الفصل الحادي عشر
بعض زعماء القاديانية
برز كثير من زعماء القاديانية وكبرائهم متخذين من حيل القادياني وضلالاته منهجاً لهم.
وطمع بعضهم في نفس المكانة التي احتلها زعيمهم-أي مرتبة النبوة- إلا أن بريطانيا لم تشأ أن تقويهم إلى حد نصرتهم على ادعاء النبوة، كما فعلت مع الغلام؛ لئلا يذهب تأثير القاديانية من نفوس أتباع القادياني بحيث تصبح النبوءة متعددة في عصر واحد، مما يستدعي فتور الناس عن التصديق، أو الشك في نبوة الغلام، فتخسر ما بنته في أعوام عديدة، وكانوا أذكى من أولئك الذين تشوقوا للنبوة.
وفيما يلي نذكر بعض أولئك الزعماء بصورة موجزة؛ إتماماً للتعريف بالقاديانيين وهم بالإضافة إلى الغلام أحمد القادياني المؤسس الأول للقاديانية:
١- الحكيم نور الدين البهيروي:
هذا الرجل هو الشخصية البارزة بعد الغلام وصار هو الخليفة للقاديانية بعد موت الغلام، ويعتقد بعض الباحثين أنه صاحب الفكرة والتصميم في الحركة القاديانية كلها، وكان محباً للعز والجاه يتمنى ذلك بأي ثمن كان، وقد وجد في الغلام ما يمكنه من تحقيق ما يهدف إليه من الشهرة، فالتحق به وصار
стр. 807
أكبر أعوانه والمخطط والمنفذ لأكثر آراء المتنبي، وكان المتنبي يبالغ في إكرامه إلى أبعد الحدود.
ولد الحكيم نور الدين في عام ١٢٥٨هـ في بهيرة من مديرية شاه بور في البنجاب غربي الباكستان وتسمى هذه المديرية الآن سركودها (١) ، وأبوه غلام رسول كان إماماً في مسجد بهيرة، وقد درس الحكيم نور الدين الفارسية وتعلم الخط ومبادئ العربية.
وعين أستاذاً للفارسية في مدرسة حكومية في روالبندي في عام ١٨٥٨م ثم عين مديراً لمدرسة ابتدائية لمدة أربع سنوات، ثم تركها وانقطع للدراسة وملازمة بعض الشيوخ في ((رامبور)) ، ثم سافر إلى لكهنو ودرس الطب عن الطبيب المشهور الحكيم على حسين مدة سنتين، ثم سافر إلى بهوبال، ثم إلى الحجاز، وفي كل ذلك يتلقى العلم عن علماء هذه البلدان.
ثم عين طبيباً خاصاً في ولاية جمون-كشمير الجنوبية- واشتهر بها، وفي هذا الوقت تعرف على الميرزا غلام أحمد القادياني الذي كان مقيم في سيالكوت وتوثقت بينهما الصداقة وشرع يحرض القادياني على ادعاء النبوة ويؤلف الكتب لتصديقه وتكفير من لا يؤمن بنبوته، ولقب بالخليفة الأول وخليفة المسيح الموعد بمباركة الاستعمار البريطاني.
وكان آخر حياته أن سقط عن فرسه وجرح واعتقل لسانه قبل وفاته بأيام، ومات في ١٣ من مارس عام ١٩١٤م واستخلف الميرزا بشير الدين محمود نجل الميرزا غلام أحمد.
صفاته:
وكان الحكيم المذكور- كما وصفه الندوي- قلق النفس، ثائر الفكر، عقلي
стр. 808
النزعة، تأثر بالمدرسة التي تدين بضرورة اخضاع الدين والعقيدة والقرآن للعلوم الطبيعية التي دخلت عن طريق الإنجليز، وتأويل كل ما عارض المقررات الطبيعية في ذلك العصر وكان كثير الرغبة في المباحثات والمناظرات (١) .
وقد ظل متحمساً للقاديانية زعيماً لها بعد وفاة الميرزا القادياني إلى أن توفي.
محمود أحمد:
ابن غلام أحمد أو الخليفة الثاني للقاديانية. تولي زعامة القاديانيين بعد وفاة نور الدين، وأعلن أنه خليفة ليس للقاديانيين فقط، وإنما هو خليفة لجميع أهل الأرض بما فيهم بريطانيا، التي تفانى في الجاسوسية لها؛ حيث أعلن قوله: ((أنا لست فقط خليفة القاديانية ولا خليفة الهند بل أنا خليفة المسيح الموعود، فإذاً أنا خليفة لأفغانستان والعالم العربي وإيران والصين واليابان وأوروبا وأمريكا وأفريقيا وسماترا وجاوا، وحتى أنا خليفة لبريطانيا أيضاً وسلطاني محيط جميع قارات العالم)) (٢) .
ثم ادعى أن لقمان هو والده، وأنه هو ولد لقمان الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ سورة لقمان: ١٣، ومما يذكر عن سيرته أنها كانت مملوءة فحشاً وشناعة وفجوراً مما جعل القاديانيين يتألمون منه ...
стр. 809
ومما كان يوصي به أتباعه أنه يقول لهم: ((إن آلام الحكومة الإنجليزية آلامنا)) ، وكان يشاركهم في أفراحهم ويرى خدمتهم شرفاً له على نفس المسلك الذي كان عليه والده من قبل-ومن يشابه أباه فما ظلم-، واستمر في غيه إلى أن عاقبه الله بعده أمراض ألزمته الفراش إلى أن هلك سنة ١٩٦٥م.
الخواجة كمال الدين:
كان يدعي لنفسه أنه مثل غلام أحمد في الإصلاح والتجديد، وقد أخذ كثيراً من الأموال وذهب إلى انجلترا لتبليغ القاديانية، وسكن في ((ووكنج مشن)) ، ومال إلى انتهاب اللذات وبناء البيوت الفاخرة.
وكان إذا سمع بشخص أسلم ادعى فوراً أنه أسلم على يديه على الطريقة القاديانية الخارجة عن هدي الإسلام. وكان بعض هؤلاء الذين يدخلون في الإسلام من الأوروبيين-ويدعي الخواجة أنهم أسلموا على طريقة القاديانية- حين يعلمون ادعاء الخواجة يكذبونه، ويبينون أنه لا علاقة لهم بمذهب القاديانية.
وقد ذكر سائح هندي عن الخواجة كمال الدين وطريقته في طعامه، فقال: ((إن الأستاذ كمال الدين كان جالساً مع أحد أصدقائه في المطعم يأكلان الطعام، وبعد ذهابهما سألت صبي المطعم ماذا أكل هذان الشيخان، فقال بكل سذاجة: أطيب نوع من لحم الخنزير)) (١) .
