← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9289

فقه التاجر المسلم

حسام الدين عفانة

Полный текст (255 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والسوق والمسجد والبيت له حكم واحد وإنما النجاة بالتقوى قال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت) رواه الترمذي وصححه فوظيفة التقوى لا تنقطع عن المتجردين للدين كيفما تقلبت بهم الأحوال وبه تكون حياتهم وعيشتهم إذ فيه يرون تجارتهم وربحهم وقد قيل: من أحب الآخرة عاش، ومن أحب الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش، والعاقل عن عيوب نفسه فتَّاش. انظر إحياء علوم الدين ٢/ ٨٦ - ٨٧. واعلم أخي التاجر أن من أهم مفاتيح الرزق وأسبابه التي يُستنزل بها الرزق من الله الاستغفار والتوبة إلى الله من الذنوب، قال الله تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ سورة نوح الآيات ١٠ - ١٢. وقال الله تعالى عن هود ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ سورة هود الآية ٥٢. فاحرص أخي التاجر على ذكر الله وداوم على التوبة والاستغفار. - - -

стр. 212

من آداب التاجر طرح السلام ورده طرح السلام -أي التسليم- من السنن الثابتة عن الرسول ﷺ فقد صح في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلاً سأل النبي ﷺ : (أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) رواه البخاري ومسلم. وثبت في الحديث أيضاً عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس ونصر الضعيف وعون المظلوم وإفشاء السلام وإبرار المقسم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) رواه مسلم. ويجب أن يعلم أن تحية المسلمين هي السلام وليس صباح الخير ولا مساء الخير ولا أي عبارة أخرى سواء أكانت بالعربية أو بغيرها من اللغات كما يفعل بعض الناس حيث إنهم يحيون بعضهم بعضاً بألفاظ غير عربية. فالسلام هو تحية أهل الإسلام بل إنها تحية أهل الجنة أيضاً، قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ سورة الرعد الآيتان ٢٣ - ٢. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النور الآية ٢٧. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ سورة الذاريات الآيتان ٢٤ - ٢٥. فتحية الأنبياء والملائكة والمسلمين هي السلام فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم على صورته -أي صورة آدم- فلما خلقه قال: اذهب فسلم على

стр. 213

أولئك، نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله) رواه البخاري ومسلم. فالسلام هي تحيتنا التي ينبغي أن نستعملها وهي تحية عظيمة تحمل معنى عظيماً فهي دعاء بالسلامة من الآفات في الدين والنفس ولأن في تحية المسلمين بعضهم لبعض بهذا اللفظ عهداً بينهم على صيانة دمائهم وأعراضهم وأموالهم. الموسوعة الفقهية ٢٥/ ١٥٦. ولا ينبغي للمسلمين أن يستبدلوا هذه التحية العظيمة بألفاظ مستوردة مثل: Good morning، أو بونجور، أو صباح الخير، أو مساء الخير، أو بوكر توف. قال الله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ سورة البقرة الآية ٦١. وقد كره العلماء استعمال هذه الألفاظ وأمثالها، قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [مطلب على أنه تكره التحية بصباح الخير بخلاف صبحك الله بالخير] الفتاوى الحديثية ص ١٣٣. وقال الأستاذ عمر فروخ: [ومعظم الناس إذا حيا بعضهم بعضاً قالوا: صباح الخير أو مساء الخير! والرد على هذه التحية هو: صباح النور، مساء النور، وهذه التحية هي التحية المجوسية يعتقد المجوسي بقوتين: الخير والشر يمثلهما النور والظلمة. وللمجوسي إله للخير أو النور، وإله للشر أو الظلمة وهما يتنازعان السيطرة على العالم فكان من المعقول أن يحي المجوس بعضهم بعضاً بقولهم: صباح الخير - صباح النور! ومع أن الإسلام قد أمرنا بأن نأخذ تحية الإسلام (السلام عليكم) مكان كل تحية أخرى فلا يزال العرب في معظمهم -من المسلمين ومن غير المسلمين- يتبادلون التحية بقولهم صباح الخير- صباح النور] معجم المناهي اللفظية ص ٣٣٤ - ٣٣٥. والأصل في التسليم أن يكون باللسان أي باللفظ وليس باليد أو بالرأس بدون تلفظ. والسلام بالإشارة باليد أو بالرأس بدون تلفظ مكروه عند أهل العلم لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى بالكف) رواه الترمذي وضعفه ولكن له شواهد تقويه لذا حسنه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤٦، وفي السلسلة الصحيحة ٥/ ٢٢٧.

стр. 214

ويؤيد ذلك ويقويه ما رواه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٨٨ عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة)، قال الحافظ ابن حجر: أخرجه النسائي بسند جيد. فتح الباري ١٣/ ٢٥٥. ويؤيد ذلك أيضاً أن السلف كانوا يكرهون التسليم باليد فقد روى الإمام البخاري في الأدب المفرد عن عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يكرهون التسليم باليد. وقال العلامة الألباني: صحيح الإسناد. صحيح الأدب المفرد ١/ ٣٨٥. وقال العلامة الألباني في موضع آخر: وإسناده صحيح على شرطه في الصحيح. حجاب المرأة المسلمة ص ٩٩. ويجوز التسليم بالإشارة مع التلفظ إذا كان المسلًّم عليه بعيداً بحيث لا يسمع التسليم قال العلامة فضل الله الجيلاني: [والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حساً وشرعاً وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا الأصم] فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٢/ ٤٨٩. وقال الحافظ ابن حجر: [واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي سراً بل يشترط الجهر وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب. ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه ... ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه ﷺ ردَّ السلام وهو يصلي إشارة ... وكذا من كان بعيداً بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارة ويتلفظ مع ذلك بالسلام] فتح الباري ١٣/ ٢٥٥. - - -

стр. 215

من آداب التاجر السماحة في البيع والشراء وإنظار المعسر السهولة والسماحة في البيع والشراء أمر مطلوب شرعاً وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب سمح البيع سمح الشراء سمح القضاء) رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٧. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع سهلاً إذا اشترى سهلاً إذا اقتضى) رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٦. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدخل الله رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً الجنة) رواه النسائي وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٦. أخي التاجر اطلب حقك برفق ولين فهذه هي السماحة في الاقتضاء. وأما إنظار المعسر فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٠. وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في دين الربا إلا أن سائر الديون ملحق به لحصول المعنى الجامع بينهما فإذا أعسر المديون وجب إنظاره وهو اختيار الإمام الطبري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... ) رواه مسلم. وعن أبي اليسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله في ظل عرشه) رواه مسلم.

