبَاعِ الْبَاطِلِ، فَإِنْ كَانَ (٤) هَذَا قَدْ تَبَيَّنَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى النَّظَرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ بَعْدُ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ. وَيُقَالُ لَهُ: ثَانِيًا: قَوْلُكَ: إِنَّهُ طَلَبَ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ بِحَقٍّ لَهُ وَبَايَعَهُ الْأَقَلُّونَ، كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ [﵁] (٥) ، فَإِنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَإِنَّمَا طَلَبُهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَبُويِعَ ; وَحِينَئِذٍ فَأَكْثَرُ النَّاسِ كَانُوا مَعَهُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْأَقَلُّونَ. وَقَدِ اتَّفَقَ [أَهْلُ] (٦) السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَدْعُ إِلَى مُبَايَعَتِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلَا بَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ. وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ تَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ ذَلِكَ، وَتَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْإِمَامَةِ دُونَ غَيْرِهِ،

стр. 646

لَكِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ. وَهَذَا لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يُفِدْهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ وَلَا بَايَعَهُ (١) أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَاطِلًا؟ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " بَايَعَهُ الْأَقَلُّونَ " كَذِبٌ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَعَلِيٍّ فِي (٢) عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ (٣) أَنَّ يَدَّعِيَ هَذَا، وَلَكِنْ غَايَةَ مَا يَقُولُ الْقَائِلُ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَخْتَارُ مُبَايَعَتَهُ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَوَلَّى، كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَخْتَارُ وِلَايَةَ مُعَاوِيَةَ وَوِلَايَةَ غَيْرِهِمَا (٤) ، وَلَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ كَانَ فِي نُفُوسِ بَعْضِ النَّاسِ مَيْلٌ إِلَى غَيْرِهِ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْلُو مِنَ الْوُجُودِ (٥) ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَبِهَا وَمَا حَوْلَهَا مُنَافِقُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ١٠١] . وَقَدْ قَالَ (٦) تَعَالَى عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: ٣١] ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ (٧) عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، قَالَ تَعَالَى:

стр. 647

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: ٣٢] . وَأَمَّا وَصْفُهُ لِهَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمُ [الَّذِينَ] (١) أَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَأَنَّهُمْ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَذِبَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ (٢) الزُّهْدُ وَالْجِهَادُ فِي طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْهُ فِي الشِّيعَةِ، وَالْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ كَانُوا أَزْهَدَ مِنْهُمْ وَأَعْظَمَ قِتَالًا، حَتَّى يُقَالَ فِي الْمَثَلِ: حَمْلَةٌ خَارِجِيَّةٌ، وَحُرُوبُهُمْ مَعَ جُيُوشِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمَا بِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا مَعْرُوفَةٌ، وَكَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ يَتَحَيَّزُونَ فِيهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ (٣) . وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَهُمْ دَائِمًا مَغْلُوبُونَ مَقْهُورُونَ مُنْهَزِمُونَ، وَحُبُّهُمْ لِلدُّنْيَا وَحِرْصُهُمْ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ. وَلِهَذَا كَاتَبُوا الْحُسَيْنَ ﵁، فَلَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّهِ، ثُمَّ قَدِمَ بِنَفْسِهِ غَدَرُوا بِهِ، وَبَاعُوا الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا، وَأَسْلَمُوهُ إِلَى عَدُّوِهِ، وَقَاتَلُوهُ مَعَ عَدُّوِهِ، فَأَيُّ زُهْدٍ عِنْدَ (٤) هَؤُلَاءِ، وَأَيُّ جِهَادٍ عِنْدِهِمْ؟ . وَقَدْ ذَاقَ مِنْهُمْ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ]﵁ (٥) مِنَ الْكَاسَاتِ الْمُرَّةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، [حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ] (٦) فَقَالَ: اللَّهُمَّ قَدْ (٧)

