Полный текст (2 495 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
صَوْتِهِ نَفَرًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ فَقَالَ: أَجِيبُوا يَا مَعْشَرَ يَهُودَ يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ، قد نزل بكم خزى الله عزوجل.
فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَتَائِبِ الْمُسْلِمِينَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَرَدَّ اللَّهُ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ حَتَّى دَخَلَ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، فَصَرَخُوا بِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ - وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَنْصَارِ - فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: لَا آتِيهِمْ حَتَّى يَأْذَنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَذِنْتُ لَكَ.
فَأَتَاهُمْ أَبُو لُبَابَةَ فَبَكَوْا إِلَيْهِ وَقَالُوا: يَا أَبَا لُبَابَةَ مَاذَا تَرَى وَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟ فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِالْقِتَالِ.
فَأَشَارَ أَبُو لُبَابَةَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ وَأَمَرَّ عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ، يُرِيهم أَنما يُرَاد بهم الْقَتْلُ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو لُبَابَةَ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحْدِثَ لِلَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللَّهُ مِنْ نَفْسِي.
فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَبَطَ يَدَيْهِ إِلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ.
وَزَعَمُوا أَنَّهُ ارْتَبَطَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِين غَابَ عَلَيْهِ أَبُو لُبَابَةَ: أَمَا فَرَغَ أَبُو لُبَابَةَ من حلفائه؟ فَذكر لَهُ مَا فعل، فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَتْهُ بَعْدِي فِتْنَةٌ وَلَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَإِذْ قَدْ فَعَلَ هَذَا فَلَنْ أُحَرِّكَهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ.
وَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيهِ فِي مِثْلِ سِيَاقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمِثْلِ رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ.
* * *
стр. 1297
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ نَاحِيَةِ أَمْوَالِهِمْ يُقَالُ لَهَا بِئْر أَنى، فَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتَّى جَهَدَهُمُ الْحِصَارُ وَقذف فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.
وَقَدْ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَهُمْ حِصْنَهُمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا.
ثَلَاثًا فَخُذُوا بِمَا شِئْتُمْ مِنْهَا.
قَالُوا: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ.
قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ.
قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ بِالسُّيُوفِ (١) ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكْ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ.
قَالُوا: أَنَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ؟ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ ! قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ، فَاللَّيْلَةُ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً.
قَالُوا: أَنُفْسِدُ سَبْتَنَا وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَنْ كَانَ قَبْلنَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَنْكَ مِنَ الْمَسْخِ.
فَقَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَة من الدَّهْر حازما. стр. 1298
ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، نَسْتَشِيرُهُ فِي أَمْرِنَا.
فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ وَجَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالُوا: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ.
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى يَتُوبَ الله على مِمَّا صنعت.
وأعاهد الله أَلا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا وَلَا أُرَى فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فِيهِ أَبَدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ، فِيمَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن عبد الله بن أَبى قَتَادَة: " يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ (١) ".
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَقَامَ مُرْتَبِطًا سِتَّ لَيَالٍ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَتَحُلُّهُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ، ثُمَّ يَرْتَبِطُ، حَتَّى نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) ".
وَقَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ إِنَّهُ مَكَثَ عِشْرِينَ لَيْلَة مرتبطا بِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ تَوْبَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَهُوَ فِي بَيت أم стр. 1299
سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يَبْتَسِمُ فَسَأَلَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَهَا بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تُبَشِّرَهُ فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ فَبَشَّرَتْهُ، فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ يُبَشِّرُونَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَحِلُّوهُ مِنْ رِبَاطِهِ فَقَالَ: وَالله لَا يحلنى مِنْهُ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ حَلَّهُ مِنْ رِبَاطِهِ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنَ عُبَيْدٍ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَدْلٍ لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ هُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ، أَسْلَمُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ عَلَى حُكْمِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقُرَظِيُّ فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ
سُعْدَى.
وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا.
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي إِقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ.
ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَة، ثمَّ ذهب لم يُدْرَ أَيْنَ تَوَجَّهَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا فَذُكِرَ شَأْنُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بوفائه.
قَالَ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أُوثِقَ بِرُمَّةٍ فِيمَنْ أُوثِقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً وَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاق: فَلَمَّا أَصْبحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَتَوَاثَبَتِ الْأَوْسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُم كَانُوا مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إِخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، يَعْنُونَ عَفْوَهُ عَنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ حِينَ سَأَلَهُ فِيهِمْ عَبْدُ الله ابْن أُبَيٍّ.
كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 1300
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَذَلِكَ إِلَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ وَكَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، فَلَمَّا حَكَّمَهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ على حمَار قد وطأوا لَهُ بِوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرٍو أَحْسِنْ فِي مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا وَلَّاكَ ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ.
فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: قد آن لسعد أَلا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ! فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي
قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ.
فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ.
فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا أَرَادَ الْأَنْصَارَ، وَأَمَّا الْأَنْصَارُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ.
فَقَامُوا إِلَيْهِ.
فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَلَّاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ.
فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا.
فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِجْلَالًا لَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ.
قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرِّجَالُ وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عبد الرَّحْمَن بن عمر بن سعد ابْن مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.
стр. 1301
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَاحَ وَهُمْ مُحَاصِرُو بَنِي قُرَيْظَةَ: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ.
وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَذُوقَنَّ مَا ذَاقَ حَمْزَةُ أَوْ أَقْتَحِمُ حِصْنَهُمْ.
فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
* * * وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
قَالَ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا على حكمك.
قَالَ: نقْتل مُقَاتلَتهمْ ونسبي ذُرِّيَّتَهُمْ.
قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ.
وَرُبَّمَا قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ.
وَفِي رِوَايَةٍ الْمَلَكِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ وَيُونُسُ، قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: رُمِيَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ، فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالنَّار فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَنَزَفَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهِمْ يَسْتَعِينُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَبْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ.
وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِهِمْ انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 1302
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنَ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَعَلَى رَأْسِهِ الْغُبَارُ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهَا اخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَيْنَ؟ قَالَ: هَاهُنَا.
وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ.
قَالَ هِشَامٌ: فَأَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبِي: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ من قُرَيْش يُقَال لَهُ حبَان ابْن الْعَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَيْنَ؟ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَرَدَّ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ.
قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
قَالَ هِشَامٌ: فَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ بقى من حَرْب قُرَيْش شئ فَأَبْقِنِي لَهُ حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا.
فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي
стр. 1303
الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الذى يأتينا من قبلكُمْ؟ فَإِذا سعد يغذو جرحه دَمًا فَمَاتَ مِنْهَا.
وَهَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ بِهِ.
قُلْتُ: كَانَ دَعَا أَوَّلًا بِهَذَا الدُّعَاءِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ: وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَلَمَّا حكم فيهم وَأقر الله عينه أَي قَرَارٍ دَعَا ثَانِيًا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ شَهَادَةً ﵁ وَأَرْضَاهُ.
وَسَيَأْتِي ذِكْرُ وَفَاتِهِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * * وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ مُطَوَّلًا جِدًّا وَفِيهِ فَوَائِدُ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو النَّاسَ فَسَمِعْتُ وَئِيدَ الْأَرْضِ وَرَائِي، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ يَحْمِلُ مِجَنَّهُ قَالَتْ: فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ، فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ، قَالَتْ: وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ، فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: لَبِّثْ قَلِيلًا يُدْرِكِ الْهَيْجَا حَمَلْ * مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ قَالَتْ: فَقُمْتُ فَاقْتَحَمْتُ حَدِيقَةً فَإِذَا نفر من الْمُسلمين، فَإِذا فِيهَا عمر بن الْخطاب وَفِيهِمْ رجل عَلَيْهِ سبغة لَهُ، تَعْنِي الْمِغْفَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا جَاءَ بِكِ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَجَرِيئَةٌ وَمَا يُؤْمِنُكِ أَنْ يَكُونَ بَلَاءٌ أَوْ يَكُونَ تَحَوُّزٌ.
