وقال أيضاً: ((وجمهور الإباضية يتولى المحكِّمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار ليسوا بمشركين)) (١) .
ثم قال عنهم كذلك: ((وزعموا أن الدار أي دار مخالفيهم- دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم)) (٢) .
إلى أن قال: ((وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة)) (٣)
أما البغدادي والشهرستاني فيذكران عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم براء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار (٤) .
وأما ما قالوه هم عن أنفسهم: فنجد صاحب كتاب الأديان الإباضي وهو يعدد آراء الأخنس -زعيم فرقة الأخنسية -يقول: ((وجوَّز تزويج نساء أهل الكبائر من قومهم على أصول أهل الاستقامة)) (٥) .
ونجده كذلك يؤكد على أنه لا يجوز من أهل القبلة إلا دماءهم في حالة قيام الحرب بينهم وبين الإباضية (٦) .
ويأتي أبو زكريا الجناوني فيؤكد أنه يجوز معاملة المخالفين معاملة حسنة، غير أنه ينبغي أن يدعو إلى ترك ما به ضلوا فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين
стр. 247
الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم (١) .
وهناك نصوص في مسامحة الإباضية للمخالفين لهم من حسن المعاملة وعدم اغتيالهم أو استعراضهم وتحريم أموالهم.
يذكرها عنهم علي يحيى معمر مع عزوها إلى قائليها في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية، في معرض نقده كلام علماء الفرق عن الإباضية (٢) لا نرى ضرورة للتطويل بنقلها هنا.
٢- الشدة على المخالفين:
١-ما يقوله عنهم علماء الفرق:
يقول البغدادي عنهم: ((إنهم يرون أن المخالفين لهم كفار وأجازوا شهادتهم وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية ... وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله ولا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة)) (٣) .
وكان الأشعري قد سبق إلى قوله عنهم.
((وقالوا جميعاً: إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله وفيما لا يسع (٤) .
стр. 248
٢-ما قالوه هم في كتبهم:
روى الجيطالي الإباضي عن الإمام عبد الوهاب أنه قال: سبعون وجهاً تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا من أين هذا؟
وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرين وجهاً تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس ﵀ إلى أربعة أوجه وقد شدد علي فيهم (١) .
ويقول المارغيني منهم: ((وقالت المشائخ إن هذا الدين الذي دنا به الوهبية من الإباضية من المحكِّمة دين المصطفى ﷺ هو الحق عند الله وهو دين الإسلام، من مات مستقيماً عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار)) (٢) .
وقال العيزابي منهم: ((الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات فنقول معشر الإباضية الوهابية: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأً يحتمل الصدق)) (٣) .
ولا يقلُّ الوار جلاني تشدداً عن من سبق، فهو يقول:
فإن قال قائل: هذه أمة أحمد ﷺ قد قضيتم عليها بالهلاك وبالبدعة والضلال وحكمتم عليها بدخول النار ما خلا أهل مذهبكم. قلنا: إنما قضاه
стр. 249
رسول الله ﷺ -لا نحن- بقوله: حيث يقول: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية ... كلهم يدعي تلك الواحدة)) (١) .
وهناك نصوص كثيرة أخرى في تزكية مذهبهم وبطلان ما عداه من المذاهب، وأن الله لا يقبل أي دين غير دين الإباضية والوهبية عن صاحب العقود الفضية (٢) والسالمي (٣) وجاعدين خميس الخروصي (٤) ، وصاحب كشف الغمة (٥) ، وصاحب النيل وشفاء العليل (٦) وابن جميع (٧) وغيرهم من علماء الإباضية.
ب- موقف الإباضية من الصحابة:
موقف الإباضية من الخلفاء الراشدين ﵃:
من الأمور المتفق عليها عند سائر الخوارج الترضي التام والولاء والاحترام للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، لم تخرج فرقة منهم عن ذلك.
أما بالنسبة للخليفتين الراشدين الآخرين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ فقد هلك الخوارج فيهما وذموهما مما برأهما الله عنه.
стр. 250
والذي يهمنا، أن نشير هنا إلى رأي الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم بإيجاز، تاركين تفصيل الحجج والردود عليها لمقام آخر:
١- موقف الإباضية من عثمان ﵁:
من الأمور الغريبة جداً أن تجد ممن يدعي الإسلام ويؤمن بالله ورسوله من يقع في بغض الصحابة؛ خصوصاً من شهد له الرسول ﷺ بالجنة وثبتت بذلك النصوص في حقه.
فعثمان ﵁ صحابي جليل شهد له الرسول ﷺ بالجنة، أما بالنسبة للخوارج فقد تبرءوا منه ومن خلافته، بل وحكموا عليه بالارتداد والعياذ بالله وحاشاه من ذلك.
وفي كتاب كشف الغمة لمؤلف إباضي من السب والشتم لعثمان ما لا يوصف، ولم يكتف بالسب والشتم، وإنما اختلق روايات عن بعض الصحابة يسبون فيها عثمان بزعمه ويحكمون عليه بالكفر (١) ، ولا شك أن هذا بهتان عظيم منه.
ويوجد كذلك كتاب في الأديان (٢) وكتاب آخر اسمه الدليل لأهل العقول (٣) للورجلاني، فيهما أنواع من السباب والشتم لعثمان ومدح لمن قتلوه؛ حيث سماهم فرقة أهل الاستقامة، وهم في الحقيقة بغاة مارقون لا استقامة لهم إلا على ذلك.
٢-وأما بالنسبة لموقفهم من علي ﵁: فإنه يتضح موقفهم منه
стр. 251
بما جاء في كتاب كشف الغمة تحت عنوان فصل من كتاب الكفاية قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسباباً- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة.
وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة -جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: ((ويعتقد المطوعون أن الخليفة علياً لم يكن مسلماً على الإطلاق؛ بل كان كافراً!!)) (١) .
كما تأول حفص بن أبي المقدام بعض آيات القرآن على أنها واردة في علي، وقد كذب حفص (٢) .
ومن الجدير بالذكر أن علي يحيى معمر -المدافع القوي عن الإباضية يزعم أن الإباضية لا يكفرون أحداً من الصحابة، وأنهم يترضون عن علي ﵁ فهو ينقل عن كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة مدحاً وثناءً لعلي (٣) .
وأورد علي يحيى معمر فصلاً طويلاً بيّن فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم، ويترضون عنهم ويسكتون عما جرى بينهم، ونقل عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق.
стр. 252
ونقل عن التعاريتي أيضاً مدحه للصحابة خصوصاً علياً وأبناءه، وكذلك التندميري الإباضي.
