← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9289

فقه التاجر المسلم

حسام الدين عفانة

Полный текст (255 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فقهُ التاجرِ المسلمِ وآدابُه تأليف الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه أستاذ الفقه والأصول كلية الدعوة وأصول الدين جامعة القدس

стр. 2

الطبعة الأولى بيت المقدس ١٤٢٦هـ ٢٠٠٥م توزيع المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر القدس / أبوديس / شارع جامعة القدس تلفون (٢٧٩١٣٦٥) طباعة وتنسيق: شفاء بنت حسام الدين عفانه

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نصوص شرعية في البيع والشراء: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون َ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠. وقال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ سورة النور الآية ٣٧. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم إن الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َفإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٥ - ٢٧٩. وقال رسول الله ﷺ : (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وقال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب سَمْح البيع سَمْح الشراء سَمْح القضاء) رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤. وقال رسول الله ﷺ : (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. وقال رسول الله ﷺ : (يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

стр. 4

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء الآية ١. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب الآيتان ٧٠ - ٧١. أما بعد ... فإن هذا الكتاب يتناول قضية هامة من القضايا التي يحتاجها كثير من الناس، حيث إن التجارة هي عصب الحياة الاقتصادية في المجتمع وقد رغبت أن أضع بين يدي إخواننا التجار كتاباً يحوي أهم المسائل التي يحتاجونها في تجارتهم وتعاملهم مع الناس. فوضعت هذا الكتاب المشتمل على أحكام البيع والشراء وما يتعلق بهما من آداب ليكون دليلاً للتاجر المسلم في تجارته، وقدمت على ذلك حديثاً موجزاً عن التجارة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وعرضت مسائل الكتاب بلغة سهلة واضحة، وطرزت الكتاب بنصوص كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وبيّنت الراجح من أقوال أهل العلم في المسائل الخلافية التي ذكرتها، مستنداً في ترجيحي على الأدلة الشرعية، وعلى ما قرره كبار فقهاء الإسلام قديماً وحديثاً. وذكرت في هذا الكتاب كثيراً من القضايا المعاصرة التي يتعامل بها التجار في وقتنا الحاضر، وبينت أحكامها الشرعية، وخاصة مسألة الربا والتعامل مع البنوك الربوية، فقد نالت حظاً وافراً من الحديث في مواضع عديدة، نظراً لانتشار التعامل بالربا بين كثير من التجار. وختاماً أذكر العبارة المشهورة التي تقول: (الدين المعاملة)، فهذه العبارة صحيحة المعنى ويدل على صدقها وصحتها الأدلة الكثيرة التي سقتها في هذا الكتاب، فإن حسن تعامل التجار المسلمين

стр. 5

قديماً كان سبباً في دخول ملايين الناس في دين الإسلام. فالتاجر المسلم صاحب عقيدة يدعو الناس إليها. والتاجر المسلم صاحب خلق يدعو الناس إليه، والتاجر المسلم داعية إلى دين الله بسلوكه وحسن تعامله مع الناس فهو داعية بلسان الحال وإن لم يكن كذلك بلسان المقال، وقد ذكر بعض أهل العلم تحليلاً لكلمة تاجر حيث قال: [التاء تعني تقوى، والألف أمين، والجيم جسور، والراء رحيم، فالتاجر المسلم تقيٌّ أمينٌ جسورٌ رحيمٌ] وآمل أن يتحلى تجارنا بهذه المعاني الطيبة وأن يعيدوا سيرة التجار المسلمين السابقين الذين كانوا هداة مهتدين. وأود أن نبه إلى أن هذا الكتاب سيكون إن شاء الله تعالى الأول ضمن سلسلة تهدف إلى تقريب الفقه الإسلامي إلى أصحاب المهن والصنائع وغيرهم وسيتبعه بإذن الله تعالى بقية السلسلة كما يلي: - فقه الطبيب المسلم وآدابه ... - فقه الممرض المسلم وآدابه - فقه الزوجة المسلمة وآدابها ... - فقه الزوج المسلم وآدابه - فقه الموظف المسلم وآدابه ... - فقه المعلم المسلم وآدابه (المربي) - فقه إمام المسجد وآدابه ... - فقه خطيب الجمعة وآدابه - فقه العامل المسلم وآدابه ... - فقه الرياضي المسلم وآدابه - فقه المسئول وآدابه أسأل الله أن يعينني على إعدادها وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانه أبوديس/ القدس صباح يوم الثلاثاء الثاني عشر من رجب ١٤٢٦هـ وفق السادس عشر من آب ٢٠٠٥ م.

стр. 6

تمهيد في التفقه في أحكام التجارة حث الله على التفقه في الدين فقال ﷻ : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ سورة التوبة الآية ١٢٢. فيجب على المسلم أن يتعلم من أمور دينه ما هو ضروري لعبادته ولعمله. وقد ورد في الحديث قول النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وهو حديث لا يقلّ عن درجة الحسن كما سيأتي لاحقاً. وقد قال العلماء إن المقصود بالفريضة من العلم ما تتوقف عليه صحة العبادة والمعاملة فلا بد للسلم أن يتعلم كيفية أداء الصلاة والصيام والزكاة والحج بشكل صحيح وكذا يجب على من اشتغل بعمل من الأعمال أن يتعلم الأمور الأساسية التي لا يصح العمل بدونها، فعلى التاجر المسلم أن يتعلم أحكام البيع والشراء وما يتعلق بالربا حتى يتجنبه ونحو ذلك من الأحكام. ومن الجدير بالذكر أن العلماء قد قسموا العلم الشرعي إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما هو فرض عين، والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحدُّ هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة إن كان عنده نصاب، والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها، فمثلاً لو كان شخص يعمل في الصرافة فيجب عليه أن يتعلم أحكام الصرف في الشريعة الإسلامية وهكذا بالنسبة للأمور التي يحتاج لها في عباداته ومعاملاته. قال الإمام النووي: [ ... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدّى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به، ككيفية الوضوء والصلاة ونحوها وعليه حمل جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس عن النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتاً فمعناه صحيح ... ] المجموع ١/ ٢٤. والحديث الذي ذكره الإمام النووي وهو: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) حديث مختلف فيه فمن العلماء من يرى أنه حديث ضعيف، قال الإمام البيهقي: [وهذا حديث متنه مشهور وإسناده ضعيف وقد روي من أوجه كلها ضعيف] وضعفه الإمام أحمد أيضاً كما قال الحافظ العراقي في

