ويمتد حكمهم من طهران إلى ما ورائها، ويعظم شأن البهائيون بها جداً.
وكذب هنا كما كذب في غير ذلك؛ فلم يسمح للبهائيين رفع رؤوسهم أو إظهار دعوتهم؛ بل بقوا فيها في غاية الذل والاحتقار ولم يقم لهم حكم فيها أو كلمة.
٣. تنبأ المازندراني بأن دينه سيغلب الأديان كلها ويعتنقه أكثر العالم وسيهيمن هو على جميع الأرض، فماذا كانت النتيجة؟ لقد فضح الله الكاذب؛ فقد مضت سنوات عديدة وتلك الأماني الفارغة لم يتحقق منها شيء رغم ما قام به أعداء الإسلام من اليهود، والصهيونية العالمية، والصليبيون، والاستعمار الروسي والأمريكي بمساعدته والوقوف إلى جانبه.
ولكن قدرة الله أقوى من ذلك، ففشل هؤلاء فشلاً ذريعاً في تحقيق مطامع هذا المتأله الكاذب، وكانت أحلامه خيالية، وكلامه هذيان فارغ ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
٤. وأغرب شيء وأشنعه في تنبؤات البهائية ما صرح بن ابن المازندراني المسمى عبد البهاء عباس أفندي بوحي من أبيه حينما سئل عن آخر السنوات التي تعم فيها البهائية العالم وتنتشر في أرجائه وأنحائه؛ أجاب بأنه-وحسب البشارات القديمة التي ذكرها له إلهه المازندراني -أنه سيتم ذلك وبالتحديد أيضاً في ١٩٥٧م. فماذا كانت النتيجة؟
لقد أظهر الله كذبهم حتى لا يبقى لأحد حجة، فلم تدخل الدول في البهائية، ولم يظهر نور الله البهاء في جميع أقطار الأرض كما زعموا.
стр. 702
فطردت البهائية من إيران، وطردت من العراق، وطردت من تركيا، وطردت من مصر وليبيا وسوريا، وقضي عليها في باكستان وأفغانستان، ولم يأبه لها العالم الغربي كما يريدون، وكذلك طردت من أفريقيا، ولم يقر لها قرار إلا في البيئات المنحلة أو الحاقدة على الإسلام.
وظلت طريدة لخبثها وخبث مبادئها وولائها للاستعمار في كل مكان، إلى أن آواها الإنكليز إلى فلسطين وتلقفتها اليهودية، فأين نبوءة حسين علي البهاء المازندراني وابنه عباس أفندي من أن البهائية ستكتسح جميع الأديان وستعم البلدان في الموعد الذي حدده البهائيون؟! (١)
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 703
الفصل التاسع
أماكن البهائية
تنتشر الأفكار وتتغلغل بين الناس دون أن يفطن لها المجتمع، لا تحدها الحدود الدولية السياسية، ولا تمسك بزمامها سلطة، تسري في الأمة سريان النعاس في جسم الإنسان حتى إذا قوي أمرها وانتشر خبرها وصار لها رجال يدافعون عنها- ظهرت متنكرة للوسط الذي تعيش فيه طالبة التغيير الجذري لكل ما حولها. ومن هنا تبدأ ثمارها؛ خيرة كانت تلك الأفكار أم شريرة.
ومن المعلوم أن للسلطة والسياسة والمجتمع بأكمله دوراً في ظهور الفرق وعدم ظهورها حسب الظروف التي تحيط بها، فمثلاً هذه الطائفة التي نحن بصدد دراستها من الأسس الهامة في عقائدهم القول بالتقية، وحينما يخافون أن يظهروا أنفسهم على حقيقتهم يدخلون مع الناس على الوفاق والود ويبطنون ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة من التربص بالبشرية والتمسك بعقائدهم ومحاربة الأديان المنافية لها، ويكونون كالنار تحت الرماد، ويعملون في الخفاء لنشر أفكارهم إلى أن تواتيهم الفرصة فيظهرون.
وقد انتشرت البهائية في أماكن كثيرة بعضها معلوم وبعضها في الخفاء، إلا أن وجودهم الأكبر ومركزهم الرئيسي بين حلفائهم في أرض فلسطين التي اغتصبها اليهود، وبارك هذا الاغتصاب ونشر الدعاية له البهائيون في كل مكان.
стр. 704
ويوجد لهم خلايا كثيرة في إيران وأمريكا والعراق ومصر وإمارات الخليج والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، ومحافلهم كثيرة وأكبرها في شيكاغو وإسرائيل وكندا وبنما ولندن وألمانيا وسويسرا والهند وباكستان وشمال أفريقيا وأوغندا واستراليا.
وقد قدر بعض زعماء البهائية عدد البهائيين بما يزيد على ستين مليون نسمة في العالم، ولكن لا ينبغي تصديقهم فيه فهو رقم دعائي أكثر منه حقيقي.
ومما لا ينكر أنه قد وقف أعداء الإسلام إلى جانب البهائية مدافعين عنها ومشجعين لها في الاستمرار، وكل من حاول الأخذ على أيدي البهائيين في أي مكان من العالم تقوم ضده دعاية رهيبة بأنه غير متحضر وإرهابي، ولا يسمح بحرية الفكر، ولا يراعي حقوق الإنسان، إلى غير ذلك من الدعايات الطويلة العريضة التي يجيدونها.
ثم يلجئون إلى مجلس الأمن للعويل على حقوق الإنسان التي ترعاها الأمم المتحدة في نيويورك، ليجد كل من يريد إيقافهم عند حدهم أنه أصبح في عداد الأشرار دون أن يعرف الذنب الذي اقترفه، وهذا بفعل دسائس زعماء البهائية في كل مكان يوجدون فيه وتكاتفهم على باطلهم ووقوف بعضهم إلى جانب البعض الآخر لشعورهم بالقلة والذلة -أدام الله ذلهم- إلى يوم يؤوبون فيه إلى الدين الحق والصراط المستقيم.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 705
من مراجع البهائية
١. البهائية تاريخها وعقيدتها وصلتها بالباطنية والصهيونية. تأليف عبد الرحمن الوكيل.
٢. حقيقة البابية والبهائية. تأليف الدكتور/ محسن عبد الحميد.
٣. البهائية. السيد محب الدين الخطيب.
٤. البهائية نقد وتحليل. إحسان إلهي ظهير.
٥. حقيقة البهائية والقاديانية. الدكتور/ محمد حسن الأعظمي.
٦. البهائية الفكر والعقيدة. صالح عبد الله كامل.
٧. الحكم على البهائية. علي رشدي.
٨. قراءة في وثائق البهائية. الدكتورة/ عائشة عبد الرحمن ((بنت الشاطئ)) .
٩. خفايا الطائفة البهائية. الدكتور/ أحمد محمد عوف.
١٠. البهائية رأس الأفعى. أول محاكمة شرعية للبهائيين لمجموعة من الكتاب.
١١. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة. ((الندوة العالمية للشباب الإسلامي)) .
١٢. دراسات عن البهائية والبابية. تأليف: محب الدين الخطيب، علي علي منصور، محمد كرد علي، محمد فاضل.
стр. 706
وبعد هذه الدراسة عن فرق البهائية عثرت على نسخة مصورة عن هذه الفرقة تسمى موقع البهائيين في الحركات الهدامة، المفسدون في الأرض كتبها ((محمد علي كيوة)) - معاصر- فيها تفاصيل دقيقة وموسعة عن البهائية، ويظهر فيها أن له اطلاعاً واسعاً على خفايا هذه الطائفة ومعرفة خاصة بهم فلترجع إليها إن شئت.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 707
الباب التاسع
القاديانية
تمهيد: التحذير من ظهور دجالين يدعون النبوة بعد محمد ﷺ :
قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . سورة الأحزاب: ٤٠.
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ سورة المائدة: ٣.
وجاء في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام:
١. ((وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)) . قال أبو الدرداء: ((صدق والله رسول الله ﷺ ؛ تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)) (١) .
٢. ويقول ﵊ في بيان أنه لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا وحذرها منه: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا دلَّ أمته على ما يعلمه خيراً لهم، ويحذرهم ما يعلمه شراً لهم)) (٢) .