فَمَا زَالَ يلومني حَتَّى تمنيت أَن الارض فتحت ساعتئذ فَدخلت فِيهَا فَرفع الرجل السبغة عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا عُمَرُ وَيْحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ وَأَيْنَ التَّحَوُّزُ أَوِ الْفِرَارُ إِلَّا إِلَى الله عزوجل.
قَالَتْ: وَيَرْمِي سَعْدًا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ العرقة.
стр. 1304
فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعَا اللَّهَ سَعْدٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.
قَالَتْ: وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيَهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَتْ فَرَقَأَ كَلْمُهُ وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.
فَلَحِقَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِتِهَامَةَ، وَلَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَمَنْ مَعَهُ بِنَجْدٍ.
وَرَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا فِي صَيَاصِيهِمْ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَضربت على سعد فِي الْمَسْجِد.
قَالَت: فجَاء جِبْرِيلُ وَإِنَّ عَلَى ثَنَايَاهُ لَنَقْعُ الْغُبَارِ فَقَالَ: أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ! لَا وَاللَّهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ بَعْدُ، اخْرُجْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَاتِلْهُمْ.
قَالَتْ: فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ أَنْ
يَخْرُجُوا، فَمَرَّ عَلَى بَنِي غَنْمٍ، وَهُمْ جِيرَانُ الْمَسْجِدِ حَوْلَهُ فَقَالَ: مَنْ مَرَّ بِكُمْ؟ قَالُوا: مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ تُشْبِهُ لِحْيَتُهُ وَسِنُّهُ وَوَجْهُهُ جِبْرِيلَ ﵇.
فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا اشْتَدَّ حَصْرُهُمْ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ قِيلَ لَهُمُ: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فاستشاروا أَبَا لبَابَة ابْن عَبْدِ الْمُنْذِرِ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ قَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
فَأُتِيَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ، وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ.
قَالَتْ: وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُورِهِمُ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: قَدْ آنَ لى أَلا أبالى فِي الله لومة لائم! قَالَت: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ.
قَالَ عُمَرُ: سَيِّدُنَا اللَّهُ.
قَالَ: أنزلوه.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْكُمْ فِيهِمْ فَقَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُقْسَمَ
стр. 1305
أَمْوَالُهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ.
ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كنت أبقيت على نبيك مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ.
قَالَتْ: فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ وَكَانَ قَدْ بَرِئَ حَتَّى لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا مِثْلُ الْخُرْصِ (١) ، وَرَجَعَ إِلَى قُبَّتِهِ الَّتِي ضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَتْ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ بُكَاءَ عُمَرَ مِنْ بُكَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، وَكَانُوا كَمَا قَالَ الله: " رحماء بَينهم (٢) ".
قَالَ عَلْقَمَةُ: فَقُلْتُ: يَا أُمَّهْ فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ؟ قَالَتْ:
كَانَتْ عَيْنُهُ لَا تَدْمَعُ عَلَى أَحَدٍ.
وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا وَجَدَ فَإِنَّمَا هُوَ آخِذٌ بِلِحْيَتِهِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِدُعَاءِ سَعْدٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً قَبْلَ حُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَمَرَّةً بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ وَفَاتِهِ وَدَفْنَهُ وَفَضْلَهُ فِي ذَلِكَ ﵁ وَأَرْضَاهُ بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنَ الْقِصَّةِ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ من بنى النجار.
قلت: هِيَ نسيبة ابْنة الْحَارِثِ بْنِ كُرْزِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر ابْن كريز. стр. 1306
ثُمَّ خَرَجَ ﷺ إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، فَخُرِجَ بِهِمْ إِلَيْهِ أَرْسَالًا، وَفِيهِمْ عَدُوَّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ رَأْسُ الْقَوْمِ وَهُمْ سِتُّمِائَةٍ أَوْ سَبْعُمِائَةٍ، وَالْمُكَثِّرُ لَهُمْ يَقُولُ: كَانُوا مَا بَيْنَ الثَّمَانِمِائَةِ وَالتِّسْعِمِائَةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبَى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا؟ قَالَ: أَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ! أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا ينْزع وَمن ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبَ حَتَّى فُرِغَ مِنْهُمْ، وَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ
فُقَّاحِيَّةٌ (١) قَدْ شَقَّهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ لِئَلَّا يُسْلَبَهَا، مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ.
فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَمَا وَالله مالمت نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهَ يُخْذَلْ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ! ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جوال الثَّعْلَبِيّ: لعمرك مالام ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ * وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهَ يُخْذَلِ لَجَاهَدَ حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَهَا * وَقَلْقَلَ يبغى الْعِزّ كل مقلقل (٢) стр. 1307
وَذكر ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى، وَكَانَ قَدْ مَنَّ يَوْمَ بُعَاثٍ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ أَرَادَ أَنْ يُكَافِئَهُ فَجَاءَهُ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ.
فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: أُرِيدُ أَنْ أُكَافِئَكَ.
فَقَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ.
فَذَهَبَ ثَابِتٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَطْلَقَهُ فَأَطْلَقَهُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ [لَهُ (١) ] وَلَا وَلَدَ، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ! فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَطْلَقَ لَهُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ، فَأَطْلَقَهُمْ لَهُ.
ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثَابِتٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَطْلَقَ مَالَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، فَأَطْلَقَهُ لَهُ.
ثُمَّ جَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا ثَابِتُ مَا فَعَلَ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ مِرْآةً صِينِيَّةً تَتَرَاءَى فِيهَا عذارى
حى (٢) ، كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ.
قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ.
قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إِذَا شَدَدْنَا وَحَامِيَتُنَا إِذَا فَرَرْنَا: عَزَّالُ بْنُ شَمَوْأَلَ (٣) ؟ قَالَ: قُتِلَ.
قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ.
قَالَ: ذَهَبُوا قُتِلُوا.
قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إِلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْقَوْمِ، فَوَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ، فَمَا أَنَا بِصَابِرٍ لِلَّهِ فَيْلَةَ (٤) دَلْوٍ نَاضِح حَتَّى ألْقى الاحبة. стр. 1308
فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَوْلُهُ: " أَلْقَى الْأَحِبَّةَ " قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاللَّهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا! قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " فَيْلَةُ " بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ أَسْفَلَ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ، بِالْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّاضِحُ: الْبَعِيرُ الَّذِي يستقى عَلَيْهِ الْمَاءَ لِسَقْيِ النَّخْلِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ إِفْرَاغَةُ دَلْوٍ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ.
فَحَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كُلُّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ، وَكُنْتُ غُلَامًا، فَوَجَدُونِي لَمْ أُنْبِتْ فَخَلَّوْا سَبِيلِي.
وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ نَحْوَهُ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ إِنْبَاتَ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرَجِ دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ، بَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ صِبْيَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَكُونُ بُلُوغًا فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يتَأَذَّى بذلك لمقصد.
وَقد روى إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ أُمَّ الْمُنْذِرِ اسْتَطْلَقَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِفَاعَةَ بن شموال، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ فَلَاذَ بِهَا، وَكَانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ لَهَا، وَكَانَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِفَاعَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ.
فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ.
(١٦ - السِّيرَة ٣)
стр. 1309
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لِعِنْدِي تَحَدَّثُ مَعِي تَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا أَيْنَ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ.