стр. 216

وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه) رواه مسلم. وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم فقالوا أعملت من الخير شيئا قال لا قالوا تذكر قال كنت أداين الناس فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر قال الله تجوزوا عنه) رواه مسلم. وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال: (أُتيَ اللهُ بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له ماذا عملت في الدنيا قال ولا يكتمون الله حديثاً قال: يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر فقال الله أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي) فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من في رسول الله ﷺ ) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب. أخي التاجر أنظر المعسر وتجاوز عنه تجاوز الله عنا وعنك في اليوم الآخر. - - -

стр. 217

من آداب التاجر الصدق والأمانة الصدق مطلوب من المسلم عموماً في كل أموره وأحواله قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ سورة التوبة الآية ١١٩. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٥. وثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن والرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) رواه البخاري ومسلم. والصدق مطلوب من التاجر المسلم خصوصاً نظراً لأهمية الصدق في المعاملات، فعن حكيم بن حزام ... ﵁ عن النبي ﷺ قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما) رواه البخاري ومسلم، فالصدق في البيع والشراء سبب لحصول البركة والكذب سبب لمحق البركة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وجاء في الحديث عن رفاعة ﵁ أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح. فالبر والصدق والتقى منجاة للتاجر من النار يوم القيامة.

стр. 218

وعن معاذ بن جبل ﵁: (إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا صدقوا لم يكذبوا، وإن ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يندموا، وإذا باعوا لم يخدعوا، وإذا كان عليهم لم يماطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا). وقد ضرب التجار المسلمون أروع الأمثلة في الصدق والأمانة فمن ذلك ما قاله النضر بن شميل: غلا الخز في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة وكان يونس بن عبيد خرازاً فعلم بذلك فاشترى من رجل متاعاً بثلاثين ألفاً فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه هل كنت علمت أن المتاع غلا بأرض كذا وكذا؟ قال لا ولو علمت لم أبع قال هلم إلي مالي وخذ مالك فرد عليه الثلاثين ألفاً. - - - من آداب التاجر الخلق الحسن الأخلاق الحسنة من القواعد التي أكمل بنائها الإسلام فالخلق الحسن له مكانة عظيمة في دين الإسلام وقد أثنى الله على نبيه ﷺ بحسن الخلق فقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ سورة القلم الآية ٤. وقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ تحث على الخلق الحسن منها: قول النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وروى الإمام البخاري بإسناده عن مسروق قال كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو يحدثنا إذ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً وإنه كان يقول إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) رواه الترمذي وحسنه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه البيهقي في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك، ورواه مالك في الموطأ، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٦٤.

стр. 219

وقال ﷺ : (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق) رواه أصحاب السنن وقال الترمذي حسن صحيح. والأخلاق الحسنة كالصدق والأمانة والوفاء بالعقود والعهود وحسن المعاملة وإنظار المعسرين وترك المماطلة في سداد الديون وأداء الحقوق لأصحابها ونحو ذلك من الأخلاق الفاضلة الحميدة كلها مطلوبة من المسلم بشكل عام ومن التاجر المسلم على وجه الخصوص. ومن المعلوم أن الإسلام قد دخل أقطاراً كثيرة على يد التجار المسلمين أصحاب مكارم الأخلاق. ولا شك أن الأخلاق من أسس بناء الأمم كما قال الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا - - - من آداب التاجر وفاء الكيل والميزان أوجب الله إيفاء الكيل والميزان فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ سورة الإسراء الآية ٣٥. وقال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ﴾ سورة الشعراء الآية ١٨١. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ سورة الرحمن الآية ٩. وقد حرم الله تطفيف الكيل والميزان فيقول الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سورة المطففين الآيات ١ - ٦. وجاء في الحديث أن تطفيف الكيل والميزان من أسباب الشدائد والمحن التي تصيب الأمة فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: (يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا

стр. 220

فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجة وقال العلامة الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٣٧٠. وقال الإمام الغزالي محذراً التاجر من التطفيف: [ألا يكتم في المقدار شيئاً وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجع إذا أعطي وينقص إذا أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه وكان بعضهم يقول لا أشتري الويل من الله بحبة ... وكان يقول ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض وما أخسر من باع طوبى بويل، وإنما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدي حقوقهم ولذلك لما اشترى رسول الله ﷺ شيئاً قال: (للوزان لما كان يزن ثمنه زن وأرجح)] إحياء علوم الدين ٢/ ٧٩. والحديث المذكور رواه أصحاب السنن والحاكم وقال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم. أخي التاجر إياك والتطفيف في الكيل الميزان فإنه من أسباب الهلاك وما كسبته من التطفيف في الكيل الميزان سحت محرم. - - -

стр. 221

من آداب البيع والشراء خلطهما بالصدقة نظراً لما يقع من كثير من التجار من الحلف واللغو والكذب أرشد النبي ﷺ التجار إلى أن يخلطوا بيعهم بالصدقة فإنها تطفئ غضب الرب فقد ورد في الحديث عن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمى السماسرة، فقال: (يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية أخرى عن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: كنا في عهد رسول الله ﷺ نسمَّى السماسرة فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه. فقال: (يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) رواه أبو داود، وقال العلامة الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٤٠. وفي رواية عند النسائي قال ﷺ : (يا معشر التجار إنه يشهد بيعكم الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة). قال صاحب عون المعبود: [(إن البيع يحضره اللغو): أي غالباً وهو من الكلام ما لا يعتد به, وقيل هو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغو وهو صوت العصافير. ذكره الطيبي. قال القاري: والظاهر أن المراد منه ما لا يعنيه وما لا طائل تحته وما لا ينفعه في دينه ودنياه انتهى. (والحلف): أي إكثاره أو الكاذب منه، (فشوبوه): بضم أوله أي اخلطوا ما ذكر من اللغو والحلف قاله القاري] عون المعبود شرح سنن أبي داود ٩/ ١٢٤. وقد ورد في فضل الصدقة نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ سورة الحديد الآية ١٨. وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ سورة البقرة الآية ٢٤٥. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٤.