فقد جمعت هذه النصوص بيان ختم النبوة بمحمد ﷺ ، وبيان إكمال
стр. 708
الدين من عند الله ، وبيان إكماله من قبل المصطفى ﷺ ، وبيان كمال النصح والشفقة من الرسول ﷺ ؛ حيث بيَّن كل ما يحتاج إليه المسلم في أمور دينه ودنياه، ولم يبق لأي متحذلق مجال في الزيادة في الدين أو النقص منه لأن ما أكمله الله لا يحتاج إلى إكمال.
وفي إثبات ختم النبوة وردت نصوص كثيرة نكتفي ببعضها هنا، ومن أراد التوسع فعليه بكتب الحديث والتوحيد وما كتبه العلماء عن هذه القضية بخصوصها، ومن تلك النصوص:
١. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي)) (١) .
٢. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي حينما خرج إلى تبوك: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي)) (٢)
إذا لا نبي بعده ﵊، ولكن هناك جريئون لا يبالون بالكذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، يدعون النبوة بكل صلافة. وفي هؤلاء يقول المصطفى ﷺ :
١. عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن بين يدي الساعة كذابين)) (٣) .
стр. 709
٢. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال عن الفتن التي تكون قبل الساعة: ((وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)) (١) .
وتوجد أحاديث كثيرة رواها أصحاب المسانيد والسنن، كلها تكذيب لمن ادعى النبوة بعد محمد ﷺ ، مهما زخرف صاحبها القول وتفنن في الخداع والاحتيال.
ولقد أجمعت الأمة الإسلامية وصار معلوماً من الدين بالضرورة أن الرسول محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء ولا نبي بعده؛ لوصول البشرية إلى نهاية الكمال الذي لا يحتاجون بعده إلى نبي ولا إلى رسالة جديدة، فقد أكمل الله الدين وصار صالحاً للبشرية إلى نهاية هذا الكون، وهذه نعمة من الله تعالى على البشر عامة؛ لتجتمع همتهم على هذا الدين القيم، وتطمئن نفوسهم إلى أنه لا تبديل ولا تغيير لأحكامه، وأن عليهم فقط تنفيذ ما جاء من أحكامه وشرائعه للوصول إلى السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
واتفق المسلمون على أن كل من يدعي النبوة بعد محمد ﷺ ، فإما أن يكون ملحداً كذَّاباً أو مجنوناً مهوساً، ومن المعلوم أن أعداء الإسلام والمستعمرين أصحاب المطامع الواسعة في بلاد المسلمين لم يرضهم هذا المنهج الإلهي، وكذلك لم يرض هذا المنهج أصحاب النفوس المريضة المتعطشة إلى السلطة والعلو في الأرض بغير الحق.
فقام كذَّابون يدعون النبوة معرضين عن ما ذكر الله في كتابه وما ذكره
стр. 710
رسوله محمد ﷺ من انقطاع النبوة، وتظاهروا بالإسلام لتحقيق مطامعهم، ولم يكونوا وحدهم في هذا الميدان، بل وجدوا من يشجعهم ويمدهم بالمال وهم المستعمرون الذين رأوا أن هؤلاء هم أفتك الأسلحة لتفريق كلمة المسلمين وإرجاعهم إلى الذل والوثنية، فربُّوهم على أيديهم وأمدُّوهم بكل ما يحقق أحلامهم.
وقد ذهب هؤلاء المغرمون بدعوى النبوة إلى تأويل النصوص الواردة في ختم النبوة لنبينا محمد ﷺ تأويلاً شنيعاً باطنياً، سواء كانت تلك النصوص من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ . سورة الأحزاب: ٤٠.
أو كانت من السنة النبوية، مثل قول الرسول ﷺ : ((وحتى يبعث دجالون كذَّابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله)) (١) .
أو قوله ﷺ لعلي: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) (٢) .
متلاعبين بمعانيها على حسب ما يخدم عقائدهم الإلحادية، غير عابئين بما اتفق عليه المسلمون من معانيها أو بما تدل عليه اللغة العربية التي أنزل الله بها القرآن الكريم وشرَّفها به، وجعلها أفضل اللغات وجعلها مفخرة كل مسلم في كل مكان من الأرض، وصار هؤلاء يتخبطون في كل أمر يريدونه، لا يرجعون فيه إلى أهله، ولا أدل على هذا من إجماع المسلمين كلهم وإجماع كل اللهجات العربية على أن الختم معناه آخر الشيء ونهايته، بينما معناه عند هؤلاء يختلف عن ذلك تماماً.
стр. 711
فهو عندهم إما أن يكون بمعنى الأفضل أو الزينة أو غير ذلك مما سنذكره إن شاء الله عنهم، ومما لا يجهله طلاب العلم أن هذه المعاني التي جاءوا بها هي واهية كبيت العنكبوت، وتدل كذلك على فراغهم من العلم ورغبتهم في الخروج على منهج الله تعالى بتلك التأويلات الفاسدة، التي لا تدل عليها اللغة ولا أقوال أهل العلم.
والواقع أن هؤلاء الفَجَرَة أمثال أحمد القادياني أو حسين علي المازندراني زعيم البهائية أو غيرهم- قد أحدثوا فوضى في مفهوم النبوة بحماقتهم؛ ففقدت كلمة النبوة جلالتها وحُرمَتُهَا وقداستها في نفوس بعض الناس؛ إذ هَانَ على أصحاب المطامع والنفوس المريضة بصفة عامة بعد هؤلاء أن يتنبئوا، خصوصاً وقد أنسوا من أعداء الإسلام تعاطفاً معهم وحماية لهم.
إضافة إلى ما أحدثته هذه النبوءات الكثيرة المزعومة من بلبلة أفكار المسلمين واضطرابهم وتمزيق وحدتهم وإفلاسهم الروحي العميق، لقد أضافت الحركة القاديانية إلى الاضطراب والجهل بالدين وتشتيت كلمة المسلمين وتضارب أفكارهم في الهند وفي غير الهند- أضافت هذه الحركة حينما جاءت في ذلك الليل البهيم تمزيقاً جديداً لوحدة المسلمين وتباعداً بينهم، وأخذ بعضهم يكفر البعض الآخر وضعفت كلمتهم.
وأسهمت بريطانيا -العدو الأكبر للمسلمين- في محاولة الإجهاز على البقية من تعلق المسلمين بدينهم ووحدتهم في الهند، وفي كل مكان وصلت إليه أقدامهم النجسة في تلك الحقبة التي ظهر فيها الغلام بدعوته الخرافية المشئومة، وكذلك المرزا حسين علي المازندراني في إيران وفي فلسطين، وقبله علي محمد الشيرازي. وللباطل صولة ثم يضمحل.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 712
الفصل الأول
كيف نشأت القاديانية
القاديانية وهي إحدى الفرق الباطنية الخبيثة (١) ، ظهرت في آخر القرن التاسع عشر المسيحي في الهند، وتسمى في الهند وباكستان بالقاديانية، وسموا أنفسهم في أفريقيا وغيرها من البلاد التي غزوها بالأحمدية؛ تمويهاً على المسلمين أنهم ينتسبون إلى الرسول ﷺ . ((والقاديانية ثورة على النبوة المحمدية وعلى صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وثورة على الإسلام ومؤامرة دينية وسياسية كما يذكر الندوي)) (٢) .
احتضنها الإنجليز حينما كانوا حكاماً مستعمرين للهند، وتبنوها، وبذلوا لنصرتها ما في وسعهم من الإمكانيات المادية والمعنوية؛ وذلك لما رأوه فيها من تحقيق مآربهم والتمكين لهم في الهند وفي غير الهند، واحتضنتها كذلك اليهودية العالمية، ولهم مراكز في أنحاء العالم وفي إسرائيل لنشر الإسلام-كما يزعم القاديانيون.
وقد نبغت هذه الفتنة في عصر كثر الاضطراب فيه وخَيَّم الجهل وانتشرت الأفكار والمبادئ الهدامة على أوسع نطاق، وتغلغلت بين صفوف المسلمين على حين غفلة منهم، حتى أصبحت طائفة كبيرة خصوصاً حينما تولى وزارة الدولة الباكستانية المسلمة وزير قادياني هو ظفر الله خان؛ فقد تولى وزارة الخارجية وعمل كل ما في وسعه لتمكين القاديانية والقاديانيين من الانتشار والظهور.
