أطوار الأموي وأحداثه
مرت بالمسجد أحداث جسام، لا أستطيع أن أستقصيها في هذه العجالة، إنما أعرض إليها عرضاً، وموعدنا بتفصيل أمرها كتابي الكبير عن الجامع، إن وفّق الله إليه وأذن بإتمامه.
الحرائق والزلازل:
فمن أكبر الأحداث التي أصابته الحرائق. وكان بقي سليماً، جدرانه كلها وسقوفه مغطاة بفصوص الفسيفساء المذهبة، ونقوشه بادية، وستره مسدلة، إلى سنة ٤٦١، حين انقسمت الدولة دولتين، وصارت الخلافة خلافتين، وادعى العبيديون أنهم من نسل فاطمة ﵂، وأقاموا حكومة باسمها، اتخذت لها غير مذهب جمهور المسلمين مذهباً، وأحدثت منكرات وبدعاً. وكان الخلاف قد استحكم في دمشق بين غلمان العباسيين وغلمان الفاطميين، ووصل إلى سَلّ السيوف وإراقة الدماء، والترامي بالنار، فأصابت النار دار الإمارة وهي الدار الخضراء (التي لم يبق منها الآن إلا مصبغة صغيرة في زقاق ضيّق، اسمها المصبغة الخضراء) فاحترقت الدار وامتد الحريق إلى المسجد، فأكلته النار أكلاً ومحت محاسنه، وأذهبت كل ما كان فيه، فلم يبق منه إلا الجدران الأربعة. وصارت أرضه بعد الفسيفساء التي تأخذ العقول تلالاً من التراب، طيناً في الشتاء، وغباراً في الصيف. وجُمعت فصوص الفسيفساء فأُودعت في المشاهد، إلى أن أخرجها ناظر المسجد القاضي الشهرزوري أيام السلطان نور الدين.
стр. 37
وبقي المسجد مخرباً أربع عشرة سنة حتى جُدّدت عمارة السقف والقبة أيام ملكشاه السلجوقي على يد الوزير نظام الملك (مؤسس المدرسة النظامية). أما الصحن فبقي تراباً وطيناً، حتى بلط أيام الملك العادل بعد الستمئة. كما مرّ في الكلام على بلاط الجامع.
وفي سنة ٥٦٢ كان حريق حي اللبادين (النوفرة) فسَرَتْ النار إلى الأموي، فأحرقت قسماً منه من جهة باب جيرون.
وفي سنة ٥٧٠ أصابه حريق جزئي آخر، حين احترقت مدرسة الكلاسة وامتدت النار إلى مئذنة العروس فاحترقت.
وفي سنة ٦٤٦ احترقت سلالم المنارة الشرقية والبيوت التي في أسفلها وتضعضعت.
وفي سنة ٦٨١ كان حريق جزئي آخر، إذ احترق سوق اللبادين وسوق جيرون فامتدت النار إلى حيطان الجامع ووصلت إلى قسم من السقف.
وفي سنة ٧٤٠ كان الحريق الكبير في دمشق، فأكلت النار أسواقاً برمّتها وكانت خسائر فادحة في الأموال، ووصلت النار إلى الجامع فاحترقت المئذنة الشرقية وقسم من الجانب الشرقي.
وأصابه حريقان جزئيان سنة ١٠٦٤ وسنة ١١٣١.
وكان الحريق الثاني الذي شمل المسجد كله هو الحريق الأخير سنة ١٣١١ وسيأتي حديثه.
أما الزلازل التي تتابعت على المسجد فمنها:
زلزال سنة ١٣١ الذي انشق منه سقف المسجد على طوله.
وفي سنة ٢٣٣ كان زلزال شديد أسقط المنارة فانهالت حجارتها على المسجد وخرّبت رُبُعَه، وتراكمت فيه كأنها جبل.
стр. 38
وفي سنة ٥٥٢ كانت زلزلة عظيمة أسقطت كثيراً مما كان قد بقي من فصوص الفسيفساء.
وفي سنة ٥٩٧ كانت أشد زلزلة على الأموي، إذ أسقطت قسماً من المنارة الشرقية وتشقّقت منها قبة النسر، وقيل إنها سقطت بعد ذلك على الناس.
وزلزال سنة ٧٠٢ الذي تشققت منه بعض جدران الجامع.
وزلزال سنة ١١٧٣ الذي سقطت منه قبة عائشة، وتخرّب بعض المسجد.
إصلاحات في الأموي:
أما الإصلاحات الكبرى فيه فمنها:
أنها جُدّدت عمارة الحائط الشمالي سنة ٥٠٣، أيام المستظهر العباسي بأمر الوالي طغتكين.
وسنة ٨٢٧ نُزع الرخام عن الجدار القبلي من الجهة الغربية، فوُجد في خلل، فحضر تنكز نفسه ومعه القضاة والخبراء وتقرر هدمه وإصلاحه واستأذن السلطان فأذن له، فعمره واستنفر له الناس، فتطوّعوا للعمل، وأخذوا له حجارة وجدوها في أصل المنارة الغربية المزالة عند الغزالية، فتمت العمارة في أقل من ستة أشهر. وفي سنة ٧٢٩ كمل ترميم الحائط القبلي.
وفي سنة ٧٣٠ رمم الجانب الشرقي حتى صار كالغربي.
القبة:
قبة النسر جُدّدت سنة ٤٧٥ وسُقفت المقصورة والطاقات والأركان الأربعة في عهد نظام الملك وزير ملكشاه السلجوقي.
стр. 39
وفي سنة ٥٧٥ جدّد صلاح الدين ركنين من القبة.
وفي شوال سنة ٦٠٢ أُصلحت عدة من دعائم القبة من جهة الشمال.
وفي سنة ٦١١ أُسندت قبة النسر بأربعة أوتاد من الخشب، طول كل منها ٣٢ ذراعاً بذراع العمال، جيء بها من بساتين الغوطة.
وفي سنة ٦٧٨ جدّدت أربعة دعائم في قبة النسر من ناحية الغرب. أما القبة القائمة الآن فهي والحرم كله من بناء أهل الشام بعد الحريق الأخير، كما سيأتي.
المآذن:
أما المآذن فقد كان في الزوايا الأربع قبل أن يصير جامعاً أربع صوامع، فتهدّمت الصومعتان الشماليّتان من القديم ولم تجدّدا وبقي أساسهما، وأُخذ من حجارة الأساس في الصومعة الشمالية الغربية لبناء الجدار القبلي سنة ٧٢٨. ولما بنى الوليد المسجد رفع فوق الصومعتين الأماميتين المئذنتين (الغربية والشرقية) وبنى مئذنة وسط الجدار الشمالي، هي مئذنة العروس، وجعلها مذهبة كلها من أعلاها إلى أسفلها. واحترقت المئذنة الشمالية (العروس) في حريق مدرسة الكلاسة في المحرم سنة ٥٧٠، فجددها السلطان صلاح الدين. وفي سنة ٦٤٦ احترق القسم الأعلى من المنارة الشرقية وسلالمها والغرف التي في أسفلها، وأعادها الملك الصالح الأيوبي.
وفي أسفل المنارة الشرقية بيت طهارة وغرفتان. أما الغربية فبأسفلها قاعة بلا ماء جددها السلطان قاتيباي المتوفّى سنة ٩٠١ بعد خرابها في حرب تيمورلنك، وكان أول يوم أُذّن فيها بعد تعطيلها وتجديدها ٢ رمضان ٨١٤. وأُقيم في ذي القعدة ٨١٤ داربزين مئذنة العروس.
стр. 40
وسنة ٨١٦ فرغ من بناء الغربية، وكان قد تخرب رأسها في حرب تميورلنك.
وقد جُدّد النصف الأعلى من مئذنة العروس من عهد قريب. ونُقض في أيامنا النصف الأعلى من المئذنة الشرقية لخللٍ ظهر فيه وأُعيد كما كان.
المشاهد:
وفي سنة ٥٩٦ جُدّد مشهد عروة وفُتح بعد ما أُغلق مدة (وربما سمي مشهد ابن عروة وكان يسمى قديماً مشهد علي ويدعى اليوم مشهد اليافي وهو مُعَدّ اليوم للوضوء).
وفي سنة ٦٦٨ جدد الملك الظاهر مشهد زين العابدين (مشهد الحسين)، بعدما استولى عليه الخراب، وطرد من كانوا يتخذونه ملجأ إلا واحداً منهم رأى فيه الصلاح والعبادة، وأُغلق مدة في أيام العثمانيين وأُهمل، فجدّده الوالي سليمان باشا وفتحه.