стр. 648

سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا مِنِّي (١) وَقَدْ كَانُوا يَغُشُّونَهُ وَيُكَاتِبُونَ مَنْ يُحَارِبُهُ، وَيَخُونُونَهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْأَمْوَالِ. هَذَا وَلَمْ يَكُونُوا بَعْدُ صَارُوا رَافِضَةً، إِنَّمَا سُمُّوا شِيعَةَ عَلِيٍّ لَمَّا افْتَرَقَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ شَايَعَتْ أَوْلِيَاءَ عُثْمَانَ، وَفِرْقَةٌ شَايَعَتْ عَلِيًّا [﵄] (٢) فَأُولَئِكَ خِيَارُ الشِّيعَةِ، وَهُمْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مُعَامَلَةً لِعَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ

стр. 649

- ﵁] وَابْنَيْهِ (١) : سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَيْحَانَتَيْهِ فِي الدُّنْيَا: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَأَعْظَمُ النَّاسِ قَبُولًا لِلَوْمِ اللَّائِمِ فِي الْحَقِّ، وَأَسْرَعُ النَّاسِ إِلَى فِتْنَةً وَأَعْجَزَهُمْ عَنْهَا، يَغُرُّونَ مَنْ يُظْهِرُونَ نَصْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ وَلَامَهُمْ عَلَيْهِ اللَّائِمُ، خَذَلُوهُ وَأَسْلَمُوهُ وَآثَرُوا عَلَيْهِ الدُّنْيَا. وَلِهَذَا أَشَارَ عُقَلَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَنُصَحَاؤُهُمْ عَلَى الْحُسَيْنِ أَنْ لَا يَذْهَبَ (٢) إِلَيْهِمْ مِثْلُ: [عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ عَبَّاسٍ، وَ [عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ عُمَرَ (٣) ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ (٤) وَغَيْرِهِمْ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَخْذُلُونَهُ وَلَا يَنْصُرُونَهُ، وَلَا يُوفُونَ لَهُ بِمَا كَتَبُوا لَهُ إِلَيْهِ. وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا رَأَى هَؤُلَاءِ، وَنَفَذَ فِيهِمْ دُعَاءُ عُمَرَ [بْنِ الْخَطَّابِ]﵁ (٥) ثُمَّ دُعَاءُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٦) ، حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجَ [بْنَ يُوسُفَ] (٧) ، فَكَانَ (٨) لَا يَقْبَلُ

стр. 650

مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَدَبَّ شَرُّهُمْ إِلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ حَتَّى عَمَّ الشَّرُّ. وَهَذِهِ كُتُبُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا زُهَّادُ الْأُمَّةِ لَيْسَ فِيهِمْ رَافِضِيٌّ، وَهَؤُلَاءِ الْمَعْرُوفُونَ فِي الْأُمَّةِ بِقَوْلِ (١) الْحَقَّ وَأَنَّهُمْ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ لَيْسَ فِيهِمْ رَافِضِيٌّ، كَيْفَ وَالرَّافِضِيُّ مِنْ جِنْسِ الْمُنَافِقِينَ مَذْهَبُهُ التَّقِيَّةُ، فَهَلْ هَذَا (٢) حَالَ مَنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ؟ . إِنَّمَا هَذِهِ حَالُ مَنْ نَعَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٥٤] (٣) . وَهَذَا (٤) حَالُ مَنْ قَاتَلَ الْمُرْتَدِّينَ وَأَوَّلُهُمْ (٥) الصِّدِّيقُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهُمُ الَّذِينَ جَاهَدُوا الْمُرْتَدِّينَ كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا الْأَمْصَارَ وَغَلَبُوا فَارِسَ وَالرُّومَ، وَكَانُوا أَزْهَدَ النَّاسِ ; كَمَا قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ مَسْعُودٍ (٦) لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَكْثَرُ صَلَاةً

