Полный текст (2 495 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَيَقِفُ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ يُلَبِّي فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ لَا شريك لَك وَلَا ندلك ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ مَاشِيًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ مُتَعَبِّدًا مَرْقُوقًا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحَكَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: أَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَنا أَو من بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ فَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ.
قُلْتُ: هَلُمَّ.
قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِكَثِيرِ الشَّعَرِ وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَيْسَتْ تُفَارِقُ عَيْنَهُ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ مِنْهَا وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ، فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ مَنْ أَسْأَلُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُونَ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ.
وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ.
قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرو وإقرائه مِنْهُ السَّلَامَ، فَرَدَّ ﵇ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: ذِكْرُ زَيْدِ بْنِ عَمْرو بن نفَيْل: حَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ (١) قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ
يَأْكُلَ مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلَ مِمَّا تَذْبَحُونَ على أنصابكم، وَلَا آكل стр. 177
إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَ لَهَا من السَّمَاء المَاء وَأنْبت لَهَا من الارض، ثمَّ تذبحونها عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَحَدَّثَنِي سَالِمُ بن عبد الله، وَلَا أعلمهُ إِلَّا تحدث بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرو ابْن نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ (١) فَأَخْبِرْنِي.
فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ: قَالَ زَيْدٌ: وَمَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا أَسْتَطِيعُهُ (٢) ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا.
قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.
فَخَرَجَ زَيْدٌ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ [مِنْ لَعْنَةِ الله.
قَالَ: مَا أفر إِلَّا من لعنة الله، وَلَا أحمل من لعنة الله وَلَا من غَضَبه شَيْئا أبدا، وَلَا أَسْتَطِيع، فَهَلْ تَدُلُّنِي] (٣) عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا.
قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.
فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ
رضى الله عَنْهُمَا قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِما مُسْندًا ظَهره إِلَى الْكَعْبَة يَقُول: стр. 178
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي.
وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَ مُؤْنَتَهَا.
فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مُؤْنَتَهَا.
انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ (١) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ قَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ.
وَقَدْ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ هَاهُنَا أَحَادِيثَ غَرِيبَةً جِدًّا، وَفِي بَعْضِهَا نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ.
ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ وَيَسْجُدُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُحْشَرُ ذَاكَ أُمَّةً وَحْدَهُ بَيْنِي وَبَين عِيسَى بن مَرْيَمَ ".
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ
مَالِكٍ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَذْكُرُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بن نفَيْل فَقَالَ: توفى وقريش стр. 179
تَبْنِي الْكَعْبَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ وَلَقَدْ نَزَلَ بِهِ (١) وَإِنَّهُ لَيَقُولُ أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
فَأَسْلَمَ ابْنُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، فَإِنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ: فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَذْكُرُهُ ذَاكِرٌ مِنْهُمْ إِلَّا تَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ﵀ وَغَفَرَ لَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّعْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِمَكَّةَ وَدُفِنَ بِأَصْلِ حِرَاءَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ مِنَ الشَّامِ لَمَّا عَدَا عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي لَخْمٍ فَقَتَلُوهُ بِمَكَانٍ يُقَالَ لَهُ مَيْفَعَةُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبَاغَنْدِيُّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ دَوْحَتَيْنِ " وَهَذَا إِسْنَاد جيد، وَلَيْسَ هُوَ فِي شئ مِنَ الَكُتُبِ.
وَمِنْ شِعْرِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نفَيْل ﵀: إِلَى اللَّهِ أَهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا * وَقَوْلًا رَضِيًّا لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ * إِلَهٌ وَلَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ شِعْرِهِ فِي التَّوْحِيدِ مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُمَا: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ * لَهُ الارض تحمل صخرا ثقالا стр. 180
دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوتْ شَدَّهَا * سَوَاءً وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ * لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ * أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ * لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ؟ حَالًا فَحَالَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: رَوَى أَبِي أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ * أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الْأُمُورُ عَزَلْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا * كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا * وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أَزور وَلَا غُنْمًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا * لَنَا فِي الدَّهْرِ إِذْ حِلْمِي يَسِيرُ عَجِبْتُ وَفِي اللَّيَالِي مُعْجِبَاتٌ * وَفِي الْأَيَّامِ يَعْرِفُهَا الْبَصِيرُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا * كَثِيرًا كَانَ شَأْنَهُمُ الْفُجُورُ وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ * فَيَرْبِلُ مِنْهُمُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَعْثُرُ ثَابَ يَوْمًا * كَمَا يتروح الْغُصْن النَّضِير وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمَنَ رَبِّي * لِيَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الْغَفُورُ فَتَقْوَى اللَّهِ رَبِّكُمُ احْفَظُوهَا * مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا لَا تَبُورُوا تَرَى الْأَبْرَارَ دَارُهُمُ جِنَانٌ * وَلِلْكُفَّارِ حَامِيَةٌ سَعِيرُ وَخِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا * يُلَاقُوا مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ هَذَا تَمَامُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَاد
стр. 181
قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عَزَلْتُ الْجِنَّ وَالْجِنَّانَ عَنِّي * كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا * وَلَا صَنَمَيْ بَنِي طَسْمٍ أُدِيرُ وَلَا غُنْمًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا * لَنَا فِي الدَّهْرِ إِذْ حِلْمِي صَغِيرُ أَرَبًّا وَاحِدًا أم ألف رب * أدين إِذا تقسمت الْأُمُورُ أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَفْنَى * رِجَالًا كَانَ شَأْنَهُمُ الْفُجُورُ وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ * فَيَرْبُو مِنْهُمُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَعْثُرُ ثَابَ يَوْمًا * كَمَا يَتَرَوَّحُ الْغُصْنُ النَّضِيرُ قَالَتْ: فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نُوفَلٍ: رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا * تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيًا لِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ * وَتَرْكِكَ جِنَانَ الْجِبَالِ كَمَا هِيَا أَقُولُ إِذَا أُهْبِطْتُ أَرْضًا مخوفة * جنانيك لَا تُظْهِرْ عَلَىَّ الْأَعَادِيَا حَنَانَيْكَ إِنَّ الْجِنَّ أَنْت (١) رجاؤهم * وَأَنْتَ إِلَهِي رَبَّنَا وَرَجَائِيَا لَتَدَّرِكَنَّ الْمَرْءَ رَحْمَةُ رَبِّهِ * وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيًا (٢) أَدِينُ لِرَبٍّ يَسْتَجِيبُ وَلَا أَرَى * أَدِينُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ الدَّهْرَ دَاعِيًا أَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُ فِي كُلِّ بَيْعَةٍ * تَبَارَكْتَ قَدْ أَكْثَرْتُ بِاسْمِكَ دَاعِيًا تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ هُوَ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَتَنَصَّرُوا إِلَّا زَيْدًا فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي شئ من الاديان، стр. 182
بَلْ بَقِيَ عَلَى فِطْرَتِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مُتَّبِعًا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَسَيَأْتِي خَبَرُهُ فِي أَوَّلِ الْمَبْعَثِ وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَأَقَامَ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ فِيهَا عِنْدَ قَيْصَرَ.
وَلَهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ ذَكَرُهُ الْأُمَوِيُّ، وَمُخْتَصَرُهُ: أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ على قَيْصر فَشَكا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ، كَتَبَ لَهُ إِلَى ابْنِ جَفْنَةَ مَلِكِ عَرَبِ الشَّامِ لِيُجَهِّزَ مَعَهُ جَيْشًا لِحَرْبِ قُرَيْشٍ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ الْأَعْرَابُ تَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا رَأَوْا مِنْ عَظَمَةِ مَكَّةَ وَكَيْفَ فَعَلَ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، فَكَسَاهُ ابْنُ جَفْنَةَ قَمِيصًا مَصْبُوغًا مَسْمُومًا فَمَاتَ مِنْ سُمِّهِ، فَرَثَاهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِشِعْرٍ ذَكَرَهُ الْأُمَوِيُّ، تَرَكْنَاهُ اخْتِصَارًا.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَو نَحْوهَا.
وَالله أعلم.
стр. 183
ذكر شئ مِمَّا وَقع مِنَ الَحَوَادِثِ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ
فَمِنْ ذَلِكَ بُنْيَانُ الْكَعْبَةِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَاهُ آدَمُ.
وَجَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَاهُ الْخَلِيلُ ﵇.
كَمَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ: ثُمَّ تَهَدَّمَ فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ، ثُمَّ تهدم فبنته جرهم، ثمَّ ثهدم فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ.
قُلْتُ: سَيَأْتِي بِنَاءُ قُرَيْشٍ لَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَلَغَ الْحُلُمَ.
وَسَيَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ
فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ.
ذِكْرُ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ يَجْمَعُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تسميه الْعَرُوبَةَ، فَيَخْطُبُهُمْ فَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَاسْمَعُوا وَتَعَلَّمُوا، وَافْهَمُوا وَاعْلَمُوا، لَيْلٌ سَاجٍ، وَنَهَارٌ ضَاحٍ وَالْأَرْضُ مِهَادٌ، وَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ، وَالنُّجُومُ أَعْلَامٌ، والاولون كالآخرين، والانثى وَالذكر، وَالزَّوْج (١) وَمَا يَهِيجُ إِلَى بِلًى، فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ، وَثَمِّرُوا أَمْوَالَكُمْ.
فَهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ رَجَعَ؟ стр. 184
أَوْ مَيِّتٍ نُشِرَ؟ الدَّارُ أَمَامَكُمْ، وَالظَّنُّ غَيْرُ مَا تَقُولُونَ، حَرَمُكُمْ زَيِّنُوهُ وَعَظِّمُوهُ وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ ثُمَّ يَقُولُ: نَهَارٌ وَلَيْلٌ كُلَّ يَوْمٍ بحادث * سَوَاء علينا لَيْلهَا ونهارها يؤوبان بالاحداث حِين تَأَوَّبَا * وَبِالنِّعَمِ الضَّافِي عَلَيْنَا سُتُورُهَا عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النَّبِي مُحَمَّد * فيخبر أَخْبَارًا صَدُوق خَبِيرُهَا ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهَا ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ، وَيَدٍ وَرِجْلٍ، لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تنصب الْجمل، ولارقلت فِيهَا إرقال الْفَحْل (١) .
ثمَّ يَقُول: يَا ليتنى شَاهدا فحواء (٢) دَعْوَتِهِ * حِينَ الْعَشِيرةُ تَبْغِي الْحَقَّ خِذْلَانًا قَالَ: وَكَانَ بَيْنَ مَوْتِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَسِتُّونَ سَنَةً.
ذِكْرُ تَجْدِيدِ حَفْرِ زَمْزَمَ
عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الَّتِي كَانَ قَدْ دَرَسَ رَسْمُهَا بَعْدَ طَمِّ جُرْهُمٍ لَهَا إِلَى زَمَانِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ [إِذْ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ] (٣) وَكَانَ أول مَا ابتدى بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ (٤) ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن ذرير (٥) الفافقى أَنه سمع стр. 185
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ لِي: احْفِرْ طِيبَةَ.
قَالَ: قُلْتُ وَمَا طِيبَةُ؟ قَالَ: ثمَّ ذهب عَنى.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ.
قَالَ: قُلْتُ وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ.
قَالَ قُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رجعت إِلَى مضجعي فَنمت فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ.
قَالَ: قُلْتُ وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ: لَا تنزف أبدا وَلَا تذم (١) ، تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَمَ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ (٢) .
قَالَ: فَلَمَّا بَين لَهُ (٣) شَأْنَهَا وَدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ، غَدًا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فحفر فِيهَا، فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيُّ (٤) كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا:
يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّهَا بِئْرُ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا.
قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ.
قَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا.
قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمْكُمْ إِلَيْهِ.
قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ (٥) قَالَ: نَعَمْ.
وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشَّام. стр. 186
فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ.
فَخَرَجُوا وَالْأَرْضُ إِذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِهَا نَفَدَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ، فَعَطِشُوا حَتَّى اسْتَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: إِنَّا بِمَفَازَةٍ وَإِنَّا نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رجل مِنْكُم حفرته لنَفسِهِ بِمَا لكم الْآنَ مِنَ الَقُوَّةِ، فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارَوْهُ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلًا وَاحِدًا فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ من ضَيْعَة ركب جَمِيعه.
فَقَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ.
فَحَفَرَ كُلُّ رَجُلٍ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عطشا.
ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لاصحابه: وَالله إِنَّ إِلْقَاءَنَا (١) بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ لَا نَضْرِبُ فِي الارض وَلَا نبتغى لانفسنا لعجز، فَعَسَى الله أَن يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد، ارتحلوا.
فَارْتَحَلُوا، حَتَّى إِذَا بَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَاحِلَتَهُ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشرب وَشرب أَصْحَابه واستسقوا حَتَّى ملاوا أَسْقِيَتَهُمْ
ثُمَّ دَعَا قَبَائِلَ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ: هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ.
فَجَاءُوا فَشَرِبُوا واستقوا كلهم، ثمَّ قَالُوا: قَدْ وَاللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا، وَاللَّهِ مَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا المَاء بِهَذِهِ الفلاوة هُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا.
فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ، وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي زَمْزَمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قيل لَهُ حِين أَمر بِحَفر زَمْزَم: стр. 187
ثمَّ ادْع باالماء الرِّوَى غَيْرِ الْكَدِرْ * يَسْقِي حَجِيجَ اللَّهِ فِي كل مبر (١) لَيْسَ يخَاف مِنْهُ شئ مَا عَمَرْ قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: تَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ زَمْزَمَ.
قَالُوا: فَهَلْ بُيِّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: لَا.
قَالُوا: فَارْجِعْ إِلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ، فَإِنْ يَكْ حَقًّا مِنَ اللَّهِ يُبَيِّنْ لَكَ، وَإِنْ يَكُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إِلَيْكَ.
فَرَجَعَ وَنَامَ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَم، وَإنَّك إِنْ حَفَرْتَهَا لَنْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمْ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذِمْ، تسقى الحجيج الاعظم، مثل نعام جافل (٢) لم يقسم، ينذر فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمْ (٣) .
تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمْ.
لَيْسَتْ كَبَعْضِ (٤) مَا قَدْ تَعْلَمْ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قِيلَ لَهُ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابُ غَدًا.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
قَالَ: فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ.
زَادَ الْأُمَوِيُّ: وَمَوْلَاهُ أَصْرَمُ.
فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ إِسَافٍ ونائلن اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ وَقَالَت: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذد عَنى حَتَّى أحفر، فو الله لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ.
فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ وَكَفُّوا عَنْهُ، فَلَمْ يَحْفِرْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَدَا لَهُ الطى فَكبر стр. 188
وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ، فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحفر وجد فِيهَا غزالين من ذهب اللَّذين كَانَتْ جُرْهُمٌ قَدْ دَفَنَتْهُمَا، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً وَأَدْرَاعَا.
فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ.
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نِصْفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ.