وأخيراً قال علي يحيى معمر: ((ولم يكن يوماً من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم من بعض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب)) (١) .
وهذه الحقيقة التي اعترف بها أخيراً تجعل ما ملأ به كتابه الإباضية بين الفرق من الشتائم على كل كتّاب الفرق غير صحيح، فما الذي يمنع أن يكون نقل هؤلاء العلماء يصدق على أقل تقدير على هؤلاء الأفذاذ الذين أشار إليهم، مع أن ما يذكره علي يحيى معمر لا يتفق مع النصوص المستفيضة عن علماء الإباضية في ذمهم لبعض الصحابة، فهل الورجلاني يُعتبر- على حد التعبير السابق ليحيى معمر- من الغلاة المتشددين، وهو من هو في صفوف الإباضية؟
فهذا الرجل يواصل في كتابه الدليل لأهل العقول تكفيره وشتمه لمعاوية ﵁ ولعمرو بن العاص، بل قد قال زعيم الإباضية عبد الله بن إباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان كما يرويه صاحب كشف الغمة: ((فإنا نُشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله)) وكفى بهذا خروجاً.
وصاحب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة يشتم الحسن والحسين ﵄، وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه، كما يزعم- كذلك بسبب قتلهما عبد الرحمن بن ملجم، وتسليمهما الإمامة لمعاوية، وهي أسباب لا يعتقدها من عرف الصحابة الذين شهد الله ورسوله
стр. 253
لهم بالسابقة والفضل، ولكن انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر، وصدق الشاعر حين قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
ونفس الموقف الذي وقفه الخوارج عموماً والإباضية أيضاً من الصحابة السابقين- وقفوه أيضاً من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأوجب لهما الورجلاني النار (١) ، وقد بشرهما الرسول ﷺ بالجنة، وهؤلاء يوجبون عليهما النار، فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول ﷺ وهو راضٍ عنهم!!
قال النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (٢) ، وأنه لما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله ﷺ ، فإذا كان أخص أصحاب محمد ﷺ غير مرضيين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضي بعد ذلك؟
٧- عقائد الإباضية:
من الأمور الطبيعية أن تخرج هذه الفرقة وغيرها من الفرق عن المعتقد السليم في بعض القضايا ما دامت قد خرجت عن أهل السنة والجماعة وارتكبت التأويل، ولا بد كذلك أن توجد لها أقوال فقهية تخالف فيها الحق إلى جانب أقوالهم في العقيدة، ولا يسعنا هنا ذكر جميع مبادئ فرقة الإباضية العقديّة والفقهية، فهذا له بحث مستقل خصوصاً ما يتعلق بالمسائل الفقهية،
стр. 254
فإن دارس الفرق قلما يوجه همه إلى إيضاحها وتفصيلاتها إلا عند الضرورة.
والذي نود الإشارة إليه هنا أن الإباضية أفكاراً عقدية وافقوا فيها أهل الحق، وعقائد أخرى جانبوا فيها الصواب.
١- أما ما يتعلق بصفات الله تعالى: فإن مذهب الإباضية فيها أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نفى الصفات نفياً تاماً خوفاً من التشبيه بزعمهم، وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات فقالوا أن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلخ الصفات فالصفات عندهم عين الذات، قال أحمد بن النضر:
وهو السميع بلا أداة تسمع *** إلا بقدره قادر وحداني
وهو البصير بغير عين ركبت *** في الرأس بالأجفان واللحظان
جل المهمين عن مقال مكيف *** أو أن ينال دراكه بمكان
أو أن يحيط به صفات معبرس *** أو تعتريه هماهم الوسنان (١)
ويقول السالمى:
أسماؤه وصفات الذات ... *** ليس بغير الذات بل عينها فافهم ولا تحلا
وهو على العرش والأشيا استوى *** وإذا عدلت فهو استواء غير ما عقلا
وإنما استوى ملك ومقدرة *** له على كلها استيلاء وقد عدلا
كما يقال استوى سلطانهم فعلى ... *** على البلاد فحاز السهل والجبلا (٢)
стр. 255
وقال العيزابي منهم ((الحمد لله الذي استوى على العرش أي ملك الخلق واستولى عليه وإلا لزم التحيز وصفات الخلق)) (١)
وهذا في حقيقته نفي للصفات ولكنه نفي مغطي بحيله إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق وقد شنع الورجلاني منهم على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعبادة الأوثان وأن مذهب أهل السنة هو - حسب زعمه - تأويله الصفات فاليد النعمة والقدرة والوجه الذات ومجئ الله مجئ أمره لفصل القضاء لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه كما يزعم (٢) .
ومعلوم لطلاب العلم أن هذا ليس هو مذهب السلف الذي يثبتون الصفات لله كما وصف نفسه في كتابه الكريم ووصفه به رسوله ﷺ من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل. قال ابن تيمية في بيان مذهب السلف: ((أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل)) .
ويقول ابن القيم:
((لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويغضب ويسخط ويجئ ويأتي وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصراً ووجهاً، وأن له يدين وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع
стр. 256
المتقين، وأن السموات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك)) . (١)
فهل بعتبر هذا الوصف تشبيه لله بخلقه؟ ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (٢)
وطريقة السلف في إثبات كل صفة لله أنهم يقولون فيها أنها معلومة والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. وأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) . وهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله.
ولم ير أهل السنة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه لمعرفتهم أن الإتقان في التسمية لا يستلزم الاتفاق في الذات فالله سميع وبصير والإنسان بصير وبين الذاتين ما يعرفه كل عاقل من الفرق ومن تصور التشبيه فقد جمع بين التشبيه والتعطيل.
والحاصل أن الإباضية هنا وافقوا المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الفرق في باب الصفات معتمدين على عقولهم وعلى شبهات وتأويلات باطلة على أن الإباضية أنفسهم مختلفون في إثبات صفات الله تعالى فأباضية المشرق يختلفون عن أباضية المغرب ذلك أن أباضية المشرق تعتقد أن صفات الله تعالى حادثة وأباضية المغرب تعتقد أنها قديمة وبين الفريقين من التباعد في هذا مالا يخفى. (٤) .