قال إحسان إلهي: ((فهذا الصحابي الجليل للمتنبي القادياني ومن زعماء القاديانية اللاهورية مات بعد أن ترك تركة ضخمة)) (٢) ، وأيضاً كان يأكل أطيب
стр. 810
نوع من لحم الخنزير، وأين الطيب؟ وأين لحم الخنزير؟
وقال فضل كريم خان في تكذيبه لإدعاء القاديانيين أن الناس أسلموا على أيديهم في ((ووكنج مشن)) -قال:
((لا يوجد في عظماء الإنجليز الذين أسلموا من يرجع الفضل في إسلامه إلى ووكنج مشن. وقد أعلن اللورد هدلي أنه درس الإسلام بنفسه واعتنق الإسلام، وقال: ولم أتعرف على الخواجة كمال الدين إلا قبل إسلامي بأسبوعين فقط. وقد أسلم المستر مار ماديوك بكتهال في مصر وبفضل الأتراك والمصريين وتأثيرهم. وقد اعتنق سرارجيبا لدهملتين بضرورة عائلية، وهكذا إذا فحصنا وجدنا أن ووكنج مشن ليس لها في إسلام هؤلاء فضل ولا نصيب)) (١) .
ويقول في نفس هذه المقالة راداً على الذين يزعمون أن مسجد ووكنج مشن من بناء القاديانيين، ومبيناً صلة القاديانيين به بعد ذلك:
((لست أدري كيف شاع في الهند أن جامع ووكنج من بناء القاديانيين!، الواقع أن هذا الجامع إنما بني بالمال الذي تبرعت به إمارة بوفال الإسلامية، أما المسكن الذي بجوار الجامع فهو في تذكار وزير حيدر آباد المشهور سرسالا رجنك، وقد بني كل ذلك تحت إشراف العالم الألماني الدكتور لائتس، لقد أسكن المؤلف الإسلامي المشهور السيد أمير علي الخواجة كمال الدين في هذا الجامع. وإلى الأول يرجع الفضل في بقاء هذا الجامع مركزاً للمسلمين)) (٢) .
стр. 811
وهناك شخصيات أخرى قاديانية - مثل:
محمد أحسن أمر وهو الذي كان مصدر عون لقادياني، حيث كان يرسل إليه مسودات كتبه، ليصلح ما يحتاج إلى إصلاحه فيها ثم يرسلها للغلام ليجعل اسمه على الكتاب.
وقد كان في عيشة راضية طوال عهد الغلام، إلا أنه وفي خلافة ابن الغلام محمود وأحمد وقع بين شركة النبوة القاديانية من التشاجر والسباب والتفرقة ما كان طبيعياً- في مثل تلك العلاقات القائمة على الكذب والحيل-أن يقع.
ومنهم: محمد صادق، وكان مفتياً للقاديانية، وعبد الكريم السيالكوتي إمام مسجد الغلام وخطيبه وصديق الغلام الخالص الذي مدحه بقوله: ((لم يولد في القاديانية رجل ثالث يضاهي حضرة الشيخ عبد الكريم)) ، وهو أول من خاطب الغلام برسول الله ونبي الله، فأذاقه الله في الدنيا عذاباً تقشعر منه الجلود.
كتب ابن الغلام أحمد بشير أحمد عن مرض عبد الكريم فقال: ((فابتلي الشيخ عبد الكريم في مرض كاربينكل وما بقي في جسمه موضع إلا شق من العمليات الجراحية، وكان يصرخ في مرضه صرخات لا يحتمل الإنسان سماعها؛ ولأجل ذلك غير حضرة المسيح الموعود مسكنه؛ لأن الشيخ عبد الكريم كان يسكن في نفس البيت الذي كان يسكنه المسيح الموعود، وكان الشيخ عبد الكريم يبكي ويصرخ لكي يزوره حضرة المسيح ولكن حضرة المسيح لم يذهب لعيادته؛ لأنه كان يقول: ((أنا أريد أن أذهب إليه ولكني لا أطيق أن أراه في هذه الحالة)) .
وبعض الأحيان كان الشيخ عبد الكريم يفقد شعوره لشدة مرضه، وكان يقول: هاتوا إلي المركب حتى أذهب إلى حضرة المسيح؛ لأني منذ أيام ما
стр. 812
رأيته، كأنه كان يظن أنه يسكن بعيداً عن حضرته في خارج القاديان، وهكذا استمر به المرض حتى هلك.
ومنهم: يار محمد، وهو من المؤسسين الأوائل لنبوة الغلام، وبعد هلاك الغلام استسهل يار محمد أمر النبوة فادعى هو الآخر أنه نبي لحضرة الغلام، وكان من أساتذة ابن الغلام محمود أحمد الذي رد بعد ذلك على يار محمد وخطأه في دعواه النبوة، وأن ذلك إنما كان عن سبب اختلال وقع به.
ومنهم نور أحمد القادياني الذي أعلن أنه رسول الله أيضاً فأعلن قوله: لا إله إلا الله نور أحمد رسول الله، أنا رسول الله أُرسلت رحمة للعالمين كما أنا مظهر لجميع الأنبياء، فردّ عليه ابن الغلام وخطأه وزعم بأن به مرض الجنون حسداً من ابن الغلام له.
ومنهم عبد الله تيمابوري، ادعى النبوة حسب بشارات غلام أحمد فقال: أنا هو الذي بشر عنه حضرة الأقدس المسيح الموعود غلام أحمد بأنه يرسل نبي، فها أنا أرسلت ببركة غلام أحمد وفيضانه، وسوف يظهر على يدي صداقة حضرة الغلام على الدنيا.
ولقد هان أمر النبوة في نظر صحابة الغلام، فادعى كل واحد أنه هو النبي المبعوث بعد الغلام، وكوّنوا جماعة قاديانية أخرى حصل بينهم نزاعات كثيرة إلا أنه كان يجمعهم تقريباً انتسابهم إلى الغلام، وأن الغلام القادياني نبي الله ورسوله كما أنهم أنبياء الله ورسله ولا نجاة لمن لم يؤمن بنبوة الغلام أحمد، كما لا نجاة لمن لم يؤمن بنبوتهم ورسالتهم هم أيضاً.
والفرق بينهم وبين المتنبي الغلام القادياني-بزعمهم- أن الغلام اكتسب النبوة بلا واسطة، وهم اكتسبوها بواسطته، فهو كالأستاذ لهم وهؤلاء
стр. 813
كالتلاميذ له، وكانوا خلفاً جيداً للغلام وجيداً للاستعمار البريطاني، ولكن بريطانيا لم تقدم على دعمهم دعماً كاملاً، ولم تدع إلى نبوتهم كما دعت إلى نبوة الغلام؛ لئلا يستهين الناس بالقادياني؛ فتبطل دعواه النبوة وينفر الناس عنها كما تقدم.
هؤلاء هم أشهر زعماء القاديانية، وهناك مئات من الزعماء الأشقياء لهذه الفرقة الضالة، وقد خذلهم الله في أماكن كثيرة وانبرى لهم أتباع محمد ﷺ يردون عليهم ويبينون خروجهم عن الإسلام ويحذرون منهم، مما جعل القاديانيين يتتبعون بدعوتهم الديار النائية للمسلمين ومن تكثر بينهم الأمية، وقد نجحوا في دعوتهم بينهم.