стр. 651

وَصِيَامًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَهُمْ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ. قَالُوا: وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَأَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ. [فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ (١) لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ; بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا مِنْ لَوْمِ اللَّائِمِ وَمِنْ عَدُّوِهِمْ. وَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ: ٤] ، وَلَا يَعِيشُونَ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا مِنْ جِنْسِ الْيَهُودِ فِي أَهْلِ الْمِلَلِ. ثُمَّ يُقَالُ: مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَأْخُذْهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، مِمَّنْ لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَبَايَعَ عَلِيًّا؟ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِي زَمَنِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُنْحَازًا عَنِ الثَّلَاثَةِ، مُظْهِرًا لِمُخَالَفَتِهِمْ وَمُبَايَعَةِ عَلِيٍّ، بَلْ كُلُّ النَّاسِ كَانُوا مُبَايِعِينَ لَهُمْ، فَغَايَةُ مَا يُقَالُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُمُونَ تَقْدِيمَ عَلِيٍّ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ حَالُ مَنْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. وَأَمَّا فِي حَالِ وِلَايَةِ عَلِيٍّ، فَقَدْ كَانَ ﵁ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ [لَوْمًا] (٢) لِمَنْ مَعَهُ عَلَى قِلَّةِ جِهَادِهِمْ وَنُكُولِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةِ؟ . وَإِنْ كَذَبُوا عَلَى أَبِي ذَرٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ وَسَلْمَانَ وَعَمَّارِ وَغَيْرِهِمْ، فَمِنَ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاتِّبَاعًا لَهُمَا، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمُ التَّعَنُّتَ عَلَى عُثْمَانَ لَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ

стр. 652

وَعُمَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا جَرَى لِعُثْمَانَ ﵁، فَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُسَمَّى مِنَ الشِّيعَةِ، وَلَا تُضَافُ الشِّيعَةُ إِلَى أَحَدٍ، لَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِمَا، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ تَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ، فَمَالَ قَوْمٌ إِلَى عُثْمَانَ، وَمَالَ قَوْمٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَاقْتَتَلَتِ الطَّائِفَتَانِ، وَقَتَلَ حِينَئِذٍ شِيعَةُ عُثْمَانَ شِيعَةَ عَلِيٍّ. وَفِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَارًا [لَهُ] بِهَا، فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ، وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَقِيَ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رَهْطًا سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " أَلَيْسَ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ؟ " فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهَ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا. فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: عَائِشَةُ ﵂، فَأْتِهَا فَاسْأَلْهَا، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا، فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا ; لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيًّا. قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ ﵂ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١) .

стр. 653

وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ؟ فَقَالَ لَا عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ وَلَا عَلَى مِلَّةِ عُثْمَانَ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَكَانَتِ الشِّيعَةُ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى عُثْمَانَ. وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يُسَمَّى أَحَدٌ لَا إِمَامِيًّا وَلَا رَافِضِيًّا] (١) ، وَإِنَّمَا سُمُّوا رَافِضَةً وَصَارُوا رَافِضَةً (٢) لَمَّا خَرَجَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِالْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ، فَسَأَلَتْهُ الشِّيعَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمَا، فَرَفَضَهُ قَوْمٌ، فَقَالَ: رَفَضْتُمُونِي رَفَضْتُمُونِي فَسُمُّوا رَافِضَةً، وَتَوَلَّاهُ قَوْمٌ فَسُمُّوا زَيْدِيَّةً [لِانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهِ] (٣) . وَمِنْ حِينَئِذٍ انْقَسَمَتِ الشِّيعَةُ إِلَى رَافِضَةٍ إِمَامِيَّةٍ وَزَيْدِيَّةٍ، وَكُلَّمَا زَادُوا فِي الْبِدْعَةِ زَادُوا فِي الشَّرِّ، فَالزَّيْدِيَّةُ خَيْرٌ مِنَ الرَّافِضَةِ: أَعْلَمُ وَأَصْدَقُ وَأَزْهَدُ وَأَشْجَعُ. ثُمَّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابِ] ، وَهُوَ (٤) الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي

стр. 654

اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَكَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ بِاتِّفَاقِ الْخَلْقِ كَمَا قِيلَ فِيهِ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ لَقَدْ تَرَكَهُ الْحَقُّ مَا لَهُ [مِنْ] (١) صَدِيقٍ. [فصل كلام ابن المطهر بعد المقدمة وجوب اتباع مذهب الإمامية لوجوه] [الوجه الأول حتى الرابع من وجوه قول الرافضي وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ] (فَصْلٌ) قَالَ الرَّافِضِيُّ (٢) : " وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: لَمَّا نَظَرْنَا فِي الْمَذَاهِبِ وَجَدْنَا أَحَقَّهَا وَأَصْدَقَهَا وَأَخْلَصَهَا عَنْ شَوَائِبِ الْبَاطِلِ، وَأَعْظَمَهَا تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرُسُلِهِ (٣) وَلِأَوْصِيَائِهِ، وَأَحْسَنُ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ مَذْهَبُ الْإِمَامِيَّةِ. لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ ; لِأَنَّهُ (٤) وَاحِدٌ، [وَأَنَّهُ] (٥) لَيْسَ بِجِسْمٍ [وَلَا جَوْهَرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ ; لِأَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُحْتَاجٌ (٦) إِلَى جُزْئِهِ ; لِأَنَّ جُزْأَهُ

стр. 655

غَيْرُهُ، وَلَا عَرْضٍ] (١) وَلَا فِي مَكَانٍ وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا، بَلْ نَزَّهُوهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ، عَدْلٌ (٢) حَكِيمٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ - وَإِلَّا يَلْزَمُ الْجَهْلَ أَوِ الْحَاجَةَ (٣) ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُمَا - وَيُثِيبُ الْمُطِيعَ لِئَلَّا يَكُونَ ظَالِمًا، وَيَعْفُو عَنِ الْعَاصِي أَوْ يُعَذِّبُهُ بِجُرْمِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُ. وَأَنَّ أَفْعَالَهُ مُحْكَمَةٌ [مُتْقَنَةٌ] (٤) وَاقِعَةٌ لِغَرَضٍ وَمَصْلَحَةٍ وَإِلَّا لَكَانَ عَابِثًا، وَقَدْ قَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [سُورَةُ الدُّخَانِ: ٣٨] (٥) ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَ الْأَنْبِيَاءَ لِإِرْشَادِ الْعَالَمِ. وَأَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَلَا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ (٦) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٠٣] (٧) ، وَأَنَّهُ (٨) لَيْسَ فِي جِهَةٍ.

стр. 656

وَأَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَإِخْبَارَهُ حَادِثٌ لِاسْتِحَالَةِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ وَنَهْيِهِ وَإِخْبَارِهِ. وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ (١) الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ وَالْمَعْصِيَةِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا مِنْ أَوَّلِ الْعُمْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ وُثُوقٌ (٢) بِمَا يَبْلُغُونَهُ فَانْتَفَتْ فَائِدَةُ الْبَعْثَةِ وَلَزِمَ التَّنْفِيرُ عَنْهُمْ. (٣) وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ مَعْصُومُونَ كَالْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ (٤) . وَأَخَذُوا أَحْكَامَهُمْ (٥) الْفُرُوعِيَّةَ عَنْ (٦) الْأَئِمَّةِ الْمَعْصُومِينَ، النَّاقِلِينَ عَنْ جَدِّهِمْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٧) الْآخِذِ ذَلِكَ مِنْ (٨) اللَّهِ تَعَالَى بِوَحْيِ (٩) جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، يَتَنَاقَلُونَ ذَلِكَ عَنِ الثِّقَاتِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، إِلَى أَنْ تَتَّصِلَ الرِّوَايَةُ بِأَحَدِ الْمَعْصُومِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَحَرَّمُوا الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إِلَى آخِرِهِ ".