٢- وأما عقيدة الإباضية في استواء الله وعلوه، فإنهم يزعمون أن الله
стр. 257
يستحيل أن يكون مختصاً بجهة ما بل هو في كل مكان وهذا قول بالحلول وقول الغلاة الجهمية ولهذا فقد فسر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه أو استواء ملك ومقدرة وغلبة وإذا قيل لهم لما خص العرش بالاستيلاء والغلبة أحابوا بجواب واه قالوا لعظكته، وقد خرجوا بهذه التاويلات عن المنهج الشرعي إلى إعمال العقل واللغة بتكلف ظاهر مخالف للاعتقاد السليم والمنطق والفطرة.
٣- وذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها لأن العقل - كما يزعمون - يحيل ذلك ويستبعده واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١) وأولوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة.
ومن أدلتهم قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (٢) .
واستدلوا من السنة بحديث عائشة حين سئلت عن الرسول ﷺ هل رأى ربه ليلة الإسراء فأجابت بالنفى كما رواه صاحب وفاء الضمانة (٣) وقد أورد الربيع بن حبيب صاحب كتاب الجامع الصحيح أو مسند الربيع الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري ومسلم عند أهل السنة ويعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن الكريم - كما يزعمون. أورد عدة روايات عن بعض الصحابة - تدل على إنكارهم رؤية الله تعالى بزعمه (٤) .
стр. 258
والواقع أن كل استدلالاتهم التي شابهوا فيها المعتزلة، إما استدلالات غير صحيحة الثبوت أو صحيحه ولكن أولوها على حسب هواهم في نفي الرؤية.
فإن الآية الأولى ليس فيها نفي الرؤية وإنما نفي الإحاطة والشمول فالله يرى ولكن من غير إحاطة به .
وقوله لموسى ﴿لن تراني﴾ أي في الدنيا وقد علق الله إمكان رؤيته تعالى بممكن وهو استقرار الجبل.
وحديث عائشة إنما أرادت نفى أن يكون الرسول ﷺ رأى ربه في ليلة الإسراء وليس المقصود نفي الرؤية مطلقاً فهذا لم ترده أم المؤمنين ومن فهم النفي مطلقاً فهو سيئ الفهم جاهل بالنصوص.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن رؤية الله تعالى تعتبر عند السلف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة لا يمارى فيها أحد منهم بعد ثبوتهم في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ وفي أقوال الصحابة ﵃ وفي أقوال علماء السلف قاطبة رحمهم الله تعالى.
٤- ومن عقائد بعض الأباضية في كلام الله تعالى القول بخلق القرآن - بل حكم بعض علمائهم كابن جميع والورجلاني أن من لم يقل بخلق القرآن فليس منهم. (١)
وقد عرف المسلمون أن القول بخلقه من أبطل الباطل إلا من بقى على القول بخلقه منهم وهم قلة شاذة بالنسبة لعامة المسلمين وموقف إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ وهو القول
стр. 259
بأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ واليه يعود ولا يتسع المقام هنا لبسط شبه القائلين بخلقه وأدلة من يقول بعدم خلقه وردهم على أولئك المخطئين.
ومن قذف الله الإيمان والنور في قلبه يعلم أن الله تعالى تكلم بالقرآن وبلغة جبريل إلى النبي ﷺ والكلام صفة لله تعالى، ومما ينبغي الإشارة إليه هنا بعض الإباضية قد خرج عن القول صفة لله تعالى، ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن بعض الإباضية قد خرج عن القول بخلق القرآن كصاحب كتاب الأديان (١) وكذا أبو النضر العماني (٢) وردا على من يقول بخلقه وبسطا الأدلة في ذلك وبهذا يتضح أن الإباضية قد انقسموا في هذه القضية إلى فريقين.
٥- وقد اعتدل الإباضية في مسألة ووافقوا أهل السنة فأثبتوا القدر خيره وشره من الله تعالى وأن الله خالق كل شيء وأن الإنسان فاعل لأفعاله الاختيارية مكتسب لها محاسب عليه وبهذا المعتقد صرح زعماؤهم كالنفوسي (٣) والعيزابي (٤) والسالم (٥) وعلى يحي معمر (٦) .
٦- وقد اختلف الأباضيون في إثبات عذاب القبر. فذهب قسم منهم إلى انكاره موافقين بذلك سائر فرق الخوارج. وذهب قسم آخر إلى إثبات قال النفوس في متن النونية:
وأما عذاب القبر ثبت جابر *** وضعفه بعض الأئمة بالوهن (٧)
ومعتقد السلف جميعاً هو القول بثبوت عذاب القبر ونعيمه كما صحت بذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة ومن أنكره فليس له دليل إلا مجرد الاستبعاد ومجرد الاستبعاد ليس بدليل.
стр. 260
٧- ويثبت الأباضيون وجود الجنة والنار الآن ويثبتون الحوض ويؤمنون بالملائكة والكتب المنزلة.
٨- وأما بالنسبة للشفاعة: فإن الإباضية يثبتونها ولكن لغير العصاة للمتقين وكأن المتقى في نظرهم أحوج إلى الشفاعة من المؤمن العاصي. قال صاحب كتاب الأديان - والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين (١) .
وقال السالمي:
وما الشفاعة إلا للتقي كما *** قد قال رب العلا فيها وقد فصلا (٢)
وذكر الربيع بن حبيب روايات عن الرسول ﷺ تدل في زعمه على هذا المعتقد وقرر الحارثي في كتابه العقود الفضية تلك القضية (٣) .
ومذهب أهل السنة أن الرسول ﷺ يشفع في عصاة المؤمنين أن لا يدخلوا النار ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها بعد إذن الله ورضاه وثبت أن الله يقبل شفاعته في ذلك وشفاعة الصالحين من عباده بعضهم في بعض.
٩- وأما الميزان: الذي جاءت به النصوص وثبت أن له كفتان حسيتان مشاهدتان توزن فيه أعمال العباد كما يوزن العامل نفسه فإن الإباضية تنكر هذا الوصف ويثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ وإن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد غير مثبتين ما جاءت به النصوص من وجود الموازين الحقيقية في يوم القيامة (٤) وعلى الصفات التي جاءت في السنة النبوية.
١٠- وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه
стр. 261
ليس بجسر على ظهر جهنم (١) ، وذهب بعضهم - وهم قلة - إلى إثبات الصراط بأنه جسر ممدود على متن جهنم حسبما نقله د/ صابر طعيمه عن الجيطالي من علماء الإباضية (٢) والسلف على اعتقاد أن الصراط جسر جهنم وأن العباد يمرون عليه سرعة وبطئاً حسب أعمالهم ومنهم من تخطفه كلاليب النار فيهوى فيها.