стр. 713
وصارت قاديان ثم الربوة عاصمة للقاديانية ومركز دعوة ودعاية لها، وبدأت القاديانية توجه دعوتها إلى البلاد العربية والإسلامية، وبدأت تظهر في العراق وسوريا وتنتشر في أندونيسيا (١) وبعض البلدان في أفريقيا (٢) ، وتتمنى بإلحاح لو وُجِدَ من يصغي لها في الجزيرة العربية -حرسها الله من الفتن والارتداد الذي يراد لها- ففيها مهبط الوحي وإليها تهوي أفئدة المؤمنين بالله من كل قطر من أقطار الأرض.
وكم بُذلت من المحاولات الكثيرة لطوائف الفرق الضالة للتغلغل إلى قلوب المسلمين في مكة والمدينة، فرد الله كيدهم إلى نحورهم، وباءت محاولاتهم بالفشل الذريع بفضل الله وتوفيقه لعلماء المسلمين لفضح تلك الطوائف وما تبيته من السوء للمسلمين ولدينهم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وقد قيض الله للتصدي للقاديانيين علماء أجلاء بينوا للمسلمين خطر هؤلاء القاديانيين وارتدادهم عن الإسلام، ومن هؤلاء العلماء المجاهدون كثير من علماء الهند وباكستان، وغيرهم من علماء البلدان الإسلامية، وبُذِلَت محاولات عديدة لجعل القاديانية أقلية غير مسلمة في باكستان.
وتمَّ ذلك والحمد لله إلا أن نشاط القاديانيين هؤلاء ربما ازداد اشتعالاً وتوسعاً بين جهلة المسلمين وشبابهم، الذين لم يكن عندهم مانع من الثقافة الإسلامية عن تقبل الديانة القاديانية، التي بذلت المال ونشرت الدعاة لتحقيق ما تهدف إليه من إخراج المسلمين عن دينهم للإيمان بنبوة القادياني والحج إلى
стр. 714
قاديان والرضى بحكم الإنجليز، واستعمارهم لبلدان المسلمين في كل مكان وصلت إليه أيدي الإنجليز الملطخة بالدماء، وقلوبهم المنطوية على غاية المكر والخديعة والإضرار بالمسلمين بكل ما يمكن فعله من قتل وسجن وتشريد، كما فعلوا في الهند بعد أن أخفقت ثورة الهند الكبرى عام ١٨٥٧م، وراح ضحيتها كثير من أهل الهند، وخصوصاً من المسلمين بكل قسوة ووحشية (١) ، وبمباركة القاديانيين الذين كانوا من أخلص الجواسيس لهم.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 715
الفصل الثاني
زعيم القاديانية
١- اسمه وأسرته:
ترجم المرزا لنفسه ولأسرته في آخر كتابه ((ضميمة الوحي)) وجاء بخلط عجيب في ذلك.
أما اسمه فهو: غلام أحمد القادياني، واسم والده غلام مرتضى، واسم أمه جراج بي بي (١) وفي نسبة أسرته يتضارب قوله؛ فهو يزعم أنه ينتمي إلى أسرة أصلها من المغول من فرع برلاس، ومرة قال: إن أسرته فارسية (٢) ، ومرة زعم أن أسرته صينية الأصل، ومرة أنه من بني فاطمة بنت الرسول ﷺ ، وأخرى قال بأنها جاءت من سمرقند، وزعم مرة أنه يرجع إلى بني إسحاق (٣) .
وبعد كل هذا الخلط والاضطراب زعم أن الله أوحى إليه أن نسبه يرجع إلى فارس فقال: ((والظاهر أن أسرتي من المغول، ولكن الآن ظهر علي من كلام الله تعالى أن أسرتي حقيقة أسرة فارسية، وأنا أؤمن بهذا؛ لأنه لا يعرف أحد حقائق الأسر مثل ما يعرفها الله تعالى)) (٤) .
стр. 716
وفي تقرير هذا الخلط قال في ضميمة الوحي: ((وسمعت من أبي أن آبائي كانوا من الجرثومة المغلية، ولكن الله أوحى إلي أنهم كانوا من بني فارس لا من الأقوام التركية، ومع ذلك أخبرني ربي بأن بعض أمهاتي كن من بني الفاطمة-ومن أهل بيت النبوة، والله جمع فيهم نسل إسحاق وإسماعيل من كمال الحكمة والمصلحة)) (١) .
وكل من سأله عن هذه التقلبات في نسبه يقول: هكذا أخبرني الله تعالى، أو هكذا أُلهِمَ من الله أو كُلمَ على التعبير الذي يحبه (٢) . أي أخبره الله بكل هذه التناقضات التي لا مبرر لها إلا الجهل والنفاق-والله يتنزه عن هذا التناقض- ومهما قال عن أسرته، فإنها أسرة عميلة اشتهرت بعاملتها وتفانيها في خدمة الإنجليز المستعمرين لهم. وكان الغلام كثيراً ما يتباهى بأنه هو وأجداده كانوا من المخلصين لخدمة الإنجليز، كما سيأتي ذكر النصوص التي تبجح بها القادياني وأتباعه.
أما ولادته: فقد ولد غلام أحمد في عام ١٢٥٦هـ على أحد الأقوال في قرية قاديان إحدى قرى البنجاب بالهند. يقول المودودي: ((ولد الميرزا غلام أحمد- كما أشرنا في البداية- حوالي سنة ١٨٣٩م، أو سنة ١٨٤٠م حسبما كتبه الميرزا في تأليفه كتاب البرية، إلا أن أحد مؤرخيه كتب أنه ولد سنة ١٨٣٥م (٣) ، وقد وصف القادياني قريته التي ولد فيها بقوله:
стр. 717
((كانت قريتي أبعد من قصد السيارة، وأحقر من عيون النظارة، درست طلولها، وكره حلولها، وقلت بركاتها، وكثرت مضراتها ومعراتها، والذين يسكنون فيها كانوا كبهائم، وبذلتهم الظاهرة يدعون اللائم، لا يعلمون ما الإسلام وما القرآن وما الأحكام، فهذا من عجائب قضاء الله وغرائب القدرة أنه بعثني من مثل هذه الخربة)) (١) .
وأغلب الظن أنه كان صادقاً في وصفه لقريته بأنها خربة، ولأهلها بأنهم مثل البهائم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً؛ إذ لولا أنهم كذلك لما جرؤ على دعوى النبوة بينهم.
٢- أما هو وثقافته:
فقد قرأ مبادئ العلوم وقرأ في المنطق والعلوم الدينية والأدبية في داره على بعض الأساتذة، مثل فضل إلهي، وفضل أحمد، وكل على شاه، كما قرأ الطب القديم على والده الذي كان طبيباً ماهراً (٢) وعرافاً حاذقاً (٣) ، وقد كان يكثر القراءة والطلب وأجهد نفسه في ذلك (٤) ، إلا أن جميع معلوماته عن الإسلام وعن النبي ﷺ كانت مشوشة ومملوءة بالأخطاء والخلط الشنيع، كما ذكر عنه الأستاذ إحسان إلهي وذكر الأمثلة على ذلك (٥) .
وقد بدأ حياته العملية بأن توظف في محكمة حاكم المديرية في مدينة
стр. 718
سيالكوث إحدى المدن في باكستان، بمرتب يساوي خمس عشرة روبية في ذلك الوقت، وبقي على ذلك أربع سنوات من عام ١٨٦٤ إلى عام ١٨٦٨م، وقد استغل في هذه الفترة وقته فأقبل على تعلم الإنجليزية، كما التحق بدراسة الحقوق وأخفق في الامتحان، ثم استقال من وظيفته هذه عام ١٨٦٨م وشارك والده في المحاكمات والقضايا التي كان مشغولاً بها (١) .