قَالُوا: وَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ وَلِي قَدَحَيْنِ وَلكم قدحين، فَمن خرج قدحاه على شئ كَانَ لَهُ، وَمن تخلف قدحاه فَلَا شئ لَهُ.
قَالُوا: أَنْصَفْتَ.
فَجَعَلَ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ وَلَهُ أَسْوَدَيْنِ وَلَهُمْ أَبْيَضَيْنِ، ثُمَّ أَعْطَوُا الْقِدَاحَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ هُبَلَ - وَهُبَلُ أَكْبَرُ أَصْنَامِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ.
يَعْنِي هَذَا الصَّنَمَ - وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ.
وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَعَلَ يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْت الْملك الْمَحْمُود * ربى أَنْت الْمُبْدِئُ الْمُعيِدْ وَمُمْسِكُ الرَّاسِيَةِ الْجُلْمُودْ * مِنْ عَنْدِكَ الطَّارِفُ وَالتَّلِيدْ إِنْ شِئْتَ أَلْهَمْتَ كَمَا تُرِيدْ * لِمَوْضِعِ الْحِلْيَةِ وَالْحَدِيدْ
فَبَيِّنِ الْيَوْمَ لِمَا تُرِيدْ * إنى نذرت العاهد الْمَعْهُود اجْعَلْهُ رب لى فَلَا أَعُودْ قَالَ وَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الاصفران على الغزالين لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَخَلَّفَ قَدَحَا قُرَيْشٍ.
فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الاسياف بَابا للكعبة، وَضرب فِي الْبَاب الغزالين مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حُلِّيَتْهُ الْكَعْبَةُ (١) فِيمَا يَزَعُمُونَ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَن مَكَّة كَانَ стр. 189
فِيهَا بئار كَثِيرَةٌ قَبْلَ ظُهُورِ زَمْزَمَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ عَدَّدَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَسَمَّاهَا وَذَكَرَ أَمَاكِنَهَا مِنْ مَكَّةَ وَحَافِرِيهَا، إِلَى أَنْ قَالَ: فَعَفَتْ زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ كُلِّهَا وَانْصَرَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنَ الْمِيَاهِ، وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلِّهَا وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي زَمْزَمَ: " إِنَّهَا لَطَعَامُ طُعْمٍ.
وَشِفَاءُ سُقْمٍ ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَاءُ زَمْزَمَ لما شرب مِنْهُ ".
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَلَفْظُهُ: " مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ ".
وَرَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبى الموالى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ " وَلَكِنْ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ضَعِيفٌ.
وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ " وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْ زَمْزَمَ فَاسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ".
стр. 190
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَدَّدَ حَفْرَ زَمْزَمَ كَمَا قَدَّمْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ حِينَ احْتَفَرَ زَمْزَمَ.
قَالَ: لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ وَهِيَ لِشَارِبٍ حل وبل.
وَذَلِكَ أَنه جعل لَهَا حوضتين حَوْضًا لِلشُّرْبِ، وَحَوْضًا لِلْوُضُوءِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، لِيُنَزِّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ أَنْ يُغْتَسَلَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَوْلُهُ " وَبِلٌّ " إِتْبَاعٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالْإِتْبَاعُ لَا بِكَوْن بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِنَّ " بِلَّ " بِلُغَةِ حِمْيَرَ: مُبَاحٌ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النجُود، أَنه سمع زرا أَنَّهُ سَمِعَ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَهَذَا صَحِيح إِلَيْهِمَا، وكأنهما يَقُولَانِ ذَلِكَ فِي أَيَّامِهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ وَالْإِعْلَامِ بِمَا اشْتَرَطَهُ
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ حَفْرِهِ لَهَا، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانَتِ السِّقَايَةُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى ابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ مُدَّةً، ثُمَّ اتُّفِقَ أَنَّهُ أَمْلَقَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ فَاسْتَدَانَ مِنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ عَشَرَةَ آلَافٍ إِلَى الْمَوْسِمِ الْآخَرِ، وَصَرَفَهَا أَبُو طَالِبٍ فِي الْحَجِيجِ فِي عَامِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسِّقَايَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِي طَالب شئ، فَقَالَ لِأَخِيهِ الْعَبَّاسِ: أَسْلِفْنِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا أَيْضًا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ أُعْطِيكَ جَمِيعَ مَالِكَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: بِشَرْطِ إِنْ لَمْ تُعْطِنِي تَتْرُكِ السِّقَايَةَ لِي أَكْفِكَهَا.
فَقَالَ: نَعَمْ.
стр. 191
فَلَمَّا جَاءَ الْعَالم الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِي طَالِبٍ مَا يُعْطِي الْعَبَّاسَ، فَتَرَكَ لَهُ السِّقَايَةَ فَصَارَتْ إِلَيْهِ، ثمَّ بَعْدِهِ صَارَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَدِهِ ثُمَّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ إِلَى دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ إِلَى عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَخَذَهَا الْمَنْصُورُ وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا مَوْلَاهُ أَبَا رَزِينٍ.
ذَكَرَهُ الْأُمَوِيُّ.
ذِكْرُ نَذْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذَبْحَ أَحَدِ وَلَدِهِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ ثُمَّ بلغُوا مَعَه حَتَّى يمنعوه لَيَذْبَحَن أَحَدَهُمْ لِلَّهِ عِنْدِ الْكَعْبَةِ.
فَلَمَّا تَكَامَلَ بَنُوهُ عَشَرَةً.
وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، وَهُمُ: الْحَارِثُ، وَالزُّبَيْرُ، وَحَجْلٌ، وَضِرَارٌ، وَالْمُقَوَّمُ، وَأَبُو لَهَبٍ، وَالْعَبَّاسُ، وَحَمْزَةُ، وَأَبُو طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بنذره ودعاهم إِلَى الْوَفَاء لله عزوجل بِذَلِكَ.
فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ ثُمَّ ائْتُونِي.
فَفَعَلُوا ثُمَّ أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بهم على هُبل فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ، وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، وَهِيَ الْأَزْلَامُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ
إِلَيْهَا إِذَا أَعْضَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مِنْ عَقْلٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، جَاءُوهُ فَاسْتَقْسَمُوا بِهَا فَمَا أَمَرَتْهُمْ بِهِ أَوْ نَهَتْهُمْ عَنْهُ امْتَثَلُوهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا جَاءَ يَسْتَقْسِمُ بِالْقِدَاحِ عِنْدَ هُبَلَ خَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إِلَى إِسَافٍ وَنَائِلَةَ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ
стр. 192
يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ: قُرَيْش وَبَنوهُ إخْوَة عبد الله: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، لَئِن فعلت هَذَا لَا يزَال الرجل يجِئ بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا؟ ! وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْعَبَّاسَ هُوَ الَّذِي اجْتَذَبَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ تَحْتِ رِجْلِ أَبِيهِ حِينَ وَضَعَهَا عَلَيْهِ لِيَذْبَحَهُ، فَيُقَالَ إِنَّهُ شَجَّ وَجْهَهُ شَجَّا لَمْ يَزَلْ فِي وَجْهِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
ثُمَّ أَشَارَتْ قُرَيْشٌ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْحِجَازِ فَإِنَّ بِهَا عَرَّافَةً لَهَا تَابِعٌ، فَيَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، إِنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ وَلَهُ فِيهِ مَخْرَجٌ قَبِلْتَهُ.
فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ فَوَجَدُوا الْعَرَّافَةَ وَهِيَ سَجَاحُ، فِيمَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِخَيْبَرَ، فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا فَسَأَلُوهَا وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، فَقَالَتْ لَهُمُ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ.
فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُمْ قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ.
وَكَانَتْ كَذَلِكَ.
قَالَتْ: فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ.
ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنَ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ
عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.
فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا فَلم يزَالُوا يزِيدُونَ عَشْرًا وَيَخْرُجُ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ على الابل،
стр. 193
فَقَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ: قَدِ انْتَهَى رضى رَبك يَا عبد الْمطلب.
فَعندهَا زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: لَا حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
فَضَرَبُوا ثَلَاثًا وَيَقَعُ الْقِدْحُ فِيهَا عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إِنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَال: وَلَا سبع.
وَقد روى أَنه لما بلغت الابل مائَة خرج الْقدح عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا، فَزَادُوا مِائَةً أُخْرَى حَتَّى بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا مِائَةً أُخْرَى فَصَارَتِ الْإِبِلُ ثَلَاثَمِائَةٍ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ فَنَحَرَهَا عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ أَنَّهَا نَذَرَتْ ذَبْحَ وَلَدِهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهَا بِذَبْحِ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَذَكَرَ لَهَا هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَسَأَلَتْ عَبْدَ اللَّهِ بن عمر فَلم يفتها بشئ بَلْ تَوَقَّفَ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَمْ يُصِيبَا الْفُتْيَا.
ثُمَّ أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَعْمَلَ مَا استطاعت من خير، وَنَهَاهَا عَنْ ذَبْحِ وَلَدِهَا وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِذَبْحِ الْإِبِلِ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ مَرْوَانَ بِذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ تَزْوِيجِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ
مِنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الزُّهْرِيَّةِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آخِذًا بِيَدِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَرَّ بِهِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وهى أم قتال أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِهِ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ
стр. 194
يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي.
قَالَتْ: لَكَ مِثْلُ الْإِبِلِ الَّتِي نُحِرَتْ عَنْكَ وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ.
قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي وَلَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ وَلَا فِرَاقَهُ.
فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالب بن فهر، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ سِنًّا وَشَرَفًا، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَةُ نِسَاءِ قَوْمِهَا.
فَزَعَمُوا أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أُمْلِكَهَا مَكَانَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عرضت، فَقَالَ لَهَا: مَالك لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ بِالْأَمْسِ؟ قَالَتْ لَهُ: فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَك بالامس فَلَيْسَ لى بك حَاجَة (١) وَكَانَت تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ، أَنَّهُ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ، فَطَمِعَتْ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَشْرَفِ عُنْصُرٍ وَأَكْرَمِ مَحْتَدٍ وَأَطْيَبِ أَصْلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسَالَته " وَسَنذكر المولد مفصلا.
وَمِمَّا قَالَت أم قتال بِنْتُ نَوْفَلٍ مِنَ الشِّعْرِ، تَتَأَسَّفُ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي رَامَتْهُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ﵀: عَلَيْكَ بَآلِ زُهْرَةَ حَيْثُ كَانُوا * وَآمِنَةَ الَّتِي حَمَلَتْ غُلَامَا تَرَى الْمَهْدِيَّ حِينَ نَزَا عَلَيْهَا * وَنُورًا قد تقدمه أماما стр. 195
[إِلَى أَنْ قَالَتْ] : فَكُلُّ الْخَلْقِ يَرْجُوهُ جَمِيعًا * يَسُودُ النَّاسَ مُهْتَدِيًا إِمَامَا بَرَاهُ اللَّهُ مِنْ نور صفاه * فَأَذْهَبَ نُورُهُ عَنَّا الظَّلَامَا وَذَلِكَ صُنْعُ رَبِّكَ إِذْ حَبَاهُ * إِذَا مَا سَارَ يَوْمًا أَوْ أَقَامَا فَيَهْدِي أَهْلَ مَكَّةَ بَعْدَ كُفْرٍ * وَيَفْرِضُ بعد ذَلِكُم الصبياما (١) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد ابْن عُمَارَةَ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا انْطَلَقَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ مَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ مُتَهَوِّدَةٍ قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ، يُقَالَ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَرَأَتْ نُورَ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ يَا فَتَى هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْآنَ وَأُعْطِيكَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهْ * وَالْحِلُّ لَا حِلٌّ فَأَسْتَبِينَهْ فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الذى تبغينه ثُمَّ مَضَى مَعَ أَبِيهِ فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بَنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا.
ثُمَّ إِنَّ نَفْسَهُ دَعَتْهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْكَاهِنَةُ فَأَتَاهَا فَقَالَتْ: مَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ فَأَخْبَرَهَا.
فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِيَّ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ.
ثُمَّ أَنْشَأَتْ فَاطِمَةُ تَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُ مُخِيلَةً لَمَعَتْ * فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ (٢) الْقطر стр. 196
فلمأتها (١) نورا يضئ لَهُ * مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ وَرَجَوْتُهَا فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ * مَا كُلُّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي لَلَّهِ مَا زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ * ثَوْبَيْكَ مَا اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي وَقَالَتْ فَاطِمَةُ أَيْضًا: بَنِي هَاشِمٍ قَدْ غَادَرَتْ مِنْ أَخِيكُمْ * أَمِينَةُ إِذْ لِلْبَاهِ يَعْتَرِكَانِ كَمَا غَادَرَ الْمِصْبَاحَ عِنْدَ خُمُودِهِ * فَتَائِلُ قَدْ مِيثَتْ (٢) لَهُ بِدِهَانِ وَمَا كُلُّ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ تِلَادِهِ * بَحَزْمٍ وَلَا مَا فَاتَهُ لِتَوَانِي فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْرًا فَإِنَّهُ * سَيَكْفِيكَهُ جِدَّانِ يَعْتَلِجَانِ سَيَكْفِيكَهُ إِمَّا يِدٌ مُقْفَعِلَّةٌ (٣) * وَإِمَّا يَدٌ مَبْسُوطَةٌ بِبَنَانِ وَلَمَّا حَوَتْ مِنْهُ أَمِينَةُ مَا حَوَتْ * حَوَتْ مِنْهُ فَخْرًا مَا لذَلِك ثَان وروى الامام أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: إِن عبد الملب قَدِمَ الْيَمَنَ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ، فَنَزَلَ عَلَى حَبْرٍ مِنَ الْيَهُودِ.
قَالَ: فَقَالَ لِي رَجُلٌ من أهل الديور - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ -: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى بَعْضِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً.
قَالَ: فَفَتَحَ إِحْدَى مَنْخَرَيَّ فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي الْآخَرِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فِي إِحْدَى يَدَيْكَ مُلْكًا وَفِي الْأُخْرَى نُبُوَّةً، وَإِنَّا نَجِدُ ذَلِكَ فِي بَنِي زُهْرَةَ فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي.
قَالَ: стр. 197
هَلْ لَكَ مِنْ شَاعَةٍ؟ قُلْتُ وَمَا الشَّاعَةُ؟ قَالَ: زَوْجَةٌ.
قُلْتُ: أَمَّا الْيَوْمُ فَلَا.
قَالَ: فَإِذَا رَجَعْتَ فَتَزَوَّجْ فِيهِمْ.
فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَتزَوج هَالة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة، فَوَلَدَتْ حَمْزَةَ وَصْفِيَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَوَلَدَتْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بِآمِنَةَ: فَلَجَ، أَيْ فَازَ وَغَلَبَ، عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَبِيهِ عبد الْمطلب.