стр. 222

وعن حذيفة ﵁ قال: قال عمر ﵁ أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ عن الفتنة قال: قلت أنا أحفظه كما قال قال إنك عليه لجريء فكيف قال قلت: فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف قال سليمان قد كان يقول الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ) رواه البخاري. وعن عدي بن حاتم ﷺ قال سمعت النبي ﷺ يقول: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل) رواه مسلم. وعن رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الصدقة تسد سبعين باباً من السوء) رواه الطبراني في المعجم الكبير. وقال رسول الله ﷺ : (داووا مرضاكم بالصدقة) رواه البيهقي في شعب الإيمان وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٦٣٤. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع عن ميتة السوء) رواه الترمذي وحسنه. وقال رسول الله ﷺ : (صدقة السر تطفىء غضب الرب) قال العلامة الألباني صحيح بمجموع طرقه وشواهده. السلسلة الصحيحة ٤/ ٥٣٥. وقال رسول الله ﷺ : (تصدقوا ولو بتمرة فإنها تسد من الجائع وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه في مسند الشهاب والزهد لابن المبارك وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٥٦٨. وغير ذلك من النصوص. - - -

стр. 223

من آداب التاجر الوفاء بالوعد كثيرٌ من النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ أمرت بالوفاء بالوعد وحثت على ذلك وذمت من لم يف بوعده فمن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١. فهذه الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود والوعد داخل في ذلك. قال الزجاج: [المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم مع بعضكم مع بعض] نقله عنه القرطبي في تفسيره ٦/ ٣٣. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ سورة الصف الآية ٣. وهذه الآية من أشد الآيات في وجوب الوفاء بالوعد لأنها تضمنت الذم الشديد لمن لم يف بما يعد. قال القرافي: [والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذباً وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقاً] الفروق ٤/ ٢٠. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ سورة النحل الآية ٩١. وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤. كما أن الله ذم بعض المنافقين الذين لم يفوا بوعودهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّاءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ سورة التوبة الآيات ٧٥ - ٧٧. كما أن الله مدح الموفين بعهودهم ووعودهم وأثنى عليهم كما في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ سورة البقرة الآية ١٧٧. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ سورة النجم الآية ٣٧.

стр. 224

ومدح الله إسماعيل بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ سورة مريم الآية ٥٤. وورد في السنة النبوية ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف) رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية أخرى عند مسلم: (من علامات المنافق ثلاث ... ). وفي رواية ثالثة عند مسلم أيضاً: (آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم). وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن عبد الله بن عامر ﵁ قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله ﷺ قاعد في بيتها فقالت: تعال أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ : ما أردت أن تعطيه؟ فقالت: أعطيه تمراً. فقال لها رسول الله ﷺ أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) رواه أبو داود وحسّنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩٤٣، وفي السلسة الصحيحة ٢/ ٣٨٤. وجاء في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يستعيذ في صلاته كثيراً من المأثم والمغرم -الإثم والدَّين- فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم -أي استدان- حدث فكذب ووعد فأخلف) رواه البخاري. وبعد عرض هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية أقول إن أهل العلم اختلفوا في حكم الوفاء بالوعد فمنهم من قال بأنه مندوب ومنهم من قال بأنه واجب ومنهم من قال بالتفصيل ففي حالات يجب الوفاء وفي أخرى يندب. والذي أميل إليه وأختاره وجوب الوفاء بالوعد ديانةً وقضاءً وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم جماعة من فقهاء السلف كالفقيه المعروف ابن شبرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والقاضي سعيد بن الأشوع وإسحاق بن راهويه وغيرهم.

стр. 225

قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب من أمر بإنجاز الوعد. وفعله الحسن – أي الأمر بإنجاز الوعد فعله الحسن البصري - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ سورة مريم الآية ٥٤ - وقضى ابن الأشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة. وقال المسور بن مخرمة سمعت النبي ﷺ وذكر صهراً له فقال: وعدني فوفاني. قال أبو عبد الله -أي البخاري- رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري٥/ ٣٥٥. ثم ساق البخاري أربعة أحاديث في الوفاء بالوعد منها قصة أبي سفيان مع هرقل وفيه: (سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي). ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ السابق في علامات المنافق ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي. فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قِبَلَهُ عِدةٌ فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ... ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة). ثم ذكر حديث ابن عباس في قصة وفاء موسى ﵇ بوعده لوالد الفتاتين. فهذه الأدلة وغيرها تدل على وجوب الوفاء بالوعد. وقد ذكر الحافظ السخاوي تفصيلاً أكثر من هذا في كتابه القيم (التماس السعد في الوفاء بالوعد) وبين قوة هذا القول فقال في مقدمة كتابه: [وبعد، فهذا تصنيف لطيف سميته التماس السعد في الوفاء بالوعد، جمعت فيه ما تيسر لي الوقوف عليه من الأحاديث والآثار ومناسبات الأشعار وافتتحته بآية في المعنى مع طرف من تفسيرها الأسنى ليتوافق دليل السنة والكتاب ويظهر قوة من جنح في ذلك للوجوب من الأصحاب] التماس السعد في الوفاء بالوعد ص ٣٠.

стр. 226

ومن لطيف ما ذكره الحافظ السخاوي: [أن مطرفاً بن عبد الله الشخير وكان من فضلاء السلف سمع رجلاً يقول: أستغفر الله وأتوب إليه. فأخذ بذراعه وقال: لعلك لا تفعل من وعد فقد أوجب]. وذكر أيضاً: [أنه قيل لبعض الصالحين وقد أصبح صائماً تطوعاً: أفطر فإن المتطوع أمير نفسه. فقال: إني لأستحي من ربي أن أعده وعداً وهو أن أصوم ولا أوفي له بوعدي] التماس السعد ص ٥٧ - ٥٨. ومن كلمات السلف: [الوعد سحابة والإنجاز مطر وأحسن المواعيد ما صدقه الإمطار] التماس السعد ص ٩٦. وأخيراً ينبغي أن يقال إن الأخذ بقول من أوجب الوفاء بالوعد يضبط معاملات الناس وخاصة في الأمور المالية وقد أخذت كثير من المصارف الإسلامية التي تتعامل وفق الأحكام الشرعية بمبدأ الإلزام بالوعد لما في ذلك من ضبط للمعاملات المالية. - - - من آداب التاجر الإقالة أخي التاجر إذا اشترى شخص سلعة منك ثم ندم على شرائها وطلب منك إرجاعها فأرجعها وأقل بيعته عسى الله أن يقيل عثرتك يوم القيامة. والإقالة عند الْفُقَهَاءِ هي: [رَفْعُ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءُ حُكْمِهِ وَآثَارِهِ بِتَرَاضِي الطَّرَفَيْنِ]. الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/ ٣٢٤. والإقالة أمر مندوب إليه شرعاً ومرغب فيه وقد حث النبي ﷺ على أن يقيل البائع المشتري إن ندم على الشراء لأي سبب من الأسباب فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أقال مسلماً أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