وهكذا بدأ حياته في تقشف وحاجة شديدة عبر عنها في كتابه: ضميمة الوحي بعدة أساليب نأخذ منها على سبيل المثال في الاستفتاء الأول الذي بدأ بقوله: ((يا علماء الإسلام وفقهاء ملة خير الأنام؛ أفتوني في رجل ادعى أنه من الله الكريم- يقصد نفسه- إلى أن قال: ((وكان في أول زمنه مستوراً في زاوية الخمول، لا يعرف ولا يذكر، ولا يرجى منه ولا يحذر، وينكر عليه ولا يوقر، ولا يعد في أشياء يحدث بها بين العوام والكبراء، بل يظن أنه ليس بشيء ويعرض عن ذكره في مجالس العقلاء)) (٢) .
وقال أيضاً: ((وما كنت من المعروفين فأوحى إلي ربِّي، وقال: اخترتك)) (٣) .
إلى أن يقول: ((وكنت أعيش كرجل اتخذه الناس مهجوراً)) .
ونصوص أخرى كثيرة ذكرها حول إثبات هذه الحقيقة.
إلا أنه حينما تبوأ الزعامة الدينية أقبلت عليه الدنيا والهدايا الكثيرة التي تمدح بها في كتابه ضميمة الوحي في سبعة مواضع، بتعبيرات مختلفة زاعماً
стр. 719
أنها فضل من الله، ودليل أيضاً على نبوته، منها:
((ثم بعد ذلك أيَّد الله هذا العبد كما كان وعده بأنواع الآلاء وألوان النعماء، فرجع إليه فوج من الطلباء بأموال وتحايف وما يسرُّ من الأشياء، حتى ضاق عليها المكان)) (١) .
وقال أيضاً:
((وانهالت علي الهدايا كأنها بحر تهيَّج في كل آن أمواجاً، هذه آيات الله)) (٢) .
وقال: ((يأتوني من كل فج عميق بالهدايا وبكل ما يليق، هذا وحي من السماء من حضرة الكبرياء، ما كان حديثاً يفترى)) (٣) .
ومن هنا وحين أقبلت عليه الدنيا بالزعامة الدينية رتع فيها كيفما حلى له على حساب المغفلين من أتباعه، وصار ينفق في المسكن والمأكل والمشرب بما في ذلك شرب أقوى المسكرات من الخمر والمعجونات المقوية الثمينة، وصارت حياته أشبه ما تكون بحياة الزعماء السياسيين حتى شكى كثير من أتباعه هذه الحياة المملوءة بالإسراف بالنسبة للغلام ولزوجاته، من لبسهن الحرير والحلي والحلل الفاخرة، بينما أتباعه يعيشون في فقر مدقع.
وكان الغلام يغضب كثيراً حينما يُسأل عن كيفية إنفاق تلك الأموال التي تأتي بكثرة، لكنها لا ترى بعد ذلك ولا يلمس لها أثر (٤) .
стр. 720
ومما يذكر في ترجمته أن الله قد عاجله بكثير من الأمراض، فقد أصيب بعدة أمراض حتى كان يغمى عليه كثيراً من شدة مرض السكر به، إضافة إلى الصداع الشديد الملازم له، إضافة إلى مرض المراق، وأمراض أخرى ذكرها المودودي والندوي وغيرهما في ترجمتهم له، مستندين إلى كتب الغلام وغيره من كبار أصحابه (١) .
وأما حياة خلفاء الغلام من بعده فقد أضافوا إلى الحَشَفِ سوءَ كيلة؛ لقد استهتروا بكل القيم ورتعوا في كل مراتع اللهو والفجور، ويكفي الشخص أن يقرأ كلمة الأستاذ عبد الرحمن مصري مدير كلية تعليم الإسلام في قديان، وكان من كبار علماء الجماعة القاديانية كما يذكر الأستاذ الندوي.
فقد أسلم هذا الرجل على يد بعض القاديانيين ونشأ في حضانتهم وتعلم في مصر، وحاز ثقة الجماعة حتى كان يستخلفه الميرزا بشير الدين في إمامة الصلوات، ثم اطلع على أسرار هؤلاء الماسونيين القاديانيين وثار عليهم، وألف جماعة من الثوار كان يرأسهم هو. فقد سجل قاضي محكمة الاستئناف في لاهور- كما يذكر عبد الرحمن المصري في يوم ٢٣ سبتمبر من عام ١٩٣٨م- ما يأتي:
إن الخليفة الحالي الميرزا بشير الدين محمود من كبار الفساق، إنه يتصيد الفتيات في ستر من الزعامة الدينية، وله وكلاء وسماسرة من الرجال والنساء يحضرون له الفتيات الغافلات والشباب الغر، وقد أسس لهذا الغرض نادياً سرياً من الرجال والنساء يفسق فيه (٢) .
стр. 721
ولا شك أن هذا الميرزا سار على سيرة والده الميرزا غلام أحمد في استهتارهما بالدين وعدم وجود المراقبة الذاتية؛ فأصبح انتهاب الملذات من الأمور المألوفة، وهذا النادي يشهد صراحة بتأثير العقائد القاديانية في أصحابها، ودليل على أن هذه الفرقة إنما قامت من الأساس على خداع الناس والوصول إلى مآربهم وشهواتهم التي لا حد لها.
٣- صفاته وأخلاقه:
مما يذكر عن القادياني أنه كان قليل الفطنة مستغرقاً تبدو عليه البساطة والغرارة، فقد قيل عنه: إنه كان لا يحسن ملأ الساعة، وكان إذا أراد أن يعرف الوقت وضع أنملته على ميناء الساعة وعد الأرقام عداً، وكان لا يميز الأيمن من حذائه عن الأيسر منها، حتى اضطر إلى وضع علامة عليها، وكان يضع أحجار الاستنجاء التي يحتاج إليها كثيراً وأقراص القند التي كان مغرماً بها في مخبأ واحد (١) ... هكذا يذكر عنه.
وفي رأيي أنه كان يتظاهر بهذه الغفلة والسذاجة لأشياء في نفسه تمهيداً للإيحاء إلى الناس بأنه في تلك القوة من الاحتجاج والمناظرة والخطابة وكثرة تأليف لكتب التي بثَّها في العالم- إنما كانت بقوة ربانية وإلهام منه؛ أي ولولا ذلك لما استطاع أن يحفظ اسمه أو يكتب كلمة.
وهذا من دهائه ومكره، فإن الذي كتب عن مدح الإنجليز ما يملأ ٥٠ خزانة كيف لا يعرف أرقام الساعة وحذاءه الأيمن عن الأيسر وأحجار الاستنجاء وأقراص القند؛ بل وبين السكر والملح كما يذكر عنه، هذا بعيد
стр. 722
جداً خصوصاً وأن هذه الأوصاف إنما ينقلها علماء المسلمين من كتب القاديانية وعن القادياني، ومن مصادره أنه كان كثير الأمراض (١) .
وقد ذكر هو عن نفسه وذكر عنه العلماء من المسلمين ومن كتَّاب القاديانيين من الأمراض ما لو جمعت على حجر لفلقته، فقد ذكر المودودي جملة من أمراض الغلام من مصادر القاديانيين أن الغلام كان فيه من الأمراض: -الهستيريا-القطرب-الماليخوليا-السل-أمراض الصدر-دوار الرأس-سلس البول-الأرق-التشنج القلبي-الذيابيطس-أي السكر-يبول في الليلة الواحدة أكثر من مائة مرة-الضعف العصبي-سوء الذاكرة ... إلخ ذلك.
وفيما أتصور أن هذه المبالغات في ذكر أمراض الغلام المتنبي -من قبل القاديانيين- إنما يراد من ورائها مكسب هام لإثبات النبوة؛ لأن أقل هذه الأمراض تمنع الشخص أن يملأ الخزائن بمؤلفاته، ولا تسمح له بالتفكير السليم فتكون النتيجة أن كل ما قاله الغلام وكتبه إنما كان إلهاماً جاهزاً من الله لا دور للغلام فيه إلا مجرد التبليغ، خصوصاً إذا عرفنا أن الغلام وأسرته كانوا يحبون أن تشيع هذه الأمراض عنه، وقد ذكر الشيخ إحسان إلهي ﵀ أمراضاً أخرى كثيرة للغلام من مصادر القاديانيين (٢) ، فأي جسم يحتمل ذلك!؟
وقد وصف الغلام بالبذاءة وسوء الأخلاق وطول اللسان هجاءاً مقذعاً للمخالفين والعلماء المعاصرين وعباد الله الصالحين، وكان مصداق صفة المنافقين التي جاءت في الأحاديث الصحاح: ((وإذا خاصم فجر)) ، وكان يكثر من
стр. 723
سَبِّ مخالفيه مثل هذه الألفاظ: فلان الغوي الجاهل الخليع الكلب الأحمق الضال الكذاب اللعين ابن الزنا والبغي الشيطان الغوي، وأمثال هذه الكلمات والسباب البذيء الذي لا يصدر إلا عن السفهاء والسوقة (١) .
