Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مختصر كتاب
جلباب المرأة المسلمة
في
الكتاب والسنَّة
تأليف
العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني
اختصره
د. حسام الدين موسى عفانه
الأستاذ المشارك في الفقه والأصول
كلية الدعوة وأصول الدين
جامعة القدس
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
الإهداء
إلى كل من رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً ورسولاً
إلى كل من ارتفعت بالإسلام فوق الهوى
إلى ابنة خديجة وأسماء وسمية
إلى كل فتاة التزمت كتاب ربها تلاوةً وتدبراً وعملاً
إلى كل فتاة وضعت تحت قدميها الشعارات البرَّاقة والخادعة من دعاة التحلل والفجور
إلى كل فتاة تريد سعادة الدنيا والآخرة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من
يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ سورة آل عمران/١٠٢.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾ سورة النساء/١.
﴿يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ سورة الأحزاب/ ٧٠، ٧١.
أما بعد ...
فإن كتاب [جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة] لمؤلفه العلامة محدث القرن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله ورعاه، أحسن كتاب في تناوله لقضية هامة من القضايا التي تهم كل امرأة مسلمة، ألا وهي قضية الجلباب.
وقد كنت قد اطلعت على هذا الكتاب منذ زمن بعيد بطبعته القديمة وبعنوانه السابق [حجاب المرأة المسلمة ... ] ثم بطبعته الجديدة وبعنوانه الجديد [جلباب المرأة المسلمة ... ] فوجدت أن المؤلف حفظه الله قد زاد في طبعته الجديدة زيادات نافعة ومفيدة [أهمها تلك الزيادة في الأحاديث وآثار السلف الدالة على أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة .... ] ص٣ من الكتاب.
стр. 5
إلا أن الكتاب اشتمل على مقدمة واسعة تضمنت ردوداً على من خالف الشيخ الألباني وألزم المرأة أن تستر وجها وكفيها.
وقد طال الحديث مع المخالفين وغيرهم كما أن تخريجات الشيخ الألباني لكثير من الأحاديث كانت موسعة فاجتهدت في اختصار هذا الكتاب النافع المفيد لما رأيت حاجة ماسة عند النساء المسلمات
في معرفة شروط جلباب المرأة المسلمة وأن كثيراً منهن لا تتحقق تلك الشروط في جلابيبهن.
ولما كان نفس كثير من القراء اليوم في القراءة قصير وصبرهم عليها قليل وكثير من الأمور التي ذكرها الشيخ الألباني في كتابه تهم أهل العلم وطلابه المتخصصين رأيت اختصار هذا الكتاب وكان منهجي في الاختصار كما يلي:
١ ـ حذفت مقدمة الطبعة الجديدة لجلباب المرأة المسلمة نظراً لما اشتملت عليه من ردود على العلماء المخالفين.
٢ ـ حذفت مقدمة الطبعة الثانية لحجاب المرأة المسلمة.
٣ ـ حذفت الكلام على أسانيد الأحاديث المخرجة في الكتاب واكتفيت في التخريج بما يلي:
أـ إذا كان الحديث في البخاري ومسلم أو في أحدهما اكتفيت بذلك.
ب ـ إذا كان الحديث في غيرهما من كتب السنة فأكتفي بذكر من أخرجه وحكم الشيخ الألباني عليه
ج ـ جعلت تخريج الحديث في صلب الكتاب وليس في الحاشية.
٤ ـ حذفت بعض الأحاديث التي يغني غيرها عنها رغبة في الاختصار.
٥ـ حذفت جميع الفهارس الملحقة بالكتاب واستعضت عنها بفهرس مختصر للموضوعات.
٦ ـ ذكر الشيخ الألباني في هوامش الكتاب تعليقات طيبة لشيخ الإسلام ابن تيمية من كتابه
(اقتضاء الصراط المستقيم) فنقلتها إلى صلب الكتاب في مواضعها المناسبة وكذلك فعلت في تعليقات أخرى للشيخ الألباني نفسه ولغيره من أهل العلم.
٧ ـ أضفت بعض الإضافات الطفيفة التي لا بد منها.
وخلاصة الأمر أن ما قمت به هو اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب فإن كانت الأولى فأستغفر الله وأتوب إليه وإن كانت الأخرى فالحمد لله أولاً وأخيراً والفضل له وحده ثم الفضل لصاحب الفضل الشيخ الألباني وأحببت أن أقرب جهده لجمهور النساء المسلمات وإني لأرجو مخلصاً أن تنتفع أخواتنا المسلمات بهذا الكتاب وأن يتعرفن على صفات وشروط جلباب المرأة المسلمة حسب ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ليلتزمن بها التزماً كاملاً.
стр. 6
وخاصة أننا نرى كثيراً منهن لا يلبسن الجلباب المطلوب لبسه شرعاً.
ونرى بعض النساء أدخلن بعض التغيير والتعديل كما زعمن على الجلباب الشرعي.
وبعضهن يلبسن ما يسمى (بلوزة وتنورة) مع غطاء للرأس ويزعمن أن ذلك يغني عن الجلباب الشرعي.
وبعضهن يلبسن (بنطالاً وتنورة) مع غطاء للرأس ويزعمن أن ذلك لباس شرعي.
وغير ذلك من التقليعات والموضات.
نسأل الله الهداية لنا ولجميع المسلمين والمسلمات.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبوديس ـ القدس
صباح يوم الجمعة ٦/ جمادى الأولى ١٤١٩ ... كتبه الدكتور حسام الدين عفانة
وفق الثامن والعشرين من آب ١٩٩٨ ... الإستاذ المشارك في الفقه والأصول
كلية الدعوة وأصول الدين
جامعة القدس
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى للكتاب
بقلم الشيخ ناصر الدين الألباني
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً، ولباس التقوى ذلك خيرٌ ذلك من آيات الله لعلهم يذَّكَّرون﴾ [الأعراف: ٢٦]، وصلى الله على محمد المبعوث رحمةً للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه يوم إلى الدين.
أما بعد؛ فهذه رسالة لطيفة، وبحوث مفيدة إن شاء الله تعالى، جمعتها لبيان اللباس الذي يجب على المرأة المسلمة أن تدَّثر به إذا خرجت من دارها، والشروط الواجب تحققها فيه حتى يكون لباساً إسلامياً، واستندت في ذلك على الكتاب والسنة، مستشرداً بما ورد فيه من الآثار والأقوال عن الصحابة والأئمة، فإن أصبت فمن الله تعالى وله الفضل والمنة، وإن كانت الأخرى؛ فذلك مني، وأسأله العفو والمغفرة لذنبي، إنه عفو كريم، غفورٌ رحيم.