стр. 227

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [حديث (من أقال أخاه المسلم صفقةً كرهها, أقالهُ اللَّه عثرتَهُ يوم القيامة). أبو داود, وابن ماجه وابن حبَّان, والحاكم وَصحَّحهُ ... قال أبُو الفتح القشيرِي: هو على شرطهما وصحَّحه ابن حزمٍ. التلخيص الحبير ٣/ ٢٤.وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/ ١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله ﷺ : (منْ أقالَ نَادِمًا بَيعَتهُ, أَقَاله اللَّهُ عثرته يومَ القيامةِ) انظر إرواء الغليل ٥/ ١٨٢. وجاء في رواية أخرى قوله ﷺ : (من أقال أخاه بيعاً أقاله الله عثرته يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠. قال صاحب عون المعبود في شرح الحديث: [(من أقال مسلماً) أي بيعه (أقاله الله عثرته) أي غفر زلته وخطيئته. قال في إنجاح الحاجة: صورة إقالة البيع إذا اشترى أحد شيئاً من رجل ثم ندم على اشترائه إما لظهور الغبن فيه أو لزوال حاجته إليه أو لانعدام الثمن فرد المبيع على البائع وقبل البائع رده أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة لأنه إحسان منه على المشتري, لأن البيع كان قد بت فلا يستطيع المشتري فسخه انتهى] عون المعبود ٩/ ٢٣٧. وروى الإمام مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله ﷺ فعالجه وقام فيه حتى تبين له النقصان فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله فحلف أن لا يفعل فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : تألَّى -أي حلف- أن لا يفعل خيراً فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هو له] الموطأ ص٤٨٣. وينبغي أن يعلم أن عقد البيع إذا تم بصدور الإيجاب والقبول من المتعاقدين فهو عقد لازم والعقود اللازمة عند الفقهاء لا يملك أحد المتعاقدين فسخها إلا برضى الآخر إذا لم يكن بينهما خيار لقوله ﷺ : [البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا] رواه البخاري ومسلم. ومع ذلك فقد اتفق أهل العلم على أن من آداب البيع والشراء الإقالة قال الإمام الغزالي عند ذكره الإحسان في المعاملة: [الخامس: أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، قال ﷺ : (من أقال نادماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة)] إحياء علوم الدين ٢/ ٨٣.

стр. 228

وقال الحافظ المناوي: [(من أقال مسلماً) أي وافقه على نقض البيع أو البيعة وأجابه إليه (أقال الله عثرته) أي رفعه من سقوطه يقال أقاله يقيله إقالة وتقاؤلاً إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا ندم أحدهما أو كلاهما وتكون الإقالة في البيعة والعهد، كذا في النهاية، قال ابن عبد السلام ... : [إقالة النادم من الإحسان المأمور به في القرآن لما له من الغرض فيما ندم عليه سيما في بيع العقار وتمليك الجوار] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ١٠٣. ولا شك أن الإقالة من باب الإحسان والتراحم والتيسير على الناس والرفق بهم وتقديم العون لهم وإقالة عثراتهم وهي أمور مطلوبة من المسلم فقد قال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال رسول الله ﷺ : (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري. وقال ﷺ : (من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ : (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وقال ﷺ : (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم. وقال ﷺ : (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم. وقال ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم تاجر يداين الناس، فإن رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) رواه البخاري. وقال النبي ﷺ : (اللهم من رفق بأمتي فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه) رواه أحمد ومسلم والنسائي. وقال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : (من يحرم الرفق يحرم الخير) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ قال: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله رواه مسلم. وقال النبي ﷺ : (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٨٠.

стр. 229

وإنما ذكرت هذه الأحاديث لما غلب على التعامل بين الناس من طمعٍ وجشعٍ وفقدانٍ للتراحم والإحسان، لعلهم يتذكرون فيتراحمون. وأخيراً أنبه على أمرين أولهما: ما ورد في بعض ألفاظ أحاديث الإقالة من قوله ﷺ (من أقال مسلماً بيعته) فإن ذكر المسلم في الحديث ورد من باب التغليب وإلا فإقالة غير المسلم كإقالة المسلم قال الإمام الصنعاني: [وأما كَوْنُ الْمُقَالِ مُسْلِمًا فَلَيْسَ بِشَرْطٍ, وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ حُكْماً أَغْلَبِيّاً وَإِلَّا فَثَوَابُ الْإِقَالَةِ ثَابِتٌ فِي إقَالَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ مَنْ أَقَالَ نَادِماً أَخْرَجَهُ الْبَزَّار] سبل السلام ٣/ ٧٩٦. والثاني: إن الْإِقَالَةُ َتَكُونُ وَاجِبَةً إذَا كَانَتْ بَعْدَ عَقْدٍ مَكْرُوهٍ أَوْ بَيْعٍ فَاسِدٍ, لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فَاسِداً أَوْ مَكْرُوهاً وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ إلَى مَا كَانَ لَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ صَوْناً لَهُمَا عَنْ الْمَحْظُور, لِأَنَّ رَفْعَ الْمَعْصِيَةِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإمكان, وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْإِقَالَةِ أَوْ بِالْفَسْخِ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِقَالَةُ وَاجِبَةً إذَا كَانَ الْبَائِعُ غَارّاً لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ الْغَبْنُ يَسِيراً, وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْغَبْنُ بِالْيَسِيرِ هُنَا, لِأَنَّ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ يُوجِبُ الرَّدَّ إنْ غَرَّهُ الْبَائِعُ عَلَى الصَّحِيحِ] الموسوعة الفقهية الكويتية ٥/ ٣٢٥. - - -

стр. 230

من آداب التاجر وضع الجوائح أخي التاجر إذا كان لك دين على تاجر آخر فاحترق محله مثلاً أو أن السيول غمرته أو أصابه نحو ذلك من الجوائح فارحمه وتسامح معه فالجائحة عند الفقهاء كل شيء لا يستطاع دفعه لو علم به كعارضٍ سماويٍ مثل البرد والحر والجراد والمطر. ومثل هذه الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة. انظر معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية ١/ ٥١٥. وألحق بعض أهل العلم بالآفة السماوية ما يطرأ من أمور غير سماوية كالحرب. انظر الشرح الكبير ٣/ ١٨٥، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/ ٤٢٦. وعن عطاء بن أبي رباح قال: (الجوائح كل ظاهر مفسد من مطر أو برد أو جراد أو ريح أو حريق) رواه أبو داود. والجائحة لها أثر واضح في التخفيف عمن أصابته ويدل على ذلك عدة أحاديث وردت عن النبي ﷺ منها: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) رواه مسلم. وعن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي قالوا: وما تزهي؟ قال: تحمر، فقال: إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟) رواه مسلم. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ : (أمر بوضع الجوائح) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : (تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ : خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) رواه النسائي. ويؤخذ من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح حتى لا يأكل المسلم مال أخيه بالباطل. فعلى التجار أن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم وأن يتراحموا فيما بينهم يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ سورة البلد الآية ١٧، وورد في الحديث عن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من لا يَرْحم لا يُرْحم) رواه البخاري.