والحرب بين قوى الخير وقوى الشر من الأمور التي لا تنتهي بين البشر، ولله الحكمة في ذلك والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ سورة آل عمران:٨
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 814
الفصل الثاني عشر
الفرع اللاهوري القادياني
أمير هذا الفرع هو محمد علي من أوائل المنشئين صرح القاديانية، وممن كان له يد ومنّة عظيمة في توجيه الغلام المتنبي ومساعدته بالفكر والقلم أيضاً، وكان هو الآخر من أشد المخلصين للإنجليز والمحرضين على بذل الطاعة التامة لهم، وقد كانت لهم مواقف مع الغلام وأسرته؛ إذ كان أحياناً يتبرم من استبداد المتنبي بالأموال التي تصل إليه من أتباعه، فيصرح للمتنبي بهذا ويرد عليه المتنبي هذه التهمة.
وبعد وفاة الغلام استفحل الخلاف بين أسرة المتنبي ومحمد علي، حول اقتسام الأموال التي جاءتهم حيث استغلها ورثة المتنبي مع علمهم ((بأن هذه النبوة شركة تجارية وهم كلهم شركاء فيها)) (١) ، ولعل هذه الخلافات الشخصية لم يكن لها تأثير على إتمام الخطة وإحلال القاديانية محل الإسلام، خصوصاً والقوة التي أنشأت الغلام وفكرته لا تزال هي القوة، والمتآمرون لا يزالون في إتمام حبكها وتنفيذها.
أما بالنسبة لحقيقة معتقد هذا الرجل في غلام أحمد، وهل كان متلوناً أو كان له مبدأ أُمليَ عليه، أو كان مقتنعاً به دون تدخل أحد، فإن الذي اتضح لي من كلام العلماء الذين نقلوا عنه آراءه أنهم مختلفون على النحو الآتي:
стр. 815
١. منهم من يرى أن (محمد علي) اختير من قبل الساسة الإنجليز لإتمام مخطط القاديانية بطريقة يتحاشى بها المواجهة مع مختلف طوائف المسلمين في الهند والباكستان وغيرهما، ويتحاشى بها كذلك مصادمة علماء الإسلام الذين نشطوا في فضح القاديانية وإخراجها عن الدين الإسلامي، فاقتضى الحال أن يتظاهر محمد علي وفرعه بأنهم معتدلون لا يقولون بنبوة الغلام، وإنما يثبتون أنه محدد ومصلح؛ لاستدراج الناس إلى القاديانية ولامتصاص غضب المسلمين على القاديانية، فتظاهر بعد ذلك محمد علي وفرعه بهذه الفكرة بغرض اصطياد من يقع في أيديهم (١) .
٢. ومنهم من يرى أن (محمد علي) وفرعه كانوا يعتقدون أن الميرزا غلام أحمد لم يدَّعِ النبوة، وكل ما جاء عنه في ذلك إنما هي تعبيرات ومجازات، وكابروا في ذلك اللغة وكابروا الواقع.
وقد لقبهم القاديانيون بالمنافقين ((لأنهم يحاولون الجمع بين العقيدة القاديانية والانتساب إلى مؤسسها وزعيمها، وبين إرضاء الجماهير)) ومع هذا الموقف فإن محمد علي اللاهوري، دائماً يلقب الميرزا غلام أحمد بمجدد القرن الرابع عشر والمصلح الأكبر، وزيادة على ذلك يعتقد أنه المسيح الموعود)) .
قال الندوي عنهم: ((وعلى ذلك تلتقي الطائفتان)) (٢) .
٣. وذهب الأستاذ مرزا محمد سليم أختر في كتابه: ((لماذا تركت القاديانية؟)) إلى رأي آخر حيث قال بعد أن ذكر ما وقع بين محمد علي
стр. 816
وجماعة الربوة من خلاف على منصب الخلافة بعد نور الدين-قال: ((وأنكر نبوة الميرزا ليكسب العزة عند المسلمين)) ، ثم قال: ((ولم ينكر أحد هذه الحقيقة: أن (محمد علي) أقر بنبوة الميرزا، وإنكاره لنبوته يعتبر كالعقدة في الهواء)) (١) .
والواقع أن القول بأن الفرع اللاهوري-وعلى رأسهم محمد- علي ما كانوا يؤمنون بنبوة الغلام عن اقتناع قول بعيد جداً؛ ذلك أن مواقفهم وتصريحاتهم كلها تشهد بإقرارهم بنبوة الغلام وليس فقط أنه مصلح ومجدد.
كما أن تصريحات الغلام نفسه بنبوته لا تخفى على من هو أبعد من الفرع اللاهوري، فكيف يقال بأنها خفيت عليهم؟ !
كما أن معتقد الفرع اللاهوري ليس له أي أساسا آخر غير الأساس الذي بناه غلام أحمد وأسهم فيه محمد علي نفسه.
والباطل لا بد وأن يتناقض أهله فيه، فقد صرح محمد علي نفسه بقوله عن الغلام: ((نحن نعتقد أن غلام أحمد مسيح موعود ومهدي معهود وهو رسول الله ونبيه، ونزله في مرتبة بينها لنفسه؛ أي إنه أفضل من جميع الرسل، كما نحن نؤمن بأن لا نجاة لمن لا يؤمن به)) (٢)
ونصوص أخرى كثيرة كلها تثبت أن هذا الفرع لا يختلف في النتيجة عن الحركة القاديانية الأم في قاديان، وأنه كان يراوغ في إظهار معتقده نفاقاً وإيغالاً في خداع العامة، حتى إنه كان يوصي أتباعه في جزيرة مارشيس ألا ينشروا هناك أن الغلام نبي، وأن من لم يؤمن به فهو كافر؛ لأن هذا المسلك
стр. 817
يضر بانتشار القاديانية (١) ، أي ولكن ينشروا أنه مجدد، لتقريب وجذب المسلمين إليهم.
ومن أقوال هذا الفرع أيضاً: ((يا ليت أن القاديانية كانت تُظهر غلام أحمد بصورة غير النبي ... ولو فعلوا هذا لكانت القاديانية دخلت في أنحاء العالم كله)) (٢) .
وبهذا يتضح أن هذا الفرع أمكر وأكثر احتيالاً لنشر القاديانية، وهو الذي أتيح له التوغل في العصر الحاضر إلى أقصى البلدان الإسلامية في آسيا وفي أفريقيا.
وقد قام محمد علي بنشاط كبير في عرض القاديانية. ولعل من أهم أعماله ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية (٣) ؛
حيث ملأها بالأفكار القاديانية، مما جعل الكثير من الناس يقعون ضحية تلك الأفكار ظانين أنها ترجمة رجل مسلم، لقد اتجه هذا الرجل في تفسيره للقرآن وجهة خطيرة لم يتورع فيها عن الكذب والتعسف ومخالفة أهل العلم واللغة والإجماع، وإنما فسره بمعان باطنية، فيها التركيز على إنكار الإيمان بالغيب وبالقدرة الإلهية، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منها على سبيل المثال:
١. قوله تعالى لموسى: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ
стр. 818
عَيْناً﴾ سورة البقرة:٦٠ أي أن الله أمر موسى بالمسير إلى جبل فيه اثنتا عشرة عيناً.
٢. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ سورة البقرة:٦٣؛ أي كنتم في منخفض من الأرض والجبل يطل عليكم.
٣. ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ سورة البقرة:٦٥؛ أي مسخت قلوبهم وأخلاقهم.