стр. 657

فَيُقَالُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرَهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْإِمَامَةِ أَصْلًا، بَلْ يَقُولُ بِمَذْهَبِ (١) الْإِمَامِيَّةِ مَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا، وَيَقُولُ بِهَذَا مَنْ لَا يَقُولُ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ، وَلَا أَحَدُهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ هُوَ الْعَقْلُ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْإِمَامِ فَهُوَ (٢) عِنْدَهُمْ مِنَ السَّمْعِ، فَإِدْخَالُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِمَامَةِ مِثْلُ إِدْخَالِ سَائِرِ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْقَدَرِ، وَالشِّيعَةُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، الْمُوَافِقُونَ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْبَيْتِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْقَدَرِ، فَإِنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ الْبَيْتِ كَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ. وَالْكُتُبُ الْمُشْتَمِلَةُ (٣) عَلَى الْمَنْقُولَاتِ الصَّحِيحَةِ مَمْلُوءَةٌ بِذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَا فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ [﵁] (٤) وَأَهْلِ بَيْتِهِ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةَ مُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ (٥) الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الشِّيعَةِ، وَلَا هُمْ أَئِمَّةُ الْقَوْلِ بِهِ، وَلَا هُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِهِمْ، بَلْ أَئِمَّةُ ذَلِكَ هُمُ

стр. 658

الْمُعْتَزِلَةُ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ. وَكُتُبُ الشِّيعَةِ مَمْلُوءَةٌ بِالِاعْتِمَادِ فِي ذَلِكَ عَلَى طُرُقِ (١) الْمُعْتَزِلَةِ، وَهَذَا كَانَ مِنْ أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَكَثُرَ فِي الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ لَمَّا صَنَّفَ لَهُمُ الْمُفِيدُ وَأَتْبَاعُهُ كَالْمُوسَوِيِّ وَالطُّوسِيِّ (٢) . وَأَمَّا قُدَمَاءُ الشِّيعَةِ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ ضِدُّ هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْهِشَامَيْنِ (٣) وَأَمْثَالِهِمَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا (٤) الْقَوْلُ حَقًّا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ وَمُوَافَقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ إِثْبَاتِ خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا

стр. 659

يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامَةِ (١) ، كَمَسْأَلَةِ إِثْبَاتِ الِاثْنَى عَشَرَ وَعِصْمَتِهِمْ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ حَقٍّ فَأَهْلُ السُّنَّةِ قَائِلُونَ بِهِ - أَوْ جُمْهُورُهُمْ - وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ بَاطِلٍ فَهُوَ رَدٌّ، فَلَيْسَ اعْتِقَادُ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْحَقِّ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا. [الوجه الخامس وفيه الرد التفصيلي على القسم الأول من كلام ابن المطهر] [التعليق على قوله إن الله منزه عن مشابهة المخلوقات] الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: " إِنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ (٢) ، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ ; لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا فِي مَكَانٍ، وَإِلَّا لَكَانَ مُحْدَثًا، بَلْ نَزَّهُوهُ عَنْ مُشَابَهَةِ (٣) الْمَخْلُوقَاتِ " (٤) . فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَذْهَبِ الْجَهْمِيِّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَضْمُونُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ (٥) وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ، وَأَنَّ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى: كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَالرَّءُوفِ وَالرَّحِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا تَدُّلُّ عَلَى صِفَاتٍ لَهُ قَائِمَةٍ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَرْضَى وَلَا يَسْخَطُ، وَلَا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ، وَلَا يُرِيدُ إِلَّا مَا يَخْلُقُهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ مِنَ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ كَلَامٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ "

стр. 660

فَيُقَالُ لَهُ] (١) : أَهْلُ السُّنَّةِ أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الشِّيعَةِ، فَإِنَّ التَّشْبِيهَ وَالتَّجْسِيمَ الْمُخَالِفَ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ لَا يُعْرَفُ فِي أَحَدٍ مِنْ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي طَوَائِفِ الشِّيعَةِ، وَهَذِهِ كُتُبُ الْمَقَالَاتِ كُلُّهَا تُخْبِرُ عَنْ أَئِمَّةِ الشِّيعَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ بِمَا لَا يُعْرَفُ نَظِيرُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ، ثُمَّ قُدَمَاءُ الْإِمَامِيَّةِ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقُدَمَاؤُهُمْ غَلَوْا فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَمُتَأَخِّرُوهُمْ غَلَوْا فِي النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، فَشَارَكُوا فِي ذَلِكَ الْجَهْمِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ دُونَ سَائِرِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُثْبِتُونَ لِخِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ، فَجَمِيعُ أَئِمَّتِهِمْ وَطَوَائِفِهِمُ الْمَشْهُورَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى نَفْيِ التَّمْثِيلِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالَّذِينَ أَطْلَقُوا لَفْظَ " الْجِسْمِ " عَلَى اللَّهِ مِنَ الطَّوَائِفِ الْمُثْبِتِينَ لِخِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ كَالْكَرَّامِيَّةِ، هُمْ أَقْرَبُ إِلَى صَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ مِنَ الَّذِينَ أَطْلَقُوا لَفْظَ " الْجِسْمِ " مِنَ الْإِمَامِيَّةِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَقْوَالَ الْإِمَامِيَّةِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٢) وَمِنْ غَيْرِهِمْ، كَمَا