قَالَت: قلت لَهَا: وَيلك مَالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ! قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ.
قَالَتْ: فَانْطُلِقَ بِهَا فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا طِيبَ نَفْسِهَا وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ! وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هِيَ الَّتِي طَرَحَتِ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ.
يَعْنِي فَقَتَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَسَمَّاهَا نُبَاتَةَ امْرَأَةَ الْحَكَمِ الْقُرَظِيِّ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا أَخْرَجَ الْخُمُسَ، وَقَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، سَهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ وَسَهْمًا لِرَاكِبِهِ وَسَهْمًا لِلرَّاجِلِ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ يَوْمَئِذٍ سِتًّا وَثَلَاثِينَ.
قَالَ: وَكَانَ أول فئ وَقَعَتْ فِيهِ السُّهْمَانُ وَخُمِّسَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سعيد بْنَ زَيْدٍ بِسَبَايَا مِنَ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى نَجْدٍ فَابْتَاعَ بِهَا خَيْلًا وَسِلَاحًا.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِ اصْطَفَى مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، وَكَانَ عَلَيْهَا حَتَّى توفى عَنْهُمَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَامْتَنَعَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِهَا
стр. 1310
وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا فَاخْتَارَتْ أَنْ تَسْتَمِرَّ عَلَى الرِّقِّ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ﵊.
ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَلَى مَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي تَفْسِيرِهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيُّ طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًا فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ ".
قلت: كَانَ الذى ألْقى عَلَيْهِ الرَّحَى تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا
كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَتِهِمُ الْيَوْمَ.
وَفَاة سعد بن معَاذ ﵁ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ الْعَرِقَةِ لَعَنَهُ اللَّهُ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ، فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيًّا بِالنَّارِ فَاسْتَمْسَكَ الْجُرْحُ، وَكَانَ سَعْدٌ قد دَعَا الله أَلا يُمِيتَهُ حَتَّى يُقِرَّ عَيْنَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ حِينَ نَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالذِّمَامِ وَمَالُوا عَلَيْهِ مَعَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا ذَهَبَ الْأَحْزَابُ وَانْقَشَعُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَبَاءَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ بِسَوَادِ الْوَجْهِ وَالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُحَاصِرَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ وَأَخَذَهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَنَابُوا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيحكم فيهم بِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ، فَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى رَئِيسِ الْأَوْسِ وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
стр. 1311
وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَرَضُوا بِذَلِكَ.
وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلُوا ابْتِدَاءً عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ لِمَا يَرْجُونَ مِنْ حُنُوِّهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ وَمَيْلِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِأَنَّهُمْ أَبْغَضُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْدَادِهِمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ لِشِدَّةِ إِيمَانِهِ وَصِدِّيقِيَّتِهِ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ فِي خَيْمَةٍ فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، فجِئ بِهِ عَلَى حِمَارٍ تَحْتَهُ إِكَافٌ قَدْ وُطِّئَ تَحْتَهُ لِمَرَضِهِ، وَلَمَّا قَارَبَ خَيْمَةَ الرَّسُولِ ﷺ أَمَرَ ﵇ مَنْ هُنَاكَ بِالْقِيَامِ لَهُ.
قِيلَ: لِيَنْزِلَ مِنْ شِدَّةِ مَرَضِهِ، وَقِيلَ تَوْقِيرًا لَهُ بِحَضْرَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا حَكَمَ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَشَفَى صَدْرَهُ مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى خَيْمَتِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعَا الله عزوجل أَنْ تَكُونَ
لَهُ شَهَادَةٌ، وَاخْتَارَ اللَّهُ لَهُ مَا عِنْده فانفجر جرحه من اللَّيْل، فَلَمَّا يَزَلْ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ﵁.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جُرْحُهُ فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدًا.
حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُبِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سربعا يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلَى سَعْدٍ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ ﵁.
هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵀.
стр. 1312
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا أَبِي وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي مَاتَ فتحت لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرِهِ وَهُوَ يُدْفَنُ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ قَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " مَرَّتَيْنِ، فَسَبَّحَ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ: " الله أكبر الله أكبر " فَكبر الْقَوْم، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجِبْتُ لِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ شُدِّدَ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ حَتَّى كَانَ هَذَا حِينَ فُرِّجَ لَهُ ".
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ،
وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ يدْفن: " سُبْحَانَ الله لهَذَا الصَّالِحِ الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، شُدِّدَ عَلَيْهِ ثُمَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ ".
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بن عَمْرو ابْن الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا دُفِنَ سَعْدٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ سَبَّحْتَ؟ قَالَ: " لَقَدْ تَضَايَقَ على هَذَا العَبْد الصَّالح قَبره حَتَّى فرج اللَّهُ عَنْهُ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِهِ.
стр. 1313
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمَجَازُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَمَّةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا لَكَانَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ".
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ سَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَن إِنْسَان، عَن عَائِشَة بِهِ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَزَّارُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ هَبَطَ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَهْبِطُوا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَقَدْ ضَمَّهُ الْقَبْرُ ضَمَّةً.
ثُمَّ بَكَى نَافِعٌ!
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، لَكِنْ قَالَ الْبَزَّارُ: رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ مُرْسَلًا.
ثُمَّ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عَتَّابٍ، عَنْ سكين بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيد بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ مَا وَطِئُوا الْأَرْضَ قَبْلَهَا " وَقَالَ حِينَ دُفِنَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ لَوِ انْفَلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَانْفَلَتَ مِنْهَا سَعْدٌ ".
وَقَالَ الْبَزَّار: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن حَفْص، عَن مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِحُبِّ لِقَاءِ اللَّهِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
فَقيل: إِنَّمَا يَعْنِي السَّرِيرَ " وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ " قَالَ: تفتحت أَعْوَادُهُ.
قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرَهُ فَاحْتُبِسَ فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: ضُمَّ سَعْدٌ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً فَدَعَوْتُ اللَّهَ فكشف عَنهُ.
стр. 1314
قَالَ الْبَزَّارُ: تَفَرَّدَ بِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ بَعْدَ رِوَايَتِهِ ضَمَّةَ سَعْدٍ ﵁ فِي الْقَبْرِ أَثَرًا غَرِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا.
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ،.
أَنَّهُ سَأَلَ بَعْضَ أَهْلِ سَعْدٍ: مَا بَلَغَكُمْ مِنْ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ يُقَصِّرُ فِي بَعْضِ الطُّهُورِ مِنَ الْبَوْلِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مساور، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَعَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ؟ فَإِنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ؟ [فَقَالَ] إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ
ضَغَائِنُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ.
وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا زِيَادَةُ قَوْلِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابر ابْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَجِنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق بِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، سَمِعْتُ
стр. 1315
أَبَا سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَجِنَازَتُهُ مَوْضُوعَةٌ: اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الازدي، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَرحا بِرُوحِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جِنَازَةُ سَعْدٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جِنَازَتَهُ! وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا وَلَكِن الْمَلَائِكَة تحملته.
إِسْنَاد جيد.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: " أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ خَيْرٌ مِنْهَا أَوْ أَلْيَنُ ".
ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ، سَمِعْنَا أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَلَبِسَهَا فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ ".
стр. 1316
وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَانَ وَاقِدٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَأَعْظَمِهِمْ وَأَطْوَلِهِمْ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
فَقَالَ: إِنَّكَ بِسَعْدٍ لَشَبِيهٌ.