١١- ووافق -معظم الإباضية - السلف في حقيقة الإيمان من أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٣) وقد خالف بعضهم فذهب إلى الإيمان يزيد ولا ينقص وقد نقل الدكتور صابر صعيمه بعض الأدلة من كتبهم على هذا الرأي (٤)
١٢- وزيادة الإيمان ونقصه مسألة خالف فيها الإباضية سائر الخوارج الذين يرون أن الإيمان جملة واحدة لا يتبعض وأن العبد يكفر ويذهب إيمانه بمجرد مواقعته للذنب ويسمونه كافراً ومخلداً في النار في الآخرة إلا أن الإباضية مع موافقتهم للسلف في الحكم لكنهم يسمون المذنب كافر كفر نعمة ومنافقاً.
يقول إعوشت ((فالكفر إذن عند الإباضية ينقسم إلى ما يلي: ١- كفر نعمة ونفاق وبتمثل في المسلم الذي ضيع الفرائض الدينية أو ارتكب الكبائر أو جمع بينهما.)) (٥) .
стр. 262
وفي الآخرة مخلد في النار إذا مات من غير توبة (١) ، وكان الحال يقتضى أنهم لا يطلقون عليه كلمة الكفر ولا النفاق ولا يحكمون عليه بالخلود في النار بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ونجد هنا أن الإباضية وافقوا أيضاً سائر الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار إذا مات قبل التوبة بناء على اعتقاد إنفاذ الوعيد لا محالة.
واستدلوا بسائر أدلة الخوارج على كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار وأهل السنة لا يرون ذلك بل يقولون إذا مات المذنب قبل التوبة فأمره إلى الله وهو تحت المشيئة، ويقولون أيضاً أن أخلاف الوعد مذموم وإخلاف الوعيد كرم وتجاوز.
١٣- وأما مسألة الإمامة والخلافة فقد ذكر بعض العلماء عن الإباضية في مسألة الإمامة والخلافة أن الإباضية يزعمون أنه قد يستغني عن نصب الخليفة ولا تعود إليه حاجة إذا عرف كل واحد الحق الذي عليه للآخر، وهذا القول أكثر ما شهر عن المحكِّمة والنجدات.
وأما الإباضية فقد ذكر هذا القول عنهم. ج لوريمر في كتابه دليل الخليج (٢) ولكن بالرجوع إلى كتب الإباضية نجد أنهم ينفون هذا القول عنهم ويعتبرونه من مزاعم خصومهم عنهم وإن مذهبهم هو القول بوجوب نصب حاكم للناس ومن قال غير هذا عنهم فهو جاهل بمذهبهم على حد ما يقوله علماؤهم كالسالمي وعلي يحي معمر وغيرهما.
قال السالمي: ((والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع
стр. 263
والاستدلال)) (١) وموقفهم هذا يتفق مع مذهب أهل السنة فإنهم يرون وجوب نصب الحاكم حتى وإن كانوا جماعة قليلة، فلو كانوا ثلاثة في سفر لوجب تأمير أحدهم كما دلت على ذلك النصوص الثابتة وأن من قال بالاستغناء عن نصب الحاكم فقد كابر عقله وكذب نفسه ورد عليه الواقع من حال البشر وصار ما يقوله من نسج الخيال وأدلته على الاستغناء مردودة واهية.
والخوارج كافة ينظرون إلى الإمام نظرة حازمة هي إلى الريبة منه أقرب ولهم شروط قاسية جداً قد لا تتوفر إلا في القليل النادر من الرجال وإذا صدر منه أقل ذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل.
وقد جوَّز الإباضية كأهل السنة صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا تمت للمفضول؛ خلاف لسائر الخوارج. (٢) .
١٤- وجوز الإباضية التقية خلاف لأكثر الخوارج (٣) . وقد أورد الربيع بن حبيب في مسنده روايات في الحث عليها تحت قوله ((باب ما جاء في التقية)) ومنه قال جابر سئل ابن عباس عن التقية فقال: قال النبي ﷺ : ((رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه))
قال: ((وقال ابن مسعود ما من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا تكلمت
стр. 264
بها وليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضرب أو عذب أو حبس أو قيد)) (١) أي وهو يجد خلاصاً في الأخذ بالتقية
وبهذا نكتفي بما تقدم ذكره عن فرقة الإباضية.
* * * * * * * * * * * * *
стр. 265
الفصل التاسع
إيضاحات لبعض الآراء الاعتقادية للخوارج . وفيه مسائل.
وتشمل المسائل الآتية:
خاض الخوارج - كغيرهم من الفرق - في مسائل اعتقادية إلا أن الخوارج بصفة خاصة لم تصل إلينا أكثر أراءهم من كتبهم وإنما وصلت إلينا من كتب أهل السنة وقد صح نقل أهل السنة وغيرهم من علماء الفرق الآخرين وقد ذكرنا فيما مضى السبب في قبولنا لتلك النقول عن الخوارج وفيما يلي نذكر أهم المسائل التي كان للخوارج فيما دور بارز:
١- هل الخوارج يقولون بالتأويل أم بظاهر النص فقط
تعريف التأويل في اللغة:
يطلق التأويل في اللغة على عدة معاني منها التفسير والمرجع والمصير والعاقبة وتلك المعاني موجودة في القرآن والسنة قال الله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ (١) وقال الرسول ﷺ في دعائه لابن عباس ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) .
تعريفه في الاصطلاح: عند السلف له معنيين:
١- يطلق بمعنى التفسير والبيان وإيضاح المعاني المقصودة من الكلام فيقال تأويل الآية كذا؛ أي معناها.
стр. 266
٢- ويطلق بمعنى المآل والمرجع والعاقبة فيقال هذه الآية مضى تأويلها وهذه لم يأت تأويلها.
والفرق بينهما: أنه لا يلزم من معرفة التأويل بمعنى التفسير معرفة التأويل الذي هو بمعنى المصير والعاقبة فقد يعرف معنى النص ولكن لا تعرف حقيقته كأسماء الله وصفاته فحقيقتها وكيفبتها كما هي غير معلومة لأحد بخلاف معانيها.
٣- وعند الخلف من علماء الكلام والأصول والفقه هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح.
وهذا التأويل مرفوض عند السلف واعتبروه تحريفاً باطلاً في باب الصفات الإلهية (١) وقد ظهر هذا المعنى للتأويل متأخراً عن عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة بل ظهر مع ظهور الفرق ودخلوا منه إلى تحريف النصوص وكانت له نتائج خطيرة إذ كلما توغلوا في تأويله المعاني وتحريفها كلما بعدوا عن المعنى الحق الذي تهدف إليه النصوص وبالنسبة لموقف الخوارج فإن العلماء اختلفوا في الحكم على الخوارج بأنهم نصيون أو مؤولون.