стр. 661

ذَكَرَهَا ابْنُ النُّوبَخْتِيِّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ (١) ، وَكَمَا ذَكَرَهَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ فِي " مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ " (٢) وَكَمَا ذَكَرَهَا الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ " بِالْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " (٣) ، وَكَمَا ذَكَرَهَا غَيْرُ هَؤُلَاءِ (٤) . وَطَوَائِفُ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ تَحْكِي عَنْ قُدَمَاءِ أَئِمَّةِ الْإِمَامِيَّةِ مِنْ مُنْكَرِ

стр. 662

التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ، مَا لَا يُعْرَفُ مِثْلُهُ عَنِ الْكَرَّامِيَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِمَّنْ يُثْبِتُ إِمَامَةَ الثَّلَاثَةِ. وَأَمَّا مَنْ لَا يُطْلِقُ عَلَى اللَّهِ اسْمَ " الْجِسْمِ "، كَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ، مِثْلِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَشُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ فِي الْأُمَّةِ، وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا لَيْسَ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ. وَلَكِنَّ مَنْ نَسَبَ التَّجْسِيمَ إِلَى بَعْضِهِمْ، فَهُوَ بِحَسَبَ مَا اعْتَقَدَهُ مِنْ مَعْنَى الْجِسْمِ وَرَآهُ لَازِمًا لِغَيْرِهِ. فَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ يَجْعَلُونَ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَهَا مُجَسِّمًا مُشَبِّهًا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَعُدُّ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِمْ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَاتِمٍ صَاحِبُ كِتَابِ " الزِّينَةِ " (١) ، وَغَيْرُهُ لَمَّا ذَكَرَ طَوَائِفَ الْمُشَبِّهَةِ

стр. 663

فَقَالَ (١) : " وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ يُقَالُ لَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ يَنْتَسِبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ يُقَالُ لَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ يَنْتَسِبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ الشَّافِعِيُّ ". وَشُبْهَةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمَشْهُورِينَ كُلَّهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ. هَذَا مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ مِثْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ (وَالشَّافِعِيِّ) (٢) ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ (٣) ، وَأَبِي بَكْرٍ

стр. 664

بْنِ الْمُنْذِرِ (١) وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ. وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، فَإِنَّهُ مُجَسِّمٌ مُشَبِّهٌ، وَالتَّجْسِيمُ بَاطِلٌ. وَشُبْهَتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ، وَمَا قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصِّفَاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا، وَلَا يَرَى إِلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمٍ. وَلِهَذَا صَارَ مُثْبِتَةُ الصِّفَاتِ مَعَهُمْ ثَلَاثَ طَوَائِفَ: طَائِفَةٌ نَازَعَتْهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَطَائِفَةٌ نَازَعَتْهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَطَائِفَةٌ نَازَعَتْهُمْ نِزَاعًا مُطْلَقًا فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمْ تُطْلِقْ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَلْفَاظًا مُجْمَلَةً مُبْتَدَعَةً لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، وَلَا هِيَ صَحِيحَةٌ فِي الْعَقْلِ، بَلِ اعْتَصَمَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَعْطَتِ الْعَقْلَ حَقَّهُ، فَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ. فَالطَّائِفَةُ الْأُولَى الْكُلَّابِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الْكَرَّامِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ. فَالْأُولَى قَالُوا: إِنَّهُ تَقُومُ بِهِ (٢) الصِّفَاتُ، وَيُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَالْقُرْآنُ

стр. 665

كَلَامُ اللَّهِ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا وَلَا الْمَوْصُوفُ جِسْمًا [٠٠٠] (١) لَمْ نُسَلِّمْ أَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ.