وفي سنة ٦٩٨ جُدّد مشهد عثمان (المتّخذ الآن بهواً للاستقبال)، بإشراف ناظر الجامع الناصر بن عبد السلام، وجُعل له إمام راتب.
الرخام والفسيفساء:
في سنة ٦٣٠ جُدّد ترخيم باب الجامع الشرقي.
جَدّد الظاهر (١) نحو سنة ٦٦٨ كثيراً من الرخام في الحائط الشمالي، وكثيراً من الفسيفساء في الجدار الغربي، وأصلح رخامه ورمّمه وجلب
стр. 41
له الرخام من كل جهة، فكان أحسن مما عمل قديماً، وأنفق في ذلك عشرين ألف دينار. وفي سنة ٧٢٧ كمل ترخيم الحائط الشمالي، بأمر تنكز وعهد الناظر ابن المرحل.
وفي سنة ٧٣٠ جمعت فصوص الفسيفساء الباقية لتجعل في الجدار القبلي للصحن، في عهد ابن المرحل ناظر الجامع وبإذن نائب السلطنة تنكز والقاضي الإخنائي الشافعي. ولكن ذلك لم ينفّذ كما يظهر.
وفي سنة ٧٤٠ جدد الناصر بن قلاوون ترخيم مشهد أبي بكر.
***
стр. 42
من أخبار الأموي
وفي رمضان سنة ٤١١ أقيم في الصحن عمودان من الشرق والغرب جُعلاً لتنوير المسجد، وذلك بإذن قاضي البلدة وهما موجودان إلى الآن.
وفي سنة ٧٣٦ وُجد حائط دار الخطابة متشقّقاً فخرب، ووُجد فيه حجارة كبار، وظهر باب كبير مليح له (أسكفّة) وجوانب، والجميع مخرب، فنُقلت الحجارة الكبار إلى باب الفرج فاستُعين بها في بنائه، وفي سنة ٦٩٩ نظر الملك الظاهر في أوقاف الجامع وما يُصرف منها لأرباب الرواتب، فمن كان منهم مستغنياً وليس به انتفاع في علمٍ أبطله، ومن كان منهم ذا حاجة ولم يكن لديه علم رَتّب له على بيت المال ما يقوم به، وصرف ما كان مقرّراً لمن أبطله في مصالح الجامع، وفيمن للمسلمين الانتفاع بعلمه، ورتّب فيه مصحفاً يُقرأ فيه بعد صلاة الصبح تحت قبه النسر، وأجرى على القارئ فيه كل شهر شيئاً معلوماً. وكان بصحن الجامع الأموي حواصل للمنجنيقات وحواصل للأمراء، فيها أشياء من خيم وغيرها فأمر بإزالتها، فاتسع الجامع وازداد رونقه، وتطلّب كتب الوقف، وكانت قد أُهمل النظر فيها، وأجرى الوقوف على شروطها من واقفيها، وإنما كان المتولّي للنظر فيها يعمل بمقتضى رأيه في منعه وإعطائه، فحُملت إليه بعدما شقّ على الباحث عنها وجودّها، فوجدها قد تمزّق القديم منها، وما كان وقفه الملك العادل نور الدين محمود ومَن بعده من الملوك قد كادت كتبها تتلف، فأمر بإحياء خطوطها وإثباتها عند سائر القضاة، واجتهد فيها حسب ما اقتضته آراؤه السعيدة وأفعاله الرشيدة، وكذلك فعل في وقف البيمارستان الكبير، وليس ذلك بمستنكر
стр. 43
من خلائقه في إقامة منار الإسلام، ورفع من خفضه البخوت على التخوت من العلماء الأعلام، وكانت سائر الوقوف المرسلة على ما وُقفت عليه مضافة إلى وقف الجامع الأموي، وكانت لا تُصرف في أربابها، وإنما تُصرف في مرتّب الجامع، فأفردها منه، وولاّها من يصرفها على شروط من وقفها، وأثبت كتبها كما فعل فيما عداها من الأوقاف الجامعية والبيمارستانية.
وفي سنة ٨٣٠ كشفوا عن رؤوس الجسور في الجامع فوجدوا بضعة عشر جسراً تآكلت، فأُصلحت.
وفي أيام الملك الناصر الأيوبي فرض من ماء قنوات زيادة على ماء باناس (بانياس) للأموي مقدار ١٧ إصبعاً.
***
стр. 44
الأموي في أواخر القرن السادس الهجري
زار ابن جبير الجامع الأموي في أواخر القرن السادس، ووصفه في رحلته وصفاً دقيقاً صادقاً، رأيت أن أُثبته بحروفه في هذه الرسالة، وأثبت بعده حديثه عن صعوده إلى قبة المسجد.
قال ابن جبير: إن ذرعه في الطول من الشرق إلى الغرب: مائتا مساحته خطوة، وهي ثلاثمائة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة إلى الجوف مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، فيكون تكسيره من المراجع الغربية أربعة وعشرون مرجعاً، وهو تكسير مسجد رسول الله ﷺ غير أن الطول في مسجد رسول الله ﷺ من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته (١) المتصلة بالقبلة ثلاث مستطيلة من الشرق إلى الغرب، سعة كل بلاطة منها ثمان عشرة خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وقد قامت على ثمانية وستين عموداً، منها أربع وخمسون سارية، وثماني أرجل جصية تتخلّلها، واثنتان مرخّمتان مُلْصَقَتان معها في الجدار الذي يلي الصحن، وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصّعة بفصوص من الرخام أعمدته ملوّنة قد نُظمت خواتيم وصُوّرت محاريب وأشكالاً غريبة قائمة في البلاط الأوسط تقلّ قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب، سعة كل رجل منها ستة عشر شبراً، وطولها عشرون شبراً، وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشرة خطوة وفي العرض ثلاث عشرة خطوة، فيكون دور كل رجل منها اثنين وسبعين شبراً
стр. 45
ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته، الشرقية والغربية والشمالية، سعته عشر خطا وعدد قوائمه سبع وأربعون منها أربع عشرة رجلاً من الجص، وسائرها سوار، فكيون سعة أروقة (أروقة الصحن) الصحن حاشا المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع وسقف الجامع كله من الخارج ألواح رصاص. وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب، سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها يتصل من المحراب إلى الصحن، وتحته ثلاث (قبابه) قباب (١)، قبة تتصل بالجدار الذي إلى الصحن، وقبة تتصل بالمحراب، وقبة تحت قبة الرصاص بينهما، والقبة الرصاصية قد أغصت الهواء، فإذا استقبلتها أبصرتَ منظراً رائعاً ومرأى هائلاً يشبّهه الناس بنسر طائر، كأن القبة رأسه، والغارب صدره، ونصفُ جدار البلاط عن يمين ونصفٌ عن شمال جناحاه، ووسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة، (صورة النسر) فهم يعرفون هذا الموضع من الجامع بالنسر، لهذا التشبيه الواقع عليه. ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلّقة من الجو. والجامع المكرّم مائل إلى الجهة الشمالية من البلد. (شمسياته) وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر، وفي القبة المتصلة بالمحراب وما يليها من الجدار أربع عشر شمسية، وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع وأربعون، وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست، وفي ظهر الجدار إلى الصحن سبع وأربعون شمسية. وفي الجامع المكرّم ثلاث مقصورات، مقصورة الصحابة ﵃، وهي أول مقصورة وُضعت في الإسلام وضعها معاوية بن أبي سفيان ﵄، (المقاصير) وبإزاء محرابها المقاصير، عن يمين مستقبِل القبلة باب حديد كان يدخل معاوية ﵁ إلى المقصورة منه إلى المحراب، وبإزاء محرابها لجهة اليمين مصلّى أبي الدرداء ﵁، وخلفها دار
стр. 46
معاوية ﵁، وهي اليوم سماط عظيم للصفارين يتصل بطول جار الجامع القبلي، ولا سماط أحسن منظراً منه ولا أكبر طولاً وعرضاً، وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخيل برسمه، وهي اليوم مسكونة، وفيها مواضع للكمادين، وطول المقصورة الصحابية المذكورة أربعة وأربعون شبراً، وعرضها نصف الطول، ويليها لجهة الغرب في وسط الجامع المقصورة التي أُحدثت عند إضافة النصف المتخذ كنيسةً إلى الجامع حسبما تقدم ذكره، وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة، وكانت مقصورة الصحابة أولاً، في نصف الخط الإسلامي من الكنيسة، وكان الجدار حيث أُعيد المحراب في المقصورة المحدثة، فلما أُعيدت الكنيسة كلها مسجداً صارت مقصورة الصحابة طرفاً في الجانب الشرقي، وأُحدثت المقصورة الأخرى وسطاً، حيث كان جدار الجامع قبل الاتصال. وهذه المقصورة المحدثة أكبر من الصحابية، وبالجانب الغربي بإزاء الجدار مقصورة أخرى، هي برسم الحنفية، يجتمعون فيها للتدريس، وبها يصلّون، وبإزائها زاوية محدقة بالأعواد، كأنها مقصورة صغيرة، وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة، هي كالمقصورة، كان وضَعَها للصلاة فيها أحد أمراء الدولة التركية، وهي لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب، يتخذها الطلبة الزوايا للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس، وهي من جملة مرافق الطلبة. وفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون باباً متصلة بطول الجدار قد علتها أقواس جصية مخرمة كلها على هيئة الشمسيات، فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه (أبواب الصحن) والبلاط المتصل بالصحن المحيط، والبلاطات من ثلاث جهات على أعمدة، وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوّسة، تقلّها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله. ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد، وهو متفرّجهم ومنتزههم، كلّ عشيةٍ تراهم فيه ذاهبين وراجعين، من شرق إلى غرب، من باب جيرون
стр. 47
إلى باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، لا يزالون على هذه الحال من ذهاب ورجوع إلى انقضاء صلاة العشاء الآخرة، ثم ينصرفون ولبعضهم بالغداة مثل ذلك، (الشاميون والجامع) وأكثر الاحتفال إنما هو بالعشي، فيخيّل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم، لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا يزالون على ذلك كل يوم، وأهل البطالة من الناس يسمونهم (الحرائين). (المآذن) وللجامع ثلاث صوامع، واحدة من الجانب الشرقي، وهي كالبرج المشيّد تحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها إلى إغلاق، يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي ﵀، وثانية بالجانب الغربي على هذه الصفة، وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين (باب العمارة). (قباب الصحن) وفي الصحن ثلاث قباب، إحداها في الجانب الغربي منه وهي أكبرها، وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، مستطيلة كالبرج، مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة، يقال إنها كانت مخزناً لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلاّت تنيف (على ما ذُكر لنا) على الثمانية آلاف دينار في السنة وهي خمسة عشر ألف درهم.
