← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9329

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي

الجلال السيوطي

Полный текст (925 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

" أَمَّا بَعْدُ " فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَهُوَ بَيَانُ طَرِيقِ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؟ وَهَذَا كِتَابٌ اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ " الْإِرْشَادِ " الَّذِي اخْتَصَرْتُهُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْمُتْقِنِ أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الصَّلَاحِ ﵁، أُبَالِغُ فِيهِ فِي الِاخْتِصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِالْمَقْصُودِ، وَأَحْرِصُ عَلَى إِيضَاحِ الْعِبَارَةِ، وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ الِاعْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ التَّفْوِيضُ وَالِاسْتِنَادُ. ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: «إِنَّ لَكُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ» . وَقَدْ قَسَّمَ ﷺ الْخُمْسَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ تَارِكًا أَخَوَيْهِمْ بَنِي نَوْفَلٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ مَعَ سُؤَالِهِمْ لَهُ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَآلُ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا، وَيُقَاسُ بِذَلِكَ آلُ الْبَاقِينَ. وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ عَنِ السُّنَّةِ بِالْحِكَمِ، أَخْذًا مِنْ تَفْسِيرِ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] بِالسُّنَّةِ. قَالَ ذَلِكَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا. [ورود أما بعد في خطب النبي وبيان منهجه في الكتاب] (أَمَّا بَعْدُ) أَتَى بِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَطَبَ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَذِكْرُهَا فِي خُطَبِهِ ﷺ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي حَدِيثِ: " إِنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ " رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. (فَإِنَّ عِلْمَ الْحَدِيثِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ) جَمْعُ قُرْبَةٍ أَيْ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ (إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَكَيْفَ لَا يَكُونُ) كَذَلِكَ (وَهُوَ بَيَانُ طَرِيقِ خَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) وَالشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مُتَعَلِّقِهِ، وَهُوَ أَيْضًا وَسِيلَةٌ إِلَى كُلِّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ. أَمَّا الْفِقْهُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ: فَلِأَنَّ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ. (وَهَذَا كِتَابٌ) فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ (اخْتَصَرْتُهُ مِنْ كِتَابِ الْإِرْشَادِ الَّذِي اخْتَصَرْتُهُ مِنْ) كِتَابِ (عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْحَافِظِ الْمُحَقِّقِ الْمُتْقِنِ) تَقِيِّ الدِّينِ (أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الشَّهْرُزُورِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ (الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الصَّلَاحِ) ، وَهُوَ لَقَبُ أَبِيهِ ﵁، أُبَالِغُ فِيهِ فِي الِاخْتِصَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِالْمَقْصُودِ، وَأَحْرِصُ عَلَى إِيضَاحِ الْعِبَارَةِ، وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ الِاعْتِمَادُ، وَإِلَيْهِ التَّفْوِيضُ وَالِاسْتِنَادُ) . [أنواع الحديث] [النوع الأول الصحيح] [حد الصحيح] (الْحَدِيثُ) فِيمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ) لِأَنَّهُ إِمَّا مَقْبُولٌ أَوْ مَرْدُودٌ، وَالْمَقْبُولُ إِمَّا أَنْ يَشْتَمِلَ مِنْ صِفَاتِ الْقَبُولِ عَلَى أَعْلَاهَا أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الصَّحِيحُ، وَالثَّانِي: الْحَسَنُ، وَالْمَرْدُودُ لَا حَاجَةَ إِلَى تَقْسِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بَيْنَ أَفْرَادِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَرَاتِبَهُ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةٌ، فَمِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ وَمَا لَا يَصْلُحُ، كَمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِتَمْيِيزِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّالِحَ لِلِاعْتِبَارِ دَاخِلٌ فِي قِسْمِ الْمَقْبُولِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، فَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ أَيْضًا وَلَمْ تُنَوَّعْ أَنْوَاعًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْضُوعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِحَدِيثٍ اصْطِلَاحًا، بَلْ بِزَعْمِ وَاضِعِهِ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَضَعِيفٌ فَقَطْ، وَالْحَسَنُ مُدْرَجٌ فِي أَنْوَاعِ الصَّحِيحِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي نُكَتِهِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى تَقْسِيمِهِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 38

الْحَدِيثُ: صَحِيحٌ، وَحَسَنٌ، وَضَعِيفٌ. الْأَوَّلُ: الصَّحِيحُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: فِي حَدِّهِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِالْعُدُولِ الضَّابِطِينَ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ. ــ [تدريب الراوي] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ذِكْرُ الْحَسَنِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَلَكِنَّ الْخَطَّابِيَّ نَقَلَ التَّقْسِيمَ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَهُوَ إِمَامٌ ثِقَةٌ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، أَيِ الْأَكْثَرِ، أَوِ الْأَعْظَمِ، أَوِ الَّذِي اسْتَقَرَّ اتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا التَّقْسِيمُ إِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَ إِلَّا صَحِيحٌ وَكَذِبٌ، أَوْ إِلَى اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، فَهُوَ يَنْقَسِمُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي، وَالْكُلُّ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. (الْأَوَّلُ الصَّحِيحُ) وَهُوَ فَعِيلٌ - بِمَعْنَى فَاعِلٍ - مِنَ الصِّحَّةِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا مَجَازٌ. أَوِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. (وَفِيهِ مَسَائِلُ، الْأُولَى: فِي حَدِّهِ، وَهُوَ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: الْمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَأَشْمَلُ لِلْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ. (بِالْعُدُولِ الضَّابِطِينَ) جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ سِلْسِلَةِ السَّنَدِ، أَيْ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ إِذْ تُوهِمُ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ ضَابِطُونَ عَنْ جَمَاعَةٍ ضَابِطِينَ، وَلَيْسَ مُرَادًا. قِيلَ: كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ بِنَقْلِ الثِّقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ جَمَعَ الْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ، وَالتَّعَارِيفُ تُصَانُ عَنِ الْإِسْهَابِ.