стр. 231

وجاء في رواية أخرى عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) رواه البخاري أيضاً. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شُجْنَةٌ من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والشُجْنة أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق. النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٤٧. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال وهو على المنبر (ارحموا تُرحموا واغفروا يغفر الله لكم) رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٤٨٢. - - -

стр. 232

أخي التاجر إياك وحلف الأيمان ! كثير من التجار يكثرون من الحلف في البيع والشراء فتراهم يحلفون بالله على أتفه الأمور ولا يعلمون أن كثرة الحلف مكروهة هذا إذا كان الحالف صادقاً قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. قال القرطبي: [أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات] تفسير القرطبي ٦/ ٢٨٥. ونقل القرطبي أيضاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ولآ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٤، [بأن المعنى لا تكثروا من اليمين بالله تعالى فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وذمَّ من كثَّر اليمين فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... ] تفسير القرطبي ٣/ ٩٧. وأما إذا كان الحالف كاذباً متعمداً للكذب فقد وقع في الحرام قال الله تعالى: ﴿إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ٧٧. وقد نهى النبي ﷺ عن كثرة الحلف في البيع والشراء ويلحق به غيرهما من وجوه التعامل بين الناس فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [وفيه النهي عن كثرة الحلف في البيع فإن الحلف من غير حاجة مكروه وينضم إليه ترويج السلعة وربما اغتر المشتري باليمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢٢٠. وقال الحافظ أبو العباس القرطبي المحدّث -وهو شيخ القرطبي المفسر-: [وقوله: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح) الرواية: منفقة ممحقة -بفتح الميم وسكون ما بعدها وفتح ما بعدها- وهما في

стр. 233

الأصل مصدران مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق أي الحلف الفاجرة تنفق السلعة وتمحق بسببها البركة فهي ذات نفاق وذات محق. ومعنى تمحق البركة أي تذهبها وقد تذهب رأس المال كما قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه وبتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده كما روي: أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع) أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل. وقوله: (إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) إياكم معناه الزجر والتحذير ... أي: احذره واتقه وإنما حذر من كثرة الحلف لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو مندمة وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على ذلك تعظيم للسلع لا تعظيم لله تعالى وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣. وجاء في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ رواه البخاري. وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) رواه مسلم. والمسبل هو الذي يجر رداءه تكبراً واختيالاً والمنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا منة.

стр. 234

وعن سلمان ﵁: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أُشيْمطٌ زانٍ وعائلٌ مستكبرٌ ورجلٌ جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٥٨٩. وجاء في رواية أخرى: (رجل اتخذ الأيمان بضاعة يحلف في كل حق وباطل) رواه الطبراني وقال العلامة الألباني: حسن، كما في المصدر السابق. والأشيمط الزاني هو الرجل الكبير في العمر ومع ذلك يزني والعائل المستكبر هو ذو العيال المتكبر وغير ذلك من الأحاديث. فعلى التجار أن يتقوا الله في أنفسهم وأن لا يكثروا من الأيمان. قال أبو حامد الغزالي: [ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع. وإن كان صادقاً فقد جعل الله عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذا الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة ... فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروهاً من حيث أنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين] إحياء علوم الدين ٢/ ٧٧. وأخيراً فإن التاجر إذا كثر منه الحلف فعليه أن يكثر من الصدقة لقول النبي ﷺ : (يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) أي اخلطوه بالصدقة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٤٠. - - -

стр. 235

أخي التاجر إياك والغش ! إن من قواعد البيع والشراء في الشريعة الإسلامية تحريم الغش بكل صوره وأشكاله وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الغش منها ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ : (مرََّ على صُبرة طعام -كومة- فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، أي المطر. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (من غشنا فليس منا). وفي رواية أخرى للحديث السابق عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى السوق فرأى طعاماً مصبراً فأدخل يده فأخرج طعاماً رطباً قد أصابته السماء فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥. وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من حمل السلاح علينا فليس منا ومن غشنا فليس منا) رواه مسلم. وفي قول النبي ﷺ في الحديث السابق (ليس منا) زجرٌ شديد عن الغش، ورادعٌ من الوقوع في مستنقعه الآسن. قال صاحب عون المعبود: [قال الخطابي: معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا, يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي ... وهذا كما يقول الرجل لصاحبه أنا منك وإليك, يريد بذلك المتابعة والموافقة, ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾] سورة إبراهيم الآية ٣٦. عون المعبود شرح سنن أبي داود ٩/ ٢٣١. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلمٍ باع من أخيه بيعاً فيه عيبٌ إلا بيَّنه له) رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢٢.

стр. 236

وهذه الأدلة ظاهرة الدلالة على تحريم الغش باعتباره وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل إذ أن حقيقة الغش هي إخفاء وكتمان ما في السلعة من نقص أو عيب. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. والغش ينافي عصمة أموال المسلمين التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كما جاء في الحديث الشريف من قول النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) رواه أحمد والبيهقي وابن حبان وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩. والغش بمقتضى الأحاديث السابقة يعتبر من كبائر الذنوب. قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي: [تنبيه: عدُّ هذا -الغش- كبيرة هو ظاهر بعض ما في هذه الأحاديث من نفي الإسلام عنه مع كونه لم يزل في مقت الله أو كون الملائكة تلعنه ... وضابط الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئاً لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل فيجب عليه أن يعلمه به ليدخل في أخذه على بصيرة، ويؤخذ من حديث واثلة وغيره ما صرح به أصحابنا أنه يجب أيضاً على أجنبي علم بالسلعة عيباً أن يخبر به مريد أخذها وإن لم يسأله عنها كما يجب عليه إذا رأى إنساناً يخطب امرأة ويعلم بها أو به عيباً أو رأى إنساناً يريد أن يخالط آخر لمعاملة أو صداقة أو قراءة ... وعلم بأحدهما عيباً أن يخبر به وإن لم يستشر به كل ذلك أداء للنصيحة المتأكد وجوبها لخاصة المسلمين وعامتهم] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٣. وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضاً: [ونحن لا نحرم التجارة ولا البيع والشراء فقد كان أصحاب النبي ﷺ يتبايعون ويتجرون في البزر وغيره من المتاجر، وكذلك العلماء والصلحاء بعدهم ما زالوا يتجرون ولكن على القانون الشرعي والحال المرضي الذي أشار الله تعالى إليه بقوله عز قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. فبين الله أن التجارة لا تحمد ولا تحل إلا إن صدرت عن التراضي من الجانبين والتراضي إنما يحصل حيث لم يكن هناك غش ولا تدليس، وأما حيث كان هناك غش وتدليس بحيث أخذ أكثر مال الشخص وهو لا يشعر بفعل تلك الحيلة الباطلة معه المبنية على الغش ومخادعة الله ورسوله فذلك حرام شديد التحريم موجب لمقت الله ومقت رسوله