стр. 7

تخريج أحاديث إحياء علوم الدين. ويرى بعض أهل الحديث أن الحديث يصلح للاحتجاج لتعدد طرقه كالسيوطي والعلامة الألباني. وعلى كل حال فالمقصود بالعلم في الحديث هو العلم الذي يكون فرض عين فقط وليس مطلق العلم. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/ ٤٢. الثاني: فرض الكفاية وهو ما إذا قام به البعض كفى وسقط الإثم عن الباقي، وعرّفه الإمام النووي بقوله: [وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف. وأما ما ليس علماً شرعياً ويحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب ففرض كفاية أيضاً ... ] المجموع ١/ ٢٦. الثالث: النفل وهو كالتوسع في العلوم الشرعية. وبهذا يظهر لنا أن تعلم أحكام التجارة من باب فرض العين في حق التجار، لأن صحة أعمالهم التجارية متوقفة على العلم بها، قال الإمام النووي: [باب أقسام العلم الشرعي هي ثلاثة: الأول فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به ... أما البيع والنكاح وشبههما مما لا يجب أصله فقال إمام الحرمين والغزالي وغيرهما يتعين على من أراده تعلم كيفيته وشرطه وقيل لا يقال يتعين بل يقال يحرم الإقدام عليه إلا بعد معرفة شرطه وهذه العبارة أصح: وعبارتهما محمولة عليها] المجموع ١/ ٢٤ - ٢٥. وقال الإمام الغزالي: [اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي

стр. 8

فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال، ولو قال لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي، فيقال له: وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ليتميز له المباح عن المحظور وموضع الإشكال عن موضع الوضوح ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرِّة ويقول لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى] إحياء علوم الدين ٢/ ٦٦. وقال الشوكاني: [التفقه في الدين مأمور به في كتاب الله ، وفي صحيح الأخبار عن رسول الله ﷺ وليس ذلك بخاص بنوع من أنواع الدَّين، بل في كل أنواعه، فيندرج تفقه التاجر للتجارة تحت الأدلة العامة ولا شك أن أنواع الدَّين تختلف باختلاف الأشخاص دون بعض، فمثلاً التاجر المباشر للبيع والشراء أحوج لمعرفة ما يرجع إلى ما يلابسه من غيره ممن لا يلابس البيع إلا نادراً] وبل الغمام ٢/ ١٢٢. وقال ابن عابدين: [ ... وفي تبيين المحارم: لا شك في فرضية علم الفرائض الخمس وعلم الإخلاص؛ لأن صحة العمل موقوفة عليه وعلم الحلال والحرام ... وعلم البيع والشراء والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في هذه الأشياء] حاشية ابن عابدين ١/ ٤٢. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [تعلم الفقه قد يكون فرض عين على المكلف كتعلمه ما لا يتأدّى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به، ككيفية الوضوء والصلاة، والصوم ونحو ذلك، وعليه حمل بعضهم الحديث المروي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ... أما البيوع والنكاح وسائر المعاملات مما لا يجب أصله فيتعين على من يريد شيئاً من ذلك تعلم أحكامه ليحترز عن الشبهات والمكروهات، وكذا كل أهل الحرف، فكل من يمارس عملاً يجب عليه تعلم الأحكام المتعلقة به ليمتنع عن الحرام] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/ ١٩٤ - ١٩٥. فيجب على التاجر المسلم أن يتعلم أحكام البيع والشراء وما يتعلق بالربا حتى يتجنبه ونحو ذلك من الأحكام الأساسية. وهذا الواجب ينبغي أن يكون قبل الخوض في التجارة فإن العلم قائد والعمل تابع وخاصة أن كثيراً من التجار والباعة في أسواقنا هم من العامة الذين لا يعرفون معظم أحكام البيع والشراء، وقد كان عمر ﵁ يأمر التجار بالتفقه في أحكام البيع والشراء، فقد روى الترمذي أن عمر بن

стр. 9

الخطاب ﵁ قال: [لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين] قال العلامة الألباني حسن الإسناد، انظر صحيح الترمذي ١/ ١٥١. وجاء في رواية أخرى عن عمر ﵁ قال: [لا يبع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى]. وقد روي أن عمر ﵁ كان يضرب من وجده في السوق وهو لا يعرف أحكام البيع والشراء، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ معلقاً على أثر عمر السابق: [نعم، حتى يعرف ما يأخذ وما يدع، وحتى يعرف الحلال والحرام، ولا يفسد على الناس بيعهم وشراءهم بالأباطيل والأكاذيب، وحتى لا يُدخِل الربا عليهم من أبواب قد لا يعرفها المشتري، وبالجملة: لتكون التجارة تجارة إسلامية صحيحة خالصة، يطمئن إليها المسلم وغير المسلم، لا غش فيها ولا خداع] تعليق أحمد شاكر على سنن الترمذي ٢/ ٣٥٧. وقال عطاء من التابعين: [مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا] الآداب الشرعية ٢/ ٣٤. وقال ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق: [ ... وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيهاً يرجعون إليه وعن أئمة خوارزم أنه لا بد للتاجر من فقيه صديق]. - - -

стр. 10

التجارة في الكتاب والسنة

стр. 11

التجارة في الكتاب الكريم التجارة هي البيع والشراء وقد ذكرها الله في كتابه الكريم في عدة مواضع منها: - قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. - وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩. قال الإمام الطبري: [ ... عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قال التجارة رزق من رزق الله وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة] تفسير الطبري ٥/ ٣٢. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ... كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال, ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال] تفسير ابن كثير٢/ ٢٣٩. - ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥. - ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سورة المزمل الآية ٢٠. قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: [سوَّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله].