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ) فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُدَلَّسُ وَالْمُرْسَلُ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ، وَبِالثَّانِي مَا نَقَلَهُ مَجْهُولٌ عَيْنًا أَوْ حَالًا، أَوْ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ، وَبِالثَّالِثِ مَا نَقَلَهُ مُغَفَّلٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ، وَبِالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ الشَّاذُّ وَالْمُعَلَّلُ. ١ - [تَنْبِيهَاتٌ] الْأَوَّلُ: حَدَّ الْخَطَّابِيُّ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ: مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَعُدِّلَتْ نَقْلَتُهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فَلَمْ يُشْتَرَطْ ضَبْطُ الرَّاوِي وَلَا السَّلَامَةُ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ ضَبْطَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ الْخَطَأُ فِي حَدِيثِهِ وَفَحُشَ، اسْتَحَقَّ التَّرْكَ. قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عِبَارَتِهِ، وَأَنَّ بَيْنَ قَوْلِنَا: الْعَدْلُ وَعَدَّلُوهُ فَرْقًا؛ لِأَنَّ الْمُغَفَّلَ الْمُسْتَحِقَّ لِلتَّرْكِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ: عَدَّلَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي نُكَتِهِ مَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ الْعَدَالَةِ يَسْتَدْعِي صِدْقَ الرَّاوِي وَعَدَمَ غَفْلَتِهِ وَعَدَمَ تَسَاهُلِهِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ اشْتِرَاطَ نَفْيِ الشُّذُوذِ يُغْنِي عَنِ اشْتِرَاطِ الضَّبْطِ؛ لِأَنَّ الشَّاذَّ إِذَا كَانَ

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] هُوَ الْفَرْدَ الْمُخَالِفَ، وَكَانَ شَرْطُ الصَّحِيحِ أَنْ يَنْتَفِيَ، كَانَ مَنْ كَثُرَتْ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ وَهُوَ غَيْرُ الضَّابِطِ أَوْلَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّبْيِينِ، فَأَرَادَ التَّنْصِيصَ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْإِشَارَةِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، فَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ: إِنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ زَادُوا ذَلِكَ فِي حَدِّ الصَّحِيحِ، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى نَظَرِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يُعَلِّلُ بِهَا الْمُحَدِّثُونَ لَا تَجْرِي عَلَى أُصُولِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْجَوَابُ أَنَّ مَنْ يُصَنِّفُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَذْكُرُ الْحَدَّ عِنْدَ أَهْلِهِ لَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ عِلْمٍ آخَرَ، وَكَوْنُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ لَا يَشْتَرِطُونَ فِي الصَّحِيحِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ لَا يُفْسِدُ الْحَدَّ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُمَا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ بَعْدَ الْحَدِّ: فَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، لِاخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُودِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِيهِ، أَوْ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِهَا كَمَا فِي الْمُرْسَلِ. الثَّانِي: قِيلَ: بَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَلَا إِنْكَارَ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُنْكَرَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الصَّلَاحِ هُوَ وَالشَّاذُّ سِيَّانِ، فَذِكْرُهُ مَعَهُ تَكْرِيرٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الشَّاذِّ؛ فَاشْتِرَاطُ نَفْيِ الشُّذُوذِ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ نَفْيِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (الثَّالِثُ) : قِيلَ: لَمْ يُفْصِحْ بِمُرَادِهِ مِنَ الشُّذُوذِ هُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي نَوْعِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: مُخَالَفَةُ الثِّقَةِ لِأَرْجَحَ مِنْهُ. وَالثَّانِي: تَفَرُّدُ الثِّقَةَ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: تَفَرُّدُ الرَّاوِي مُطْلَقًا. وَرَدَّ الْأَخِيرَيْنِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ هُنَا الْأَوَّلَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ عُدُولًا ضَابِطِينَ، فَقَدِ انْتَفَتْ عَنْهُ الْعِلَلُ الظَّاهِرَةُ. ثُمَّ إِذَا انْتَفَى كَوْنُهُ مَعْلُولًا فَمَا الْمَانِعُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ؟ فَمُجَرَّدُ مُخَالَفَةِ أَحَدِ رُوَاتِهِ لِمَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ عَدَدًا لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّعْفَ، بَلْ يَكُونُ مِنْ بَابِ صَحِيحٍ وَأَصَحَّ. قَالَ: وَلَمْ يُرْوَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ اشْتِرَاطُ نَفْيِ الشُّذُوذِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُخَالَفَةِ. وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ تَقْدِيمُ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ فِي الصِّحَّةِ. وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا أَخْرَجَا قِصَّةَ جَمَلِ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ، وَفِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، وَفِي اشْتِرَاطِ رُكُوبِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ الطُّرُقَ الَّتِي فِيهَا الِاشْتِرَاطُ عَلَى غَيْرِهَا، مَعَ تَخْرِيجِ الْأَمْرَيْنِ، وَرَجَّحَ أَيْضًا كَوْنَ الثَّمَنِ أُوقِيَّةً مَعَ تَخْرِيجِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ فِيهِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الِاضْطِجَاعِ قَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَقَدْ خَالَفَهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ كَمَعْمَرٍ وَيُونُسَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَشُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ رِوَايَتَهُمْ عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَأَخَّرْ أَصْحَابُ

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] الصَّحِيحِ عَنْ إِخْرَاجِ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي كُتُبِهِمْ. وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى الْحَدِيثُ صَحِيحًا وَلَا يُعْمَلَ بِهِ - قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، لَيْسَ كُلُّ صَحِيحٍ يُعْمَلُ بِهِ، بِدَلِيلِ الْمَنْسُوخِ - قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، إِنَّ الْمُخَالِفَ الْمَرْجُوحَ لَا يُسَمَّى صَحِيحًا؛ فَفِي جَعْلِ انْتِفَائِهِ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ نَظَرٌ، بَلْ إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ أَوَّلًا حُكِمَ لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ مَا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ شُذُوذًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشُّذُوذِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ أَصْلًا مَأْخُوذٌ مِنْ عَدَالَةِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ عَدَالَتُهُ وَضَبْطُهُ كَانَ الْأَصْلُ أَنَّهُ حَفِظَ مَا رَوَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ. (الرَّابِعُ) : عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ: وَلَا يَكُونُ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا. فَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمَعْلُولِ حَيْثُ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَكِنَّ مَنْ غَيَّرَ عِبَارَةَ ابْنِ الصَّلَاحِ، فَقَالَ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلَا عِلَّةٍ، احْتَاجَ أَنْ يَصِفَ الْعِلَّةَ بِكَوْنِهَا قَادِحَةً وَبِكَوْنِهَا خَفِيَّةً، وَقَدْ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ الْوَصْفَ الْأَوَّلَ وَأَهْمَلَ الثَّانِيَ وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ وَبَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ الِاثْنَيْنِ، فَبَقِيَ الِاعْتِرَاضُ مِنْ وَجْهَيْنِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا كَانَ قَادِحًا. فَلَفْظُ الْعِلَّةِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. (الْخَامِسُ) : أُورِدَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ مَا سَيَأْتِي: إِنَّ الْحَسَنَ إِذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] ارْتَقَى مِنْ دَرَجَةِ الْحُسْنِ إِلَى مَنْزِلَةِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْحَدِّ، وَكَذَا مَا اعْتُضِدَ بِتَلَقِّي الْعُلَمَاءِ لَهُ بِالْقَبُولِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْكَمُ لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ إِذَا تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ: لِمَا حُكِيَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ صَحَّحَ حَدِيثَ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» ، وَأَهْلَ الْحَدِيثِ لَا يُصَحِّحُونَ مِثْلَ إِسْنَادِهِ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ عِنْدِي صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ. وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ: رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «الدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا» ، قَالَ: وَفِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى مَعْنَاهُ غِنًى عَنِ الْإِسْنَادِ فِيهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: تُعْرَفُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ إِذَا اشْتُهِرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ نَحْوَهُ ابْنُ فُورَكَ، وَزَادَ بِأَنْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْحَصَّارِ فِي تَقْرِيبِ الْمَدَارِكِ، عَلَى مُوَطَّأٍ مَالِكٍ: قَدْ يَعْلَمُ الْفَقِيهُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي سَنَدِهِ كَذَّابٌ بِمُوَافَقَةِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ بَعْضِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ الصَّحِيحُ