стр. 198
كِتَابُ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذِكْرُ أَيَّامِهِ وَغَزَوَاتِهِ وَسَرَايَاهُ وَالْوُفُودِ إِلَيْهِ وَشَمَائِلِهِ وَفَضَائِلِهِ وَدَلَائِلِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ
стр. 199
بَابُ ذِكْرِ نَسَبِهِ الشَّرِيفِ وَطِيبِ أَصْلِهِ الْمُنِيفِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسَالَته ".
وَلما سَأَلَ هِرقل ملك الرّوم لابي سُفْيَانَ تِلْكَ الْأَسْئِلَةَ عَنْ صِفَاتِهِ ﵊، قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.
قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تَبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا.
يَعْنِي فِي أَكْرَمِهَا أَحْسَابًا وَأَكْثَرِهَا قَبِيلَةً.
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
فَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَفَخْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَبُو الْقَاسِمِ، وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ، مُحَمَّدُ، وَأَحْمَدُ، وَالْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِهِ الْكُفْرُ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي مَا بَعْدَهُ نَبِيٌّ، وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ (١) ، وَالْمُقَفَّى، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَخَاتَمُ
النَّبِيِّينَ، وَالْفَاتِحُ، وَطه، وَيس، وَعَبْدُ اللَّهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَزَادَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ رَسُولًا، نَبِيًّا، أُمِّيًّا (٢) ، شَاهِدًا، مُبَشِّرًا، نَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا.
ورؤوفا رَحِيمًا، وَمُذَكِّرًا، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً وَنِعْمَةً وَهَادِيًا.
وَسَنُورِدُ الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ فِي أَسْمَائِهِ ﵊ فِي بَابٍ نَعْقِدُهُ بَعْدَ فَرَاغِ السِّيرَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ، اعْتَنَى بِجَمْعِهَا الْحَافِظَانِ الْكَبِيرَانِ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر، وأفرد النَّاس فِي ذَلِك стр. 200
مُؤَلَّفَاتٍ، حَتَّى رَامَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ ﵊ أَلْفَ اسْمٍ، وَأَمَّا الْفَقِيهُ الْكَبِير أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ المالكى شازح التِّرْمِذِيّ بكتابه الذى سَمَّاهُ " عارضة الْأَحْوَذِيَّ " فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ اسْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ الذَّبِيحُ الثَّانِي الْمَفْدِىُّ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ أَجْمَلَ رِجَالِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ أَخُو الْحَارِثِ، وَالزُّبَيْرِ، وَحَمْزَةَ، وَضِرَارٍ وَأَبِي طَالب، واسْمه عبد ماف، وَأَبِي لَهَبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، وَالْمُقَوَّمِ، وَاسْمُهُ عبد الْكَعْبَة، وَقيل هما اثْنَان، حجل وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ، وَالْغَيْدَاقِ وَهُوَ كَثِيرُ الْجُودِ، وَاسْمُهُ؟ وفل، وَيُقَال إِنَّه حجل.
فَهَؤُلَاءِ أَعْمَامُهُ ﵊.
وَعَمَّاتُهُ سِتٌّ، وَهُنَّ: أَرْوَى، وَبَرَّةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَصَفِيَّةُ، وَعَاتِكَةُ، وَأُمُّ حَكِيمٍ - وَهِيَ الْبَيْضَاءُ - وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
كلهم أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُهُ شَيْبَةُ، يُقَالَ: لِشَيْبَةٍ كَانَتْ فِي رَأْسِهِ، وَيُقَالَ لَهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ لِجُودِهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ أَبَاهُ هَاشِمًا لَمَّا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فِي تِجَارَتِهِ إِلَى الشَّامِ
نَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ خِدَاشِ بْنِ خندف بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ الْخَزْرَجِيِّ النَّجَّارِيِّ، وَكَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، فَأَعْجَبَتْهُ ابْنَتُهُ سَلْمَى فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ مُقَامَهَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ: بَلِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَلِدَ إِلَّا عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ بَنَى بِهَا وَأَخَذَهَا مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ فِي تِجَارَةٍ أَخَذَهَا مَعَهُ وَهِيَ حُبْلَى، فَتَرَكَهَا بِالْمَدِينَةِ وَدَخَلَ الشَّامَ فَمَاتَ بِغَزَّةَ، وَوَضَعَتْ سَلْمَى وَلَدَهَا فَسَمَّتْهُ شَيْبَةُ، فَأَقَامَ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ سَبْعَ سِنِينَ.
ثُمَّ جَاءَ عَمُّهُ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ فَأَخَذَهُ خُفْيَةً مِنْ أُمِّهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا رَآهُ
стр. 201
النَّاسُ وَرَأَوْهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَالُوا: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: عَبْدِي.
ثُمَّ جَاءُوا فَهَنَّئُوهُ بِهِ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِذَلِكَ.
فَغَلَبَ عَلَيْهِ.
وَسَادَ فِي قُرَيْشٍ سِيَادَةً عَظِيمَةً وَذَهَبَ بِشَرَفِهِمْ وَرِئَاسَتِهِمْ، فَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ إِلَيْهِ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ بَعْدَ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ الَّذِي جدد حفر زَمْزَم بعد مَا كَانَتْ مَطْمُومَةً مَنْ عَهْدِ جُرْهُمٍ، وَهُوَ أَوَّلُ من طلى الْكَعْبَةَ بِذَهَبٍ فِي أَبْوَابِهَا مِنْ تَيْنَكَ الْغَزَالَتَيْنِ من ذهب اللَّتَيْنِ وَجَدَهُمَا فِي زَمْزَمَ مَعَ تِلْكَ الْأَسْيَافِ الْقَلْعِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ (١) : وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَخُو أَسَدٍ وَنَضْلَةَ (٢) وَأَبِي صَيْفِيٍّ وَحَيَّةَ وَخَالِدَةَ وَرُقَيَّةَ وَالشِّفَاءِ وَضَعِيفَةَ.
كُلُّهُمْ أَوْلَادُ هَاشِمٍ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَاشِمًا لَهَشْمِهِ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ لِقَوْمِهِ فِي سِنِي الْمَحْلِ، كَمَا قَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْب الخزاعى فِي قصيدته، وَقيل للزبعرى وَالِد عبد الله: عَمْرو الذى (٣) هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ * وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ سُنَّتْ إِلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا * سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ رِحْلَتَيِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِيهِ.
وَحَكَى ابْن جرير أَنه كَانَ توأم أَخِيهِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأَنَّ هَاشِمًا خَرَجَ وَرِجْلُهُ مُلْتَصِقَةٌ بِرَأْسِ عَبْدِ شَمْسٍ،
فَمَا تَخَلَّصَتْ حَتَّى سَالَ بَيْنَهُمَا دَمٌ، فَقَالَ النَّاسُ: بِذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ أَوْلَادِهِمَا حُرُوبٌ، فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ سَنَةَ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة من الْهِجْرَة. стр. 202
وَشَقِيقُهُمُ الثَّالِثُ الْمُطَّلِبُ، وَكَانَ الْمُطَّلِبُ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيه، وأمهم عَاتِكَة بنت مرّة ابْن هِلَالٍ.
وَرَابِعُهُمْ نَوْفَلٌ مِنْ أُمٍّ أُخْرَى، وَهِيَ واقدة بنت عَمْرو المازنية، وَكَانُوا قَدْ سَادُوا قَوْمَهُمْ بَعْدَ أَبِيهِمْ وَصَارَتْ إِلَيْهِمُ الرِّيَاسَةُ، وَكَانَ يُقَالَ لَهُمْ الْمُجِيرُونَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا لِقَوْمِهِمْ قُرَيْشٍ الْأَمَانَ مِنْ مُلُوكِ الْأَقَالِيمِ لِيَدْخُلُوا فِي التِّجَارَاتِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَكَانَ هَاشِمٌ قَدْ أَخَذَ أَمَانًا مِنْ مُلُوكِ الشَّامِ وَالرُّومِ وَغَسَّانَ، وَأَخْذَ لَهُمْ عَبْدُ شَمْسٍ مِنَ النَّجَاشِيِّ الْأَكْبَرِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَأَخَذَ لَهُمْ نَوْفَلٌ مِنَ الْأَكَاسِرَةِ، وَأَخْذَ لَهُمُ الْمُطَّلِبُ أَمَانًا مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ.