стр. 12

- ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠. وقد وصف الله البيع بأنه حلال في قوله ﷻ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥. وقال الإمام البخاري: [باب صدقة الكسب والتجارة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٦٧. وقال الإمام البخاري أيضاً: [باب الخروج في التجارة وقول الله تعالى: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾ سورة الجمعة الآية ١٠]. وقال الإمام البخاري أيضاً: [باب التجارة في البحر وقال مطر لا بأس به وما ذكره الله في القرآن إلا بحق ثم تلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ سورة النحل الآية ١٤]. ثم روى الإمام البخاري بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. وغير ذلك من النصوص من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ . - - -

стр. 13

التجارة في السنة النبوية ورد في سنة النبي ﷺ أحاديث كثيرة في التجارة وأشير إلى طائفة منها: عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج قرأ ابن عباس كذا) رواه البخاري. وفي رواية أخرى قال ابن عباس ﵄: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) رواه البخاري. وعن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمى السماسرة فقال: (يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة) أخرجه ابن ماجة والحاكم وقال صحيح. قال الطيبي في شرح الحديث [قوله: (التاجر الصدوق الأمين إلخ ... ) فمن تحرى الصدق والأمانة في تجارته كان في زمرة الأبرار من النبيين والصديقين ومن توخى خلافهما كان في قرن الفجار من الفسقة والعاصين] شرح الطيبي على المشكاة ٧/ ٢١١٩. وقال الإمام البخاري: [باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقاً فليطلبه في عفاف]. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع) ... والمراد بالسماحة ترك المضاجرة ونحوها لا المكايسة في ذلك].

стр. 14

ثم روى الإمام البخاري بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب سَمْح البيع سَمْح الشراء سَمْح القضاء) رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤. قال المباركفوري: [قوله: (إن الله يحب سَمْح البيع) بفتح السين وسكون الميم أي سهلاً في البيع وجواداً يتجاوز عن بعض حقه إذا باع. قال الحافظ: السمح الجواد يقال سمح بكذا إذا جاد والمراد هنا المساهلة. (سمح الشراء سمح القضاء) أي التقاضي لشرف نفسه وحسن خلقه بما ظهر من قطع علاقة قلبه بالمال. قاله المناوي: وللنسائي من حديث عثمان رفعه: (أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً) ... وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح. قال المناوي في شرح الجامع الصغير: وأقروه] تحفة الأحوذي ٤/ ٤٥٧. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بعد العصر إلى مغيربان الشمس حفظها منّا من حفظها ونسيها منّا من نسيها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد، فإن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى منهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فإذا وجد أحدكم شيئاً من ذلك فالأرض الأرض، ألا إنّ خير الرجال من كان بطيء الغضب سريع الرضا، وشر الرجال من كان سريع الغضب بطيء الرضا، فإذا كان الرجل بطيء الغضب بطيء الفيء وسريع الغضب وسريع الفيء فإنها بها، ألا إن خير التجار من كان حسن القضاء حسن الطلب، وشر التجار من كان سيئ القضاء سيئ الطلب، فإذا كان الرجل حسن القضاء سيئ الطلب أو كان سيئ القضاء حسن الطلب فإنها بها، ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، ألا وأكبر الغدر غدر أمير عامة، ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) فلما كان عند مغيربان الشمس قال: (ألا إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) رواه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم والبيهقي.

стр. 15

وعن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن قيس بن أبي غرزة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نسمى السماسرة فقال: (يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يدخل السوق لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة) رواه ابن ماجة وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢١. وعن رافع بن خديج ﵁ قال: قيل (يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: كسب الرجل بيده وكل بيع مبرور) رواه أحمد والحاكم. وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما) رواه أبو داود والدارقطني وهو حديث حسن. وقال الإمام البخاري [باب ما ذكر في الأسواق، وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما قدمنا المدينة قلت هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. وقال أنس قال عبد الرحمن دلوني على السوق. وقال عمر ألهاني الصفق بالأسواق]. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (باب ما ذكر في الأسواق) قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه من أنها شر البقاع وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: (أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق) وإسناده حسن,

стр. 16

وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر نحوه, قال ابن بطال: وهذا خرج على الغالب وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد ... والغرض منه هنا ذكر السوق فقط وكونه كان موجوداً في عهد النبي ﷺ , وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف وللتعفف عن الناس] فتح الباري ٤/ ٤٢٩. وقال الإمام الترمذي: [باب ما جاء في التبكير بالتجارة] ثم روى بإسناده عن صخر الغامدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها) قال: وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم أول النهار وكان صخر رجلاً تاجراً وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله) ... قال الترمذي حديث حديث حسن. وقد حذر النبي ﷺ التجار من الحلف الكاذب فقال: (إن التجار هم الفجار. قيل: يا رسول الله! أو ليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون] رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج١ حديث رقم ٣٦٦. - - -

стр. 17

التجارة لا تلهي عن الواجبات عامة ولا تلهي عن الصلوات خاصة التاجر الصادق مع الله ومع نفسه هو الذي يوازن بين أمور الدنيا وأمور الآخرة فيعطي كلاً حقه وقد أثنى الله على الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ولا عن شيء من الواجبات فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ سورة النور الآية ٣٧. قال القرطبي [قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ أي لا تشغلهم. ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة ... ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ اختُلِفَ في تأويله؛ فقال عطاء: يعني حضور الصلاة، وقاله ابن عباس، وقال: المكتوبة. وقيل عن الأذان؛ ذكره يحيى بن سلام. وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى؛ أي يوحدونه ويمجدونه. والآية نزلت في أهل الأسواق؛ قاله ابن عمر. قال سالم: جاز عبد الله بن عمر بالسوق وقد أغلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ الآية. وقال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله). وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي ﷺ ، أحدهما بياعاً فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعاً، وإن كان بالأرض لم يرفعه. وكان الآخر قيناً يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان؛ فأنزل الله تعالى هذا ثناءً عليهما وعلى كل من اقتدى بهما ... قوله تعالى ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ هذا يدل على أن المراد بقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ غير الصلاة؛ لأنه يكون تكراراً ... قوله تعالى ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ قيل: الزكاة المفروضة؛ قاله الحسن. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص؛ إذ ليس لكل مؤمن مال. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ يعني يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ يعني من هوله وحذر الهلاك] تفسير القرطبي ١٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠.