٤. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ سورة آل عمران:٤٩. المراد بالطير هنا استعارة؛ أي رجال يستطيعون أن يرتفعوا من الأرض وما يتصل بها من أخلاق وأشياء، ويطيروا إلى الله ويحلقوا في عالم الروح.
٥. المراد باليد البيضاء التي أُعطي موسى أي الحجة، والحبال والعصي في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ سورة: الشعراء: ٤٤. أي وسائلهم وحيلهم التي عملوها في إحباط سعي موسى (١) .
٦. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ سورة سبأ:١٤. الآية: دابة الأرض: هو رجل اسمه رحبعام بن سليمان الذي تولى الملك بعده، وسمي دابة الأرض لقصر نظره؛ إذ كان لا يجاوز الأرض.
стр. 819
والمنسأة التي هي العصا كناية عن ضعف الحكومة وانقراضها.
والجن: شعوب أجنبية بقيت في حكم بني إسرائيل إلى ذلك العهد.
وهدهد سليمان: هو إنسان كان يسمى الهدهد وكان رئيس البوليس السري في حكومة سليمان.
وقد تلاعب بمعاني القرآن الكريم على هذا التفسير الباطني الهزلي المملوء بالأكاذيب والخرافات، وقد تلقفه المسلمون -خصوصاً من لم يعرف العربية- بكل سرور، لعدم علمهم بأن تفسير محمد علي للقرآن الكريم باللغة الإنجليزية، إنما يراد به هدم معاني الشريعة الإسلامية والمفاهيم الصحيحة، وقد ذكر الأستاذ الندوي في كتابه القادياني والقاديانية كثيراً من مثل هذا التلاعب بالقرآن للتحذير وإبراء الذمة (١) .
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 820
من أهم مراجع القاديانية
١. ما هي القاديانية/ أبو الأعلى المودودي.
٢. القادياني والقاديانية/ أبو الحسن علي الندوي.
٣. القاديانية دراسة وتحليل/ إحسان إلهي ظهير.
٤. القاديانية/ عبد الله صالح الحموي.
٥. معتقدات الجماعة الأحمدية الإسلامية/ بشير محمود أحمد.
٦. لماذا تركت القاديانية؟ / ميرزا محمد سليم أختر.
٧. المحكمة الشرعية الفيدرالية بجمهورية باكستان الإسلامية تقرر: ((القاديانية فئة كافرة)) تعريب الأستاذ محمد بشير.
٨. القاديانية الخطر الذي يهدد الإسلام/ د. أحمد محمد عوف.
٩. حب العرب إيمان/ للميرزا غلام أحمد-خطبة جمعة.
١٠. أباطيل القاديانية في الميزان/ د. محمد يوسف النجرامي.
١١. دعوة الأمير (معتقدات الجماعة الأحمدية الإسلامية) للميرزا بشير محمود أحمد.
١٢. ضميمة الوحي/ للقادياني.
١٣. توجد بحوث عن القاديانية منها:
стр. 821
١٤. القاديانية في إندونيسيا للشيخ شفيق أمر الله شمس الدين.
١٥. القاديانية في غانا للشيخ سحنون تاج الدين.
كما أنني قدمت أثناء الكتابة عن القاديانية ما ترجمه المشائخ: أبو الأعلى المودودي، والشيخ الندوي، والشيخ إحسان إلهي، على ما ترجمه غيرهم؛ للثقة القوية بغزارة علم هؤلاء، وإحاطتهم بمفاهيم القاديانية كلها، وعظيم شرفهم في الخلق والدين، فالاعتماد على ترجمة هؤلاء أولى من غيرهم في نظري، خصوصاً لمن لم يعرف اللغة الأردية.
* * * * * * * * * * * * * * * * **
стр. 822
فرق معاصرة
تنتسب إلى الإسلام
وبيان موقف الإسلام منها
تأليف
د. غالب بن علي عواجي
عضو هئية التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
الجزء الثالث
стр. 823
الباب العاشر الصوفية
стр. 824
الفصل الأول
تمهيد في بيان انحراف الصوفية بصفة عامة
الصوفية التي نبحثها هنا هي الصوفية التي خرجت عن الحق إلي الغلو متأثرة بشتى الأفكار المنحرفة التي هي في الواقع أفكار بدعية طرأت على المسلمين في غياب الوعي الإسلامي وبروز الجهل وعلماء السوء المغرمين بالخرافات وحب الزعامة وهي ذات مفاهيم خاطئة مضطربة تأثرت بمسالك منحرفة وبالغت فيها إلى حد الهوس والاضطراب الفكري الشنيع وكأن حافظ إبراهيم حينما ندب اللغة العربية بقوله:
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة ... مشكلة الألوان مختلفات
كأنه عنى المذهب الصوفي في انحرافه وتنوع مصادره وتلفيق أفكاره من شتي المذاهب ولقد جرأ أصحاب هذه الطريقة الصوفية على القول على الله بغير علم كما كذبوا وأكثروا على رسوله ﷺ لتقوية مبادئهم الكثيرة وتأييدها وبالغوا في الكذب وزخرف القول وتفننوا في الطرق والآراء حتى ليخيلوا للشخص أنهم على شيء وهم في فراغ وجهل شديد.
وطرقوا مسائل ليست من الإسلام في شيء ولم يقل بها أحد من المسلمين وأظهروا بزخرفهم أنها من الإسلام بما قدموه من تقليب الأدلة وإثارة الشبهة والتفنن في الاستدلال والجواب، وقالوا بوحدة الوجود والحلول والاتحاد ووحدة الشهود، والكشف والقطب والغوث، وغير ذلك من الأمور
стр. 825
التي طرقها كبار دعاتهم، مثل: الحلاج وابن عربي وابن الفارض والبسطامي والجيلي، وغيرهم ممن لبس عليهم إبليس فقالوا بوجود الله تعالى في كل شيء، حتى صار في عرف غلاتهم أن من لا يعتقد اتصاف الخلق بأوصاف الخالق، لا يمكن أن يعد صوفياً وولياً من أولياء الله، كما ذكر الأستاذ إحسان إلهي ذلك عنهم (١) .
وهكذا أصبح المذهب الصوفي بعد أن لبس إبليس على أتباعه خليطاً من شتى الأفكار والآراء المنحرفة، حيث يظهر فيه جلياً غلو الشيعة ومبادئ الباطنية وآراء المسيحية والهندوكية والبوذية، وغير ذلك من الديانات والفلسفيات القديمة كالأفلاطونية والأفلوطينية وسائر ما قال به علماء اليونان (٢) .
وقد قامت الدعوة للصوفية وإظهار شأنها من جديد في هذا العصر على نطاق واسع بسبب عوامل عدة:
منها: جهل كثير من المسلمين بحقيقة دينهم ثم الجهل بحقيقة الصوفية كذلك.
ومنها: مساعدة أعداء الإسلام على نشر الصوفية، لأنهم يعرفون المكاسب التي سيجنون ثمارها إذا علا سلطان الصوفية وفشا الجهل وانتشرت الخرافات الصوفية وخزعبلاتها وتأثروا بآرائها السلبية في مفهوم الجهاد في سبيل الله وفي مفهوم وحدة الأديان التابعة لمفهوم وحدة الوجود.