ثُمَّ بَكَى وَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ وَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى سَعْدٍ! كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا إِلَى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةٍ مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ فِيهَا الذَّهَبُ، فَلَبِسَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ على الْمِنْبَر وَجلسَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ ثُمَّ نَزَلَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْمَسُونَ الْجُبَّةَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ ابْن مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِمَّا تَرَوْنَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
حَسَنٌ صَحِيحٌ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ ذِكْرِ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِمَوْتِ سعد ابْن مُعَاذٍ: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللَّهِ مِنْ مَوْتِ هَالِكٍ * سَمِعْنَا بِهِ إِلَّا لِسَعْدٍ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّهُ، يَعْنِي كُبَيْشَةَ بِنْتَ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخُدْرِيَّةَ الْخَزْرَجِيَّةَ حِينَ احْتُمِلَ سَعْدٌ عَلَى نَعْشِهِ تَنْدُبُهُ: وَيْلُ امِّ سَعْدٍ سَعْدَا * صَرَامَةً وَحَدَّا وَسُؤْدُدًا وَمَجْدَا * وفارسا معدا سد بِهِ مسدا * يقدها ماقدا
стр. 1317
قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ نَائِحَةٍ تَكْذِبُ إِلَّا نَائِحَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ! " قُلْتُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ انْصِرَافِ الاحزاب بِنَحْوِ من خمس وَعشْرين لَيْلَة، إِذْ كَانَ قُدُومُ الْأَحْزَابِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَأَقَامُوا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ فَمَاتَ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ بِقَلِيلٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ فَتْحَ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَصَدْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
قَالَ: وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَرْثِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ﵁:
لَقَدْ سَجَمَتْ مِنْ دَمْعِ عَيْنِيَ عَبْرَةٌ * وَحُقَّ لِعَيْنِي أَنْ تَفِيضَ عَلَى سَعْدٍ (١) قَتِيلٌ ثَوَى فِي مَعْرَكٍ فُجِعَتْ بِهِ * عُيُونٌ ذَوَارِي الدَّمْعِ دَائِمَةُ الْوَجْدِ (٢) عَلَى مِلَّةِ الرَّحْمَنِ وَارِثِ جَنَّةٍ * مَعَ الشُّهَدَاءِ وَفْدُهَا أكْرم الْوَفْد فَإِن تَكُ قد وعدتنا وَتَرَكْتَنَا * وَأَمْسَيْتَ فِي غَبْرَاءَ مُظْلِمَةِ اللَّحْدِ فَأَنْتَ الَّذِي يَا سَعْدُ أُبْتَ بِمَشْهَدٍ * كَرِيمٍ وَأَثْوَابِ المكارم وَالْمجد بِحُكْمِكَ فِي حَيَّيْ قُرَيْظَةَ بِالَّذِي * قَضَى اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَضَيْتَ عَلَى عَمْدِ فَوَافَقَ حُكْمَ اللَّهِ حُكْمُكَ فِيهِمُ * وَلَمْ تَعْفُ إِذْ ذُكِّرْتَ مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ فَإِنْ كَانَ رَيْبُ الدَّهْرِ أَمْضَاكَ فِي الْأُلَى * شَرَوْا هَذِهِ الدُّنْيَا بِجَنَّاتِهَا الْخُلْدِ فَنِعْمَ مَصِيرُ الصَّادِقِينَ إِذَا دُعُوا * إِلَى الله يَوْمًا للوجاهة وَالْقَصْد стр. 1318
فَصْلٌ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ: اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵀: وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخطاب بن مرداس أَخُو بني محَارب ابْن فِهْرٍ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ.
قُلْتُ: وَذَلِكَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ:
وَمُشْفِقَةٍ تَظُنُّ بِنَا الظُّنُونَا * وَقَدْ قُدْنَا عَرَنْدَسَةً طَحُونًا (١) كَأَنَّ زُهَاءَهَا أُحُدٌ إِذَا مَا * بَدَتْ أَرْكَانُهُ لِلنَّاظِرِينَا تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبِغَاتٍ * عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْيَلَبِ الْحَصِينَا (٢) وَجُرْدًا كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ * نَؤُمُّ بِهَا الْغُوَاةَ الْخَاطِئِينَا (٣) كَأَنَّهُمُ إِذَا صَالُوا وَصُلْنَا * بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ مُصَافِحُونَا أُنَاسٌ لَا نَرَى فِيهِمْ رَشِيدًا * وَقَدْ قَالُوا أَلَسْنَا رَاشِدِينَا فَأَحْجَرْنَاهُمُ شهرا كريتا * وَكُنَّا فَوْقهم كالقاهرينا (٤) стр. 1319
نُرَاوِحُهُمْ وَنَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ * عَلَيْهِمْ فِي السِّلَاحِ مُدَجَّجِينَا بِأَيْدِينَا صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ * نَقُدُّ بِهَا الْمَفَارِقَ وَالشُّئُونَا (١) كَأَنَّ وَمِيضَهُنَّ مُعَرَّيَاتٍ * إِذَا لَاحَتْ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا وَمِيضُ عَقِيقَةٍ لَمَعَتْ بِلَيْلٍ * تَرَى فِيهَا الْعَقَائِقَ مُسْتَبِينَا (٢) فَلَوْلَا خَنْدَقٌ كَانُوا لَدَيْهِ * لَدَمَّرْنَا عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَا وَلَكِنْ حَالَ دُونَهُمُ وَكَانُوا * بِهِ مِنْ خَوْفِنَا مُتَعَوِّذِينَا فَإِنْ نَرْحَلْ فَإِنَّا قَدْ تَرَكْنَا * لَدَى أَبْيَاتِكُمْ سَعْدًا رَهِينَا إِذَا جَنَّ الظلام سَمِعت نوحًا * عَلَى سَعْدٍ يُرَجِّعْنَ الْحَنِينَا وَسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمَّا قَرِيبٍ * كَمَا زُرْنَاكُمُ مُتَوَازِرِينَا بِجَمْعٍ مِنْ كِنَانَةَ غَيْرِ عُزْلٍ * كَأُسْدِ الْغَابِ إِذْ حَمَتِ الْعَرِينَا
قَالَ: فَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ ﵁ فَقَالَ: وَسَائِلَةٍ تُسَائِلُ مَا لَقِيَنَا * وَلَوْ شَهِدَتْ رَأَتْنَا صَابِرِينَا صَبَرْنَا لَا نَرَى لِلَّهِ عِدْلًا * عَلَى مَا نَابَنَا مُتَوَكِّلِينَا وَكَانَ لَنَا النَّبِيُّ وَزِيرَ صِدْقٍ * بِهِ نَعْلُو الْبَرِيَّةَ أَجْمَعِينَا نُقَاتِلُ مَعْشَرًا ظَلَمُوا وَعَقُّوا * وَكَانُوا بِالْعَدَاوَةِ مُرْصِدِينَا نُعَالِجُهُمْ إِذَا نَهَضُوا إِلَيْنَا * بِضَرْبٍ يُعْجِلُ الْمُتَسَرِّعِينَا تَرَانَا فِي فَضَافِضَ سَابِغَاتٍ * كَغُدْرَانِ الْمَلَا مُتَسَرْبِلِينَا (٣) وَفِي أَيْمَانِنَا بِيضٌ خِفَافٌ * بهَا نشفي مراح الشاغبينا стр. 1320
بِبَابِ الْخَنْدَقَيْنِ كَأَنَّ أُسْدًا * شَوَابِكُهُنَّ يَحْمِينَ الْعَرِينَا فَوَارِسُنَا إِذَا بَكَرُوا وَرَاحُوا * عَلَى الْأَعْدَاءِ شُوسًا مُعْلِمِينَا (١) لِنَنْصُرَ أَحَمَدًا وَاللَّهَ حَتَّى * نَكُونَ عِبَادَ صِدْقٍ مُخْلِصِينَا وَيَعْلَمَ أَهْلُ مَكَّةَ حِينَ سَارُوا * وَأَحْزَابٌ أَتَوْا مُتَحَزِّبِينَا بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ * وَأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَا فَإِمَّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سَفَاهًا * فَإِنَّ اللَّهَ خَيْرُ الْقَادِرِينَا سَيُدْخِلُهُ جِنَانًا طَيِّبَاتٍ * تَكُونُ مُقَامَةً لِلصَّالِحِينَا كَمَا قَدْ رَدَّكُمْ فَلًّا شَرِيدًا * بِغَيْظِكُمُ خَزَايَا خَائِبِينَا خَزَايَا لَمْ تَنَالُوا ثَمَّ خَيْرًا * وَكِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا دَامِرِينَا بِرِيحٍ عَاصِفٍ هَبَّتْ عَلَيْكُمْ * فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمِّهِينَا (٢)
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ.