стр. 18

وقال ابن كثير: [وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية, يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم, والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم, لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق, ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم, قال هشيم عن سيار قال: حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة, فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية, ... عن ابن عمر ﵄ أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة, فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾ ... وعن ابن عباس ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾ يقول عن الصلاة المكتوبة ... وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله, وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها] تفسير ابن كثير٤/ ٥٥٩ - ٥٦٠. وقد عاتب الله الصحابة الذين تركوا النبي ﷺ أثناء خطبة الجمعة عندما جاءت قافلة تجارية وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مّنَ اللهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾. قال ابن كثير: [يعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ أي على المنبر تخطب, هكذا ذكره غير واحد من التابعين ... فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائماً على المنبر إلا القليل منهم, وقد صحّ بذلك الخبر فقال الإمام أحمد ... عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة, ورسول الله ﷺ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا﴾ أخرجاه في الصحيحين ... وعن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي

стр. 19

- ﷺ يخطب يوم الجمعة, فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ , حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً) ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر ﵄] تفسير ابن كثير ٦/ ٢١٨ - ٢١٩. وروى الإمام البخاري بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً فنزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾. وقال الإمام البخاري: [باب ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إ﴾ وقوله جل ذكره ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾ وقال قتادة كان القوم يتجرون ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله]. وقد أمر الله عباده المؤمنين بإجابة النداء لصلاة الجمعة وترك البيع والشراء فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الجمعة الآية ٩. فيا أخي التاجر إذا سمعت الأذان لصلاة الجمعة فأجب النداء وأغلق محلك وقت الصلاة واحذر من الانشغال عن صلاة الجمعة فالبيع والشراء الذي يؤدي إلى فوات صلاة الجمعة محرم وما تحصل عليه من كسب حينئذ فهو كسب خبيث واحذر من إضاعة بقية الصلوات لأجل كسب دراهم معدودات فإن الدنيا زائلة ومال الدنيا باقٍ فيها فاترك الدنيا الفانية واسع لذكر الله الموصل للآخرة ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َ﴾. والزم يا أخي التاجر ذكر الله عندما تدخل السوق أو محلك التجاري فقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يدخل السوق لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير كتب

стр. 20

الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وبنى له بيتاً في الجنة) رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهما وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٢١. قال المباركفوري: [قوله (من دخل السوق) قال الطيبي: خصه بالذكر لأنه مكان الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة فهو موضع سلطنة الشيطان ومجمع جنوده، فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده فهو خليق بما ذكر من الثواب انتهى. (فقال) أي سراً أو جهراً ... قال الطيبي: فمن ذكر الله فيه دخل في زمرة من قال تعالى في حقهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾ تحفة الأحوذي ٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣. قال الإمام الغزالي تحت عنوان شفقة التاجر على دينه فيما يخصه ويعم آخرته: [ولا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعاً وصفقته خاسرة وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون اشترى الحياة الدنيا بالآخرة بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه يحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه. قال بعض السلف أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل. وقال معاذ بن جبل ﵁ في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتنظمه قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة فإنها مزرعة الآخرة وفيها تكتسب الحسنات وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور ثم ذكر منها: الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد، قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته فيلازم المسجد ويواظب على الأوراد كان عمر ﵁ يقول للتجار: اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده لدنياكم. وكان صالحو السلف يجعلون أول النهار وآخره للآخرة والوسط للتجارة] إحياء علوم الدين ٢/ ٨٦. ثم قال الإمام الغزالي: [الرابع أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل بالتهليل والتسبيح فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل ... قال ﷺ : (من دخل السوق فقال لا

стр. 21

إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة) وكان ابن عمر وسالم بن عبد الله ومحمد بن واسع وغيرهم يدخلون السوق قاصدين لنيل فضيلة هذا الذكر] إحياء علوم الدين ٢/ ٨٦. واحذر أخي التاجر أن تكون من المتكالبين على الدنيا الحريصين عليها فلا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإن ذلك شر عظيم فقد روى الإمام مسلم بإسناده عن سلمان الفارسي ﵁ قال: (لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته). قال الإمام النووي: [قوله في السوق (إنها معركة الشيطان) ... فشبه السوق وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بالمعركة; لكثرة ما يقع فيها من أنواع الباطل كالغش والخداع, والأيمان الخائنة, والعقود الفاسدة, والنجش, والبيع على بيع أخيه, والشراء على شرائه, والسوم على سومه, وبخس المكيال والميزان. قوله (وبها ينصب رايته) إشارة إلى ثبوته هناك, واجتماع أعوانه إليه للتحريش بين الناس, وحملهم على هذه المفاسد المذكورة, ونحوها, فهي موضعه وموضع أعوانه] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٨ - ٩. - - -

стр. 22

التجار من الصحابة من المعلوم أنه كانت للعرب أسواق في الجاهلية يتاجرون فيها وهي أسواق مشهورة في شعر العرب وأدبهم وقد ذكرها ابن عباس ﵄ فقال: كانت عكاظ ومَجنَّه وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا فيه، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رواه البخاري. وكان الرسول ﷺ وهو في مكة يرتاد الأسواق ويتاجر كسباً للرزق وطلباً للمعاش بل كان له شريك في التجارة يقال له السائب وقد عاب المشركون على النبي ﷺ تردده على الأسواق حيث ذكر الله ﷻ ذلك عنهم ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ سورة الفرقان الآية ٧. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى ﴿وَقَالُوا﴾ ذكر شيئاً آخر من مطاعنهم. والضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لقريش؛ وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله ﷺ مجلس مشهور، ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره. مضمنه - أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد! إن كنت تحب الرئاسة وليَّناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا؛ فلما أبى رسول الله ﷺ عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق! فعيروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول مَلَكاً، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان ﵇ يخالطهم في أسواقهم، ويأمرهم وينهاهم؛ فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا، فماله يخالف سيرة الملوك؛ فأجابهم الله بقوله، وأنزل على نبيه: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ فلا تغتم ولا تحزن، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها ... دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش. وكان ﵇ يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل، لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق. وفي البخاري في صفته ﵇: ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ... وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ذكره أهل