١- فذهب بعضهم إلى أن الخوارج نصيون يجمدون على المعنى الظاهر من النص دون بحث عن معناه الذي يهدف إليه وهذا رأي أحمد أمين (٢) وأبو زهرة (٣)
стр. 267
٢- وذهب آخرون إلى أن الخوارج يؤولون النصوص تأويلاً يوافق أهوائهم وقد غلطوا حين ظنوا أن تأويلهم هو ما تهدف إليه النصوص وعلى هذا الرأي ابن عباس وشيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن القيم (٢) .
٣- ومن العلماء من ذهب إلى القول بأن الخوارج ليسوا على رأي واحد في هذه القضية بل منهم نصيون ومنهم مؤولون كما ذهب إلى هذا الأشعري في مقالاته. (٣)
وهذا هو الراجح فيما يبدو من آراء الخوارج ولا يقتصر الأمر على ما ذكره من اعتبار بعض الفرق نصيين وبعضهم مؤولين مجتهدين وإنما يتردد أمر الخوارج بين هذين حكمهم على الخوارج كما يتضح ذلك جلياً في مواقف الخوارج المختلفة.
ويبدو لي أن التأويل الذي نفاه الأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة رحمهما الله إنما هو التأويل الصحيح الذي يفهم صاحبه النص على ضوء مقاصد الشريعة.
وأما التأويل الذي يثبته للخوارج أصحاب الاتجاه الثاني ويذمونهم به فهو حمل الكلام على غير محامله الصحيحة وتفسيره تفسيراً غير دقيق.
٢- موقف الخوارج من صفات الله .
هذه المسألة لم أجد فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كتب علماء الفرق بياناً
стр. 268
لرأي الخوارج فيها بصفة عامة.
وقد ذكر الشهرستاني عن فرقة الشيبانية قولاً لأبي خالد زياد بن عبد الرحمن الشيباني في صفة العلم لله أنه قال: ((إن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها)) . (١) .
وأما بالنسبة لفرقة الإباضية بخصوصهم - فقد تبين من أقوال علمائهم أنهم يقفون منها موقف النفي أو التأويل بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبهة فيها كما تقدم.
وموضوع الصفات والبحث فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة وبالرجوع إلى أي كتاب من كتب السلف يتضح الحق فيها بكل يسر وسهولة.
وأما بالنسبة لما ذكر عن رأي زياد بن عبد الرحمن أو الإباضية فلا شك أنه لا يتفق مع المذهب الحق - مذهب السلف - ولو كان الأمر يخص زياد بن عبد الرحمن وحده لما كان له أدني أهمية، ولكن الأمر أخطر من ذلك، فقد اعتقدت الجهمية ذلك. وبطلان هذا القول ظاهر والتناقض فيه واضح.
فإن صفات الله قديمة بقدمه غير مخلوقة وما يخلق الله من الموجودات فإنما يخلقه عن علم وإرادة، إذا يستحيل التوجه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟ هذا تناقض ظاهر.
٣- حكم مرتكبي الذنوب عند الخوارج
اختلف حكم الخوارج على أهل الذنوب بعد اتفاقهم بصفة عامة على
стр. 269
القول بتكفيرهم كفر ملة. وحاصل الخلاف نوجزه فيما يلي:
١- الحكم بتكفير العصاة كفر ملة، وأنهم خارجون عن الإسلام ومخلدون في النار مع سائر الكفار. وهذا رأي أكثرية الخوارج.
وعلى هذا الرأي من فرق الخوارج: المحكمة والأزارقة والمكرمية والشبيبية من البيهسية واليزيدية والنجدات. إلا أنهم مختلفون في سبب كفره:
فعند المكرمية أن سبب كفره ليس لتركه الواجبات أو انتهاك المحرمات وإنما لأجل جهله بحق الله إذ لم يقدره حق قدره.
وأما النجدات فقد فصلوا القول بحسب حال المذنب، فإن كان مصراً فهو كافر ولو كان إصراره على صغائر الذنوب، وإن كان غير مصر فهو مسلم حتى وإن كانت تلك الذنوب من الكبائر وهو تفصيل بمحض الهوى والأماني الباطلة.
٢- أنهم كفار نعمة وليس كفار ملة:.
وعلى هذا المعتقد فرقة الإباضية كما تقدم. ومع هذا فإنهم يحكمون على صاحب المعصية بالنار إذا مات عليها، ويحكمون عليه في الدنيا بأنه منافق، ويجعلون النفاق مرادفاً لكفر النعمة ويسمونه منزلة بين المنزلتين أي بين الشرك والإيمان، وأن النفاق لا يكون إلا يكون إلا في الأفعال لا في الاعتقاد (١) .
وهذا قلب لحقيقة النفاق إذ المعروف أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كان نفاقهم في الاعتقاد لا في الأفعال، فإن أفعالهم كانت في
стр. 270
الظاهر كأفعال المؤمنين
أدلتهم:
تلمس الخوارج لما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب بعض الآيات والأحاديث وتكلفوا في رد معانيها إلى ما زعموه من تأييدها لمذاهبهم وهي نصوص تقسم الناس إلى فريقين: مؤمن وكافر، قالوا: وليس وراء ذلك الحصر من شيء.
ونأخذ من تلك الأدلة قوله تعالى:
١- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١) .
٢- ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)
٣- ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (٣)
إلى غير ذلك من الآيات.
ووجه استدلالهم بالآية الأولى:
أن الله تعالى حصر الناس في قسمين: قسم ممدوح وهم المؤمنون وقسم مذموم وهم الكفار، والفساق ليسوا من المؤمنين، فإذاً هم كفار لكونهم مع القسم المذموم واستدلالهم هذا لا يسلم لهم. أن الناس ينحصرون فقط في الإيمان أو الكفر.
فهناك قسم ثالث وهم العصاة لم يذكروه هنا، وذكر فريقين لا يدل على
стр. 271
نفى ما عداهما والآية كذلك واردة على سبيل التبعيض بمن، أي بعضكم كافر وبعضكم مؤمن. وهذا لا شك في وقوعه ولم تدل الآية على مدعى الخوارج أن أهل الذنوب داخلون في الكفر.
وأما وجه استدلالهم بالآية الثانية:.
فقد زعموا أنها شاملة لكل أهل الذنوب، لأن كل مرتكب للذنب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله. وقد شملت الفساق لأن الذي لم يحكم بما أنزل الله فيجب أن يكون كافر والفاسق لم يحكم بما أنزل الله حين فعل الذنب.
