مُسْند
الإِمَام الشَّافِعِي
حبر الأمة وَإِمَام الْأَئِمَّة
الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي ﵁
صححت هَذِه النُّسْخَة على النُّسْخَة المطبوعة
فِي مطبعة بولاق الأميرية وَالنُّسْخَة المطبوعة فِي بِلَاد الْهِنْد
دَار الْكتب العلمية
بيروت - لبنان
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نبذة عَن الشَّافِعِي ﵀
الْحَمد لله رب الْعَالمين. وَصلى الله على مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.
هَذَا كتاب الْمسند للشَّافِعِيّ.
وَكفى الشَّافِعِي فخرا أَنه الشَّافِعِي
- ان هَذَا الرجل لم يظْهر مثله فِي عُلَمَاء الاسلام، فِي فقه الْكتاب وَالسّنة، ونفوذ النّظر فيهمَا ودقة الاستنباط. مَعَ قُوَّة الْعَارِضَة، وَنور البصيرة، والابداع فِي إِقَامَة الْحجَّة وإفحام مناظره. فصيح اللِّسَان، ناصع الْبَيَان، فِي الذرْوَة الْعليا من البلاغة. تأدب بأدب الْبَادِيَة، وَأخذ الْعُلُوم والمعارف عَن أهل الْحَضَر، حَتَّى سما عَن كل عَالم قبله وَبعده. نبغ فِي الْحجاز، وَكَانَ إِلَى علمائه مرجع الرِّوَايَة وَالسّنة، وَكَانُوا أساطين الْعلم فِي فقه الْقُرْآن، وَلم يكن الْكثير مِنْهُم أهل لسن
وجدل، وكادوا يعجزون عَن مناظرة أهل الرَّأْي، فجَاء هَذَا الشَّاب يناظر وينافح، وَيعرف كَيفَ يقوم بحجته، وَكَيف يلْزم أهل الرَّأْي وجوب اتِّبَاع السّنة، وَكَيف يثبت لَهُم الْحجَّة فِي خبر الْوَاحِد، وَكَيف يفصل للنَّاس طرق فهم الْكتاب على مَا عرف من بَيَان الْعَرَب وفصاحتهم، وَكَيف يدلهم على النَّاسِخ والمنسوخ من الْكتاب وَالسّنة، وعَلى الْجمع بَين مَا ظَاهره التَّعَارُض فيهمَا أَو فِي أَحدهمَا، حَتَّى سَمَّاهُ أهل مَكَّة «نَاصِر الحَدِيث». وتواترت أخباره إِلَى عُلَمَاء الاسلام فِي عصره، فَكَانُوا يفدون إِلَى مَكَّة لِلْحَجِّ، يناظرونه وَيَأْخُذُونَ عَنهُ فِي
стр. 3
حَيَاة شُيُوخه، حَتَّى إِن أَحْمد بن حَنْبَل جلس مَعَه مرّة، فجَاء أحد إخوانه يعتب عَلَيْهِ أَن ترك مجْلِس ابْن عُيَيْنَة - شيخ الشَّافِعِي، وَيجْلس إِلَى هَذَا الاعرابي! فَقَالَ لَهُ أَحْمد: «اسْكُتْ، إِنَّك إِن فاتك حَدِيث بعلو وجدته بنزول، وَإِن فاتك عقل هَذَا أَخَاف أَن لَا تَجدهُ، مَا رَأَيْت أحدا أفقه فِي كتاب الله من هَذَا الْفَتى».
وَحَتَّى يَقُول دَاوُد بن عَليّ الظَّاهِرِيّ الامام فِي كتاب مَنَاقِب الشَّافِعِي: " قَالَ لي إِسْحَق بن رَاهَوَيْه: ذهبت أَنا وَأحمد بن حَنْبَل إِلَى الشَّافِعِي بِمَكَّة فَسَأَلته عَن أَشْيَاء، فَوَجَدته فصيحا حسن الْأَدَب، فَلَمَّا فارقناه أعلمني جمَاعَة من أهل الْفَهم بِالْقُرْآنِ أَنه كَانَ أعلم النَّاس فِي زَمَانه بمعاني الْقُرْآن، وَأَنه قد أُوتِيَ فِيهِ فهما، فَلَو كنت عَرفته للزمته، قَالَ دَاوُد: ورأيته يتأسف على مَا فَاتَهُ مِنْهُ ".