стр. 23

الصحيح. وتجارة الصحابة فيها معروفة، وخاصة المهاجرين؛ كما قال أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق؛ خرجه البخاري] تفسير القرطبي ١٣/ ٤ - ٥. وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ سورة الفرقان الآية ٢٠. قال الإمام القرطبي: [قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ نزلت جواباً للمشركين حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ سورة الفرقان الآية ٧. وقال ابن عباس: لمّا عيّر المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، حزن النبي ﷺ لذلك فنزلت تعزية له؛ فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله! الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي يبتغون المعايش في الدنيا ... هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك ... وقال: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون ... وكان الصحابة ﵃ يتجرون ويحترفون وفي أموالهم يعملون] تفسير القرطبي ١٣/ ١٢ - ١٤. وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإسلام في التجارة فلما كان يوم الفتح جاءه فقال النبي ﷺ : (مرحباً بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري، يا سائب قد كنت تعمل أعمالاً في الجاهلية لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك وكان ذا سلف وصلة) رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد. وذكر ابن هشام تحت عنوان [خروجه ﷺ إلى الشام في تجارة خديجة وما كان من بحيرى]. قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال. تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم وكانت قريش قوماً تجاراً; فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها، من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله رسول الله ﷺ منها، وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام ثم باع رسول

стр. 24

الله ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسرة] سيرة ابن هشام ١/ ١٨٧ - ١٨٨. هذا وقد اقتدى الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي ﷺ فكانوا يرتادون الأسواق ويتجرّون فيها بأموالهم، ولا يرون في ذلك بأساً. وقد ذكر أهل الحديث والتاريخ والسير عدداً من الصحابة الذين اشتغلوا في التجارة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وزيد بن أرقم والبراء بن عازب والزبير بن العوام رضوان الله عليهم فقد ذكر ابن سعد في الطبقات في ترجمة أبي بكر ﵁ أنه كان رجلاً تاجراً فكان يغدو إلى السوق فيبيع ويبتاع] الطبقات ٣/ ١٨٦. وذكر أيضاً أن عثمان ﵁ كان رجلاً تاجراً في الجاهلية والإسلام. الطبقات ٣/ ٦٠. وذكر نحوه محمد بن الحسن في كتاب الكسب ص ٨٩. عن أم سلمة ﵂ قالت: لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله ﷺ تاجراً إلى بصرى، لم يمنع أبا بكر الضن برسول الله ﷺ شحه على نصيبه من الشخوص للتجارة، وذلك كان لإعجابهم كسبَ التجارة، وحبهم للتجارة، ولم يمنع رسول الله ﷺ أبا بكر من الشخوص في تجارته لحبه صحبته وضنه بأبي بكر، - فقد كان بصحبته معجباً - لاستحسان (وفي رواية: لاستحباب) رسول الله ﷺ للتجارة وإعجابه بها) رواه الطبراني في الكبير وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦/ ١٠٣٦. وروي في الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: خرج أبو بكر ﵁ في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي ﷺ بعام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكانا شهدا بدراً وكان نعيمان على الزاد وكان سويبط رجلاً مزَّاحاً، فقال لنعيمان: أطعمني، قال: حتى يجيء أبو بكر، قال: فلأغيظنك، قال: فمروا بقوم فقال لهم سويبط: تشترون مني عبداً لي؟ قالوا: نعم، قال: إنه عبد له كلام وهو قائل لكم إني حر فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا عليَّ عبدي، قالوا: لا بل نشتريه منك، فاشتروه منه بعشر قلائص، ثم أتوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا فقال: نعيمان إن هذا يستهزئ بكم وإني حر لست بعبد، فقالوا: قد أخبرنا خبرك فانطلقوا به فجاء أبو بكر فأخبروه بذلك قال: فاتبع القوم ورد عليهم القلائص وأخذ نعيمان، قال: فلما قدموا على النبي

стр. 25

- ﷺ وأخبروه، قال: فضحك النبي ﷺ وأصحابه منه حولاً) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني في الكبير. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يتاجر أيضاً حتى شغله الصفق في الأسواق عن المواظبة على مجالس العلم عند النبي ﷺ ، فقد روى الإمام البخاري بإسناده (أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب ﵁ فلم يؤذن له وكأنه كان مشغولاً فرجع أبو موسى ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له، قيل: قد رجع، فدعاه فقال: كنا نؤمر بذلك، فقال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري فذهب بأبي سعيد الخدري، فقال: عمر أخفي هذا عليَّ من أمر رسول الله ﷺ ألهاني الصفق بالأسواق يعني الخروج إلى تجارة). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وأطلق عمر على الاشتغال بالتجارة لهواً لأنها ألهته عن طول ملازمته النبي ﷺ حتى سمع غيره منه ما لم يسمعه, ولم يقصد عمر ترك أصل الملازمة وهي أمر نسبي, وكان احتياج عمر إلى الخروج للسوق من أجل الكسب لعياله والتعفف عن الناس] فتح الباري ٤/ ٣٧٨. وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أهم التجار في المدينة وكان ذا ثراء عظيم مع أنه بدأ تجارته بعد الهجرة ولما مات ﵁ ترك ثروة كبيرة حتى إن امرأته صولحت بثمنها بثمانين ألفا. أخرجه ابن أبي الدنيا في إصلاح المال ص٥١. وقال الإمام البخاري: [باب ما ذكر في الأسواق، وقال عبد الرحمن بن عوف لما قدمنا المدينة قلت هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع. وقال أنس قال: عبد الرحمن دلوني على السوق، وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (باب ما ذكر في الأسواق) قال ابن بطال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأسواق للأشراف والفضلاء ... قوله: (وقال عبد الرحمن بن عوف إلخ) تقدم موصولاً في أوائل البيوع, والغرض منه هنا ذكر السوق فقط وكونه كان موجوداً في عهد النبي ﷺ , وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف وللتعفف عن الناس] فتح الباري ٤/ ٤٢٩.