стр. 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] لِذَاتِهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَمَا أُورِدَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي. (السَّادِسُ) : أُورِدَ أَيْضًا: الْمُتَوَاتِرُ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَجْمُوعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يُوجَدُ حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ؟ (السَّابِعُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَدِ اعْتَنَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْمُصَنِّفُ بِجَعْلِ الْحَسَنِ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِذَاتِهِ وَالْآخَرُ بِاعْتِضَادِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِالصَّحِيحِ أَيْضًا، وَيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْرِيفِ الصَّحِيحِ لِذَاتِهِ فِي بَابِهِ، وَذَكَرَ الصَّحِيحَ لِغَيْرِهِ فِي نَوْعِ الْحَسَنِ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَعْرِيفِ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ فِي بَابِهِ، وَيَذْكُرَ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ فِي نَوْعِ الضَّعِيفِ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ. ١ - فَائِدَتَانِ الْأُولَى: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ هُنَا مِنْ كَلَامِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: شَرْطُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ بِنَقْلِ الثِّقَةِ عَنِ الثِّقَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ غَيْرَ شَاذٍّ وَلَا مُعَلَّلٍ، وَهَذَا هُوَ حَدُّ الصَّحِيحِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَخْذُهُ انْتِفَاءَ الشُّذُوذِ مِنْ كَلَامِ مُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ فِي غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ صَحِيحِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالنَّظَرُ السَّابِقُ فِي السَّلَامَةِ مِنَ الشُّذُوذِ بَاقٍ. قَالَ: ثُمَّ ظَهَرَ لِي مَأْخَذُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّاذَّ وَالْمُنْكَرَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى

стр. 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَاحِدٍ. وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِمٌ بِأَنَّ عَلَامَةَ الْمُنْكَرِ أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخٍ كَثِيرِ الْحَدِيثِ وَالرُّوَاةُ شَيْئًا يَنْفَرِدُ بِهِ عَنْهُمْ، فَيَكُونُ الشَّاذُّ كَذَلِكَ، فَيُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهُ. ١ - (الثَّانِيَةُ) : بَقِيَ لِلصَّحِيحِ شُرُوطٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا: مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مَشْهُورًا بِالطَّلَبِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الشُّهْرَةَ الْمُخْرِجَةَ عَنِ الْجَهَالَةِ، بَلْ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ: لَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ إِلَّا عَلَى مَنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ، وَعَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ، وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ اعْتِبَارُ ذَلِكَ، إِلَّا إِذَا كَثُرَتْ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ فَيَسْتَغْنِيَانِ عَنِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَغْنَى بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ عَنِ اعْتِبَارِ الضَّبْطِ التَّامِّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: اشْتِرَاطُ الضَّبْطِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، إِذِ الْمَقْصُودُ بِالشُّهْرَةِ بِالطَّلَبِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيدُ اعْتِنَاءٍ بِالرِّوَايَةِ لِتَرْكَنَ النَّفْسُ إِلَى كَوْنِهِ ضَبَطَ مَا رَوَى. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي الْقَوَاطِعِ: أَنَّ الصَّحِيحَ لَا يُعْرَفُ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ وَالْمُذَاكَرَةِ.

стр. 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنِ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ كَوْنِهِ مَعْلُولًا؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْفَهْمِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ عِلْمَهُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ، حَيْثُ يَرْوِي بِالْمَعْنَى، وَهُوَ شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، لَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الضَّبْطِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اشْتَرَطَ فِقْهَ الرَّاوِي. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ أَوْ عِنْدَ التَّفَرُّدِ بِمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. وَمِنْهَا: اشْتِرَاطُ الْبُخَارِيِّ ثُبُوتَ السَّمَاعِ لِكُلِّ رَاوٍ مِنْ شَيْخِهِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِمْكَانِ اللِّقَاءِ وَالْمُعَاصَرَةِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى أَنَّهُ شَرْطُ الصَّحِيحِ بَلِ الْأَصَحِّيَّةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ الْعَدَدَ فِي الرِّوَايَةِ كَالشَّهَادَةِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَكَاهُ الْحَازِمِيُّ فِي شُرُوطِ الْأَئِمَّةِ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ كَلَامِ الْحَاكِمِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَفِي الْمَدْخَلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْأَثِيرِ

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهِ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَيَانَجِيُّ فِي كِتَابِ " مَا لَا يَسَعُ الْمُحَدِّثَ جَهْلُهُ ": شَرْطُ الشَّيْخَيْنِ فِي صَحِيحِهِمَا أَنْ لَا يُدْخِلَا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَأَكْثَرُ، وَأَنْ يَكُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يُمَارِسِ الصَّحِيحَيْنِ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ فِي الْكِتَابَيْنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمَا أَبْعَدَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ: كَانَ مَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَرْوِيَهُ اثْنَانِ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، بَلْ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ عَنِ الْوَاحِدِ صَحِيحَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ حَدِيثِ: " الْأَعْمَالِ ": انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. قَالَ: وَحَدِيثُ عُمَرَ وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا بَنَى الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ عَلَى حَدِيثٍ يَرْوِيهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْفَنِّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَحْضَرِ

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] الْأَعْيَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَصَارَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ عُمَرَ ذَكَّرَهُمْ لَا أَخْبَرَهُمْ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ - أَنَّ مَا ادَّعَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ - مِنْ أَنَّ شَرْطَ الشَّيْخَيْنِ ذَلِكَ مُسْتَحِيلُ الْوُجُودِ، قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ يَدَّعِي عَلَيْهِمَا ذَلِكَ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، فَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُمَا اشْتَرَطَا ذَلِكَ؟ إِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَلْيُبَيِّنْ طَرِيقَهُ لِنَنْظُرَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ عَرَفَهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَقَدْ وَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَلَقَدْ كَانَ يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ أَوَّلُ حَدِيثٍ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ عَنْهُ فِيهِ تَقْصِيرٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ وَحْدَهُ، بَلِ انْفَرَدَ بِهِ عَلْقَمَةُ عَنْهُ، وَانْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَانْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ يَحْيَى تَعَدَّدَتْ رُوَاتُهُ. وَأَيْضًا فَكَوْنُ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ذَكَّرَ السَّامِعِينَ بِمَا هُوَ عِنْدَهُمْ، بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكِرُوهُ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ ثِقَةٌ، فَلَوْ حَدَّثَهُمْ بِمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ قَطُّ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ. اهـ. وَقَدْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ رَجُلَيْنِ عَنْ رَجُلَيْنِ فِي شَرْطِ الْقَبُولِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، إِلَّا أَنَّهُ مَهْجُورُ الْقَوْلِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، لِمَيْلِهِ إِلَى الِاعْتِزَالِ، وَقَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَيُحَذِّرُ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يُقْبَلُ الْخَبَرُ إِذَا رَوَاهُ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ، إِلَّا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ خَبَرُ عَدْلٍ آخَرَ، أَوْ عَضَّدَهُ مُوَافَقَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، أَوْ ظَاهِرِ خَبَرٍ آخَرَ، أَوْ