وهذا الاستدلال مردود كذلك لأن الآية واردة على من استحل الحكم بغير ما أنزل الله. أما أن يدعى الشخص إيمانه بالله ويعترف بأن الحق هو حكم الله فليس بكافر وإنما من أصحاب المعاصي حتى تقام عليه الحجة.
وأما وجه استدلالهم بالآية الثالثة.
فهو أن صاحب الكبيرة لابد وأن يجازي - على مذهبهم - وقد أخبر القرآن أنه لا يجازى إلا الكفور. والفاسق ثبتت مجازاته عندهم فيكون كافراً.
وهذا الدليل مردود عليهم، وينقضه أن الله يجازي الأنبياء والمؤمنين وهم ليسوا كفاراً، وبأن الآية كانت تعقيباً لبيان ذلك العقاب الذي حل بأهل سبأ، وهو عقاب الاستئصال، وهذا ثابت للكفار لا لأصحاب المعاصي. (١) .
стр. 272
وأما ما استدلوا به من السنة على بدعتهم في تكفير العصاة من المسلمين فقد أساءوا فهم الأحاديث وحملوها المعاني التي يريدونها، ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)) (١) .
ولهم أدلة أخري نكتفي منها بهذا الحديث.
فقد فهموا من هذا الحديث نفى الإيمان بالكلية عن من فعل شيئاً مما ذكر في الحديث، وهذا لا حجة لهم فيه، فإن الحديث - كما يذكر العلماء - إما أن يكون واردا فيمن فعل شيئاً مما ذكر مستحلاً لتلك الذنوب أو أن المراد به نفي كمال الإيمان عنهم، أو أن نفي الإيمان عنهم مقيد بحال مواقعتهم لتلك الذنوب.
ولو كانت تلك الكبائر تخرج الشخص عن الإيمان لما اكتفى بإقامة الحد فيها. ولهذا فقد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاء، ولا يخاض في معناها.
وقال الزهري في مثل هذه الأحاديث ((أمروها كما أمرها من قبلكم)) . (٢)
وقد جاء في حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت وإن زني وإن سرق ثلاثاً ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر)) قال: ((فخرج أبو ذر وهو وإن رغم أنف
стр. 273
أبي ذر)) . (١)
والكلام في أهل الكبائر مبسوط في موضعه من كتب التوحيد وكتب الفرق والمقصود هنا هو التنبيه على خطأ الخوارج فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب من المسلمين مخالفين ما تضافرت النصوص عليه من عدم كفر مرتكبي الذنوب كفر ملة إلا بتفصيلات مقررة في مذهب السلف.
٤- الإمامة العظمي
هذه هي مشكلة الخوارج الكبرى منذ نشأوا وطوال عهد الدولة الأموية وزمن متقدم من عهد الدولة العباسية، شغلتهم قضية الإمامة عملياً، فجردوا السيوف ضد الحكام المخالفين لهم ناقمين عليهم سياستهم في الرعية من عدم تمكينهم من اختيار أمامهم بأنفسهم ثم سياستهم الداخلية في الناس وشغلتهم فكرياً بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره في المجتمع، وكانوا يظهرون بمظهر الزاهد عن تولى الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم وحربا لا هوادة فيها ضد المخالفين لهم.
حكم الإمامة عند الخوارج
الإمامة منصب خطير وضرورة اجتماعية إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالأمن وتستقر الحياة إلا بحاكم يكون هو المرجع الأخير لحل الخلافات وحماية الأمة وقد أطبق على هذا جميع العقلاء.
أما بالنسبة للخوارج فقد انقسموا فيها إلى فريقين:.
١- الفرق الأول: وهم عامة الخوارج. وهؤلاء يوجبون نصب الإمام
стр. 274
والانضواء تحت رايته والقتال نعه ما دام على الطريق الأمثل الذي ارتأوه له.
٢- الفريق الثاني: وهم المحكمة والنجدات والإباضية فيما قيل عنهم. وهؤلاء يرون أنه قد يستغنى عن الإمام إذا تناصف الناس فيما بينهم وإذا احتيج إليه فمن أي جنس كان ما دام كفئا لتولى الإمامة (١) .
ومن مبرارتهم:
١- استنادهم إلى المبدأ القائل لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقاً.
٢- أن الحكم ليس من اختصاص البشر بل تهيمن عليه قوة علوية.
٣- إن الضروري هو تطبيق أحكام الشريعة، فإذا تمكن الناس من تطبيقها بأنفسهم فلا حاجة إلى نصب خليفة.
٤- ربما ينحصر وجود الإمام في بطانة قليلة وينعزل عن الأعلبية فيكون بعيداً عن تفهم مشاكل المسلمين فلا يبقى لوجود فائدة.
٥- أن النبي ﷺ لم يشر صراحة ولا وضع شروطاً لوجود الخلفاء من بعده.
٦- أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام وإنما أبان وأمرهم شوري بينهم (٢) .
هذه مبرراتهم بالنفي، فهل بقى القائلون بالاستغناء عن نصب الإمام على مبدأهم؟ والجواب بالنفي فإن المحكمة حينما انفصلوا ولو عليهم عبد الله
стр. 275
بن وهب الراسبي والنجدات حينما انفصلوا. تزعمهم نجدة بن عامر وأما ما قيل عن الإباضية من أنهم يقولون بالاستغناء عن نصب الإمام (١) فإن مصادرهم التي تيسرت لي قراءتها تذكر أن هذا القول إنما نسبه إليهم خصومهم بقصد الإشاعة الباطلة عنهم (٢) .
وأما تلك المبررات التي نسبت إلى من ذكرناهم فلا شك أنها مبررات واهية ولا تكفي للقول بالاستغناء عن نصب الخليفة. أما القول بعدم وجود الإنسان الكامل، فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار أفضل الموجودين.
ومن التصور الساذج القول بتناصب الناس فيما بينهم. وأما انعزال الإمام فإن مدار الأمر على التزامه بواجباته الشرعية وعدم إيجاد الحجب بينه وبين رعيته، وذلك مناط الحكم بضرورة وجود الإمام شرعاً وعقلاً.
وقد ذهبت الخليفة من الخوارج الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها أمامها فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين (٣) ويكون لهذا المناطق أئمة بعدد تلك المناطق وهذا باطل ولا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه لأن ذلك يؤدي إلى المشاحنات والعداوة وتفريق كلمة المسلمين وحينما قرروا أن كل إقليم ينبغي أن يكون مستقلا عن الآخر لا يخضع إقليم ولا منطقة لمنطقة أخرى تجاهلوا دعوة المسلمين إلى الاتحاد الذي يكمن فيه عزهم وقوتهم.