стр. 26

وروى الإمام البخاري بإسناده أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم لك نصف مالي وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها، قال فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع قال فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن قال ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة، فقال رسول الله ﷺ : تزوجت؟ قال: نعم، قال: ومن قال امرأة من الأنصار، قال: كم سقت؟ قال: زنة نواة من ذهب أو نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ : أولم ولو بشاة). وجاء في رواية عند الإمام أحمد في المسند (أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فقال له سعد: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب إليك حتى أطلقها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فدلوه على السوق، فذهب فاشترى وباع وربح فجاء بشيء من أقط وسمن ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ردع زعفران، فقال رسول الله ﷺ : مهيم – أي ما أمرك وما شأنك - فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة. قال عبد الرحمن فلقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباً أو فضةً). وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: (كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق وأبيع بالورق فآخذ مكانها الدنانير فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته خارجاً من بيت حفصة فسألته عن ذلك فقال: لا بأس به بالقيمة) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. وكان زيد بن أرقم والبراء بن عازب والزبير بن العوام وعثمان بن عفان رضوان الله عليهم من التجار. روى الإمام البخاري بإسناده عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس وإن كان نساءً – أي مؤجلاً - فلا يصلح). وهكذا كان عدد كبير من الصحابة مهاجرين وأنصار يشتغلون في التجارة. روى الإمام البخاري بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... إلى قوله

стр. 27

الرَّحِيمُ﴾ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون). وقال سعيد بن المسيب: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في بحر الروم، منهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص ٧٦. وقال أيوب: (كان أبو قلابة يأمرني بلزوم السوق والصنعة، ويقول: إن الغنى من العافية) إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص٧٦. وعن الهيثم بن جميل قال: قلت لابن المبارك: أتّجر في البحر؟ قال: اتّجر في البر والبحر، واستغن عن الناس) إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص٧٧. ولقي رجل الحسن بن يحيى بأرض الحبشة، معه تجارة، فقال له: (ما الذي بلغ بك هاهنا؟ فأخبره، فعذله الرجل. فقال: أكل هذا طلب للدنيا، وحرص عليها؟ فقال له الحسن: يا هذا إن الذي حملني على هذا، كراهة الحاجة إلى مثلك) إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص٧٨. وقد ضرب التجار من الصحابة أروع الأمثلة في البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله تعالى فهذا أبو بكر ﵁ خير مثال للمنفق في سبيل الله. فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالاً فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك قلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وروى الإمام أحمد والترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: (جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمن فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين) قال الترمذي حديث حسن غريب. وعن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله عليَّ ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها

стр. 28

في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر وهو يقول ما على عثمان ما عمل بعد هذه ما على عثمان ما عمل بعد هذه) رواه الترمذي. وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله ﷺ : أثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قالوا: نعم، قال: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون فجهزت ذلك الجيش قالوا: نعم، ثم قال أذكركم بالله، هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل قالوا اللهم نعم وأشياء عددها) رواه الترمذي ثم قال حديث حسن صحيح غريب وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ٢٠٨. وذكر أهل التاريخ أنه في عهد الخليفة أبي بكر الصديق ﵁ أصاب الناس جفاف وجوع شديدان، فلمّا ضاق بهم الأمر ذهبوا إلى الخليفة أبي بكر ﵁ وقالوا: يا خليفة رسول الله، إنّ السّماء لم تمطر، والأرض لم تنبت، وقد أدرك الناس الهلاك فماذا نفعل؟ قال أبو بكر ﵁: انصرفوا، واصبروا، فإني أرجو ألاّ يأتي المساء حتّى يفرج الله عنكم. وفي آخر النهار جاء الخبر بأنّ قافلة جمالٍ لعثمان بن عفّان ﵁ قد أتت من الشّام إلى المدينة. فلمّا وصلت خرج النّاس يستقبلونها، فإذا هي ألف جمل محملة سمناً وزيتاً ودقيقاً، وتوقّفت عند باب عثمان ﵁ فلمّا أنزلت أحمالها في داره جاء التجار. قال لهم عثمان ﵁ ماذا تريدون؟ أجاب التجار: إنّك تعلم ما نريد، بعنا من هذا الذي وصل إليك فإنّك تعرف حاجة النّاس إليه. قال عثمان: كم أربح على الثّمن الذي اشتريت به؟ قالوا: الدّرهم درهمين. قال: أعطاني غيركم زيادة على هذا. قالوا: أربعة! قال عثمان ﵁: أعطاني غيركم أكثر. قال التّجار: نربحك خمسة. قال عثمان: أعطاني غيركم أكثر. فقالوا: ليس في المدينة تجار غيرنا، ولم يسبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟! قال عثمان ﵁:إن الله قد أعطاني بكل درهم عشرة، الحسنة بعشرة أمثالها، فهل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال عثمان: فإني أشهد الله أني جعلت ما جاءت به هذه الجمال صدقة للمساكين وفقراء المسلمين. ثم أخذ عثمان بن عفان يوزّع بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة واحد إلاّ أخذ ما يكفيه ويكفي أهله.

стр. 29

قال الإمام البخاري: [باب مناقب عثمان بن عفان ﵁ وقال النبي ﷺ : (من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان وقال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان). وعن أنس ﵁ قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتاً في المدينة فقالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء، قال: فكانت سبع مائة بعير، قال: فارتجت المدينة من الصوت، فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قد رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فقال: إن استطعت لأدخلنها قائماً فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله رواه أحمد. - - -

стр. 30

فقه التجارة

стр. 31

البيع وشروطه البيع هو مبادلة المال بالمال تملكاً وتمليكاً كما قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٣/ ٤٨٠. ولفظ البيع من أسماء الأضداد التي تطلق على الشيء وضده مثل لفظة الشراء فيطلق البيع ويراد به الشراء ويطلق الشراء ويراد به البيع، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه. سورة يوسف الآية ٢٠. والبيع مباح ومشروع بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وانعقد الإجماع على ذلك. وقامت الأدلة الكثيرة على ذلك منها: - قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٧٥. - وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. - وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ... ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وصحّ في الحديث من قول النبي ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبتاع المرء على بيع أخيه ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لبادٍ) رواه البخاري. وغير ذلك من النصوص، وقد انعقد الإجماع على جواز البيع. شروط البيع: ذكر الفقهاء شروطاً كثيرة لعقد البيع وأذكر هنا أهم هذه الشروط بإيجاز شديد: - يشترط في العاقدين أن يكونا مكلفين شرعاً وجائزي التصرف شرعاً وأجاز كثير من الفقهاء بيع الصبي المميز. - ويشترط توافق الإيجاب والقبول في البيع. ويصح البيع بكل لفظ يدل على التراضي حسب ما يتعارف عليه الناس سواء كان بلفظ الماضي أو الحاضر أو الأمر ويصح البيع بالتعاطي أيضاً بدون النطق بالإيجاب والقبول وقد جرى العرف بذلك