стр. 237

وفاعله داخل تحت الأحاديث السابقة والآتية، فعلى من أراد رضا الله ورسوله وسلامة دينه ودنياه ومروءته وعرضه وأخراه أن يتحرى لدينه وأن لا يبيع شيئاً من تلك البيوع المبنية على الغش والخديعة] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٦. وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي أيضاً: [كله حرام شديد التحريم موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش خائن يأكل أموال الناس بالباطل ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه، وكثرة ذلك تدل على فساد الزمان وقرب الساعة، وفساد الأموال والمعاملات ونزع البركات من المتاجر والبياعات والزرعات بل ومن الأراضي المزروعات، وتأمل قوله ﷺ : (ليس القحط أن لا تمطروا، وإنما القحط أن تمطروا، ولا يبارك لكم فيه) أي بواسطة تلك القبائح والعظيمات التي أنتم عليها في تجاراتكم ومعاملاتكم، ولهذه القبائح التي ارتكبها التجار والمتسببون وأرباب الحرف والصنائع سلط الله عليهم الظلمة فأخذوا أموالهم وهتكوا حريمهم بل وسلط عليهم الكفار فأسروهم واستعبدوهم وأذاقوهم العذاب والهوان ألواناً، وكثرة تسلط الكفار على المسلمين بالأسر والنهب وأخذ الأموال والحريم، إنما حدث في هذه الأزمنة المتأخرة لما أن أحدث التجار وغيرهم قبائح ذلك الغش الكثيرة المتنوعة وعظائم تلك الجنايات والمخادعات والتخيلات الباطلة على أخذ أموال الناس بأي طريق قدروا عليها لا يراقبون الله المطلع عليهم، ولا يخشون سطوة عقابه ومقته مع أنه تعالى عليهم بالمرصاد ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ سورة غافر الآية ١٩. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ سورة طه الآية ٧. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ سورة الملك الآية ١٤. ولو تأمل الغشاش الخائن الآكل أموال الناس بالباطل ما جاء في إثم ذلك في القرآن والسنة لربما انزجر عن ذلك أو عن بعضه، ولو لم يكن من عقابه إلا قوله ﷺ : (إن العبد ليقذف اللقمة من حرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من حرام فالنار أولى به). وقوله ﷺ : (إنه لا دين لمن لا أمانة له)] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٤٧. وقد ذكر بعض أهل العلم مضار الغش وهي: ١. الغش طريق موصل إلى النار. ٢. الغش دليل على دناءة النفس وخبثها، فلا يفعله إلا كل دنيء نفسٍ هانت عليه نفسه فأوردها مورد الهلاك والعطب.

стр. 238

٣. الغش يبعد عن الله وعن الناس. ٤. الغش طريق لحرمان إجابة الدعاء. ٥. الغش طريق لحرمان البركة في المال والعمر. ٦. الغش دليل على نقص الإيمان. - - - أخي التاجر إياك أن تبيع سلعة معيبة دون أن تبين للمشتري العيب يجب على البائع أن يبين للمشتري ما في السلعة من عيب إن كان فيها ويحرم عليه أن يكتم شيئاً من عيوبها فإذا أعلم المشتري بالعيب ثم اشترى السلعة مع علمه بالعيب يكون البائع قد أبرأ ذمته فقد جاء في الحديث عن أبي سباع قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركني وهو يجر إزراه فقال: يا عبد الله اشتريت؟ قلت: نعم. قال: بُينَ لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ إنها لسمينة ظاهرة الصحة، قال: أردت بها سفراً أو أردت بها لحماً؟ قلت: أردت بها الحج. قال: فإن بخفها نقباً. فقال صاحبها: ما أردت أي هذا أصلحك الله تفسد علي؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لأحد يبيع شيئاً إلا بين ما فيه ولا يحل لمن علم ذلك إلا بيَّنه) رواه الحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨. وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعاً فيه عيب أن لا يبينه) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني في الكبير. وقال العلامة الألباني: صحيح. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٨. فبيع السلعة المعيبة دون بيان العيب نوع من الغش والغش محرم بجميع أشكاله وأنواعه وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ على صبرة -كومة- طعام فأدخل يده فيها

стр. 239

فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا) رواه مسلم. وفي رواية أخرى للحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ إلى السوق فرأى طعاماً مصبراً فأدخل يده فأخرج طعاماً رطباً قد أصابته السماء فقال لصاحبه: ما حملك على هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إنه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرطب على حدته واليابس على حدته فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا) رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد وقال العلامة الألباني حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥. - - - أخي التاجر عليك ردُّ المفقودات إلى أصحابها يسمى المال الضائع من صاحبه ويجده غيره لقطة والأصل في اللقطة التعريف بها والإعلان عنها إن كانت ذات قيمة وأما الأمور التافهة التي يسرع إليها الفساد كالثمار ونحوها فلا يحتاج إلى التعريف بها والإعلان عنها ويجوز لملتقطها أن ينتفع بها فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق فقال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) رواه البخاري ومسلم، فهذا الحديث يدل على جواز أخذ المحقرات في الحال، قال الحافظ ابن حجر: [قوله ﷺ : (لأكلتها) ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع عن أكلها إلا تورعاً لخشية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه لا لكونها مرمية في الطريق فقط ... ولم يذكر تعريفاً فدل ذلك على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى تعريف] فتح الباري ٥/ ١٠٧ - ١٠٨. وقال الإمام الترمذي: [وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها ولا يعرفها وقال بعضهم إذا كان دون دينار يعرفها قدر جمعة وهو قول اسحق بن إبراهيم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤/ ٥١٨.

стр. 240

ويرى بعض أهل العلم أن الأمور الحقيرة التي لا يسرع إليها الفساد تعرف ثلاثة أيام واحتجوا على ذلك بما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من التقط لقطة يسيرة حبلاً أو درهماً أو شبه ذلك فليعرفها ثلاثة أيام فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام فإن جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها) رواه أحمد والطبراني والبيهقي وفي سنده كلام لأهل العلم. وأما الأمور ذات القيمة فيجب تعريفها لمدة سنة كما ثبت في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: (أصبت صرة فيها مئة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: عرِّفها حولاً فعرفتها حولاً فلم أجد من يعرفها ثم أتيته فقال: عرفها حولاً فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثلاثاً، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً) رواه البخاري. وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة فقال: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرِّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، قال: فضالة الغنم قال: لك أو لأخيك أو للذئب قال: فضالة الإبل؟ قال: مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُها) رواه مسلم. والعفاص هو الوعاء الذي يكون فيه المال، والوكاء هو الخيط الذي يشد به الوعاء. وفي رواية لمسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة الذهب أو الورق فقال: (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرِّفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه) وسأله عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب). قال الإمام النووي: [وأما التعريف سنة فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة ولا في معنى التافهة ... ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٣٨٦. ثم قال الإمام النووي: [والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس فيقول: من ضاع منه شيء؟ من ضاع منه حيوان؟ من ضاع منه

стр. 241

درهم؟ ونحو ذلك ويكرر ذلك بحسب العادة قال أصحابنا: فيعرفها أولاً في كل يوم ثم في الأسبوع ثم في أكثر منه] المصدر السابق ٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧. والتعريف باللقطة إذا كانت ذات قيمة واجب على الراجح من أقوال أهل العلم قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإنه واجب على كل ملتقط سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها، وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها. ولنا: أن النبي ﷺ أمر به زيد بن خالد وأبي بن كعب ولم يفرق ولأن حفظها لصاحبها إنما يقيد بإيصالها إليه وطريقه التعريف أما بقاؤها في يد الملتقط من غير وصولها إلى صاحبها فهو وهلاكها سيان ولأن إمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها فلم يجز كردها إلى موضعها أو إلقائها في غيره ولأنه لو لم يجب التعريف لما جاز الالتقاط لأن بقاءها في مكانها إذاً أقرب إلى وصولها إلى صاحبها إما بأن يطلبها في الموضع الذي ضاعت فيه فيجدها وإما بأن يجدها مع من يعرفها وأخذه لها يفوت الأمرين فيحرم فلما جاز الالتقاط وجب التعريف كيلا يحصل هذا الضرر ولأن التعريف واجب على من أراد تملكها فكذلك على من أراد حفظها فإن التمليك غير واجب فلا تجب الوسيلة إليه فيلزم أن يكون الوجوب في المحل المتفق عليه لصيانتها عن الضياع عن صاحبها وهذا موجود في محل النزاع] المغني ٦/ ٧٤. إذا تقرر هذا فإن العلماء قد اتفقوا على أن يد الملتقط يد أمانة فإذا تلفت اللقطة عنده أثناء الحول بلا تعدٍ منه ولا تقصير فلا ضمان عليه وأما إذا تعدى أو قصّر فعليه الضمان. - - -

стр. 242

أخي التاجر إياك والنجش النجش هو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شرائها ليغري المشتري بالزيادة، والنجش حرام بنص أحاديث النبي ﷺ فقد ثبت عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبي ﷺ عن النجش) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ : (أن يبيع حاضرٌ لبادٍ ولا تناجشوا ولا يبيع الرجل على بيع أخيه) رواه البخاري ومسلم. ومن صور النجش أن يأتي الرجل الذي يفصل السلعة إلى صاحب السلعة فيستام بأكثر مما تسوى وذلك عندما يحضره المشتري يريد أن يغتر المشتري به وليس من رأيه الشراء إنما يريد أن يخدع المشتري بما يستام وهذا ضرب من الخديعة. قال الشافعي: وإن نجش رجل فالناجش آثم فيما يصنع والبيع جائز لأن البائع غير الناجش هذا ما قاله الإمام الترمذي. أخي التاجر إياك واستغلال جهل المشتري بالأسعار: نهى النبي ﷺ عن استغلال جهل المشترى بأسعار السلع في الأسواق نظراً لأنه ليس من أهل المنطقة مثلاً أو لغير ذلك من الأسباب فقد منع النبي ﷺ تلقي الركبان من أهل البادية قبل وصولهم للسوق لما في ذلك من استغلال لجهلهم بالأسعار ولما فيه من التضييق على أهل الحاضرة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى النبي ﷺ عن التلقي وأن يبيع حاضر لباد) رواه البخاري. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قوله: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد). وفي رواية (قال طاووس لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟ قال: لا يكن له سمساراً). وفي رواية (لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض). وفي رواية عن أنس: (نهينا أن يبيع حاضر لباد وإن كان أخاه أو أباه). هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي, وبه قال الشافعي والأكثرون. قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه, فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأعلى] شرح النووي على صحيح مسلم.

стр. 243

وعلة النهي عن بيع الحاضر للبادي: [ ... ما يؤدي إليه هذا البيع من الإضرار بأهل البلد، والتضييق على الناس. والقصد أن يبيعوا للناس برخص. قال ابن القاسم: لم يختلف أهل العلم في أن النهي عن بيع الحاضر للبادي إنما هو لنفع الحاضرة، لأنه متى ترك البدوي يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبي ﷺ في تعليله إلى هذا المعنى] الموسوعة الفقهية الكويتية٩/ ٨٢. ويمكن أن يكون النهي حتى لا يحول أهل الحاضرة بين وصول أهل البادية إلى الأسواق ومعرفة الأسعار الحقيقية فيشتري أهل الحاضرة السلع بأرخص الأسعار ثم يغالون في أسعارها. - - -

стр. 244

أخي التاجر احذر الرشوة والهدية للمسوؤل روى الإمام البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: (استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا مالكم وهذا أهدي إليَّ. فقام النبي ﷺ فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهلَّا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ... ). وهذا الحديث الصحيح يدل على عدم جواز الهدية للمسئولين إذا كانت الهدية جاءتهم بحكم المسؤولية التي يحملونها وتعتبر هذه الهدية في حكم الرشوة فإذا أهدى شخص هدية إلى موظف في وظيفة ما ولم يكن بينهما تهادٍ قبل توليه لتلك الوظيفة فلا يجوز أن يقبل الهدية. جاء في المغني عند الكلام على الهدية للقاضي قال: [ولا يقبل هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته وذلك لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة ... ] المغني ١٠/ ٦٨. وبناء على ما تقدم أقول لك أخي التاجر إياك أن تقدم هدايا للموظفين الذين لهم علاقة بتجارتك لتسهيل معاملاتك، فهذه الهدايا ما هي في الحقيقة إلا رشاوى وقد ورد في الحديث (أن الرسول ﷺ لعن الراشي والمرتشي) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني. واللعن هو الطرد من رحمة الله. فاحذر أخي التاجر أن تكون من المطرودين من رحمة الله تعالى. - - -

