← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9348

اختلاف الحديث - ط الفكر بآخر كتاب الأم

الشافعي

Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ. قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى مَا وَصَفْت غَيْرِ مَا ذَكَرْت مِنْ هَذَا؟ فَقُلْت: نَعَمْ أَرَأَيْت إذْ أَمَرَ اللَّهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَمَا فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوْا الْكِتَابَ؟ فَقَالَ: بَلَى لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: خُذْ مِنْ صِنْفِ كَذَا فَقَدْ مَنَعَ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يُخَالِفُهُ. قُلْت أَرَأَيْت حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُقَاتَلَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَمَرَ إذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَنْ يُقْتَلَ الْمُشْرِكُونَ حَيْثُ وُجِدُوا وَيُؤْخَذُوا وَيُحْصَرُوا وَيُقْعَدَ لَهُمْ كُلُّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ خُلِّيَ سَبِيلُهُمْ أَمَا فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَأَنَّ الْفَرْضَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُهُ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ؟ قَالَ أَمَّا الْقُرْآنُ فَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقُلْت لَهُ وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَامٌّ بِأَنْ يُدْعَوْا إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنِيَ كُلَّ مُشْرِكٍ وَثَنِيٍّ أَوْ غَيْرَهُ قُلْت لَهُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» عَامُّ الْمَخْرَجِ فَإِنْ قَالَ جَاهِلٌ بَلْ هُوَ عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ فَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كِتَابِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ هَلْ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ إلَّا كَهِيَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى جُمْلَةِ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ وَادَّعَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَاسِخٌ لَهُ؟ قَالَ مَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ شَيْءٌ إلَّا كَمَا لِصَاحِبِهِ مِثْلُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْحَدِيثَانِ. بَابُ الْخِلَافِ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَفِيمَنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِمَّنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ مَا كَانَ إلَّا أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْعَرَبِ خَاصَّةً إذَا دَانُوا دِينَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَأَمَّا الْعَجَمُ فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَإِنْ دَانُوا دِينَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَالَ فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَمِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا؟ قَالَ ذَهَبَتْ إلَى أَنَّ الَّذِينَ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا الْعَرَبُ قُلْت أَفَرَأَيْت الْعَرَبَ إذَا دَانُوا دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت وَيَدْخُلُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: نَعَمْ قُلْت فَقَدْ تَرَكْت أَصْلَ قَوْلِك وَزَعَمْت أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الدِّينِ لَا عَلَى النَّسَبِ قَالَ فَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَقُولَ الْجِزْيَةُ وَتَرْكُ الْجِزْيَةِ وَأَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُسْلِمُوا عَلَى النَّسَبِ وَقَدْ «أَخَذَ النَّبِيُّ الْجِزْيَةَ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ» فَقُلْت لَهُ فَلِمَ ذَهَبْت أَوَّلًا إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَلَسْت تَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ؟ قَالَ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِك مَنْ قَالَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ دَعَا إلَيْهَا وَثَنِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ أَعْجَمِيٌّ أَوْ عَرَبِيٌّ فَقُلْت لَهُ أَحَمِدْت قَوْلَ مَنْ قَالَ هَذَا؟ قَالَ: لَا وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَرَبُ فَلَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ إلَّا مِنْ عَرَبِيٍّ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَسَأَقُومُ لِمَنْ خَالَفَنَا وَإِيَّاكَ مِنْ أَصْحَابِك بِقَوْلِهِ فَأَقُولُ إنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ» وَرَأَيْت الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ وَأَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقُلْت لَهُ: قُلْت إنَّ الْمَجُوسَ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ مَشْهُورٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ بَاقٍ فِي أَيْدِيهِمْ فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ فِي أَنْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ كَالْعَرَبِ؟ قَالَ لَا إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ لَا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ وَلَا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ. قُلْت فَكَيْفَ أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ مَنْ دَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَأَنْ يَكُونَ إحْلَالُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إحْلَالَ نِسَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ سِوَاهُمْ فَيَكُونُونَ مُسْتَوِينَ فِي الْجِزْيَةِ مُخْتَلِفِينَ فِي النِّسَاءِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وَأَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾

стр. 37

فَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الشِّرْكِ وَخَالَفَ بَيْنَهُمْ فِي الْقِتَالِ عَلَى الشِّرْكِ فَقَالَ أَوْ قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مَا فِي هَذَا مَا أَنْكَرَهُ عَالِمٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): قُلْت لَهُ: لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْمَذْهَبَ أَحَدٌ لَهُ عِلْمٌ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ السُّنَّةِ قَالَ وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت السُّنَّةُ لَا تَكُونُ أَبَدًا إلَّا تَبَعًا لِلْقُرْآنِ بِمِثْلِ مَعْنَاهُ وَلَا تُخَالِفُهُ فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ نَصًّا فَهِيَ مِثْلُهُ وَإِذَا كَانَ جُمْلَةً أَبَانَتْ مَا أُرِيدَ بِالْجُمْلَةِ ثُمَّ لَا تَكُونُ إلَّا وَالْقُرْآنُ مُحْتَمِلٌ مَا أَبَانَتْ السُّنَّةُ مِنْهُ قَالَ أَجَلْ قُلْت فَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ خَرَجَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا مِنْ الْكِتَابِ إلَى غَيْرِ كِتَابٍ وَمِنْ السُّنَّةِ إلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَذَهَبَ فِي الْمَجُوسِ إلَى أَمْرٍ جَهِلَهُ فَقَالَ فِيهِمْ بِالْجَهَالَةِ قَالَ إنَّهُ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ فِي أَنْ لَا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ قُلْت لَا وَلَا ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ كَمَا وَصَفْت بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي جُمْلَةِ مَنْ أُوتَى الْكِتَابَ وَاَلَّذِينَ أَمَرَ بِنِكَاحِ نِسَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ. (بَابٌ فِي الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ رَاهَقْت الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْت فَأَرْسَلَتْ حِمَارِي يَرْتَعُ وَدَخَلْت فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَلَيْسَ بَعْدُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مُخْتَلِفًا، وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُؤَدَّاةِ لَمْ يَتَقَصَّ الْمُؤَدِّي لَهَا أَسْبَابَهَا وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضٍ «وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَتِرَ بِالدُّنُوِّ مِنْ السُّتْرَةِ» اخْتِيَارًا لَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَا أَنَّ شَيْئًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ لِأَنَّهُ « ﷺ قَدْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالنَّاسُ يَطُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سُتْرَةٌ» وَهَذِهِ صَلَاةُ انْفِرَادٍ لَا جَمَاعَةٍ وَصَلَّى بِالنَّاسِ بِمِنًى صَلَاةَ جَمَاعَةٍ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَى غَيْرِ جِدَارٍ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَلَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَفْسُدُ بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يُصَلِّ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَلَا أَحَدَ وَرَاءَهُ يَعْلَمُهُ وَقَدْ «مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَتَانٍ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الَّذِي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» وَهَكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَمْرُهُ بِالْخَطِّ فِي الصَّحْرَاءِ اخْتِيَارًا وَقَوْلُهُ لَا يُفْسِدُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ أَنْ يَلْهُوَ بِبَعْضِ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَصِيرُ إلَى أَنْ يُحْدِثَ مَا يُفْسِدُهَا لِمُرُورِ مَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ مَا يُكْرَهُ لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَعَلَّ تَشْدِيدَهُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَرْكِهِمْ نَهْيَهُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَمُرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ وَلَوْ كَانَ يَقْطَعُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ مَا أَبَاحَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاةَ مُسْلِمٍ وَهَكَذَا مِنْ مَعْنَى مُرُورِ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَالنَّاسُ فِي الطَّوَافِ وَمِنْ مُرُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ بِمِنًى لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الْمُسْتَتِرِ وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الَّذِي لَا يَسْتَتِرُ «وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْمُسْتَتِرِ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيُقَاتِلْهُ» يَعْنِي فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَفَدَ رُوِيَ أَنَّ مُرُورَ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمُصَلِّي إذَا مَرَّا بَيْنَ يَدَيْهِ قِيلَ لَا يَجُوزُ إذَا رُوِيَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ» وَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَثْبَتَ مِنْهُ وَمَعَهَا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنْ يُتْرَكَ إنْ

стр. 38

كَانَ ثَابِتًا إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْمَنْسُوخَ حَتَّى نَعْلَمَ الْآخَرَ وَلَسْنَا نَعْلَمُ الْآخَرَ أَوْ يُرَدُّ مَا يَكُونُ غَيْرَ مَحْفُوظٍ، وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى وَعَائِشَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَصَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ يَضَعُهَا فِي السُّجُودِ وَيَرْفَعُهَا فِي الْقِيَامِ» وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَصَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَرُدُّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَإِنْ أَخَذْت فِيهِ أَشْيَاءَ فَإِنْ قِيلَ فَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ مِنْ هَذَا؟ قِيلَ قَضَاءُ اللَّهِ ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ عَمَلُ رَجُلٍ عَمَلَ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ سَعْيُ كُلٍّ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُرُورُ رَجُلٍ يَقْطَعُ صَلَاةَ غَيْرِهِ. (بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَإِذَا خَرَجْنَ فَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» قَالَ الرَّبِيعُ يَعْنِي لَا يَتَطَيَّبْنَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَهَذَا حَدِيثٌ كَلَّمَنَا فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ بِكَلَامٍ قَدْ جَهَدْت عَلَى تَقَصِّي مَا كَلَّمُونِي فِيهِ فَكَانَ مِمَّا قَالُوا أَوْ بَعْضُهُمْ ظَاهِرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ النَّهْيُ عَنْ مَنْعِ إمَاءِ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَالنَّهْيُ عِنْدَك عَنْ النَّبِيِّ تَحْرِيمٌ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ التَّحْرِيمِ وَهُوَ عَامٌّ عَلَى مَسَاجِدِ اللَّهِ وَالْعَامُّ عِنْدَك عَلَى عُمُومِهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ النَّبِيِّ أَوْ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ جَهْلُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَاصٌّ فَمَا تَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟ أَهُوَ عَامٌّ فَيَكُونُ تَحْرِيمَ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ بِحَالٍ أَوْ خَاصٍّ فَيَكُونُ لَهُمْ مَنْعُهُنَّ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَاحِدًا مِنْ مَعْنَيَيْنِ؟ قُلْت: بَلْ خَاصٌّ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ عِنْدَك؟ قُلْت الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ بِمَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا قَالَ فَاذْكُرْ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى مَا وَصَفْت قُلْت. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ يَخْطُبُ يَقُولُ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي اكْتَتَبْت فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَإِنَّ امْرَأَتِي انْطَلَقَتْ حَاجَّةً قَالَ فَانْطَلِقْ فَاحْجُجْ بِامْرَأَتِك» قَالَ فَقُلْت أَفَتَرَى أَنَّ فَرْضًا عَلَى قَيِّمِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا أَكْبَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ لِأَنَّ أَكْبَرَهَا أَوْجَبُهَا وَمِنْ كُلِّ سَفَرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قُلْت فَمِنْ أَيْنَ قُلْته قَالَ قُلْته بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّ سَفَرَهَا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مَعْصِيَةٌ وَفَرَضَ اللَّهُ أَنْ تُمْنَعَ الْمَعْصِيَةُ قُلْت فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ، وَالْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ تُمْنَعَ أَكْبَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ قَالَ مَا أَجِدُ مِنْ هَذَا بُدًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ أَنَا أُكَلِّمُك بِغَيْرِ مَا كَلَّمَك بِهِ فَأَقُولُ لَيْسَ لِقَيِّمِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا أَنْ تُسَافِرَ إلَى مَسْجِدٍ قُلْت وَلَا يَمْنَعُهَا الْوَالِي وَلَا زَوْجُهَا وَلَا وَلِيُّهَا مَنْ كَانَ قَالَ لَا قُلْت فَقَدْ أَمَرْت بِأَنْ لَا تُمْنَعَ الْمَعْصِيَةُ بِالسَّفَرِ. قَالَ: فَإِنْ قُلْت: فَعَلَى ذِي مَحْرَمِهَا أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ السَّفَرَ مَعَهَا مَا يُوجِبُ عَلَى الْوَالِي مَنْعَهَا مِنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ قُلْت فَإِنَّ قَيِّمَهَا أَخَاهَا وَهُوَ مُوسِرٌ عَلَى مَنْ النَّفَقَةُ فِي السَّفَرِ أَعْلَيْهَا أَوْ عَلَى أَخِيهَا؟ قَالَ فَإِنْ قُلْت عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهَا قُلْت فَقَدْ جَعَلْت لَهَا أَنْ تُكَلِّفَهُ إخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَأَنْتَ لَا تَجْعَلُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُوسِرَةً وَلَا مُعْسِرَةً صَحِيحَةً وَتُكَلِّفُهَا الْمَسْأَلَةَ فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَلْزَمُ لَك أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُعْسِرَةً صَحِيحَةً شَرِيفَةً تَسْتَحْيِي مِنْ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِي الشَّهْرِ أَوْ يُكَلَّفُ فِي سَفَرٍ خَمْسمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ فَإِنْ قُلْت فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا قُلْت فَأَقُولُ لَك فَكَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا؟ قَالَ بَلْ لَا أُنْفِقُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا إلَّا مَا لَا صَلَاحَ لَهَا إلَّا بِهِ فَكَيْفَ أُنْفِقُ عَلَى آخَرَ مِنْ مَالِهَا؟

стр. 39

قُلْت فَقَدْ مَنَعْتهَا إذًا أَكْثَرَ مَسَاجِدِ اللَّهِ قَالَ فَكُلُّ مَا قُلْت مِنْ هَذَا مُخَالِفًا قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ قُلْت أَجَلْ وَقَدْ تَرَكْت إبَانَةَ ذَلِكَ لِتَعْرِفَ أَنَّ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ فِيهِ كُلَّهُ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ وَهَلْ عَلِمْت مُخَالِفًا فِي أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ مَسْجِدَ عَشِيرَتِهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى بَابِهَا وَالْجُمُعَةَ الَّتِي لَا أَوْجَبَ مِنْهَا فِي الْمِصْرِ؟ قَالَ: وَمَا عَلِمْته قُلْت فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَسَاءَلْت عَنْهُ حُجَّةٌ إلَّا مَا وَصَفْت اسْتَدْلَلْت بِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إذَا كَانَ لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ وَقَيِّمِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْجُمُعَةِ وَمَسْجِدِ عَشِيرَتِهَا كَانَ مَعْنَى «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» خَاصًّا عَلَى مَا قُلْت لَك لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَجْهَلُ مَعْنَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقَالَ عَامَّةُ مَنْ حَضَرَ هَذَا كَمَا قُلْت فِيمَا أَدْخَلْت عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ شَيْئًا مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْك أَنْ تَسْأَلَ مَا مَعْنَى «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»؟ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ خَاصٌّ فَأَيُّ الْمَسَاجِدِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إمَاءَ اللَّهِ؟ قُلْت لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مَسْجِدَ اللَّهِ الْحَرَامَ لِفَرِيضَةِ الْحَجِّ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهَا تَطَوُّعًا، وَمِنْ الْمَسَاجِدِ غَيْرَهُ قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَا قُلْت؟ قُلْت: قَالَ اللَّهُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ «السَّبِيلُ الزَّادُ وَالْمَرْكَبُ» فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجِدُ مَرْكَبًا وَزَادًا وَتُطِيقُ السَّفَرَ لِلْحَجِّ فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ وَلَا يَحِلُّ أَنْ تُمْنَعَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ كَمَا لَا تُمْنَعُ فَرِيضَةَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْفَرَائِضِ. قَالَ فَهَلْ عَلَى وَلِيِّهَا أَنْ يُحِجَّهَا مِنْ مَالِهَا لَوْ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا؟ قُلْت: نَعَمْ كَمَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عَنْهَا. قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَهَا؟ قُلْت: لَا وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَقَلَّ مُسْلِمٌ يَدَعُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ حَجَّتْ مَعَهُنَّ وَأَجْبَرْت وَلِيَّهَا عَلَى تَرْكِهَا وَالْحَجِّ مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ إذَا كَانَتْ طَرِيقُهَا آمِنَةً مَنْ كَانَ وَلِيُّهَا زَوْجَهَا أَوْ غَيْرَهُ. قَالَ فَمَا مَعْنَى نَهْيِهَا عَنْ السَّفَرِ؟ قُلْت نَهْيُهَا عَنْ السَّفَرِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا. قَالَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا نُهِيَتْ عَنْ السَّفَرِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا؟ قُلْت بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ اللَّهِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالتَّغْرِيبُ سَفَرٌ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُخْلَى بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَفِي التَّغْرِيبِ خَلْوَةٌ بِهَا مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ وَسَفَرٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُنْهَى عَنْ سَفَرِهَا فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ بِبَلَدٍ نَاءٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ فَأَحْدَثَتْ حَدَثًا يَكُونُ عَلَيْهَا فِيهِ حَدٌّ أَوْ حَقٌّ لِمُسْلِمٍ أَوْ خُصُومَةٌ لَهُ جُلِبَتْ إلَى الْحَاكِمِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهَا نُهِيَتْ عَنْ السَّفَرِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا فَإِذَا قَضَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَلِوَلِيِّهَا مَنْ كَانَ مَنْعُهَا مِنْ الْحَجِّ وَمِنْ جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ إلَّا شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ فِي الْعِيدَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ أَفَتَجِدُ عَلَى هَذَا دَلَالَةً؟ قُلْت: نَعَمْ مَا وَصَفْت لَك مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُسَافِرَ إلَى مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ وَأَنَّ الْأَسْفَارَ إلَى الْمَسَاجِدِ نَافِلَةٌ غَيْرُ السَّفَرِ لِلْحَجِّ وَفِي مَنْعِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ الْحَجَّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ إنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْحَجَّةُ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ قَالَ: وَإِنَّ إتْيَانَ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ عَلَى الرِّجَالِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَلَمْ نَعْلَمْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةً خَرَجَتْ إلَى جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ بِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْلَى بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُنَّ ضُرِبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ قِيلَ وَقَدْ كُنَّ لَا حِجَابَ عَلَيْهِنَّ ثُمَّ ضُرِبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ فَلَمْ يُرْفَعْ عَنْهُنَّ مِنْ الْفَرَائِضِ شَيْءٌ وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَى النِّسَاءِ إتْيَانَ الْجُمُعَةِ كُلٌّ رَوَى أَنَّ الْجُمُعَةَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إلَّا امْرَأَةً أَوْ مُسَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْمَرْأَةِ فَرْضُ الْجُمُعَةِ كَانَ فَرْضُ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَالنَّافِلَةِ فِي الْمَسَاجِدِ عَنْهُنَّ أَسْقَطَ. قَالَ: فَقَالَ وَمَا فُرِضَ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ إلَّا عَلَى الرَّجُلِ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى النِّسَاءِ بِفَرْضٍ وَمَا هُنَّ فِي إتْيَانِ الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَاتِ كَالرِّجَالِ فَقُلْت لَهُ إنَّ الْحُجَّةَ لَتَقُومُ بِأَقَلَّ مِمَّا وَصَفْت لَك وَعَرَفْت بِنَفْسِك وَعَرَفَ النَّاسُ مَعَك وَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَمَوْلَيَاتِهِ وَخَدَمِهِ وَخَدَمِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَمَا عَلِمْت مِنْهُنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ إلَى شُهُودِ جُمُعَةٍ وَالْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ بِأَكْثَرَ مِنْ وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ غَيْرِهَا وَلَا إلَى جَمَاعَةٍ غَيْرِهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَلَا إلَى