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] يَكُونُ مُنْتَشِرًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ عَمِلَ بِهِ بَعْضُهُمْ، حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا رَوَاهُ أَرْبَعَةٌ. وَلِلْمُعْتَزِلَةِ فِي رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَجٌ: مِنْهَا قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ تَوَقَّفَ فِي خَبَرِهِ حَتَّى تَابَعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَوَقَّفَ فِي خَبَرِ الْمُغِيرَةِ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ حَتَّى تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَقِصَّةُ عُمَرَ

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] حِينَ تَوَقَّفَ عَنْ خَبَرِ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى تَابَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: فَأَمَّا قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ، فَإِنَّمَا حَصَلَ التَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَأَمْرُ الصَّلَاةِ لَا يَرْجِعُ الْمُصَلِّي فِيهِ إِلَى خَبَرِ غَيْرِهِ، بَلْ وَلَوْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ، فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا تَذَكَّرَ عِنْدَ إِخْبَارِ غَيْرِهِ. وَقَدْ بَعَثَ ﷺ رُسُلَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدَ عَلَيْهِ الْآحَادُ مِنَ الْقَبَائِلِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى قَبَائِلِهِمْ، وَكَانَتِ الْحُجَّةُ قَائِمَةً بِإِخْبَارِهِمْ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ. وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّمَا تَوَقَّفَ إِرَادَةً لِلزِّيَادَةِ فِي التَّوَثُّقِ، وَقَدْ قَبِلَ خَبَرَ عَائِشَةَ وَحْدَهَا فِي قَدْرِ كَفَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فَإِنَّ أَبَا مُوسَى أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ عَقِبَ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ رُجُوعَهُ، فَأَرَادَ التَّثَبُّتَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قَبِلَ خَبَرَ ابْنِ عَوْفٍ وَحْدَهُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَنِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهَا الطَّاعُونُ، وَخَبَرَ الضَّحَّاكِ بْنِ

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] سُفْيَانَ فِي تَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ. قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ عَلَى ثُبُوتِ الْخَبَرِ بِالْوَاحِدِ بِحَدِيثِ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ» ، وَبِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنًا، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَدْ تَرَكُوا قِبْلَةً كَانُوا عَلَيْهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ﷺ . وَبِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ: «إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا وَمَا ذَاكَ، قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قَالَ: أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ» . وَبِحَدِيثِ إِرْسَالِهِ عَلِيًّا إِلَى الْمَوْقِفِ بِأَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَبِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ: «كُنَّا بِعَرَفَةَ فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَقِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ هَذِهِ» .

стр. 53

وَإِذَا قِيلَ صَحِيحٌ فَهَذَا مَعْنَاهُ، لَا أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَإِذَا قِيلَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَمَعْنَاهُ لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ ــ [تدريب الراوي] وَبِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يُنَادِي فِي النَّاسِ: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلْ شَيْئًا» الْحَدِيثَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدِ ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ نَقِيضَ هَذِهِ الدَّعْوَى فَقَالَ: إِنَّ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ عَنِ اثْنَيْنِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ لَا تُوجَدُ أَصْلًا، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَزِيزِ، وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ: أَنْ يَرْوِيَهُ ثَلَاثَةٌ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعَةً عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَبَعْضُهُمْ خَمْسَةً عَنْ خَمْسَةٍ، وَبَعْضُهُمْ سَبْعَةً عَنْ سَبْعَةٍ. [قوله هذا حديث صحيح وهذا غير صحيح] (وَإِذَا قِيلَ) هَذَا حَدِيثٌ (صَحِيحٌ فَهَذَا مَعْنَاهُ) أَيْ: مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَعَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَبِلْنَاهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ (لَا أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِجَوَازِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْقَطْعَ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِأَحْمَدَ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ لِمَالِكٍ، وَإِنْ نَازَعَهُ فِيهِ الْمَازِرِيُّ، بِعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ لَهُ فِيهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حُسَيْنٍ الْكَرَابِيسِيِّ وَابْنُ حَزْمٍ عَنْ دَاوُدَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ إِمَامٌ مِثْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ، وَإِلَّا فَلَا يُوجِبُهُ.

стр. 54

وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ فِي إِسْنَادٍ أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُطْلَقًا. ــ [تدريب الراوي] وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَشِبْهِهِ، أَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ. (وَإِذَا قِيلَ) هَذَا حَدِيثٌ (غَيْرُ صَحِيحٍ) لَوْ قَالَ: ضَعِيفٌ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَأَسْلَمَ مِنْ دُخُولِ الْحَسَنِ (فَمَعْنَاهُ لَمْ يَصِحَّ إِسْنَادُهُ) عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، لَا أَنَّهُ كَذِبٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِجَوَازِ صِدْقِ الْكَاذِبِ وَإِصَابَةِ مَنْ هُوَ كَثِيرُ الْخَطَأِ. [هل يُجْزَمُ فِي إِسْنَادِ أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُطْلَقًا] (وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ فِي إِسْنَادِهِ أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُطْلَقًا) لِأَنَّ تَفَاوُتَ مَرَاتِبِ الصِّحَّةِ مُرَتَّبٌ عَلَى تَمَكُّنِ الْإِسْنَادِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَيَعِزُّ وُجُودُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْقَبُولِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ الْكَائِنِينَ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَلِهَذَا اضْطَرَبَ مَنْ خَاضَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ اسْتِقْرَاءٌ تَامٌّ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مَا قَوِيَ عِنْدَهُ خُصُوصًا إِسْنَادَ بَلَدِهِ لِكَثْرَةِ اعْتِنَائِهِ بِهِ، كَمَا رَوَى الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ غَيْلَانَ يَقُولُ: قِيلَ لِوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَسُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، أَيُّهُمْ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَا نَعْدِلُ بِأَهْلِ بَلَدِنَا أَحَدًا، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ، هَكَذَا رَأَيْتُ أَصْحَابَنَا يُقَدِّمُونَ.