وقبّة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوّفة مثّمتة من الرخام قد أُلصق أبدع إلصاق، قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام، وتحتها شباك حديد مستدير وفي وسطه أنبوب من النحاس يمجّ بالماء إلى علو فيرتفع وينثني، كأنه قضيب لُجَين يشره الناس لوضع أفواههم فيه للشرب استظرافاً واستحساناً، ويسمونه قفص الماء، والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدة على هيئة القبة الكبيرة، لكن أصغر منها، وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضي إلى مسجد كبير، في وسطه صحن قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير، (المشاهد) يجري الماء فيه دائماً من صفحة رخام أبيض مثمّنة قد قامت وسط
стр. 48
الصهريج على رأس عمود مثقوب يصعد الماء منه إليها. وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يُفضي إلى مسجد من أحسن المساجد وأبدعها وضعاً، وأجملها بناءً، ويزعمون أنه مشهد لعلي بن أبي طالب. يقابله في الجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي مجلّل بستر في أعلاه، وأمامه ستر أيضاً منسدل، يزعم أكثر الناس أنه موضع لعائشة ﵂، وأنها كانت تسمع الحديث فيه. وذلك كله لا أصل له، وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع. وكان هذا الجامع المبارك ظاهراً وباطناً منزلاً كله بالفصوص المذهبة، (زخارف الجامع) مزخرفاً بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين، فتهدّم وجُدّد، وذهب أكثر رخامه فاستحال رونقه، فأسلَمُ ما فيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها، ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية، حُسناً وغرابةً صنعةٍ، يتّقد ذهباً كله وقد قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره تحفّها سويريات مفتولات فتل الأسورة كأنها مخروطة لم يُرَ شيء أجمل منها، وبعضها حمر كأنها مرجان، (القبلة والمحراب) فشأن قبلة هذا الجامع المبارك مع ما يتصل بها من قبابه الثلاث وإشراق شمسياته المذهّبة الملوّنة عليه واتصال شعاع الشمس بها وانعكاسه إلى كل لون منها حتى ترتمي الأبصار منه أشعة ملونة يتصل ذلك بجداره القبلي كلّه عظيم لا يُلحق وصفه ولا تبلغ العبارة بعض ما يتصوره الخاطر منه، والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنّه. وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان ﵁ وهو المصحف الذي وجّه به إلى الشام، وتُفتح الخزانة كل يوم إثر الصلاة فيتبرّك الناس بملمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه. (أبواب الجامع) وله أربعة أبواب: (باب) قبلي ويُعرف بباب الزيادة وله دهليز كبير متسع له أعمدة عظام وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم،
стр. 49
وله مرأى رائع ومنه يُفضي إلى داخل الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية ﵁ وتُعرف بالخضراء.
(وباب) شرقي هو أعظم الأبواب، ويعرف بباب جيرون.
و (باب) غربي ويُعرف بباب البريد. و (باب) شمالي ويعرف بباب الناطفيين. وللشرقي والغربي والشمالي أيضاً من هذه الأبواب دهاليز متسعة، ويفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل الكنيسة فبقيت على حالها، (الدهليز الشرقي) وأعظمها منظراً الدهليز المتصل بباب جيرون يخرج من هذا الباب إلى بلاط طويل عريض، قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوّسة لها ستة أعمدة طوال، وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل، كان فيه رأس الحسين بن علي ﵄، ثم نُقل إلى القاهرة، وبإزائه مسجد صغير يُنسب لعمر بن عبد العزيز ﵁، وبذلك المشهد ماء جار، وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها الدهليز، وهو كالخندق العظيم يتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموّاً، وقد حفّته أعمدة كالجذوع طولاً، وكالأطواد ضخامةً، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم، وعليها شوارع أخرى مستطيلة فيها الحجر والبيوت للكراء، مشرفة على الدهليز، وفوقها سطح يبيت به سكان الحجر والبيوت. وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام، عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء، وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة، (الفوارة) وحوله أنابيب صغار ترمي الماء إلى علو فيخرج عنها كقضبان اللّجَين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف.
стр. 50
وعن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير، فيه طيقان صفر فتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، وقد دبرت تدبيراً هندسياً، (الساعة) فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فم بازيين مصوّرين من صُفر، قائمين على طاستين من صفر، تحت كل واحد منهما طاستان، إحداهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثانية تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين، ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيّله الأوهام سحراً، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يُسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين يلوح من الصفر، لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار، حتى تتغلق الأبواب كلها وتنقضي الساعات. ثم تعود إلى حالها الأول ولها بالليل تدبير آخر، وذلك فيّ أن في القوس المتعطف على الطيقان المذكورة اثنتا عشرة دائرة من النحاس، مخرومة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبّر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى، حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وقد وكّل بها في الغرفة متفقد لحالها درب بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها وهي التي يسميها الناس المنجانة.
(الدهليز الغربي) ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين، وفيه سماط لبيع الفواكه، وفي أعلاه باب عظيم يُصعد إليه على أبراج، وله أعمدة سامية في الهواء، وتحت ابراج سقايتان مستديرتان، سقاية يميناً وسقاية يساراً، لكل سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل.
стр. 51
(الدهليز الشمالي) ودهليز الباب الشمالي فيه زوايا على مساطب محدقة بالأعواد هي محاضر لمعلمي الصبيان، وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبنية للصوفية، في وسطها صهريج يقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁، ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا، والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها، وعن يمين الخارج أيضاً من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجري الماء فيه، ولها مطاهر على الصفة المذكورة، وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان لهما رأسان من الصفر مستطيلان قد خرما أحسن تخريم، يُسرَجن ليلة النصف من شعبان فيلُوحان كأنهما ثريتان مشتعلتان.
واحتفال أهل هذه البلدة بهذه الليلة المذكورة أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.
وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم كل يوم إثر صلاة الصبح لقراءة سبع من القرآن دائماً، (القراء) ومثله إثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرؤون فيها من سورة الكوثر إلى الخاتمة، ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لا يُجيد حفظ القرآن، وللمجتمعين على ذلك إجراء كلّ يوم يعيش منه أزيد من خمسمائة إنسان، وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم، فلا تخلو القراءة منه صباحاً ولا مساءً.