قُلْتُ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ: حَيِّ الدِّيَارَ مَحَا مَعَارِفَ رَسْمِهَا * طُولُ الْبِلَى وَتَرَاوُحُ الْأَحْقَابِ فَكَأَنَّمَا كَتَبَ الْيَهُودُ رُسُومَهَا * إِلَّا الْكَنِيفَ وَمَعْقِدَ الْأَطْنَابِ (٣) قَفْرًا كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَلْهُو بِهَا * فِي نِعْمَةٍ بِأَوَانِسٍ أَتْرَابِ فَاتْرُكْ تَذَكُّرَ مَا مَضَى مِنْ عِيشَةٍ * وَمَحَلَّةٍ خَلَقِ الْمُقَامِ يَبَابِ وَاذْكُرْ بَلَاءَ مَعَاشِرٍ وَاشْكُرْهُمُ * سَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ مَنِ الْأَنْصَابِ (٤) стр. 1321
أَنْصَابِ مَكَّةَ عَامِدِينَ لِيَثْرِبَ * فِي ذِي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ (١) يَدَعُ الْحُزُونَ مَنَاهِجًا مَعْلُومَةً * فِي كُلِّ نَشْزٍ ظَاهِرٍ وَشِعَابِ (٢) فِيهَا الْجِيَادُ شَوَازِبٌ مَجْنُوبَةٌ * قُبُّ الْبُطُونِ لَوَاحِقُ الْأَقْرَابِ (٣) مِنْ كُلِّ سَلْهَبَةٍ وَأَجْرَدَ سَلْهَبٍ * كَالسِّيدِ بَادَرَ غَفْلَةَ الرُّقَّابِ (٤) جَيْشٌ عُيَيْنَةُ قَاصِدٌ بِلِوَائِهِ * فِيهِ وَصَخْرٌ قَائِدُ الْأَحْزَابِ قَرْمَانِ كَالْبَدْرَيْنِ أَصْبَحَ فِيهِمَا * غَيْثُ الْفَقِيرِ وَمَعْقِلُ الْهُرَّابِ حَتَّى إِذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَدَوْا * لِلْمَوْتِ كُلَّ مُجَرَّبٍ قَضَّابِ شَهْرًا وَعَشْرًا قَاهِرِينَ مُحَمَّدًا * وَصِحَابَهُ فِي الْحَرْبِ خَيْرُ صِحَابِ
نَادَوْا بِرِحْلَتِهِمْ صَبِيحَةَ قُلْتُمُ * كِدْنَا نَكُونُ بِهَا مَعَ الْخُيَّابِ لَوْلَا الْخَنَادِقُ غَادَرُوا مِنْ جَمْعِهِمْ * قَتْلَى لطير سغب وذئاب قَالَ: فَأَجَابَهُ حسان ن بْنُ ثَابِتٍ ﵁ فَقَالَ: هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ الْمُقَامِ يَبَابِ * مُتَكَلِّمٌ لِمُحَاوِرٍ بِجَوَابِ قَفْرٌ عَفَا رِهَمُ السَّحَابِ رُسُومَهُ * وَهُبُوبُ كُلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبَابِ (٥) وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِهَا الْحُلُولَ يُزِينُهُمْ * بيض الْوُجُوه ثواقب الاحساب فدع الدِّيَارَ وَذِكْرَ كُلِّ خَرِيدَةٍ * بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ وَاشْكُ الْهُمُومَ إِلَى الْإِلَهِ وَمَا تَرَى * من معشر ظلمُوا الرَّسُول غضاب سَارُوا بأجمعهم إِلَيْهِ وألبوا * أهل الْقرى وبوادي الاعراب стр. 1322
جَيْشٌ عُيَيْنَةُ وَابْنُ حَرْبٍ فِيهِمُ * مُتَخَمِّطُونَ بِحَلْبَةِ الْأَحْزَابِ (١) حَتَّى إِذَا وَرَدُوا الْمَدِينَةَ وَارْتَجَوْا * قَتْلَ الرَّسُولِ وَمَغْنَمَ الْأَسْلَابِ وَغَدَوْا عَلَيْنَا قَادِرِينَ بِأَيْدِهِمْ * رُدُّوا بِغَيْظِهِمُ عَلَى الْأَعْقَابِ (٢) بِهُبُوبِ مُعْصِفَةٍ تُفَرِّقُ جَمْعَهُمْ * وَجُنُودِ رَبِّكَ سَيِّدِ الْأَرْبَابِ فَكَفَى الْإِلَهُ الْمُؤْمِنِينَ قِتَالَهُمْ * وَأَثَابَهُمْ فِي الْأَجْرِ خَيْرَ ثَوَابِ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا فَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ * تَنْزِيلُ نَصْرِ مَلِيكِنَا الْوَهَّابِ
وَأَقَرَّ عَيْنَ مُحَمَّدٍ وَصِحَابِهِ * وَأَذَلَّ كُلَّ مُكَذِّبٍ مُرْتَابِ عَاتِي الْفُؤَادِ مُوَقَّعٍ ذِي رِيبَةٍ * فِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِطَاهِرِ الْأَثْوَابِ عَلِقَ الشَّقَاءُ بِقَلْبِهِ فَفُؤَادُهُ * فِي الْكُفْرِ آخِرَ هَذِهِ الْأَحْقَابِ * * * قَالَ: وَأَجَابَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَيْضًا فَقَالَ: أَبْقَى لَنَا حَدَثُ الْحُرُوبِ بَقِيَّةً * مِنْ خَيْرِ نِحْلَةِ رَبِّنَا الْوَهَّابِ بَيْضَاءَ مُشْرِفَةِ الذُّرَى وَمَعَاطِنًا * حُمَّ الْجُذُوعِ غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ (٣) كَاللُّوبِ يُبْذَلُ جَمُّهَا وَحَفِيلُهَا * لِلْجَارِ وَابْن الْعم والمنتاب (٤) ونزائعا مثل السراج نَمَى بِهَا * عَلَفُ الشَّعِيرِ وَجَزَّةُ الْمِقْضَابِ (٥) عَرِيَ الشَّوَى مِنْهَا وَأَرْدَفَ نَحْضَهَا * جُرْدَ الْمُتُونِ وَسَائِرِ الْآرَاب (٦) стр. 1323
قَوْدًا تَرَاحُ إِلَى الصِّيَاحِ إِذَا غَدَتْ * فِعْلَ الضِّرَاءِ تَرَاحُ لِلْكَلَّابِ (١) وَتَحُوطُ سَائِمَةَ الدِّيَارِ وَتَارَةً * تردى العدى وتؤوب بِالْأَسْلَابِ
حُوشَ الْوُحُوشِ مُطَارَةً عِنْدَ الْوَغَى * عُبْسَ اللِّقَاءِ مُبِينَةَ الْإِنْجَابِ (٢) عُلِفَتْ عَلَى دَعَةٍ فَصَارَتْ بُدَّنًا * دُخْسَ الْبَضِيعِ خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ (٣) يَغْدُونَ بِالزَّغْفِ الْمُضَاعَفِ شَكُّهُ * وَبِمُتْرَصَاتٍ فِي الثِّقَافِ صِيَابِ (٤) وَصَوَارِمٍ نَزَعَ الصَّيَاقِلُ عَلْبَهَا * وَبِكُلِّ أَرْوَعَ مَاجِدِ الْأَنْسَابِ (٥) يَصِلُ الْيَمِينَ بِمَارِنٍ مُتَقَارِبٍ * وُكِلَتْ وَقِيعَتُهُ إِلَى خَبَّابِ (٦) وَأَغَرَّ أَزْرَقَ فِي الْقَنَاةِ كَأَنَّهُ * فِي طُخْيَةِ الظَّلْمَاءِ ضَوْءُ شِهَابِ (٧) وَكَتِيبَةٍ يَنْفِي الْقِرَانَ قَتِيرُهَا * وَتَرُدُّ حَدَّ قَوَاحِزِ النُّشَّابِ (٨) جَأْوَى مُلَمْلِمَةٍ كَأَن رماحها * فِي كل مجمعة صريمة غَابِ (٩) تَأْوِي إِلَى ظِلِّ اللِّوَاءِ كَأَنَّهُ * فِي صعدة الخطى فئ عُقَابِ (١٠) أَعْيَتْ أَبَا كَرْبٍ وَأَعْيَتْ تُبَّعًا * وَأَبَتْ بَسَالَتُهَا عَلَى الْأَعْرَابِ (١١) وَمَوَاعِظٌ مِنْ رَبِّنَا نُهْدَى بهَا * بِلِسَان أَزْهَر طيب الاثواب стр. 1324
عُرِضَتْ عَلَيْنَا فَاشْتَهَيْنَا ذِكْرَهَا * مِنْ بَعْدِ مَا عرضت على الاحزاب حكما يَرَاهَا المجرمون برعمهم * حَرَجًا وَيَفْهَمُهَا ذَوُو الْأَلْبَابِ جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا * فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ! قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله ابْن الزُّبَيْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْبَيْتَ: " لَقَدْ شَكَرَكَ اللَّهُ يَا كَعْبُ عَلَى قَوْلِكَ هَذَا ".