وقد كان ذلك بطلب من بعض الإخوان الأحبة، الذين نظن فيهم الصلاح والاستقامة، والحرص على العمل بما يدل عليه الكتاب والسنة، وقد دنا يوم زفافه، جعله الله مباركاً عليه وعلى أهله وذريته، فرأيت من الواجب أن أبادر إلى إجابة طلبه، وتحقيق رغبته، على الرغم من ضيق وقتي، وانصرافي إلى العمل في مشروعي الذي أسميته ((تقريب السنة بين يدي الأمة))، الذي شرعت فيه منذ سنتين وزيادة، مبتدئاً ب ((سنن أبي داود))، ثم توقفت عنه منذ أشهر لعارض طرأ على عيني اليمنى، الذي أرجو الله تعالى أن يذهبه عني بفضله وكرمه. على الرغم من هذا فقد بادرت إلى تحرير هذه الرسالة القيمة، ثم قدمتها إليه هدية، عسى أن تكون له ولغيره ـ ممن عسى أن يقف عليها ـ عوناً على طاعة الله ورسوله في هذه المسألة، التي تهاون بها في هذا العصر أكثر الناس، وفيهم كثيرٌ من أهل العلم المفروض فيهم أن يكونوا قدوةً لغيرهم في كل أمرٍ من أمور الشريعة، فما بالك بغيرهم، حتى نَدَرَ أن ترى في هذه البلاد من وقف عندما حدَّده الشارع فيها كما سترى.
стр. 8
ولكنا نحمد الله تعالى على أنه لا تزال طائفةٌ من أمته ﷺ قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من هذه الطائفة، وأن يجعل هذه الرسالة وكل ما كتبتُ وأكتبُ خالصاً لوجهه، وسبباً لنيل مرضاته، والفوز بجناته، إنه خير مسؤول.
دمشق ٧/ ٥/ ١٣٧٠ هجرية. ... محمد ناصر الدين الألباني
стр. 9
مختصر كتاب
جلباب المرأة المسلمة
في
الكتاب والسنة
تأليف
العلاَّمة الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني / حفظه الله تعالى
اختصره
الدكتور حسام الدين عفانه
الاستاذ المشارك في الفقه والأصول
كلية الدعوة وأصول الدين
стр. 10
جامعة القدس
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن تتبعنا الآيات القرآنية، والسنة المحمدية، والآثار السلفية في هذا الموضوع الهام، قد بيَّن لنا أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن تستر جميع بدنها، وأن لا تظهر شيئاً من زينتها، حاشا ... وجهها وكفيها ـ إن شاءت ـ بأي نوع أو زي من اللباس، ما وُجدت فيه الشروط الآتية:
شروط الجلباب
١ ـ استيعاب جميع البدن إلا ما استثني.
٢ ـ أن لا يكون زينةً في نفسه.
٣ ـ أن يكون صفيقاً لا يشف.
٤ ـ أن يكون فضفاضاً غير ضيق.
٥ ـ أن لا يكون مبخراً مطيباً.
٦ ـ أن لا يشبه لباسَ الرجل.
٧ ـ أن لا يشبه لباسَ الكافرات.
٨ ـ أن لا يكون لباسَ شُهرة.
стр. 12
(تنبيه):
واعلم أن بعض هذه الشروط ليست خاصة بالنساء، بل يشترك فيها الرجال والنساء معاً كما لا يخفى
وأيضاً، فبعضها يحرم عليها مطلقاً، سواء كانت في دارها أو خارجها، كالشروط الثلاثة الأخيرة، ولكن لما كان موضوع البحث إنما هو في لباسها إذا خرجت، انحصر كلامنا فيه، فلا يتوهمن منه التخصيص.
وهاك الآن تفصيل ما أجملنا، والدليل على ما ذكرنا.
стр. 13
الشرط الأول
(استعياب جميع البدن إلا ما استثني)
وهو الوجه والكفان
فهو في قوله تعالى في [سورة النور: الآية ٣١]:
﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنَّ ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن، أو أبناء بعولتهن، أو إخوانهن، أوبني إخوانهن، أو بني أخواتهن أو نسائهن، أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال، أو الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾.
وقوله تعالى في [سورة الأحزاب: الآية ٥٩]:
﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفوراً رحيماً﴾.
ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن، فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن إلى ستره، قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)):
((أي: لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه)).
قلت: وهذا المعنى الذي ذكرنا في تفسير: ﴿إلا ما ظهر منه﴾ [سورة النور: ٣١] هو المتبادر من سياق الآية، وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها فمن قائل: إنها الثياب الظاهرة.
ومن قائل: إنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في ((تفسيره))
عن بعض الصحابة والتابعين، ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال:
((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك ـ إذا كان كذلك ـ الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لاجتماع الجميع على أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها
стр. 14
وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ماعدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدر النصف، فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعاً، كان معلوماً بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك؛ كان معلوماً أنه مما استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾
[النور: ٣١]، لأن كل ذلك ظاهر منها)).
وهذا الترجيح غير قوي عندي، لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني، وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي، وهو غير لازم هنا، لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة، أمر خاص بالصلاة، فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين.
وأقول هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها، لدليل، بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه، وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه، لا في صحة الدعوى، فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث، وأيدناه بكلام ابن كثير.
ويؤيده أيضاً ما في ((تفسير القرطبي)):
((وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه)).
قال القرطبي:
((قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما، يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت عل رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال لها: يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه، فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس، فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها، والله الموفق لا رب سواه)).
قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضاً، لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة، فإنما ذلك بقصد من المكلف، والآية حسب فهمنا إنما أفادت إستثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلاً شاملاً لما ظهر بالقصد؟! فتأمَّل.
ثم تأمَّلت، فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب، وأن ذلك من دقة نظرهم ﵏،
стр. 15
وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصد منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها، أي: جلبابها.
وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها.
فمعنى الآية حينئذ: إلا ما ظهر عادة بإذن الشارع وأمره. ألست ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها
حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها ـ كما يفعل ذلك بعض المتجلببات السعوديات ـ أنها تكون قد خالفت الآية باتفاق العلماء، فقد التقى فعلها هذا مع فعلها الأول، وكلاهما بقصد منها، لا يمكن إلا هذا، فمناط الحكم إذن في الآية ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة ـ فهذا مما لا مؤآخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضاً اتفاقاً ـ وإنما هو فيما ظهر دون إذن من الشارع الحكيم، فإذا ثبت أن الشرع سمح للمرأة بإظهار شيء من زينتها سواء كان كفاً أو وجهاً أو غيرهما، فلا يعترض عليه بما كنا ذكرناه من القصد، لأنه مأذون فيه كإظهار الجلباب تماماً كما بينتُ آنفاً.