стр. 245

أخي التاجر احذر أكل السحت ورد الوصف بأكل السحت في ثلاث آيات من القرآن الكريم وذلك في سورة المائدة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ سورة المائدة الآيتان ٤١ - ٤٢. وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٦٢. وقوله تعالى: ﴿لوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٦٣. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي الحرام وسمي المال الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويستأصلها. انظر تفسير القرطبي ٦/ ١٨٣. وقيل لأنه لا بركة فيه لأهله فيهلك هلاك الاستئصال غالباً. وقيل لأنه يسحت مروءة الإنسان. والسحت المقصود في الآية هو الرشوة على الحكم وذلك على المشهور عند المفسرين وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري. تفسير الألوسي ٣/ ٣٠٩. وروى الإمام البخاري تعليقاً عن محمد بن سيرين أنه قال: [كان يقال السحت الرشوة في الحكم]. وقال الحافظ ابن حجر: [وأشار ابن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت من قوله في تفسير السحت أنه الرشوة في الحكم أخرجه ابن جرير بأسانيد عنهم. ورواه من وجه آخر مرفوعاً ورجاله ثقات ولكنه مرسل ولفظه: كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به. قيل: يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم] فتح الباري ٥/ ٣٦٠.

стр. 246

قال الحافظ ابن عبد البر: [وفيه دليل على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم بالحق أو الشهادة بالحق سحت وكل رشوة سحت وكل سحت حرام ولا يحل لمسلم أكله وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. وقال جماعة من أهل التفسير في قول الله : ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالوا: السحت الرشوة في الحكم وفي السحت كل ما لا يحل كسبه] فتح المالك ٨/ ٢٢٣. ويدخل تحت السحت كل مال حرام لا يحل كسبه ولا أكله، ومن السحت الربا والغصب والقمار والسرقة ومهر البغي وثمن الخمر والخنزير والميتة والأصنام والتماثيل والمال المأكول بالباطل كمن يسأل الناس وهو ليس بحاجة فإن ما يأكله من المال يعتبر سحتاً فقد جاء في الحديث عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. قال ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش -أو قال سداداً من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش -أو قال سداداً من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) رواه مسلم. وجاء في الحديث عن جابر ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/ ٨٣١. قال الشيخ المناوي بعد أن ذكر الحديث: [هذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس بالباطل من الكبائر] فيض القدير ٥/ ٢٣. وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليَّ الحوض ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ويرد عليَّ الحوض. يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة

стр. 247

تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/ ١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غُذِيَ بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى ثقات وفي بعضهم اختلاف قاله الهيثمي. مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٣. وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٠. - - - أخي التاجر احذر من استعمال الورق المكتوب عليه الآيات القرآنية لتغليف السلع أخي التاجر اعلم أنه لا يجوز شرعاً أن تلف السلع بالأوراق التي كتب عليها آيات القرآن الكريم لما في ذلك من امتهان لآيات الكتاب الكريم لأنه يجب شرعاً تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ سورة الحج الآية ٣٢. ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠. قال الإمام القرطبي: [﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ... فشعائر الله أعلام دينه ... ] تفسير القرطبي ١٢/ ٥٦. ولا شك أن آيات القرآن الكريم من أعظم شعائر الله فتجب صيانتها وحفظها من الامتهان وعندما تلف البضاعة بهذا الورق الذي كتبت عليه آيات القرآن الكريم فهذا يعرضها للامتهان وهذا أمر محرم. - - -

стр. 248

أخي التاجر احذر الأمور التالية: الأول: التنزيلات الوهمية فهي نوع من الغش والتحايل على الناس وخاصة إذا كانت البضاعة منتهية الصلاحية أو فيها عيوب خفية. الثاني: إزعاج الناس بمكبرات الصوت عند المنادة على البضاعة. الثالث: إزعاج الناس بالموسيقى ورفع أصوات المذياع والمسجل والتلفزيون. الرابع: احذر من وضع بضائعك في الطريق العام فهذا ليس من حقك فلا ضرر ولا ضرار. الخامس: احذر من بيع الملابس وكذا غيرها من السلع المكتوب عليها آيات من القرآن الكريم لما في ذلك من ابتذال لكلام رب العالمين وتعريضه للإهانة وهذا لا يفعله مسلم. تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى

стр. 249

فهرس الموضوع ... الصفحة مقدمة ... ٥ تمهيد في التفقه في أحكام التجارة ... ٩ التجارة في الكتاب والسنة ... ١٣ التجارة في الكتاب الكريم ... ١٤ التجارة في السنة النبوية ... ١٦ التجارة لا تلهي عن الواجبات عامة ولا تلهي عن الصلوات خاصة ... ٢٠ التجار من الصحابة ... ٢٥ فقه التجارة ... ٣٣ البيع وشروطه ... ٣٥ الكسب الحلال ... ٣٨ ضوابط الكسب ... ٤١ توثيق المعاملات بالكتابة ... ٤٥ الإشهاد على العقد ... ٤٩ حكم البيع والشراء وقت النداء لصلاة الجمعة ... ٥٢ كيفية حساب زكاة أموال التجارة ... ٥٥ يقدر نصاب النقود في الزكاة بالذهب دون الفضة ... ٥٨ زكاة مال الشركاء ... ٦٠ زكاة الأسهم ... ٦٢ زكاة البضاعة الكاسدة ... ٦٣ التهرب من أداء الزكاة ... ٦٥

стр. 250

تعجيل الزكاة ... ٦٨ لا يجوز احتساب الدَّين من الزكاة ... ٧٠ لا يصح تأخير صرف الزكاة لمستحقيها ... ٧٢ مصارف الزكاة ... ٧٤ صرف الزكاة للعمال العاطلين عن العمل ... ٧٨ مصرف (وفي سبيل الله) في آية الصدقات ... ٧٩ دفع الزكاة للأقارب ... ٨١ حكم أخذ غير المستحق من أموال الزكاة ... ٨٤ تحديد ربح التجار ... ٨٧ العربون في البيع جائز ... ٨٩ تسمية الثمن في البيع شرط لصحته ... ٩١ معنى قول النبي ﷺ (لا تبع ما ليس عندك) ... ٩٣ البيع بالتقسيط ... ٩٨ بيع الجزاف ... ١٠٠ السمسرة وأجرة السمسار في البيع وغيره ... ١٠٢ الفرق بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية ... ١٠٤ الفرق بين الربح والربا ... ١٠٩ بيع المرابحة للآمر بالشراء ... ١١٢ يحرم وضع المال في البنوك الربوية ... ١١٥ الحساب الجاري في البنوك الربوية ... ١١٧ التقسيط الميسر مع البنوك الربوية ... ١١٨ حساب التوفير ربا ... ١٢١ الاقتراض بالربا (الفائدة) للضرورة ... ١٢٢ بيع العينة وبيع التورق ... ١٢٦
следующие страницы →