Полный текст (2 495 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وأصبحت لاقحا مصرمة * حَتَّى تَجَلَّتْ غَوَابِرُ الْمَدَدِ (١) أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غَابَةٍ لحم * ذُو نهمة فِي الْعلَا ومنتقد (٢) لَا تَبْلُغِ الْعَيْنُ كُلَّ نَهْمَتِهَا * لَيْلَةَ تُمْسِي الْجِيَادُ كَالْقِدَدِ (٣) الْبَاعِثُ النَّوْحَ فِي مَآتِمِهِ * مِثْلَ الظِّبَاءِ الابكار بالجرد (٤) فجعني الْبَرْق وَالصَّوَاعِق بالفا * رس يَوْم الكريهة النجد والحارب الْجَابِرِ الْحَرِيبِ إِذَا * جَاءَ نَكِيبًا وَإِنْ يَعُدْ يَعُدِ (٥) يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ وَالسُّؤَالِ كَمَا * يَنْبُتُ غيث الرّبيع ذُو الرَّصَدِ (٦) كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ مَصِيرُهُمُ * قُلٌّ وَإِنْ أَكْثَرُوا مِنَ الْعَدَدِ (٧) إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أمروا * يَوْمًا فهم للهلاك والنفد (٨) وَقد ذكر ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ لَبِيدٍ أَشْعَارًا كَثِيرَةً فِي رِثَاءِ أَخِيهِ لِأُمِّهِ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ، تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِمَا أَوْرَدْنَاهُ.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
* * * قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَأنْزل الله عزل وَجَلَّ فِي عَامِرٍ وَأَرْبَدَ: " اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تزداد.
وكل شئ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ.
سَوَاء مِنْكُم стр. 1892
مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ.
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمر الله " يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَقَتْلَهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ.
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١) ".
قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَدْ وَقَعَ لَنَا إِسْنَادُ مَا عَلَّقَهُ ابْنُ هِشَامٍ ﵀.
فَرَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعَدَةُ بْنُ سَعْدٍ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَرْبَدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ وَعَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكٍ قَدِمَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْتَهَيَا إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ: فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، يَا مُحَمَّدُ مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ
أَسْلَمْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ ".
قَالَ عَامِرٌ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْأَمْرَ إِنْ أَسْلَمْتُ مِنْ بَعْدِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ وَلَا لِقَوْمِكَ وَلَكِنْ لَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ ".
قَالَ: أَنَا الْآنَ فِي أَعِنَّةِ خَيْلِ نَجْدٍ، اجْعَلْ لى الْوَبر وَلَك الْمدر. стр. 1893
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا ".
فَلَمَّا قفل (١) مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَامِرٌ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَمْنَعُكَ اللَّهُ ".
فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ قَالَ عَامِرٌ: يَا أَرْبَدُ أَنَا أشغل عَنْك مُحَمَّد بِالْحَدِيثِ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا قَتَلْتَ مُحَمَّدًا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَرْضُوا بِالدِّيَةِ وَيَكْرَهُوا الْحَرْبَ، فَسَنُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ.
قَالَ أَرْبَدُ: أَفْعَلُ.
فَأَقْبَلَا رَاجِعَيْنِ إِلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرٌ: يَا مُحَمَّدُ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ.
فَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خليا إِلَى الْجِدَارِ وَوَقَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُهُ، وَسَلَّ أَرْبَدُ السَّيْفَ، فَلَمَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى السَّيْفِ يَبِسَتْ يَدُهُ عَلَى قَائِمِ السَّيْفِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّ السَّيْفِ، فَأَبْطَأَ أَرْبَدُ عَلَى عَامِرٍ بِالضَّرْبِ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى أَرْبَدَ وَمَا يَصْنَعُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمَا.
فَلَمَّا خَرَجَ أَرْبَدُ وَعَامِرٌ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْحَرَّةِ حَرَّةِ وَاقِمٍ نَزَلَا فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأسيد بن الْحضير فَقَالَا: اُشْخُصَا ياعدوا اللَّهِ لَعَنَكَمَا اللَّهُ.
فَقَالَ عَامِرٌ: مَنْ هَذَا يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ الْكَتَائِبِ.
فَخَرَجَا حَتَّى إِذَا كَانَا بِالرَّقَمِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، وَخَرَجَ عَامِرٌ حَتَّى إِذا كَانَ بِالْحرَّةِ أرسل الله قُرْحَةً فَأَخَذَتْهُ، فَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ،
فَجَعَلَ يَمَسُّ قُرْحَتَهُ فِي حَلْقِهِ وَيَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْجَمَلِ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّة؟ يرغب (٢) أَنْ يَمُوتَ فِي بَيْتِهَا.
ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ فأحضرها حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ رَاجعا، فَأنْزل الله فيهمَا.
" الله يعلم стр. 1894
مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تزداد " إِلَى قَوْله: " لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ " يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
ثُمَّ ذَكَرَ أَرْبَدَ وَمَا قَتَلَهُ بِهِ فَقَالَ: " وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِق فَيُصِيب بهَا من يَشَاء " الْآيَةَ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقَدُّمِ قِصَّةِ عَامِرٍ وَأَرْبَدَ، وَذَلِكَ لِذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِيهِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ (١) وُفُودُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَامِرٍ الدَّوْسِيِّ ﵁ على رَسُول لله ﷺ بِمَكَّةَ وَإِسْلَامُهُ، وَكَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ فَحَوَّلَهُ لَهُ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ.
وَبَسَطْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ هَاهُنَا كَمَا صَنَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
قُدُومُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وافدا عَن قومه بنى سعد بن بكر قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: بعث بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَقَدِمَ إِلَيْهِ وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِد ثمَّ عقله، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ.
فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنَ
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنَا ابْن عبد الْمطلب ". стр. 1895
فَقَالَ: يَا مُحَمَّد.
قَالَ: نعم.
قَالَ: يَابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ.
قَالَ: " لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ ".