وأعداء الإسلام هنا فريقان:
فريق عداوته ظاهرة: وهم المستعمرون ومن يبيتون النية لهدم الإسلام
стр. 826
وتشتيت كلمة المسلمين، وقد استفاد هؤلاء من أفكار الصوفية كثيراً حين نام المسلمون على دعوى الزهد والإقبال على الآخرة بغير بينة، والتمسح بصور الأولياء وطلب البركة والنصر منهم في حياتهم وبعد موتهم أيضاً، والعكوف على قبورهم.
وفريق آخر متلبسون باسم الدين ويحكمون كثيراً من ديار المسلمين؛ وهؤلاء يساعدون الصوفية خوفاً من عودة الوعي الإسلامي السلفي الذي يصطدم مع ميول ورغبات هؤلاء وشهواتهم.
لأجل هذا ولغيره كان تنبيه طلاب العلم إلي خطر هذا المذهب الرديء واجباً يحتمه النصح لكل مسلم يحب حماية نفسه ودينه، من الانزلاق في خضم الأفكار المبثوثة بين صفوف المسلمين، والتي كان من نتيجتها زيادة الكوارث والخبال الذي حل بديار المسلمين حين ابتعدوا عن المنهج الحق الذي شرعه الله لعباده.
ولقد فرح أعداء الإسلام بانتشار الصوفية التي مهدت لهم السبيل بدعوى الزهد والتقشف والابتعاد عن المظاهر وعن منازعة الحكام والرضا بأفعالهم؛ فعاش المسلمون على هامش الحياة بعد أن خدرت الصوفية أعصابهم بترهاتها وخزعبلاتها التي تنافي العقل السليم والدين الإسلامي الحنيف في كثير من مبادئها وطقوسها المختلفة ونظرتها إلي الحياة.
* * * * * * * * * * * * * *
стр. 827
الفصل الثاني
التعريف بالصوفية لغة واصطلاحاً
اختلفت كلمة العلماء حول التعريف الحقيقي للصوفية وللتصوف اختلافاً كثيراً قلما يوجد له مثيل، وقد ذكر بعض العلماء أن تلك التعريفات قد تصل إلي الألفين، يقول محمد طاهر الحامدي: "الأقوال المأثورة في التصوف قيل: إنها زهاء ألفين" (١) ، وقد نقل إحسان إلهي في كتابة "التصوف: المنشأ والمصدر" أقوالاً كثيرة عن أقطاب التصوف في تعريفهم ومفهومهم للتصوف (٢) ، ولكن مهما قيل عن كثرتها واختلاف الناس فيها فإنها كلها لا طائل من ورائها عند التمعن في دراستها، مما يستدعي الحال غض النظر عن تلك التعريفات كلها، وإلقاء الضوء على الأقرب منها، وفيما يلي بيان ذلك.
في اللغة:
يطلق علماء اللغة كلمة (صوف) في معاجم اللغة تحت مادة (صوف) على عدة معان، منها إطلاق كلمة صوف على الصوف المعروف من شعر الحيوانات، ومنها صوفان وصوفانة وتطلق على بقلة زغباء قصيرة. وقد أطلقت كلمة "صوف" في بعض دلالتها بمعنى الميل، فيقال صاف السهم عن الهدف بمعنى مال عنه، وصاف عن الشر أي عدل عنه (٣) .
стр. 828
في الاصطلاح:
يجب إدراك أن الصوفية مرت بمراحل وتطورات ومفاهيم مختلفة، ومن هنا وقع كثير من الجدل بين العلماء في التعريف بالصوفية، ومهما قيل عن كثرة التعريفات للتصوف، فإنه يصدق عليه عموماً أنه بدعة محدثة في الدين وطرائق ما أنزل الله بها من سلطان.
ونذكر فيما يلي بعض التعريفات التي أطلقت على مفهوم التصوف سواء، كانت من الصوفية أو من مخالفيهم، ومن ذلك ما يلي:
١- التصوف هو تجريد العمل لله تعالى، والزهد في الدنيا وترك دواعي الشهرة، والميل إلى التواضع والخمول، وإماتة الشهوات في النفس.
وهذا التعريف قد لا يصدق في الواقع إلا على التصوف في عهده الأول، الذي كان التصوف فيه عبارة عن الانقطاع لعبادة الله وحده، والزهد في الدنيا والتخفف من متاعها والإقبال على الآخرة، دون أن يلبسوا ذلك بشيء من الأفكار والسلوك المشين الذي وصلت إليه الصوفية بعد ذلك.
٢- وذهب قسم كثير من العلماء إلى أن سبب التسمية للمتصوفة بهذا الاسم - أي "الصوفية" - إنما كان نسبة إلى لبسهم الصوف الذي عبر عن الزهد والتقشف وترك التنعم والملذات المباحة، وقد علق القشيري على هذا بقوله: "فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف".
٣- وبعض العلماء يرى أن التصوف مأخوذ عن الصفاء؛ أي صفاء أسرارهم أو صفاء قلوبهم أو صفاء معاملتهم لله تعالى، وهو ما يحب الصوفيون التسمي به، بل إن كل انتساب فيما لاحظ (نيكلسون) إلى الصوف
стр. 829
يقابله اثنا عشر تعريفاً تعتمد على الصفاء، الذي حاول الصوفية أن ينتسبوا إليه (١) . إلا أن القشيري قد استبعد هذا المفهوم في اللغة بقوله: "ومن قال أنه مشتق من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة" (٢) .
٤- وبعضهم يرى أنه نسبة إلى الصفة التي كان يجلس فيها فقراء الصحابة رضوان الله عليهم في المسجد، ويرى القشيري أن النسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي (٣) .
٥- وبعضهم يرى أنه نسبة إلى الصف الأول، قال القشيري:
"فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم، فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف" (٤) .
٦- وبعضهم يرى أنه نسبة إلى قبيلة بني صوفة وهى قبيلة بدوية كانت حول البيت في الجاهلية، وهى تنتسب إلى رجل يقال له صوفة كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام.
٧- وبعضهم يرى أنها نسبة إلى الصفوة من خلق الله تعالى.
وهناك تعريفات كثيرة خاض فيها العلماء باجتهاداتهم بعضها من وضع أقطاب التصوف وبعضها من غيرهم لا يهمنا سردها هنا بالتفصيل والدراسة الشاملة لها كلها (٥) ، إذ الغرض إنما هو التنبيه إلى ما وقع من اختلاف في
стр. 830
التعريف بهم، ولما كانت تلك التعريفات أموراً اجتهادية واستحسانات وتقريباً لهذا المذهب، فإنك تجد أنه يرد عليها اعتراضات كثيرة، وفى بعضها أخطاء واضحة.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ردود على بعض تلك التعريفات، فقد ذكر أنه إذا كانت النسبة إلى أهل الصفة - وهو خطأ تاريخي كما سنبين - ذلك - فإنه يقال صُفِّي، وأما إذا كانت إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى فإنه يقال صَفِّي، وأما إذا كانت نسبة إلى الصفوة من خلق الله فإنه يقال صَفوِيٌّ، وأما إذا كانت النسبة إلى ذلك الرجل الجاهلي فإنه لا أحد من المتصوفة يرضى أن ينسب إلى قبيلة جاهلية قبل الإسلام، إضافة إلى أنه لم تعرف هذه التسمية بين الصحابة ولا كانت هذه القبيلة مشهورة أيضاً (١) .