стр. 666

ثُمَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُشَنِّعُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ بِالضَّرُورَةِ ; حَيْثُ أَثْبَتَتْ رُؤْيَةً لِمَرْئِيٍّ لَا بِمُوَاجَهَةٍ، وَأَثْبَتَتْ كَلَامًا لِمُتَكَلِّمٍ يَتَكَلَّمُ لَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُشَنِّعُ عَلَى الثَّانِيَةِ بِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ الصَّحِيحِ. وَلَكِنَّ مَعَ هَذَا فَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ: إِنَّ النُّفَاةَ الْمُخَالِفِينَ لِلطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الشِّيعَةِ، أَعْظَمُ مُخَالَفَةً لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ - بَلْ وَلِضَرُورَةِ الْعَقْلِ - مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ هَؤُلَاءِ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا اسْتَفَاضَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، فَهَذَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ، وَلِهَذَا أَسَّسُوا دِينَهُمْ عَلَى أَنَّ بَابَ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ لَا يُتَّبَعُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَإِنَّمَا يُتَّبَعُ فِيهِ مَا رَأَوْهُ بِقِيَاسِ عُقُولِهِمْ، وَأَمَّا نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلُوهَا، وَإِمَّا أَنْ يُفَوِّضُوهَا، وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: مَقْصُودُ الرَّسُولِ أَنْ يُخَيِّلَ إِلَى الْجُمْهُورِ اعْتِقَادًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا وَبَاطِلًا، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبَتْ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ; لِأَجْلِ مَا رَأَوْهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْجُمْهُورِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ، فَأَطْلَقُوا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا تَنَازَعَ النُّظَّارُ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَمْ تُوَافِقْهُمْ فِيهِ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ فِي الشَّرْعِ وَخَالَفُوا بِهِ الْعَقْلَ، بَلْ إِمَّا أَنْ يُمْسِكُوا عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْبِدَعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَإِمَّا أَنْ يُفَصِّلُوا الْقَوْلَ فِي اللَّفْظِ

стр. 667

وَالْمَلْفُوظِ الْمُجْمَلِ، فَمَا كَانَ فِي إِثْبَاتِهِ مِنْ حَقٍّ يُوَافِقُ الشَّرْعَ أَوِ الْعَقْلَ أَثْبَتُوهُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَفْيِهِ حَقٌّ (١) فِي الشَّرْعِ أَوِ الْعَقْلِ نَفَوْهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْعِلْمِيَّةِ، لَا السَّمْعِيَّةِ وَلَا الْعَقْلِيَّةِ. وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَدُلُّ بِالْإِخْبَارِ تَارَةً، وَيَدُلُّ بِالتَّنْبِيهِ تَارَةً، وَالْإِرْشَادِ وَالْبَيَانِ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ تَارَةً، وَخُلَاصَةُ مَا عِنْدَ أَرْبَابِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ قَدْ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، مَعَ زِيَادَاتٍ وَتَكْمِيلَاتٍ لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ بِخِطَابِهِ، فَكَانَ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ (٢) مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْيَقِينِيَّةِ فَوْقَ مَا فِي عُقُولِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَهَا بَسْطٌ عَظِيمٌ قَدْ بُسِطَ مِنْ ذَلِكَ مَا بُسِطَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْبَسْطُ التَّامُّ لَا يَتَحَمَّلُهُ هَذَا الْمَقَامُ، فَإِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا. وَلَكِنَّ الرَّافِضَةَ لَمَّا اعْتَضَدَتْ بِالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَخَذُوا يَذُمُّونَ أَهْلَ السُّنَّةِ بِمَا هُمْ فِيهِ مُفْتَرُونَ: عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، ذَكَرْنَا مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ] (٣) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. وَلَكِنَّ لَفْظَ " التَّشْبِيهِ " فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ النُّفَاةِ الْمُعَطِّلَةِ (٤) لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِلَفْظِ (٥) التَّشْبِيهِ مَا نَفَاهُ