فَقَالَ: أنْشدك إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ نَعَمْ ".
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنَّ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَات الْخمس؟ قَالَ: " نَعَمْ ".
قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً، الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ مِنْهَا كَمَا يَنْشُدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ رَاجِعًا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
قَالَ: فَأَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى.
فَقَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ!
فَقَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
стр. 1896
وَأَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ قَالَ، فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.
قَالَ، يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَمُحَمَّدِ بن الْوَلِيد بن نويفع، عَن كريب، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، لِأَنَّ الْعُزَّى خَرَّبَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَيَّامَ الْفَتْحِ.
* * * وَقَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الله بن أبي سُبْرَة، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنُ بَكْرٍ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَأَغْلَظ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة، سَأَلَهُ عَمَّن أرْسلهُ وَبِمَ أَرْسَلَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ مُسْلِمًا قَدْ خَلَعَ الْأَنْدَادَ،، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَمَا أَمْسَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، وَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ
وَأَذَّنُوا بِالصَّلَاةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ - عَنْ
стр. 1897
ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ، كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ شئ، فَكَانَ يعجبنا أَن يجِئ الرجل من أهل الْبَادِيَة الْعَاقِل يسْأَله وَنَحْنُ نَسْمَعُ.
فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ.
قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللَّهُ.
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: اللَّهُ.
قَالَ.
: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللَّهُ.
قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَخَلَقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ، نعم.
قَالَ: وَزعم رَسُولك أَن علبنا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا.
قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا.
قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ، فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولك أَن علينا صَوْم شهر فِي سَنَتِنَا.
قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
قَالَ: صَدَقَ.
قَالَ: ثُمَّ وَلَّى فَقَالَ: والذى بَعثك بِالْحَقِّ لَا أَزِيد عَلَيْهِنَّ شَيْئا وَلَا أنقص عَلَيْهِنَّ شَيْئًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " إِنَّ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ ".
[وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدَ وَأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ ﵁ (١) . стр. 1898
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
وعلقه البُخَارِيّ من طَرِيقه.
وَقد أخرجه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ.
فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُلُوس فِي الْمَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ، أَيُّكُمْ مُحَمَّد؟ وَرَسُول الله ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ قَالَ: فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الابيض المتكئ.
فَقَالَ الرجل: يَابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَدْ أَجَبْتُكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشْتَدٌّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ.
فَقَالَ: سَلْ مَا بَدَا لَكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنْشُدُكَ بِرَبِّكَ وَرَبٍّ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ نَعَمْ ".
[قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ (١) ] .
قَالَ، فَأَنْشُدُكَ الله، آللَّهُ أَمرك أَن نَصُوم هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ نَعَمْ! ".
[قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنَّ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ نَعَمْ (١) ] قَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولٌ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بن بكر. стр. 1899
وَقد رَوَاهُ الامام الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ اللَّيْثِ بِهِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ.
قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
فَذَكَرَهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَعَلَّهُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وَالله أعلم.
فصل وَقَدْ قَدَّمْنَا (١) مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُدُومِ ضِمَادٍ الْأَزْدِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ قَوْمِهِ.
كَمَا ذَكَرْنَاهُ مَبْسُوطًا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفْدُ طَيِّئٍ مَعَ زيد الْخَيل ﵁ [وَهُوَ زَيْدُ بْنُ مُهَلْهِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، أَبُو مُكْنِفٍ الطَّائِيُّ، وَكَانَ من أحسن الْعَرَب وأطوله رَجُلًا.
وَسُمِّي زَيْدَ الْخَيْلِ لِخَمْسِ أَفْرَاسٍ كُنَّ لَهُ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَهُنَّ أَسْمَاءٌ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ حِفْظُهَا] (٢) .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفد طَيئ وَفِيهِمْ стр. 1900
زَيْدُ الْخَيْلِ وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ كَلَّمُوهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ رِجَالِ طَيِّئٍ: " مَا ذكر رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا زَيْدَ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ الَّذِي فِيهِ ".
ثُمَّ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زيد الْخَيْر، وَقطع لَهُ فيدا (١) وَأَرَضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ " (٢) قَالَ: وَقَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمَّى وَغَيْرِ أُمِّ مَلْدَمٍ - لَمْ يُثْبِتْهُ (٣) -.
قَالَ ابْن إِسْحَق: فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَمَاتَ بِهَا، وَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ قَالَ: أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً * وَأَتْرُكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدِ أَلَا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادَنِي * عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدِ (٤) قَالَ: وَلما مَاتَ عَمَدت امْرَأَته لجهلها وَقِلَّةِ عَقْلِهَا وَدِينِهَا إِلَى مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْكُتُبِ فَحَرَقَتْهَا بِالنَّارِ.
قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيمن بذهبية فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ стр. 1901
وَسَلَّمَ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: زَيْدِ الْخَيْلِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْحَدِيثَ.
وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قِصَّةُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ: وَفْدُ طَيِّئٍ وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، حَدثنَا أَبُو عوَانَة، حَدثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا يُسَمِّيهِمْ، فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا.
فَقَالَ عَدِيٌّ: لَا أُبَالِي إِذًا.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَمَّا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي: مَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ مِنِّي، أما أَنا فَكنت امْرَءًا شريفا وَكنت نصراينا، وَكُنْتُ أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ وَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي.
فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ كَانَ لِي عَرَبِيٍّ وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي: لَا أَبًا لَكَ، أُعْدُدْ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا فَاحْتَبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي.
فَفَعَلَ.
ثُمَّ أَنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: قُلْتُ: فَقَرِّبْ إِلَى أَجْمَالِي.
فَقَرَّبَهَا.
стр. 1902
فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ، أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ.
فَسَلَكْتُ الْجُوشِيَّةَ (١) وَخَلَّفْتُ بِنْتًا لِحَاتِمٍ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا.