وقد زعم كاتب نصراني هو "جورجي زيدان" "أن كلمة تصوف في العربية تعادلها كلمة "سوفيا" اليونانية والتي معناها الحكمة" (٢) ، أي أن التصوف نسبة إلى الحكمة اليونانية، وهو زعم أبطله كثير من العلماء؛ وربما لأن التصوف إنما ظهر بعد الإسلام ولا يمنع هذا أن تتأثر الصوفية بعد ذلك بشتى التأثيرات بل هو الواقع، ولكن ليس بالمفهوم اليوناني الكامل.
هذا ونسبة التصوف إلى الصوف أقرب إلى الاشتقاق اللغوي كما أنه أقرب كذلك إلى ذوق الصوفية وحالهم في تمسكهم بلباس الصوف، وقد ذهب إلى تقرير هذا القول كثير من العلماء في نسبتهم لهذه الطائفة التي لم
стр. 831
توجد في زمن النبى ﷺ ولا في زمن الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان؛ إذ لو وجدت في هذه الأزمنة وعرفها الناس وعرفوا مسالكها لاشتهرت تسميتها ولما حصل لبس أو خلاف في حقيقتها واتجاهاتها بين المتأخرين.
وقد رجح شيخ الإسلام فيما يظهر من كلامه أن التصوف نسبة إلى الصوف حيث قال: "وقيل - وهو المعروف -: أنه نسبة إلى لبس الصوف".
ثم علل ذلك بقوله: "فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال فقه كوفي وعبادة بصرية" (١) .
وأيد للسهروردي صحة القول بنسبة الصوفية إلى الصوف، وذكر أدلة كثيرة على فضائل لبس الصوف، وبالغ في مدح الصوفية حين اختاروا هذا الاسم بما يطول نقله.
ثم ذكر الأسماء الأخرى والتي منها نسبتهم إلى أهل الصفة من فقراء الصحابة المهاجرين ثم قال:
"وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي ولكن صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك" (٢) .
وستأتي مناقشة هذا الإدعاء للسهرودى.
* * * * * * * * * * * * * *
стр. 832
الفصل الثالث
هل توجد علاقة بين المتصوفة وأهل الصفة
والواقع أن هذه القضية تعتبر من القضايا الساخنة خاض غمارها المتصوفة من جانب، وغير المتصوفة من الجانب الآخر حول الصلة بين الفريقين: الصوفية، وأهل الصفة.
فهل توجد فعلاً علاقة بين الصوفية وأهلا الصفة؟
الجواب: إنه بالرغم مما بذله المتصوفة من جدل وبحوث لتقريب التصوف إلى أهل الصفة فإن ذلك لم يجدهم شيئاً.
فهناك من المتصوفة كالمنوفي، والسهروردي، وغيرهما من كبار الصوفية من يزعم وجود تلك الصلة بين الفريقين، وأن أهل الصُفة هم سلف أهل التصوف، فالسهروردي يرى أن العلاقة بين المتصوفة وأهل الصفة تتمثل في حب الانفراد والعزلة عن الناس والشوق إلى الله تعالى، وأن هذه الفكرة هي الجامع بين الصوفية وأهل الصفة فيما يرى، وقد قال في إثبات ذلك:
"الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك (١) ، لكونهم مجتمعين متآلفين متصاحبين لله وفي الله كأصحاب الصفة، وكانوا نحواً من أربعمائة رجل لم
стр. 833
تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديماً وحديثاً في الزوايا والربط.." (١) إلى آخر كلامه.
وأما المنوفي فقد قال عنهم:
"هم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شيء من العروض الفانية وشغل أفئدتهم بالحياة الباقية.." إلى أن يقول: "استوطنوا الصفة فصفوا أنفسهم من الأكدار ونقوها من الأغيار، واعتصموا من حظوظ النفوس بالإيثار".
إلى أن قال: "وكان الظاهر من أحوالهم والمشهود من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثارهم القلة واختيارهم لها، فلم يجتمع لهم نوعان، ولا حضر لهم من الأطعمة لونان" (٢) .
والحقيقة أن السهروردي وغيره من المتصوفة لم يستطيعوا أن يأتوا برباط واحد، أو بوجه شبه يعتبر قاسماً مشتركاً صحيحاً مقبولاً بين حال أهل الصفة رضوان الله عليهم وبين المتصوفة، مع كثرة ما حاول هو وغيره وبشتى الأساليب أن يوجدوا تلك الصلة المزعومة، وأن يكون أولئك الصحابة الأفاضل هم الأساس لأقطاب التصوف والمثل الأول لهم.
مع محاولة بعضهم كذلك ربط حركة التصوف وما تحمل من حب العزلة والانفراد والخلوة بما وقع للرسول ﷺ ، من تحبيب الخلوة إليه في غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد.
وقد فاتهم أن هذا لا يصلح أن يكون دليلاً لهم على ذلك؛ فإن أقل ما
стр. 834
ينقصه هو أن تلك الخلوة إنما كانت بعناية من الله له؛ ليستعد لحمل أعباء الرسالة فيما بعد، وقبل أن يكلف أيضاً بدعوة الناس وإقامة شعائر الدين، وأن الرسول ﷺ بمجرد أن اختاره الله لتبليغ الدعوة كان محط أنظار الناس في كل لحظة من لحظات عمره المبارك، وإلا فكيف انتشر الإسلام بعد ذلك ودخل الناس في دين الله أفواجاً لو بقى على تلك الخلوة وبمفهوم الصوفية أيضاً؟!.
والحق أن المتصوفة ليس لهم مستند في تعلقهم بأساس تصوفهم سواء كان ذلك التعلق بالصحابة من أهل الصفة، أو بالرسول ﷺ في خلوته في غار حراء، ومن زعم أن بدايات التصوف كان الرسول ﷺ أو أهل الصفة فلا شك في خطئه.
وإذا كان المتصوفة فيما يدعون يحبون الفقر والخرقة (١) ، والانزواء في الزوايا والأربطة، فإن الثابت المتواتر أن أهل الصفة في مجملهم كانوا كثيراً ما يشكون حالهم إلى رسول الله ﷺ على أمل أن يساعدهم على حياة طيبة في الدنيا تكون عوناً لهم إلى الآخرة، وقد أخبر الله عنهم أنهم يتولون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.
وقد تحقق لمعظمهم بعد ذلك مال وافر، عملاً منهم بقول الله تعالى ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيِبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٢) ، واجتمعت لبعضهم ألوان الأطعمة المباحة ولم يزهدوا عن الدنيا نهائياً، لأنهم يعلمون أن ذلك لا ينافي الزهد، بينما معظم المتصوفة إنما يريد بإظهار ذلك الزهد وتلك الرهبانية الوصول إلى ما في
стр. 835
أيدي الناس واستعباد أذهانهم وأفكارهم، لا زهداً حقيقياً عن الدنيا في أكثر أحوالهم؛ حيث وجد لبعضهم بعد موتهم مدخرات كثيرة مما يتنافى ودعوى الزهد؛ لأن الزهد الحقيقي هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه من بعده، فلا رهبانية ولا تواكل ولا تحريم لما أحله الله من الطيبات، ولا استحلال ما لم يرد به الشرع، وهذا هو الزهد لا إظهار الفقر والعوز كما يراه غلاة المتصوفة.