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ عَلَى إِسْنَادٍ مُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ أَصَحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ عَدَمِ اتِّفَاقِهِمْ تَرْجِيحٌ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ لِلنَّاظِرِ الْمُتْقِنِ تَرْجِيحُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ حَيْثُ حِفْظُ الْإِمَامِ الَّذِي رَجَّحَ وَإِتْقَانُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَخْلُو النَّظَرُ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ مِنْ ذَلِكَ يُفِيدُ تَرْجِيحَ التَّرَاجِمِ الَّتِي حَكَمُوا لَهَا بِالْأَصَحِّيَّةِ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لَهُ حُكْمٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ. ١ - تَنْبِيهٌ عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ: وَلِهَذَا نَرَى الْإِمْسَاكَ عَنِ الْحُكْمِ لِإِسْنَادٍ أَوْ حَدِيثٍ بِأَنَّهُ أَصَحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قَالَ الْعَلَائِيُّ: أَمَّا الْإِسْنَادُ فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ كَذَا أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ أَصَحَّ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْنُ كَذَلِكَ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ مَا خَاضَ الْأَئِمَّةُ إِلَّا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْنَادِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: سَيَأْتِي أَنَّ مِنْ لَازِمِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ أَصَحَّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنْ يَكُونَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَإِنَّهُ لَمْ

стр. 56

وَقِيلَ: أَصَحُّهَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَقِيلَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ: الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ــ [تدريب الراوي] يَرْوِ فِي مُسْنَدِهِ بِهِ غَيْرَهُ فَيَكُونُ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ عَلَى رَأْيِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: قَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْعَلَائِيُّ نَفْسُهُ فِي عَوَالِي مَالِكٍ، فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: إِنَّهُ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الدُّنْيَا. [أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُطْلَقًا] (وَقِيلَ: أَصَحُّهَا) مُطْلَقًا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ (الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (عَنْ أَبِيهِ) ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ. (وَقِيلَ) أَصَحُّهَا مُحَمَّدُ (ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ) السَّلْمَانِيِّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَنْ عَلِيِّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْفَلَّاسِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، إِلَّا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَجْوَدُهَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. (وَقِيلَ) أَصَحُّهَا سُلَيْمَانُ (الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بْنِ قَيْسٍ (عَنْ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ مَسْعُودٍ) وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَعِينٍ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ. (وَقِيلَ) أَصَحُّهَا (الزُّهْرِيُّ عَنْ) زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ) الْحُسَيْنِ (عَنْ) أَبِيهِ (عَلِيِّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْعِرَاقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.

стр. 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (وَقِيلَ) أَصَحُّهَا (مَالِكُ) بْنُ أَنَسٍ (عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) وَهَذَا قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، وَصَدَّرَ الْعِرَاقِيُّ بِهِ كَلَامَهُ، وَهُوَ أَمْرٌ تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ، وَتَنْجَذِبُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ. رَوَى الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ: يَا أَبَا زُرْعَةَ، لَيْسَ ذَا زَعْزَعَةً، عَنْ زَوْبَعَةٍ، إِنَّمَا تَرْفَعُ السِّتْرَ فَتَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (فَعَلَى هَذَا قِيلَ) عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَبَنَى الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّ أَجَلَّ الْأَسَانِيدِ (الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) . وَاحْتَجَّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَجَلُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَبَنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَجَلَّهَا رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَجَلَّ مَنْ أَخَذَ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَتُسَمَّى هَذِهِ التَّرْجَمَةُ سِلْسِلَةَ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى كِبَرِهِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي الْوَاقِعِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ جَمَعَهَا وَسَاقَهَا مَسَاقَ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ،

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَلْ لَمْ يَقَعْ لَنَا عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ غَيْرُهَا، وَلَا خَارِجَ الْمُسْنَدِ. أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ الشُّمُنِّيُّ ﵀ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَنْبَلِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعُرْضِيُّ، أَخْبَرَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيٍّ، ح وَأَخْبَرَنِي عَالِيًا مُسْنِدُ الدُّنْيَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقْبِلٍ الْحَلَبِيُّ مُكَاتَبَةً مِنْهَا، عَنِ الصَّلَاحِ بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيِّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ، قَالَا: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّصَافِيُّ، أَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُفَرَّقًا، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، إِلَّا النَّهْيَ عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. ١ -

стр. 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: اعْتِرَاضُ مُغَلْطَايِ عَلَى التَّمِيمِيِّ فِي ذِكْرِهِ الشَّافِعِيَّ بِرِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ، إِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْجَلَالَةِ، وَابْنِ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيِّ إِنْ نَظَرْنَا إِلَى الْإِتْقَانِ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي " مَحَاسِنِ الْإِصْلَاحِ ": فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ وَإِنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنْ لَمْ تَشْتَهِرْ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، كَاشْتِهَارِ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، أَمَّا الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ فَأَيْنَ تَقَعُ رُتْبَتُهُمَا مِنْ رُتْبَةِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ: رِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِهِ، وَفِي " الْمُدَبَّجِ " لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ حَدِيثًا كَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يَحْسُنُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ تَثْبُتْ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْخَطِيبُ لِرِوَايَتَيْنِ وَقَعَتَا لَهُمَا عَنْهُ بِإِسْنَادَيْنِ فِيهِمَا مَقَالٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي الْمُذَاكَرَةِ، وَلَمْ يَقْصِدِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ كَالشَّافِعِيِّ الَّذِي لَازَمَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُ بِابْنِ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيِّ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّهُ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ سَمَاعِهِ لَهُ مِنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الرَّاوِي لَهُ عَنْ مَالِكٍ بِكَثْرَةٍ، قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُهُ فِيهِ ثَبْتًا، فَعَلَّلَ إِعَادَتَهُ لِسَمَاعِهِ وَتَخْصِيصَهَا بِالشَّافِعِيِّ بِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى التَّثَبُّتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُمَا. قَالَ: نَعَمْ، أَطْلَقَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّ الْقَعْنَبِيَّ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْجُودِينَ عِنْدَ إِطْلَاقِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَإِنَّ الْقَعْنَبِيَّ عَاشَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ مُدَّةً، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُعَارَضَةُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمِثْلِهَا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ مِثْلَ ذَلِكَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ التِّنِّيسِيِّ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّقْدِيمِ مِنْ جِهَةِ مَنْ سَمِعَ كَثِيرًا مِنَ الْمُوَطَّأِ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَتْقَنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا ابْنُ وَهْبٍ فَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ غَيْرُ جَيِّدِ التَّحَمُّلِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِنْ كَانَ أَتْقَنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ كَانَ كَثِيرَ اللُّزُومِ لَهُ. قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ تَرْدِيدِ الْمُعْتَرِضِ بَيْنَ الْأَجَلِّيَّةِ وَالْأَتْقَنِيَّةِ، وَأَبُو مَنْصُورٍ إِنَّمَا عَبَّرَ بِأَجَلَّ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَلُّ مِنْ هَؤُلَاءِ، لِمَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] الْعَلِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَقْدِيمِهِ، وَأَيْضًا فَزِيَادَةُ إِتْقَانِهِ لَا يَشُكُّ فِيهَا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِأَخْبَارِ النَّاسِ، فَقَدْ كَانَ أَكَابِرُ الْمُحَدِّثِينَ يَأْتُونَهُ فَيُذَاكِرُونَهُ بِأَحَادِيثَ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ، فَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا أَشْكَلَ، وَيُوقِفُهُمْ عَلَى عِلَلٍ غَامِضَةٍ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ يَتَعَجَّبُونَ، وَهَذَا لَا يُنَازِعُ فِيهِ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُتَغَافِلٌ. قَالَ: لَكِنَّ إِيرَادَ كَلَامِ أَبِي مَنْصُورٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْجِيحِ تَرْجَمَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى غَيْرِهَا، إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ، فَرُوَاتُهُ فِيهِ سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِرَاكُ فِي رِوَايَةِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَيَتِمُّ مَا عَبَّرَ بِهِ أَبُو مَنْصُورٍ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَلُّهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ، أَنَّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِهِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَالْمَقَامُ عَلَى هَذَا مَقَامُ تَأَمُّلٍ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي أَحْمَدَ بِمِثْلِ مَا نُوزِعَ فِي الشَّافِعِيِّ مِنْ زِيَادَةِ الْمُمَارَسَةِ وَالْمُلَازَمَةِ لِغَيْرِهِ؛ كَالرَّبِيعِ مَثَلًا، وَيُجَابُ بِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ. ١ - الثَّانِي: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ، وَبَقِيَ أَقْوَالٌ أُخَرُ: فَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، يَعْنِي عَنْ شُيُوخِهِ، هَذِهِ عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي نُكَتِهِ. وَعِبَارَةُ الْحَاكِمِ: قَالَ حَجَّاجٌ: اجْتَمَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُمْ فَتَذَاكَرُوا أَجْوَدَ الْأَسَانِيدِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَجْوَدُ الْأَسَانِيدِ: شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَامِرٍ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ وَأَحْمَدَ مَا سَبَقَ عَنْهُمَا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، لَيْسَ إِسْنَادٌ أَثْبَتَ مِنْ هَذَا، أَسْنَدَهُ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: فَعَلَى هَذَا لِابْنِ مَعِينٍ قَوْلَانِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيُّ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ الْبَزَّارِ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، أَيُّ الْأَسَانِيدِ أَثْبَتُ؟ قَالَ: أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ، فَيَالَكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَلِأَحْمَدَ قَوْلَانِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ: إِذَا كَانَ الرَّاوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ثِقَةً، فَهُوَ كَأَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِجَلَالَةِ إِسْنَادِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَهُ.