قُلْتُ: وَمُرَادُهُ بِسَخِينَةَ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَكْلِهِمُ الطَّعَامَ السُّخْنَ الَّذِي لَا يَتَهَيَّأُ لِغَيْرِهِمْ غَالِبًا مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا: مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ * بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الْأَبَاءِ الْمُحْرَقِ (١) فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تَسُنُّ سُيُوفَهَا * بَيْنَ الْمَذَادِ وَبَيْنَ جذع الْخَنْدَقِ (٢) دَرِبُوا بِضَرْبِ الْمُعْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا * مُهَجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبِّ الْمَشْرِقِ فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الْإِلَهُ نَبِيَّهُ * بِهَمُ وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مَرْفَقِ فِي كُلِّ سابغة تخط فُضُولُهَا * كَالنَّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ (٣) بَيْضَاءَ مُحْكَمَةً كَأَنَّ قَتِيرَهَا * حَدَقُ الْجَنَادِبِ ذَاتَ شَكٍّ مُوثَقِ (٤) جدلاء يحفزها نجاذ مهند * صافي الحديدة صارم ذِي رونق (٥) стр. 1325
تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوَى تَكُونُ لِبَاسَنَا * يَوْمَ الْهِيَاجِ وَكُلَّ سَاعَةِ مَصْدَقِ نَصِلُ السُّيُوفَ إِذَا قَصَرْنَ بِخَطْوِنَا * قُدُمًا وَنُلْحِقُهَا إِذَا لَمْ تَلْحَقِ فَتَرَى الْجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا * بَلْهَ الْأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ نَلْقَى الْعَدُوَّ بِفَخْمَةٍ مَلْمُومَةٍ * تَنْفِي الْجُمُوعَ كَقَصْدِ رَأَسِ الْمُشْرِقِ وَنُعِدُّ لِلْأَعْدَاءِ كُلَّ مُقَلَّصٍ * وَرْدٍ وَمَحْجُولِ الْقَوَائِمِ أَبْلَقِ (١) تَرْدِي بِفُرْسَانٍ كَأَنَّ كُمَاتَهُمْ * عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلٍّ مُلْثِقِ (٢) صُدُقٍ يُعَاطُونَ الْكُمَاةَ حُتُوفَهُمْ * تَحْتَ الْعَمَايَةِ بِالْوَشِيجِ الْمُزْهِقِ (٣) أَمَرَ الْإِلَهُ بِرَبْطِهَا لِعَدُوِّهِ * فِي الْحَرْبِ إِنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوِّ وَحُيَّطًا * لِلدَّارِ إِنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النُّزَّقِ وَيُعِينُنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ * مِنْهُ وَصِدْقِ الصَّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيِّنَا وَنُجِيبُهُ * وَإِذَا دَعَا لِكَرِيهَةٍ لم نسبق وَمَتى يُنَادي للشدائد نَأْتِهَا * وَمَتَى نَرَى الْحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِقِ مَنْ يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ * فَينَا مُطَاعُ الْأَمْرِ حَقُّ مُصَدَّقِ فَبِذَاكَ يَنْصُرُنَا وَيُظْهِرُ عِزَّنَا * وَيُصِيبُنَا مِنْ نَيْلِ ذَاكَ بِمِرْفَقِ إِنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا * كَفَرُوا وَضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الْمُتَّقِي قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا:
لَقَدْ عَلِمَ الْأَحْزَابُ حِينَ تَأَلَّبُوا * عَلَيْنَا وَرَامُوا دِينَنَا مَا نُوَادِعُ أَضَامِيمُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ * وَخِنْدِفَ لَمْ يَدْرُوا بِمَا هُوَ وَاقع (٤) стр. 1326
يَذُودُونَنَا عَنْ دِينِنَا وَنَذُودُهُمْ * عَنِ الْكُفْرِ وَالرَّحْمَنُ رَاءٍ وَسَامِعُ إِذَا غَايَظُونَا فِي مَقَامٍ أَعَانَنَا * عَلَى غَيْظِهِمْ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَاسِعُ وَذَلِكَ حِفْظُ اللَّهِ فِينَا وَفَضْلُهُ * عَلَيْنَا وَمَنْ لَمْ يَحْفَظِ اللَّهُ ضَائِعُ هَدَانَا لِدِينِ الْحَقِّ وَاخْتَارَهُ لَنَا * وَلِلَّهِ فَوْقَ الصَّانِعِينَ صَنَائِعُ (١) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ - يَعْنِي طَوِيلَةً - * * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي مَقْتَلِ بَنِي قُرَيْظَةَ: لَقَدْ لَقِيَتْ قُرَيْظَة مَا ساءها * وَمَا وَجَدَتْ لِذُلٍّ مِنْ نَصِيرِ أَصَابَهُمُ بَلَاءٌ كَانَ فِيهِ * سِوَى مَا قَدْ أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ غَدَاةَ أَتَاهُمُ يَهْوِي إِلَيْهِمْ * رَسُولُ اللَّهِ كَالْقَمَرِ الْمُنِيرِ لَهُ خَيْلٌ مُجَنَّبَةٌ تَعَادَى * بِفُرْسَانٍ عَلَيْهَا كالصقور تركناهم وَمَا ظفروا بشئ * دِمَاؤُهُمُ عَلَيْهَا كَالْعَبِيرِ فَهُمْ صَرْعَى تَحُومُ الطَّيْرُ فِيهِمُ * كَذَاكَ يُدَانُ ذُو الْعِنْدِ الْفَجُورِ فَأَنْذِرْ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا * مِنَ الرَّحْمَنِ إِنْ قَبِلَتْ نَذِيرِي
قَالَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا فِي بني قُرَيْظَة: تعاقد مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا * وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ هُمُ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ * وَهُمْ عُمْيٌ مِنَ التَّوْرَاةِ بُورُ كَفَرْتُمْ بِالْقُرَانِ وَقَدْ أُتِيتُمْ * بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ * حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: أَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ * وَحَرَّقَ فِي طَوَائِفِهَا السعير стр. 1327
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ * وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ (١) فَلَوْ كَانَ النَّخِيلُ بِهَا رِكَابًا * لَقَالُوا لَا مُقَامَ لَكُمْ فَسِيرُوا قُلْتُ: وَهَذَا قَالَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بَعْضُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ جَوَابَ حَسَّانَ فِي ذَلِكَ لِجَبَلِ بْنِ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيِّ تَرَكْنَاهُ قَصْدًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَيْضًا يَبْكِي سَعْدًا وَجَمَاعَةً مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بني قُرَيْظَة: أَلا يالقومي هَلْ لِمَا حُمَّ دَافِعُ * وَهَلْ مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ الْعَيْشِ رَاجِعُ تَذَكَّرْتُ عَصْرًا قَدْ مَضَى فَتَهَافَتَتْ * بَنَاتُ الْحَشَا وَانْهَلَّ مِنِّي الْمَدَامِعُ صَبَابَةُ وَجْدٍ ذَكَّرَتْنِيَ إِخْوَةً * وَقَتْلَى مَضَى فِيهَا طُفَيْلٌ وَرَافِعُ وَسَعْدٌ فَأَضْحَوْا فِي الْجِنَانِ وَأَوْحَشَتْ * مَنَازِلُهُمْ فَالْأَرْضُ مِنْهُمْ بَلَاقِعُ (٢) وَفَوْا يَوْمَ بَدْرٍ لِلرَّسُولِ وَفَوْقَهُمْ * ظِلَالُ الْمَنَايَا وَالسُّيُوفُ اللَّوَامِعُ دَعَا فَأَجَابُوهُ بِحَقٍّ وَكُلُّهُمْ * مُطِيعٌ لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَسَامِعُ
فَمَا نَكَلُوا حَتَّى تَوَالَوْا جَمَاعَةً * وَلَا يَقْطَعُ الْآجَالَ إِلَّا الْمَصَارِعُ لِأَنَّهُمُ يَرْجُونَ مِنْهُ شَفَاعَةً * إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا النَّبِيُّونَ شَافِعُ فَذَلِكَ يَا خَيْرَ الْعِبَادِ بَلَاؤُنَا * إِجَابَتُنَا لِلَّهِ وَالْمَوْتُ نَاقِعُ لَنَا الْقَدَمُ الْأُولَى إِلَيْكَ وَخَلْفُنَا * لِأَوَّلِنَا فِي مِلَّةِ اللَّهِ تَابِعُ وَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ * وَأَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لَا بُد وَاقع стр. 1328
مقتل أبي رَافع سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ الْيَهُودِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي قَصْرٍ لَهُ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ، وَكَانَ تَاجِرًا مَشْهُورًا بِأَرْضِ الْحِجَازِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ الْخَنْدَقِ وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، وَهُوَ أَبُو رَافِعٍ، فِيمَنْ حَزَّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ قَتَلَتْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فَاسْتَأْذَنَ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ وَهُوَ بِخَيْبَرَ فَأَذِنَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ: الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَا يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا فِيهِ غَنَاءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَقَالَت الْخَزْرَجُ: وَاللَّهِ لَا يَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَلَا يَنْتَهُونَ حَتَّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا.
وَإِذَا فَعَلَتِ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَمَّا أَصَابَتِ الْأَوْسُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فِي عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتِ الْخَزْرَجُ: وَاللَّهِ لَا يَذْهَبُونَ بِهَا فَضْلًا عَلَيْنَا أَبَدًا قَالَ: فَتَذَاكَرُوا مَنْ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَدَاوَةِ كَابْنِ
الْأَشْرَفِ؟ فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ وَهُوَ بِخَيْبَر، فَاسْتَأْذنُوا الرَّسُول ﷺ فِي قَتْلِهِ فَأَذِنَ لَهُم.
فَخرج مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ خَمْسَةُ نَفَرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ،
стр. 1329
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَخُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدَ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ أَسْلَمَ، فَخَرَجُوا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلِيدًا أَوِ امْرَأَةً.
فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ أَتَوْا دَارَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ لَيْلًا، فَلَمْ يَدَعُوا بَيْتًا فِي الدَّار حَتَّى أَغْلَقُوهُ عَلَى أَهْلِهِ.
قَالَ: وَكَانَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ إِلَيْهَا عَجَلَةٌ (١) قَالَ: فَأَسْنَدُوا إِلَيْهَا حَتَّى قَامُوا عَلَى بَابِهِ فَاسْتَأْذَنُوا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ نَلْتَمِسُ الْمِيرَةَ.
قَالَتْ: ذَاكُمْ صَاحِبُكُمْ فَادْخُلُوا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا دَخَلْنَا أَغْلَقْنَا عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ الْحُجْرَةَ تَخَوُّفًا أَنْ يَكُونَ دُونَهُ مُجَاوَلَةٌ تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
قَالَ: فَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ فَنَوَّهَتْ بِنَا، فَابْتَدَرْنَاهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَسْيَافِنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَدُلُّنَا عَلَيْهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ إِلَّا بَيَاضُهُ كَأَنَّهُ قُبْطِيَّةٌ (٢) مُلْقَاةٌ.
قَالَ: فَلَمَّا صَاحَتْ بِنَا امْرَأَتُهُ جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَرْفَعُ عَلَيْهَا سَيْفَهُ ثُمَّ يَذْكُرُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَكُفُّ يَدَهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَرَغْنَا مِنْهَا بِلَيْلٍ.
قَالَ: فَلَمَّا ضَرَبْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا تَحَامَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِهِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَنْفَذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: قَطْنِي قَطْنِي.
أَيْ حَسْبِي حَسْبِي.
قَالَ: وَخَرَجْنَا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عتِيك سَيِّئَ الْبَصَرِ، قَالَ: فَوَقَعَ مِنَ الدَّرَجَةِ فَوُثِئَتْ يَدُهُ وَثْئًا شَدِيدًا (٣) ، وَحَمَلْنَاهُ حَتَّى نَأْتِيَ بِهِ مَنْهَرًا مِنْ عُيُونِهِمْ فَنَدْخُلَ فِيهِ.
فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ وَاشْتَدُّوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَنَا، حَتَّى إِذَا يئسوا رجعُوا إِلَيْهِ فَاكْتَنَفُوهُ وَهُوَ يَقْضِي.
قَالَ: فَقُلْنَا: كَيْفَ لَنَا بِأَنْ نَعْلَمَ بِأَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ مَاتَ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا:
أَنَا أَذْهَبُ فَأَنْظُرُ لَكُمْ.
فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ قَالَ: فَوَجَدتهَا - يَعْنِي امْرَأَته - стр. 1330
وَرِجَالُ يَهُودَ حَوْلَهُ وَفِي يَدِهَا الْمِصْبَاحُ تَنْظُرُ فِي وَجهه وتحدثهم وَتقول: أما وَالله قد سَمِعْتُ صَوْتَ ابْنِ عَتِيكٍ ثُمَّ أَكْذَبْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ: أَنَّى ابْنُ عَتِيكٍ بِهَذِهِ الْبِلَادِ! ثُمَّ أَقبلت عَلَيْهِ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ: فَاظَ (١) وَإِلَهِ يَهُودَ.
فَمَا سَمِعْتُ كَلِمَةً كَانَتْ أَلَذَّ عَلَى نَفسِي مِنْهَا.
قَالَ: ثمَّ جَاءَنَا فَأخْبرنَا فَاحْتَمَلْنَا صَاحِبَنَا وَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ، وَاخْتَلَفْنَا عِنْدَهُ فِي قَتْلِهِ كُلُّنَا يَدَّعِيهِ.
قَالَ: فَقَالَ: هَاتُوا أَسْيَافَكُمْ.
فَجِئْنَا بِهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِسَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: هَذَا قَتَلَهُ، أَرَى فِيهِ أَثَرَ الطَّعَامِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ: لِلَّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ لَاقَيْتَهُمْ * يَا ابْنَ الْحَقِيقِ وَأَنْتَ يَابْنَ الْأَشْرَفِ يَسْرُونَ بِالْبِيضِ الْخِفَافِ إِلَيْكُمُ * مرحا كأسد فِي عرين مغرف (٢) حَتَّى أَتَوْكُم فِي مَحل بِلَادكُمْ * فسقوكم حتفا ببيض ذفف مُسْتَبْصِرِينَ لِنَصْرِ دِينِ نَبِيِّهِمْ * مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُجْحِفِ هَكَذَا أَوْرَدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ﵀.
* * * وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:
بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدثنَا يُوسُف بن مُوسَى، حَدثنَا عبد الله بن مُوسَى، عَن стр. 1331
إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ قَالَ عَبْدُ الله: اجلسوا مَكَانكُمْ فَإِنِّي منطلق متلطف لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ.
فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ.
فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَدٍّ (١) قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الاقاليد وأخذتها وَفتحت الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ الْقَوْمَ نَذِرُوا بِي (٢) لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ.
فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ قُلْتُ: أَبَا رَافِعٍ.
قَالَ: مَنْ هَذَا؟.
فَأَهْوَيْت نَحْو الصَّوْت فأضربه بِالسَّيْفِ ضَرْبَة وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ [ضَرَبَنِي (٤) ] قَبْلُ بِالسَّيْفِ.
قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أثخنته وَلم أَقتلهُ، ثمَّ وضعت صبيب (٣) السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ فَوَضَعْتُ رجْلي وَأَنا أرى أَنى قد انْتَهَيْت، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ
سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ حَتَّى انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ.
فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أنعى أَبَا رَافع نَاصِر أهل стр. 1332
الْحِجَازِ.
فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ.
فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثته فَقَالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ.
فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّمَا لَمْ أشتكها قطّ.
* * * قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَراء، قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ فِي نَاسٍ مَعَهُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْحِصْنِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ.
قَالَ: فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى أَدْخُلَ الْحِصْنَ، فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ.
قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ قَالَ: فَغَطَّيْتُ رَأْسِي وَجَلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً فَقَالَ (١) : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ.
فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ، فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ وتحدثوا حَتَّى ذهب سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ.
فَلَمَّا هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ.
قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ فِي كَوَّةٍ، فَأَخَذْتُهُ.
فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ قَالَ: قُلْتُ: إِنْ نَذِرَ بِيَ الْقَوْمُ انْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ.
ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا
عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ.
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ، فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ.
قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ، وَصَاحَ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئا.
قَالَ: ثمَّ جِئْته كَأَنِّي أغيثه فَقلت: مَالك يَا أَبَا رَافع.
وغيرت صوتي قَالَ: لَا أُعْجِبُكَ (٢) لِأُمِّكَ الْوَيْلُ! دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ.
قَالَ: فعمدت إِلَيْهِ стр. 1333
أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ.
ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ فَأَسْقُطُ مِنْهُ، فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ.
فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ.
قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ (١) فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَبَشَّرْتُهُ.
تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ السِّيَاقَاتِ من بَين أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة.
ثمَّ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيّ: قَالَ أبي بن كَعْبٍ: فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ.
قَالُوا: أَفْلَحَ وَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: أفتكتموه؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: نَاوِلْنِي السَّيْفَ.
فَسَلَّهُ فَقَالَ: أجل هَذَا طَعَامه فِي ذُبَاب السَّيْف.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ لَمَّا سَقَطَ مِنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ وانكسرت سَاقه ووثئت (٢) رجله، فَلَمَّا عَصَبَهَا اسْتَكَنَّ مَا بِهِ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ الْبَاهِرِ، وَلَمَّا أَرَادَ الْمَشْيَ أُعِينَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْجِهَاد النافع، ثمَّ لما وَصَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ ثَاوَرَهُ الْوَجَعُ فِي رِجْلِهِ، فَلَمَّا بَسَطَ رِجْلَهُ
وَمَسَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ ماكان بِهَا مِنْ بَأْسٍ فِي الْمَاضِي وَلَمْ يَبْقَ بِهَا وَجَعٌ يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ مِثْلَ سِيَاقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَسَمَّى الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم وَأَبُو عبيد. стр. 1334
مقتل خَالِد بن سُفْيَان بن نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ تِلْوَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاس ليغزوني وَهُوَ بعرنة، فائته فَاقْتُلْهُ.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ.
قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ قُشَعْرِيرَةً.
قَالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا سَيْفِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِعُرَنَةَ مَعَ ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلًا وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْقُشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ فَجَاءَكَ لِذَلِكَ.
قَالَ: أَجَلْ إِنَّا فِي ذَلِكَ.
قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْف حَتَّى قتلته، ثمَّ خرجث وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآنِي قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ.
قَالَ: قُلْتُ: قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: ثُمَّ قَامَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ فِي
بَيْتِهِ فَأَعْطَانِي عَصًا فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا.
قَالُوا: أَو لَا تَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ أَعْطَيْتَنِي
стр. 1335
هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ (١) يَوْمَئِذٍ.
قَالَ: فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أُمِرَ بِهَا فَضُمَّتْ فِي كَفَنِهِ ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا.
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، أَوْ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ.
فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ.
فَذكره.
وَقد ذكر قصَّته عُرْوَة بن الزبير ومُوسَى لن عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِمَا مُرْسَلَةً.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي قَتْلِهِ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ: تَرَكْتُ ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ * نَوَائِحُ تَفْرِي كُلَّ جَيْبٍ مُقَدَّدِ (٢) تَنَاوَلْتُهُ وَالظُّعْنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ * بِأَبْيَضَ مِنْ مَاء الْحَدِيد المهند عَجُومٍ لِهَامِ الدَّارِعِينَ كَأَنَّهُ * شِهَابُ غَضًى مِنْ مُلْهِبٍ مُتَوَقِّدِ (٣) أَقُولُ لَهُ وَالسَّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ * أَنا ابْن أنيس فَارس غَيْرَ قُعْدُدِ أَنَا ابْنُ الَّذِي لَمْ يُنْزِلِ الدَّهْرُ قَدْرَهُ * رَحِيبُ فَنَاءِ الدَّارِ غَيْرُ مُزَنَّدِ (٤)
وَقلت لَهُ خُذْهَا بضربة ماجد * خَفِيف عَلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ وَكُنْتُ إِذَا هَمَّ النَّبِي بِكَافِر * سبقت إِلَيْهِ بِاللِّسَانِ وباليد следующие страницы →