إن تلك الصلة بين الصوفية وأهل الصفة التي يزعمها السهروردي والمنوفي محض خيال؛ ذلك أن أهل الصفة ما كانوا يحبون الفقر ولا يحبون الانفراد والعزلة عن الناس، وكيف يحبون العزلة والانفراد وهم في أكثر أماكن تجمع الناس؟! وأيضاً أكان مكثهم في الصفة بمحض رغبتهم أم كانت حالة طارئة أملتها عليهم الظروف المعيشية؟.
ذلك أنه لا يخفى على طلاب العلم - أن أهل الصفة كانوا من الفقراء الذين لا يجدون مأوى غير المسجد، في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه بكل جد من أجل الوصول إلى حال اليسار والغنى، خصوصاً وهم يتلون قول الله تعالى ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيِبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ، كما يسمعون قول المصطفى ﷺ "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير" (١) . وقوله أيضاً: "اليد العليا خير من اليد السفلى (٢) ".
فما كان أحدهم يحمل الزنبيل على ظهره ويطوف بالبيوت في طلب رزقه متكاسلاً عن العمل، متكلاً على ما في أيدي الناس أعطوه أم منعوه، كما هي
стр. 836
حال كثير من المتصوفة بعد أن فسدت فطرهم واختلت مفاهيمهم.
حين صاروا كما مدحهم السهروردي بقوله:
"واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى، أسوة بأهل الصفة، تاركين للأسباب متبتلين إلى رب الأرباب" (١) .
وأما زعم المنوفي أن الله اختار أهل الصفة ليكونوا كذلك وهم أيضاً قد اختاروا الفقر والمسكنة - فهو زعم باطل يكذبه الله في القرآن الكريم وتكذبه السنة النبوية والتاريخ. لقد كان من أهل الصفة أميراً ومن أصبح غنياً ذا ثراء كبير وفير، ومن أصبح قائد جيوش جرارة، وهم مع ذلك في قمة الزهد والخشوع لربهم.
* * * * * * * * * * * * * *
стр. 837
الفصل الرابع
أسماء الصوفية وسبب تسميتهم بها
من أشهر الأسماء لهذه الطائفة اسم "الصوفية"، ولهم أسماء أخرى غير مشهورة علي ألسنة الناس، ومن تلك الأسماء التي أطلقت عليهم أو أطلقوها هم علي أنفسهم:
١- الصوفية: وهو الاسم المشهور الذي يشمل كل فرقهم، وهم يرضون به ويتمدحون بالانتساب إليه، وقد سبق تعليل هذه التسمية.
٢- أرباب الحقائق: لزعمهم أنهم وصلوا إلي حقائق الأمور وخفاياها بخلاف غيرهم من الناس الذين أطلقوا عليهم اسم "أهل الظاهر"و"أهل الرسوم" (١) .
٣- الفقراء: وهو اسم زعم السهروردي أن الله هو الذي سماهم به حيث قال: "وأهل الشام لا يفرقون بين التصوف والفقر يقولون: قال الله تعالي: ﴿لِلفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) ، هذا وصف الصوفية، والله تعالي سماهم فقراء" (٣) .
٤- ويسمون شكفتية في خرسان نسبة إلي الغار، قال السهروردي
стр. 838
عن الصوفية في خرسان: "كان منهم طائفة بخرسان يأوون إلي الكهوف والمغارات، ولا يسكنون القرى والمدن يسمونهم في خرسان شكفتية؛ لأن شكفت اسم الغار؛ ينسبونهم إلي المأوى والمستقر" (١) .
٥- جوعية: قال السهروردي: "وأهل الشام يسمونهم جوعية" (٢) .
٦- الملامية أو الملامتية: وقد عنون المنوفي لها بقوله: "أهل الملامة والملامتية" (٣) .
والملامتية هي إحدي تطور المذهب الصوفي ووساوسه المتشعبة وأمانيه البراقة، وهذه الملامة التي يعتنقها بعض الصوفية ويتظاهر بها هي في أحد مفاهيمها بعينه , يدخل فيه الشخص من حيث يشعر أو لا يشعر , بل وسموه النفاق المحمود (٤) ، حين يأتى الصوفي بما يلام عليه لأجل أغراض سامية فيما يزعمون، ولكن متى كان النفاق محموداً؟!
والملامتي حسب المفهوم الصوفي عرفه السهروردي بقوله عن بعضهم: "الملامتي هو الذي لا يظهر خيراً ولا يضمر شراً"، ثم قال: "وشرح هذا هو: أن الملامتي تشربت عروقه طعم الإخلاص وحقق بالصدق , فلا يحب أن يطلع أحد على حاله وأعماله ولا يتم هذا الإخلاص إلا إذا أصبح يستوي عنده المدح والذم له من الناس، وألا يفكر في اقتضاء ثواب العمل في الآخرة" (٥) .
ويعللون لهذا بأنه مع الناس في الظاهر، وهو مع الله في الباطن مهما
стр. 839
كانت أفعاله في الظاهر. ومن هنا أبو سعيد الخراز: "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين "
ومن شرح السهروردي هذا الكلام بقوله: "ومعني قوله: إن إخلاص المريدين معلول برؤية الإخلاص والعارف منزه عن الرياء الذي يبطل العمل، ولكن لعله يظهر شيئاً من حاله وعمله بعلم كامل عنده فيه؛ لجذب مريد أو معاناة خلق من أخلاق النفس في إظهاره الحال والعمل، وللعارفين في ذلك علم دقيق لا يعرفه غيرهم، فيرى ذلك ناقص العلم صورة رياء، وليس برياء إنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس ووجود آفة فيه (١) .
والصحيح أنه التلاعب بعقول الناس والترويج للباطل بأبطل منه وقلب للحقائق، إذ كان الأولى أن يغلظ ذنب العارف لا أن يكون الرياء منه أفضل من غيره، ومتى كانت دعوة المصلحين تقوم علي أساس مداهنة الناس ومراءاتهم؟ ! وأيضاً كيف صح له أن يصف محض الرياء بأنه ليس رياء وإنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس؟!
فمن يقبل هذا الخداع ويتهم نظره وعقله، ويصدق بأن تلك الحال التي اعترت الصوفي إنما هي من أجل أن يجذب المريد أو يرد أن يذل نفسه، فمن أين يعلم الناس ذلك حتى يمكنهم أن يسموا الرياء عبادة لله؟؛ ولهذا فإن من الثابت عندهم أن كل ما يصدر عن الصوفي ينبغي أن يفسر بخير حتى وإن كان فعل الفواحش، فيجب الاعتقاد علي أنه لم يفعل ذلك إلا لحكمة جليلة، كما بين ذلك الشعراني في طبقاته وغيره من كبار الصوفية، في تراجمهم لسادتهم عتاة الصوفية.