ومن ذلك أنه تنبأ بموت رجل في زمن محدد، ولكن هذا الرجل لم يمت حسب تنبؤه في هذه المدة، فقال له بعض العلماء: أنت تظن أنك نبي ولا تتكلم إلا بوحي الله، فكيف يمكن أن يتخلف وعد الله؟، فبدل أن يجيبهم بدليل يرد به دعواهم ويثبت دعواه، بدلاً عن ذلك بدأ يَسُبُّهُم هم وجميع علماء المسلمين فقال: ((لا يوجد في الدنيا شيء أنجس من الخنزير، ولكن العلماء الذين يخالفونني هم أنجس من الخنزير، أيها العلماء يا آكلي الجيفة وأيتها الأرواح النجسة)) (٢) .
وقد وصف جميع من يخالفونه بقوله: ((بعضهم كالكلاب، وبعضهم كالذئاب وبعضهم كالخنازير)) (٣) ، ويخاطب الشيخ ثناء الله الأمر تسري قائلاً: ((يا كلب يا آكل الجيفة)) (٤) ويقول عن العالم الكبير مهر علي الكولري الجشتي:
فقلت لك الويلات يا أرض جولر ... لعنت بملعون فأنت تدمر (٥)
وقال في سبه لجميع مخالفيه:
إن العدا صاروا خنازير الفلا ... نسائهم من دونهن الأكلب (٦)
стр. 724
وإذا كان هذا السباب لعلماء عصره لأغراض شخصية إن صرفنا النظر عن الأساس الديني فيها-وهو الأصل- فلماذا لم يقتصر في سبه على المخالفين له حين تطاول فسب أنبياء الله الأطهار دون أن يكون له أي مبرر-إلا تغطية ضعف جانبه وبطلان أفكاره وسقوطها-.
ومن ذلك السباب سبه لنبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ فقد قال عنه: ((إن عيسى ما استطاع أن يقول لنفسه إنه صالح؛ لأن الناس كانوا يعرفون أن عيسى رجل خمار، وسيء السيرة)) (١) .
وقد كذب وافترى وحاشا أن يوصف نبي الله عيسى بهذا الوصف أو الأوصاف الأخرى التي قالها عنه، مما يلزم تنزيه القارئ عن ذكرها هنا (٢) ، وربما تصور الغلام أن نقضه لبناء الآخرين يشيِّد بنيانه، وأن ترفُّعه على الأنبياء يجعل منه نبياً أعلى منهم.
كما أنه له أشعار ركيكة ومعاني تافهة مملوءة بالسباب والشتائم على كل من يخالفه، ينطبق عليه المثل القائل: ((رمتني بدائها وانسلت)) .
وحين تمادى في شتم الناس وإيذائهم بلسانه وبكتاباته عنهم أوصلوا أمره إلى القضاء، فأخُِذَ عليه تعهد في المحكمة الجنائية أن لا يستعمل مرة أخرى تلك الألفاظ القبيحة والسب والشتم والقذف ضد مخالفيه، وقال الغلام نفسه: ((أنا عاهدت أمام نائب الحاكم بأني لا أستعمل بعد ذلك ألفاظاً سيئة)) (٣) .
стр. 725
ولكنه لم يَفِ؛ فهذا هو يقول في ضميمة الوحي في معرض تعداده للنعم الوافرة عليه- يقول: ((ويطرد -أي الله- أعداءه المؤذين كالكلاب ويؤتيه ما لم يؤت أحداً من المعاصرين)) (١) .
وتجد تفاصيل كثيرة فيما كتبه عنه العلامة الندوي والمودودي وإحسان إلهي ﵏؛ حيث يظهر القادياني فيما ينقله عنه هؤلاء الأعلام أنه كان سباباً فاحشاً لا يدانيه أحد في هذه الصفة.
كما عرف عنه التناقض في القضية الواحدة؛ حيث يذكر شيئاً ثم يذكر آخر يدل على كذبه، وحبل الكذب قصير كما قيل، ومن الكذب الذي اشتهر به الكذب على الله؛ حيث يأتي بكلام من تلفيقه ثم يزعم أن الله قاله له، ثم يكذب على الرسول ﷺ بوضع أحاديث من تلقاء نفسه.
كما عرف عنه الاحتيال لأخذ أموال الناس وعدم الوفاء بالتزاماته لهم، وتعليل ذلك بما لا مقنع فيه لأحد، كما في قصة الخمسين المجلد التي تزعم أنه سيؤلفها وأخذ ثمنها مقدماً، ثم كتب خمسة كتب فقط وامتنع من الباقي، ومن إرجاع الأموال أيضاً بحجة أنه لا فرق بين الخمسة والخمسين غير الصفر، ويظهر التناقض واضحاً في أفكاره حين تقارن بين قوليه الآتيين:
((أنا أعتقد كل ما يعتقده أهل السنة، كما أنا أعتقد أن محمداً خاتم النبيين ومن يدعي النبوة بعده هو كافر كاذب؛ لأني أومن أن الرسالة بدأت من آدم وانتهت إلى رسول الله ﷺ ) (٢) وقوله: ((والله الذي في قبضته روحي هو الذي أرسلني، وسماني نبياً، وأظهر لصدق دعواي آيات بينات بلغ عددها ثلاثمائة ألف بينة)) (٣) .
стр. 726
٤- عمالة القادياني وأسرته للإنجليز:
لقد جرَّت بريطانيا على المسلمين مصائب وفتناً عظيمة، لا يزال المسلمون يجترون آثارها إلى اليوم في الهند وفي بلاد العرب، وكثير من بلدان المسلمين؛ حيث فرقت كلمتهم وأوهنت قواهم وأوجدت عملاء لها في كل بلد إسلامي من أبناء ذلك البلد ومن جلدتهم، ويتكلمون بألسنتهم، ولكنهم أصبحوا بعد ذلك أشد عليهم من الأعداء الظاهرين، ونشرت الفساد والخلاعة، إلى جانب نشر النصرانية بين المسلمين، وقتلت في سبيل ذلك الأبرياء والصفوة الممتازة من العلماء ليفسحوا المجال للمبشرين، وليثبتوا كذلك استعمارهم إلى الأبد.
ومع كل هذا وغيره نرى الإنجليز وهم مسيطرون على الهند يبحثون فيها عن عميل لهم، فكان المطلوب، ووجدوا القادياني خير من يمتثل لتحقيق مآربهم، ويقدم طاعتهم على طاعة ربه ودينه الذي كان ينتمي إليه ويخون أمته الإسلامية التي كان ينتسب إليها، ولولا نكايته بعد ذلك بالإسلام والمسلمين وإدخال أفكار هدامة حارب بها العقيدة الإسلامية الصحيحة وأخرج بها كثيراً من المسلمين عن دينهم- لولا ذلك لما كان لنا بعمالته لبريطانيا أو غيرها أي غرض لإبراز دوره مع الإنجليز وخدمته لهم، لأنه كغيره ممن باعوا أنفسهم لأعدائهم، على أن عمالة هذا الشخص لبريطانيا فاقت التصور، فإنك لو رجعت إلى أي كتاب من كتب الغلام أو تصريحاته فسترى مدى تعلقه بهم وتفانيه في خدمتهم وتملقه لهم وطلب رضاهم، وتفضيلهم على غيرهم ودعوة الناس إلى الانضواء تحت لوائهم والسير خلفهم في كل شئونهم ومحاكاتهم بكل دقة.
стр. 727
وسترى كذلك في الجانب الآخر مدى تعلق الحكومة الإنجليزية به وبأتباعه، وكيف هيأت لهم المناصب وأغدقت عليهم الأموال ويسرت لهم في داخل الهند وخارجها إلى اليوم كل أسباب التفوق والراحة، ودافعت عنهم في كل موقف يتعرضون فيه للضغط، والنتيجة من كل تلك المواقف للجانبين غير خافية، فالمصلحة بينهم مشتركة والهدف واحد.