(الحلقات والدروس) وفيه حلقات للتدريس للطلبة، وللمدرسين فيها إجراء واسع، وللمالكية زاوية للتدريس على الجانب الغربي يجتمع فيه المغاربة ولهم إجراء معلوم، ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعة، وأغرب ما يحدث به أن سارية من سواريه هي بين المقصورتين القديمة والحديثة لها وقف معلوم يأخذه المستند إليه للمذاكرة والتدريس، أبصرنا بها فقيهاً من أهل إشبيلية يُعرف بالمرادي، وعند
стр. 52
فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحاً يستند كل إنسان منهم إلى سارية، ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن، وللصبيان أيضاً على قراءتهم جراية معلومة، فأهل الجدة من الآباء ينزّهون أبناءهم عن أخذها، وسائرهم يأخذونها، وهذا من المفاخر الإسلامية، وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير يأخذ منه المعلم له ما يقوم به، وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم، وهذا أيضاً من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد. وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها إنما هو تلقين، ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها تنزيهاً لكتاب الله عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو، وقد يكون في أكثر البلاد الملقّن على حدة والمكتب على حدة، فينفصل من التلقين إلى التكتيب لهم في سيرة حسنة، ولذلك ما يتأتى لهم حسن الخط لأن المعلم له لا يشتغل بغيره، فهو يستفرغ جهده في التعليم، والصبي في التعلم، كذلك ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه.
(مظاهر الجامع) ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات، في كل جامع سقاية، كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية، والماء يجري في كل بيت منها، وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل، تُصبّ فيه عدة أنابيب منتظمة بطوله، وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي أكبرها، وفيها من البيوت نيّف عن الثلاثين، وفيها زائداً على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يُمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية، والواحد بعيد عن الآخر، ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبراً والماء نابع فيهما. والثانية (١) في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين. والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد. والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة.
стр. 53
(قبر يحيى) وفيه مشهد رأس يحيى بن زكريا ﵇ وهو مدفون بالجامع المكرم في البلاد القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية، ﵃. وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة، وفوقه قنديل كأنه من بلّور مجوّف، كأنه القدح الكبير، لا يُدرى أمن زجاج عراقي أم صوري هو أم غير ذلك؟.
صعوده إلى القبة:
ومن أعظم ما شاهدناه من مناظر الدنيا الغريبة الشأن، وهياكلها الغريبة البنيان المعجزة الصنعة والإتقان، والمعترف بوصفها بالتقصير لسان كل بيان، الصعود إلى أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد القائمة وسط الجامع المكرم، والدخول في جوفها، وإجالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها مع القبة التي في وسطها، كأنها كرة مجوّفة داخلة في وسط كرة أخرى أعظم منها.
صعدنا إليه في جملة من الأصحاب المغاربة، ضحوة يوم الاثنين الثامن عشر لجمادي الأولى سنة ٥٨٠ من مرقى في الجانب الغربي من بلاط الصحن، كان صومعة في القديم، وتمشّينا على سطح الجامع المكرم وكله ألواح رصاص منتظمة، كما تقدم الذكر لذلك، وطول كل لوح أربعة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار، وربما اعترض في الألواح نقص أو زيادة، حتى انتهينا إلى القبة المذكورة، فصعدنا إليها على سلّم منصوب، والريح تكاد تطير بنا، فحَبونا في الممشى المطيف بها وهو من رصاص، وسعته ستة أشبار، فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج إلى جوف القبة، على أحد شراجيبها، المفتّحة في الرصاص، فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول، وتقف دون إدراكه هيبة وصف الأفهام، وجلنا على فرش من الخشب العظام، حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف الرصاصية على الصفة التي ذكرناها، ولها
стр. 54
طبقان يبصر منها الجامع ومن فيه، فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان. وهذه القبة مستديرة كالكرة، ظاهرها من خشب، قد شُدّ بأضلاع من الخشب الضخام، موثّقة بمناطق من الحديد، ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة، وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها، وداخل هذه القبة - وهو ما يلي الجامع المكرم - خواتيم من الخشب منظم بعضها ببعض قد اتصلت اتصالاً عجيباً، وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب، مزخرفة التلوين، بديعة القرنصة، يَرتمي الأبصار شعاع ذهبها، وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموّها.
أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتماً مطرحاً جوف القبة، لم يكن طوله أقل من ستة أشبار في عرض أربعة، وهي تلوم في انتظامها للعين كأن دورة كل واحد منها شبر أو شبران الغاية، لعظم سموّها. والقبة محتوية على هذه القبة المذكورة، وقد شُدّت أيضاً بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام، موثّقة الأوساط بمناطق الحديد، وعددها ثمان وأربعون ضلعاً، بين كل ضلع وضلع أربعة أشبار، قد انعطفت انعطافاً عجيباً، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب، أعلاها، ودور هذه القبة الرصاصية ثمانون خطوة، وهي مائتا شبر وستون شبراً، والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها. إنما هذا الذي ذكرناه ندبة يستدل بها على ما وراءها، وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر الذي تحت هاتين القبتين مدخل عظيم، هو سقف للمقصورة، بينه وبينها سماء خاص مزيّنة، وقد انتظمت فيه من الخشب ما لا يُحصى عدده، وانعقد بعضها ببعض، وتقوّس بعضها على بعض، وتركّبت تركيباً هائلاً منظره، وقد أُدخلت في الجدار كله دعائم القبتين المذكورتين، وفي ذلك الجدار حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، لا تنقلها الفيلة، فضلاً عن غيرها، فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده إلى هذه
стр. 55
الصنائع العجيبة، ومعينهم على الثاني لما ليس موجوداً في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه، لا إله إلا سواه. والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة، قد قامت فوقها أرجل قصار ضخام من الحجارة الصمّ الكبار، وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية، واستدارت الشمسيات باستدارتها، والقبتان في رأي العين واحدة. وكنّينا عنها باثنتين لكون الواحدة جوف الأخرى والظاهر منها قبة الرصاص.
ومن جملة عجائب ما عاينّاه في هاتين القبتين أننا لم نجد فيهما عنكبوتاً ناسجاً، على بعد العهد من التفقّد لهما من أحد، والتعهد لتنظيف مساحتهما. والعنكبوت في أمثالهما موجود كثير، وقد كان حقق عندنا أن الجامع المكرم لا تُنسج فيه العنكبوت ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف.
وقد تقدم ذكرنا لذلك في هذا التقييد، فانصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجباً عجاباً من هذا المنظر العظيم.
الأموي في القرن الثامن:
وقد زار المسجد الرحالة ابن بطوطة، في أوائل القرن الثامن، ووصف المسجد، وليس في وصفه اختلاف كبير عن وصف ابن جبير.
***
стр. 56
الحريق الأخير
أجدادنا الأولون كانوا أهل حزم وعزم، وكانوا أصحاب فكر وبيان، فكتبوا تاريخهم كله، وسجلوا أمجادهم ومعايبهم، وأخبار جِدّهم وهزلهم. فنحن نعرف عن القرون الأولى التي مرّ عليها أكثر من ألف سنة كل شيء، كأننا نعيش فيها، ونجهل من أخبار القرون الأخيرة كل شيء، لا سيما القرن الماضي.
وهذا أمير عجيب ولكنه الواقع.
وأنت إذا أردت أن تعرف قصة حريق الأموي مثلاً، لم تجدها في تاريخ من التواريخ، مع أن في دمشق مئات ممن شهدها بعينه.
لذلك اعتمدت في هذا الحديث على ما حدثني به أستاذنا الأكبر الشيخ المعمِّر الجليل عبد المحسن أفندي الأسطواني، وهو - حفظه الله - أعجوبة العجائب، جاوز المئة (١) من السنين ولا يزال في جدّة ذهنه وقوّة ذاكرته، وكثرة علمه، وسرعة بادرته، وحضور نُكتته كما كان في شبابه، وعلى ما حدثني به الشيخ حمدي الحلبي حفيد علامة الشام الشيخ سعيد الحلبي، وهو متولِّي الجامع الآن ومن أعلم الناس بتاريخه وأحواله. كما اعتمدت على ما كتب العلامة الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي، ومختار بك العظم ﵏، وهي وصف مختصر جداً نشره الدكتور صلاح الدين المنجد، أحسن الله إليه بمقدار ما أحسن إلى تاريخ دمشق وآثارها ومخطوطاتها.