стр. 32

- ويشترط في المبيع أن يكون مملوكاً لصاحبه وأن يكون موجوداً حقيقة أو حكماً عند العقد وأن يكون مالاً متقوماً شرعاً أي له قيمة في الشرع ويباح الانتفاع به وأن يكون مقدور التسليم وأن يكون معلوماً. - ويشترط لصحة البيع أن يخلو العقد من الجهالة والإكراه والغرر وأن يخلو من الشروط المفسدة للعقد. - ويصح البيع بثمن حالّ أو مؤجل إلى أجل معلوم لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. ومن أراد تفصيل الكلام على هذه الشروط وغيرها فليرجع إلى كتب الفقهاء. وينبغي أن يُعْلم أن الشروط السابقة تختلف عن الشروط التي يشترطها أحد المتعاقدين وتسمى بالشروط الجعلية أي التي تكون بجعل من المكلف مثل أن يشتري شخص بضاعة من تاجر ويشترط عليه نقلها إلى محل المشتري في قريته أو يشترط عليه كفالة الآلات لمدة سنة واحدة ونحو ذلك من الشروط. فهذه الشروط جائزة شرعاً إذ الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا ما نصت الأدلة على تحريم اشتراطه. ويدل على جواز الشروط الجعلية ما يلي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ سورة المائدة الآية ١. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٤. فقد أمر سبحانه بالوفاء بالعقود والعهود وهذا عام ويدخل فيه ما عقده المرء على نفسه من الشروط ورضي به والتزمه. عن جابر بن عبد الله ﵄ (أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا فمرَّ النبي ﷺ فضربه فدعا له فسار بسير ليس يسير مثله ثم قال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه بوقية، فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت فأرسل على إثري قال: ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك ... ) وقال محمد بن المنكدر عن جابر شرط ظهره إلى المدينة) رواه البخاري. وفي رواية عند أبي داود عن جابر بن عبد الله قال: (بعته يعني بعيره من النبي ﷺ واشترطت حملانه إلى أهلي ... ).

стр. 33

ووجه الدلالة في الحديث أن جابراً ﵁ شرط أن يركب الجمل إلى المدينة النبوية مع أنه باعه للنبي ﷺ وقد ابتدأ ذلك الشرط من عند نفسه من غير أن يسأل هل هذا الشرط مما تقره الشريعة أم لا؟ وقد أقره الرسول ﷺ على ذلك الشرط فهذا الإقرار من النبي ﷺ دليل على أن الأصل في الشروط الجعلية الجواز. ومما يدل على أن الأصل في الشروط الحل ما جاء في الحديث عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي ثم قال: حديث حسن صحيح. وقد أجاز النبي ﷺ أن يشترط أحد المتبايعين شرطاً له فيه مصلحة كما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) رواه البخاري ومسلم. وخلاصة الأمر أن هذه الأدلة تدل على حرية المتعاقدين في وضع الشروط التي تحقق مصلحتهما وأنه لا يحرم من الشروط إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه. - - -

стр. 34

وبعد هذا البيان الموجز للبيع وشروطه سأتحدث عن مسائل هامة في البيع والشراء وما يتعلق بهما وهي مسائل يقع التعامل بها في عالم التجارة في الوقت الحاضر. الكسب الحلال من الواجبات على المسلم أن لا يأكل إلا الحلال بل إن الله قدم الأكل من الطيبات على العمل الصالح فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقد ذكر الإمام الغزالي: [أنه كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول: إني لا أسأل أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته حتى اعتذر يحيى، وقال: كنت أمزح فقال تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الطيبات قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾] إحياء علوم الدين ٢/ ٩٢. وفي هذا الزمان تحقق ما أخبر عنه النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق حيث أخبر أن من الناس من لا يفرق في كسبه بين حلال وحرام فلا يهمه من أين اكتسب المال وكل ما يهمه أن يكون المال بين يديه ينفقه كيفما شاء. فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري. وقد ينسى بعض الناس أنه سيحاسب على ماله وأنه سيسأل عن هذا المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. فلتحرص أخي التاجر على الكسب الحلال وإن قلَّ. وقد وردت نصوص كثيرة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ في الحث على الأكل من الطيبات منها: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ سورة البقرة آية ١٧٢.

стр. 35

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٨. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له) رواه مسلم. وعن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) رواه البخاري ومسلم. كما وردت النصوص الكثيرة التي تحذر من الأكل من الحرام وتبين أن الجسد الذي ينمو من حرام فالنار أولى به فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت وكل لحم نبت من سحت كانت النار أولى به) رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أخرى: (كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به) رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير ٢/ ٨٣١. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: (تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج) رواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣١٨. وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (استحيوا من الله حق الحياء. قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد الله. قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء هو أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا - يعني من الله - حق الحياء) رواه الترمذي وحسّنه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٩٩.

стр. 36

وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليَّ الحوض ومن غشي أبوابهم أو لم يغش ولم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ويرد عليَّ الحوض. يا كعب بن عجرة: الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وصححه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي ١/ ١٨٩. وعن أبي بكر ﵁ أن ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٢٠. وعن عائشة ﵂ قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) رواه البخاري. ورُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ شرب لبناً فأعجبه، فقال للذي سقاه من أين لك هذا؟ فقال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء. - - -

стр. 37

ضوابط الكسب إن المسلم ينطلق في حياته من عقيدته الإسلامية وأنه عبد لله ملتزم بشرعه فالإسلام لا يعطي الفرد الحرية المطلقة في أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي. إن الحرية المطلقة رذيلة ممقوتة حيث إنها تؤدي بالإنسان إلى الشرود والجموح والانفلات من جميع القيم والمبادئ، يقول د. يوسف القرضاوي: [إن الحرية التي شرعها الإسلام في مجال الاقتصاد ليست حرية مطلقة من كل قيد كالحرية التي توهمها قوم شعيب ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ سورة هود الآية ٨٧. بل هي حرية منضبطة مقيدة بالعدل الذي فرضه الله تعالى. ذلك أن في الطبيعة الإنسانية نوعاً من التناقض خلقها الله عليه لحكمة اقتضاها عمران الأرض واستمرار الحياة. فمن طبيعة الإنسان الشغف بجمع المال وحبه حباً قد يخرجه عن حد الاعتدال كما قال تعالى في وصف الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ سورة العاديات الآية ٨. وكما صوّر الرسول ﷺ مدى طمع الإنسان بقوله: (لو كان لابن آدم واديان من تراب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) متفق عليه. ومن طبيعة الإنسان الشح والحرص كما قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ سورة النساء الآية ١٢٨، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ سورة الإسراء الآية ١٠٠. وقال الرسول ﷺ : (يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل) رواه البخاري. ومن طبيعته حب الخلود إن لم يكن بنفسه فبذريته من بعده وحب الاستعلاء والسيطرة على الآخرين وهاتان الغريزتان كانتا الأحبولة التي أوقع إبليس بها آدم أبا البشر في شرك المخالفة بالأكل من الشجرة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ سورة طه الآية ١٢٠] دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي ص ٣٧١ - ٣٧٢.