فهذا هو توجيه تفسير الصحابة الذين قالوا: إن المراد بالاستثناء في الآية الوجه والكفان، وجريان عمل كثير من النساء في عهد النبي ﷺ وبعده كما سترى في النصوص الآتية المتواترةمعنى.
ويعود الفضل في التنبه لهذا التوجيه ـ بعد الله تعالى ـ إلى الحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي
رحمه الله تعالى في كتابه القيم الفريد الذي أطلعني الله عليه وأنا أهيئ مقدمة هذه الطبعة الجديدة، ألا وهو: ((النظر في أحكام النظر))، فقد تكلم فيها بعلم واسع ونظر ثاقب، على كل مسائله، ومنها ما نحن فيه، فنبهني على ما أشرت إليه قوله فيه:
((وإنما نعني بالعادة هنا عادة من نزل عليهم القرآن، وبلَّغوا عن النبي ﷺ الشرع، وحضروا به خطاب المواجهة، ومن لزم تلك العادة بعدهم إلى هلم جرَّا، لا لعادة النسوان وغيرهم المبدين أجسادهم وعوراتهم)).
ثم قال ابن القطان:
((ويتأيد المعنى الذي حملنا عليه الآية من أن الظاهر هو الوجه والكفان بقوله تعالى المتقدم متصلاً به: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، فإنه يفهم منه أن القِرَطَةَ قد يعفيهنَّ عند بدو وجوههن عن تعاهد سترها فتنكشف، فأمرن أن يضربن بالخمر على الجيوب حتى لا يظهر شيءمن ذلك، إلا الوجه الذي من شأنه أن يظهر في حين التصرف، إلا أن يستر بقصدٍ وتكلف مشقة، وكذلك الكفان، وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رؤوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النَّبَطُ، فتبقى النحور والأعناق باديةً، فأمر الله سبحانه بضرب الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر، وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار فزدن فيه تكثيف الخمر ... )).
стр. 16
ثم قال الحافظ ابن القطان رحمه الله تعالى:
((فإن قيل: هذا الذي ذهبتَ إليه من أن المرأة معفوٌ لها عن بُدُوِ وجهها وكفيها ـ وإن كانت مأمورة بالسَّتر جهدها ـ يظهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذَين﴾ سورة الأحزاب، الآية ٢٨.
فالجواب أن يقال:
يمكن أن يفسَّر هذا (الإدناء) تفسيراً لا يناقض ما قلناه، وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهن من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة، مثل قوله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، فإن
(الإدناء) المأمور به مطلقٌ بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه (إدناء)، فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه (إدناء) يقضي به عن عهدة الخطاب، إذ لم يطلب به كل (إدناء)، فإنه إيجاب بخلاف النهي
والنفي)).
ويلاحظ القُرَّاءُ الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ
ابن القطان، يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهاداً مني، وتوفيقاً بين الأدلة: أن الآية مطلقة، كما ستراه مصرحاً به، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
نعم، حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين، لولا أن فيه ما بينَّاه في التعليق، إلا أنه من الممكن أن يقال: إنه يُقَوَّى بكثرة طرقه، وقد قوَّاه البيهقي، فيصلح حينئذ دليلاً على الجواز المذكور لا سيَّما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي ﷺ ، حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر ذلك عليهن، وحديث عائشة رواه أبو داود والبيهقي والطبراني وغيرهم وقال أبو داود عقبه: (وهذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة) وقدورد من طرق أخرى يتقوى بها وقوَّاه البيهقي وذكر أن جماعة من الصحابة قد عملوا بمقتضاه. ... ويدل على أن الوجه والكفين لا يجب سترهما عدة أحاديث، نسوق ما يحضرنا الآن منها:
١ـ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
((شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرَهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن، وذكَّرَهنَّ، فقال: تصدقن فإن أكثركنَّ حطبُ جهنم، فقالت امرأة من سِطَةِ النساء [أي جالسةٌ في وسطهن] سفعاء الخدين [أي فيهما تَغَيرٌ وسوادٌ]، فقالت: لِمَ يا رسول الله؟
قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن)) رواه مسلم.
والحديث واضح الدلالة على ما من أجله أوردناه، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة
стр. 17
بأنها: سفعاء الخدين.
٢ـ عن ابن عباس [عن الفضل بن عباس]:
((أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر]، والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، [وكان الفضل رجلاً وضيئاً .... فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم])) الحديث، وفيه:
((فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، (وفي رواية: وضيئة)، (وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها)، [وتنظر إليه]، فأخذ رسول الله ﷺ بذقن الفضل، فحوَّل وجهه من الشق الآخر)) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لأحمد من حديث الفضل نفسه:
((فكنت أنظر إليها، فنظر إليَّ النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها، ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها، حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهي)).
ورجاله ثقات، لكنه منقطع إن كان الحكم بن عتيبة لم يسمعه من ابن عباس.
وروى هذه القصة علي بن أبي طالب ﵁، وذكر أن الإستفتاء كان عند المنحر بعدما رمى رسول الله ﷺ الجمرة، وزاد:
فقال له العباس: يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمك؟ قال رأيت شاباً وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أحمد والضياء في المختارة وإسناده جيد.
والحديث يدل على ما دل عليه الذي قبله من أن الوجه ليس بعورة، لأنه كما قال ابن حزم:
((ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء)).
وفي ((الفتح)):
((وقال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أُمنت الفتنة عليه لم يمتنع.
قال: ويؤيده أنه ﷺ لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه.
وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن.
وفيه دليل على ان نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي ﷺ ، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي ﷺ الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل. قال:
стр. 18
وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء)).
هذا كله كلام ابن بطال وهو متين جيد.
غير أن الحافظ تعقبه بقوله: ((قلت: وفي استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر لأنها كانت محرمة)).
قلت: كلا، فإنه لا دليل على أنها كانت محرمة بل الظاهر خلافه، وقد ذكر الحافظ نفسه أن سؤال الخثعمية للنبي ﷺ إنما كان بعد رمي جمرة العقبة أي بعد التحلل.