وَتُخَالِفُنِي خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أَصَابَتْ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبَايَا مِنْ طَيِّئٍ، وَقَدْ بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَرَبِي إِلَى الشَّامِ.
قَالَ: فَجُعِلَتِ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتِ السَّبَايَا تُحْبَسُ بِهَا، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَزْلَةً (٢) ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
قَالَ، الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ مَرَّ بِي فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ.
قَالَتْ: حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرَّ بِي وَقَدْ يَئِسْتُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ خَلْفَهُ أَنْ قُومِي فَكَلِّمِيهِ.
قَالَتْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ ﷺ : قَدْ " فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكَ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حَتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلَادِكِ.
ثُمَّ آذِنِينِي " فَسَأَلَتْ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ كَلِّمِيهِ، فَقِيلَ لى: على بن أَبى طَالب.
قَالَت: وأقمت حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيٍّ أَوْ قُضَاعَةَ، قَالَتْ وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشَّامِ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ.
قَالَت: стр. 1903
فَكَسَانِي وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قدمت الشَّام.
قَالَ عدى، فو الله إنى لقاعد فِي أهلى فَنَظَرت إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَى قَوْمِنَا (١) قَالَ: فَقُلْتُ ابْنَةُ حَاتِمٍ.
قَالَ: فَإِذَا هِيَ هِيَ.
فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ (٢) تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ! احْتَمَلْتَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ وَتَرَكْتَ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ عَوْرَتَكَ؟ ! قَالَ: قُلْتُ: أَيْ أُخَيَّةُ لَا تَقُولِي إِلَّا خَيْرًا، فو الله مالى مِنْ عُذْرٍ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ.
قَالَ: ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ لَهَا وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً: مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَلِلسَّابِقِ إِلَيْهِ فَضله، وَإِن يكن ملكا فَلَنْ تذل فِي عز الْيمن وَأَنت أَنْت.
قَالَ: فَقلت: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ، عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِلَيْهِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا.
قَالَ قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ! قَالَ: ثُمَّ مَضَى بِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةً لِيفًا، فَقَذَفَهَا إِلَيَّ فَقَالَ: " اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ " قَالَ قُلْتُ: بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا.
قَالَ: " بل أَنْت ". стр. 1904
فَجَلَسْتُ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَرْضِ، قَالَ قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ.
ثُمَّ قَالَ: " إِيهِ يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ؟ أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيًّا (١) ؟ " قَالَ قلت: بلَى.
قَالَ: " أَو لم تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ؟ " قَالَ قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: " فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ " قَالَ: قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ.
قَالَ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ.
ثُمَّ قَالَ: " لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ ".
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ.
قَالَ فَكَانَ عَدِيٌّ يَقُولُ: مَضَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتِ الثَّالِثَةُ، وَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ حَتَّى تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، وَايْمُ اللَّهِ لتكونن الثَّالِثَة، ليفيضن الْمَالُ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ.
* * * هَكَذَا أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ ﵀ هَذَا السِّيَاقَ بِلَا إِسْنَادٍ وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ. стр. 1905
فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا بِعَقْرَبٍ (١) فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَصُفُّوا لَهُ.
قَالَتْ: يَا رَسُول الله بَان الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكَ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَتْ: فَمُنَّ عَلَيَّ.
فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جنبه - نرى أَنَّهُ عَلِيٌّ - قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا.
قَالَ: فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَ لَهَا.
قَالَ عَدِيٌّ: فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلْتَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا.
وَقَالَتْ: إيته رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ أَوْ صَبِيٌّ، فَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مَلِكَ كِسْرَى وَلَا قَيْصَرَ.
فَقَالَ لَهُ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ مَا أَفَرَّكَ؟ أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَفَرَّكَ؟ أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ أكبر؟ فَهَل شئ هُوَ أكبر من الله عزوجل؟ فَأَسْلَمْتُ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ وَقَالَ: إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى.
قَالَ: ثُمَّ سَأَلُوهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعد، فلكم أَيهَا النَّاس أَن ترتضخوا مِنَ الْفَضْلِ، ارْتَضَخَ امْرُؤٌ بِصَاعٍ، بِبَعْضِ صَاعٍ، بقبضة، بِبَعْض قَبْضَة.
قَالَ شُعْبَة стр. 1906
- وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ بِتَمْرَةٍ، بِشِقِّ تَمْرَةٍ - وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللَّهِ فَقَائِلٌ مَا أَقُولُ: أَلَمْ
أَجْعَلْكَ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا فَمَاذَا قَدَّمْتَ.
فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَلَا يَجِدُ شَيْئًا فَمَا يَتَّقِي النَّارَ إِلَّا بِوَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ، إِنِّي لَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَاقَةَ لَيَنْصُرَنَّكُمُ اللَّهُ وَلَيُعْطِيَنَّكُمْ - أَوْ لَيَفْتَحَنَّ عَلَيْكُمْ - حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَيَثْرِبَ، إِن أَكْثَرَ مَا تَخَافُ السَّرَقَ عَلَى ظَعِينَتِهَا.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَعَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ.
ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ - هُوَ ابْنُ حُذَيْفَةَ - عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ.
قَالَ نَعَمْ: لَمَّا بَلَغَنِي خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرِهْتُ خُرُوجَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، فَخَرَجْتُ حَتَّى وَقَعْتُ نَاحِيَةَ الرُّومِ - وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى قَيْصَرَ - قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهَتِي لِخُرُوجِهِ.
قَالَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَضُرَّنِي، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُ.
قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ قَالَ النَّاس: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ.
ثَلَاثًا.
قَالَ قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ.
قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدينِك مِنْك.
فَقلت: أَنْت تعلم بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ.
أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ، وَأَنت تَأْكُل
стр. 1907
مرباع قَوْمك؟ قلت: بلَى.
قَالَ: فَإِن هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ.
قَالَ: نَعَمْ.
فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا فَتَوَاضَعْتُ لَهَا.