стр. 40

غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُنَّ كُنَّ عَلَى الْخَيْرِ بِمَكَانِهِنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَحْرَصُ وَبِهِ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِنَّ وَأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ أَنْ يَأْمُرَهُنَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ وَعَلَيْهِ فِيهِنَّ وَمَا لَهُنَّ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ كَمَا أَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَاتِ وَالسُّنَنِ وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِالْحِجَابِ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ بِإِتْيَانِ جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَلَوْ كَانَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ أَمَرُوهُنَّ بِهِ وَأَذِنُوا لَهُنَّ إلَيْهِ بَلْ قَدْ رُوِيَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِي حُجْرَتِهَا خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَسَاجِدِ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصُومَ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ وَرُوِيَ «إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ لِتَشْهَدَ الْعِشَاءَ فَلَا يَمْنَعْهَا» فَاحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَامَّةُ أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ شُهُودُ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ كَمَا هِيَ عَلَى الرَّجُلِ وَأَنَّ لِوَلِيِّهَا حَبْسُهَا كَانَ هَذَا اخْتِيَارًا لَا فَرْضًا عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَرْأَةِ لِلْعِشَاءِ. فَقَالَ مَا عَلِمَتْ أَحَدًا مِنْ الْمُفْتِينَ يُخَالِفُ فِي أَنْ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ الْإِذْنُ لِامْرَأَتِهِ إلَى جُمُعَةٍ وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَا إلَى حَجٍّ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُهَا فِي عُمُرِهَا فَقُلْت فَفِي أَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُفْتُونَ إنْ كَانَ كَمَا قُلْت دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَجْهَلُوا مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ إذَا كَانَ مَعْنَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ مُحْتَمِلًا مَا قَالُوا. قَالَ وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْحَجِّ قُلْت أَمَّا هَذَا فَلَا لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْفَرِيضَةَ فَقَدْ مَنَعَهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا فَأَبَاحَ لَهُ خِلَافَ الْحَدِيثِ فَإِذَا قُلْت لَا يَمْنَعُهَا الْفَرِيضَةَ مِنْ الْحَجِّ فَلَمْ أُخَالِفْ الْحَدِيثَ بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ كُلَّهَا» وَفِيهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُنَّ بَعْضَهَا قَالَ: وَأُجْبِرُ زَوْجَ امْرَأَةٍ وَوَلِيَّهَا مَنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَدَعَهَا وَالْفَرِيضَةَ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَفَرٍ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَى مَا تَطَوَّعَتْ بِهِ مِنْهُمَا فَإِذَا أَذِنَ لَهَا إلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَمْنَعْهَا مَسَاجِدَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْفَرْضِ إلَى مَسْجِدِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ أَنْ «يُتْرَكَ النِّسَاءُ إلَى الْعِيدَيْنِ» فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْنَا بِهِ. بَابُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الْآيَةُ قَالَ فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثِ وَقَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قَالَ فَكَانَ الْوُضُوءُ عَامًّا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ الْجَنْبَ بِالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ دَلِيلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ إلَّا أَنْ تَدُلُّ السُّنَّةُ عَلَى غُسْلٍ وَاجِبٍ فَتُوجِبُهُ بِالسُّنَّةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِي الْأَخْذِ بِهَا وَدَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَى أَنْ يَجِبَ غُسْلُ غَيْرِ الْجَنَابَةِ الْوُجُوبَ الَّذِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، قَالَ وَقَدْ رُوِيَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ شَيْءٌ فَذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى غَيْرِ مَا قُلْنَا وَلِسَانُ الْعَرَبِ وَاسِعٌ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَاحْتَمَلَ وَاجِبٌ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ وَوَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ وَوَاجِبٌ فِي الِاخْتِيَارِ، وَفِي النَّظَافَةِ وَنَفَى تَغَيُّرَ الرِّيحِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ وَجَبَ حَقُّك عَلَيَّ إذْ رَأَيْتنِي مَوْضِعًا لِحَاجَتِك وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَكَانَ هَذَا أَوْلَى مَعْنَيَيْهِ لِمُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي عُمُومِ الْوُضُوءِ

стр. 41

مِنْ الْأَحْدَاثِ وَخُصُوصِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالدَّلَالَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَاذْكُرْ الدَّلَالَةَ، قُلْت: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْت مِنْ السُّوقِ فَسَمِعْت النِّدَاءَ فَمَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا؟ وَقَدْ عَلِمْت «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ»؟. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَ عُمَرُ عِلْمَهُ وَعِلْمَ عُثْمَانَ فَذَهَبَ عَنَّا أَنْ نُتَوَهَّمَ أَنْ يَكُونَا نَسِيَا عِلْمَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذْ ذَكَرَ عُمَرُ عِلْمَهُمَا فِي الْمَقَامِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ وَلَمْ يَخْرُجْ عُثْمَانُ فَيَغْتَسِلُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِذَلِكَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّنْ عَلِمَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْغُسْلِ مَعَهُمَا أَوْ بِإِخْبَارِ عُمَرَ عَنْهُ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَدْ عَلِمَا أَمْرَ النَّبِيِّ بِالْغُسْلِ عَلَى الْأَحَبِّ لَا عَلَى الْإِيجَابِ لِلْغُسْلِ الَّذِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ دَلَّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ مَنْ سَمِعَ مُخَاطَبَةَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي مِثْلِ عِلْمِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمُوهُ عِلْمًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلِمُوهُ بِخَبَرِ عُمَرَ كَالدَّلَالَةِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَرَوَتْ عَائِشَةُ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ فَكَانُوا يَرُوحُونَ بِهَيْئَاتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَوْ اغْتَسَلْتُمْ قَالَ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» قَالَ وَقَوْلُ أَكْثَرِ مَنْ لَقِيت مِنْ الْمُفْتِينَ اخْتِيَارُ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مِنْهُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَجِبُ الْوُجُوبَ الَّذِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إذَا وَجَبَ الْوُجُوبَ الَّذِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ جَاءَ الْجُمُعَةَ أَوْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتِ الْجُمُعَةَ. بَابُ نِكَاحِ الْبِكْرِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ «عَنْ خَنْسَاءَ ابْنَة خِذَامٍ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ فَرَدَّ نِكَاحَهُ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنَةُ سَبْعٍ وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ وَكُنْت أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَكُنَّ جَوَارٍ يَأْتِينَنِي فَإِذَا رَأَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ تَقَمَّعْنَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُسَرِّبُهُنَّ إلَيَّ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَالْوَلِيُّ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْهُ» الْأَبُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ وِلَايَةٌ مَعَهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْوِلَايَةُ لِغَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُطْلَقُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي «الْأَيِّمِ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» مِثْلُ حَدِيثِ خَنْسَاءَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَيِّمًا وَالْأَيِّمُ الثَّيِّبُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ نِكَاحَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَقُلْنَا أَمْرُهُ الْآبَاءَ بِالِاسْتِئْذَانِ لِلْأَبْكَارِ فِي الْإِنْكَاحِ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِهِنَّ وَأَحْرَى إنْ كَانَ بِهِنَّ عِلَّةٌ فِي أَنْفُسِهِنَّ أَوْ لَهُنَّ عِلَّةٌ فِيمَنْ يُسْتَأْمَرْنَ فِي إنْكَاحِهِ أَنْ يَذْكُرْنَهَا لَا عَلَى أَنَّ لَهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ مَعَ آبَائِهِنَّ أَمْرًا إنْ لَمْ يَأْذَنْ أَنْ يُنْكَحْنَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْكَحْنَ وَذَهَبْنَا إلَى ذَلِكَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ وَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» وَهِيَ فِي التَّزْوِيجِ

стр. 42

وَالدُّخُولِ مِمَّنْ لَا أَمْرَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْبِكْرِ إلَّا بِإِذْنِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَوَّجَ حَتَّى يَكُونَ لَهَا أَمْرٌ فِي نَفْسِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الْمَوْلُودِ يُقْتَلُ أَبُوهُ يُحْبَسُ قَاتِلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْوَلَدُ فَيَعْفُوَ أَوْ يُصَالِحَ أَوْ يَقْتُلَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَمْرِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَمْرَ لَهُ فَوَقَفْنَا قَتْلَ قَاتِلِ أَبِيهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَمْرٌ فَقُلْنَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً بِغَيْرِ إذْنِهَا لَزِمَهَا النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِرْهَا فَإِنْ قِيلَ فَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ " تُسْتَأْمَرُ " عَلَى مَا قُلْت قِيلَ مَا وَصَفْت مِنْ نِكَاحِهِ عَائِشَةَ وَهِيَ لَا أَمْرَ لَهَا وَدُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا وَهِيَ مِمَّنْ لَا أَمْرَ لَهَا إذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا، وَإِنْكَاحُ الْآبَاءِ الصِّغَارَ قَدِيمًا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ مِنْ دَلَالَةٍ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِأَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا أَمْرًا بَلْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ فِيمَا أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِطَابَةِ أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى أَنْ يَسْتَنَّ بِالْمَشُورَةِ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ غَيْرِهِ؟ قِيلَ نَعَمْ «زَوَّجَ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ ابْنَتَهُ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ أُمُّهَا فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ آمِرُوهُنَّ فِي بَنَاتِهِنَّ» وَكَانَتْ ابْنَتُهُ بِكْرًا وَلَا اخْتِلَافَ أَنْ لَيْسَ لِلْأُمِّ شَيْءٌ مِنْ إنْكَاحِ ابْنَتِهَا مَعَ أَبِيهَا وَلَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً وَلَا مِنْ إنْكَاحِ نَفْسِهَا إلَّا بِوَلِيِّهَا. بَابُ النَّجْشِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ النَّجْشِ». أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَنَاجَشُوا» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَمَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ وَالنَّجْشُ أَنْ يُحْضِرَ الرَّجُلُ السِّلْعَةَ تُبَاعُ فَيُعْطِيَ بِهَا الشَّيْءَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ السُّوَّامُ فَيُعْطُونَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ لَوْ لَمْ يَسْمَعُوا سَوْمَهُ قَالَ فَمَنْ نَجَشَ فَهُوَ عَاصٍ بِالنَّجْشِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ عَنْهُ، وَمَنْ اشْتَرَى وَقَدْ نَجَشَ غَيْرَهُ بِأَمْرِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ كَمَا يَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَنْجُشُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ لَا يُفْسِدُهُ مَعْصِيَةُ رَجُلٍ نَجَشَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَقْدَهُ غَيْرُ النَّجْشِ وَلَوْ كَانَ بِأَمْرِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ لِأَنَّ النَّاجِشَ غَيْرُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ إنْ فَعَلَ النَّاجِشُ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلَا يَفْسُدُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ بِفِعْلِ غَيْرِهِمَا وَأَمْرُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ بِالنَّجْشِ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ، وَمِنْ النَّاجِشِ مَعْصِيَةٌ قَالَ وَقَدْ «بِيعَ فِيمَنْ يُزِيدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَازَ الْبَيْعُ» وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَادَ مَنْ لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ. بَابٌ فِي بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنُنْهِي الرَّجُلَ إذَا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ

стр. 43

سِلْعَةً وَلَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي سِلْعَةً تُشْبِهُ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ يَرُدُّ السِّلْعَةَ الَّتِي اشْتَرَى أَوَّلًا وَلِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» فَيَكُونُ الْبَائِعُ الْآخَرُ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بَيْعَهُ ثُمَّ لَعَلَّ الْبَائِعَ الْآخَرَ يَخْتَارُ نَقْضَ الْبَيْعِ فَيُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ بَيْعَهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): لَا أَنْهَى رَجُلَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَا بَعْدَمَا يَتَفَرَّقَانِ عَنْ مَكَانِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ أَيُّ الْمُتَبَايِعَيْنِ شَاءَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بَيْعًا عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ فَيُنْهَى عَنْهُ. (قَالَ): وَهَذَا يُوَافِقُ حَدِيثَ «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» لِمَا وَصَفْت فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ عَصَى إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ فِيهِ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَا يَفْسُدُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَكَيْفَ لَا يَفْسُدُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ؟ قِيلَ: بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْبَيْعُ يَفْسُدُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَ الْآخَرَ فَيَتْرُكَ بِهِ الْأَوَّلَ بَلْ كَانَ يَنْفَعُ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُفْسِدُ عَلَى كُلِّ بَيْعٍ بَيْعَهُ كَانَ أَرْغَبَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ إذَا لَمْ يَتَفَرَّقْ الْمُتَبَايِعَانِ عَنْ مَقَامِهِمَا لَازِمًا بِالْكَلَامِ كَلُزُومِهِ لَوْ تَفَرَّقَا مَا كَانَ الْبَيْعُ الْآخَرُ يَضُرُّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ أَوْ رَأَيْت لَوْ تَفَرَّقَا ثُمَّ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ هَلْ يَضُرُّ الْأَوَّلَ شَيْئًا أَوْ يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ الْآخَرِ أَنْ يَبِيعَهُ رَجُلٌ سِلْعَةً قَدْ اشْتَرَى مِثْلَهَا وَلَزِمَتْهُ هَذَا لَا يَضُرُّهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُنْهَى عَنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ الرَّجُلِ إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَأَمَّا غَيْرُ تِلْكَ الْحَالِ فَلَا. بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): لَيْسَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَيَانُ مَعْنًى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَ نَهَى عَنْهُ إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ يَقْدُمُونَ جَاهِلِينَ بِالْأَسْوَاقِ وَبِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى مَا قَدِمُوا بِهِ وَمُسْتَثْقِلِينَ الْمُقَامَ فَيَكُونُ أَدْنَى مِنْ أَنْ يَرْتَخِصَ الْمُشْتَرُونَ سِلَعَهُمْ فَإِذَا تَوَلَّى أَهْلُ الْقَرْيَةِ لَهُمْ الْبَيْعَ ذَهَبَ هَذَا الْمَعْنَى فَلَمْ يَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي الْمَقَامِ شَيْءٌ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَهُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيُرَخِّصُونَ لَهُمْ سِلَعَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْغُرَّةُ بِمَوْضِعِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَى مَا يَبِيعُ النَّاسُ مِنْ سِلَعِهِمْ وَلَا بِالْأَسْوَاقِ فَيُرَخِّصُونَهَا لَهُمْ فَنُهُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يَكُونُوا سَبَبًا لِقَطْعِ مَا يُرْجَى مِنْ رِزْقِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِمَا وَصَفْت مِنْ ارْتِخَاصِهِ مِنْهُمْ فَأَيُّ حَاضِرٍ بَاعَ لِبَادٍ فَهُوَ عَاصٍ إذَا عَلِمَ الْحَدِيثَ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ غَيْرُ مَفْسُوخٍ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ يَكُونُ مَفْسُوخًا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي إلَّا الضَّرَرُ عَلَى الْبَادِي مِنْ أَنْ تُحْبَسَ سِلْعَتُهُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ غَيْرِهِ حَتَّى يَلِيَ هُوَ أَوْ بَادٍ مِثْلُهُ بَيْعَهَا فَيَكُونُ كَمُكْسِدٍ لَهَا وَأَحْرَى أَنْ يُرْزَقَ مُشْتَرِيهِ مِنْهُ بِارْتِخَاصِهِ إيَّاهَا بِإِكْسَادِهَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَدِّ الْبَيْعِ وَغُرَّةِ الْبَادِي الْآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ هَهُنَا مَعْنًى يُخَافُ يَمْتَنِعُ فِيهِ أَنْ يُرْزَقَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ بَعْضٍ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا مَا قُلْت مِنْ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي جَائِزٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَالْحَاضِرُ مُنْهًى عَنْهُ. بَابُ تَلَقِّي السِّلَعِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَدْ سَمِعْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمَنْ تَلَقَّاهَا

стр. 44

فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَقْدَمَ السُّوقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَا نَأْخُذُ إنْ كَانَ ثَابِتًا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَلَقَّى السِّلْعَةَ فَاشْتَرَاهَا فَالْبَيْعُ جَائِزٌ غَيْرَ أَنَّ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْدَمَ السُّوقَ الْخِيَارَ؛ لِأَنَّ تَلَقِّيهَا حِينَ يَشْتَرِي مِنْ الْبَدَوِيِّ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ الْمُسَاوِمِينَ مِنْ الْغَرَرِ لَهُ بِوَجْهِ النَّقْصِ مِنْ الثَّمَنِ فَإِذَا قَدِمَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إنْفَاذِ الْبَيْعِ وَرَدِّهِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُتَلَقِّي لِأَنَّهُ هُوَ الْغَارُّ لَا الْمَغْرُورُ. بَابُ عَطِيَّةِ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يُحَدِّثَانِهِ عَنْ «النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْت مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَارْجِعْهُ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَدْ سَمِعْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أَلَيْسَ يَسُرُّك أَنْ يَكُونُوا فِي الْبِرِّ إلَيْك سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ فَارْجِعْهُ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ إلَّا الْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ ثَابِتٌ وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا حُسْنُ الْأَدَبِ فِي أَنْ لَا يُفَضِّلَ رَجُلٌ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي نِحَلٍ فَيَعْرِضُ فِي قَلْبِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَمْنَعُهُ مِنْ بِرِّهِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ قُلُوبِ الْآدَمِيِّينَ جُبِلَ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَنْ بَعْضِ الْبِرِّ إذَا أُوثِرَ عَلَيْهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ نَحْلَ الْوَالِدِ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَا يَجُوزُ كَانَ يُقَالُ إعْطَاؤُك إيَّاهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِك الْأَوَّلِ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يُقَالَ ارْجِعْهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ فَارْجِعْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَالِدِ رَدَّ مَا أَعْطَى الْوَلَدَ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِارْتِجَاعِهِ مِنْهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ " أَشْهِدْ غَيْرِي " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَسَوَاءٌ أَدَانَ الْوَلَدُ أَوْ تَزَوَّجَ رَغْبَةً فِيمَا أَعْطَاهُ أَبُوهُ أَوْ لَمْ يُدَنْ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لَهُ مَتَى شَاءَ قَالَ: وَقَدْ حَمِدَ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ وَالطَّعَامِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَأَمَرَ بِهِمَا فَقَالَ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ وَقَالَ ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا﴾ وَقَالَ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ وَقَالَ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ وَقَالَ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فَإِذَا جَازَ هَذَا لِلْأَجْنَبِيِّينَ وَذَوِي الْقُرْبَى فَلَا أَقْرَبَ مِنْ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْطَى مَالَهُ ذَا قَرَابَتِهِ غَيْرَ وَلَدِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا فَقَدْ مَنَعَهُ وَلَدَهُ وَقَطَعَ مِلْكَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ مَحْمُودًا عَلَى هَذَا كَانَ مَحْمُودًا أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ وَمَنْعَ بَعْضِهِمْ مَا أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ أَقَلَّ مِنْ مَنْعِهِمْ كُلِّهِمْ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ لِئَلَّا يُقَصِّرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي بِرِّهِ فَإِنَّ الْقَرَابَةَ تُنَفِّسُ بَعْضُهَا بَعْضًا مَا لَمْ تُنَفِّسْ الْعِبَادَةُ قَالَ الرَّبِيعُ " يُرِيدُ الْبُعَدَاءَ وَقَدْ فَضَّلَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ بِنَخْلٍ وَفَضَّلَ عُمَرُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَفَضَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَلَدَ أُمِّ كُلْثُومٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَوْ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ لَزَعَمْت أَنَّ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِمَنْ يَسْتَثِيبُهُ مِثْلُهُ أَوْ لَا يَسْتَثِيبُهُ وَقُبِضَتْ الْهِبَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 45

بَابُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتهَا، وَيَكُونُ وَلَاؤُك لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ، فَقَالَتْ إنِّي عَرَضْت ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةُ شَرْطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَحَدِيثُ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ وَأَحْسِبُهُ غَلِطَ فِي قَوْلِهِ: «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» وَأَحْسَبُ حَدِيثَ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ شَرَطَتْ لَهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ، وَهِيَ تَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ فَأَعْلَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ أَعْتَقَتْهَا فَالْوَلَاءُ لَهَا، وَقَالَ «لَا يَمْنَعُك مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنْ شَرْطِك» وَلَا أَرَى أَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ لَهُمْ مَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَقَدْ ذَهَبَ فِيهِ قَوْمٌ مَذَاهِبَ سَأَذْكُرُ مَا حَضَرَنِي حِفْظُهُ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ قُلْت نَعَمْ فِي حَالَيْنِ قَالَ وَمَا هُمَا؟ قُلْت: أَنْ يَحِلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَيَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُقِدَتْ لَهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْأَدَاءِ فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ فَفِي نَفْسِ الْكِتَابَةِ أَنَّ لِلْمَوْلَى بَيْعَهُ لِأَنَّهُ إذَا عَقَدَهَا عَلَى شَيْءٍ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ كَانَ الْعَبْدُ بِحَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَاتِبَهُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمْت بِهَذَا فَمَا الْحَالُ الثَّانِيَةُ؟ قُلْت: أَنْ يَرْضَى الْمُكَاتَبُ بِالْبَيْعِ وَالْعَجْزِ مِنْ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نَجْمٌ قَالَ فَأَيْنَ هَذَا؟ قُلْت أَفَلَيْسَ فِي الْمُكَاتَبِ شَرْطَانِ إلَى السَّيِّدِ بَيْعُهُ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ إذَا لَمْ يُوَفِّهِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: وَالشَّرْطُ الثَّانِي لِلْعَبْدِ مَا أَدَّى لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ، قَالَ أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ فَلَمْ يَكْفِ بِالْكِتَابَةِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): قُلْت وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ بِالْكِتَابَةِ هَلْ الْكِتَابَةُ إلَّا شَرْطٌ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت أَرَأَيْت مَنْ كَانَ لَهُ شَرْطٌ فَتَرَكَهُ أَلَيْسَ يَنْفَسِخُ شَرْطُهُ؟ قَالَ: أَمَّا مِنْ الْأَحْرَارِ فَبَلَى قُلْت فَلِمَ لَا يَكُونُ هَذَا فِي الْعَبْدِ؟ قَالَ الْعَبْدُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَعَفَاهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ قُلْت فَإِنْ عَفَاهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؟ قَالَ: تَجُوزُ قُلْت أَفَلَيْسَ قَدْ اجْتَمَعَ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ عَلَى الرِّضَا بِتَرْكِ شَرْطِهِ فِي الْكِتَابَةِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: وَلَوْ اجْتَمَعَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ الْمَكَاتِبُ عَبْدَهُ أَوْ يَهَبَ مَالَهُ جَازَ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت فَلِمَ لَا يَجُوزُ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى إبْطَالِ الْكِتَابَةِ أَنْ يُبْطِلَاهَا؟ قَالَ: وَقُلْت لَهُ ذَهَابُ بَرِيرَةَ إلَى أَهْلِهَا مُسَاوِمَةً بِنَفْسِهَا لِعَائِشَةَ وَرُجُوعُهَا إلَى عَائِشَةَ بِجَوَابِ أَهْلِهَا بِأَنْ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا وَرُجُوعُهَا بِقَبُولِ عَائِشَةَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا بِأَنْ تُبَاعَ وَرِضَا الَّذِي يُكَاتِبُهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُشْتَرَى إلَّا مِمَّنْ كَاتَبَهَا؟ قَالَ: أَجَلْ فَقُلْت فَقَدْ كَانَ فِي هَذَا مَا يَكْفِيك مِمَّا سَأَلْت عَنْهُ قَالَ: فَإِنْ قُلْت فَلَعَلَّهَا عَجَزَتْ قُلْت أَفَتَرَى مَنْ اسْتَعَانَ كِتَابَتَهُ مُعْجِزًا قَالَ: لَا، قُلْت: فَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْجِزْ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ فَلَمْ يُعْجِزْهَا سَيِّدُهَا، قَالَ فَلَعَلَّ لِأَهْلِهَا بَيْعُهَا قُلْت: بِغَيْرِ رِضَاهَا؟ قَالَ: لَعَلَّ ذَلِكَ قُلْت أَفَتَرَاهَا رَاضِيَةً إذَا كَانَتْ مُسَاوِمَةً بِنَفْسِهَا وَرَسُولًا لِأَهْلِهَا وَإِلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ تَوَهُّمُك أَنَّهُمْ بَاعُوهَا بِغَيْرِ رِضًا وَتَعْلَمَ أَنَّ مَنْ لَقِينَا مِنْ

стр. 46

الْمُفْتِينَ إذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنْ لَا يُبَاعَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يَعْجِزَ أَوْ يَرْضَى بِالْبَيْعِ لَا يَجْهَلُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَمِلًا مَعْنَيَيْنِ كَانَ أَوْلَاهُمَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَوَامُّ الْفُقَهَاءِ مَعَ أَنَّهُ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ كَمَا وَصَفْت أَنْ لَمْ تُبَعْ إلَّا بِرِضَاهَا؟ قَالَ أَجَلْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: فَمَا مَعْنَى إبْطَالِ النَّبِيِّ شَرْطَ عَائِشَةَ لِأَهْلِ بَرِيرَةَ؟ قُلْت إنَّا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَقَالَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ الْآيَةُ وَأَنَّهُ نَسَبَهُمْ إلَى مَوَالِيهِمْ كَمَا نَسَبَهُمْ إلَى آبَائِهِمْ وَكَمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَوَّلُوا عَنْ آبَائِهِمْ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَوَّلُوا عَنْ مَوَالِيهِمْ وَمَوَالِيهِمْ الَّذِينَ وَلُوا مِنَّتَهُمْ وَقَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» «وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ»، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» فَلَمَّا بَلَغَهُمْ هَذَا كَانَ مَنْ اشْتَرَطَ خِلَافَ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَاصِيًا وَكَانَتْ فِي الْمَعَاصِي حُدُودٌ وَآدَابٌ وَكَانَ مِنْ آدَابِ الْعَاصِينَ أَنْ تُعَطَّلَ عَلَيْهِمْ شُرُوطُهُمْ لِيَنْكُلُوا عَنْ مِثْلِهَا وَيَنْكُلَ بِهَا غَيْرُهُمْ وَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَدَبِ. بَابُ الضَّحَايَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ». قَالَ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ «أَنَّ عُوَيْمِرٌ بْنَ أَشْقَرَ ذَبَحَ أُضْحِيَّةً قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى» قَالَ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ لَا أَجِدُ إلَّا جَذَعًا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إلَّا جَذَعًا فَاذْبَحْهُ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ وَاجِبَةٌ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ إنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ تُجْزِيهِ فَيَكُونُ فِي عِدَادِ مَنْ ضَحَّى، قَالَ وَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا وَهِيَ سُنَّةٌ يَجِبُ لُزُومُهَا وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لَا عَلَى إيجَابِهَا فَإِنْ قِيلَ فَأَيْنَ السُّنَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسُّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ وَلَوْ كَانَتْ الضَّحِيَّةُ وَاجِبَةً أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ فَلَا يَمَسُّ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ وَنَأْمُرُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ اتِّبَاعًا وَاخْتِيَارًا» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَا وَاجِبٌ؟ قِيلَ لَهُ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أُبَيٍّ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يُحْرِمُ بِالْبَعْثَةِ بِهَدْيِهِ يَقُولُ الْبَعْثَةُ بِالْهَدْيِ أَكْبَرُ مِنْ إرَادَةِ الضَّحِيَّةِ. بَابُ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي يُوجَدُ عَلَى مَا يُوجَدُ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ وَمَسْحِهِمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): نَحْنُ نَقْرَأُ آيَةَ الْوُضُوءِ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بِنَصْبِ أَرْجُلِكُمْ عَلَى مَعْنَى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَامْسَحُوا

стр. 47

بِرُءُوسِكُمْ وَعَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا دَلَالَةُ السُّنَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: وَالْكَعْبَانِ اللَّذَانِ أَمَرَ بِغُسْلِهِمَا مَا أَشْرَفَ مِنْ مَجْمَعِ مِفْصَلِ السَّاقِ، وَالْقَدَمِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَا أَشْرَفَ وَاجْتَمَعَ كَعْبًا حَتَّى تَقُولَ كَعْبٌ سَمِنَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَذَهَبَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وَأَنَّ الْمَرَافِقَ وَالْكَعْبَيْنِ مِمَّا يُغْسَلُ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ سَالِمٍ سبلان مَوْلَى النَّضْرِيِّينَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ إلَى مَكَّةَ فَكَانَتْ تَخْرُجُ بِأَبِي حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا قَالَ فَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِوُضُوءٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَلَا يُجْزِئُ مُتَوَضِّئًا إلَّا أَنْ يَغْسِلَ ظُهُورَ قَدَمَيْهِ وَبُطُونَهُمَا وَأَعْقَابَهُمَا وَكَعْبَيْهِ مَعًا (قَالَ): وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَسَحَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ» وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَشَّ عَلَى ظُهُورِهِمَا» وَأَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ وَجْهٍ صَالِحُ الْإِسْنَادِ قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ لَا يُجْزِئُ مَسْحُ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ أَوْ رَشُّهُمَا وَلَا يَكُونُ مُضَادًّا لِحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ كَمَا أَجْزَأَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مُضَادًّا لِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ؟ قِيلَ لَهُ الْخُفَّانِ حَائِلَانِ دُونَ الْقَدَمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا يُضَادُّ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ وَهُوَ غَيْرُهُمَا وَاَلَّذِي قَالَ مَسَحَ أَوْ رَشَّ ظُهُورَ الْقَدَمَيْنِ فَقَدْ زَعَمَ أَنْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ غَسْلُ بَطْنِ الْقَدَمَيْنِ وَلَا تَخْلِيلٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا وَلَا غَسْلُ أَصَابِعِهِمَا وَلَا غَسْلُ عَقِبَيْهِ وَلَا كَعْبَيْهِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ»، وَقَالَ «وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ» وَلَا يُقَالُ وَيْلٌ لَهُمَا مِنْ النَّارِ إلَّا وَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ لِأَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَعْمَى يَتَوَضَّأُ بَطْنَ الْقَدَمِ بَطْنَ الْقَدَمِ» فَجَعَلَ الْأَعْمَى يَغْسِلُ بَطْنَ الْقَدَمِ وَلَا يَسْمَعُ النَّبِيَّ فَسُمِّيَ الْبَصِيرَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ مَسْحِ ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ وَرَشِّهِمَا؟ قِيلَ: أَمَّا أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ فَلَيْسَ مِمَّا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَوْ انْفَرَدَ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَحَسَنُ الْإِسْنَادِ وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ثَبَتَ وَاَلَّذِي يُخَالِفُهُ أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ أَوْلَى وَمَعَ الَّذِي خَالَفَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ كَمَا وَصَفْت وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْعَامَّةِ. بَابُ الْإِسْفَارِ وَالتَّغْلِيسِ بِالْفَجْرِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أَسْفِرُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ» أَوْ قَالَ لِلْأَجْرِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ وَهُنَّ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى أَهْلِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ قَالَ وَرَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ مَا يُوَافِقُ هَذَا وَرَوَى مِثْلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقُلْنَا إذَا انْقَطَعَ الشَّكُّ فِي الْفَجْرِ الْآخَرِ وَبَانَ مُعْتَرِضًا فَالتَّغْلِيسُ بِالصُّبْحِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ وَرُوِيَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذْنَا بِأَحَدِهِمَا وَذَكَرَ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَقَالَ أَخَذْنَا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ قَالَ وَقَالَ لِي أَرَأَيْت إنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فَلِمَ صِرْت إلَى التَّغْلِيسِ؟ قُلْت: لِأَنَّ التَّغْلِيسَ أَوْلَاهُمَا بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ وَأَثْبَتُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَشْبَهُهُمَا بِحَمْلِ سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْرَفُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ فَاذْكُرْ ذَلِكَ قُلْت قَالَ اللَّهُ

стр. 48

تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَذَهَبْنَا إلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ وَكَانَ أَقَلُّ مَا فِي الصُّبْحِ إنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَنْ تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ فَلِمَا دَلَّتْ السُّنَّةُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنَّ الْفَجْرَ إذَا بَانَ مُعْتَرِضًا فَقَدْ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ عَلِمْنَا أَنَّ مُؤَدِّيَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنْ مُؤَخِّرِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ» «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» وَرَسُولُ اللَّهِ لَا يُؤْثِرُ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَلَا عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ شَيْئًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي امْرِئٍ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ يَتَعَجَّلُهُ مُبَادَرَةً مَا لَا يَخْلُو مِنْهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ النِّسْيَانِ وَالشُّغْلِ وَمُقَدَّمُ الصَّلَاةِ أَشَدُّ فِيهَا تَمَكُّنًا مِنْ مُؤَخَّرِهَا وَكَانَتْ الصَّلَاةُ الْمُقَدَّمَةُ مِنْ أَعْلَى أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ وَأُمِرْنَا بِالتَّغْلِيسِ بِهَا لِمَا وَصَفْنَا قَالَ فَأَبِنْ أَنَّ حَدِيثَك الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ أَثْبَتُهُمَا قُلْت حَدِيثُ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَثَالِثٍ مَعَهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّغْلِيسِ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَحْدَهُ فِي أَمْرِهِ بِالْإِسْفَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَا يَأْمُرُ بِأَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي وَقْتٍ وَيُصَلِّيَهَا فِي غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَأَثْبَتُ الْحُجَجِ وَأَوْلَاهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ» وَقَوْلِهِ إذْ «سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» قَالَ فَقَالَ فَيُخَالِفُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثَكُمْ فِي التَّغْلِيسِ قُلْت إنْ خَالَفَهُ فَالْحُجَّةُ فِي أَخْذِنَا بِحَدِيثِنَا مَا وَصَفْت وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَمَرَنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَإِنَّهُ رِضْوَانُ اللَّهِ» فَلَعَلَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ سَمِعَهُ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَجْرَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُسْفِرُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ الْآخَرُ فَلَا يَكُونُ مَعْنَى حَدِيثِ رَافِعٍ مَا أَرَدْت مِنْ الْإِسْفَارِ وَلَا يَكُونُ حَدِيثُهُ مُخَالِفًا حَدِيثَنَا قَالَ فَمَا ظَاهِرُ حَدِيثِ رَافِعٍ؟ قُلْت الْأَمْرُ بِالْإِسْفَارِ لَا بِالتَّغْلِيسِ وَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَحَادِيثِ كَانَ أَوْلَى بِنَا أَنْ لَا نَنْسُبَهُ إلَى الِاخْتِلَافِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فَالْحُجَّةُ فِي تَرْكِنَا إيَّاهُ بِحَدِيثِنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَا وَصَفْت مِنْ الدَّلَائِلِ مَعَهُ. بَابُ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنِي وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ» قَالَ وَائِلٌ ثُمَّ أَتَيْتهمْ فِي الشِّتَاءِ فَرَأَيْتهمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْبَرَانِسِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَدَّقُوهُ مَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀: وَبِهَذَا نَقُولُ فَنَقُولُ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَهُمَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ غَيْرَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀: وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَرَكْنَا مَا خَالَفَهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): لِأَنَّهَا أَثْبَتُ إسْنَادًا مِنْهُ وَأَنَّهَا عَدَدٌ وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الْوَاحِدِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّا نَرَاهُ رَأَى الْمُصَلِّيَ يُرْخِي يَدَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ رَفْعَهُمَا فَلَوْ كَانَ رَفَعَهُمَا مَدًّا احْتَمَلَ مَدًّا حَتَّى الْمَنْكِبَيْنِ وَاحْتَمَلَ مَا يُجَاوِزُهُ وَيُجَاوِزُ الرَّأْسَ وَرَفَعَهُمَا وَلَا يُجَاوِزُ الْمَنْكِبَيْنِ وَهَذَا حَذْوٌ حَتَّى يُحَازِيَ مَنْكِبَيْهِ وَحَدِيثُنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَثْبَتُ إسْنَادًا وَمَعَهُ عَدَدٌ يُوَافِقُونَهُ وَيُحَدِّدُونَهُ تَحْدِيدًا لَا يُشْبِهُ الْغَلَطَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ أَفَيَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَنْكِبَيْنِ؟ قِيلَ لَا يُنْقِصُ الصَّلَاةَ وَلَا يُوجِبُ سَهْوًا وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمَنْكِبَيْنِ

стр. 49

بَابُ الْخِلَافِ فِيهِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ الْمُصَلِّي رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ أُذُنَيْهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ يَرْفَعُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ» قَالَ سُفْيَانُ ثُمَّ قَدِمْت الْكُوفَةَ فَلَقِيت يَزِيدَ بِهَا فَسَمِعْته يُحَدِّثُ بِهَذَا وَزَادَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فَظَنَنْت أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا سَمِعْت يَزِيدَ يُحَدِّثُهُ هَكَذَا وَيَزِيدُ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُ قَالَ: وَذَهَبَ سُفْيَانُ إلَى أَنْ يُغَلِّطَ يَزِيدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقُولَ كَأَنَّهُ لُقِّنَ هَذَا الْحَرْفَ الْآخَرَ فَلَقَّنَهُ وَلَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ يَرَى يَزِيدَ بِالْحَافِظِ لِذَلِكَ قَالَ فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَمْ حَدِيثُ يَزِيدَ؟ قَالَ بَلْ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ قُلْت فَمَعَ الزُّهْرِيِّ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْهُمْ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ كُلُّهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا وَصَفْت وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا أَوْلَى أَنْ تُثْبَتَ مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَمِنْ أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِك إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا إلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَمَعَك حَدِيثٌ يُكَافِئُهُ فِي الصِّحَّةِ فَكَانَ فِي حَدِيثِك أَنْ لَا يَعُودَ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَفِي حَدِيثِنَا يَعُودُ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ كَانَ حَدِيثُنَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ حِفْظٍ مَا لَمْ يَحْفَظْ صَاحِبُ حَدِيثَك فَكَيْفَ صِرْت إلَى حَدِيثِك وَتَرَكْت حَدِيثَنَا وَالْحُجَّةُ لَنَا فِيهِ عَلَيْك بِهَذَا وَبِأَنَّ إسْنَادَ حَدِيثِك لَيْسَ كَإِسْنَادِ حَدِيثِنَا بِأَنَّ أَهْلَ الْحِفْظِ يَرَوْنَ أَنَّ يَزِيدَ لَقَّنَ ثُمَّ لَا يَعُودُ قَالَ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنْكَرَ حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَقَالَ أَتَرَى وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَعْلَمَ مِنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْت: وَرَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا رَوَيَا عَنْ النَّبِيِّ خِلَافَ مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: لَا وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ رَوَيَاهُ أَوْ فَعَلَاهُ؟ قُلْت: أَفَرَوَى هَذَا إبْرَاهِيمُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ نَصًّا؟ قَالَ: لَا قُلْت فَخَفِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ شَيْءٌ رَوَاهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ أَوْ فَعَلَاهُ؟ قَالَ مَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ قُلْت فَتَدْرِي لَعَلَّهُمَا قَدْ فَعَلَاهُ فَخَفِيَ عَنْهُ أَوْ رَوَيَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْهُ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيُمْكِنُ قُلْت أَفَرَأَيْت جَمِيعَ مَا رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ بِهِ فَأَحَلَّ بِهِ وَحَرَّمَ؟ أَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَلِمَ احْتَجَجْت بِأَنَّهُ ذَكَرَ عَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ وَقَدْ يَأْخُذُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ غَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَأْتِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمِنْ قَوْلِنَا وَقَوْلِك: إنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إذْ كَانَ ثَمَّةَ لَوْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ شَيْئًا فَقَالَ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَى كَانَ الَّذِي قَالَ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ مِنْ الَّذِي قَالَ لَمْ يَكُنْ وَأَصْلُ قَوْلِنَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ لَوْ رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فَيَكُونُ ثِقَةً لَلَقِيَهُمَا ثُمَّ أَرَدْت إبْطَالَ مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ عَنْ النَّبِيِّ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ إبْرَاهِيمُ فِيهِ قَوْلَ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَلَعَلَّهُ عَلِمَهُ قُلْت وَلَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك فِيهِ حُجَّةٌ بِأَنْ رَوَاهُ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ أَنْ تُوهِمَ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَا أَنْ يَقُولَ هُوَ رَوَيْته جَازَ لَنَا أَنْ نَتَوَهَّمَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ عَلِمَ فِيهِ مَا لَمْ يَقُلْ لَنَا عَلِمْنَا وَلَوْ رَوَى عَنْهُمَا خِلَافَهُ لِمَ عِنْدَك فِيهِ حُجَّةٌ، فَقَالَ وَائِلٌ أَعْرَابِيٌّ فَقُلْت: أَفَرَأَيْت فرثعا الضَّبَّيَّ وَقَزْعَةَ وَسَهْمَ بْنَ مِنْجَابٍ حِينَ رَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ أَهُمْ أَوْلَى أَنْ يُرْوَى عَنْهُمْ أَمْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَكُمْ بِالصَّحَابَةِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِيمَا زَعَمْتُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَكُمْ بِحَدِيثٍ وَلَا شَيْءَ؟ قَالَ: بَلْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قُلْت فَكَيْفَ تَرُدُّ حَدِيثَ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَرْوِي عَمَّنْ دُونَهُ وَنَحْنُ إنَّمَا قُلْنَا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ عَدَدٍ لَعَلَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا قَطُّ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُمْ غَيْرُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَوَائِلٌ أَهْلٌ أَنْ يَقْبَلَ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقِيلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا إنَّهُ لَمَرْوِيٌّ