وَحَتَّى يَقُول أَحْمد بن حَنْبَل: «لَوْلَا الشَّافِعِي مَا عرفنَا فقه الحَدِيث».
ثمَّ يدْخل الْعرَاق، دَار الْخلَافَة وعاصمة الدولة (١)، فَيَأْخُذ عَن أهل الرَّأْي علمهمْ ورأيهم، وَينظر فِيهِ، ويجادلهم ويحاجهم، يزْدَاد بذلك بصرا بالفقه، ونصرا للسّنة، حَتَّى يَقُول أَبُو الْوَلِيد الْمَكِّيّ الْفَقِيه مُوسَى بن أبي الْجَارُود: " كُنَّا نتحدث نَحن وأصحابنا من أهل مَكَّة أَن الشَّافِعِي أَخذ كتب ابْن جريح (٢) عَن أَرْبَعَة أنفس: عَن مُسلم بن خَالِد، وَسَعِيد بن سَالم، وَهَذَانِ فقيهان، وَعَن عبد الْمجِيد بن الْعَزِيز بن أبي رواد، وَكَانَ أعلمهم بِابْن جريج، وَعَن عبد الله بن الْحَرْث المَخْزُومِي، وَكَانَ من الاثبات، وانتهت رياسة الْفِقْه بِالْمَدِينَةِ إِلَى مَالك بن أنس، رَحل إِلَيْهِ ولازمه وَأخذ عَنهُ، وانتهت رياسة الْفِقْه بالعراق إِلَى أبي حنيفَة، فَأخذ عَن صَاحبه مُحَمَّد بن الْحسن جملا لَيْسَ فِيهَا شئ إِلَّا وَقد سَمعه عَلَيْهِ، فَاجْتمع لَهُ علم أهل الرَّأْي وَعلم أهل الحَدِيث، فتصرف فِي ذَلِك، حَتَّى أصل الْأُصُول، وَقعد الْقَوَاعِد، وأذعن لَهُ الْمُوَافق والمخالف، واشتهر أمره. وَعلا ذكره، وارتفع قدره، حَتَّى صَار مِنْهُ مَا صَار ".
стр. 4
ثمَّ دخل مصر فِي السّنة ١٩٩ فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ، يعلم النَّاس السّنة وَفقه السّنة وَالْكتاب، ويناظر مخالفيه ويحاجهم، وَأَكْثَرهم من أَتبَاع شَيْخه مَالك بن أنس، وَكَانُوا متعصبين لمذهبه، فبهرهم الشَّافِعِي بِعِلْمِهِ وهديه وعقله، رَأَوْا رجلا لم تَرَ الْأَعْين مثله فلزموا مَجْلِسه، يفيدون مِنْهُ علم الْكتاب وَعلم الحَدِيث، وَيَأْخُذُونَ عَنهُ اللُّغَة والأنساب وَالشعر، ويفيدهم فِي بعض وقته فِي الطِّبّ، ثمَّ يتعلمون مِنْهُ أدب الجدل والمناظرة، ويؤلف الْكتب بِخَطِّهِ، فيقرؤن عَلَيْهِ مَا ينسخونه مِنْهَا، أَو يملي عَلَيْهِم بَعْضهَا إملاء، فَرجع أَكْثَرهم عَمَّا كَانُوا يتعصبون لَهُ، وتعلموا مِنْهُ الِاجْتِهَاد ونبذ التَّقْلِيد، فملا الشَّافِعِي طباق الأَرْض علما.
وَمَات وَدفن بِمصْر، وقبره مَعْرُوف مَشْهُور إِلَى الان، وعاش ٥٤ سنة،
ولد سنة ١٥٠ بغزة، وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة وَدفن يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر آخر يَوْم من رَجَب سنة ٢٠٤. رَحمَه الله
стр. 5
اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد كلما ذكره الذاكرون وصل على مُحَمَّد كلما غفل عَن ذكره الغافلون