ومن الأمثلة- وهي كثيرة - على خدمة هذا المتنبئ لبريطانيا قوله في منع الجهاد: ((لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر-الإنجليز-من الكتب والإعلانات والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة!! وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربية ومصر والشام وتركيا، وكان هدفي دائماً أن يصبح المسلمون مخلصين لهذه الحكومة، وتمحى من قلوبهم قصص المهدي السفاك والمسيح السفاح، والأحكام التي تبعث فيهم عاطفة الجهاد وتفسد قلوب الحمقى)) (١)
وقال أيضاً في رسالة قدمها إلى نائب حاكم المقاطعة: ((لقد ظللت منذ حداثة سني-وقد ناهزت اليوم الستين- أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها والعطف عليها وألغي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة، وأرى أن كتاباتي قد أثرت في قلوب المسلمين، وأحدثت تحولاً في مئات الآلاف منهم)) (٢) .
стр. 728
ولاشك أن هذا الكلام من الخزي المفضوح لنبوته حتى لكأنه بُعث لتأييد بريطانيا والدفاع عن مصالحها وإضفاء الشرعية على استعمارها لبلاد المسلمين.
ويقول كذلك في تملقه للإنجليز وتذكيرهم بجهوده وجهود أتباعه لهم:
((والمأمول من الحكومة أن تعامل هذه الأسرة التي هي من غرس الإنجليز أنفسهم ومن صنائعهم بكل حزم واحتياط وتحقيق ورعاية، وتوصي رجال حكومتها أن تعاملني وجماعتي بعطف خاص ورعاية فائقة)) (١) .
وهنالك نصوص كثيرة بعضها بالأردية وبعضها بالفارسية وأخرى بالعربية يتناقلها العلماء عنه؛ للتأكيد على عمالته لأعداء الإسلام، وعلى رأسهم عدوهم اللدود بريطانيا وجد فيهم القادياني ضالته المنشودة ووجدوا هم أيضاً ضالتهم وما تحمله في شخص القادياني ففاضت قريحة القادياني، فأشاد بفضلهم ومنتهم المزعومة على العالم الإسلامي قاطبة والهند خاصة.
وبقدر ما ارتبط هو وزمرته بأعداء الإسلام بقدر ما ازداد بعده عن الإسلام والمسلمين ونفرت عنه القلوب واستحوذت عليه الشياطين، وكان موقفه هو وأتباعه في غاية المقت بالنسبة لأهل السنة وعامة المسلمين فإنه ناصبهم العداء، ورأى أن الثورات التي يقومون بها على المستعمرين- أنها من فعل العقول الجامدة والحماقة، وكان يثبطهم بكل ما لديه من قوة وحيلة لمنعهم من جهاد هؤلاء الغزاة للبلاد وللدين، ويصيح فيهم أن الجاهد حرام.
وقد انتهى وقته قبل مجيء القادياني، وأما بعده فالجهاد منكر يجب-على حد زعمه- تركه والتسليم للحكومة التي أمر الله بطاعتها؛ أي حكومة بريطانيا
стр. 729
الكافرة.
وقد تمثل في وضوح تام ولاء القاديانية للإنجليز أنهم دائماً يظهرون سرورهم وابتهاجهم بسقوط أي دولة إسلامية في يد الاستعمار، ويحتفلون بذلك ويعتبرونه من أسعد أعيادهم، لأنهم يعتبرون المكان الذي تصل إليه بريطانيا هو المكان الذي تصل إليه القاديانية.
وعلى هذا فإن عز القاديانية وانتشارها مرهون بعز الإنجليز وانتشارهم، فكيف لا يفرح القاديانيون بانتصار بريطانيا وانكسار المسلمين بعد ذلك؟ ولقد صرح بهذا كبار القاديانية ابتداء بالغلام وخلفائه، مثلهم في هذا مثل سائر الباطنية حين يفرحون بمصائب المسلمين ويحزنون من أفراحهم.
وهنا أدلة كثيرة من أقاويل القاديانيين في هذا المسلك، منها ما قاله ابن الغلام -محمود أحمد- حين استولت بريطانيا على العراق؛ حيث ألقى خطاباً قال فيه: ((إن علماء المسلمين يتهموننا بتعاوننا مع الإنكليز ويطعنوننا على ابتهاجنا على فتوحاته، فنحن نسأل: لماذا لا نفرح ولماذا لا نُسرُّ؟ وقد قال إمامنا بأني أن المهدي وحكومة بريطانيا سيفي، فنحن نبتهج بهذا الفتح ونريد أن نرى لمعان هذا السيف وبرقه في العراق وفي الشام وفي كل مكان)) (١) .
ولعله قال هذا الكلام- أنه مهدي- قبل أن يُرقَّي نفسه إلى ((نبي)) .
وقال أيضاً عندما احتلت بريطانيا القدس-وهي المدينة التي لا يعترف بها بعد أن حولها إلى قاديان-: ((نحن نشكر الله ألف وألف مرة على فتوحات بريطانيا، وأن سبب الابتهاج والسرور لأن إمامنا (الغلام القادياني) كان يدعو لفتوحاتها وكان يوصي جماعته بالدعاء لها، وأيضاً فتحت لنا أبواب الدعوة إلى القاديانية التي كانت مسدودة قبل الآن، وهذا كله لامتداد دولة بريطانيا
стр. 730
إلى بلدان أخرى)) (١) .
كما ينقل إحسان إلهي ﵀ عن جريدة الفضل القاديانية الرسمية مقالاً جاء فيه: ((أن حكومة بريطانيا هي ترس لنا نتقدم إلى الأمام تحت وقاية هذا الترس، الذي لو أبعد لمزقنا من الرماية فاتحدنا وصار رقيتها (٢) وعلوها رقيتنا وعلونا، ودمارها دمارنا)) (٣) .
وقال الغلام نفسه عن ربوة وظل بريطانيا عليهم: ((قد قال الله في القرآن: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ سورة المؤمنون:٥٠ ولما جعلني الله مثيل عيسى جعل لي السلطنة البريطانية ربوة أمن وراحة ومستقراً حسناً؛ فالحمد لله مأوى المظلومين، ولله الحكم والمصالح، ما كان لأحد أن يؤذي من عَصَمَهُ الله، والله خير العاصمين)) (٤) .
وقال كذلك: ((ولولا سيف الحكومة لأرى منكم ما رأى عيسى من الكفرة، ولذلك نشكر هذه الحكومة لا بسبيل المداهنة بل على طريق شكر المنة، ووالله إنا رأينا تحت ظلها أمناً لا يرجى من حكومة الإسلام في هذه الأيام، ولذلك لا يجوز عندنا أن يرفع عليهم السيف بالجهاد، وحرام على جميع المسلمين أن يحاربوهم ويقوموا للبغاوات والفساد، ذلك بأنهم أحسنوا
стр. 731
إلينا بأنواع الامتنان)) (١) ..إلخ الثناء عليهم.
والذي أحوجنا إلى ذكر هذه النصوص من أقوالهم إنما هو بيان خطر هذه الطائفة، وانخداع بعض المسلمين بما يبدي هؤلاء من الدعوة إلى الإسلام، وأنه لا فرق بين القاديانيين وسائر المسلمين، ليعرف المسلم في أي مكان وطأته أقدام القاديانيين أنهم أداة تخذيل وإضرار بالإسلام والمسلمين، وأنهم جواسيس الإنجليز ومعاول هدم للإسلام باسم الإسلام.
وبعدما قدمنا من النصوص حول عمالة القادياني وأسرته للإنجليز أليس من المغالطة المكشوفة أن يتصدى بشير محمود للقول بأن القادياني والقاديانيين لا يلغون فكرة الجهاد، ثم يرد على هذا القول بشدة ويهاجم كل من يقول به أو ينسبه إلى القاديانيين؟
نعم إنها مغالطة حين قرر بشير ذلك ثم زعم أن الجهاد الذي ينادون بإلغائه ليس هو جهاد الكفار، وإنما المقصود به ذلك الجهاد الذي يوحي بأن الرسول ﷺ كان جباراً يقتل الناس، لأن الإسلام كما هو تعبيره يلعن اعتناق الدين خوفاً وطمعاً، بل إن الإسلام هو أول دين يقر بحرية العقيدة.