стр. 840
وفي هذا يقول الدباغ:
"إن غير الولي إذا انكشفت عورته نفرت منه الملائكة الكرام- والمراد بالعورة العورة الحسية، والعورة المعنوية التي تكون بذكر المجون وألفاظ السفه- وأما الولي فإنها لا تنفر منه إذا وقع له ذلك؛ لأنه إنما يفعله لغرض صحيح فيترك ستر عورته لما هو أولي منه" (١) .
ويؤكد الفوتي ظان الواجب في حق المشائخ والأولياء- وهو كثير جداً- منه:
١-عدم الاعتراض علي الشيخ في أي شيء يفعله ولو كان ظاهره حرام.
٢-أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل (٢) .
وشروط أخري يندى لها الجبين ويموت القلب حسرة لأولئك الذين أذلتهم الصوفية وملكت عليهم كل عرق ينبض بالحياء والحياة، وذكر علماء التصوف أمثلةً وأخباراً كثيرة في وجوب التسليم والرضاء لكل ما يفعله الولي الصوفي مهما كان ذلك العمل، وهو ما قرره الفوتي وعلي حرازم والشعراني والمنوفي وأبو يزيد البسطامي والسهروردي وغيرهم من كبار الصوفية المجرمين في حق البشرية.
ومهما كان، فإن الملامتية في حقيقتها إنما هي إحدى مصايد الصوفية مهما زخرفوا القول فيها.
وقال ابن عربي عن هؤلاء الملامتية:
"أنهم رجال قطعهم الله إليه وصانهم صيانة الغيرة عليهم؛ لئلا تمتد إليهم
стр. 841
عين فتشغلهم عن الله. لقد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين (١) .
ويرى ابن عربي في فتوحاته المكية أن هذا الاسم أطلق عليهم؛ لأنهم أخفوا مكانتهم الشريفة في العامة، فكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها (٢) .
وقد شبههم المنوفي في كتابه جمهرة الأولياء بأهل الكهف في فتوتهم وحالهم، حين قال في التعريف بهم: "الملامة نعت لإبدال أهل الفتوة، واسم الملامية أو الملامتية أطلق علي قوم يلومون أنفسهم مع حسن أحوالهم ونموها"، وقد استفاض المنوفي في الأمثلة للملامتية وحشر كثيراً من الناس أمثلة للفتوة (٣) .
وقد قسم شيخ الإسلام الملامية إلي قسمين:
ملامية يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود.
وملامية يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصرون على الملام في ذلك والصبر عليه، وهؤلاء هم أهل الملام المذموم.
قال: "وبهذا يحصل الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله
стр. 842
ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك" (١) .
وأشار العلامة ابن الجوزي ﵀ إلى مسلك من مسالك هؤلاء الملامية، وهو: ارتكاب المعاصى بحجة عدم لفت الأنظار إلى صلاحهم - كما يتصورون - فقال
"وفى الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا: مقصودنا أن نسقط عن أعين الناس فنسلم من الجاه"، ثم قال معلقاً على هذا الزعم الباطل: "وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع" (٢) .
* * * * * * * * * * * * * *
стр. 843
الفصل الخامس
متى ظهر المذهب الصوفي
لقد تضاربت أقوال العلماء وتعددت مفاهيمهم حول الوقت الذي ظهرت فيه الصوفية، وكل أدلي بدلوه حسبما ترجح لديه، والواقع أنه لا يعرف بالتحديد الدقيق متى بدأ التصوف في المسلمين ولا من هو أول متصوف، وقد تقدم ذكر السبب في عدم اتفاق العلماء على تاريخ ظهور أي فرقة من الفرق بالتحديد الدقيق السالم من الاختلاف.
ونظراً لكثرة تلك التحديدات لظهور الصوفية، وما تتطلبه من دراسة قد تأخذ حجماً كبيراً فقد رأيت أن أذكر الأقوال في بدء نشأتهم سرداً مجرداً عن الدراسة التفصيلية، فقد لا يتعلق بها غرض كبير بقدر ما يتعلق الغرض بذكر آرائهم وإبطال الخاطيء منها، وبيان بُعد بعضها عن الدين الإسلامي الحنيف، والتحذير من الاغترار بها وعدم الركون إلى زخرف القول فيها، لأنها من وحي الشياطين إلي أوليائهم، وفيما يلي ذكر تلك التحديدات من أقوال العلماء:
١- أن هذه التسمية عرفت قبل الإسلام مراداً بها أصحاب الفضل والشرف.
٢- أن المذهب الصوفي ظهر ١٥٠ هـ.
٣- أن المذهب الصوفي ظهر ١٨٩ هـ.
стр. 844
٤- أن المذهب الصوفي ظهر بعد المائتين من الهجرة.
٥- أن المذهب الصوفي ظهر قبل المائتين من الهجرة.
٦- أن المذهب الصوفي ظهر بعد القرون الثلاثة الأولي أي في القرن الرابع الهجري.
٧- أنه اشتد بعد النصف الثاني من القرن الثامن والتاسع والعاشر حين ظهرت آلاف الطرق الصوفية.
٨- أن التصوف كان معروفاً في زمن النبي ﷺ كما قال الهجويري من علماء الصوفية، وهذا من أبطل الأقوال (١) .
والذي يظهر لي من بين هذه الاختلافات أن التصوف ظهر بعد الإسلام في شكل زهد ورغبة في الدار الآخرة، وكبح جماح النفس في حب الدنيا مهما أمكن، ثم صارت الأمور على هذا المفهوم، ثم لحقه ما يلحق غيره من سائر المبادئ والأفكار من حب التطوير وإدخال شتى المفاهيم بقصد تهذيب الفكرة وتقديمها في شكل متكامل، بغض النظر عن مطابقتها للحق أو مجانبتها له.
على أن أقطاب التصوف وهم يبنون هذا المسلك لم يوفقوا إلى الابتعاد عن شتى التيارات والأفكار المخالفة للإسلام والتأثر بها، وظهورها واضحة
стр. 845
جلية في معتقداتهم وسائر سلوكهم، علي المستوى الفردي أو الجماعي، بعد أن تنوع الأساس الذي قام عليه المذهب في أوله.
وعلي كل ما ورد من الأقوال، فإن العلماء متظافرون على أن التصوف ليس له وجود في عهد النبي ﷺ علي الصحيح من أقوالهم؛ إذ من المحال أن يتشرف أحد من الصحابة بالانتساب إلي غير صحبة النبي ﷺ ، وأن هذه التسمية حدثت بعد ذلك حين لبس إبليس على أولئك القوم وصاروا أحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.
ومن هنا يذكر السهروردي ظهور الصوفية بقوله:
"وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله ﷺ ، وقيل: كان في زمن التابعين ... وقيل: لم يعرف هذا الاسم إلي المائتين من الهجرة العربية؛ لأن في زمن رسول الله ﷺ كان أصحاب رسول الله ﷺ يسمون الرجل صحابياً لشرف صحبة رسول الله ﷺ (١) .
ويقول المنوفي: "ولم تطلق كلمة صوفية علي جماعة بعينها إلا في القرن الثاني للهجرة" (٢) .
ولكن يذكر شيخ الإسلام - رحمة الله - تحديد بدء التكلم به بقوله:
"أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك" (٣) .