وبعد فهذه هي القصة:
كانت ضحوة يوم السبت رابع ربيع الثاني سنة ١٣١١ هـ (أي من
стр. 57
نحو سبعين سنة قمرية)، وكانت دمشق آمنة مطمئنة، والناس منصرفون إلى أعمالهم في الأسواق المطيفة بالأموي، والنساء في بيوتهن الحافة بالجامع، فما راعهم إلا صريخ يصرخ، كأنه النذير العريان: أن لقد احترق الأموي، فترك التجار مخازنهم مفتوحة ووثبوا ينظرون، وصعد النساء على السطوح، وتراكض الناس من كل جهة، وإذا الدخان ينبعث من سقف الجامع، ولم يكن في دمشق مصحلة إطفاء (وقد أُنشئت على أثر الحادث) وحار الناس ماذا يصنعون، فاستَبَقوا إلى سجاد المسجد ومصاحفه يُخرجون ما يصلون إليه منها، وعمد بعضهم إلى الماء يصبّونه، وإلى المعاول علّهم يحصرون النار، ولكن النار كانت أسرع منهم، إذ كان خشب السقف قديماً جافاً، وعليه من الأصبغة والأدهان طبقات، فما شمّ رائحة النار حتى التهب كله دفعة واحدة، كأنما قد صب عليه البنزين، وكانت الرياح في ذلك اليوم غربية شديدة، فما مرت نصف ساعة حتى صار السقف كله شعلة واحدة، وجعلت قطع النيران تتساقط من كل مكان، فالتهب المسجد كله، ولم يعد أحد يستطيع أن يقترب منه، فوقفوا ينظرون وكأن النار التي تأكل مسجدهم تأكل قلوبهم، ولكن العجز أمسكهم وقيّدهم، وكانت عمد المسجد قديمة أكثرها مكسور ومربوط بأطواق الحديد، فتشقّقت من النار، ثم هوى البناء كله، وزلزلت الأرض، وكانت ساعة من ساعات الهول، وامتدت النار تسوقها الرياح الغربية إلى سوق القباقبية والقوافين وزقاق الحمراوي، وانجلى الدخان عن الخراب الشامل، لم يبق من الأموي إلا المشهدان عند باب البريد ورواق الصحن، عدا الرواق المتدّ بين باب النوفرة إلى مشهد الحسين، فقد ناله الحريق فتضعضع، وأصاب الحريق المنارة الغربية.
وأمامي الآن صورة نشرها الدكتور المنجد للأموي بعد الحريق، ما فيها إلا جدار الحرم الشمالي (من جهة الصحن) والواجهة المثلثة
стр. 58
العالية، أما السقف كله والقبة فلم يبق منه أثر، ذهب المسجد كله في ساعتين ونصف الساعة، المسجد الذي أُنفقت فيه الأموال والأعمار، وعملت في بنائه الأفكار والأيدي ألفاً وثلاثمئة سنة، ذهب كله في مئة وخمسين دقيقة فقط، ذهب في سبيل نارجيلة.
ذلك أن عاملاً من العمال كان يصلح رصاص السقف، في المعزبة الوسطى من الجهة الغربية، فأعجبه المنظر، وهاج في نفسه الشوق إلى نفس دخان، فجاء بنارجيلة وأوقد ناراً ليشعلها، فأشعل النار في الأموي.
خلت دمشق من مسجدها، ولكن ما خلت النفوس من إيمانها، وحطّ سقفه وجدرانه ولكن ما حطّ فرض الصلاة عن الناس، وماذا يضر المصلي إن هوت قبة المسجد وأمّحت روائعه وطمست نقوشه، ومسجد محمد الذي بُني على التقوى والذي كان مشرقَ النور على الدنيا ما كانت له قبة ولا كانت فيه نقوش، إنما هو سقيفة من اللَّبِن، والخشب، وماذا إن بقي بلا مسجد والأرض كلها للمسلم مسجد ومصلى.
لذلك كانت الفاجعة في الأموي الضحى، وأقيمت الصلاة في الأموي الظهر، أقيمت الصلاة، أقامها العالم الورع الشيخ عبد الحكيم الأفغاني، في الصحن وراء البحرة والناس وراءه، فكانت النار لا تزال بقاياها في أرجاء المسجد، وهم يركعون ويقولون: الله أكبر، الله أكبر من الجامع، فإذا ذهب الجامع فالله باق، والصلاة باقية، لا يشغل المؤمن عن صلاته شيء في الدنيا مهما كبر، لأن الصلاة لله، والله أكبر.
صلوا في الصحن، ثم عمدوا إلى المشهد الغربي الذي بقي سالماً، فنقلوا إليه بعض مفروشات الجامع، وأقاموا له منبراً صغيراً للخطابة، وعمروا سدة صغيرة للمؤذّنين، وصارت تُقام الجمعة فيه، وكان المشهد الثاني (المعروف اليوم بمشهد الغزي) وهو الآن بهو الاستقبال،
стр. 59
مستودعاً للوازم الجامع، ففُرّغ ودُفّف وفُرش وفُتح بابه القبلي، فصار المشهدان (القائمان على طرفي باب البريد) معدّيَّن للصلاة، وكان المشهد الشرقي قد احترق كله، ومشهد الحسين قد احترق بعضه، فبذل الناس لإصلاحهما، فجُدّدا وأُعدّا للصلاة قبل حلول شهر رمضان. ثم انصرف الناس إلى تنظيف الجامع، وكان من الأنقاض المتراكمة كأنه تل عظيم، وتناوبوا على تنظيفه، يشتغل أهل كل محلة يوماً، يجيئون جميعهم كهولهم وشبابهم، أغنياؤهم وفقراؤهم، يعملون بأيديهم إيماناً واحتساباً، ينقلون التراب والحجارة، ويتسابق الأغنياء إلى إطعامهم، فيتكفل أغنياء الحي بإعداد الطعام للعاملين، فيتغذون في المسجد، فكان ذلك مظهراً رائعاً للأخوّة والبذل، وغدا الناس كأنهم أسرة واحدة، يعملون جميعاً في بيت الله، وينزلون ضيوفاً عليه، حتى إذا نُظّف المسجد من الأنقاض، أُلّفت في كل حي لجنة لجمع المال لعمارة المسجد، وهبّت دمشق إحدى هباتها المؤمنة العجيبة، وتزاحم الناس على البذل، فمنهم من خرج عن ماله كله، منهم من أعطى نصف ماله، وكلّ ساعد بعقله وبفنّه وبصناعته، والفقير عمل مجاناً بيده، وأنتم تذكرون ما صنعت دمشق في أسبوع التسلح القريب، فكبِّروا ذلك عشر مرات تروا ما صنعت دمشق لبناء الجامع.
وكان الكشف وقدِّرت نفقات البناء بسبعين ألف ليرة ذهبية، وإذا نظرنا إلى القوة الشرائية لكل ليرة وجعلنا الخبز مقياساً وحسبنا سعره يومئذ وسعره اليوم، رأينا المبلغ يعادل عشرين مليون ليرة من نقد هذه الأيام.
ونظروا فإذا الأعمدة التي كان يقوم عليها سقف الحرم قد تكسّرت، وفكّروا في أعمدة جديدة، واختلف الرأي فيها، من أين يُؤتى بها وكيف تُنقل، ثم أخذوا برأي السيد عبد الله الحموي، فقرروا أن تُقطع الأعمدة من جبال المزّة، ولكن يكف يؤتى بها؟.
стр. 60
هنا تظهر عظمة هذا الرجل الذي لم يكن مهندساً ولم يكن متعلماً. لقد عرض عليهم أن يعمل عربة مستطيلة واطية تجرّها الثيران، لها ملاقيط من تحتها فهي تلتقط العمود، وتحمله من المزة إلى المسجد، وشكّوا في ذلك، فخبرّهم أنه رأى مثلها في مقاطع الحجارة في إيطاليا، فأقرّوه على صنعها، فصُنعت بإرشاده، وصارت تحمل العمود الهائل من الأعمدة القائمة اليوم في الأموي وتأتي به يحف بها الناس والشباب بالعراضات والأهازيج.
ولما وصل العمود الأول وشكرت اللجنة للسيد الحموي ما صنع، ضحك وقال لهم: أخبركم الآن بالحقيقة، أنا لم أر مثل هذه العربة في إيطاليا، ولا ذهبتُ إليها ولا إلى غيرها، ولكني خفتُ أن أقول لكم: إنها من اختراعي، فلا تقبلوها مني فزعمت أني رأيتها في إيطاليا.
وهذه العربة لا تزال موجودة، أرجو أن تُوضع في المتحف لتُعرض دليلاً على العبقرية الشامية.