شروط الإمام
وضع الخوارج شروطاً قاسية لمن يتولى الإمام ومنها:
стр. 276
١- أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية مخلصاً في عبادته وتقواه حسب مفهومهم.
٢- أن يكون قوياً في نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم.
٣- أن لا يكون فيه ما يخل بإيمانه من حب المعاصي واللهو.
٤- ألا يكون قد حد في كبيرة حتى ولو تاب.
٥- أن يتم انتخابه برضى الجميع، لا يغنى بعضهم عن بعض.
ولا عبرة بالنسب أو الجنس، كما يقولونه ظاهراً دعاية لمذهبهم وفي باطنهم يملأهم التعصب وكون الإمام ينتخب برضى أهل الحل والعقد، هذا مبدأ إسلامي لم يأت به الخوارج كما يقول بعض المستشرقين دعاية للخوارج.
ولم يلتفت الخوارج إلى ما صح من الأحاديث في اشتراك القرشية لتولي الخلافة وتقديم قريش فيها عند صلاحية أحدهم لها.
ولم يشترط الشرع في الإمام أن يكون ليله قائماً ونهاره صائماً، أو أنه لا يلم بأي معصية، أو يكون انتخابه برضي كل المسلمين من أقصاهم إلى أدناهم، لا يغنى بعضهم عن بعض في مبايعتهم له كما يزعمه الخوارج (١) .
محاسبة الإمام والخوارج عليه
يعيش الإمام عند الخوارج بين فكي الأسد - عكس الشيعة - فالخوارج ينظرون إلى الإمام على أنه المثل وجهه الأعلى وينبغي أن يتصف بذلك قولاً وفعلاً
стр. 277
وبمجرد أقل خطأ ينبغي عليهن القيام في وجه ومحاسبته، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل.
ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة البيهسية منهم والعوفية، فقد اعتبر هؤلاء كفر الإمام سبباً في كفر رعيته، فإذا تركه رعيته دون إنكار فإنهم يكفرون أيضاً (١) ، ولا شك أن هذا جهل بالشريعة الإسلامية، وعلى هذا فما تراه من كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفهم يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة.
وقد حث الإسلام على طاعة أولى الأمر والاجتماع تحت رايتهم إلا أن يظهروا كفر بواحا. فلا طاعة المخلوق في معصية الخالق، وينبغي معالجة ذلك بأخف الضرر، ولا يجوز الخروج عليهم ما داموا ملتزمين بالشريعة بأي حال.
إمام المفضول
اختلف الخوارج في صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين:
١- ذهب فريق منهم إلى عدم الجواز وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل.
٢- وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، كما هو الصحيح (٢) .
стр. 278
إمامة المرأة
الإمامة مسؤلية عظمي وعبء ثقيل يتطلب سعة الفكر وقوة البصير ة ويتطلب مزايا عديدة جعل الله معظمها في الرجال دون النساء، ولا أدل على هذا من اختيار الله لتبليغ رسالته من جنس الرجال، وقد أطبق جميع العقلاء على أن الخلافة لا يصلح لها النساء.
ولكنا نجد فرقة من فرق الخوارج وهي التشبيبة تذهب إلى جواز تولي المرأة الإمامة العظمى مستدلين بفعل شبيب حينما تولت غزالة - زوجته وقبل أمه - بعده (١) .
موقف الخوارج من عامة المسلمين المخالفين لهم
انقسم الخوارج في نظرتهم إلى المخالفين لهم إلى فريقين
١- فريق منهم غلاة.
٢- وفريق آخر أبدي نوعاً من الاعتدال.
ويذكر الأشعري ﵀ في مقالاته أن الخوارج مجمعون على أن مخالفيهم يستحقون السيف ودماؤهم حلال إلا فرقة الإباضية فإنها لا تري ذلك إلا مع السلطان (٢) .
واختلف علماء الفرق في أول من حكم بكفر المخالفين هل هم المحكمة الأولى أم هم الأزارقة ومن سار على طريقتهم من فرق الخوارج فيما بعد.
وبتتبع حركة المحكمة الأولى نجد أنهم سبقوا إلى تكفير المخالفين لهم
стр. 279
واستحلال دمائهم والشواهد في كتب الفرق كثيرة كقتلهم عبد الله بن خباب بن صاحب رسول الله ﷺ وغيره في حوادث كثيرة إلا أن أشد من بالغ في تكفير المخالفين لهم وأعمل فيهم السيف هم الأزارقة وفرقة منهم تسمى البيهسية وكذلك أتباع حمزة بن أكرك.
- أما المعتدلون منهم - وهو اعتدال لا يكاد يذكر - فنجد مثلاً الأخنسية منهم يحرمون الغدر بالمخالفين أو قتلهم قبل الدعوة وجوزوا تزويج المسلمات - منهم لمخالفيهم - الذين يعتبرونهم مشركين، وكذلك بعض البيهسية.
ومن أكثر المعتدلين والمتسامحين مع المخالفين هو تلك الشخصية المرموقة عند كافة الخوارج أبو بلال مرداس بن أدية فقد خرج وهو يقول لمن يلقاه أنا لا نخيف أمناً ولا نجرد سيفاً وكان مما آثاره للخروج على الدولة أن زيادا ذات يوم خطب على المنبر وكان مرداس يسمعه فكان من قوله ((والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء والحاضر منكم بالغالب والصحيح بالسقيم)) .
وهذا بالطبع لا يحتمله الخوارج فقام إليه مرداس فقال قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم ﵇ إذا يقول: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاص ثم خرج عقب هذا اليوم.
وينبغي أن يعلم أن كل فرقة لابد فيها من غلاة يخرجون على جمهورهم إلا أن السمة الغالبة على الخوارج الشدة على المخالفين لهم
стр. 280
وقد تعود هذه الشدة إلى ما يراه الخوارج من وجهة نظرهم من خروج مخالفيهم عن النهج الإسلامي وبعدهم عنه وبالتالي الرغبة في إرجاع الأمة إلى ما كانت عليه في أيام الرسول ﷺ وأيام أبي بكر وعمر ﵄ كما يدعى الخوارج ...
حكم الخوارج في أطفال مخالفيهم
لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف. والخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة ونوجز أهم آرائهم في هذه القضية فيما يلي:.
١- منهم من اعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون لاعصمة لدماء آبائهم.