قَالَ: أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ ; تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ وَمَنْ لَا قُوَّة لَهُم، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أرها وَقد سَمِعت بهَا: قَالَ.
فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بن هُرْمُز.
قَالَ قلت: كنوز ابْن هُرْمُزَ؟ قَالَ: نَعَمْ كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.
قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ [تَخْرُجُ (١) ] مِنَ الْحِيرَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَن فتح كنوز كسْرَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَهَا.
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ رَجُلٍ - وَقَالَ حَمَّادٌ وَهِشَام، عَن مُحَمَّد بن أَبِي عُبَيْدَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ رَجُلٍ - قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي وَلَا أَسْأَلُهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
* * * وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بن سُفْيَان، حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَهِيمُ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، أَنْبَأَنَا سَعْدٌ الطَّائِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَى إِلَيْهِ الْفَاقَة، وَأَتَاهُ آخر فَشَكا إِلَيْهِ قطع السَّبِيل. стр. 1908
قَالَ: يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا.
قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف أحدا
إِلَّا الله عزوجل.
قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ (١) طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ؟ ! وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ.
قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ.
وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ.
قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجدوا شِقَّ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ".
قَالَ عَدِيٌّ: فَقَدْ رَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا تخَاف إِلَّا الله عزوجل، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ سَتَرَوْنَ مَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِهِ بِطُولِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدَانَ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ سَعْدٍ أَبِي مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ عَدِيٍّ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدٍ أَبَى مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ بِهِ.
وَمِمَّنْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ عَدِيٍّ عَامِرُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الشَّعْبِيُّ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ: لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْب على غنمها. стр. 1909
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ".
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ " طَرِيقٌ أُخْرَى فِيهَا شَاهِدٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
* * * وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي أَبُو بكر بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن يُوسُف، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَن عبد الرَّحْمَن ابْن جُنْدُبٍ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَزْهَدَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فِي خَيْرٍ! عَجَبًا لِرَجُلٍ يَجِيئُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فِي الْحَاجَةِ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِلْخَيْرِ أَهْلًا، فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى عِقَابًا لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاحِ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
لَمَّا أُتِيَ بِسَبَايَا طَيِّئٍ وَقَفَتْ جَارِيَةٌ حَمْرَاءُ لَعْسَاءُ ذَلْفَاءُ عَيْطَاءُ، شَمَّاءُ الْأَنْفِ مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ وَالْهَامَةِ دَرْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ خَدْلَةُ السَّاقَيْنَ (١) لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ خَمِيصَةُ الْخَصْرَيْنِ ضَامِرَةُ الْكَشْحَيْنِ مَصْقُولَةُ الْمَتْنَيْنِ.
قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا أُعْجِبْتُ بِهَا وَقُلْتُ: لَأَطْلُبَنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْعَلهَا فِي فيئى. стр. 1910
فَلَمَّا تَكَلَّمت أنسيت جمَالهَا من فصاحتها.
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنَّا وَلَا تُشْمِتْ بِنَا أَحْيَاءَ الْعَرَبِ فَإِنِّي ابْنَةُ سَيِّدِ قَوْمِي، وَإِنَّ أَبِي كَانَ يَحْمِي الذِّمَارَ وَيَفُكُّ
الْعَانِيَ وَيُشْبِعُ الْجَائِعَ وَيَكْسُو الْعَارِيَ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ وَيُفْشِي السَّلَامَ، وَلَمْ يَرُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، أَنَا ابْنَةُ حَاتِمِ طَيِّئٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا جَارِيَةُ هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ، خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.
فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نيار فَقَالَ: يَا رَسُول الله تحب مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِحُسْنِ الْخُلُقِ (١) ".
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُ الْمَتْنِ غَرِيبُ الْإِسْنَادِ جِدًّا عَزِيزُ الْمَخْرَجِ.
وَقد ذكرنَا تَرْجَمَة حَاتِم طَيئ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِنَا (٢) مَنْ مَاتَ مِنْ أَعْيَانِ الْمَشْهُورِينَ فِيهَا، وَمَا كَانَ يُسْدِيهِ حَاتِمٌ إِلَى النَّاس من المكارم ولاحسان، إِلَّا أَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ مَعْذُوقٌ (٣) بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.
وَقَدْ زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبً فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ إِلَى بِلَادِ طَيِّئٍ فَجَاءَ مَعَهُ بِسَبَايَا فِيهِمْ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَجَاءَ مَعَهُ بِسَيْفَيْنِ كَانَا فِي بَيْتِ الصَّنَمِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الرَّسُوبُ وَالْآخَرُ الْمِخْذَمُ، كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ (٤) قَدْ نَذَرَهُمَا لِذَلِكَ الصَّنَمِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: стр. 1911
قِصَّةُ دَوْسٍ وَالطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو
حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بن زِيَاد - (١) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِن دوسا قد هَلَكت وعصت وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ ".
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا * عَلَى أَنَّهَا من دارة الْكفْر نجت وأبق لى غُلَام فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غلامك.
فَقلت: هُوَ حر لوجه الله عزوجل فَأَعْتَقْتُهُ.
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حَازِمٍ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قُدُومِ الطُّفَيْل بن عَمْرو قد كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ إِنْ قُدِّرَ قُدُومُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، لِأَنَّ دَوْسًا قَدِمُوا وَمَعَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ قُدُومُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَاصِرٌ خَيْبَرَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَرَضَخَ لَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ مطولا فِي موَاضعه.
قَالَ البُخَارِيّ ﵀: стр. 1912
قدوم الاشعريين وَأهل الْيمن ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ
السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ.
ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ".
ثُمَّ رَوَيَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُلَيْمَان، عَن ثَوْر، عَن أَبى المغيث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِتْنَةُ هَاهُنَا، هَاهُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْإِيمَانُ هَاهُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ - وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ.
رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو.
ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي صَخْرَة جَامع بن شَدَّاد، حَدثنَا صَفْوَان
стр. 1913
ابْن مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ " أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ " فَقَالُوا: أَمَّا إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلُهَا بَنُو تَمِيمٍ " فَقَالُوا: قَبِلْنَا
يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ بِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ وُفُودِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِوَقْتِ وُفُودِهِمْ، وَوَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا قُدُومُهُمْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِقُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ، بَلِ الْأَشْعَرِيُّونَ مُتَقَدِّمٌ وَفْدُهُمْ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا صُحْبَةَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي صُحْبَةِ جَعْفَرِ ابْن أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ حِينَ فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ.
كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ (١) ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﷺ : " وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ أَبِقُدُومِ جَعْفَرٍ أَوْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ " وَاللَّهُ أعلم.
قَالَ البُخَارِيّ: قصَّة عمان والبحرين حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد، حَدثنَا سُفْيَانُ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " ثَلَاثًا.
فَلَمْ يَقْدَمْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي.
قَالَ جَابِرٌ: فَجِئْتُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَو قد جَاءَ стр. 1914
مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثًا " قَالَ: فَأَعْرض عَنى.
قَالَ جَابِرٌ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُعْطِنِي.
فَقُلْتُ لَهُ: قد أَتَيْتُك فَلم تعطنى ثمَّ أتينك فَلَمْ تُعْطِنِي، فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي
وَإِمَّا أَنْ تبخل عَنى قَالَ: قلت: تَبْخَلُ عَنِّي؟ قَالَ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْل: قَالَهَا ثَلَاثًا مَا منعنك مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ: وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جِئْتُهُ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ.
فَقَالَ: خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَمْرو ابْن دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ.
كَرِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ.
وَفِي رِوَايَة آخرى لَهُ أَنه أمره فَحَثَا بِيَدَيْهِ مِنْ دَرَاهِمَ فَعَدَّهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَأَضْعَفَهَا لَهُ مَرَّتَيْنِ يَعْنِي فَكَانَ جُمْلَةُ مَا أَعْطَاهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وُفُودُ فَرْوَةَ بْنِ مسيك المرادى أَحَدِ رُؤَسَاءِ قَوْمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ، مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ وَمُبَاعِدًا لَهُمْ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ كَانَ بَيْنَ قَوْمِهِ مُرَادٍ وَبَيْنَ هَمْدَانَ وَقْعَةٌ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ، أَصَابَتْ هَمْدَانُ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ يُقَالُ لَهُ الرَّدْمُ، وَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمدَان إِلَيْهِم الاجدع ابْن مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَالِكُ بْنُ خُرَيْمٍ الْهَمْدَانِيُّ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ:
стр. 1915
مَرَرْنَ عَلَى لِفَاتَ وَهُنَّ خُوصٌ * يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَا (١) فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا * وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ * مَنَايَانَا وَطُعْمَةُ آخَرِينَا (٢)
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ * تَكُرُ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينَا فَبَيْنَا مَا نُسَرُّ بِهِ وَنرْضى * وَلَو لبست غضارته سنينا إِذا انقلبت بِهِ كرات دهر * فألفى فِي الالى غُبِطُوا طَحِينَا (٣) فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ * يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونَا فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا * وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سَرَوَاتِ قَوْمِي * كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَارِقًا مُلُوكَ كِنْدَةَ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ * كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نَسَائِهَا قَرَّبْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا * أَرْجُو فواضله وَحسن ثنائها (٤) قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: - فِيمَا بَلَغَنِي - يَا فَرْوَةُ هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرَّدْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ ذَا الَّذِي يُصِيبُ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ قومِي يَوْم الرَّدْم لَا يسؤوه ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا " وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بن سعيد بن الْعَاصِ стр. 1916
عَلَى الصَّدَقَةِ فَكَانَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قدوم عَمْرو بن معديكرب فِي أُنَاسٍ مِنْ زُبَيْدٍ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقد كَانَ عَمْرو بن معدى كرب قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيِّ، حِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَمْرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا قَيْسُ إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ بِالْحِجَازِ يُقَالُ (١) إِنَّهُ نَبِيٌّ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَعْلَمَ عِلْمَهُ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ فَإِنَّهُ لَنْ يخفى علينا إِذا لَقِينَاهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْنَا عِلْمَهُ فَأَبَى عَلَيْهِ قَيْسٌ ذَلِكَ وَسَفَّهَ رَأْيَهُ.
فَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَصَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أَوْعَدَ عَمْرًا وَقَالَ: خَالَفَنِي وَترك أمرى ورأيى.
فَقَالَ عَمْرو بن معديكرب فِي ذَلِكَ: أَمَرْتُكَ يَوْمَ ذِي صَنْعَا * ءَ أمرا باديا رشده أَمرتك باتقاء الل * - هـ وَالْمَعْرُوفِ تَتَّعِدُهْ خَرَجْتَ مِنَ الْمُنَى مِثْلَ الْ * - حُمَيِّرِ غَرَّهُ وَتِدُهْ تَمَنَّانِي عَلَى فَرَسٍ * عَلَيْهِ جَالِسًا أَسَدُهْ عَلَيَّ مُفَاضَةٌ كَالنَّهْ * يِ أَخْلَصَ مَاءَهُ جدده (٢) يرد الرمْح منثنى السنان * عَوَائِرًا قِصَدُهْ (٣) فَلَوْ لَاقَيْتَنِي لَلَقِي * تَ لَيْثًا فَوْقه لبده стр. 1917
تُلَاقِي شَنْبَثًا شَثْنَ الْ * بَرَاثِنِ نَاشِزًا كَتَدُهْ (١) يُسَامِي الْقِرْنَ إِنْ قِرْنٌ * تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُهْ
فَيَأْخُذُهُ فَيَرْفَعُهُ * فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهْ (٢) فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ * فَيَخْضِمُهُ فَيَزْدَرِدُهْ (٣) ظَلُومُ الشِّرْكِ فِيمَا أَحْ * رَزَتْ أَنْيَابُهُ وَيَدُهْ * * * قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَأَقَامَ عَمْرو بن معديكرب فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَدَّ عَمْرو بن معديكرب فِيمَن ارْتَدَّ، وَهَجَا فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فَقَالَ: وَجَدْنَا ملك فَرْوَة شَرّ ملك * حمَار سَافَ مَنْخِرُهُ بِثَفْرِ (٤) وَكُنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ * تَرَى الْحُوَلَاءَ مِنْ خُبْثٍ وَغَدْرِ (٥) قُلْتُ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَشَهِدَ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً فِي أَيَّامِ الصَّدِيقِ وَعُمَرَ الْفَارُوقِ ﵄.
وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ وَالشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَعشْرين بعد مَا شَهِدَ فَتْحَ نَهَاوَنْدَ، وَقِيلَ بَلْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَكَانَ وُفُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ.
قُلْتُ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَاللَّهُ أعلم. стр. 1918
قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قِيلَ إِن عَمْرو بن معديكرب لَمْ يَأْتِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ: إِنَّنِي بِالنَّبِيِّ مُوقِنَةٌ نفس * ى وَإِنْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ عَيَانَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ طُرًّا وَأَدْنَا * هُمْ إِلَى اللَّهِ حِينَ بَانَ مَكَانا جَاءَ بِالنَّامُوسِ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ * وَكَانَ الْأَمِينَ فِيهِ الْمُعَانَا حُكْمُهُ بَعْدَ حِكْمَةٍ وِضِيَاءٍ * فَاهْتَدَيْنَا بِنُورِهَا مِنْ عَمَانَا وَرَكِبْنَا السَّبِيلَ حِينَ رَكِبْنَ * اهُ جَدِيدًا بِكُرْهِنَا وَرِضَانَا وَعَبَدْنَا الْإِلَهَ حَقًّا وَكُنَّا * لِلْجَهَالَاتِ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَا وَائْتَلَفْنَا بِهِ وَكُنَّا عَدُوًّا * فرجعنا بِهِ مَعًا إخْوَانًا فَعَلَيهِ السَّلَام وَالسَّلَام مِنَّا * حَيْثُ كُنَّا مِنَ الْبِلَادِ وَكَانَا إِنْ نَكُنْ لَمْ نَرَ النَّبِيَّ فَإِنَّا * قَدْ تَبِعْنَا سَبِيلَهُ إِيمَانَا قُدُومُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ.
فَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَدِمَ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ قَدْ رَجَّلُوا جُمَمَهُمْ (١) وَتَكَحَّلُوا، عَلَيْهِمْ جُبَبُ الْحِبَرَةِ قَدْ كَفَّفُوهَا بِالْحَرِيرِ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: أَلَمْ تُسْلِمُوا؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ؟ قَالَ: فشقوه مِنْهَا فألقوه. стр. 1919
ثُمَّ قَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ
آكِلِ الْمُرَارِ.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " نَاسِبُوا بِهَذَا النَّسَبِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ ".
وَكَانَا تَاجِرَيْنِ، إِذَا شَاعَا فِي الْعَرَبِ فَسُئِلَا: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ يَعْنِي يَنْتَسِبَانِ إِلَى كِنْدَةَ لِيَعِزَّا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، لِأَنَّ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا، فَاعْتَقَدَتْ كِنْدَةُ أَنَّ قُرَيْشًا مِنْهُمْ، لِقَوْلِ عَبَّاسٍ وَرَبِيعَةَ: " نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ " وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مُرَتِّعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدِيِّ - وَيُقَالُ ابْنُ كِنْدَةَ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ: " لَا نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو (١) أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا ".
فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُهَا إِلَّا ضَرَبْتُهُ ثَمَانِينَ.
وَقَدْ رُوِيَ [هَذَا] (٢) الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بهز وَعَفَّان، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ، وَقَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ: أَنْبَأَنَا عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ السُّلَمِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هَيْصَمٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي وَفد كِنْدَة - قَالَ عُثْمَان - لَا يَرَوْنِي أَفْضَلَهُمْ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: إِنَّا ابْن عَم أَنَّكُمْ مِنَّا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبينَا ". стр. 1920
قَالَ: قَالَ الْأَشْعَثُ: فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا
جَلَدْتُهُ الْحَدَّ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ.
وَعَنْ هَارُونَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي: هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ؟ قُلْتُ: غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنَ ابْنَةِ جَمْدٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شَبِعَ الْقَوْمُ.
قَالَ: لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا، ثَمَّ وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.
قُدُومُ أَعْشَى بَنِي مَازِنٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري، حَدثنَا أَبُو سَلَمَةَ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْجُنَيْدُ بْنُ أُمَيْنِ بْنِ ذِرْوَةَ بن نَضْلَة بن طريف ابْن نهمشل الْحِرْمَازِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي أُمَيْنٌ، عَنْ أَبِيهِ ذِرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ نَضْلَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الاعشى واسْمه عبد الله الْأَعْوَرِ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَاذَةُ خَرَجَ فِي رَجَبٍ يَمِيرُ أَهْلَهُ مِنْ هَجَرَ، فهربت امْرَأَته بعده نشزا عَلَيْهِ، فَعَاذَتْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُطَرِّفُ ابْن نهشل بن كَعْب بن قميثع بن دلف بْنِ أَهْضِمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحِرْمَازِ، فَجَعَلَهَا خَلْفَ ظَهْرِهِ فَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يَجِدْهَا فِي بَيْتِهِ وَأُخْبِرَ أَنَّهَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ وَأَنَّهَا عَاذَتْ بِمُطَرِّفِ بْنِ
стр. 1921
نهشل، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا بن عَمِّ أَعِنْدَكَ امْرَأَتِي مُعَاذَةُ فَادْفَعْهَا إِلَيَّ.