стр. 38

إذا تقرر هذا فإن الإسلام حث على العمل والسعي في الأرض للكسب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ سورة الملك الآية ١٥. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ سورة البقرة الآية ١٦٨. وقد وضع العلماء أصولاً وضوابط لما يحل ويحرم في باب المعاملات فمن هذه الضوابط والأصول: - تحريم الربا فهو محرم بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ سورة البقرة الآيتان ٢٧٥ - ٢٧٦. وقال ﷺ : (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم. ويترتب على تحريم الربا تحريم العمل في البنوك الربوية مهما كان العمل لأن العمل فيها إما إعانة على الربا أو رضاً بهذا العمل المحرم وكلاهما ممنوع شرعاً يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢. ويدخل في ذلك تأجير المحلات والمباني للبنوك الربوية فهو حرام لما سبق من أنه تعاون على الإثم والعدوان. - ومن هذه الضوابط تحريم كل معاملة فيها غش وخداع وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم. فهذا الحديث عام يشمل المعاملات كلها والعمل كذلك. وصور الغش والخداع في زماننا كثيرةٌ جداً وخاصة في التجارة والأعمال المختلفة فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: ١. بيع المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية. ٢. التلاعب في الأوزان كأن يكتب على العبوة وزن معين ثم لا يكون وزنها في الحقيقة كذلك. ٣. تسويق بضاعة رديئة على أنها بضاعة جيدة وذلك بوضع العلامة التجارية للبضاعة الجيدة على الرديئة.

стр. 39

٤. بيع المواد الضارة بالصحة والتي تسبب الأمراض المستعصية. ٥. وصف مكونات المواد المصنعة بأوصاف غير حقيقية. ٦. الغش في تنفيذ المقاولات وأعمال البناء مثل تقليل الحديد والإسمنت في البنايات مما قد يتسبب في انهيار المبنى ومقتل سكانه أو إصابتهم بأذى. - ومن الضوابط التي تحكم عالم التجارة والعمل تحريم الاتجار والعمل بالمحرمات سواء كان ذلك بانتهاك محرم أو ترك واجب. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ سورة المنافقون الآية ٩. ومن صور الاتجار في المحرمات وكذا العمل فيها: التجارة في الخمر بمختلف أسمائها وكذا العمل في صناعتها والعمل في قطف العنب لتصنيعها وبيع العنب لمن يعصره خمراً. وقد صح في الحديث من قول الرسول ﷺ : (إن الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث: (أن النبي ﷺ لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وآكل ثمنها) رواه أبو داود والحاكم وصححه الشيخ العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/ ٩٠٧. ويلحق بتحريم الاتجار بالخمر الاتجار بالمخدرات والسموم القاتلة كالهيروين والأفيون والحشيش. - ومن الصور المحرمة المتاجرة في الأفلام الساقطة الخليعة والصحف والمجلات التي تنشر الفحشاء والمنكر وكذا العمل في طباعتها وطباعة أي مادة تحارب الله ورسوله ودينه. - ومن صور العمل المحرمة الأعمال التي يجبر فيها الإنسان على ترك الفرائض كمن يعمل في مصنع ويمنع من أداء الصلاة المفروضة في وقتها فهذا عمل محرم. - وكذا العمل الذي تكون فيه خلوة محرمة شرعاً كعمل السكرتيرة في مكتب المدير أو المحامي أو الطبيب إذا وجدت الخلوة المحرمة. - وكذا العمل الذي يقتضي أن تتخلى المرأة المسلمة عن لباسها الشرعي المفروض.

стр. 40

- وكذا العمل الذي تنتهك فيه المحرمات كعمل الراقصات والمغنيات والممثلات ومن يشاركهن في ذلك من الرجال والنساء كالمصورين والمخرجين وغيرهم فهذا العبث الذي يسميه الناس في زماننا فناً والمتضمن انتهاك المحرمات كالعري والتقبيل والمعاشرة الجنسية وإن لم تكن تامة كل ذلك من المحرمات ويمنع ترويج وبيع هذه الأفلام والأشرطة أو تأجيرها أو الإعلان عنها وغير ذلك. - ومن الأعمال المحرمة الحفلات الغنائية المختلطة وما يصاحبها من رقص ماجن وعري وتهتك. - ومن الأعمال المحرمة الاشتغال بعمل أو وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم أو حرام فهي حرام كمن يشتغل في عمل ربوي أو محل للخمر أو في مرقص أو ملهى أو نحو ذلك. الحلال والحرام ص ١٤١. - وكذلك العمل في وظيفة تلحق الضرر والأذى بالمسلمين سواء كان الضرر أو الأذى مادياً أو معنوياً. - ومن الأعمال المحرمة المتاجرة بالمواد المسروقة والمغصوبة وهي التي أخذت من أصحابها بغير رضا كالمواد التي تصادر من الناس ظلماً وعدواناً. - ومن الضوابط في هذا المجال تحريم المعاملات التي فيها غرر وخطر كالقمار الذي هو الميسر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ سورة المائدة الآيتان ٩٠ - ٩١. - ومن ذلك ما يعرف باللوتو والتوتو وكذلك اليانصيب المسمى زوراً وبهتاناً باليانصيب الخيري فكل ذلك حرام. وأخيراً لا يظنن أحد أن فيما تقدم من المحرمات تضييق لموارد الرزق على الناس بل إن طرق الكسب الحلال مفتوحة وهي أكثر من أن تعد وتحصى. - - -
следующие страницы →