٣ـ عن سهل بن سعد ﵁ -:
((أن امرأةً جاءت إلى رسول الله ﷺ [وهو في المسجد]، فقالت يا رسول الله! جئت لأهب لك نفسي، [فصمت، فلقد رأيتها قائمةً ملياً، أو قال: هويناً]، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئاً جلست)) الحديث رواه البخاري ومسلم.
٤ـ عن عائشة ﵂ قالت:
((كنَّ نساءُ المؤمنات يَشْهَدْنَ مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس)) رواه البخاري ومسلم.
ووجه الإستدلال بها هو قولها: ((لا يُعرفن من الغلس))، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعُرفن، وإنما يُعرفن عادةً من وجوههن وهي مكشوفة، فثبت المطلوب.
وقد ذكر معنى هذا الشوكاني عن الباجي، ثم وَجدتُ رواية صريحة في ذلك بلفظ:
((وما يَعرفُ بعضُنا وجوهَ بعض)) رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عنها.
٥ـ عن فاطمة بنت قيس:
((أن أبا عمرو بن حفص طلَّقها ألبتة (وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات)، وهو غائب ... فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له ... فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدِّي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجلٌ أعمى تضعين ثيابك [عنده]، (وفي رواية: انتقلي إلى أم شريك ـ وأم شريك أمرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان ـ فقلت: سأفعل، فقال: لا تفعلي، إن أم شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله ابن أم مكتوم [الأعمى] .... وهو من البطن الذي هي منه [فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك]، فانتقلتُ إليه، فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد،
стр. 19
فصليت مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى صلاته جلس على المنبر، فقال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال .... ))) الحديث، رواه مسلم.
ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر، وذلك لأن النبي ﷺ أقرَّ ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار ـ وهو غطاء الرأس ـ فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها ولكنه ﷺ خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها ﵊ بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنه لا يراها إذا وضعت خمارها وحديث ((أفعمياوان أنتما؟!)) ضعيف الإسناد، منكر المتن؛ كما حققته في الضعيفة (٥٩٥٨).
ومعنى قوله ﷺ : ((إذا وضعت خمارك))؛ أي: إذا حطته؛ كما في كتب اللغة.
وينبغي أن يُعلم أن هذه القصة وقعت في آخر حياته ﷺ ، لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي ﷺ يحدث بحديث تميم الداري، وأنه جاء وأسلم.
وقد ثبت في ترجمة تميم أنه أسلم سنة تسع، فدلَّ ذلك على تأخر القصة عن آية الجلباب، فالحديث إذن نصٌ على أن الوجه ليس بعورة.
٦ـ عن ابن عباس ﵄:
((قيل له: شهدتَ العيدَ مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العَلَمَ الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلَّى [قال: فنزل نبي الله ﷺ ، كأني أنظر إليه حين ُيجلِسُ الرجالَ بيده، ثم أقبل يشقهم]، ثم أتى النساء ومعه بلال، [فقال: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً﴾، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله! قال:] فوعظهنَّ، وذكرهنَّ، وأمرهنَّ بالصدقة، [قال: فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلمَّ لكنَّ، فداكنَّ أبي وأمي]، فرأيتهنَّ يهوين بأيديهنَّ يقذفنه (وفي رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم) في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته)) رواه البخاري.
قال ابن حزم بعد أن استدل بآية الضرب بالخمار على أن الوجه ليس بعورة:
((فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره)).
стр. 20
قلت: وفي مبايعته ﷺ النساء في هذه القصة، دليل على أنها وقعت بعد فرض الجلباب؛ لأنه إنما فرض في السنة الثالثة، وآية المبايعة نزلت في السنة السادسة كما سيأتي ويؤيده ما ذكر في فتح الباري ٢/ ٣٧٧ أن شهود ابن عباس القصة كان بعد فتح مكة ويشهد له ما سيأتي.
٧ ـ عن ُسبَيْعَةَ بنت الحارث:
((أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وكان بدرياً، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت من نفاسها، وقد اكتحلت [واختضبت وتهيأت]، فقال لها: اربعي ـ أي ارفقي ـ على نفسك ـ أو نحو هذا ـ] لعلَّك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك، قالت: فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال: قد حللت حين وضعت)) رواه أحمد من طريقين عنها أحدهما صحيح والآخر حسن وأصله في الصحيحين.
والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة وكذا الوجه أو العينين على الأقل وإلا لما جاز لسبيعة ﵂ أن تظهر ذلك أمام أبي السنابل ولا سيما وقد كان خطبها فلم ترضه.
٨ ـ وعن ابن عباس أيضاً، قال:
((كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ ، حسناء من أحسن الناس، [قال ابن عياس: لا والله ما رأيت مثلها قط]، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه]، فأنزل الله تعالى: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين﴾)) رواه أصحاب السنن والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
ففي هذه الأحاديث دلالة على جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها، فهي تؤيد حديث عائشة المتقدم، وتبين أن ذلك هو المراد بقوله تعالى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ (النور ٣١) كما سبق، على أن قوله تعالى فيما بعد: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] يدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها، لأن ((الخُمُر)) جمع خمار، وهو ما ُيغَطَّى به الرأس.
стр. 21
و ((الجيوب)) جمع الجيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، وهو من الجوب وهو القطع، فأمر تعالى بليِّ الخمار على العنق والصدر، فدل على وجوب سترهما، ولم يأمر بلبسه على الوجه، فدل على أنه ليس بعورة، ولذلك قال ابن حزم في ((المحلى)):
((فأمرهنَّ الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك)).
стр. 22
إبطال دعوى أن هذه الأدلة كلها كانت قبل فرضية الجلباب:
أقول: فإن قيل: إن ما ذكرته واضح جداً، غير أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل فرض الجلباب، فلا يصح الاستدلال حينئذ إلا بعد إثبات وقوعه بعد الجلباب.
وجوابنا عليه من وجهين:
الأول: إن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الجلباب، وقد حَضَرَنَا في ذلك حديثان:
الأول: حديث أم عطية ﵂:
((أن النبي ﷺ لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد، قالت أم عطية: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لِتُلْبِسَها أختُها من جلبابها)). متفق عليه.
ففيه دليل على أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد في جلابيبهن، وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت متجلببة. ويؤيده الحديث الآتي، وهو:
الحديث الثاني: حديثها أيضاً قالت:
((لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلَّمَ عليهنَّ، فرددن السلام، فقال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن، فقلن: مرحباً برسول الله ﷺ وبرسوله، فقال: تبايعن على ألا تشركن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف؟ فقلن: نعم، فمدَّ عمرُ يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل، ثم قال: اللهم اشهد، وأمرنا (وفي رواية فأمرنا) أن نخرج في العيدين العُتَّق والحُيّض، ونُهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا، فسألته عن البهتان وعن قوله: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾؟ قال: هي النياحة)) رواه البخاري في التاريخ وأحمد والبيهقي والضياء في المختارة وقال: رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
ووجه الاستشهاد به إنما يتبين إذا تذكرنا آية بيعة النساء: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً .... ﴾ [الممتحنة: ١٢] إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل، نقله السيوطي عنه في ((الدر المنثور)).