قَالَ: لَيْسَتْ عِنْدِي، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أَدْفَعْهَا إِلَيْكَ.
قَالَ: وَكَانَ مُطَرِّفٌ أَعَزَّ مِنْهُ.
قَالَ: فَخرج الاعشى حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى عَلَيْهِ وَسلم فعاذ بِهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ الْعَرَبْ * إِلَيْكَ أَشْكُو ذربة من الذرب (١) كالذئبة العنساء فِي ظِلِّ السَّرَبْ (٢) * خَرَجْتُ أَبْغِيهَا الطَّعَامَ فِي رَجَبْ فَخَلَّفَتْنِي بِنِزَاعٍ وَهَرَبْ * أَخْلَفَتِ الْوَعْدَ وَلَطَّتْ بَالذَّنَبْ وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عَصْرٍ مُؤْتَشَبْ * وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: " وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لمن غلب ".
فَشَكا إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَمَا صَنَعَتْ بِهِ، وَأَنَّهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُطَرِّفُ بْنُ نَهْشَلٍ، فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مُطَرِّفٍ: انْظُرِ امْرَأَةَ هَذَا مُعَاذَةَ فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ.
فَأَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَقُرِئَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا مُعَاذَةُ هَذَا كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِيكِ فَأَنَا دَافِعُكِ إِلَيْهِ.
فَقَالَتْ: خُذْ لِي عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ أَنْ لَا يُعَاقِبَنِي فِيمَا صَنَعْتُ فَأَخَذَ لَهَا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهَا مُطَرِّفٌ إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَعَمْرُكَ مَا حُبِّي مُعَاذَةَ بِالَّذِي * يُغَيِّرُهُ الْوَاشِي وَلَا قِدَمُ الْعَهْدِ وَلَا سُوءُ مَا جَاءَتْ بِهِ إِذْ أزالها * غواة الرِّجَال إِذْ يناجونها بعدى стр. 1922
قُدُومُ صُرَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ ثُمَّ وُفُودِ أَهِلِ جُرَشَ بَعْدَهُمْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ
قَبَائِلِ الْيَمَنِ.
فَذَهَبَ فَحَاصَرَ جُرَشَ وَبِهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ وَقَدْ ضَوَتْ (١) إِلَيْهِمْ خَثْعَمُ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ فَامْتَنَعُوا فِيهَا مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ شَكَرُ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ وَلَّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا.
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، فَبَيْنَمَا هما عِنْدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ إِذْ قَالَ: " بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ " فَقَامَ الْجُرَشِيَّانِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشَرُ.
وَكَذَلِكَ تسميه أَهْلُ جُرَشَ.
فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ وَلَكِنَّهُ شَكَرُ.
قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ.
قَالَ: فَجَلَسَ الرَّجُلَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَوْ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لآن لينعى قَوْمَكُمَا، فَقُومَا إِلَيْهِ فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا فَقَامَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ ".
فَرَجَعَا فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا قَدْ أُصِيبُوا يَوْمَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَجَاءَ وَفْدُ أَهْلِ جُرَشَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ وَحَمَى لَهُمْ حَوْلَ قريتهم. стр. 1923
قُدُومُ رَسُولِ مُلُوكِ حِمْيَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَرُسُلُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ مَقْدِمَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَهُمْ الْحَارِث بن كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ وَمُفَارَقَتِهِمُ
الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ النَّبِيِّ إِلَى الْحَارِث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذِي رعين ومعافر وهمدان، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّهُ قَدْ وَقَعَ بِنَا رَسُولُكُمْ مُنْقَلَبَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فلقينا بِالْمَدِينَةِ فَبلغ مَا أرسلتم بِهِ وخبرنا مَا قَبِلَكُمْ وَأَنْبَأَنَا بِإِسْلَامِكُمْ وَقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِهُدَاهُ، إِنْ أَصْلَحْتُمْ وَأَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَأَعْطَيْتُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ وَصَفِيَّهُ وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، مِنَ الْعَقَارِ عُشْرُ مَا سَقَتِ الْعَيْنُ وَسَقَتِ السَّمَاءُ وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ (١) نِصْفُ الْعُشْرِ، وَأَنَّ فِي الْإِبِلِ فِي الْأَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَفِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي كُلِّ عَشْرٍ [مِنَ الْإِبِلِ] (٢) شَاتَانِ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وفى كل ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ من الْغنم سَائِمَة وَحدهَا شَاة، إِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ، فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ. стр. 1924
وَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَى إِسْلَامِهِ وَظَاهَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَالهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ وَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ.
وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ الْجِزْيَة على كل حالم ذكر وَأُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ (١) مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ أَوْ عِوَضُهِ (٢) ثِيَابًا، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَإِنَّ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، وَمَنْ مَنَعَهُ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ أَرْسَلَ إِلَى زُرْعَةَ ذِي يَزَنَ: أَنْ إِذْ أَتَاكَ رُسُلِي
فَأُوصِيكُمْ (٣) بِهِمْ خَيْرًا، مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ وَمَالِكُ بْنُ مُرَّةَ وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَنِ اجْمَعُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ مِنْ مَخَالِيفِكُمْ (٤) وَأَبْلِغُوهَا رُسُلِي، وَإِنَّ أَمِيرَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَا يَنْقَلِبَنَّ إِلَّا رَاضِيًا.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ (٥) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ إِنَّ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أَنَّكَ أَسْلَمْتَ مِنْ أَوَّلِ حِمْيَرَ وَقَتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، وَآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا، وَلَا تَخُونُوا وَلَا تَخَاذَلُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ مَوْلَى غَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ يُزَكَّى بِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَإِنَّ مَالِكًا قَدْ بَلَّغَ الْخَبَرَ وَحَفِظَ الْغَيْبَ فَآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ وَأُولِي عِلْمِهِمْ، فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ مَنْظُورٌ إِلَيْهِمْ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ".
* * * وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، عَنْ ثَابت، عَن أنس بن مَالك، стр. 1925
أَن مَالك ذى بزن أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً قَدْ أَخَذَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا أَو ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ نَاقَةً.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ الصَّيْدَلَانِيِّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِهِ.
وَقد روى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ هَاهُنَا - حَدِيثَ كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُس
ابْن بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: هَذَا كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا وَيُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا وَأَمَرَهُ فِيهِ أَمْرَهُ.
فَكَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ، عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ.
آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتقوه وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَنْهَى النَّاسَ فَلَا يَمَسَّ أَحَدٌ الْقُرْآنَ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ، وَأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ وَالَّذِي عَلَيْهِمْ، وَيَلِينُ لَهُمْ فِي الْحَقِّ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ حرم الظُّلم وَنهى عَنهُ فَقَالَ: " أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيل الله ".
وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا، وَيُنْذِرَ النَّاسَ النَّارَ وَعَمَلَهَا، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَنِهِ وَفَرَائِضِهِ وَمَا أمره اللَّهُ بِهِ، وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ.
وَأَنْ يَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا
стр. 1926
فَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَنْقُضَ شَعْرَ رَأْسِهِ إِذَا عفى فِي قَفَاهُ، وَيَنْهَى النَّاسَ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ هيج أَن يَدْعُو إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى الله وَدَعَا إِلَى الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ فَلْيَعْطِفُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ وَأَنْ يَمْسَحُوا رؤوسهم كَمَا أَمرهم الله عزوجل، وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَنْ يغلس بالصبح و [أَن] يُهَجَّرَ بِالْهَاجِرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْس فِي الارض مبدرة، وَالْمغْرب حِين يقبل اللَّيْل لَا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ، وَالْعِشَاءُ أول اللَّيْل.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمُسَ اللَّهِ مَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ فِيمَا سقى الْعَيْنُ (١) وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سَقَى الغرب فَنِصْفُ الْعُشْرِ، وَفِي كُلِّ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاتَانِ وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ، وَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ وَحْدَهَا شَاةٌ، فَإِنَّهَا فَرِيضَةُ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤمنِينَ، فَمن زَاد فَهُوَ خير لَهُ.
وَمن أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ فَدَانَ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُغَيَّرُ عَنْهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ مِنَ الثِّيَابِ، فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ ذمَّة الله وَرَسُوله، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤمنِينَ جَمِيعًا. стр. 1927
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ".
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ وَنُقْصَانٍ عَنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مُطَوَّلًا، وَأَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي السُّنَنِ
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَسَنَذْكُرُ بَعْدَ الْوُفُودِ بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَرَاءَ إِلَى الْيَمَنِ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ وأخماسهم، معَاذ بن جبل وَأَبُو مُوسَى وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
﵃ أَجْمَعِينَ.
قُدُومُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ وَإِسْلَامُهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ الْمُغيرَة بن شبْل، قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ، فَقُلْتُ لِجَلِيسِي: يَا عبد الله هَل ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نعم ذكرك بِأَحْسَن الذّكر، بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ عُرِضَ لَهُ فِي خُطْبَتِهِ وَقَالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، إِلَّا أَنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ.
قَالَ جرير: فحمدت الله عزوجل على مَا أبلاني.
قَالَ أَبُو قَطَنٍ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْهُ أَوْ سَمِعْتَهُ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شِبْلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ.
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ
стр. 1928
حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يُونُسَ، عَن أَبى إِسْحَاق السبيعى، عَن الْمُغيرَة ابْن شِبْلٍ - وَيُقَالُ ابْنُ شُبَيْلٍ - عَنْ عَوْفٍ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جرير وَنَصه: " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ " الْحَدِيثُ.
وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.
* * * وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.
وَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ زِيَادَةٌ: " وَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي " وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ: " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ ملك " فَذكر نَحْو مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو وَعُثْمَان بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْن
стр. 1929
ابْن عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا جرير لاى شئ جِئْت؟ قلت: أسلم على يَديك يارسول اللَّهِ.
قَالَ: فَأَلْقَى عَلَيَّ كِسَاءً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: " إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ".
ثُمَّ قَالَ: " يَا جَرِيرُ، أَدْعُوكَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ".
فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرَانِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ.
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث زِيَاد بن علاثة عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سعيد، حَدثنَا زَائِدَة، حَدثنَا عَاصِم، عَن سُفْيَان يَعْنِي - أَبَا وَائِلٍ - عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ عَلَيَّ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالشَّرْطِ.
قَالَ: " أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَحده لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاة، وتنصح الْمُسلم، وتبرأ من الشّرك ".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرٍ
стр. 1930
وفى طَرِيق أُخْرَى عَن الاعمش، عَن مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ، عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ بِهِ.
وَرَوَاهُ عَنْ جَرِيرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرَةَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ مُنْفَرِدًا بِهِ.
وَابْنُهُ عُبَيْدُ الله بن جرير أَحْمَدُ أَيْضًا مُنْفَرِدًا بِهِ.
وَأَبُو جَمِيلَةَ وَصَوَابُهُ نُخَيْلَةَ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ رَجُلٍ [عَنْ جَرِيرٍ] (١) فَذَكَرَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * * وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ حِينَ أَسْلَمَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ بَيْتٍ كَانَ يَعْبُدُهُ خَثْعَمٌ وَبُجَيْلَةُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، يُضَاهُونَ بِهِ الْكَعْبَةَ الَّتِي بِمَكَّةَ، وَيَقُولُونَ لِلَّتِي بِبَكَّةَ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، وَلِبَيْتِهِمْ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا تريحنى من ذى الخلصة؟ فَحِينَئِذٍ شكا إِلَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِيهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا " فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ فَرَسٍ.
وَنَفَرَ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَحْمَسَ، فَخَرَّبَ ذَلِكَ الْبَيْتَ وَحَرَّقَهُ حَتَّى تَرَكَهُ مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَجْرَبِ، وَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بشيرا следующие страницы →