وَلَهُمْ يَقُولُ الشَّاعِرُ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَهُ * ألَّا نَزَلْتَ بَآلِ عِبْدِ مَنَافِ وَكَانَ إِلَى هَاشِمٍ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ بَعْدَ أَبِيهِ، وَإِلَيْهِ وَإِلَى أَخِيه المطالب نَسَبُ ذَوِي الْقُرْبَى، وَقَدْ كَانُوا شَيْئًا وَاحِدًا فِي حَالَتِيِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ لَمْ يَفْتَرِقُوا، وَدَخَلُوا مَعَهُمْ فِي الشِّعْبِ، وَانْخَذَلَ عَنْهُمْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ.
وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ: جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا * عُقُوبَةَ شَرٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجَلٍ وَلَا يُعْرَفُ بَنُو أَبٍ تَبَايَنُوا فِي الْوَفَاةِ مِثْلُهُمْ، فَإِنَّ هَاشِمًا مَاتَ بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ،
وَعَبْدَ شمس مَاتَ بِمَكَّة، وَنَوْفَل مَاتَ بِسَلْمَانَ (١) مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَمَاتَ الْمُطَّلِبُ، وَكَانَ يُقَالَ لَهُ الْقَمَرُ لِحُسْنِهِ، بِرَدْمَانَ (٢) مِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ.
فَهَؤُلَاءِ الْإِخْوَةُ الْأَرْبَعَةُ الْمَشَاهِيرُ وَهُمْ هَاشِمٌ، وَعَبْدُ شَمْسٍ، وَنَوْفَلٌ، وَالْمُطَّلِبُ.
وَلَهُمْ أَخٌ خَامِسٌ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو وَاسْمُهُ عَبْدٌ، وَأَصْلُ اسْمِهِ عَبْدُ قُصَيٍّ.
فَقَالَ النَّاسُ عَبْدُ بْنُ قُصَيٍّ، دَرَجَ وَلَا عَقِبَ لَهُ.
قَالَه الزبير بن بكار وَغَيره. стр. 203
وَأَخَوَاتٌ سِتٌّ وَهُنَّ، تُمَاضِرُ، وَحَيَّةُ، وَرَيْطَةُ، وَقِلَابَةُ، وَأُمُّ الْأَخْثَمِ وَأُمُّ سُفْيَانَ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمُنَافٌ اسْمُ صَنَمٍ، وَأَصْلُ اسْمِ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةُ.
وَكَانَ قَدْ رَأَسَ فِي زَمَنِ وَالِدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ الشَّرَفُ كُلَّ مَذْهَبٍ.
وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الدَّارِ الَّذِي كَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِيهِ وَإِلَيْهِ أَوْصَى بِالْمَنَاصِبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
عبد الْعُزَّى وَعَبْدٍ وَبَرَّةَ وَتَخْمُرَ، وَأُمُّهُمْ كُلِّهِمْ حُبَّى بنت حليل بن حبشية (١) بن سلول بن كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ، وَأَبُوهَا آخِرُ مُلُوكِ خُزَاعَةَ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ مِنْهُمْ.
وَكُلُّهُمْ أَوْلَادُ قُصَيٍّ وَاسْمُهُ زَيْدٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَبِيهِ بِرَبِيعَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ عُذْرَةَ فَسَافَرَ بِهَا إِلَى بِلَادِهِ وَابْنُهَا صَغِيرٌ فَسُمِّيَ قُصَيًّا لِذَلِكَ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ كَبِيرٌ وَلَمَّ شَعَثَ قُرَيْشٍ وَجَمَعَهَا مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ الْبِلَادِ، وَأَزَاحَ يَدَ خُزَاعَةَ عَنِ الْبَيْتِ، وَأَجْلَاهُمْ عَنْ مَكَّةَ وَرَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَصَارَ رَئِيسَ قُرَيْشٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَكَانَتْ إِلَيْهِ الرفادة (٢) والسقاية، وَهُوَ سنّهَا، وَالسَّدَانَةُ وَالْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ، وَدَارُهُ دَارُ النَّدْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ كُلِّهُ.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ: قصي لعمري كَانَ يدعى مجمعا * بِهِ جمع اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ
وَهُوَ أَخُو زُهْرَةَ، كِلَاهُمَا ابْن كِلَابٍ أَخِي تَيْمٍ، وَيَقَظَةَ أَبِي مَخْزُومٍ.
ثَلَاثَتُهُمْ أَبْنَاءُ مُرَّةَ أَخِي عَدِيٍّ وَهُصَيْصٍ.
وَهُمْ أَبْنَاءُ كَعْبٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ قَوْمَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ وَيُبَشِّرُهُمْ بِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُنْشِدُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا كَمَا قَدَّمَنَا.
وَهُوَ أَخُو عَامِرٍ وَسَامَةَ وَخُزَيْمَةَ وَسَعْدٍ وَالْحَارِثِ وَعَوْفٍ، سَبْعَتُهُمْ أَبْنَاءُ لُؤَيٍّ أَخِي تَيْمٍ الادرم.
وهما أَبنَاء غَالب أخى الْحَارِث стр. 204
وَمُحَارِبٍ.
ثَلَاثَتُهُمْ أَبْنَاءُ فِهْرٍ، وَهُوَ أَخُو الْحَارِثِ، وَكِلَاهُمَا ابْنُ مَالِكٍ.
وَهُوَ أَخُو الصَّلْتِ وَيَخْلُدَ، وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ الَّذِي إِلَيْهِ جِمَاعُ قُرَيْشٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَخُو مَالِكٍ وَمِلْكَانَ وَعَبْدِ مَنَاةَ وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ أَوْلَادُ كِنَانَةَ أَخِي أَسَدٍ وَأَسَدَةَ وَالْهَوْنِ، أَوْلَادِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ أَخُو هُذَيْلٍ.
وَهُمَا ابْنَا مُدْرِكَةَ، وَاسْمُهُ عَمْرٌو، أَخُو طَابِخَةَ وَاسْمُهُ عَامِرٌ، وَقَمَعَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ أَبْنَاءُ إِلْيَاسَ، وَأَخُو إِلْيَاسَ هُوَ عَيْلَانُ وَالِدُ قَيْسٍ كُلِّهَا، وَهُمَا وَلَدَا مُضَرَ أَخِي رَبِيعَةَ.
وَيُقَالَ لَهُمَا الصَّرِيحَانِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَخَوَاهُمَا أَنْمَارٌ وَإِيَادٌ تَيَامَنَا، أَرْبَعَتُهُمْ أَبْنَاءُ نِزَارٍ أَخِي قُضَاعَةَ، فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قُضَاعَةَ حِجَازِيَّةٌ عَدْنَانِيَّةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
كِلَاهُمَا أَبْنَاءُ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
وَهَذَا النَّسَبُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَجَمِيعُ قَبَائِلِ عَرَبِ الْحِجَازِ يَنْتَهُونَ إِلَى هَذَا النَّسَبِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: " قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ": لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَسَبٌ يَتَّصِلُ بِهِمْ.
وَصَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فِيمَا قَالَ وَأَزْيَدَ مِمَّا قَالَ.
وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْعَدْنَانِيَّةِ تَنْتَهِي إِلَيْهِ بِالْآبَاءِ وَكثير مِنْهُم بالامهات أَيْضا، كَمَا ذكره مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي أُمَّهَاتِهِ وَأُمَّهَاتِ آبَائِهِ وأمهاتهم مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
وَقَدْ حَرَّرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵀ وَالْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَةِ عَدْنَانَ نَسَبَهُ وَمَا قِيلَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ لَا مَحَالَةَ، وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي كم أَب بَينهمَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ قَدْ بَسَطْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَقِيَّةَ النَّسَبِ مَنْ عَدْنَانَ إِلَى آدَمَ، وَأَوْرَدْنَا قَصِيدَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِئِ الْمُتَضَمِّنَةَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ عَرَبِ الْحجاز وَللَّه الْحَمد.
стр. 205
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي أَوَّلِ تَارِيخِهِ عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا مَبْسُوطًا جَيِّدًا مُحَرَّرًا نَافِعًا (١) .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي انْتِسَابِهِ ﵇ إِلَى عَدْنَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلَكِنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمُقْرِئُ، بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى بَكَّارُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد ابْن مُوسَى بن سعد، إِمْلَاءً سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْقَلَانِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُدَامِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.
قَالَ: بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ رِجَالًا مِنْ كِنْدَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْهُ وَأَنَّهُ مِنْهُمْ فَقَالَ " إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب فيأمنا بِذَلِكَ، وَإِنَّا لَنْ نَنْتَفِيَ مِنْ آبَائِنَا، نَحْنُ بَنو النَّضر ابْن كِنَانَةَ ".
قَالَ: وَخَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ " أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ ابْن مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ، وَمَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إِلَّا جَعَلَنِي الله فِي خيرهما، فأخرجت من بَين أبوى فَلم يصبنى شئ مِنْ عُهْرِ
الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي وَأُمِّي، فَأَنَا خَيْرُكُمْ نَفْسًا، وَخَيْرَكُمْ أَبًا ".
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ.
تَفَرَّدَ بِهِ الْقُدَامِىُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَلَكِنْ سَنَذْكُرُ لَهُ شَوَاهِدَ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ. стр. 206
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ " خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ " قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم " قَالَ: لم يصبهُ شئ من ولادَة الْجَاهِلِيَّة.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنِّي خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاق الصنعانى، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَنِي مِنَ النِّكَاحِ وَلَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ السِّفَاحِ ".
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مَوْصُولًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْعَدَنِيُّ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي، وَلَمْ يُصِبْنِي من سفاح الْجَاهِلِيَّة شئ ".
هَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ.
وَقَالَ هُشَيْمٌ: حَدَّثَنَا الْمَدِينِيُّ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا وَلَدَنِي مِنْ نِكَاح أهل الْجَاهِلِيَّة شئ، مَا وَلَدَنِي إِلَّا نِكَاحٌ كَنِكَاحِ الْإِسْلَامِ ".
وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، ثُمَّ أسْندهُ من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة، فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 207
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمِّهِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ ".
ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ " قَالَ: مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أُخْرِجْتُ نَبِيًّا ".
وَرَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَمٍّ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِنَّ سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى بُعِثْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: بَلَغَهُ ﷺ وَبَعض مَا يَقُول النَّاس قَالَ: " فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: مَنْ أَنَا؟ " قَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: " أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ
стр. 208
خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ فِرْقَةٍ، وَخَلَقَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ قَبِيلَةٍ، وَجَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيْتًا وَخَيْرُكُمْ نَفْسًا " (١) صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشًا إِذَا الْتَقَوْا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْبَشَاشَةِ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِوُجُوهٍ لَا نَعْرِفُهَا.
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشًا جَلَسُوا فَتَذَاكَرُوا أَحْسَابَهُمْ فَجَعَلُوا مَثَلَكَ كَمَثَلِ نَخْلَةٍ فِي كَبْوَةٍ (٢) مِنَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَوْمَ خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا فَرَّقَهُمْ [قَبَائِلَ] جَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ حِينَ جَعَلَ الْبُيُوتَ جَعَلَنِي فِي خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا ".
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَبَّاسَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بن عبد الله،
عَن الاعمش، عَن عليلة بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِن اللَّهَ قَسَمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا.
قسما، فَذَلِك قَوْله: " وَأَصْحَاب стр. 209
الْيَمين " " وَأَصْحَاب الشمَال "، فَأَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَنَا خَيْرُ أَصْحَابِ الْيَمين، ثمَّ جعل الْقسمَيْنِ أَثلَاثًا فجعلني خَيرهَا ثلثا، فَذَلِك قَوْله " وَأَصْحَاب الميمنة " " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ " فَأَنَا مِنَ السَّابِقِينَ، وَأَنَا خَيْرُ السَّابِقِينَ.
ثُمَّ جعل الا ثَلَاث قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا قَبِيلَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُم إِن الله عليم خَبِير " وَأَنَا أَتْقَى وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ.
ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتًا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا (١) " فَأَنَا وَأَهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ، خَالِ وَلَدِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّا لَقُعُودٌ بِفِنَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ مَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هَذِهِ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَثَلُ مُحَمَّدٍ فِي بَنِي هَاشِمٍ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ فِي وَسَطِ النَّتَنِ.
فَانْطَلَقَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ .
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ.
فَقَالَ " مَا بَالُ أَقْوَالٍ تَبْلُغُنِي عَنْ أَقْوَامٍ؟ ! إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا فَاخْتَارَ الْعَلْيَاءَ مِنْهَا فَأَسْكَنَهَا مَنْ شَاءَ
مَنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَاخْتَارَ مِنَ الْخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وَاخْتَارَ مِنْ بَنِي آدَمَ الْعَرَب، стр. 210
وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ مُضَرَ، وَاخْتَارَ مِنْ مُضَرَ قُرَيْشًا، وَاخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاخْتَارَنِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ، فَمَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَب فببغضي أبْغضهُم ".
هَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ".
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَالَ لِي جِبْرِيلُ: قَلَبْتُ الْأَرْضَ مِنْ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا فَلَمْ أَجِدْ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَقَلَبْتُ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ".
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي رُوَاتِهَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَبَعْضُهَا يُؤَكِّدُ بَعْضًا، وَمَعْنَى جَمِيعِهَا يَرْجِعُ إِلَى حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ يَمْتَدِحُ النَّبِيَّ ﷺ : إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ * فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّهَا وَصَمِيمُهَا فَإِنْ حُصِّلَتْ أَشْرَافُ عَبْدِ مَنَافِهَا * فَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُهَا وَقَدِيمُهَا وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا * هُوَ الْمُصْطَفَى مِنْ سِرِّهَا وَكَرِيمُهَا تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ غَثُّهَا وَسَمِينُهَا * عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وَطَاشَتْ حُلُومُهَا وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً * إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
وَنَحْمِي حِمَاهَا كُلَّ يَوْمٍ كَرِيهَةٍ * وَنَضْرِبُ عَنْ أَجْحَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا
стр. 211
بِنَا انْتَعَشَ الْعُودُ الذَّوَاءُ وَإِنَّمَا * بِأَكْنَافِنَا تَنْدَى وتنمى أرومها وَقَالَ أَبُو السكن زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الطَّائِيُّ فِي الْجُزْءِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ الْمَشْهُور: حَدَّثَنى عمر بن أَبى زحر بن حُصَيْن، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، قَالَ: قَالَ جَدِّي خُرَيْمُ بْنُ أَوْسٍ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ، فَأَسْلَمْتُ، فَسَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ، لَا يَفْضُضِ اللَّهُ فَاكَ.