ونزلت بعد آية الامتحان كما أخرجه ابن مردويه عن جابر ((الدر المنثور))، وفي ((صحيح البخاري)) عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية، وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في ((زاد المعاد))، وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاث، وقيل: خمس، حين بنى ﷺ بزينب بنت جحش كما في ترجمتها من ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر.
стр. 23
فثبت من ذلك أن أمر النساء يالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض الجلباب، ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء، وإنما بايعهن من وراء الباب، وفي هذه القصة أبلغهنَّ أمرَ النبي ﷺ النساءَ بأن يخرجن للعيد، وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه ﷺ من الحديبية، بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم، وبهذا تعلم معنى قول أم عطية في أول حديثها الثاني: ((لما قدم رسول الله ﷺ المدينة))، أي: من الحديبية، ولا تعني قدومه إليها من مكة مهاجراً كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، فتأمل.
الوجه الآخر: إذا فرضنا عجزنا عن إثبات ما ذكرنا، فإن مما لا شك فيه عند العلماء أن إقراره ﷺ المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل عل الجواز، وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأني ما يدل على نسخه ورفعه، ونحن ندعي أنه لم يأت شيء من ذلك هنا، بل جاء ما يؤيد بقاؤه واستمراره كما سترى، فمن ادعى خلاف ذلك، فهو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناسخ، وهيهات هيهات.
على أننا قد أثبتنا فيما تقدم من حديث الخثعمية أن الحادثة كانت في حجة النبي ﷺ ، وهي كانت بعد فرض الجلباب يقيناً، وما أجابوا عنها تقدم إبطاله بما لا يُبقي شبهة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة. . .
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم. . . وقل للمؤمنات. . .﴾ الآية [النور: ٣٠ ـ ٣١]، فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه، فلذلك أمر الله تعالى بغض النظر عنهن، وما ذلك غير الوجه والكفين.
ومثلها قوله ﷺ :
((إياكم والجلوس بالطرقات. . . فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))
رواه البخاري ومسلم.
وقوله ﷺ :
((يا علي! لا تتبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة)) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو حديث حسن.
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال:
((سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري)) رواه مسلم.
стр. 24
هذا وقد ذكر القرطبي وغيره في سبب نزول هذه الآية ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾
[النور: ٣١] ((أن النساء كنَّ في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، وهي المقانع، سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بليِّ الخمار على الجيوب)).
وعن عائشة ﵂ قالت:
((يرحم الله نساء المهاجرين الأُوَل، لما أنزل الله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، شققن مروطهن، فاختمرن بها (وفي رواية: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها))).
ثم إن قوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن لِيُعْلَمَ ما يخفين من زينتهن﴾ [النور: ٣١]، يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضاً.
وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة (وهي الخلاخيل)، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرِّجلِ، ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة، ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرِّجل لتُعلِمَ الرجال ما تخفي من الزينة، فنهاهُنَّ الله تعالى عن ذلك، وبناءً على ما أوضحنا قال ابن حزم في ((المحلى)):
((هذا نصٌ على أن الرجلين والساقين مما ُيخفى ولا يحل إبداؤه)).
ثم إن الله تعالى بعد أن بين في الآية السابقة ـ آية النور ـ ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهرها أمامهم، أمرها في الآية الأخرى إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها وخمارها بالجلباب أو الملاءة، لأنه أستر لها وأشرف لسيرتها، وهي قوله تعالى:
﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩].
ولما نزلت خرج نساءُ الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من الأكسية، رواه أبو داود بإسناد صحيح، والغربان جمع غراب شُبهت الأكسية في سوادها بالغربان.
والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال، وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها، كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت:
((أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والُحَّيض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال لتلبسها أختها من جلبابها)).
قال الشيخ أنور الكشميري في ((فيض الباري)) تعليقاً على هذا الحديث:
((وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب.
стр. 25
والجلباب رداءٌ ساتر من القرن إلى القدم. وقد مر مني أن الخُمُر في البيوت، والجلابيب عند الخروج، وبه شرحت الآيتين في الحجاب:
﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١]، والثانية: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾
[الأحزاب: ٥٩])).
واعلم أن هذا الجمع بين الخمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخلَّ به جماهير النساء المسلمات، فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رؤسهن أو الخمار، وقد يكون غير سابغ في بعضهن، كالذي يسمى اليوم ب (الإشارب)، بحيث ينكشف منهن بعض ما حرَّم الله عليهن أن يظهرن من زينتهن الباطنة، كشعر الناصية أو الرقبة مثلاً.
وإن مما يؤكد وجوب هذا الجمع حديث ابن عباس: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ... ﴾ الآية، واستثنى من ذلك: ﴿والقواعد من النساء اللآتي لا يرجون نكاحاً﴾ الآية.
وتمام الآية: ﴿فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينةٍ وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم﴾ [النور: ٦٠].
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿أن يضعن من ثيابهن﴾، قال: الجلباب.
وكذا قال ابن مسعود.
قلت: فهذا نص في وجوب وضع الجلباب على الخمار، على جميع النساء، إلا القواعد منهن (وهن اللآتي لا يُطمع فيهن لكبرهن)، فيجوز لهن أن لا يضعن الحجاب على رؤوسهن.
أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن يتنبهن من غفلتهن ويتقين الله في أنفسهن، ويضعن الجلابيب على خمرهن؟!
ومن الغريب حقاً أن لا يتعرض لبيان هذا الحكم الصريح في الكتاب والسنة كل الذين كتبوا اليوم
ـ فيما علمت ـ عن لباس المرأة، مع توسع بعضهم على الأقل في الكلام على أن وجه المرأة عورة، مع كون ذلك مما اُختلف فيه، والصواب خلافه، كما تراه مفصلاً في هذا الكتاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
هذا، ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها، وهذا كما ترى أمر مطلق، فيحتمل أن يكون الإدناء علىالزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى، وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين، وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في ((تفسيره)) والسيوطي في ((الدر المنثور))، ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا، فنكتفي بالإشارة إليها، ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما.
ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:
стр. 26
الأول: إن القرآن يفسر بعضه بعضاً. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقاً بين الآيتين.
الآخر: أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه، وتقيد مطلقه، وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها، وتقييدها بها.
فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما جاء في ((المجموع)) للنووي، وحكاه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، عن صاحبي أبي حنيفة أيضاً، وجزم في ((المهمات))، من كتب الشافعية أنه الصواب، كما ذكره الشيخ الشربيني في ((الإقناع)).
لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيءٌ من الزينة لعموم قوله تعالى:
﴿ولا يبدين زينتهن﴾ [النور: ٣١]، وإلا وجب ستر ذلك، ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة، مما لا يشك مسلم ـ بل عاقل ذو غيرة ـ في تحريمه، وليس من ذلك الكحل والخضاب، لاستثنائهما في الآية.
كما ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأة عن أخت حذيفة، وكان له أخوات قد أدركن النبي ﷺ ، قالت:
((خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا معشر النساء! أليس لكنَّ في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهباً تظهره إلا عُذبت به، قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زراً تواري خاتمها)).
هذا، وقد أبان الله تعالى عن حكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله:
﴿ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ [الأحزاب: ٥٩]، يعني أن المرأة إذا التحفت بالجلباب؛ عُرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات، فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام، بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة، فإن هذا مما يُطمع الفساق فيها، والتحرش بها كما هو مشاهدٌ في كل عصر ومصر، فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعاً بالحجاب سداً للذريعة.
والخلاصة؛ أنه يجب على النساء جميعاً أن يتسترن إذا خرجن من بيوتهن بالجلابيب، لا فرق في ذلك بين الحرائر والإماء، ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط، لجريان العمل بذلك في عهد النبي ﷺ ، مع اقراره إياهنَّ على ذلك.
ومن المفيد هنا أن نذكر بعض الآثار السلفية التي تنص على جريان العمل بذلك أيضاً بعد النبي ﷺ ، فأقول:
١ـ عن قيس بن أبي حازم قال:
стр. 27
((دخلت أنا وأبي على أبي بكر ﵁، وإذا هو رجلٌ أبيض خفيف الجسم، عنده أسماء بنت عميس تذب عنه، وهي [امرأةٌ بيضاء] موشومة اليدين، كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر، فعرض عليه فرسان فرضيهما، فحملني على أحدهما، وحمل أبي على الآخر)) رواه الطبري في تهذيب الآثار وابن سعد في الطبقات والطبراني في الكبير وإسناده صحيح.
٢ـ عن أبي السليل قال:
جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف؛ سفعاء الخدين، ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه، وعنده أصحابه، فقالت يا أبتاه! زعم الحراثون والزارعون أن أفلُسَكَ هذه بَهرجةٌ! ـ أي زائفة ـ فقال: يا بنية! ضعيها، فإن أباك أصبح ـ بحمد الله ـ ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه. رواه ابن سعد وأبو نعيم في الحلية وإسناده جيد في الشواهد.
٣ـ عن عمران بن حصين ﵁ قال:
كنت مع رسول الله ﷺ قاعداً، إذ أقبلت فاطمة رحمها الله، فوقفت بين يديه، فنظرت إليها، وقد ذهب الدم من وجهها، فقال: ادني يا فاطمة! فدنت حتى قامت بين يديه، فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة، وفرَّجَ بين أصابعه، ثم قال:
((اللهم مشبع الجاعة، ورافع الوضيعة، لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ ))
قال عمران:
فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها، وذهبت الصفرة، كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم.
قال عمران:
فلقيتها بعد، فسألتها؟ فقالت: ما جعت بعد يا عمران! رواه الطبري في التهذيب والدولابي في الكنى بسندٍ لا بأس به في الشواهد.
٤ـ عن قبيصة بن جابر قال:
((كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها، فانطلقتُ مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود ﵁[في بيته] في ثلاثة نفر، فرأى جبينها يبرق، فقال: أتحلقينه؟ فغضبت، وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك! قال: فادخلي عليها، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة، فانطلقتْ ثم جاءت، فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((لعن الله الواشمات والمستوشمات .... )) إلخ وسنده حسن.
٥ـ وفي ((تاريخ ابن عساكر))، وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمَّه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة. رواه أحمد وابن سعد وأبو نعيم بسند صحيح.
стр. 28
٦ـ عن معاوية ﵁:
دخلت مع أبي على أبي بكر ﵁، فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء، ورأيت
أبا بكر ﵁ أبيض نحيفاً. رواه الطبراني في الكبير بسند جيد في الشواهد.
مشروعية ستر الوجه:
هذا؛ ثم إن كثيراً من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه، بل يحرم، وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم، ويقابل هؤلاء طائفة أخرى، يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين! كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنَّة في بعض البلاد اللبنانية، فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية:
ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهوداً في زمنه ﷺ كما يشير إليه ﷺ بقوله: ((لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)) رواه البخاري.
والقفاز ما تلبسه المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفيها ليحفظها من البرد ونحوه.
والنقاب الخمار الذي يُشَدُ على الأنف أو تحت المحاجر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((تفسير سورة النور)):
((وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن)).
والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن، وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول:
١ـ عن عائشة ﵂ قالت:
((خرجت سودة بعدما ضُربَ الحجابُ لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرْق (هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم)، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإنَّ العَرْق في يده ما وضعه، فقال: إنه أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن)) رواه البخاري ومسلم.
стр. 29
وقول عائشة بعدما ضرب الحجاب تعني حجاب أشخاص نسائه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ وهذه الآية مما وافق تنزيلها قول عمر ﵁ كما روى البخاري وغيره عن أنس ﵁ قال: قال عمر ﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب
وفي الحديث دلالة على أن عمر ﵁ إنما عرف سودة من جسمها، فدل على أنها كانت مستورة الوجه، وقد ذكرت عائشة أنها كانت ﵂ تعرف بجسمتها، فلذلك رغب عمر ﵁ أن لا تعرف من شخصها، وذلك بأن لا تخرج من بيتها، ولكن الشارع الحكيم لم يوافقه هذه المرة لما في ذلك من الحرج.
قال الحافظ ﵀ في شرحه للحديث المذكور:
((إن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﵊: (احجب نسائك)، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاً ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن؛ دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج)).
وقال القاضي عياض:
((فرض الحجاب مما اختصصن به (أي أمهات المؤمنين)، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات؛ إلا ما دعت إليه ضرورة من براز.