وشُرع في البناء سنة ١٣١٤ هولم يبق في دمشق صاحب فنّ إلا وضع فنه في عمارة المسجد، ولا عامل إلا قصر عمله على المسجد، وكان يشتغل فيه كل يوم أكثر من خمسمئة عامل، فما مرت سنتان حتى أُنجز بناء النصف الشرقي من المسجد وفُرش بالسجاد وعُلقت فيه الثريّات والمصابيح وأُقيم حاجز من الخشب من غربيّه ووُضع المنبر إلى جنب محراب المالكية، وافتُتح في رمضان سنة ١٣١٦ هفي حفلة ضخمة حضرها الوالي والعلماء والوجهاء.
ثم بُدئ بالقسم الآخر، وكان أول ما بُني منه محراب الحنفية، وزخرفوه هذه الزخرفة التي تُرى الآن وبلغت نفقات بناء المحراب كما خبّرني الأستاذ الأسطواني ألف ليرة ذهبية، وقد لام الناس اللجنة على البداءة به، فاحتجت بأنه لو لم يُبدأ به لما بُني.
стр. 61
وتم بناء القسم الأوسط من المسجد في منتصف شعبان سنة ١٣١٨، واكتمل البناء كله واحتفل بافتتاحه في ٢٨ جمادى الأولى ١٣٢٠، بعد الحريق بتسع سنين فقط.
وبعد، يا أيها القراء، فإن هذا المسجد العظيم الذي يقطع السياح نصف كرة الأرض ليشاهدوه ويعجبوا من عظمته وجلاله، وهذه القبة السامقة التي لا يطاولها بناء في دمشق، بل تبدو العمارات معها كالصبية الصغار مع الرجل الطُّوال، وهذا الزخرف وهذا الجمال، كله من صنع أهل دمشق، أنفقوا عليه من أموالهم، وعملوه بأيديهم، وإن الذين هندسوه وعمروه كانوا جماعة من النجّارين الشاميين الذين لم يدرسوا في مدرسة ولم ينالوا شهادة في الهندسة، الحموي ومعاونوه والتوام وملص وإخوانهم، وإن الذين نقشوه هذا النقش البارع الذي جاء على مثال النقش القديم وأربى عليه هم أولاد أبي نجيب الدهان الشامي العامي، وأنهم هم الذين صنعوا هذه الشبابيك العجيبة الثلاثة التي هي فوق المحراب، والثلاثة المقابلة لها.
لقد بنت دمشق هذا المسجد العظيم على قلة العلم يومئذ، وضعف الأدوات، وفقد الآلات، ليقوم دليلاً على أن الإيمان والإخلاص يصنعان كل شيء.
فإذا شككتم في أن الإيمان يعمل العجائب ويأتي بالخوارق، فهاكم قبة الأموي قائمة تنطق، شاهدة بأن الإيمان قوة تدحر القوي، وكنز يزري بالكنوز.
ورحمة الله وتحياته وبركاته على كل من شارك بسلطانه أو بيده أو بفكره في إقامة هذا الصرح المبارك، من لدن معاوية والوليد إلى يوم الناس هذا، وعلى كل من سيعمل فيه في الأيام القادمات، وجزاهم الله جميعاً خير الجزاء.
***
стр. 62
الإصلاحات الجديدة
تقرير من مهندس الأوقاف
... السيد مكين المؤيد
إن الفترة التي نؤرخ لها الآن تنحصر فيما بين عام ١٩١٩ ميلادية وعام ١٩٥٩ (١)، أي ابتداءً من انتهاء الحرب العالمية الأولى.
ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى وتبتدئ من عام ١٩١٩ لغاية عام ١٩٤٠، والمرحلة الثانية وتبتدئ من عام ١٩٤١ لغاية عام ١٩٤٩، والمرحلة الثالثة وتبتدئ من عام ١٩٥٠ لغاية عام ١٩٥٩.
المرحلة الأولى:
حرت إصلاحات المرحلة الأولى بمعرفة دائرة الأوقاف وإشراف القائم - بالنظارة على الجامع، وقد بلغت تكاليف هذه الإصلاحات نحواً من ألفي ليرة عثمانية ذهبية، ومن أهم الأعمال التي تمت خلال هذه المدة: تبليط باحَتْي مدخل بابَي البريد والنوفرة الداخليّيْن بالرخام وترخيم جدران باب البريد، وتركيب البلاط القاشاني، وتبديل العمود الكبير في باحة الأموي في الجهة الشرقية الشمالية، وإصلاح المنارة الغربية، إذ رمِّمت الدرابزينات وجدّد الهلال النحاسي، وتركيب سطرين من القاشاني المنقول من قبة الوزير (أقوش النجيبي) في السويقة، فوق محرب الحرم الكبير، يتضمّنان آيات قرآنية من سورة الرحمن، ونزع الكلسة عن الفسيفساء، وإكمال النواقص في مدخل باب البريد، والرواق
стр. 63
الغربي، وعمل مجاري الماء في الجملونات (سطح الحرم) من (بيتون) مسلح، بدلاً عن مجاري الرصاص التي كانت ترشح منها المياه إلى خشب السقف، وإصلاح الرخام المشقف في محراب الشافعي، وتبليط القسم الشرقي من أرض باحة الصحن ببلاط أحمر مزي.
المرحلة الثانية:
اشتركت في الإصلاحات في هذه الفترة دائرة الأوقاف ومديرية الآثار، وقد بلغت تكاليفها مئة ألف ليرة سورية تقريباً، وهذه أهم الأعمال التي تمّت خلال هذه الفترة:
في عام ١٩٤١ تم فكّ القسم العلوي من المثمن المتصدع من منارة سيدنا عيسى (أي الشرقية)، وإعادته مجدداً كالسابق، وتم ترميم وتصليح وتكحيل القسم السفلي من بقية المنارة، وجدّدت الداربزينات الخشبية، وفي عام ١٩٤٢ تم إصلاح الفسيفساء الآيل للسقوط في قوس الزاوية الشمالية الغربية، ومن عام ١٩٤٣ لغاية عام ١٩٤٧ تمت الأعمال الآتية:
أ - ... ... بعد تدعيم الجدران وتأمين الأخطار وتعليق الأقواس العلوية والسفلية في الباحة، من جدار الرواق الشمالي لجهة الشرق، فُكّ القسم الأول المتداعي المائل.
ب - ... فُكّت العضادة الحجرية المتصدّعة، والأقواس في الزاوية الشرقية، وكشف سقف الرواق الخشبي، وفكّت الأحجار العاطلة من أساسات الجدران.
ت - ... أعيد البناء كما كان بعد إزالة الأحجار المفتّتة والمتصدعة والعاطلة، وأعيدت العضادة والأقواس، وجرى تركيب العمود السفلي الكبير مجدداً بدلاً عن القديم البالي. كما جرى تبديل العمود العلوي الصغير مجدداً بدلاً عن القديم.
стр. 64
ثم فكّ القسم الثاني المتصدع من الجدار الشمالي المذكور، ثم أعيد بناؤه من جديد.
وأخيراً فكّ القسم الثالث من الجدار المذكور الواقع خلف الرواق عند بيت المؤذّنين، وأزيل القسم العاطل منه، وأعيد مجدّداً بعد ترميم وتصليح الأساسات.
ومن ١٩٤٨ إلى ١٩٤٩ تمت الإصلاحات الآتية:
كشف قسم من الممرّ الذي عثر عليه تحت باحة باب النوفرة الخارجية، وتحرّر من الردم وأصلحت جدرانه وسقفه، وتم هدم الجدار الخارجي الواقع جنوبي مدخل النوفرة، نظراً لتصدعه وأعيد بناؤه مجدداً، ثم جرى إصلاح الجدار المقابل الواقع شمالي مدخل النوفرة خلف مشهد الحسين وتم تكحيله، ورممت الواجهة الخارجية لمدخل النوفرة وكُحّلت بالإسمنت، وأخيراً جدّدت الأعمدة الأربعة المتصدّعة في الزاوية الشمالية الغربية للرواق مع قواعدها.
المرحلة الثالثة:
وتبتدئ من ١٩٥٠ إلى نهاية ١٩٥٩، وأعمال هذه الفترة جرت بمعرفة مديرية الأوقاف في دمشق، وتحت إشراف مديرية الآثار، وقد بلغت تكاليفها ٣٦٥ ألف ليرة تقريباً، ومن أهم الأعمال التي تمت خلال هذه الفترة الأعمال الآتية:
في عام ١٩٥٠ هدم جدار المشهد الشرقي للحرم (الشهير بالسفرجلاني) المتصدع من جراء الحريق وأُعيد بناؤه مجدّداً مع تجديد أساساته، ثم جرى تبليط أرض المشهد المذكور، وأُصلح محرابه، وأنشئ به موضّأ وخزان للمياه.