стр. 50

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الِافْتِتَاحِ وَعِنْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَمَا هُوَ بِالْمَعْمُولِ بِهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ النَّاسَ كَانُوا إذَا نَامُوا مِنْ اللَّيْلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يُجَامِعُوا حَتَّى نَزَلَتْ الرُّخْصَةُ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا وَجَامَعُوا إلَى الْفَجْرِ فَأَمَّا قَوْلُهُ: لَيْسَ بِالْمَعْمُولِ بِهِ فَقَدْ أَعْيَانَا أَنْ نَجِدَ عِنْدَ أَحَدٍ عِلْمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَلِمُوا بِالْحَدِيثِ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِذَا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ سَقَطَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَرْوِي أَنَّ النَّبِيَّ فَعَلَهُ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ وَلَا يُرْوَى عَنْ أَحَدٍ يُسَمِّيهِ أَنَّهُ تَرَكَهُ فَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ أَعْلَمْهُمْ خَلَقُوا ثُمَّ يُحْتَجُّ بِتَرْكِهِمْ الْعَمَلَ وَغَفْلَتِهِمْ، فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي النَّاسِ: كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى أُرْخِصَ لَهُمْ أَنَّ أَشْيَاءَ قَدْ كَانَتْ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَذَلِكَ كَمَا قَالَ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَا نَسَخَهَا وَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ مَنْسُوخٌ بِلَا خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: فَأَيْنَ الْخَبَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَفَعَ الْيَدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَإِنْ قَالَ: فَلَعَلَّهُ كَانَ وَلَمْ يُحْفَظْ قِيلَ أَفَيَجُوزُ فِي كُلِّ خَبَرٍ رَوَيْته عَنْ النَّبِيِّ أَنْ يُقَالَ قَدْ كَانَ هَذَا وَلَعَلَّهُ مَنْسُوخٌ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا أَهْلُ الْجَهَالَةِ السُّنَنَ بِ " لَعَلَّهُ " (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَإِنْ كَانَ تَرْكُك أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا وَصَفْت مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الضَّعِيفِ فَكَيْفَ لَنَا وَلَامُوا مَنْ تَرَكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ يَعْتَلُّونَ فِي تَرْكِهَا بِأَحْسَنَ وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الضَّعِيفِ. بَابُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ حُصَيْنٍ أَظُنُّهُ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ سَمِعَ ابْنَ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ أَخَذَ بِيَدَيَّ زِيَادُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ فَوَقَفَ بِي عَلَى شَيْخٍ بِالرَّقَّةِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي هَذَا الشَّيْخُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَدْ سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينَ يُدْخِلُ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَوَابِصَةَ فِيهِ رَجُلًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ هِلَالٍ عَنْ وَابِصَةَ سَمِعَهُ مِنْهُ وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ يُوهِنُهُ بِمَا وَصَفْت وَسَمِعْت مَنْ يَرْوِي بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ أَنَّهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» فَكَأَنَّهُ أَحَبَّ لَهُ الدُّخُولَ فِي الصَّفِّ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الْعَجَلَةَ بِالرُّكُوعِ حَتَّى يَلْحَقَ بِالصَّفِّ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى رُكُوعَهُ مُنْفَرِدًا مُجْزِئًا عَنْهُ، وَمِنْ حَدِيثِنَا حَدِيثُ ثَابِتٍ أَنَّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الْإِمَامِ تُجْزِئُهُ فَلَوْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ وَابِصَةَ كَانَ حَدِيثُنَا أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ لِأَنَّ مَعَهُ الْقِيَاسَ، وَقَوْلَ الْعَامَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا الْقِيَاسُ وَقَوْلُ الْعَامَّةِ؟ قِيلَ أَرَأَيْت صَلَاةَ الرَّجُلِ مُنْفَرِدًا أَتُجْزِئُ عَنْهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قُلْت وَصَلَاةُ الْإِمَامِ أَمَامَ الصَّفِّ وَهُوَ فِي صَلَاةِ جَمَاعَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ فَهَلْ يَعْدُو الْمُنْفَرِدُ خَلْفَ الْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ كَالْإِمَامِ الْمُنْفَرِدِ أَمَامَهُ أَوْ يَكُونَ كَرَجُلٍ مُنْفَرِدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا؟ فَإِنْ قِيلَ فَهَكَذَا سُنَّةُ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ قِيلَ فَسُنَّةُ مَوْقِفِهِمَا تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي الِانْفِرَادِ شَيْءٌ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَإِنْ قَالَ بِالْحَدِيثِ فِيهِ قِيلَ فِي الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قِيلَ فَاذْكُرْ حَدِيثَك قِيلَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ النَّبِيَّ إلَى طَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ قُومُوا فَلَأُصَلِّيَ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِالْمَاءِ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيمٌ لَنَا خَلْفَ النَّبِيِّ فِي بَيْتِنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ خَلْفَنَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَأَنَسٌ يَحْكِي أَنَّ امْرَأَةً صَلَّتْ مُنْفَرِدَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ فَإِذَا أَجْزَأَتْ الْمَرْأَةَ صَلَاتُهَا مَعَ الْإِمَامِ مُنْفَرِدَةً أَجْزَأَ الرَّجُلَ صَلَاتُهُ مَعَ الْإِمَامِ مُنْفَرِدًا كَمَا تُجْزِئُهَا هِيَ صَلَاتُهَا.

стр. 51

بَابُ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي يُوجَدُ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الْآيَةَ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَ الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ «عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وَجَاهَ الْعَدُوِّ وَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وَجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ عَنْ حَفْصٍ يَذْكُرُ عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَأَخَذْنَا بِهَذَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ جِهَتَهَا غَيْرَ مَأْمُونِينَ لِثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ شَيْئًا يُخَالِفُ فِيهِ هَذِهِ الصَّلَاةَ رَوَى «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَ النَّبِيِّ وَطَائِفَةً وَجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ اسْتَأْخَرُوا وَلَمْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَصَلُّوا مَعَهُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَتْ وَقَامَتْ الطَّائِفَتَانِ مَعًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ أَخَذْت بِحَدِيثِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ دُونَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؟ قِيلَ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مُوَافَقَةُ الْقُرْآنِ وَأَنَّ مَعْقُولًا فِيهِ أَنَّهُ عَدَلَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَحْرَى أَنْ لَا يُصِيبَ الْمُشْرِكُونَ غِرَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ قَالَ فَأَيْنَ مُوَافَقَةُ الْقُرْآنِ؟ قُلْت: قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إلَى وَأَسْلِحَتَهُمْ الْآيَةَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَذَكَرَ اللَّهُ صَلَاةَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى مَعَهُ قَالَ فَإِذَا سَجَدُوا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إذَا سَجَدُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ السُّجُودِ كُلِّهِ كَانُوا مِنْ وَرَائِهِمْ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى مَا احْتَمَلَ الْقُرْآنُ مِنْ هَذَا فَكَانَ أَوْلَى مَعَانِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ اللَّهُ خُرُوجَ الْإِمَامِ بِالطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ قَضَاءً وَهَكَذَا حَدِيثُ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: وَلَمَّا كَانَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى مَأْمُورَةً بِالْوُقُوفِ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْوَاقِفَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَرَى مِنْ حَرَكَةِ الْعَدُوِّ وَإِرَادَتِهِ وَمَدَدًا إذَا جَاءَهُ فَيَفْهَمُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ وَالْمُصَلُّونَ فَيُخَفِّفُ أَوْ يَقْطَعُ أَوْ يُعْلِمُونَهُ أَنَّ حَرَكَتَهُمْ حَرَكَةٌ لَا خَوْفَ فِيهَا عَلَيْهِمْ فَيُقِيمُ عَلَى صَلَاتِهِ مُطِيلًا لَا مُعَجِّلًا وَتُخَالِفُهُمْ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَائِهِمْ أَوْ بَعْضُهَا وَهِيَ غَيْرُ صَلَاةٍ وَالْحَارِسُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَقْوَى مِنْ الْحَارِسِ مُصَلِّيًا فَكَانَ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى إذَا حَرَسَتْ الْأُولَى إذْ صَارَتْ مُصَلِّيَةً وَالْحَارِسَةُ غَيْرُ مُصَلِّيَةٍ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى قَدْ أَخَذَتْ مِنْ الْآخِرَةِ مَا لَمْ تُعْطِهَا وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُخَالِفُ حَدِيثَ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ تَكُونُ فِيهِ الطَّائِفَتَانِ مَعًا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ لَيْسَ لَهُمَا حَارِسٌ إلَّا الْإِمَامُ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بِحِرَاسَةِ الْأُخْرَى وَالطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةُ لَا الْإِمَامُ الْوَاحِدُ قَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُصِيبَ الْمُشْرِكُونَ غِرَّةً مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، وَحَدِيثُ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ كَمَا وَصَفْنَا أَقْوَى مِنْ الْمَكِيدَةِ، وَأَحْسَنُ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي يُخَالِفُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَبِهَذِهِ الدَّلَائِلِ قُلْنَا بِحَدِيثِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِثْلَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا وَبِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» فَكَانَتْ لِلْإِمَامِ رَكْعَتَانِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ رَكْعَةٌ وَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مِنْ عَدَدِ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا عَلَى الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْفَرْضِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّاسِ وَاحِدٌ فِي الْعَدَدِ وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا مِثْلُهُ لِشَيْءٍ فِي بَعْضِ إسْنَادِهِ قَالَ وَرُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَحَادِيثُ لَا تُضَادُّ حَدِيثَ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ وَذَلِكَ أَنَّ جَابِرًا رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 52

صَلَّى بِبَطْنِ نَخْلٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ جَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَهَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ مَحْرُوسَتَانِ» فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ هَكَذَا أَجْزَأَ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَدْ رَوَى أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ «أَنَّ الْعَدُوَّ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ فَصَلَّى النَّبِيُّ بِالطَّائِفَتَيْنِ مَعًا بِعُسْفَانَ فَرَكَعَ وَرَكَعُوا ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ وَقَامَتْ طَائِفَةٌ تَحْرُسُهُ فَلَمَّا قَامَ سَجَدَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ» وَهَكَذَا نَقُولُ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ كَانُوا كَثِيرًا وَالْعَدُوَّ قَلِيلٌ لَا حَائِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ يَخَافُ حَمْلَتَهُمْ فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا صَلَّيْت صَلَاةَ الْخَوْفِ هَكَذَا وَلَيْسَ هَذَا مُضَادًّا لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَخَذْنَا بِهِ وَلَكِنَّ الْحَالَيْنِ مُخْتَلِفَانِ. بَابُ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (قَالَ الرَّبِيعُ) أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ فَحَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ صَلَاتَهُ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ ثُمَّ خَطَبَهُمْ، فَقَالَ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ. وَحَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى النَّبِيُّ فَحَكَتْ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ». أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الصَّلَاةِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَبِهَذَا نَقُولُ إذَا كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ صَلَّى الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُسُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ صَلَّى الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ كَذَلِكَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبَلَغَنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ. بَابُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا فِي ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَقَالَ يُصَلِّي فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي النَّاسُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْسَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَذَكَرْت لَهُ بَعْضَ حَدِيثِنَا فَقَالَ هَذَا ثَابِتٌ وَإِنَّمَا أَخَذْنَا بِحَدِيثٍ لَنَا غَيْرِهِ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ» وَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي مَعْنَاهُ فَقُلْت لَهُ أَلَسْت تَزْعُمُ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا جَاءَ مِنْ وَجْهَيْنِ فَاخْتَلَفَا وَكَانَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ كَانَ الْجَائِي بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مَا لَمْ يُثْبِتْ الَّذِي نَقَصَ الْحَدِيثَ؟ قَالَ: بَلَى فَقُلْت فَفِي حَدِيثِنَا الزِّيَادَةُ الَّتِي تُسْمَعُ فَقَالَ أَصْحَابُهُ عَلَيْك أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ وَقَالَ فَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ يَقُولُ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَذْكُرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ فَقُلْت فَالنُّعْمَانُ يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ تَنْجَلِ الشَّمْسُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ أَفَتَأْخُذُ بِهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَأَنْتَ إذًا تُخَالِفُ حَدِيثَ النُّعْمَانِ وَحَدِيثَنَا وَلَيْسَ لَك فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ إلَّا مَالِكٌ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَسَمُرَةَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ إسْنَادَنَا فِي حَدِيثِنَا مِنْ أَثْبَتِ إسْنَادِ النَّاسِ، فَقَالَ رَوَى بَعْضُهُمْ «أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 53

- ﷺ صَلَّى ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» قَالَ فَقُلْت لَهُ: فَتَقُولُ بِهِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ لِمَ لَمْ تَقُلْ بِهِ أَنْتَ وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى حَدِيثِكُمْ؟ قُلْت لَمْ نُثْبِتْهُ قَالَ: وَلِمَ لَا نُثْبِتُهُ؟ قُلْت هُوَ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ وَوَجْهٍ نَرَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ غَلَطًا قَالَ: وَهَلْ تَرْوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَلَاةَ ثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ؟ قُلْت: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ يَقُولُ سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ خَسَفَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ زَمْزَمَ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): هَذَا وَمَعَ الْمَحْفُوظِ عِنْدَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى وَكَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ مُوَافِقَةٌ كُلُّهَا «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ» قَالَ فَمَا جُعِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ مِنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْت الدَّلَالَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافَقَةُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْهُ قَالَ: فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ؟ قِيلَ رَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ وَصَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ زَمْزَمَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ قَالَ وَابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُصَلِّي فِي الْخُسُوفِ خِلَافَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ وَإِذَا كَانَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَعُمَرُ وَصَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَرْوُونَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَ مَا رَوَى سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ كَانَتْ رِوَايَةُ ثَلَاثَةٍ أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَكْثَرُ حَدِيثًا وَأَشْبَهُ بِالْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ سُلَيْمَانَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قُلْت لَوْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَّقَ بَيْنَ خُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالزَّلْزَلَةِ وَإِنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ مِمَّا رُوِيَتْ فَأَخَذْنَا بِالْأَكْثَرِ الْأَثْبَتِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ، وَأَنْتَ قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِكُمْ مَنْ قَالَ لَا يُصَلِّي فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ كَمَا يُصَلِّي فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ قُلْت فَقَدْ خَالَفْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَذْكُرَ قَوْلَهُ قَالَ فَمَا الْحُجَّةُ عَلَيْهِ؟ قُلْت حَدِيثُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ» ثُمَّ كَانَ ذِكْرُ اللَّهِ الَّذِي فَزِعَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ الصَّلَاةَ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَأَمْرُهُ مِثْلُ فِعْلِهِ وَقَدْ أَمَرَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ بِالْفَزَعِ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ إلَّا هَذَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُمْ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَنْ يَفْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الصَّلَاةِ وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ كَمَا صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ تَرَاهُ أَنْتَ؟ قُلْت مَا يَعْلَمُ كُلُّ النَّاسِ كُلَّ شَيْءٍ وَمَا يُؤْمَنُ فِي الْعِلْمِ أَنْ يَجْهَلَهُ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ. بَابُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَنَا أَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْت عَلَيْك يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إلَى أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَتَسْأَلُهُمَا عَنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَذَهَبْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا

стр. 54

كُنَّا عِنْدَ مَرْوَانَ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا وَاَللَّهِ «قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ» قَالَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا قَالَتَا فَأَخْبَرَهُ قَالَ مَرْوَانُ أَقْسَمْت عَلَيْك يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنَّ دَابَّتِي بِالْبَابِ فَلَتَأْتِيَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَلْتُخْبِرْهُ بِذَلِكَ قَالَ فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَكِبْت مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةً ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ إنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ يَوْمَهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ فَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمَعَانٍ. مِنْهَا: أَنَّهُمَا زَوْجَتَاهُ وَزَوْجَتَاهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ رَجُلٍ إنَّمَا يَعْرِفُهُ سَمَاعًا أَوْ خَبَرًا. وَمِنْهَا: أَنَّ عَائِشَةَ مُقَدَّمَةٌ فِي الْحِفْظِ، وَأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَافِظَةٌ وَرِوَايَةٌ اثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِي رَوَتَا عَنْ النَّبِيِّ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْأَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا يُعْرَفُ مِنْهُ فِي الْمَعْقُولِ؟ قِيلَ إذَا كَانَ الْجِمَاعُ وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ مُبَاحًا فِي اللَّيْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَمْنُوعًا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ فَكَانَ الْجِمَاعُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَمَا كَانَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مُبَاحًا؟ فَإِذَا قِيلَ: بَلَى، قِيلَ: أَفَرَأَيْت الْغُسْلَ أَهُوَ الْجِمَاعُ أَمْ هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ؟ فَإِنْ قَالَ هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ قِيلَ وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عَلَى صَائِمٍ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ: فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ فَبِذَلِكَ زَعَمْنَا أَنَّ الرَّجُلَ يُتِمُّ صَوْمَهُ لِأَنَّهُ يَحْتَلِمُ بِالنَّهَارِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَيُتِمُّ صَوْمَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْ فِي نَهَارٍ وَأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يُوجِبُ إفْطَارًا فَإِنْ قَالَ فَهَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةٌ تُشْبِهُ هَذَا؟ قِيلَ: نَعَمْ الدَّلَالَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالنَّهْيُ عَنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ كَانَ تَطَيَّبَ حَلَالًا قَبْلَ يَحْرُمُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ لَوْنُهُ وَرَائِحَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ نَفْسَ التَّطَيُّبِ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ وَهَذَا فِي أَكْثَرِ مَعْنَى مَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ مِنْ جِمَاعٍ مُتَقَدِّمٍ قَبْلَ يَحْرُمُ الْجِمَاعُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنَّى تَرَى الَّذِي رَوَى خِلَافَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ؟ قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَدْ يَسْمَعُ الرَّجُلُ سَائِلًا يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ جَامَعَ أَهْلَهُ بِلَيْلٍ وَأَقَامَ مُجَامِعًا بَعْدَ الْفَجْرِ شَيْئًا فَأُمِرَ بِأَنْ يَقْضِيَ لِأَنَّ بَعْضَ الْجِمَاعِ قَدْ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ إذَا أَمْكَنَ هَذَا عَلَى مُحَدِّثٍ ثِقَةٍ ثَبَتَ حَدِيثُهُ وَلَزِمَتْ بِهِ حُجَّةٌ؟ قِيلَ كَمَا يَلْزَمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ وَالدَّمِ مَا لَمْ يُخَالِفْهُمَا غَيْرُهُمَا وَقَدْ يُمْكِنُ عَلَيْهِمَا الْغَلَطُ وَالْكَذِبُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكْ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَلَوْ شَهِدَ غَيْرُهُمَا بِضِدِّ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ شَهَادَتَهُمَا كَمَا يَسْتَعْمِلُهَا إذَا انْفَرَدَا فَحُكْمُ الْمُحَدِّثِ لَا يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ كَحُكْمِ الشَّاهِدَيْنِ لَا يُخَالِفُهُمَا غَيْرُهُمَا وَيُحَوَّلُ حُكْمُهُ إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ بِمَا وَصَفْت وَيُؤْخَذُ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى الْأَحْفَظِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ بِمَا وَصَفْت بِمَا لَا يُؤْخَذُ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ بِحَالٍ إنْ كَانَ إلَّا قَلِيلًا. بَابُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ خَالِدٍ الْحِدَاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ «عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. قَالَ: كُنْت مَعَ النَّبِيِّ زَمَانَ الْفَتْحِ فَرَأَى رَجُلًا يَحْتَجِمُ لِثَمَانِ عَشَرَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ

стр. 55

عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ احْتَجَمَ مُحْرِمًا صَائِمًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَسَمَاعُ ابْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَامَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا وَلَمْ يَصْحَبْهُ مُحْرِمٌ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِجَامَةَ النَّبِيِّ عَامَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ سَنَةَ عَشْرٍ وَحَدِيثُ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» فِي الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِسَنَتَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَإِنْ كَانَا ثَابِتَيْنِ فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَاسِخٌ وَحَدِيثُ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» مَنْسُوخٌ (قَالَ): وَإِسْنَادُ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا مُشْتَبِهٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْثَلُهُمَا إسْنَادًا فَإِنْ تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ احْتِيَاطًا وَلِئَلَّا يُعَرِّضَ صَوْمَهُ أَنْ يَضْعُفَ فَيُفْطِرَ وَإِنْ احْتَجَمَ فَلَا تُفْطِرُهُ الْحِجَامَةُ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ بَعْدَهَا مَا يُفْطِرُهُ مِمَّا لَوْ لَمْ يَحْتَجِمْ فَفَعَلَهُ فَطَّرَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَمَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقِيَاسُ أَنْ لَيْسَ الْفِطْرُ مِنْ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ جَسَدٍ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهُ الصَّائِمُ مِنْ جَوْفِهِ مُتَقَيِّئًا وَأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُنْزِلُ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ وَيَعْرَقُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْخَلَاءُ وَالرِّيحُ وَالْبَوْلُ وَيَغْتَسِلُ وَيَتَنَوَّرُ فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ وَإِنَّمَا الْفِطْرُ مِنْ إدْخَالِ الْبَدَنِ أَوْ التَّلَذُّذِ بِالْجِمَاعِ أَوْ التَّقَيُّؤِ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ جَوْفِهِ كَمَا عَمَدَ إدْخَالَهُ فِيهِ، قَالَ وَاَلَّذِي أَحْفَظُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ الْمَدَنِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ أَحَدٌ بِالْحِجَامَةِ. بَابُ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ» قَالَ عَمْرٌو: قُلْت لِابْنِ شِهَابٍ أَتَجْعَلُ يَزِيدَ الْأَصَمَّ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؟ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ». أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ أَحَدِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ»: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: وَهَلْ فُلَانٌ مَا نَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ مَيْمُونَةَ إلَّا وَهُوَ حَلَالٌ (قَالَ): وَقَدْ رَوَى بَعْضُ قَرَابَةِ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَكَحَ مَيْمُونَةَ مُحْرِمًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَكَانَ أَشْبَهَ الْأَحَادِيثِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَكَحَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا» فَإِنْ قِيلَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَثْبَتُهَا؟ قِيلَ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَعُثْمَانُ مُتَقَدِّمُ الصُّحْبَةِ وَمَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ نَكَحَهَا مُحْرِمًا لَمْ يَصْحَبْهُ إلَّا بَعْدَ السَّفَرِ الَّذِي نَكَحَ فِيهِ مَيْمُونَةَ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا قَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَقِيلَ لَهُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ فَالْمُتَّصِلُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَوْلَى عِنْدَنَا إنْ ثَبَتَ لَوْ لَمْ تَكُنْ الْحُجَّةُ إلَّا فِيهِ نَفْسُهُ وَمَعَ حَدِيثِ عُثْمَانَ مَا يُوَافِقُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا اتِّصَالَهُ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَنْ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَكَحَهَا مُحْرِمًا قَرَابَةٌ يَعْرِفُ نِكَاحَهَا قِيلَ وَلِابْنِ أَخِيهَا يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ ذَلِكَ الْمَكَانُ مِنْهَا وَلِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْهَا مَكَانُ الْوِلَايَةِ يُشَابِهُ أَنْ يَعْرِفَ نِكَاحَهَا فَإِذَا كَانَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَعَ مَكَانِهِمَا مِنْهَا يَقُولَانِ نَكَحَهَا حَلَالًا وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ نَكَحَهَا حَلَالًا ذَهَبَتْ الْعِلَّةُ فِي أَنْ يُثْبِتَ مَنْ قَالَ نَكَحَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ وَبِأَنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ لَا شَكَّ فِي اتِّصَالِهِ أَوْلَى أَنْ يُثْبِتَ مَعَ مُوَافَقَةِ مَا وَصَفْت فَأَيُّ مُحْرِمٍ نَكَحَ أَوْ أَنْكَحَ فَنِكَاحُهُ مَفْسُوخٌ بِمَا وَصَفْت مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ.

стр. 56

بَابُ مَا يُكْرَهُ فِي الرِّبَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْبُيُوعِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرَوَى مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ هَذَا مَا يُوَافِقُهُ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى فِي دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَلَا فِي دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ بَأْسًا وَيَرَاهُ فِي النَّسِيئَةِ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَكَانَ يَرْوِي مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَعِيدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَأْيًا مِنْهُمَا لَا أَنَّهُ يُحْفَظُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَهَذَا قَوْلُ الْمَكِّيِّينَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنِ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ» وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا الْمِلْحَ أَوْ التَّمْرَ وَزَادَ أَحَدُهُمَا «مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي تَمِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَدِّهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَأَخَذْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُوَافِقُ حَدِيثَ عُبَادَةَ وَكَانَتْ حُجَّتُنَا فِي أَخْذِنَا بِهَا وَتَرَكْنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ النَّفْسَ عَلَى حَدِيثِ الْأَكْثَرِ أَطْيَبُ لِأَنَّهُمْ أَشْبَهُ أَنْ يَحْفَظُوا مِنْ الْأَقَلِّ وَكَانَ عُثْمَانُ وَعُبَادَةُ أَسَنَّ وَأَشَدَّ تَقَدُّمَ صُحْبَةٍ مِنْ أُسَامَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ أَكْثَرَ حِفْظًا عَنْ النَّبِيِّ فِيمَا عَلِمْنَا مِنْ أُسَامَةَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ أُسَامَةَ أَحَادِيثَهُمْ؟ قِيلَ إنْ كَانَ يُخَالِفُهَا فَالْحُجَّةُ فِيهَا دُونَهُ لِمَا وَصَفْنَا فَإِنْ قَالَ فَأَنَّى تَرَى هَذَا؟ قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الرِّبَا فِي صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَتَمْرٍ بِحِنْطَةٍ، فَقَالَ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» فَحَفِظَهُ فَأَدَّى قَوْلُ النَّبِيِّ وَلَمْ يُؤَدِّ مَسْأَلَةَ السَّائِلِ فَكَانَ مَا أَدَّى مِنْهُ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ. بَابُ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي شَيْءٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ عَادَ لَهُ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَذَكَرَ فَاجْلِدُوهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَضْلٌ وَعِنْدَهُ أَحَادِيثُ حِسَانٌ وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ إلَّا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ وَلَا أَدْرِي هَلْ كَانَ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ أَوْ لَا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي شَيْءٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا شَكَكْت ثُمَّ أَتَى بِهِ الرَّابِعَةَ أَوْ الْخَامِسَةَ قُتِلَ أَوْ خُلِعَ». وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ «مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَتَى بِهِ

стр. 57

الْخَامِسَةَ قُتِلَ» ثُمَّ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَتَى بِهِ الْخَامِسَةَ فَحَدَّهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀: فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ نَسْخُهُ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلُهَا وَنَسَخَهُ مُرْسَلًا. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ فِي هَذَا حُجَّةٌ غَيْرُ مَا وَصَفْت؟ قِيلَ نَعَمْ. أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لَا يَحِلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إلَّا مِنْ إحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَشُكُّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى خَاصٍّ وَيَكُونُ مَنْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَنَقْتُلُهُ بِنَصِّ أَمْرِهِ فَلَا يَكُونَانِ مُتَضَادَّيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ قِيلَ لَهُ فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا يُخَالِفُ فِي أَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي شَيْءٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ خَامِسَةٌ أَوْ سَادِسَةٌ أُقِيمَ ذَلِكَ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقْتَلْ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ إنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ مَنْسُوخٌ مَعَ أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ بِمَا وَصَفْت بَيِّنَةٌ فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ دَلَالَةُ الْقُرْآنِ؟ قِيلَ إذَا كَانَ اللَّهُ وَضَعَ الْقَتْلَ مَوْضِعًا وَالْجَلْدَ مَوْضِعًا فَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُوضَعَ الْقَتْلُ مَوْضِعَ الْجَلْدِ إلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَلَا نَاسِخَ. بَابُ لُحُومِ الضَّحَايَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ صَدَقَ سَمِعْت عَائِشَةَ تَقُولُ دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ يُجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ؟ أَوْ كَمَا قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَهَيْت عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا». (قَالَ): فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ إذْ كَانَ الدَّافَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى مَعْنَى الْفَرْضِ وَإِنَّمَا قُلْت يُشْبِهُ الِاخْتِيَارَ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْبُدْنِ ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْبُدْنِ الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا أَصْحَابُهَا لَا الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِهَا وَإِنَّمَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَدْيِهِ أَنَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا فَأَمَّا مَا وَجَبَ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ زَكَاتِهِ وَلَا مِنْ كَفَّارَتِهِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ وَأُحِبُّ لِمَنْ أَهْدَى نَافِلَةً أَنْ يُطْعِمَ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الْقَانِعُ هُوَ السَّائِلُ وَالْمُعْتَرُّ الزَّائِرُ وَالْمَارُّ بِلَا وَقْتٍ فَإِذَا أَطْعَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ مِنْ الْمُطْعِمِينَ فَأَحَبُّ إلَيَّ مَا أَكْثَرَ أَنْ يُطْعِمَ ثُلُثًا وَيُهْدِيَ ثُلُثًا وَيَدَّخِرَ ثُلُثًا وَيَهْبِطَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ وَالضَّحَايَا مِنْ هَذِهِ السَّبِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحِبُّ إنْ كَانَتْ فِي النَّاسِ مَخْمَصَةٌ أَنْ لَا يَدَّخِرَ أَحَدٌ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَلَا مِنْ هَدْيِهِ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 58

ثَلَاثٍ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الدَّافَّةِ فَإِنْ تَرَكَ رَجُلٌ أَنْ يُطْعِمَ مِنْ هَدْيِ تَطَوُّعٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِلضَّحِيَّةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ إذَا جَاءَ قَانِعٌ أَوْ مُعْتَرٌّ أَوْ بَائِسٌ فَقِيرٌ شَيْئًا لِيَكُونَ عِوَضًا مِمَّا مُنِعَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْأَضْحَى (قَالَ): وَمَنْ ضَحَّى قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَتَكَلَّمَ فَيَفْرُغَ فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَعَادَ وَلَا أَنْظُرُ إلَى انْصِرَافِ الْإِمَامِ الْيَوْمَ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّرُ وَيُقَدِّمُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ فَصَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَضَحَّى رَجُلٌ أَعَادَ إنَّمَا الْوَقْتُ فِي قَدْرِ صَلَاةِ النَّبِيِّ الَّتِي كَانَ يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا. بَابُ الْعُقُوبَاتِ فِي الْمَعَاصِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ): كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحَدُّ ثُمَّ نَزَلَتْ الْحُدُودُ وَنُسِخَتْ الْعُقُوبَاتُ فِيمَا فِيهِ الْحُدُودُ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَا تَقُولُونَ فِي الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي؟» وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَاتٌ وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ» ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ وَمِثْلُ مَعْنَى هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ الْعُقُوبَةِ لِلزَّانِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ نُسِخَ هَذَا عَنْ الزُّنَاةِ كُلِّهِمْ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَحَدَّ اللَّهُ الْبِكْرَيْنِ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَقَالَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ قَوْلُ عُمَرَ إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلَكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لَا أَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَجَمْنَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَزَادَ سُفْيَانُ وَسُئِلَ «أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّ ابْنَهُ زَنَى بِامْرَأَةِ رَجُلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ الْآخَرِ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ كَانَ ابْنُهُ بِكْرًا وَامْرَأَةُ الْآخَرِ ثَيِّبًا قَالَ فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ اللَّهِ حَدَّ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِي الزِّنَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مِثْلِ مَا قَالَ عُمَرُ مِنْ حَدِّ الثَّيِّبِ فِي الزِّنَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي الْإِمَاءِ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فَعَقَلْنَا عَنْ اللَّهِ أَنَّ عَلَى الْإِمَاءِ ضَرْبُ خَمْسِينَ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ النِّصْفُ إلَّا لِمَا يَتَجَزَّأُ فَأَمَّا الرَّجْمُ فَلَا نِصْفَ لَهُ لِأَنَّ الْمَرْجُومَ قَدْ يَمُوتُ بِأَوَّلِ حَجَرٍ وَقَدْ لَا يَمُوتُ إلَّا بَعْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْحِجَارَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ﵀ وَقَدْ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبَادَةَ حِطَّانُ الرَّقَاشِيُّ وَلَا أَدْرِي أَدَخَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بَيْنَهُمَا فَزَالَ مِنْ كِتَابِي حِينَ حَوَّلْته مِنْ الْأَصْلِ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ يَوْمَ كَتَبْت هَذَا الْكِتَابَ غَائِبٌ عَنِّي (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا نُسِخَ مِنْ حَبْسِ الزَّانِيَيْنِ وَأَذَاهُمَا وَأَوَّلُ حَدٍّ نَزَلَ فِيهِمَا وَكَانَ فِيهِ مَا

стр. 59

وَصَفْت فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ حَدَّ الزِّنَا لِلْبِكْرَيْنِ وَالثَّيِّبَيْنِ وَأَنَّ مِنْ حَدِّ الْبِكْرَيْنِ النَّفْيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ ضَرْبِ مِائَةٍ وَنُسِخَ الْجَلْدُ عَنْ الثَّيِّبَيْنِ وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا الرَّجْمَ فَرَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةَ الرَّجُلِ وَرَجَمَ مَاعِزَ بْنَ مَاعِزٍ وَلَمْ يَجْلِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَمَاعِزٍ بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» قِيلَ إذَا كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا " الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " كَانَ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا أَوَّلَ حَدٍّ حُدَّ بِهِ الزَّانِيَانِ فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ فَكُلُّ شَيْءٍ جَدَّ بَعْدُ يُخَالِفُهُ فَالْعِلْمُ يُحِيطُ بِأَنَّهُ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي بَعْدُ يَنْسَخُ مَا قَبْلَهُ إذَا كَانَ يُخَالِفُهُ وَقَدْ أَثْبَتْنَا هَذَا، وَاَلَّذِي نَسَخَهُ فِي حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَجَمَهَا أُنَيْسٌ مَعَ حَدِيثِ مَاعِزٍ وَغَيْرِهِ فَكَانَتْ الْحُدُودُ ثَابِتَةً عَلَى الْمَحْدُودِينَ مَا أَتَوْا الْحُدُودَ وَإِنْ كَثُرَ إتْيَانُهُمْ لَهَا لِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْوَالِ جَانُونَ مَا حُدُّوا فِيهِ وَهُمْ زُنَاةٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَبَعْدَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ وَكَذَلِكَ الْقَذَفَةُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ أَنْ يُجْلَدُوا ثَمَانِينَ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْحُدُودِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا ثُمَّ قَالَ فَلْيَبِعْهَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ فِي الشَّارِبِ يُجْلَدُ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ يُقْتَلُ ثُمَّ حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ جَلَدَ الشَّارِبَ الْعَدَدَ الَّذِي قَالَ يُقْتَلُ بَعْدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ وَوَضَعَ الْقَتْلَ وَصَارَتْ رُخْصَةً وَالْقَتْلُ عَمَّنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي شَيْءٍ أَرْبَعًا فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ مَنْسُوخٌ بِمَا وَصَفْت، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْأَمَةِ بَعْدَ زِنَاهَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا. بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ وَكَانَ الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْت «ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتَصِيَ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْإِرْخَاصَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يُوَقِّتْ شَيْئًا يَدُلُّ أَهُوَ قَبْلَ خَيْبَرَ أَمْ بَعْدَهَا فَأَشْبَهَ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي نَهْيِ النَّبِيِّ عَنْ الْمُتْعَةِ أَنْ يَكُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَاسِخًا فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ يَثْبُتُ فَهُوَ يُبَيِّنُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَحَلَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ ثُمَّ قَالَ هِيَ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ بَيَانُ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا رَوَى إحْلَالَ الْمُتْعَةِ سَقَطَ تَحْلِيلُهَا بِدَلَائِلِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ حَيْثُ سَأَلْنَا عَنْهُ. بَابُ الْخِلَافِ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا مُخَالِفُونَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَمْتَعُوا مِنْ يَهُودِيَّاتٍ فِي دَارِ الشِّرْكِ فَكُرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَمْتَعُوا عَامَ الْفَتْحِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ الْحَدِيثُ عَامَ الْفَتْحِ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى الْأَبَدِ، أَبْيَنُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ بِالْإِرْخَاصِ فِي الْمُتْعَةِ وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا كَمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالنَّهْيُ عِنْدَنَا تَحْرِيمٌ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ اخْتِيَارٌ لَا تَحْرِيمٌ، قَالَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ دَلَالَةٌ عَلَى نَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ الْإِرْخَاصُ فِيهَا أَوْلَى أَمْ النَّهْيُ عَنْهَا؟ قُلْنَا بَلْ النَّهْيُ عَنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَوْلَى قَالَ فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قُلْت: قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾

стр. 60

فَحَرَّمَ النِّسَاءَ إلَّا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَقَالَ فِي الْمَنْكُوحَاتِ ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَأَحَلَّهُنَّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُنَّ إلَّا بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَقَالَ ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ فَجَعَلَ إلَى الْأَزْوَاجِ فُرْقَةَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فَكَانَ بَيِّنًا أَنَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَنْسُوخًا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ لِمَا وَصَفْت لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً مُدَّةً ثُمَّ يَنْفَسِخَ نِكَاحُهَا بِلَا إحْدَاثِ طَلَاقٍ مِنْهُ وَفِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إبْطَالُ مَا وَصَفْت مِمَّا جَعَلَ اللَّهُ إلَى الْأَزْوَاجِ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَالطَّلَاقِ وَإِبْطَالِ الْمَوَارِيثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَأَحْكَامِ النِّكَاحِ الَّتِي حَكَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ إحْدَاثِ الطَّلَاقِ. بَابٌ فِي الْجَنَائِزِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «إذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرَوَوْا شَبِيهًا بِمَا يُوَافِقُهُ وَهَذَا لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا وَأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ قَامَ لَهَا لِعِلَّةٍ قَدْ رَوَاهَا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ جِنَازَةَ يَهُودِيٍّ مُرَّ بِهَا عَلَى النَّبِيِّ فَقَامَ لَهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ تَطُولَهُ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ تَرْكُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَاجِبًا فَالْآخِرُ مِنْ أَمْرِهِ نَاسِخٌ وَإِنْ كَانَ اسْتِحْبَابًا فَالْآخِرُ هُوَ الِاسْتِحْبَابُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّهُ الْآخِرُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ. بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ». أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ وَبِهِ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنَقُولُ لَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَعَلِمْنَا أَنَّ الدَّارَ إذَا كَانَتْ مُشَاعَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ إلَّا وَلِصَاحِبِهِ نِصْفُهُ فَإِذَا دَخَلَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّرِيكِ لِلْبَائِعِ هَذَا الْمَدْخَلَ كَانَ الشَّرِيكُ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ الْمُشْتَرِي فَإِذَا قَسَمَ الشَّرِيكَانِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَاعَ نَصِيبًا لَا حَظَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِجَارِهِ وَإِنْ كَانَتْ طَرِيقُهُمَا وَاحِدَةً لِأَنَّ الطَّرِيقَ غَيْرُ الْمَبِيعِ كَمَا لَمْ يَكُونَا بِشَرِكَتِهِمَا فِي الطَّرِيقِ شَرِيكَيْنِ فِي الدَّارِ الْمَقْسُومَةِ فَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ بِالشِّرْكِ فِي الطَّرِيقِ شُفْعَةٌ فِي دَارٍ لَيْسَا بِشِرْكَيْنِ فِيهَا وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثَانِ ذَهَبَ إلَيْهِمَا صِنْفَانِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِنَا أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَزَادَ فِي