стр. 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا أَحْسَنَ إِسْنَادًا مِنْ هَذَا: شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْعِجْلِيُّ: أَرْجَحُ الْأَسَانِيدِ وَأَحْسَنُهَا، سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَلِكَ رَجَّحَهَا النَّسَائِيُّ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَقْوَى الْأَسَانِيدِ الَّتِي تُرْوَى، فَذَكَرَ مِنْهَا الزُّهْرِيَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ تَرْجَمَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا رَجَّحَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَرَجَّحَ ابْنُ مَعِينٍ تَرْجَمَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ. ١ - الثَّالِثُ: قَالَ الْحَاكِمُ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْقَوْلِ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ بِصَحَابِيٍّ أَوْ بَلَدٍ مَخْصُوصٍ، بِأَنْ يُقَالَ: أَصَحُّ إِسْنَادِ فُلَانٍ أَوِ الْفُلَانِيِّينَ كَذَا وَلَا يُعَمَّمُ، قَالَ: فَأَصَحُّ أَسَانِيدِ الصِّدِّيقِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ. وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

стр. 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَصَحُّ طَرِيقٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي عَنْ جَعْفَرٍ ثِقَةً، هَذِهِ عِبَارَةُ الْحَاكِمِ وَوَافَقَهُ مَنْ نَقَلَهَا وَفِيهَا نَظَرٌ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي جَدِّهِ إِنْ عَادَ إِلَى جَعْفَرٍ فَجَدُّهُ عَلِيٌّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَوْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْحُسَيْنِ. وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْإِسْنَادَ: مِثْلَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ: الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ، وَرَوَى قَبْلُ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ، وَحَكَى غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ: وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ ابْنِ عُمَرَ: مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ. وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ عَائِشَةَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهَا، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: هَذِهِ تَرْجَمَةٌ مُشَبَّكَةٌ بِالذَّهَبِ. قَالَ: وَمِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ أَيْضًا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا. (وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الدَّارِمِيِّ قَوْلٌ آخَرُ) . وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْهُ، وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَنَسٍ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا مِمَّا يُنَازَعُ فِيهِ، فَإِنَّ قَتَادَةَ وَثَابِتًا الْبُنَانِيَّ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُمَا مِنَ الرُّوَاةِ جَمَاعَةٌ، فَأَثْبَتُ أَصْحَابِ ثَابِتٍ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقِيلَ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَأَثْبَتُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ: شُعْبَةُ، وَقِيلَ: هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ. وَقَالَ الْبَزَّارُ: رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَصَحُّ إِسْنَادٍ يُرْوَى عَنْ سَعْدٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ: أَثْبَتُ أَسَانِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْحَاكِمُ: وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ الْمَكِّيِّينَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ، وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ الْيَمَانِيِّينَ: مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَثْبَتُ أَسَانِيدِ الْمِصْرِيِّينَ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. وَأَثْبَتُ أَسَانِيدِ الْخُرَاسَانِيِّينَ: الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَأَثْبَتُ أَسَانِيدِ الشَّامِيِّينَ: الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الصَّحَابَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَجَّحَ بَعْضُ أَئِمَّتِهِمْ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ: لَيْسَ بِالْكُوفَةِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ. وَكَانَ جَمَاعَةٌ لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى حَدِيثِ الْحِجَازِ شَيْئًا، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: إِذَا خَرَجَ الْحَدِيثُ عَنِ الْحِجَازِ انْقَطَعَ نُخَاعُهُ.

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ لِلْحَدِيثِ مِنَ الْحِجَازِ أَصْلٌ، ذَهَبَ نُخَاعُهُ، حَكَاهُ الْأَنْصَارِيُّ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْكَلَامِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَ مِنَ الْعِرَاقِ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْحِجَازِ فَلَا يُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا، مَا أُرِيدُ إِلَّا نَصِيحَتَكَ. وَقَالَ مِسْعَرٌ: قُلْتُ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَيُّمَا أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ أَهْلُ الْحِجَازِ أَمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ؟ فَقَالَ: بَلْ أَهْلُ الْحِجَازِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا سَمِعْتَ بِالْحَدِيثِ الْعِرَاقِيِّ فَأَوْرِدْ بِهِ ثُمَّ أَوْرِدْ بِهِ. وَقَالَ طَاوُسٌ: إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ مِائَةَ حَدِيثٍ فَاطْرَحْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْكُوفَةِ دَغَلًا كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَدِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ وَإِسْنَادُهُمْ أَقْرَبُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: أَصَحُّ طُرُقِ السُّنَنِ مَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ " مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ "، فَإِنَّ التَّدْلِيسَ عَنْهُمْ قَلِيلٌ، وَالْكَذِبَ وَوَضْعَ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَزِيزٌ. وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ رِوَايَاتٌ جَيِّدَةٌ وَطُرُقٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَمَرْجِعُهَا إِلَى أَهْلِ الْحِجَازِ أَيْضًا.