وبعد هذه الأقوال ينتهي إلى النتيجة الآتية في فهم الجهاد: الحروب الدينية لا تجوز إلا ضد من يتدخل في الدين ويمنع المسلمين من قولهم: ((ربنا الله)) وأن مثل هذه الحروب (٢) لا تهدف إلى هدم المعابد والكنائس، ولا إلى إكراه غير المسلمين على ترك دينهم، أو إلى قتلهم؛ بل إنما ترمي إلى الدفاع عن سائر الملل والأديان والحفاظ على معابدها. إلى أن يقول:
((وقصارى القول أن الجهاد الذي أجازه الإسلام هو محاربة من يُرغم
стр. 732
المسلمين على الارتداد عن الإسلام، أو يستعمل القوة لصد الناس عنه، أو يقتل الناس لمجرد اعتناقهم للإسلام، فمحاربة أحد لغير هذه الجرائم لا تجوز مطلقاً)) (١) . ثم زعم أن الجهاد الذي قام به المسلمون إنما هو تقليد للنصارى.
وهذا الكلام مملوء بالدس والمغالطة، فيقال له: إذا انتظر المسلمون الكفار إلى الوقت الذي يمنعونهم فيه من قول: ((ربنا الله)) فمن أين يقومون للجهاد بعد ذلك، مع أن معظم الكفار لا يمنعون أحداً من قولها ما دام قد ترك الجهاد وصار عبداً لهم. وزعمه أن المسلمين إنما يقومون بالجهاد تقليداً للكفار النصارى، إنما هو تعبير مفضوح لجهله بفريضة الجهاد في كتاب الله وقيام أهل التوحيد بامتثالها.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 733
الفصل الثالث
ختم النبوة وموقف القادياني منه
وقد حاول القادياني التلاعب بعقول المسلمين وإيهامهم أن نبوته لا تتعارض مع القول بختم النبوة بمحمد ﷺ ، مستعملاً في ذلك شتى أنواع التأويلات الباطنية للتمويه والتعميم على نبوته الجديدة، وقد رصد العلماء كل تلك المفاهيم والتأويلات الباطلة، وكانت هذه المواقف تمثل البدايات الأولى لظهور الغلام، ولكن بعد مدة من الزمن، وبعد أن اشتد طمعه في إثبات النبوة له تمرد وعتا وادعى هو وجماعته بكل وضوح أن النبوة لا تزال ولن تزال أبداً تحل بأشخاص وتنتهي عن أشخاص دون انقطاع، وأن النبوة لم تختم بمحمد ﷺ ، وركبوا لذلك كل صعب وذلول، ولم يكترثوا بأن هذا كفر صريح بما جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وبدلاً من أن يرجعوا إلى الحق أخذوا يتفننون في بيان مفهوم ختم النبوة على معان مختلفة وتأويلات ملفقة، منها:
١. أن الله تعالى حين يكرم أحداً من أمة محمد ﷺ ويوصله إلى درجة الوحي والإلهام والنبوة فإنه-ومع تسميته نبياً- لا يتعارض هذا المفهوم-مع مفهوم ختم النبوة- إذ إن الشخص لا يزال من أمة محمد ﷺ ومن أتباعه، ولكن ينتقض هذا المفهوم إذا ادعاه شخص من غير أمة محمد ﷺ ؛ فحينئذ يتعارض قوله تماماً مع ختم النبوة (١) . ويقول بشير محمود: ((إننا نرفض النبوة
стр. 734
المباشرة عن غير توسط الرسول ﷺ رفضاً باتاً؛ ولذلك نرفض ظهور المسيح الناصري بعينه، لكننا لا ننكر النبوة التي تضاعف كرامة النبي ﷺ وتزيدها سمواً وعلواً)) (١) . وقد أخذ بشير هذا المفهوم عن والده، حيث قال الغلام في ضميمة الوحي: ((وإن قال قائل: كيف يكون نبي من هذه الأمة وقد ختم الله على النبوة؟)) وهذا سؤال مهم جداً، ولكن كيف كان جواب الغلام عنه؟ لقد أجاب بما لا مقنع فيه لأحد، وحاد عن الحق وألحد فيه، فقال: ((فالجواب أنه ما سمى هذا الرجل نبياً إلا لإثبات كمال نبوة سيدنا خير البرية، فإن ثبوت كمال النبي لا يتحقق إلا بثبوت كمال الأمة (٢) ، ومن دون ذاك ادعاء محض لا دليل عليه عند أهل الفطنة، ولا معنى لختم النبوة على فرد من غير أن تختتم كمالات النبوة على ذلك الفرد، ومن الكمالات العظمى كمال النبي في الإفاضة وهو لا يثبت من غير نموذج يوجد في الأمة)) (٣) .
والمغالطة في هذا الكلام:
- أن النبوة لا تأتي من فيض أحد؛ بل هي تَفَضُّلٌ من الله تعالى على من يشاء من خلقه.
- لماذا لا يكون النموذج الذي يدعيه الغلام عاماً؛ بحيث يحق لكل شخص أن يتصف به، فكيف احتكره القادياني بدون أن يذكر أي مبرر له.
٢. أن معنى القول بختم النبوة بمحمد ﷺ : ((أنه قد تمت عليه كمالات النبوة وأنه لا يأتي بعده رسول ذو شريعة جديدة، ولا نبي من غير أمته)) (٤) ؛
стр. 735
أي أن الانبياء الذين يأتون بعده ﷺ كلهم يعتبرون من أمته، وهذا ليس فيه خروج- حسب مفهوم القادياني-عن القول بختم النبوة بمحمد ﷺ ، وهذا هو ما أكده بشير محمود في كتابه ((دعوة الأمير)) (١) . ولكن الغلام في آخر أمره اخترع له ولأتباعه شريعة جديدة.
٣. أن النبي محمداً ﷺ هو صاحب الفيوضات الكمالية التي لم يعطها أحد غيره؛ ولذلك سمي بخاتم النبيين ((أي أن إطاعته تمنح كمالات النبوة، وأن التفاته الروحي يصنع الأنبياء)) (٢) .
أي فإذا وجد أن أحداً يدعي النبوة ولم تكن نبوته مصدقة من خاتم النبيين محمد ﷺ فإنها لا تكون نبوة صحيحة، مثل الورقة التي تكون رسمية وليس عليها الختم الرسمي، وإذا كانت طاعته ﷺ تمنح الكمالات والنبوة فإنه يحق لكل شخص متبع للرسول ﷺ أن يتصف بصفة النبوة، بل كان الصحابة في أول هؤلاء. فهل يستطيع الغلام أن يثبت أن أحداً منهم ادعاها؟
٤. أن معنى الختم هنا هو تأخير النبوة بعد محمد ﷺ ثلاثة عشر قرناً لتظهر عظمة محمد ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك ما يقتضي إظهار عظمة الإسلام بظهور من تطلق عليه كلمة النبي، لتبقى سلسلة النبوة متصلة الحلقات، ومن هنا أجريت على لسانه ﷺ كلمة النبي للمسيح الموعود في آخر الزمان (٣) ،
стр. 736
ويقول بشير محمود:
((إن الشريعة لا تُنسخ إلا بالنبوة التشريعية الجديدة المباشرة، لكن النبوة التي تستمد من اتباع النبي الأول وتهدف إلى نشر الشريعة السابقة هي مظهر رائع للنبوة السابقة..وهي في متناول هذه الأمة)) (١) .
٥. أن الغلام هو ظل للرسول ﷺ لبقاء النبوة في شخص الرسول ﷺ إلى الآن، وانعكاس ظلية الكمالات المحمدية في الغلام، ومن هنا فلا تأثير في نبوة الغلام على القول بختم النبوة بمحمد ﷺ (٢) ، وعلى الناس أن يتركوا عقولهم ويصدقوا هذا الهراء.