стр. 668

(١ الْقُرْآنُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ فَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّ خَصَائِصَ الرَّبِّ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِهَا شَيْءٌ ١) (١) مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا يُمَاثِلُهُ [شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي] (٢) شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ. مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، يُثْبِتُونَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ مُمَاثَلَةَ (٣) الْمَخْلُوقَاتِ، [يُثْبِتُونَ لَهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ ضُرُوبَ (٤) الْأَمْثَالِ، يُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقْصِ وَالتَّعْطِيلِ، وَعَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ] (٥) ، إِثْبَاتٌ بِلَا تَشْبِيهٍ (٦) ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ١١] رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ. وَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ الْخَالِقِ مِثْلَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ فَهُوَ الْمُشَبِّهُ الْمُبْطِلُ الْمَذْمُومُ. وَإِنْ أَرَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلَّهِ شَيْءٌ مِنَ الصِّفَاتِ، فَلَا يُقَالُ: لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ; فَلَزِمَهُ (٧) أَنْ لَا يُقَالَ لَهُ: حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي كَلَامِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 669

وَهُمْ يُوَافِقُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ (* (١) عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ قَادِرٌ، وَالْمَخْلُوقُ يُقَالُ لَهُ: [مَوْجُودٌ] (٢) حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ وَلَا يُقَالُ: هَذَا تَشْبِيهٌ (٣) يَجِبُ نَفْيُهُ. [وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ (٤) وَصَرِيحُ الْعَقْلِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ عَاقِلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى بَعْضَهَا صِفَاتِ خَلْقِهِ، وَلَيْسَ الْمُسَمَّى كَالْمُسَمَّى، فَسَمَّى نَفْسَهُ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا، رَءُوفًا رَحِيمًا، عَزِيزًا حَكِيمًا، سَمِيعًا بَصِيرًا، مَلِكًا مُؤْمِنًا، جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ٥٠] ، وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٢٥] ، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٢٨، ٢٤٠] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الْحَجِّ: ٦٥] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٥٨] ، وَقَالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [سُورَةُ الْحَشْرِ: ٢٣] . وَقَدْ سَمَّىَ بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا، فَقَالَ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: ١٩] .

стр. 670

وَبَعْضَهُمْ عَلِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: ٢٨] (١) ، وَبَعْضَهُمْ حَلِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: ١٠١] ، وَبَعْضَهُمْ رَءُوفًا رَحِيمًا بِقَوْلِهِ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سُورَةُ التَّوْبَةِ: ١٢٨] ، وَبَعْضَهُمْ سَمِيعًا بَصِيرًا (بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: ٢] ) (٢) ، وَبَعْضَهُمْ عَزِيزًا بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ: ٥١] ، وَبَعْضَهُمْ مَلِكًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [سُورَةُ الْكَهْفِ: ٧٩] ، وَبَعْضَهُمْ مُؤْمِنًا بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [سُورَةُ السَّجْدَةِ: ١٨] ، وَبَعْضَهُمْ جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سُورَةُ غَافِرٍ: ٣٥] . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ الْحَيُّ الْحَيَّ، وَلَا الْعَلِيمُ الْعَلِيمَ، وَلَا الْعَزِيزُ الْعَزِيزَ، وَلَا الرَّءُوفُ الرَّءُوفَ، وَلَا الرَّحِيمُ الرَّحِيمَ، وَلَا الْمَلِكُ الْمَلِكَ، وَلَا الْجَبَّارُ الْجَبَّارَ، وَلَا الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَكَبِّرَ. وَقَالَ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٦٦] ، وَقَالَ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: ١١] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: ٥٨] ، وَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: ١٥] . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
следующие страницы →