٢ـ وعنها أيضاً في حديث قصة الإفك قالت:
(( ... فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فأري سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت (وفي رواية: فسترت) وجهي عنه بجلبابي ... )) رواه البخاري ومسلم.
٣ـ عن عائشة ﵂ قالت:
((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه)) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وسنده حسن في الشواهد، ومن شواهده الحديث الذي بعده.
٤ـ عن اسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها قالت:
стр. 30
((كنَّا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنَّا نمتشط قبل ذلك في الإحرام)) رواه الحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وإنما هو على شرط مسلم وحده.
والمراد بقولها (نغطي) أي نسدل كما في الحديث الذي قبله.
٥ـ عن صفية بنت شيبة قالت:
((رأيتُ عائشةَ طافت بالبيت وهي منتقبة)) رواه ابن سعد وعبد الرزاق في المصنف ورجاله ثقات.
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفاً في عهده ﷺ ، وأن نساءه كنَّ يفعلن ذلك، وقد استنَّ بهن فضليات النساء بعدهن، وإليك مثالين على ذلك:
١ـ عن عاصم الأحول قال:
((كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به، فنقول لها:
رحمك الله! قال الله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾ ـ وهو الجلباب ـ قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾، فنقول: هو إثبات الحجاب)) رواه البيهقي وإسناده صحيح.
٢ ـ عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال:
حضرتُ مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة، فادَّعى وليُّها على زوجها خمسمائة دينار مهراً، فأنكر، فقال القاضي:
شهودك. قال:
قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي. فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل:
ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة، لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج:
وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدَّعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة ـ وأخبرت بما كان من زوجها ـ فقالت:
فإني أشهد القاضي: أنْ قد وهبت له هذا المهر، وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.
فقال القاضي:
ُيكتبُ هذا في مكارم الأخلاق. أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد.
فييستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود، وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج.
ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت، ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها.
стр. 31
الشرط الثاني
(أن لا يكون زينة في نفسه)
لقوله تعالى في الآية المتقدمة من سورة النور:
﴿ولا يبدين زينتهن﴾ [النور: ٣١]، فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى في [الأحزاب: ٣٣]:
﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾.
стр. 32
وقوله ﷺ :
((ثلاثة لا تسأل عنهم - يعني لأنهم من الهالكين -: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصياً، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، قد كفاها مؤونة الدنيا، فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم)) رواه الحاكم وأحمد وسنده صحيح وقال الحاكم: على شرطهما ولا أعرف له علة وأقره الذهبي.
((والتبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل)).
والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة، وهذا كما ترى بيِّنٌ لا يخفى، ولذلك قال الإمام الذهبي في ((كتاب الكبائر)) (ص١٣١):
((ومن الأفعال التي تُلْعَن عليها المرأة، إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب، وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولبسها الصباغات والأُزر الحريرية والأقبية القصار، مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها، وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة، ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء، قال عنهن النبي ﷺ : اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء)).
قلت: وهو حديث صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمران بن حصين وغيره.
قلت: ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لايفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵁: ((جاءت أميمة بنت رُقَيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: أُبايعكِ على أن
لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولاتنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى)) رواه أحمد بسندٍ حسن.
قال الألوسي في روح المعاني:
((ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عنها إبداؤها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن، ويستترن به إذا خرجن من بيوتهن، وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية والفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك، ومشيهن به بين الأجانب، من قلة الغيرة، وقد عمت البلوى بذلك.
ومثله ما عمت البلوى به أيضاً من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن، وعدم مبالاة بعولتهن بذلك،، وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله ﷺ .
وأمثال ذلك كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
стр. 33
واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملوناً بلون غير البياض أو السواد، كما يتوهم بعض النساء الملتزمات، وذلك لأمرين:
الأول: قوله ﷺ : ((طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ... )) رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح.
والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك، وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في ((المصنف)):
١ـ عن ابراهيم ـ وهو النخعي ـ:
أنه كان بدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ ، فَيرا هُنَّ في اللحف الحمر.
٢ـ عن ابن أبي مليكة قال:
رأيت على أم سلمة درعاً وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ـ عن القاسم ـ وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ـ أن عائشة كانت تلبس الثياب المُعَصْفرة، وهي مُحْرِمة.
وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر، وهي مُحْرِمَة.
٤ـ عن هشام عن فاطمة بنت المنذرأن أسماء كانت تلبس المعصفر، وهي مُحْرِمة.
٥ـ عن سعيد بن جبير أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
الشرط الثالث
(أن يكون صفيقاً لا يشف)
لأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، وفي ذلك يقول ﷺ :
((سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، على رؤوسهنَّ كأسمنة البخت، العنوهنَّ فإنهنَّ ملعونات)) رواه الطبراني في المعجم الصغير بسند صحيح.
زاد في حديث آخر:
((لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)) رواه مسلم.
стр. 34
قال ابن عبد البر:
((أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالإسم، عاريات في الحقيقة)).
وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
((رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها)) رواه ابن سعد وهذاصالح للاستشهاد به.
وفي قول عائشة ﵂ (أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟!) إشارة إلى أن من تسترت بثوب شفاف أنها لم تستتر، ولم تأتمر بقوله تعالى في السورة المشار إليها: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، وهذا بينٌّ لا يخفى.
وعن هشام بن عروة:
((أن المنذر بن الزبير قدم من العراق، فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر ـ أمه ـ بكسوة من ثياب مَروية - أي منسوبة إلى مرو- وقُوهية - أي منسوبة إلى قوهستان وهي ناحية بخراسان - رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أُف، ردوا عليه كسوته، قال: فشق ذلك عليه، وقال: يا أمَّه، إنه لا يشف. قالت: إنها إن لم تشف، فإنها تصف)) رواه ابن سعد بإسنادٍ صحيحٍ إلى المنذر.
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
((أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القُباطيِّ - ثياب مصرية رقيقة بيضاء -، ثم قال: لا تَدَّرِعها نساؤكم، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! قد ألبستها امرأتي، فأقبلت في البيت وأدبرت، فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يشف، فإنه يصف)) رواه البيهقي وقال إنه مرسل. لكن رجاله ثقات.
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف، كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز، وأن الذي يشف شرٌ من الذي يصف، ولذلك قالت عائشة ﵁:
((إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر)) ذكره البيهقي معلقاً.
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق، فإن سُترَ بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق، لم يجز، لأن الستر لا يحصل بذلك.