ومن الأدلة التي ساقها بشير محمود على عدم انقطاع النبوة: قول الله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ سورة الفاتحة: ٦- ٧. إلى آخر الأدلة، ثم قال: ((يتبين لنا مما ذكرنا آنفاً من الآيات أن صراط الذين أنعمت عليهم هو الانضمام إلى طائفة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، إلى أن قال: ((فلو كان حرم علينا نعمة النبوة، لما علمنا بأن نلح في طلبها، ولما بشرنا بأن اتباع هذا النبي ﷺ يشرف الإنسان بالنبوة)) (٣) .
ومعنى هذا الكلام؛ أنه يصح لكل مسلم أن يطلب النبوة، بل كل مسلم نبي؛ لأن بشير يقول في معنى الآية: ((وهل من الممكن أنه من ناحية يؤكدنا بطلب الصراط المستقيم صراط الأنبياء والصديقين والشهداء
стр. 737
والصالحين، ومن ناحية أخرى يقول لنا والعياذ بالله: إنني حرمت عليكم هذه النعمة إلى الأبد؟ كلا)) (١) إلخ كلامه.
٦. أن القول بانقطاع النبوة وختمها بمحمد ﷺ ينافي حاجة الناس إلى الرسل والأنبياء التي هي دائمة الوجود بين الناس، وشهادة الله بإكمال الدين الإسلامي يجب التغاضي عنها لتصدق مزاعم القادياني.
٧. كما أن القول بختم النبوة بمحمد ﷺ فيه اتهام لله بأنه نفذت خزائنه، وأنه لم يعد قادراً على إرسال الرسل-كما يزعم بشير محمود-ولكي لا نصف الله بالعجز يجب أن نثبت أن والده نبي ورسول!!
حقا لقد كفر القاديانيون-وبكل جرأة- بما جاء عن الله في كتابه الكريم، وفيما قررته السنة النبوية من ختم النبوة بمحمد ﷺ وهي نصوص صريحة واضحة، تسلطت عليها الباطنية، من قاديانية وصوفية وبهائية، وغيرهم من فرق الضلال؛ فأولوها على حسب أهوائهم، بتأويلات في غاية الجهل والتكلف الشنيع، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
فإن الله تعالى يقول: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ سورة الإحزاب: ٤٠.
فالآية صريحة وواضحة في معناها وفي دلالتها على انقطاع النبوة بمحمد ﷺ .
فجاء الدجاجلة كالقادياني وغيره وتسلطوا على معناها فأولوها تأويلات أجمع المسلمون على أنها باطلة، مثل تأويلاتهم السابقة لمعنى خاتم النبيين من
стр. 738
أنه أفضلهم لا غير، أو تأويلهم لها بمعنى أن الرسول ﷺ مثل الخاتم الذي يختم به على المعاملات الرسمية-المهر-من كونه زينة لهم وغير ذلك من المعاني الباطلة، أو زعمهم-حين رأوا ضعف ذلك التأويل السابق-أن معنى الآية هو إثبات أن محمداً ﷺ هو خاتم النبيين أصحاب الشرائع المستقلة، لا الأنبياء الذي لم يأتوا بشرائع مستقلة عن التي قبلها؛ بل جاءوا متممين ومكملين للشرائع مثل حال القادياني بالنسبة للشريعة الإسلامية، التي هي في حاجة إلى من يكملها كالقادياني وغيره.
وهي أفكار لا تجد لها رواجاً إلا بين الجهال ومن قل خوفهم من ربهم، فآثروا الدنيا على الآخرة، أو من كان له هدف يريد تحقيقه من وراء هذه الحركات الهدامة، وفي شرح الآية هذه يقول بشير الدين محمود بن الغلام أحمد: ((إن الخاتَم بفتح التاء معناه الآلة التي يختم بها وليس الانتهاء- الخاتم يتخذ للتصديق- ومعنى الآية إذاً أنه ﷺ آلة الختم التي ختم بها جميع النبيين)) . إلى أن يقول: ((والخلاصة أن هذه الآية لا تحظر النبوة التي ذكرناها آنفاً، ولكنها تنفي النبوة التشريعية أو النبوة المباشرة)) (١) .
وفي قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة الأعراف: آية ٣٥. استنتج من هذه الآية عدم انقطاع النبوة؛ قال: ويتبين من هذه الآية أن الأنبياء سيبعثون في هذه الأمة أيضاً؛ لأن الله تعالى يذكر هنا الأمة المسلمة بأن الأنبياء إن بعثوا إليكم فعليكم أن تؤمنوا بهم، إلى أن يقول أيضاً: إن سلمنا أن ((إما)) للشرط فإنها مع
стр. 739
ذلك تدل على أن النبوة غير منقطعة (١) .
وبعد هذا الكذب على الله في معنى الآية يضيف كذباً آخر على النبي ﷺ في إثبات عدم انقطاع النبوة بعده ﷺ ؛ حيث أثبت أن المسيح نبي، قال: ((وعلاوة على شواهد القرآن الحكيم يتبين من أحاديث الرسول ﷺ أيضاً أن باب النبوة ليس بمسدود على الإطلاق، لأنه ﷺ وصف المسيح الموعود بصفة النبي مراراً، ولو لم يمكن وجود النبوة مطلقاً لما وصفه النبي ﷺ بصفة النبي)) (٢) .
وغريب جداً هذا الفهم القاصر لخليفة القادياني في زعامة القاديانيين؛ أن يستدل بإثبات النبوة لعيسى على استمرار تجدد الأنبياء، وأن يستدل من أمر الله لبني آدم- بعد إهباطه لأبيهم إلى الأرض- بالإيمان بالأنبياء الذين سَيُرْسِلُهُمْ، على استمرار النبوة بعد محمد ﷺ ، هذا فَهْمٌ يدعو إلى العجب حقاً، وهذه حجة من لا حجة له، وكم تناقض القاديانيون هنا! فمرة يزعمون أن الغلام نبي مشرع، ومرة يزعمون أنه نبي تابع للنبي محمد ﷺ ، مع أن هذا التفريق لا دليل عليه، فإن الله تعالى لم يخبرنا بأن فيه ((فرقاً)) بين النبي المشرع والآخر غير المشرع، بل أمر بالإيمان بجميع الأنبياء بدون تفريقهم بينهم، وحتى ما يقوله بعض العلماء من أن النبي هو الشخص الذي يسير على الشرع السابق للرسول قبله ويجدده، لا ينطبق على الغلام؛ لأنه جاء بتشريعات كثيرة تخالف الشريعة الإسلامية تمام المخالفة ومستقلة تمام الاستقلال (٣) .
وكل تلك التأويلات- التي لفقها القادياني وأتباعه بعدم انقطاع النبوة- لا
стр. 740
يقبلها إلا غافل فارغ عن العلم، وجاهل باللغة العربية، وجاهل بالدين الإسلامي؛ ذلك أن الختم معناه آخر الشيء ونهايته، كما يذكر علماء اللغة (١) ؛ لا أن معناه أفضل الشيء وأجوده.
وقد وردت النصوص من الكتاب والسنة على المعنى الأول، وأنه لا نبي بعده محمد ﷺ ، وأنه آخر الأنبياء، به أكمل الله الدين وأتم به النعمة على العباد، ومن لم يعتقد هذا فلا حظ له من الإسلام، وقد قدمنا ذكر بعض الأدلة على ختم النبوة بمحمد ﷺ وهي واضحة صريحة، لولا بُعْدُ هؤلاء عن الدين واستحواذ الشياطين عليهم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة غير خافية على طلاب العلم.
ومن غريب أمر القادياني أن يترك الأدلة الصريحة من القرآن والسنة على أن خاتم الشيء هو آخره، وأن الرسول خاتم الأنبياء أي آخرهم، ثم يستدل بأقوال الشعراء-الذين يتبعهم الغاوون-على أن خاتم الشيء أفضله واستدل بقول الشاعر:
فُجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي
وخاتم الشعراء هنا يعني أفضلهم وزينتهم كما فسره القاديانيون، ولكن معناه في الحقيقة أن الشاعر-وهو حسن بن وهب-يظن أن أبا تمام الذي قيل في رثائه هذا البيت- أفضل الشعراء المتقدمين ذوي الحكمة والعقل، وأنه على حسب ما يعتقد فيه الشاعر أنه خاتم الشعراء، أي فلا يمكن أن يأتي بعده