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَلِأَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْوَاضِحَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مَعَ إِكْثَارِهِمْ. وَالْكُوفِيُّونَ مِثْلُهُمْ فِي الْكَثْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ رِوَايَاتِهِمْ كَثِيرَةُ الدَّغَلِ، قَلِيلَةُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعِلَلِ. وَحَدِيثُ الشَّامِيِّينَ أَكْثَرُهُ مَرَاسِيلُ وَمَقَاطِيعُ، وَمَا اتَّصَلَ مِنْهُ مِمَّا أَسْنَدَهُ الثِّقَاتُ فَإِنَّهُ صَالِحٌ. وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاعِظِ. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَهْلُ الشَّامِ. ١ - الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْدِيجِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى صِحَّةِ أَحَادِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٍ وَالزُّبَيْدِيِّ وَعُقَيْلٍ، مَا لَمْ يَخْتَلِفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا تُوُقِّفَ فِيهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ، أَنْ يَجْرِيَ هَذَا الشَّرْطُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، فَيُقَالُ: إِنَّمَا يُوصَفُ بِالْأَصَحِّيَّةِ حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنِ اضْطِرَابٍ أَوْ شُذُوذٍ. ١ -

стр. 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فَوَائِدُ الْأُولَى: تَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ، وَلَمْ يَتَّصِلْ لَنَا مِنْهُ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي أَمَالِيهِ: لَعَلَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ أَوْ حَدَّثَ بِهِ وَانْقَطَعَ. الثَّانِيَةُ: جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْمُسْنَدِ لِأَحْمَدَ، وَالْمُوَطَّأِ بِالتَّرَاجِمِ الْخَمْسَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ الْمُطْلَقَةُ، وَبِالتَّرَاجِمِ الَّتِي حَكَاهَا الْحَاكِمُ وَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ، وَرَتَّبَهَا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَسَمَّاهَا: " تَقْرِيبَ الْأَسَانِيدِ ". قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ أَخْلَى كَثِيرًا مِنَ الْأَبْوَابِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ فِيهَا تِلْكَ الشَّرِيطَةَ، وَفَاتَهُ أَيْضًا جُمْلَةٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى شَرْطِهِ لِكَوْنِهِ تَقَيَّدَ بِالْكِتَابَيْنِ لِلْغَرَضِ الَّذِي أَرَادَهُ مِنْ كَوْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ تَصِيرُ مُتَّصِلَةَ الْأَسَانِيدِ مَعَ الِاخْتِصَارِ الْبَالِغِ. قَالَ: وَلَوْ قُدِّرَ أَنْ يَتَفَرَّغَ عَارِفٌ لِجَمْعِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِجَمِيعِ التَّرَاجِمِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْكِتَابِ، وَيَضُمُّ إِلَيْهَا التَّرَاجِمَ الْمَزِيدَةَ عَلَيْهِ لَجَاءَ كِتَابًا حَافِلًا حَاوِيًا لِأَصَحِّ الصَّحِيحِ. الثَّالِثَةُ: مِمَّا يُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ الْمُقَيَّدَةِ: كَقَوْلِهِمْ أَصَحُّ شَيْءٍ

стр. 70

الثَّانِيَةُ: أَوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الصَّحِيحِ الْمُجَرَّدِ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ ، ثُمَّ مُسْلِمٍ ــ [تدريب الراوي] فِي الْبَابِ كَذَا، وَهَذَا يُوجَدُ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ كَثِيرًا؛ وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَذْكَارِ: لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ صِحَّةُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا أَصَحُّ مَا جَاءَ فِي الْبَابِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَمُرَادُهُمْ أَرْجَحُهُ، أَوْ أَقَلُّهُ ضَعْفًا. ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ قَوْلِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي فَضَائِلِ السُّوَرِ فَضْلُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي فَضَائِلِ الصَّلَوَاتِ فَضْلُ صَلَاةِ التَّسَابِيحِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَصَحُّ مُسَلْسَلٍ، وَسَيَأْتِي فِي نَوْعِ الْمُسَلْسَلِ. الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ الْحَاكِمُ هُنَا وَالْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِ الِاصْطِلَاحِ، أَوْهَى الْأَسَانِيدِ، مُقَابِلَةً لِأَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَذِكْرُهُ فِي نَوْعِ الضَّعِيفِ أَلْيَقُ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [أَوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الصَّحِيحِ الْمُجَرَّدِ صحيح البخاري] (الثَّانِيَةُ) مِنْ مَسَائِلِ الصَّحِيحِ (أَوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الصَّحِيحِ الْمُجَرَّدِ صَحِيحُ) الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (الْبُخَارِيِّ) ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ النَّسَفِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فَقَالَ: لَوْ جَمَعْتُمْ كِتَابًا مُخْتَصَرًا لِصَحِيحِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلْبِي، فَأَخَذْتُ فِي جَمْعِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَأَنَّنِي وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِيَدِي مَرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ الْمُعَبِّرِينَ فَقَالَ لِي: أَنْتَ تَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ، فَهُوَ الَّذِي

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] حَمَلَنِي عَلَى إِخْرَاجِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ. قَالَ: وَأَلَّفْتُهُ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَدْ كَانَتِ الْكُتُبُ قَبْلَهُ مَجْمُوعَةً مَمْزُوجًا فِيهَا الصَّحِيحُ بِغَيْرِهِ، وَكَانَتِ الْآثَارُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ غَيْرَ مُدَوَّنَةٍ وَلَا مُرَتِّبَةٍ، لِسَيَلَانِ أَذْهَانِهِمْ وَسِعَةِ حِفْظِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا نُهُوا أَوَّلًا عَنْ كِتَابَتِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِهَا بِالْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، فَلَمَّا انْتَشَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْصَارِ وَكَثُرَ الِابْتِدَاعُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ دُوِّنَتْ مَمْزُوجَةً بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. فَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ ذَلِكَ: ابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ أَوْ مَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ أَوْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ أَوْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْبَصْرَةِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ، وَهُشَيْمٌ بِوَاسِطَ، وَمَعْمَرٌ بِالْيَمَنِ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِالرَّيِّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ فَلَا نَدْرِي أَيُّهُمْ سَبَقَ. وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِالْمَدِينَةِ مُوَطَّأً أَكْبَرَ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ، حَتَّى قِيلَ لِمَالِكٍ: مَا الْفَائِدَةُ فِي تَصْنِيفِكَ؟ قَالَ: مَا كَانَ لِلَّهِ بَقِيَ.