стр. 61

حَدِيثِ بَعْضِ مَنْ خَالَفَنَا أَنَّهُ كَانَ لِأَبِي رَافِعٍ بَيْتٌ فِي دَارِ رَجُلٍ فَعُرِضَ الْبَيْتُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَقَالَ قَدْ أُعْطِيتُ بِهِ ثَمَانَمِائَةٍ وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقَالَ الَّذِي خَالَفَنَا أَتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَقُولُ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ شُفْعَةٌ وَلِلْجَارِ الْمُقَاسِمِ شُفْعَةٌ كَانَ لَاصِقًا أَوْ غَيْرَ لَاصِقٍ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ الَّتِي بِيعَتْ طَرِيقٌ نَافِذَةٌ وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ أَبُو رَافِعٍ يَرَى الشُّفْعَةَ لِلَّذِي بَيْتُهُ فِي دَارِهِ وَالْبَيْتُ مَقْسُومٌ لِأَنَّهُ مُلَاصِقٌ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقُلْت لَهُ أَبُو رَافِعٍ فِيمَا رَوَيْت عَنْهُ مُتَطَوِّعٌ بِمَا صَنَعَ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت هَلْ كَانَ عَلَى أَبِي رَافِعٍ أَنْ يُعْطِيَهُ الْبَيْتَ بِشَيْءٍ قَبْلَ بَيْعِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ الشُّفْعَةُ حَتَّى يَبِيعَهُ؟ قَالَ: بَلْ لَيْسَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ حَتَّى يَبِيعَهُ أَبُو رَافِعٍ قُلْت فَإِنْ بَاعَهُ أَبُو رَافِعٍ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي قَالَ نَعَمْ قُلْت وَبِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ لَا يُنْقِصُهُ الْبَائِعُ وَلَا أَنَّ عَلَى أَبِي رَافِعٍ أَنْ يَضَعَ مِنْ ثَمَنِهِ عَنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ نَعَمْ فَقُلْت أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا وَصَفْت عَنْ أَبِي رَافِعٍ كُلُّهُ تَطَوُّعٌ؟ قَالَ: فَقَدْ رَأَى لَهُ الشُّفْعَةَ فِي بَيْتٍ لَهُ فَقُلْت وَإِنْ رَأَى الشُّفْعَةَ فِي بَيْتٍ لَهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَارَضَ حَدِيثَنَا بَلْ حَدِيثُ النَّبِيِّ إنَّمَا يُعَارَضُ بِحَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ فَأَمَّا رَأْيُ رَجُلٍ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ قُلْت أَلَسْت تَسْمَعُهُ حِينَ حَكَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ لَا مَا أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ» قَالَ: بَلْ هَكَذَا حِكَايَتُهُ عَنْ النَّبِيِّ قُلْت وَلَعَلَّهُ لَا يَرَى لَهُ الشُّفْعَةَ فَتَطَوَّعَ لَهُ بِمَا لَا يَرَى كَمَا يَتَطَوَّعُ لَهُ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَإِنْ حَمَلْته عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ مَا يَرَاهُ عَلَيْهِ قِيلَ فَقَدْ رَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بَيْتًا لَمْ يَبِعْهُ بِنِصْفِ مَا أَعْطَى بِهِ قَالَ: لَا أَرَاهُ يَرَى هَذَا قُلْت وَلَا أَرَى عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ شُفْعَةً فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنْ أَحْسَنُ أَنْ يَفْعَلَ، وَقُلْت لَهُ نَحْنُ نَعْلَمُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنَيَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا. قَالَ فَمَا هُمَا؟ قُلْت: أَنْ يَكُونَ أَجَابَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَخْلُ أَكْثَرُهَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الشُّفْعَةَ لِكُلِّ جَارٍ أَوْ أَرَادَ بَعْضَ الْجِيرَانِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ خَرَجَ عَامًّا أَرَادَ بِهِ خَاصًّا إلَّا بِدَلَالَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ إجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ «لَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ دُونَ الْجَارِ الْمُقَاسِمِ، وَقُلْت لَهُ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ جُمْلَةً وَقُلْنَا عَنْ النَّبِيِّ مَنْصُوصٌ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا. قَالَ: فَمَا الْمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي يَحْتَمِلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ؟ قُلْت: أَنْ تَكُونَ الشُّفْعَةُ لِكُلِّ مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ جِوَارٍ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْجِوَارَ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِحَدِيثِنَا وَلَا بِمَا تَأَوَّلْت مِنْ حَدِيثِك وَلَا بِهَذِهِ الْمَعَانِي. قَالَ: وَلَا يَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ قُلْت: أَجَلْ لَا يَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ وَذَلِكَ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَرَادَ أَنَّ الشُّفْعَةَ لِبَعْضِ الْجِيرَانِ دُونَ بَعْضٍ وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِجَارٍ لَمْ يُقَاسِمْ. قَالَ أَفَيَقَعُ اسْمُ الْجِوَارِ عَلَى الشَّرِيكِ؟ قُلْت: نَعَمْ، وَعَلَى الْمُلَاصِقِ وَعَلَى غَيْرِ الْمُلَاصِقِ قَالَ فَالشَّرِيكُ يَنْفَرِدُ بِاسْمِ الشَّرِيكِ؟ قُلْت أَجَلْ وَالْمُلَاصِقُ يَنْفَرِدُ بِاسْمِ الْمُلَاصَقَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْجِيرَانِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ جِوَارٍ، قَالَ: أَفَتُوجِدُنِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِوَارِ يَقَعُ عَلَى الشَّرِيكِ؟ قُلْت زَوْجَتُك الَّتِي هِيَ قَرِينَتُك يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْجِوَارِ. قَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ: كُنْت بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الْأَعْشَى: أَجَارَتُنَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَهْ … وَمَوْمُوقَةٌ مَا كُنْت فِينَا وَوَامِقَهْ أَجَارَتُنَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَهْ … كَذَاك أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ وَبِينِي فَإِنَّ الْبَيْنَ خَيْرٌ مِنْ الْعَصَا … وَأَنْ لَا تَزَالِي فَوْقَ رَأْسِك بَارِقَهْ حَبَسْتُك حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ … وَخِفْت بِأَنْ تَأْتِي لَدَيَّ بِبَائِقَهْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَرَوَى غَيْرُنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاحِدَةً» وَذَهَبَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ إلَى أَنْ قَالَ

стр. 62

الشُّفْعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا لَلشَّرِيكِ وَهُمَا إذَا اشْتَرَكَا فِي طَرِيقٍ دُونَ الدَّارِ، وَإِنْ اقْتَسَمَا الدَّارَ شَرِيكَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَيُقَالُ لَهُ الشَّرِيكَانِ فِي الدَّارِ أَوْ الطَّرِيقِ دُونَ الدَّارِ فَإِنْ قَالَ فِي الطَّرِيقِ دُونَ الدَّارِ قِيلَ لَهُ فَلِمَ جَعَلْت الشُّفْعَةَ فِي الدَّارِ الَّتِي لَيْسَا فِيهَا بِشَرِيكَيْنِ بِالشِّرْكِ فِي الطَّرِيقِ وَالطَّرِيقُ غَيْرُ الدَّارِ أَرَأَيْت لَوْ بَاعَ دَارَاهُمَا فِيهَا شَرِيكَانِ وَضَمَّ فِي الشِّرَاءِ مَعَهَا دَارًا أُخْرَى غَيْرَهَا لَا شِرْكَ فِيهَا وَلَا طَرِيقَهَا أَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِي الدَّارِ أَوْ فِي الشِّرْكِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الشِّرْكِ دُونَ الدَّارِ الَّتِي ضُمَّتْ مَعَ الشِّرْكِ قُلْت وَلَا تُجْعَلُ فِيهَا شُفْعَةٌ إذَا جَمَعَتْهُمَا الصَّفْقَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا شُفْعَةٌ؟ قَالَ: لَا، قُلْت فَكَذَلِكَ يَلْزَمُك أَنْ تَقُولَ إنْ بِيعَتْ الطَّرِيقُ وَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَسْمُهُ فَفِيهَا شُفْعَةٌ وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ مِنْ الدَّارِ قَالَ: فَإِنْ قَالَ فَإِنَّمَا ذَهَبْت فِيهِ إلَى الْحَدِيثِ نَفْسِهِ قِيلَ سَمِعْنَا بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَقُولُ نَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت: إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مُفَسَّرًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» وَأَبُو سَلَمَةَ مِنْ الْحُفَّاظِ. وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ وَهُوَ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ جَابِرٍ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ وَيُخَالِفُ مَا رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِيهِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ الْمُقَاسِمِ مَا وَصَفْت جُمْلَتَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَكَانَ أَوْلَى الْأَحَادِيثِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ أَثْبَتُهَا إسْنَادًا وَأَبْيَنُهَا لَفْظًا عَنْ النَّبِيِّ وَأَعْرَفُهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُقَاسِمِ وَغَيْرِ الْمُقَاسِمِ. بَابٌ فِي بُكَاءِ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعْت عَائِشَةَ وَذَكَرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ إنَّمَا «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ وَهِيَ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَالَ: إنَّهُمْ لَيَبْكُونَ وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بِمَكَّةَ فَجِئْنَا نَشْهَدُهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: إنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا جَلَسْت إلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إلَيَّ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: صَدَرْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إذَا بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَذَهَبْت فَإِذَا صُهَيْبٌ قَالَ اُدْعُهُ فَرَجَعْت إلَى صُهَيْبٍ فَقُلْت: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ سَمِعْت صُهَيْبًا يَبْكِي وَيَقُولُ: وَا أَخِيَاه وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ يَا صُهَيْبُ تَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»؟ قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ لَا وَاَللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ

стр. 63

رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَوَاَللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا عَنْهُ ﷺ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ فَأَيْنَ دَلَالَةُ الْكِتَابِ؟ قِيلَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ وَقَوْلُهُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَعَمْرَةُ أَحْفَظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَحَدِيثُهَا أَشْبَهَ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ: «إنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» فَهُوَ وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ لِأَنَّهَا تُعَذَّبُ بِالْكُفْرِ وَهَؤُلَاءِ يَبْكُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا هِيَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ عَلَى الْكَافِرِ عَذَابًا أَعْلَى فَإِنْ عُذِّبَ بِدُونِهِ فَزِيدَ فِي عَذَابِهِ فِيمَا اسْتَوْجَبَ وَمَا نِيلَ مِنْ كَافِرٍ مِنْ عَذَابٍ أَدْنَى مِنْ أَعْلَى مِنْهُ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَذَابِ فَبِاسْتِيجَابِهِ لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ فِي بُكَائِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ يَزِيدُهُ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، قِيلَ يَزِيدُهُ بِمَا اسْتَوْجَبَ بِعَمَلِهِ وَيَكُونُ بُكَاؤُهُ سَبَبًا لَا أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِبُكَائِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ أَيْنَ دَلَالَةُ السُّنَّةِ؟ قِيلَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِرَجُلٍ ابْنُك هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ مَا أَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ أَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ امْرِئٍ عَلَيْهِ كَمَا عَمَلُهُ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ وَلَا عَلَيْهِ. بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ مِنْ قَبْلِ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِك فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَقَدْ ارْتَقَيْت عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَيْسَ يُعَدُّ هَذَا اخْتِلَافًا وَلَكِنَّهُ مِنْ الْجُمَلِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْمُعَدِّ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): كَانَ الْقَوْمُ عَرَبًا إنَّمَا عَامَّةُ مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّحَارِي وَكَثِيرٌ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ لَا حَشَّ فِيهَا يَسْتُرُهُمْ فَكَانَ الذَّاهِبُ لِحَاجَتِهِ إذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا اسْتَقْبَلَ الْمُصَلَّى بِفَرْجِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ ضَرُورَةٌ فِي أَنْ يُشَرِّقُوا أَوْ يُغَرِّبُوا فَأُمِرُوا بِذَلِكَ وَكَانَتْ الْبُيُوتُ مُخَالِفَةً لِلصَّحْرَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهَا كَانَ مَنْ فِيهِ مُسْتَتِرًا لَا يَرَاهُ إلَّا مَنْ دَخَلَ أَوْ أَشْرَفَ عَلَيْهِ وَكَانَتْ الْمَذَاهِبُ بَيْنَ الْمَنَازِلِ مُتَضَايِقَةً لَا يُمْكِنُ مِنْ التَّحَرُّفِ فِيهَا مَا يُمْكِنُ فِي الصَّحْرَاءِ فَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ مَا رَأَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ اسْتِقْبَالِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ حِينَئِذٍ مُسْتَدْبَرُ الْكَعْبَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الصَّحْرَاءِ دُونَ الْمَنَازِلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَسَمِعَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ النَّهْيَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ اسْتِقْبَالِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ فَخَافَ الْمَأْثَمَ فِي أَنْ يَجْلِسَ عَلَى مِرْحَاضٍ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَتَحَرَّفَ لِئَلَّا يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ فِي مَنْزِلِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ فَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِحَاجَتِهِ وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَرْوِ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ خِلَافَهُ وَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ فَرَآهُ رَأْيًا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْزُوهُ إلَى النَّبِيِّ، وَمَنْ عَلِمَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَرَآهُمَا مُحْتَمِلَيْنِ أَنْ يُسْتَعْمَلَا اسْتَعْمَلَهُمَا مَعًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْحَالَ

стр. 64

تَفْتَرِقُ فِيهِمَا بِمَا قُلْنَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَاصَّ الْعِلْمِ لَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَ الْقَلِيلِ وَقَلَّمَا يَعُمُّ عِلْمُ الْخَاصِّ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ النَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ وَجُلُوسٌ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ بْنُ وَهْرَام عَنْ طَاوُسٍ " حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ " قِيلَ لَهُ هَذَا مُرْسَلٌ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبِتُونَهُ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ كَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ مُسْنَدٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مِنْهُ لَوْ خَالَفَهُ فَإِنْ كَانَ قَالَ طَاوُسٌ " حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُكْرِمَ قِبْلَةَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا " فَإِنَّمَا سَمِعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ النَّبِيِّ فَأَنْزَلَ ذَلِكَ عَلَى إكْرَامِ الْقِبْلَةِ، وَهِيَ أَهْلٌ أَنْ تُكْرَمَ وَالْحَالُ فِي الصَّحَارِي كَمَا حَدَّثَ أَبُو أَيُّوبَ وَفِي الْبُيُوتِ كَمَا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ لَا أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَدْ قِيلَ إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبْنُونَ مَسَاجِدَ بِحَطِّ حِجَارَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَنَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ لِلْغَائِطِ أَوْ الْبَوْلِ فَيَكُونَ نَهْيُهُ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْ مُسْتَدْبِرًا فَيَكُونَ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ بِعَيْنِ الْمُصَلِّي إلَيْهَا وَيَتَأَذَّى بِرِيحِهِ وَهَذَا فِي الصَّحَارِي مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِغَيْرِهِ بِأَنْ يُقَالَ «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ» وَذَلِكَ أَنْ يَتَغَوَّطَ فِي مَمَرِّ النَّاسِ فِي طَرِيقٍ مِنْ ظِلَالِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْبُيُوتِ وَالشَّجَرِ وَالْحِجَارَةِ وَعَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وَمَوَاضِعِ حَاجَةِ النَّاسِ فِي الْمَمَرِّ وَالْمَنْزِلِ. بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِ الْمَرْءِ مِنْهُ شَيْءٌ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَرَوَى بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ الرَّجُلَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ بِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَهَذَا إجَازَةُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ يَقْدِرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ثَوْبِ امْرَأَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالشَّيْءِ يَطْرَحُهُ عَلَى عَاتِقِهِ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ «عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ بَعْضُهُ عَلَيَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنَا حَائِضٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآخَرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتِيَارٌ لَا فَرْضٌ بِالدَّلَالَةِ عَنْهُ ﷺ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَأَنَّهُ صَلَّى فِي مِرْطِ مَيْمُونَةَ بَعْضُهُ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُ عَلَى مَيْمُونَةَ لِأَنَّ بَعْضَ مِرْطِهَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا فَأَقَلُّ مَا عَلَيْهَا مِنْهُ مَا يَسْتُرُهَا مُضْطَجِعَةً وَيُصَلِّي النَّبِيُّ ﵇ فِي بَعْضِهِ قَائِمًا وَيَتَعَطَّلُ بَعْضُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَوْ يَسْتُرُهَا قَاعِدَةً فَيَكُونُ يُحِيطُ بِهَا جَالِسَةً وَيَتَعَطَّلُ بَعْضُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتُرَهُ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَأْتَزِرَ بِهِ ائتزارا وَلَيْسَ عَلَى عَاتِقِ المؤتزرين فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ الْإِزَارِ شَيْءٌ وَلَا يُمْكِنُ فِي ثَوْبِ دَهْرِنَا أَنْ يَأْتَزِرَ بِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَسْتُرَهَا وَقَلَّمَا يُمْكِنُ هَذَا فِي ثَوْبٍ فِي الدُّنْيَا الْيَوْمَ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَتَوَشَّحْ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ فليأتزر بِهِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَإِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِيمَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَعَوْرَتُهُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ وَلَيْسَتْ السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ. بَابُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي

стр. 65

الصَّلَاةِ فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْته لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ فَجَلَسْت حَتَّى إذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَتَيْته فَقَالَ إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ». أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ «سَلَّمَ النَّبِيُّ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ الْخِرْبَاقُ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ فَنَادَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مُغْضَبًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ فَصَلَّى تِلْكَ الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ إنَّ حَتْمًا أَنْ لَا يَعْمِدَ أَحَدٌ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِأَنَّهُ فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ صَلَاةً غَيْرَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ثُمَّ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَهَا أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَتَكَلَّمَ فِيهَا بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مُبَاحٌ وَلَيْسَ يُخَالِفُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْكَلَامِ جُمْلَةٌ وَدَلَّ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، عَلَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ كَلَامِ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي» لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ. بَابُ الْخِلَافِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ سَاهِيًا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَجَمَعَ عَلَيْنَا فِيهَا حُجَجًا مَا جَمَعَهَا عَلَيْنَا فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ إلَّا فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَمَسْأَلَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَسَمِعْته يَقُولُ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرْوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ قَطُّ أَشْهَرُ مِنْهُ، وَمِنْ حَدِيثِ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَلَكِنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ فَقُلْت مَا نَسَخَهُ؟ فَقَالَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي بَدَأْت بِهِ الَّذِي فِيهِ «إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» فَقُلْت لَهُ وَالنَّاسِخُ إذَا اخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ الْآخَرُ مِنْهُمَا فَقَالَ نَعَمْ قُلْت لَهُ أَوْ لَسْتَ تَحْفَظُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ بِمَكَّةَ قَالَ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَ: بَلَى فَقُلْت لَهُ: فَإِذَا كَانَ مَقْدِمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ثُمَّ كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَرْوِي أَنَّ النَّبِيَّ أَتَى جِذْعًا فِي مُؤَخَّرِ مَسْجِدِهِ أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي مَسْجِدِهِ إلَّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت فَحَدِيثُ عِمْرَانَ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ

стр. 66

يَقُولُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَلَا أَدْرِي مَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْت قَدْ بَدَأْنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ الَّذِي لَا يُشْكِلُ عَلَيْك وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَحِبْت النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعًا قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا شَكَكْت وَقَدْ أَقَامَ النَّبِيُّ بِالْمَدِينَةِ سِنِينَ سِوَى مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَقْدِمِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَبْلُ يَصْحَبُهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ نَاسِخًا لِمَا بَعْدَهُ قَالَ: لَا قُلْت لَهُ لَوْ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُخَالِفًا حَدِيثَ عِمْرَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قُلْت، وَكَانَ عَمَدَ الْكَلَامَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّك فِي صَلَاةٍ كَهُوَ إذَا تَكَلَّمْت، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّك أَكْمَلْت الصَّلَاةَ أَوْ نَسِيت الصَّلَاةَ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْسُوخًا وَكَانَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ وَلَكِنْ وَجْهُهُ مَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الذِّكْرِ، وَأَنَّ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ هَكَذَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَإِذَا كَانَ النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ وَتَكَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ مُبَاحٌ بِأَنْ يَرَى أَنْ قَدْ قَضَى الصَّلَاةَ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِيهَا لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ قَالَ: فَأَنْتُمْ تَرْوُونَ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ قُلْت فَاجْعَلْ هَذَا كَيْفَ شِئْت أَلَيْسَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ بِالْمَدِينَةِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالْمَدِينَةُ إنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت: وَلَيْسَتْ لَك إذَا كَانَ كَمَا أَرَدْت فِيهِ حُجَّةً لِمَا وَصَفْت، وَقَدْ كَانَتْ بَدْرٌ بَعْدَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ أَفَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي رَوَيْتُمْ عَنْهُ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ؟ قُلْت: لَا عِمْرَانُ يُسَمِّيهِ الْخِرْبَاقُ وَيَقُولُ قَصِيرُ الْيَدَيْنِ أَوْ مَدِيدُ الْيَدَيْنِ وَالْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَوْ كَانَ كِلَاهُمَا ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ اسْمًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَافَقَ اسْمًا كَمَا تَتَّفِقُ الْأَسْمَاءُ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ: فَلَنَا حُجَّةٌ أُخْرَى قُلْنَا وَمَا هِيَ؟ قَالَ إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ حَكَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «إنَّ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ بَنِي آدَمَ» فَقُلْت لَهُ فَهَذَا عَلَيْك وَلَا لَك إنَّمَا يُرْوَى مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَوَاءٌ وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْت قَالَ فَإِنْ قُلْت هُوَ خِلَافُهُ قُلْت فَلَيْسَ ذَلِكَ لَك وَنُكَلِّمُك عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ أَمْرِ ذِي الْيَدَيْنِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ وَيَلْزَمُك فِي قَوْلِك أَنْ يَصْلُحَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا فِيمَا حَكَيْت وَهُوَ جَاهِلٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُحْكَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَوْ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَامِدًا لِلْكَلَامِ فِي حَدِيثِهِ إلَّا أَنَّهُ حَكَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ وَهُوَ جَاهِلٌ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ مُحَرَّمًا فِي الصَّلَاةِ قَالَ هَذَا فِي حَدِيثِهِ كَمَا ذَكَرْت قُلْت فَهُوَ عَلَيْك إنْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْته وَلَيْسَ لَك إنْ كَانَ كَمَا قُلْنَا قَالَ فَمَا تَقُولُ؟ قُلْت أَقُولُ إنَّهُ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرُ مُخَالِفٍ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ فَقَالَ فَإِنَّكُمْ خَالَفْتُمْ حِينَ فَرَّعْتُمْ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ قُلْت فَخَالَفْنَاهُ فِي الْأَصْلِ قَالَ لَا وَلَكِنْ فِي الْفَرْعِ قُلْت فَأَنْتَ خَالَفْته فِي نَصِّهِ، وَمَنْ خَالَفَ النَّصَّ عِنْدَك أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ ضَعُفَ نَظَرُهُ فَأَخْطَأَ التَّفْرِيعَ قَالَ: نَعَمْ وَكُلٌّ غَيْرُ مَعْذُورٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَقُلْت لَهُ: فَأَنْتَ خَالَفْت أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ وَلَمْ نُخَالِفْ نَحْنُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَا مِنْ فَرْعِهِ حَرْفًا وَاحِدًا فَعَلَيْك مَا عَلَيْك فِي خِلَافِهِ وَفِيمَا قُلْت مِنْ أَنَّا خَالَفْنَا مِنْهُ مَا لَمْ نُخَالِفْهُ قَالَ فَأَسْأَلُك حَتَّى أَعْلَمَ أَخَالَفْته أَمْ لَا؟ قُلْت فَسَلْ قَالَ مَا تَقُولُ فِي إمَامٍ انْصَرَفَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ قَدْ انْصَرَفْت مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَأَلَ آخَرِينَ، فَقَالُوا صَدَقَ؟ قُلْت أَمَّا الْمَأْمُومُ الَّذِي أَخْبَرَهُ وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهُ صَدَقَ وَهُمْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ صَلَاتَهُ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ قَالَ فَأَنْتَ تَرْوِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى وَتَقُولُ قَدْ قَضَى مَعَهُ مَنْ حَضَرَ وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْهُ فِي الْحَدِيثِ قُلْت أَجَلْ قَالَ فَقَدْ خَالَفْته قُلْت لَا وَلَكِنْ حَالُ إمَامِنَا مُفَارِقَةٌ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَأَيْنَ افْتِرَاقُ حَالَيْهِمَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِمَامَةِ؟ قَالَ فَقُلْت لَهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ يُنْزِلُ فَرَائِضَهُ عَلَى رَسُولِهِ فَرْضًا بَعْدَ فَرْضٍ فَيَفْرِضُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ فَرَضَهُ عَلَيْهِ وَيُخَفِّفُ عَنْهُ بَعْضَ فَرْضِهِ قَالَ: أَجَلْ؟ قُلْت: وَلَا نَشُكُّ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ وَلَا مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا وَهُوَ يَرَى أَنْ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ قَالَ: أَجَلْ، قُلْت: فَلَمَّا فَعَلَ لَمْ يَدْرِ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ بِحَادِثٍ مِنْ اللَّهِ أَمْ نَسِيَ النَّبِيُّ وَكَانَ

стр. 67

ذَلِكَ بَيِّنًا فِي مَسْأَلَتِهِ إذْ قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قُلْت وَلَمْ يَقْبَلْ النَّبِيُّ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ إذْ سَأَلَ غَيْرَهُ، قَالَ: أَجَلْ، قُلْت: وَلَمَّا سَأَلَ غَيْرَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ فَيَكُونُ مِثْلَهُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ النَّبِيُّ رَدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْ النَّبِيُّ رَدَّ عَلَيْهِ كَانَ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَدْرِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيَ النَّبِيُّ فَأَجَابَهُ وَمَعْنَاهُ مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا أَخْبَرُوهُ فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، قَالَ فَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ تَنَاهَتْ فَرَائِضُهُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا أَبَدًا قَالَ: نَعَمْ فَقُلْت هَذَا فَرْقٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُ هَذَا فَرْقٌ بَيِّنٌ لَا يَرُدُّهُ عَالِمٌ لِبَيَانِهِ وَوُضُوحِهِ فَقَالَ فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِكُمْ مَنْ قَالَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّجُلُ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يُفْسِدْ صَلَاتَهُ، قَالَ فَقُلْت لَهُ: إنَّمَا الْحُجَّةُ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا لَا مَا قَالَ غَيْرُنَا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَالَ قَدْ كَلَّمْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِك فَمَا احْتَجَّ بِهَذَا وَلَقَدْ قَالَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا فَقُلْت لَهُ قَدْ أَعْلَمْتُك أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَلَا حُجَّةَ لَك عَلَيْنَا بِقَوْلِ غَيْرِنَا قَالَ: أَجَلْ، قُلْت فَدَعْ مَا لَا حُجَّةَ لَك فِيهِ وَقُلْت لَهُ: قَدْ أَخْطَأْت فِي خِلَافِكَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ ثُبُوتِهِ وَظَلَمْت نَفْسَك بِأَنَّك زَعَمْت أَنَّا وَمَنْ قَالَ بِهِ نَحَلَ الْكَلَامَ وَالْجِمَاعَ وَالْغِنَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَمَا أَحْلَلْنَا وَلَا هُمْ مِنْ هَذَا شَيْئًا قَطُّ وَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الصَّلَاةَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السَّلَامَ زَعَمْت فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَلَامٌ، وَإِنْ سَلَّمَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ بَنَى فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ إلَّا هَذَا كَفَى بِهَا عَلَيْك حُجَّةٌ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى عَيْبِكُمْ خِلَافَ الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ خِلَافِكُمْ لَهُ. بَابُ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمَّا انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ قَتْلُ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ أَقَامَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً كُلَّمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الصُّبْحِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ اللَّهُمَّ افْعَلْ فَذَكَرَ دُعَاءً طَوِيلًا ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ» قَالَ وَحُفِظَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ النَّبِيِّ الْقُنُوتُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا عِنْدَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَحُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الْمَغْرِبِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ عِنْدَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى أَنَسٌ «عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَنَتَ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ جُمْلَةً» وَمَنْ رَوَى مِثْلَ حَدِيثِهِ رَوَى أَنَّهُ قَنَتَ عِنْدَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَبَعْدَهُ ثُمَّ تَرَكَ الْقُنُوتَ فَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ فَمَحْفُوظٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَبَعْدَهُ وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ أَحَدٌ تَرَكَهُ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصُّبْحِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَنْ مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَأَمَّا مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ تَرْكِ الْقُنُوتِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَرَادَ فَأَمَّا الَّذِي أَرَى بِالدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ دُونَ الصُّبْحِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأَقَرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ تَعْنِي ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ دُونَ الْمَغْرِب، وَتَرْكُ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَاتِ سِوَى الصُّبْحِ لَا يُقَالُ لَهُ نَاسِخٌ إنَّمَا يُقَالُ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ مَا اخْتَلَفَ فَأَمَّا الْقُنُوتُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ فَمُبَاحٌ أَنْ يَقْنُتَ وَأَنْ يَدَعَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَقْنُتْ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ قَبْلَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَلَمْ يَقْنُتْ بَعْدَ قَتْلِ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ دُعَاءٌ مُبَاحٌ كَالدُّعَاءِ الْمُبَاحِ فِي الصَّلَاةِ لَا نَاسِخَ وَلَا مَنْسُوخَ.

стр. 68

بَابُ الطِّيبِ لِلْإِحْرَامِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «سَمِعْت عَائِشَةَ وَبَسَطَتْ يَدَهَا تَقُولُ: أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ «سَمِعْت عَائِشَةَ تَقُولُ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ لِحَرَمِهِ وَلِحِلِّهِ فَقُلْت لَهَا بِأَيِّ الطِّيبِ؟ فَقَالَتْ بِأَطْيَبِ الطِّيبِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ لِحِلِّهِ وَلِحَرَمِهِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْت وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِالْجِعْرَانَةِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَةٌ يَعْنِي جُبَّةً وَهُوَ مُضَمَّخٌ بِالْخَلُوقِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ عَلَيَّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ مَا كُنْت صَانِعًا فِي حَجِّك فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِك». أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَرَى جَائِزًا لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَتَطَيَّبَا بِالْغَالِيَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ تَطَيَّبَ بِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَنَرَى إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ أَنَّ الطِّيبَ حَلَالٌ لَهُ وَنَنْهَى الرَّجُلَ حَلَالًا بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَتَزَعْفَرَ وَنَأْمُرُهُ إذَا تَزَعْفَرَ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَنْ يَغْسِلَ الزَّعْفَرَانَ عَنْهُ وَكَذَلِكَ نَأْمُرُهُ إذَا تَزَعْفَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَبِهِ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ أَنْ يَغْسِلَ الزَّعْفَرَانَ نَفْسَهُ لِلْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ تُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِغُسْلِ الصُّفْرَةِ إلَّا أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ عَنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ لِكَرَاهِيَةِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ إذَا كَانَ التَّطَيُّبُ وَهُوَ حَلَالٌ لِأَنَّهُ تَطَيَّبَ حَلَالًا بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ رِيحًا مُحَرَّمًا. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَنَأْمُرُ الْمُحْرِمَ إذَا هُوَ حَلَقَ أَنْ يَتَطَيَّبَ كَمَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَلْبَسَ عَلَى مَعْنًى إنْ شَاءَ إبَاحَةً لَهُ لَا إيجَابًا عَلَيْهِ وَنُبِيحُ لَهُ الصَّيْدَ إنْ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ. بَابُ الْخِلَافِ فِي تَطَيُّبِ الْمُحْرِمِ لِلْإِحْرَامِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فِي الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحِلَاقِ وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فَقَالَ: لَا يَتَطَيَّبُ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ عَلَيْهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدَّهِنَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا لَا يَبْقَى رِيحُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ بَقِيَ لِينُهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَإِذْهَابُهُ الشَّعَثَ قَالَ وَكَانَ الَّذِي ذَكَرَ وَاحْتَجَّ بِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ مُعَاوِيَةَ وَأَحْرَمَ مَعَهُ فَوَجَدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الطِّيبَ، وَأَنَّهُ قَالَ مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَفْقَهُ وَأَحْمَدُ مَذْهَبًا مِنْ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ قَالَ سَالِمٌ «وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، وَقَبْلَ أَنْ يَزُورَ» قَالَ سَالِمٌ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): مَا دَرَيْت إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ مَنْ خَالَفَنَا فِي تَطْيِيبِ الْمُحْرِمِ اتَّهَمَ الرِّوَايَةَ عَنْ النَّبِيِّ فَهِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَثْبَتُ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ يَرْوِيهَا عَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ وَإِنَّمَا تِلْكَ الرِّوَايَةُ

стр. 69

مِنْ حَدِيثِ رَجُلَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ وَإِنْ جَازَ أَنْ تُتَّهَمَ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ جَازَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ وَلَيْسَ يَشُكُّ عَالِمٌ إلَّا مُخْطِئٌ أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ وَقَائِلُ هَذَا يُخَالِفُ بَعْضَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي هَذَا عُمَرُ يُبِيحُ مَا حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ إذَا رَمَى وَحَلَقَ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَهُوَ يُحَرِّمُ الصَّيْدَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ وَهُوَ مِمَّا أَبَاحَ عُمَرُ فَيُخَالِفُ عُمَرَ لِرَأْيِ نَفْسِهِ وَيَتَّبِعُهُ وَيُخَالِفُ بِهِ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ كَثْرَةِ خِلَافِ عُمَرَ لِرَأْيِ نَفْسِهِ وَرَأْيِ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالَ: وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُ مَذْهَبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ أَثَرَ الصُّفْرَةِ عَنْهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ يَعْلَى حَدِيثَ عَائِشَةَ؟ قِيلَ: لَا إنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ بِالْغُسْلِ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلصُّفْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ إلَّا لِمَا وَصَفْت لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنْ الطِّيبِ فِي حَالٍ يَتَطَيَّبُ فِيهَا ﷺ وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ لِأَنَّهَا طِيبٌ كَانَ أَمْرُهُ إيَّاهُ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ عَامَ الْجِعْرَانَةِ وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَكَانَ تَطَيُّبُهُ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ فَكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ وَاَلَّذِي خَالَفَنَا يَرْوِي أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْ مُعَاوِيَةَ وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ التَّطَيُّبَ لِلْإِحْرَامِ وَالْحِلِّ وَنَرْوِيهِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ يَقُولُ مَعَنَا فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ يُصْبِحُ جُنُبًا إنَّ صَوْمَهُ تَامٌّ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ وَالتَّطَيُّبُ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ لِلرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لَا شَكَّ وَقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ يَنْظُرُ إلَى حَالِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ الطِّيبُ قَبْلَهُ كَانَ تَرْكُ قَوْلِهِ لِأَمْرِهِ بِالدُّهْنِ الَّذِي لَا يَبْقَى طِيبُهُ وَإِنْ بَقِيَ الدُّهْنُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ دَهْنَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِدَهْنِ غَيْرِ طِيبٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَا أَعْلَمُهُ اسْتَقَامَ عَلَى أَصْلٍ ذَهَبَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْقَوْلِ. بَابُ مَا يَأْكُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ مَا فِي وَجْهِي قَالَ إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ.» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَ رُمْحَهُ فَشَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَدْرَكُوا النَّبِيَّ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَيْسَ يُخَالِفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ وَكَذَلِكَ لَا يُخَالِفُهُمَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَبَيَانُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ الْمُطَّلِبِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادَ لَكُمْ». أَخْبَرَنَا مَنْ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ بِلَالٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ النَّبِيِّ هَكَذَا. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هَكَذَا (قَالَ

стр. 70

الشَّافِعِيُّ) وَابْنُ أَبِي يَحْيَى أَحْفَظُ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانَ مَعَ ابْنِ أَبِي يَحْيَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى الْحِمَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ حَيٍّ وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صَيْدٌ لَهُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَمِنْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنْ لَا يَحِلَّ لِلْمُحْرِمِ مَا صِيدَ لَهُ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ صِيدَ لَهُ كَانَ لَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَقُولُ حِينَئِذٍ لَهُ " إلَّا أَنَّا حُرُمٌ " وَبِهَذَا قُلْنَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ قَالَ وَأَمَرَ أَصْحَابَ أَبِي قَتَادَةَ أَنْ يَأْكُلُوا مَا صَادَهُ رَفِيقُهُمْ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ لَهُمْ وَلَا بِأَمْرِهِمْ فَحَلَّ لَهُمْ أَكْلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَإِيضَاحُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ حَدَّثَ أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ عَرَضَ فِي نَفْسِ امْرِئٍ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ قِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَنَعَ الْمُحْرِمَ قَتْلَ الصَّيْدِ فَقَالَ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِيدُوا صَيْدَ الْبَحْرِ، وَأَنْ يَأْكُلُوهُ إنْ لَمْ يَصِيدُوهُ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَعَامَهُ ثُمَّ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصِيدَ صَيْدَ الْبَحْرِ وَيَأْكُلَ طَعَامَهُ وَقَالَ فِي سِيَاقِهَا ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَقْتُلُوا صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَأَشْبَهَ ذَلِكَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ صَيْدَ الْبَرِّ فِي حَالَيْنِ أَنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ وَأُمِرَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِأَنْ يَفْدِيَهُ وَأَنْ لَا يَأْكُلَهُ إذَا أُمِرَ بِصَيْدِهِ فَكَانَ أَوْلَى الْمَعَانِي بِكِتَابِ اللَّهِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ وَأَوْلَى الْمَعَانِي بِنَا أَنْ لَا تَكُونَ الْأَحَادِيثُ مُخْتَلِفَةً لِأَنَّ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ تَصْدِيقَ خَبَرِ أَهْلِ الصِّدْقِ مَا أَمْكَنَ تَصْدِيقُهُ وَخَاصُّ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ خَبَرُ خَاصَّةٍ لَا عَامَّةٍ. بَابُ خِطْبَةِ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ مِثْلَهُ قَالَ وَقَدْ زَادَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِ زَوْجِهَا فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي قَالَتْ فَلَمَّا حَلَلْت فَأَخْبَرْته أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ فَكَرِهْته، فَقَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْت بِهِ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ غَيْرُ مُخَالِفٍ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي «نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَخْطُبَ الْمَرْءُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِمَّا حَفِظْت جُمْلَةٌ عَامَّةٌ يُرَادُ بِهَا الْخَاصُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَا يَنْهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي حَالٍ يَخْطُبُ هُوَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَكِنَّ نَهْيَهُ عَنْهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَأَيُّ حَالٍ نَهَى عَنْ الْخِطْبَةِ فِيهَا؟ قِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّ نَهْيَهُ عَنْ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَدَّ نِكَاحَ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِدَامٍ وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا بِلَا رِضَاهَا فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا زَوَّجَ قَبْلَ إذْنِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَوَّجَ بَعْدَ رِضَاهَا كَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَتِلْكَ الْحَالُ الَّتِي إذَا زَوَّجَهَا فِيهَا الْوَلِيُّ ثَبَتَ عَلَيْهَا فِيهَا النِّكَاحُ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. غَيْرُ هَذَا لِأَنَّهُ لَا حَالَيْنِ لَهَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا فِي النِّكَاحِ فِيهِمَا غَيْرُهُمَا وَفَاطِمَةُ لَمْ تُعْلِمْ رَسُولَ اللَّهِ إذْنَهَا فِي أَنْ تُزَوَّجَ مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَا جَهْمٍ وَلَمْ يُرْوَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَا جَهْمٍ أَنْ يَخْطُبَ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ وَلَا أَحْسَبُهُمَا خَطَبَاهَا إلَّا