فَأَنْشَأَ يَقُولُ: مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي * مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بشر أَن * - ت وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ * أَلْجَمَ نَسْرًا وَأهْلَهُ الْغَرَقُ تُنْقَلُ من صلب (١) إِلَى رحم * إدا مَضَى عَالَمٌ بَدَا طَبَقُ حَتَّى احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ مِنْ * خِنْدَفَ عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطُقُ (٢) وَأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْأَرْ * ضُ وَضَاءَتْ بِنُورِكَ الْأُفُقُ فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّيَاءِ وَفِي ال * نُّورِ وَسُبْلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الشِّعْرُ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ.
فَرَوَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَدِيد: أخبرنَا مُحَمَّد بن أَبى نصر، أَنبأَنَا عبد السَّلَام بن مُحَمَّد بن أَحْمد القرشى، حَدثنَا أَبُو حُصَيْن مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله الزَّاهِد الْخُرَاسَانِي.
حَدَّثَنى إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بن سِنَان، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَكْفُوفُ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: سَأَلت стр. 212
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، أَيْنَ كُنْتَ وَآدَمُ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَالَ: " كُنْتُ فِي صُلْبِهِ، وَرُكِبَ بِيَ السَّفِينَةُ فِي صُلْبِ أَبِي نُوحٍ، وَقُذِفَ بِيَ فِي صُلْبِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَلْتَقِ أَبَوَايَ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ، لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الاصلاب الحسيبة إِلَى الارحام الطاهرة صفيا مهذبا (١) لَا تتشعب شُعْبَتَانِ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَخَذَ الله بِالنُّبُوَّةِ ميثاقي وبالاسلام عهدي، وَنشر فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ذِكْرِي، وَبَيَّنَ كُلُّ نَبِيٍّ صِفَتي، تشرق الارض بنورى والغمام بوجهي، وَعَلمنِي كِتَابه وَزَادَنِي [شرفا] فِي سمائه، وَشَقَّ لِيَ اسْمًا مَنْ أَسْمَائِهِ، فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُود وَأَنا مُحَمَّد وَأحمد، وَوَعَدَنِي أَنْ يَحْبُوَنِي بِالْحَوْضِ وَالْكَوْثَرِ، وَأَنْ يَجْعَلَنِي أَوَّلَ شَافِعٍ وَأَوَّلَ مُشَفَّعٍ، ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنْ خَيْرِ قَرْنٍ لِأُمَّتِي، وَهُمُ الْحَمَّادُونَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي النَّبِيِّ ﷺ : مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلَالِ وَفِي * مُسْتَوْدَعٍ يَوْمَ يُخْصَفُ الْوَرَقُ ثُمَّ سَكَنْتَ الْبِلَاد لَا بشر أَن * - ت وَلَا نُطْفَةٌ وَلَا عَلَقُ مُطَهَّرٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ * أَلْجَمَ نَسْرًا وَأهْلَهُ الْغَرَقُ تنقل من صلب إِلَى رَحِمٍ * إِذَا مَضَى طَبَقٌ بَدَا طَبَقُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَرْحَمُ اللَّهُ حسانا " فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: وَجَبَتِ الْجَنَّةُ لِحَسَّانَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب جدا. стр. 213
قلت: بل مُنكر جدا.
وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلْعَبَّاسِ ﵁.
ثُمَّ أَوْرَدَهَا
مِنْ حَدِيثِ أَبِي السَّكَنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الطَّائِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْتُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا لِلْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ " الشِّفَاءِ ": " وَأَمَّا أَحْمَدُ الَّذِي أَتَى فِي الْكُتُبِ وَبَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَمَنَعَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَا يُدْعَى بِهِ مَدْعُوٌّ قَبْلَهُ، حَتَّى لَا يَدْخُلَ لَبْسٌ عَلَى ضَعِيفِ الْقَلْبِ أَوْ شَكٌّ.
وَكَذَلِكَ مُحَمَّد [أَيْضا] لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَلَا غَيرهم، إِلَى أَن شاع قبيل وُجُودِهِ وَمِيلَادِهِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَسَمَّى قَوْمٌ قَلِيلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ هُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته.
وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْأَوْسِيُّ، وَمُحَمّد بن مسلمة (١) الانصاري، وَمُحَمّد بن برَاء الْبكْرِيّ (٢) ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ الْجُعْفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ السُّلَمِيُّ لَا سَابِعَ لَهُمْ.
وَيُقَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ مُحَمَّدًا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ (بْنِ مُجَاشِعٍ) (٣) وَالْيَمَنُ تَقُولُ: بَلْ مُحَمَّدُ بْنُ الْيَحْمُدِ مِنَ الْأَزْدِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ حَمَى كُلَّ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أَوْ يَدَّعِيَهَا لَهُ أَحَدٌ، أَوْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ سَبَبٌ يُشَكِّكُ (٤) أَحَدًا فِي أمره، حَتَّى تحققت الشيمتان لَهُ ﷺ لَمْ يُنَازَعْ فيهمَا " (٥) هَذَا لَفظه. стр. 214
بَابُ مَوْلِدِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وُلِدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيث غيلَان بن جرير عَن (١) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ (٢) ،
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَرفع الْحجر يَوْم الِاثْنَيْنِ.
تفرد بِهِ أَحْمد، وَرَوَاهُ عَمْرو بن بكير عَن ابْن لَهِيعَة، وَزَاد: نزلت سُورَةُ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ بِهِ، وَزَادَ أَيْضًا: وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ.
وَهَذَا مُنْكَرٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ بَدْرًا وَنُزُولَ " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " يَوْم الْجُمُعَة وَصدق ابْن عَسَاكِر.
وروى عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنه ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ. стр. 215
وَهَذَا مَالا خلاف فِيهِ أَنه ولى ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
وَأَبْعَدَ بَلْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ: وُلِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
نَقَلُهُ الْحَافِظُ ابْنُ دِحْيَةَ فِيمَا قَرَأَهُ فِي كِتَابِ " إِعْلَام الروى بِأَعْلَامِ الْهُدَى " لِبَعْضِ الشِّيعَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي تَضْعِيفِهِ وَهُوَ جَدِيرٌ بِالتَّضْعِيفِ إِذْ هُوَ خِلَافُ النَّصِّ.
ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ.
قَالَهُ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ نَجِيحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ.
وَقِيلَ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ.
حَكَاهُ الْحُمَيْدِيُّ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ.
وَرَوَاهُ مَالك وَعقيل وَيُونُس ابْن يَزِيدَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَصْحَابِ التَّارِيخِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهُ وَقَطَعَ بِهِ الْحَافِظ الْكَبِير مُحَمَّد ابْن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ.
وَرجحه الْحَافِظ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة فِي كِتَابه: " التَّنْوِير فِي مولد الْبشر النَّذِيرِ ".
وَقِيلَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْهُ نَقَلَهُ ابْنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَرَوَاهُ مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا مَرَّ.
وَقِيلَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بن ميناء، عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ربيع الأول وَفِيه بعث وَفِيه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ وَفِيهِ مَاتَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ لسبعة عشر خَلَتْ مِنْهُ: كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ دِحْيَةَ عَنْ بَعْضِ الشِّيعَةِ.
وَقِيلَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْهُ: نَقَلَهُ ابْنُ دِحْيَةَ مِنْ خَطِّ الْوَزِيرِ أَبِي رَافِعٍ بن الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدِ
следующие страницы →