٢- ومنهم من جعلهم من أهل الجنة ولم يجوز قتلهم.
٣- واعتبرهم بعضهم خدما لأهل الجنة.
٤- ومنهم من توقف فيهم إلى أن يبلغوا سن التكليف ويتبين حالهم.
٥- والإباضية تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين، ومنهم من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين.
أما القول الأول: فهو للأزارقة واستدلوا بقوله الله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ (١) . وتبعهم في هذا بعض فرق الخوارج كالعجاردة والحمزية والخلفية.
стр. 281
وأما القول الثاني: فهو للنجدات والصفرية والميمونية واستدلوا بقول الرسول ﷺ ((كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) (١) والذين توقفوا في الحكم عليهم قالوا لم نجد في الأطفال ما يوجب ولا يتهم ولا عداوتهم إلى أن يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكرونه.
هذه خلاصة أهم آراء الخوارج في هذه القضية والواقع أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء.
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا على الإيمان فإن الله تعالى يدخلهم الجنة مع آباءهم وإن نقصت أعمالهم عنهم لتقر أعين أبائهم بهم فيكونون مع أبائهم في الجنة تفضلا من الله تعالى على ضوء قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) .
ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال بأنهم في الجنة دون خلاف.
وبعضهم ذهب إلى أنهم تحت المشيئة.
وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم الخوارج أطفال مشركين.
وأما أطفال المشركين الذين هم عبدة الأوثان ومن في حكمهم فإن العلماء اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً.
١- فذهب بعضهم إلى التوقف في أمرهم فلا يحكم لهم بجنة ولا نار
стр. 282
وأمرهم إلى الله.
٢- أنهم في النار.
٣- أنهم في الجنة.
٤- أنهم في منزلة بين المنزلتين أي الجنة والنار.
٥- أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا ولآخرة تبعاً لآبائهم حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لإفراطهما بالنار.
٦- أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول الله ﷺ إليهم فمن أطاعه منهم دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء وانتهي إلى نصرة الرأي الأخير ثم قال ((وبهذا يتألف شمل كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي ﷺ حيث قال ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) .
وأيد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة وكذا النووي وقد توقف شيخ الإسلام في الحكم عليهم.
وأما استباحة قتل النساء كما - يرى الخوارج - فقد أخطأوا حين جوزوا ذلك سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين فقد صحت الأحاديث بالمنع من قتلهم إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء فلا بأس من قتلهم إذا وقع دون عمد. (١)
*******************************
стр. 283
الفصل العاشر
الحكم على الخوارج .
اختلفت وجهات النظر في الحكم على الخوارج فيما ظهر لي من خلال دراستي عنهم إلى قولين:
١- أحدهما الحكم بتكفيرهم.
٢- الحكم عليهم بالفسق والابتداع والبغي.
وقد استند الذين كفروهم على ما ورد من أحاديث المروق المشهورة عند علماء الفرق؛ رادين الخوارج إلى سلفهم القديم ذي الخويصرة وموقفه الخاطئ من رسول الله ﷺ ، ثم موقف الخوارج أيضاً من الصحابة خصوصاً الإمام علياً وغيره ممن شارك في قضية التحكيم.
والأحاديث الواردة فيهم كثيرة غير أن علي يحيى معمر يرى أن هذه الأحاديث إنما تصدق -على فرض صحتها كما يذكر- على المرتدين في زمن أبي بكر ﵁ (١) . وما رأيت أحداً من العلماء سبقه إلى هذا القول. ثم إن ما في الأحاديث من أوصاف الخوارج من كثرة قراءتهم للقرآن وتعمقهم في العبادة لا ينطبق على هؤلاء المرتدين في زمن أبي بكر بعد وفاة الرسول ﷺ .
وقد كفرهم كثير من العلماء، لا نرى التطويل بذكر أسمائهم هنا.
стр. 284
وإذا كان بعض العلماء يتحرج عن تكفيرهم عموماً فإنه لا يتحرج عن تكفير بعض الفرق منهم، كالبدعية من الخوارج الذين قصروا الصلاة على ركعة في الصباح وركعة في المساء. والميمونية- حيث أجازوا نكاح بعض المحارم كبنات البنين وبنات البنات وبنات بني الأخوة، ثم زادوا فأنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن لاشتمالها -فيما يزعمون- على ذكر العشق (١) والحب، والقرآن فيه الجد، وكذا اليزيدية منهم، حيث زعموا أن الله سيرسل رسولاً من العجم فينسخ بشريعته شريعة محمد ﷺ (٢) .
أما الرأي الثاني: وهو القول بعدم تكفير الخوارج؛ فأهل هذا الرأي يقولون: إن الاجتراء على إخراج أحد من الإسلام أمر غير هين، نظراً لكثرة النصوص التي تحذر من ذلك إلا من ظهر الكفر من قوله أو فعله فلا مانع حينئذ من تكفيره بعد إقامة الحجة عليه.
ولهذا أحجم كثير من العلماء أيضاً عن إطلاق هذا الحكم عليهم وهؤلاء اكتفوا بتفسيقهم، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لقيامهم بأمر الدين- وأن لهم أخطاء وحسنات كغيرهم من الناس، ثم إن كثيراً من السلف لم يعاملوهم معاملة الكفار كما جرى لهم مع علي ﵁ وعمر بن عبد العزيز؛ فلم تسبى ذريتهم وتغنم أموالهم.
ولعل الصحيح أن الذين حكموا على الخوارج بالكفر الصريح قد غلوا
стр. 285
في تعميم الحكم عليهم، والذين حكموا عليهم بأنهم كغيرهم من فرق المسلمين أهل السنة قد تساهلوا، بل الأولى أن يقال في حق كل فرقة ما تستحقه من الحكم حسب قربها أو بعدها عن الدين.
وإطلاق ما أطلقته النصوص في الحكم العام، ويتوقف عن إطلاق التكفير المخرج من الملة على المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه، أو إذا ظهر كفره من قوله أو فعله أو اعتقاده.
وإلى هنا ينتهي المطلوب بالنسبة لفرقة الخوارج، وقد تركنا مسائل كثيرة للخوارج (١) يجدها الباحث حين يرجع إلى ما كتبه علماء الفرق عنهم، وربما يجمع تلك المسائل كلها وجميع فرقهم وما يتعلق بهم رسالة ماجستير تسمى: ((الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها)) لكاتب هذه الأسطر، وقد ذكرتها من باب تسهيل الرجوع إلى ما يتعلق بالخوارج لمن يهمه دراسة هذه الفرقة بالتفصيل.
********************************