стр. 71

مُفْتَرِقَيْنِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ قَالَ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بِكْرًا يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا أَوْ أَمَةً يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا فَخُطِبَتْ فَلَا نَنْهَى أَحَدًا أَنْ يَخْطُبَهَا عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ حَتَّى يَعِدَهُ الْوَلِيُّ أَنْ يُزَوِّجَهُ لِأَنَّ رِضَا الْأَبِ وَالسَّيِّدِ فِيهِمَا كَرِضَاهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، قَالَ: فَقَالَ لِي قَائِلٌ إنْ بَعْضَ أَصْحَابِك ذَهَبَ إلَى أَنْ قَالَ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْخِطْبَةِ إذَا رَكَنَتْ الْمَرْأَةُ فَقُلْت هَذَا كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا إذَا رَكَنَتْ أَشْبَهَ بِالنِّكَاحِ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَرْكَنَ، فَقِيلَ لَهُ أَفَرَأَيْت إنْ خَطَبَهَا رَجُلٌ فَشَتَمَتْهُ وَآذَتْهُ ثُمَّ عَادَ فَتَرَكَتْ شَتْمَهُ وَسَكَتَتْ ثُمَّ عَادَ فَقَالَتْ: أَنْظُرُ أَلَيْسَتْ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَقْرَبُ إلَى أَنْ تَكُونَ رَضِيَتْ بِنِكَاحِهِ مِنْهَا فِي الْحَالِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا إذَا تَرَكَتْ الشَّتْمَ فَكَأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الرِّضَا وَإِذَا قَالَتْ: أَنْظُرُ فَهِيَ أَقْرَبُ مِنْ الرِّضَا مِنْهَا إذَا تَرَكَتْ الشَّتْمَ وَلَمْ تَقُلْ أَنْظُرُ أَرَأَيْت إنْ قَالَ لَهُ قَائِلٌ إذَا كَانَ بَعْضُ هَذَا لَمْ يَسْعَ غَيْرَهُ الْخِطْبَةُ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ رَاكِنٌ وَقَرِيبَةٌ مِنْ الرِّضَا وَمُسْتَدَلٌّ عَلَى هَوَاهَا لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهَا وَإِذَا لَمْ يَجُزْ إنْكَاحُهَا فَلَا حُكْمَ يُخَالِفُ هَذَا مِنْهَا إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا وَإِذَا لَمْ تَأْذَنْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا، وَإِنْ زَوَّجَهَا رَدَّ النِّكَاحَ وَهِيَ إذَا أَذِنَتْ بِالنِّكَاحِ فَعَلَى وَلِيِّهَا تَزْوِيجُهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَإِذَا زُوِّجَتْ بَعْدَ الْإِذْنِ جَازَ النِّكَاحُ وَلَا افْتِرَاقَ لِحَالِهَا أَبَدًا إلَّا الْإِذْنُ وَمَا خَالَفَ مَنْ تَرَكَ الْإِذْنَ وَمَنْ قَالَ إذَا رَكَنَتْ خَالَفَ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا فَلَمْ يَجُزْ الْخِطْبَةُ بِكُلِّ حَالٍ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ وَلَمْ يَرُدَّهَا بِكُلِّ حَالٍ لِجُمْلَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَيَأْتِي بِمَعْنًى يُعْرَفُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَقَوْلُ مَنْ زَادَ فِي الْحَدِيثِ «حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ» لَا يُحِيلُ مِنْ الْأَحَادِيثِ شَيْئًا وَإِذَا خَطَبَهَا رَجُلٌ فَأَذِنَتْ فِي إنْكَاحِهِ ثُمَّ تَرَكَ نِكَاحَهَا وَأَذِنَ لِخَاطِبِهَا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا وَمَا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجُزْ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمِنْ أَيْنَ تَرَى هَذَا كَانَ فِي الرِّوَايَةِ هَكَذَا؟ قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحَدِّثٌ حَضَرَ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَذِنَتْ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» يَعْنِي فِي الْحَالِ الَّتِي سَأَلَ فِيهَا عَلَى جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ فَسَمِعَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ وَلَمْ يَحْكِ مَا قَالَ السَّائِلُ أَوْ سَبَقَتْهُ الْمَسْأَلَةُ وَسَمِعَ جَوَابَ النَّبِيِّ فَاكْتَفَى بِهِ وَأَدَّاهُ وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» إذَا أَذِنَتْ أَوْ كَانَ حَالَ كَذَا فَأَدَّى بَعْضَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُؤَدِّ بَعْضًا أَوْ حَفِظَ بَعْضًا وَأَدَّى مَا يَحْفَظُهُ وَلَمْ يَحْفَظْ بَعْضًا فَأَدَّى مَا أَحَاطَ بِحِفْظِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ بَعْضًا فَسَكَتَ عَمَّا لَمْ يَحْفَظْ أَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ مَا سَمِعَ فَأَدَّى مَا لَمْ يَشُكَّ فِيهِ وَسَكَتَ عَمَّا شَكَّ فِيهِ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ دُونِهِ مِمَّنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْهُ وَقَدْ اعْتَبَرْنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ أَدْرَكْنَا فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُ حَدِيثٌ فِيهَا فَيَأْتِي مِنْ الْحَدِيثِ بِحَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ يَكُونُ فِيهِمَا عِنْدَهُ جَوَابٌ لِمَا يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَتْرُكُ أَوَّلَ الْحَدِيثِ وَآخِرَهُ فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ فِي أَوَّلِهِ تَرَكَ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ جَوَابُ السَّائِلِ لَهُ فِي آخِرِهِ تَرَكَ أَوَّلَهُ وَرُبَّمَا نَشِطَ الْمُحَدِّثُ فَأَتَى بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَخْلُو مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمُعَانَى. بَابُ الصَّوْمِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالْفِطْرِ لَهُ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصُومُ قَبْلَ الْهِلَالِ بِيَوْمٍ قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ يَتَقَدَّمُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَجِبْت مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 72

قَالَ «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ». (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يُصَامَ حَتَّى يُرَى الْهِلَالُ وَلَا يُفْطَرَ حَتَّى يُرَى الْهِلَالُ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَقَدْرُهَا يَتِمُّ وَيَنْقُصُ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ لَا يَصُومُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ عَلَى مَعْنَى أَنْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَآهُ غَيْرُكُمْ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمْ صَوْمَهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ لِأَنَّ عَلَيْكُمْ إتْمَامَهُ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» يَعْنِي فِيمَا قَبْلَ الصَّوْمِ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ تَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ عَلَيْكُمْ الصَّوْمَ وَكَذَلِكَ فَاصْنَعُوا فِي عَدَدِ رَمَضَانَ فَتَكُونُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ الْفِطْرُ لِأَنَّكُمْ قَدْ صُمْتُمْ كَمَالَ الشَّهْرِ قَالَ وَابْنُ عُمَرَ سَمِعَ الْحَدِيثَ كَمَا وَصَفْت وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَقَدَّمُ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ قَالَ وَحَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ «لَا تَصُومُوا إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» يَحْتَمِلُ مَعْنَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَوْمِهِ قَبْلَ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ تَصُومُوا عَلَى مَا كُنْتُمْ تَصُومُونَ مُتَطَوِّعِينَ لَا أَنَّ عَلَيْكُمْ وَاجِبًا أَنْ تَصُومُوا إذَا لَمْ تَرَوْا الْهِلَالَ (قَالَ): وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ مِنْ أَنْ يَرَى أَنْ لَا يُوصَلَ رَمَضَانُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ اعْتَادَ صَوْمَهُ مِنْ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ فَوَافَقَ بَعْضُ ذَلِكَ الصَّوْمَ يَوْمًا يَصِلُ شَهْرَ رَمَضَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَأَخْتَارُ أَنْ يُفْطِرَ الرَّجُلُ يَوْمَ الشَّكِّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَأَخْتَارُ صِيَامَهُ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. وَلِهَذَا نَظِيرٌ فِي الصَّلَاةِ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي سَاعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ. بَابُ نَفْيِ الْوَلَدِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدًا اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصَانِي أَخِي إذَا قَدِمْت مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ فَإِنَّهُ ابْنِي فَقَالَ عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ». أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ كَانَ يَسْكُنُ دَارَنَا فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنْ وِلَادٍ مِنْ وِلَادِ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ أَمَّا الْفِرَاشُ فَلِفُلَانٍ وَأَمَّا النُّطْفَةُ فَلِفُلَانٍ فَقَالَ عُمَرُ صَدَقَ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِالْفِرَاشِ. أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ «اُنْظُرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهُ إلَّا كَاذِبًا» قَالَ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ. أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إنْ جَاءَتْ بِهِ أُمَيْغَرَ سَبِطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُدَيْعِجَ جَعْدًا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ» قَالَ فَجَاءَتْ بِهِ أُدَيْعِجَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ لَمْ يَأْمُرْ

стр. 73

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَحْكَامَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى سَرَائِرِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ غَيْرُهُ، وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ أَنْ يَحْكُمَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ أَبَدًا بِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَإِبْطَالُ أَحْكَامِ التَّوَهُّمِ كُلِّهَا مِنْ الذَّرَائِعِ وَمَا يَغْلِبُ عَلَى سَامِعِهِ وَمَا سِوَاهَا وَلِأَنِّي لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ أَمْرِ الْمُنَافِقِ أَبْيَنَ مِنْ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ لِلْمُلَاعَنَةِ، وَهِيَ حُبْلَى إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا فَتَأْتِي بِهِ عَلَى مَا وَصَفَ أَنَّهُ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ ثُمَّ لَا يُحَدُّ الَّذِي يُتَّهَمُ بِهِ وَلَا هِيَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ إلْحَاقِ النَّبِيِّ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَذَلِكَ نَفْيُهُ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَيْسَ يُخَالِفُ حَدِيثُ نَفْيِ الْوَلَدِ عَمَّنْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَعَمُّهُمَا وَأَوْلَاهُمَا أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ مَا لَمْ يَنْفِهِ رَبُّ الْفِرَاشِ بِاللِّعَانِ الَّذِي نَفَاهُ بِهِ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا نَفَاهُ بِاللِّعَانِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ وَغَيْرُ لَاحِقٍ بِمَنْ ادَّعَاهُ بِزِنًا وَإِنْ أَشْبَهَهُ كَمَا لَمْ يُلْحِقْ النَّبِيُّ الْمَوْلُودَ الَّذِي نَفَاهُ زَوْجُ الْمَرْأَةِ بِاللِّعَانِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَعَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ شَبَهَهُ بِهِ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ وَتَرَكَ النَّبِيُّ أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَجَعَلَ وَلَدَ الْعَاهِرِ لَا يَلْحَقُ كَانَ الْعَاهِرُ لَهُ مُدَّعِيًا أَوْ غَيْرَ مُدَّعٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَالْمَعْنَى الثَّانِي إذَا تَنَازَعَ الْوَلَدَ رَبُّ الْفِرَاشِ وَالْعَاهِرُ فَالْوَلَدُ لِرَبِّ الْفِرَاشِ وَإِنْ نَفَى الرَّجُلُ الْوَلَدَ بِلِعَانٍ فَهُوَ مَنْفِيٌّ وَإِذَا حَدَثَ إقْرَارٌ بَعْدَ اللِّعَانِ فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ لَهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَفَى بِهِ عَنْهُ بِالْتِعَانِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِكَذِبِهِ بِالِالْتِعَانِ كَانَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِاللِّعَانِ " لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِكُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ مَرَّةً يُلْزِمُهُ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا أَنْفِي الْوَلَدَ بِاللِّعَانِ وَأَجْعَلُ الْوَلَدَ لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَقَوْلُهُ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَنَفْيُ الْوَلَدِ عَنْ رَبِّ الْفِرَاشِ حَدِيثٌ يُخَالِفُ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ قَالَ، وَحَدِيثُ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ثَابِتٌ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ نَفْيِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ وَالْحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ أَوْضَحُ مَعْنًى وَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شُبْهَةٌ مِنْ حَدِيثِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» لِأَنَّهُ إذَا نَصَّ الْحَدِيثَ فِي الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ فَإِنَّمَا هُوَ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا وَلَدًا أَحَدُهُمَا يَدَّعِيهِ لِرَبِّ أَمَةِ الْوَاطِئِ لَهَا بِالْمِلْكِ. وَالْآخَرُ يَدَّعِيهِ لِرَجُلٍ وَطِئَ تِلْكَ الْأَمَةَ بِغَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَسَبِهِ لِمَالِكِ الْأَمَةِ. أَفَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: إذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا فَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا أَلْحَقَهُ بِالْفِرَاشِ بِالدَّعْوَى لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا فَوَلَدٌ مَوْلُودٌ عَلَى فِرَاشِ رَجُلٍ لَمْ أَلْحَقَهُ بِهِ إلَّا بِدَعْوَى يُحْدِثُهَا لَهُ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَعْقُولًا فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ بِالْحَلَالِ وَلَا يَثْبُتُ بِالْحَرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا بِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ بِدَعْوَةِ رَبِّ الْفِرَاشِ وَأَنْ يَكُونَ يَدَّعِيهِ لَهُ مَنْ تَجُوزُ دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ فَحَدِيثُ إلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْمَرْأَةِ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَفْسِيرٍ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ إلَى سُنَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ فَخَالَفَهَا أَوْ إلَى أَمْرٍ عُرِفَ عَوَامُّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْلَمْ لَهُمْ فِيهِ مِنْهُمْ مُخَالِفًا فَعَارَضَهُ أَيَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ بِخِلَافِهِ أَمْ يَكُونُ بِهَا جَاهِلًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؟ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا لِأَحَدٍ كَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْقُضَ كُلَّ حُكْمٍ بِغَيْرِ سُنَّةٍ وَبِغَيْرِ اخْتِلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ فَمَنْ صَارَ إلَى مِثْلِ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ لَا يُنْفَى الْوَلَدُ بِلِعَانٍ خَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ. ثُمَّ مَا أَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ثُمَّ مِنْ أَعْجَبِ أَمْرِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْقَوْلَ بِالْإِجْمَاعِ وَإِبْطَالِ غَيْرِهِ فَمَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ رَجُلًا لَا يَعْرِفُ إجْمَاعًا وَلَا افْتِرَاقًا فِي هَذَا أَوْ يَكُونَ رَجُلًا لَا يُبَالِي مَا قَالَ.

стр. 74

بَابٌ فِي طَلَاقِ الثَّلَاثِ الْمَجْمُوعَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا كَانَتْ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ تُجْعَلُ وَاحِدَةً» وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثٍ مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ طَلَّقْت امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ تَأْخُذُ ثَلَاثًا وَتَدَعُ تِسْعَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَتِسْعِينَ. أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ طَلَّقْت امْرَأَتِي مِائَةً فَقَالَ تَأْخُذُ ثَلَاثًا وَتَدَعُ سَبْعًا وَتِسْعِينَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُحْسَبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَاحِدَةً يَعْنِي أَنَّهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ فَاَلَّذِي يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ عَلِمَ إنْ كَانَ شَيْئًا فَنُسِخَ فَإِنْ قِيلَ فَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ فِيهِ خِلَافُهُ فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّ هَذَا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِ عُمَرَ قِيلَ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخَالِفُ عُمَرَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَبَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ وَفِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِ فَكَيْفَ يُوَافِقُهُ فِي شَيْءٍ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ فِيهِ خِلَافَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهُ؟ قِيلَ وَقَدْ يَسْأَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ فِيهِ وَلَا يَتَقَصَّى فِيهِ الْجَوَابَ وَيَأْتِي عَلَى الشَّيْءِ وَيَكُونُ جَائِزًا لَهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ لَوْ قِيلَ أَصَلَّى النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ثُمَّ حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ذُكِرَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ قِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجَوَابُهُ حِينَ اسْتَفْتَى يُخَالِفُ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْت فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فِي تَرْكِ أَنْ تُحْسَبَ الثَّلَاثُ وَاحِدَةً فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَمْرٍ أَبْيَنَ مِمَّا ذَكَرْت؟ قِيلَ: نَعَمْ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلَى امْرَأَةٍ لَهُ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إذَا شَارَفَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ارْتَجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا آوِيكَ إلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الطَّلَاقَ جَدِيدًا مِنْ يَوْمِئِذٍ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ هَذَا فَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَجَابَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَالْوَاحِدَةَ سَوَاءٌ وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ عَدَدَ الطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ وَأَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ فَسَوَاءٌ الثَّلَاثُ وَالْوَاحِدَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ الثَّلَاثِ فِي أَنْ يَقْضِيَ بِطَلَاقِهِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَحَكَمَ اللَّهُ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ مَرَّتَانِ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يَعْنِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الثَّلَاثَ ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فَدَلَّ حُكْمُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحَرَّمُ بَعْدَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَجَعَلَ حُكْمَهُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إلَى الْأَزْوَاجِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَدَثَ تَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ وَجَعَلَ الطَّلَاقَ إلَى زَوْجِهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَهُنَّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَمَا كَانُوا مُمَلَّكِينَ عِتْقَ رَقِيقِهِمْ فَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا أَوْ مِائَةً فِي كَلِمَةٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ كُلُّهَا جَمَعَ الْكَلَامَ فِيهِ أَوْ فَرَّقَهُ مِثْلُ قَوْلِهِ لِنِسْوَةٍ لَهُ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ وَوَاللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ وَأَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَقَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا وَلِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِجَمْعِ الْكَلَامِ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي جَمِيعُهُ كَلَامٌ فَيَلْزَمُهُ بِجَمْعِ الْكَلَامِ مَا يَلْزَمُهُ بِتَفْرِيقِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ مِنْ سُنَّةٍ تَدُلُّ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ: نَعَمْ. حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: «جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى

стр. 75

يَذُوقَ عُسَيْلَتَك وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ قَالَ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ هَذِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رِفَاعَةُ بَتَّ طَلَاقَهَا فِي مَرَّاتٍ قُلْت ظَاهِرُهُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبَتَّ إنَّمَا هِيَ ثَلَاثٌ إذَا احْتَمَلَتْ ثَلَاثًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» وَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ حَسَبَتْ طَلَاقَهَا بِوَاحِدَةٍ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى رِفَاعَةَ بِلَا زَوْجٍ فَإِنْ قِيلَ أَطَلَّقَ أَحَدٌ ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ؟ قِيلَ: نَعَمْ «عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ النَّبِيُّ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِاللِّعَانِ فَلَمْ أَعْلَمْ النَّبِيَّ نَهَاهُ» «وَفَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَحْكِي لِلنَّبِيِّ أَنَّ زَوْجَهَا بَتَّ طَلَاقَهَا تَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ النَّبِيُّ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ» لِأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ أَعْلَمْهُ عَابَ طَلَاقَ ثَلَاثٍ مَعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَلَمَّا كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي رِفَاعَةَ مُوَافِقًا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَكَانَ ثَابِتًا كَانَ أَوْلَى الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ فِيهِ جِدًّا (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَهُ مُخَالِفًا كَانَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ يَكُونُ نَاسِخًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ فِيهِ جِدًّا. بَابُ طَلَاقِ الْحَائِضِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَيْمَنَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ فَقَالَ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ «طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ فَقَالَ النَّبِيُّ لِيَرْتَجِعْهَا فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، فَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ يُمْسِكْ». أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا إلَى نَافِعٍ يَسْأَلُونَهُ هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ عُمَرَ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَ عُمَرَ أَنْ يُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ» دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ رَاجِعِ إلَّا مَا قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ طَلَاقُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ هَذَا فِي ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ وَإِنَّ مَعْرُوفًا فِي اللِّسَانِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ رَاجِعِ امْرَأَتَك إذَا افْتَرَقَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ شَبِيهٌ بِهِ وَنَافِعٌ أَثْبَتُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَالْأَثْبَتُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إذَا خَالَفَهُ وَقَدْ وَافَقَ نَافِعًا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّثْبِيتِ فِي الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: أَحَسِبْت تَطْلِيقَةَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ تَطْلِيقَةً؟ فَقَالَ: فَمَهْ أَوْ إنْ عَجَزَ يَعْنِي أَنَّهَا حُسِبَتْ قَالَ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُحْسَبُ قَوْلُ اللَّهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ لَمْ يَخُصَّ طَلَاقًا دُونَ طَلَاقٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَمَا وَافَقَ ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْحَدِيثِ أَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ إذَا مَلَّكَ الْأَزْوَاجَ الطَّلَاقَ وَجَعَلَهُ إحْدَاثَ تَحْرِيمِ الْأَزْوَاجِ بَعْدَ أَنْ كُنَّ حَلَالًا وَأُمِرُوا أَنْ يُطَلِّقُوهُنَّ فِي الطُّهْرِ فَطَلَّقَ رَجُلٌ فِي خِلَافِ الطُّهْرِ لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ إنْ كَانَ عَالِمًا تَطْرَحُ عَنْهُ التَّحْرِيمَ ثُمَّ إذَا حُرِّمَتْ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ مُطِيعٌ فِي وَقْتِهِ كَانَتْ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ إذَا كَانَ عَاصِيًا فِي تَرْكِهِ الطَّلَاقَ فِي الطُّهْرِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَزِيدُ الزَّوْجَ خَيْرًا إنْ لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِقَوْلِهِ فَلَمْ تُحْسَبْ شَيْئًا وَجْهٌ؟ قِيلَ لَهُ الظَّاهِرُ فَلَمْ تُحْسَبْ تَطْلِيقَةً وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَمْ تُحْسَبْ شَيْئًا صَوَابًا غَيْرَ خَطَأٍ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ أَنْ لَا يُقِيمَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْمُرَاجَعَةِ وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا الَّذِي طَلَّقَ طَاهِرًا امْرَأَتَهُ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَخْطَأَ فِي جَوَابٍ أَجَابَ بِهِ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا صَوَابًا.
следующие страницы →