وفي عام ١٩٥١ فكّت الأقواس الثلاثة العاطلة في الرواق الشمالي
стр. 65
القسم الشرقي منه، وأبدل العمودان الحجريان العاطلان بعمودين كبيرين وتم تجديد الأساسات، ثم أعيدت الأقواس وما فوقها، وجرى تجديد البابين الخشبين في مدخل النوفرة، وأُعيدت الزخارف النحاسية وأُكملت نواقصها، وجرى تصليح الباب الكبير الوسطاني.
وفي عام ١٩٥٢ عملت تروس خشبية مزخرفة مع البلوُّر الملون في قوس باب النوفرة، وباب المسكية الكبيرين، وأعيد سقف القسم المنتهي إصلاحه من الرواق الشمالي، وذلك من خشب مجدد، ورصاص أعيد صبّه مجدّداً مع الدهان الزياتي كالأصل، وأُعيد الفسيفساء إلى الأقواس الثلاثة، وأُعيد محراب مشهد الدخولية (الغزي) المتهدم من خيوط عربية رخامية كالسابق، وأُعيد إصلاح المشقف في محراب المالكي ضمن الحرم.
وفي عام ١٩٥٣ فكت الأقواس المزدوجة الثلاثة في الرواق الشرقي، وجرى تبديل العمودين الصغيرين العاطلين، ثم أُعيدت الأقواس كالسابق تماماً، ثم نُزعت كلسة الجدران في رواق مشهد الحسين من جهة الباحة، وأُصلحت أماكن العطل المتعددة، وصُبّت عتبات النوافذ بالإسمنت وجُدّد منجورها، وجرى تبليط أرض مشهد الوضوء.
وفي عام ١٩٥٤ أكمل نزع جدران الرواق والأقواس وأُلغيت نهائياً، وأُظهر الحجر الطبيعي بعد لقطه وتكحيل فواصله، ودّهنت أسقف الأروقة بالدهان الزياتي، وجُدّد باب العمارة الخشبي العاطل وأُعيد إليه زخرفة النحاس وأُكملت نواقصه. أُصلحت عضادات الرواق الشمالي المنقوشة كالأصل، وتم إصلاح مئذنة التوقيت بجانب منارة العروس، وتم تبليط الباحة الخارجية أمام مدخل النوفرة من رخام وحجر أسود وشعيرة حجرية، وجُدّدت نوازل المطرية من الجهة الشرقية من بواري حديد عوضاً عن قساطل الفخار البالية، وجرى تبديل عمود (الغرانيت) الكبير المتصدّع والمقيّد بطوق حديدي بعمود آخر نقل من جامع تنكز.
стр. 66
وفي عام ١٩٥٥ تم تبديل عمودين كبيرين عاطلين في الرواق الغربي بعمودين (غرانيت)، كالذي تم في عام ١٩٥٤ سابقاً، أحدهما أُخذ من أرض الصحن، والثاني جلب من اللاذقية، وجُدّدت القواعد الحجرية لهذه الأعمدة بعد تجديد الأساسات، وتم إصلاح فسيفساء بعض أقواس الرواق الغربي وأُكملت نواقصه. وأُكمل بناء القسم العلوي من الزاوية الشمالية الغربية من الرواق. وجدّد السقف الخشبي العاطل من مشهد الوضوء وصُبّ البيتون المسلح بظهر السطح، ودُهن السقف الخشبي المذكور بدهان زياتي. وجُدّدت ستة أعمدة صغيرة في القسم العلوي من الرواق.
وفي عام ١٩٥٦ تم إصلاح الرخام المشقف والمزخرف الكائن في العضادة الشمالية من باب البريد وأُكملت نواقصه، وتم تجديد نوازل المطرية في القسم الغربي عوضاً عن السيالات الفخارية البالية، وتم تكليس واجهة باب البريد الخارجية، وتم تكحيل القسم الحجري بالإسمنت، وتم تطبيق جفت الحرم جهة الصحن، مع صب بيتون مسلح ودهان زياتي للجفت المذكور، مع متابعة تصليح الفسيفساء العاطل.
وفي عام ١٩٥٧ فك الرخام المزخرف المشرف على السقوط والمشوّه في جدران مدخل باب النوفرة الداخلية، وأُعيد بصورة منسقة بعد إبعاد العاطل منه والاستعاضة بالرخام المجدد، وتم فتح الباب الذي وُجد مخفياً تحت الرخام القديم، وهو باب صغير لجهة مقام الحسين، وتم تجديد البابين الجانبيين لمدخل باب البريد من خشب مجدد، وأُعيدت الزخارف النحاسية والنقوش الأثرية وأُكملت النواقص مجدداً، وتم إصلاح وترميم السلالم الحجرية في المناور الثلاثة، وفكّت الآيات القرآنية المنقوشة في الحجر في جدار الرواق الغربي، وأُعيد تركيبها وأُكملت نواقصها مع المحافظة على وضعها الأثري، وأُصلحت قبة (الخزنة) الغربية مع تكحيلها بالإسمنت، وتزريقها بالكلس والمونة وصُبّت ألواح رصاصية مجددة لسطوحها الخارجية.
стр. 67
وفي عام ١٩٥٨ تم متابعة إصلاح الفسيفساء العاطل في أقواس الرواق الغربي، وتم إصلاح الباب الخشبي الأثري الكبير في مدخل باب البريد، وبعد حذف العاطل منه من (خشب أو نحاس) أعيد كما كان في السابق، حيث أُعيدت إليه الزخارف والنقوش والخيوط النحاسية، وتم إصلاح مدخل الكلاسة، وتم نصب السقايل في مدخل باب البريد، وبوشر بإصلاح الدهان الزياتي العربي المزخرف في سقف المدخل، حيث قد عفى عليه الزمن، وغُطّي بطبقة كثيفة، أحالت لونه حتى أصبح مكمداً من جراء رشح مياه الأمطار، وتم متابعة فك أقسام الفسيفساء الآيل للسقوط، في منطقة باب البريد القسم العلوي، وإعادتها بعد إكمال نواقصها كما كانت، وتم إصلاح خشب سقف منطقة مدخل باب البريد، وجدّد صب رصاص السطح، وصبت مجاري مسلحة من إسمنت، وعملت زريقة داخلية لسقف المدخل (زلحقة) سلحفاة لمنع دلف المياه نهائياً، وقد أُبدل العمودان الصغيران في القسم العلوي في مدخل باب البريد.
وفي عام ١٩٥٩ متابعة في الدهان الزياتي لسقف باب البريد،
، ومتابعة في إصلاح وترميم وإكمال فسيفساء المكان المذكور الآيل للسقوط.
وأثناء سير العمل نفدت قطع الفسيفساء المتوفرة في الأموي والمجموعة في المستودع من بقايا القطع المتساقطة قديماً من الجدران. وكات أن تتوقف أعمال إصلاح الفسيفساء من جراء فقدان القطع (خرزات) ورغم التحري في المدينة عن إمكانية صنعه حديثا ومخابرة الدول الغربية عن طريق مديرية الأوقاف انتاجه محليا بواسطة خبراء محليين، وبعد جهود كبيرة تم إنشاء معمل زجاجي صغير، وأنشئت ورشة فنية تمكنت من انتاج فسيفساء مجدد مماثل للقديم (البلور فقط) ولا تزال المساعي مستمرة
стр. 68
لانتاج فسيفساء من البلور المطلي بالذهب والفضة، هذا وإن قطع الفسيفساء هي عبارة عن قطع بلورية خاصة الصنع ومختلفة الألوان وقطع بلورية أخرى مطلية بالذهب والفضة وقطع رخامية ملونة، ولا يتجاوز قياس القطعة أي الخرزة ١×١ س م. وإن المساعي التي تبذل لانتاج جميع أنواع الفسيفساء تبشر بالنجاح قريباً.
ومن الأعمال التي هي قيد العمل الآن توضيب وتحضير قواعد وأعمدة قبة التوقيت لإعادتها لشكلها الأثري القديم وإزالة الغلاف الحجري التركي الذي أنشئ حولها.
وختاماً: يتضح من موجز الأعمال الجارية بأن جامع الأموي كان بحاجة لإصلاحات ضرورية جداً. خصوصاً في القسم الشمالي منه، أي في الصحن والأروقة والمشاهد. وقد أزيل العطل والخطر من كافة الجهات المتصدعة، وبقي أجزاء الأعمال المتممة والتي لم تعد تتعلق في متانة البناء، وأهمها إصلاح الفسيفساء في كافة أنحاء الجامع
وأكثرها ضرورةً الموجود في باب السنجق، وإصلاح محاريب الحرم، حيث تضررت من الرطوبة، والسدة ودهانها الزياتي العجمي، وتبليط أرض الصحن، والأروقة، وخلافها من الأعمال التكميلية، كالزخارف الرخامية والخشبية والجصية.