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمْعِ بِالْأَبْوَابِ، أَمَّا جَمْعُ حَدِيثٍ إِلَى مِثْلِهِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ فَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ الطَّلَاقِ جَسِيمٌ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ، ثُمَّ تَلَا الْمَذْكُورِينَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ إِلَى أَنْ رَأَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ تُفْرَدَ أَحَادِيثُ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، فَصَنَّفَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ مُسْنَدًا، وَصَنَّفَ مُسَدَّدٌ الْبَصْرِيُّ مُسْنَدًا، وَصَنَّفَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى الْأُمَوِيُّ مُسْنَدًا. وَصَنَّفَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ الْمِصْرِيُّ مُسْنَدًا، ثُمَّ اقْتَفَى الْأَئِمَّةُ آثَارَهُمْ، فَقَلَّ إِمَامٌ مِنَ الْحُفَّاظِ إِلَّا وَصَنَّفَ حَدِيثَهُ عَلَى الْمَسَانِيدِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ. اهـ. قُلْتُ: وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ، كُلُّهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَمْرِهِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي أَبْوَابِ الْعِلْمِ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ بِلَفْظِ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَاجْمَعُوهُ. قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَهُ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ. ١ -

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " الْمُجَرَّدِ " زِيَادَةٌ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، احْتَرَزَ بِهَا عَمَّا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِهِ، مِنْ أَنَّ مَالِكًا أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصَّحِيحَ، وَتَلَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَتَلَاهُ الدَّارِمِيُّ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْجَوَابُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُفْرِدِ الصَّحِيحَ بَلْ أَدْخَلَ فِيهِ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَالْبَلَاغَاتِ، وَمِنْ بَلَاغَاتِهِ أَحَادِيثُ لَا تُعْرَفُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَلَمْ يُفْرِدِ الصَّحِيحَ إِذَنْ، وَقَالَ مُغَلْطَايُ: لَا يُحْسِنُ هَذَا جَوَابًا، لِوُجُودِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: كِتَابُ مَالِكٍ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَغَيْرِهِمَا، لَا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُنْقَطِعِ وَبَيْنَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ هُوَ كَذَلِكَ مَسْمُوعٌ لِمَالِكٍ غَالِبًا، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ قَدْ حُذِفَ إِسْنَادُهُ عَمْدًا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ إِنْ كَانَ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَوْصُولًا، أَوْ لِقَصْدِ التَّنْوِيعِ إِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ لِيُخْرِجَهُ عَنِ مَوْضُوعِ كِتَابِهِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا وَاسْتِشْهَادًا وَاسْتِئْنَاسًا وَتَفْسِيرًا لِبَعْضِ آيَاتٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التَّعْلِيقِ. فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَرَّدَ فِيهِ الصَّحِيحَ بِخِلَافِ الْمُوَطَّأِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ فِي نَوْعِ الْحَسَنِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَسَانِيدِ.

стр. 74

وَهُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَالْبُخَارِيُّ أَصَحُّهُمَا وَأَكْثَرُهُمَا فَوَائِدَ، وَقِيلَ: مُسْلِمٌ أَصَحُّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. ــ [تدريب الراوي] (ثُمَّ) تَلَا الْبُخَارِيَّ فِي تَصْنِيفِ الصَّحِيحِ: (مُسْلِمُ) بْنُ الْحَجَّاجِ تِلْمِيذُهُ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدِ اعْتَرَضَ هَذَا بِقَوْلِ أَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ: كُنْتُ مَعَ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَتَيْنِ، وَهَذَا تَصْحِيفٌ إِنَّمَا هُوَ خَمْسِينَ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ وَالنُّونِ؛ لِأَنَّ فِي سَنَةِ خَمْسٍ كَانَ عُمْرُ مُسْلِمٍ سَنَةً، بَلْ لَمْ يَكُنِ الْبُخَارِيُّ صَنَّفَ إِذْ ذَاكَ، فَإِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. [تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم] (وَهُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَأَمَّا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ كِتَابًا أَكْثَرَ صَوَابًا مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: مَا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ، فَذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ الْكِتَابَيْنِ. (وَالْبُخَارِيُّ أَصَحُّهُمَا) أَيِ الْمُتَّصِلُ فِيهِ دُونَ التَّعَالِيقِ وَالتَّرَاجِمِ (وَأَكْثَرُهُمَا فَوَائِدَ) لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِنْبَاطَاتِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالنُّكَتِ الْحِكَمِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَقِيلَ مُسْلِمٌ أَصَحُّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ) وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اتِّصَالًا وَأَتْقَنُ رِجَالًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُمْ دُونَ مُسْلِمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ وَبِضْعَةٌ

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِمْ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَالَّذِينَ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالْإِخْرَاجِ لَهُمْ دُونَ الْبُخَارِيِّ سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِمْ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَسِتُّونَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْرِيجَ عَمَّنْ لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ أَصْلًا أَوْلَى مِنَ التَّخْرِيجِ عَمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْكَلَامُ قَادِحًا. ثَانِيهَا: إِنَّ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِمْ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ نُسْخَةٌ كَثِيرَةٌ أَخْرَجَهَا كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا إِلَّا تَرْجَمَةَ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ أَكْثَرَ تِلْكَ النُّسَخِ كَأَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثَالِثُهَا: إِنَّ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِمْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ وَجَالَسَهُمْ وَعَرَفَ أَحْوَالَهُمْ، وَاطَّلَعَ عَلَى أَحَادِيثِهِمْ عَرَفَ جَيِّدَهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَنْ عَصْرِهِ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَدِّثَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ [وَبِصَحِيحِ حَدِيثِهِمْ مِنْ ضَعِيفِهِ] مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَنْهُمْ. رَابِعُهَا: إِنَّ الْبُخَارِيَّ يُخَرِّجُ عَنِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى الْبَالِغَةِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَيُخَرِّجُ عَنْ طَبَقَةٍ تَلِيهَا فِي التَّثَبُّتِ وَطُولِ الْمُلَازَمَةِ اتِّصَالًا وَتَعْلِيقًا، وَمُسْلِمٌ يُخَرِّجُ عَنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ أُصُولًا كَمَا قَرَّرَهُ الْحَازِمِيُّ. خَامِسُهَا: إِنَّ مُسْلِمًا يَرَى أَنَّ لِلْمُعَنْعَنِ حُكْمَ الِاتِّصَالِ إِذَا تَعَاصَرَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ اللُّقَى، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ كَمَا سَيَأْتِي، وَرُبَّمَا أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي
следующие страницы →