стр. 35
وقد عقد ابن حجر الهتيمي في ((الزواجر)) باباً خاصاً في لبس المرأة ثوباً رقيقاً يصف بشرتها، وأنه من الكبائر، ثم ساق فيه الحديث المتقدم، ثم قال:
((وذِكْرُ هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد، ولم أرَ من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال)).
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.
الشرط الرابع
(أن يكون فضفاضاً غير ضيق فيصف شيئاً من جسمها)
لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة، فإنه يصف حجم جسمها، أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لايخفى، فوجب أن يكون واسعاً، وقد قال أُسامة بن زيد:
((كساني رسول الله ﷺ قبطيةً كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي، فقال: مُرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها)) رواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة وأحمد والبيهقي بسند حسن.
стр. 36
فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة ـ وهي شعار يلبس تحت الثوب ـ ليمنع بها وصف بدنها، والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول، ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث ما نصه:
((والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه، وهذا شرط ساتر العورة، وإنما أمر بالثوب تحته لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها)).
وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة، فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق، ولكن هذا الحمل غير متجه عندي، بل هو وارد علىالثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها، ولوكانت غبر رقيقة وشفافة، وذلك واضح من الحديث لأمرين:
الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة، أي: ثخينة غليظة، فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد ((كثيفة)) في الحديث، ففسر القبطية بما هو الأصل فيها.
الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية، فقال:
((إني أخاف أن تصف حجم عظامها)).
فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون.
فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت، وكانت القبطية ثخينة، فما فائدة الغلالة؟
قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور، لأن الثوب قد يصف الجسم ولو كان ثخيناً، إذا كان من طبيعته الليونة والإنثناء على الجسد، كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر، فأمر ﷺ
بالشعار من أجل ذلك. والله تعالى أعلم.
وقد أغرب الشافعية فقالوا:
((أما لو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس، كما لو لبس سروالاً ضيقاً))! قالوا:
((ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار، وتتخذ جلباباً كثيفاً فوق ثيابها ليتجافى عنها، ولا يتبين حجم أعضائها)) ذكره الرافعي في شرحه.
والقول بالإستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر، فإنه للوجوب كما تقدم، وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في ((الأم)) قريب مما ذهبنا، فقد قال:
((وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة ... فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له، ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة ... والمرأة في ذلك أشد حالاً من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع، وأحب إليَّ أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع)).
стр. 37
وقد قالت عائشة ﵂:
((لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها، فتجلبب به)) رواه ابن سعد بإسناد صحيح على شرط مسلم.
وإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها، وقولها: ((لا بد))، دليل على وجوب ذلك، وفي معناه قول ابن عمر ﵄:
((إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع، والخمار، والملحفة)) رواه ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح.
وهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت.
ومما يحسن إيراده هنا استئناساً، ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله
ﷺ قالت:
((يا أسماء! إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء ـ أي عند الموت ـ أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ! ألا أُريك شيئاً رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها، ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تُعرفُ به المرأةُ من الرجل. فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعلي، ولا يدخل عليَّ أحدٌ، فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵄) رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي.
فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح، فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة التي تصف نهودهن وخصورهن وألياتهن وسوقهن وغير ذلك من أعضائهن، ثم ليستغفرن الله تعالى، وليتبن إليه، وليذكرن قوله ﷺ :
((الحياءُ والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر)) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وبهذه المناسبة أقول: إن كثيراً من الفتيات المؤمنات يبالغن في ستر أعلى البدن ـ أعني الرأس ـ فيسترن الشعر والنحر، ثم لا يبالين بما دون ذلك فيلبسن الألبسة الضيقة والقصيرة التي لا تتجاوز نصف الساق أو يسترن النصف الآخر بالجوارب اللحمية التي تزيده جمالاً، وقد تصلي بعضهن بهذه الهيئة، فهذا لا يجوز، ويجب عليهن أن يبادرن إلى إتمام الستر كما أمر الله تعالى، أسوة بنساء المهاجرين الأُوَل، حين نزل الأمر بضرب الخُمُر؛ شققن مروطهن فاختمرن بها، ولكننا لا نطالبهن بشق شيء من ثيابهن! وإما بإطالته وتوسيعه حتى يكون ثوباً ساتراً لجميع ما أمرهن الله بستره. ولقد رأينا كثيراً من الفتيات
стр. 38
المغرورات ببعض من يزعمن أنهن من الداعيات! قد جعلن شعاراً لهن تقصير ثيابهن إلى نصف الساق، مع لبس الجوارب التي تحجم السيقان، مع وضع الخمار ـ الإيشارب ـ فقط على رؤسهن؛ دون الجلباب على الخمار كما هو نص القرآن الكريم على ما تقدم بيانه، وهن بذلك لا يشعرن أنهن يحشرن أنفسهن في زمرة من قال الله تعالى فيهم: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾، فإلى المخلصات منهن أوجّه نصيحتي هذه أن لا يؤثرن على اتباع الكتاب والسنة تقليد حزب أو شيخ، بَلْهَ شيخة! والله يقول: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذّكرون﴾ [سورة الأعراف آية ٣].
стр. 39
الشرط الخامس
(أن لا يكون مبخراً مطيباً)
لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن، ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها:
١ـ عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((أيما أمرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية)) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت وإسناده حسن.
٢ـ عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال:
((إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربنَّ طيباً)) رواه مسلم.
٣ـ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((أيما امرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) رواه مسلم.
стр. 40
٤ـ عن موسى بن يسار عن أبي هريرة ﵁:
((أن امرأة مرت به تعصفُ ريحُها، فقال: يا أمة الجبار! المسجدَ تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصفُ ريحُها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل)) رواه البيهقي وغيره وهوحديث صحيح.
ووجهُ الإستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا، العموم الذي فيها. فإن الإستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن، يستعمل في الثوب أيضاً، لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور، فإنه بالثياب أكثر استعمالاً وأخص.
وسبب المنع منه واضح، وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة، وقد ألحق به العلماءُ ما في معناه، كحسن الملبس والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.
وقال ابن دقيق العيد:
((وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد، لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال)).
قلت: فإذا كان ذلك حراماً على مريدة المسجد، فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إثماً، وقد ذكر الهيتمي في ((الزواجر)) أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها.
ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات، وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث، لأن الفتنة وقتها أشد، فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز.
وقال ابن الملك:
((والأظهر أنها خُصت بالنهي لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق، والعطر يهيج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة، بخلاف الصبح والمغرب، فإنهما وقتان فاضحان، وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقاً)).
следующие страницы →