وتقدّر تكاليف هذه الأعمال بمبلغ مليون ونصف المليون ليرة سورية، هذا عدا عن تكاليف مشروع تحرير حول الأموي، الذي هو قيد الدراسة لدى أمانة العاصمة.
***
стр. 69
خاتمة
تبين أن حرائق الأموي كلها (إلا الأخير منها) إنما امتدت إليه من البيوت الملاصقة له، التي تستر جماله، وتخفي عظمته، وتشوّه منظره، وتعرّضه للخطر، مع أنه لا يتصل به الآن من جهة الحرم إلا دكاكين واطية من الخشب واللَّبِن، لا تكلّف إزالتها إلا القليل، هي دكاكين الحذائين في السوق الضيق (١)، ودكاكين (القباقبية) التي توقد فيها النار طول النهار، فإذا أُزيلت انكشف سور الحرم كله، وظهر الباب القبلي القديم، وهذا الاقتراح الأول.
الثاني - أن لكل باب من الأبواب دهليزاً، وأكبرها ما كان من جهة النوفرة، وقد كشف من سنين بالمصادفة أن درج النوفرة لم يُبّن على أرض حرة، بل إن تحته قاعة مبنية، فلو حول الطريق بعد إزالة دكاكين القباقبية، حتى امتد موازياً للجدار القبلي، وأُزيلت أدراج النوفرة وأُظهرت هذه القاعة، وجُعل لها باب ليزورها السياح والناس، لكان منها منفعة للدارس ومورد للدولة.
ولقد كان من الشائع أن تحت الأموي معبداً للصابئة، ذكر ذلك ابن تيمية في بعض كتبه، والصابئة قد تُطلق على طوائف من الوثنيين كأصحاب المعبد الأول، فإذا امتد الحفر من تحت الدرج، ظهر المعبد، كما ظهر بالمصادفة، من سنين، أن تحت جامع بيروت جامعاً آخر وأن تحت كل عمود عموداً آخر.
الثالث - وهذا طلب بعيد الإجابة، هو أن دمشق أقدم المدن المسكونة
стр. 70
اليوم على ظهر الأرض، لا خلاف في هذا، وكلما حفر أرضها للبناء أو للمجاري ظهرت آثار مطمورة، من أحدث ما ظهر منها الأعمدة التي كشف عنها في طريق الباب الشرقي، وأخطأت دائرة الآثار فرفعتها فجعلتها فوق الأرض، مع أن الواجب تركها على العمق الذي ظهرت فيه ليتبيّن ما طرأ على أرض المدينة من ارتفاع.
إذا كانت الحفريات قد أظهرت في مدينة بابل ثلاث مدن بعضها فوق بعض (رأيت ذلك بعيني)، فإن دمشق إن اقتطعت منطقة منها كالمنطقة التي بين نهاية ما فتح من شارع معاوية والباب الشرقي والسور الجنوبي وأُخليت وأُجريت فيها حفريات لظهرت ست مدن بعضها فوق بعض، ولتغيّرت دراسة التاريخ القديم، ولكان من ذلك أعظم منطقة أثرية في العالم، وكان لنا منه مورد مالي لا ينقطع، ولوجدنا تُحَفاً وكنوزاً لا تقدّر قيمتها.
وليبدأ الحفر من الخراب، ومعلوم أن هذه البقعة سميت بـ (الخراب) لأنها تخرّبت على عهد تيمورلنك لا جزاه الله خيراً، وأنها تظهر صحون الدور القديمة وبركها بأقل حفر يكون فيها.
وتحت ذلك طبقات إسلامية، ثم طبقة رومانية، ثم طبقات، الله أعلم بها.
والرابعة - أن يُفتح من باب الأموي شارع مستقيم إلى ظاهر البلد، وأقرب وسيلة إلى ذلك هي شق الطريق من باب العمارة إلى شارع بغداد، وأكثره مفتوح، والبيوت الباقية في طريقه من البيوت الرخيصة، وفي فتحه نفع لتلك الأحياء، وما يؤخذ من المالكين من (رسم الشرفية) يقوم بنفقات الفتح ويُعطى أرباب البيوت المهدومة بدلاً منها في المساكن الشعبية، كما كان عند فتح شارع البحصة.
стр. 71
وأنا أشكر الأستاذ عبد الرحمن الطباع الأمين العام لوزارة الأوقاف أن أشار بتأليف هذا الكتاب، وللأستاذ ظهير الكزبري مفتشها العام أن أشرف على إخراجه.
وأشكر الأستاذين عبد القادر العاني وحمدي الحلبي على ما أمداني به من أخبار المسجد في عهده الأخير التي لم يدوّنها التاريخ.
وأشكر الأستاذين صلاح الدين المنجد ومحمد أحمد دهمان على ما استفدته من مباحثهما ومنشوراتهما.
وأشكر الأستاذين عبد القادر الريحاوي مفتش الآثار، وأبا الفرج العش على نظرهما في الكتاب، وعلى ما أبدياه من ملاحظات.
وأشكر كل من يتفضل فيدلّني على نقص فيه، أو يرشدني إلى خطأ لا سيما في الأرقام التي لا آمن عليها التحريف عند الطبع.
والحمد لله من قبل ومن بعد.
... (١)
стр. 72
من آثار المؤلف
١ - رسائل الإصلاح ... ... ١٣٤٨ هـ ... ... ٢٢ - من حديث النفس ... ... ١٩٨١م
٢ - بشار بن برد ... ... ١٣٤٨ هـ ... ... ٢٣ - الجامع الأموي ... ... ١٩٦٠م
٣ - رسائل سيف الإسلام ... ١٣٤٩هـ ... ... ٢٤ - في أندونيسيا ... ... ١٩٦٠م
٤ - الهيثميات ... ١٣٤٩ هـ ... ... ٢٥ - فصول إسلامية ... ... ١٩٦٠م
٥ - في التحليل الأدبي ... ... ١٣٥٣هـ ... ... ٢٦ - صيد الخاطر لابن الجوزي ... ١٩٧٨م
٦ - عمر بن الخطاب - جزآن ... ١٣٥٢ هـ ... (تحقيق وتعليق)
٧ - كتاب المحفوظات ... ... ١٣٥٥هـ ... ... ٢٧ - فكر ومباحث ... ١٩٦٠م
٨ - في بلاد العرب ... ... ١٩٣٩م ... ... ٢٨ - مع الناس ... ١٩٦٠م
٩ - من التاريخ الإسلامي ... ١٩٣٩م ... ... ٢٩ - بغداد ... ١٩٦٠م
١٠ - أبو بكر الصديق ... ... ١٩٨٦م ... ... ٣٠ - سلسلة أعلام التاريخ ... ١٩٧٩م
١١ - قصص من التاريخ ... ١٩٨٣م ... ... ٣١ - فتاوى علي الطنطاوي ... ١٩٨٦م
١٢ - رجال من التاريخ ... ... ١٩٨٦م ... ... ٣٢ - ذكريات علي الطنطاوي ج١ ١٩٨٥م
١٣ - صور وخواطر ... ... ١٩٨٢م ... ... ٣٣ - ذكريات علي الطنطاوي ج٢ ١٩٨٥م
١٤ - قصص من الحياة ... ... ١٩٨٠م ... ... ٣٤ - ذكريات علي الطنطاوي ج٣ ١٩٨٦م
١٥ - في سبيل الإصلاح ... ١٩٥٩م ... ... ٣٥ - ذكريات علي الطنطاوي ج٤ ١٩٨٦م
١٦ - دمشق ... ١٩٥٩م ... ... ٣٦ - ذكريات علي الطنطاوي ج٥ ١٩٨٧م
١٧ - أخبار عمر ... ... ١٩٨٣م ... ... ٣٧ - ذكريات علي الطنطاوي ج٦ ١٩٨٨م
١٨ - مقالات في كلمات ... ١٩٥٩م ... ... ٣٨ - ذكريات علي الطنطاوي ج٧ ١٩٨٩م
١٩ - من نفحات الحرم ... ... ١٩٨٠م ... ... ٣٩ - ذكريات علي الطنطاوي ج٨ ١٩٨٩م
٢٠ - سلسلة حكايات من التاريخ ١٩٦٠م ... ... ٤٠ - تعريف عام بدين الإسلام ... ١٩٧٤م
٢١ - هتاف المجد ... ... ١٩٦٠م ...
وله مئات من البحوث والمقالات في عشرات من الصحف والمجلات.