[المسألة الأولى] :
أنَّ هذا الحكم ذَكَرَ أنه مختصٌ بأهل القبلة فقال (وَلَا نُنَزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ) يعني من أهل القبلة (جَنَّةً وَلَا نَارًا) ؛ لأنَّ أهل القبلة ظاهرهم الإسلام والله قد وَعَدَ المسلم بالجنة، وقد تَوَعَّدَ من عصاه من أهل الإسلام بالنار.
فهذا الحكم مختصٌ بأهل القبلة، فمن مات من أهل الإسلام لا يُشْهَدُ عليه بأنه من أهل النار ولا يُشْهَدُ له بالجنة، إلاّ من شَهِدَ له رسول الله ﷺ كما سيأتي.
وإذا تبيَّنَ هذا فلا يدخل في كلامه من مات على الكفر وقد كان في حياته كافراً؛ كان طول حياته نصرانياً، أو كان طول حياته يهودياً، أو كان طول حياته وثنياً أو مشركاً الشرك الأكبر المعروف؛ يعني من أهل عبادة الأوثان أو ممن لا دين له.
فهؤلاء لا يدخلون في هذه العقيدة؛ بل يُشهَدُ على من مات منهم بأنه من أهل النار؛ لأنه مات على الكفر وهو الأصل.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال «حيثما مررت بقبر كفار فبشره بالنار» (١) وهذا عموم وهو الموافق للأصل، وهو أنَّ من مات على الكفر نحكم عليه بالظاهر، ولا نقول قد يكون مات على الإسلام؛ لأنَّ هذا خلاف الأصل.
والقواعد المُقَرَّرَةْ تقضي باتباع واستصحاب الأصل.
لهذا المسلم نستصْحِبُ أصلَه -كما سيأتي- فلا نشهد عليه بشركٍ ولا كفرٍ ولا نفاق إذا مات، كذلك نستصحب الأصل في من مات على الكفر من النصارى واليهود والوثنيين وأشباه هؤلاء.
ومِنْ أهل العلم من أدخَلَ الحكم على المُعَيَّنْ الذي ورد في هذه الجملة الكفار بأنواعهم فقال: حتى الكافر لا نشهد عليه إذا مات لأننا لا ندري لعله أسلم قبل ذلك.
وهذا خلاف الصواب وخلاف ما قرَّرَهُ أهل التوحيد وأئمة الإسلام في عقائدهم، فإنَّ كلامهم كان مُقَيداً بمن مات من أهل القبلة، أما من لم يكن من أهل القبلة فلا يدخل في هذا الكلام.
стр. 458
[المسألة الثانية] :
ذكرنا لك أنَّ أصل هذه العقيدة تعظيم صفات الله وعدم الخوض في الأمور الغيبية، والعلماء في إعمالِ هذا الأصل في هذه المسألة لهم أقوال:
١- القول الأول: من قال: لا أشهد لأحدٍ ولا على أحدٍ مُطلقاً، وإنما نشهد للوصف للجنس دون المعين، فنقول: المؤمن في الجنة، والظالم في النار، والمؤمن المسدد في الجنة، ومرتكب الكبيرة متوَعَدْ بالنار، ونحو ذلك من ذكر الجنس والنوع دون ذكر المعين، إعمالاً منهم للأصل الذي ذكرنا، وأنَّ الحكم بالخاتمة أمرٌ غيبي لا ندري هل حصل الختام بالتوحيد أم لا.
٢- القول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم وأئمة أهل الحديث والسنة والأثر أنَّ هذه المسألة غيبية فمجالها ومدارها على قاعدة الأمور الغيبية أنّه يُقْتَفَى فيها الدليل دون تجاوز للقرآن والحديث، فلا يُنَزَّلُ أحد جنة ولا نار إلا من أنزله الله الجنة أو أنزله النار بدليلٍ من الكتاب أو من السنة، وسواءٌ في هذا النوع الوصف الجنس أو المعين.
فجاءت الشهادة لأبي بكر ﵁ بأنه من أهل الجنة في القرآن، وجاءت الشهادة لأهل البيت بأنهم مُطَهَّرُون أيضا بالقرآن منهم علي ﵁ وفاطمة وزوجات النبي ﷺ الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ونحو ذلك، وجاء في السنة الشهادة على مُعَيَّنِينَ من الصحابة بأنهم في الجنة كما في العشرة المبشرين بالجنة: الخلفاء الأربعة، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبي وقاس، وسعيد بن زيد إلى آخره، وكذلك الشهادة لبلال ﵁، ونحو ذلك ممن جاء في الحديث أنه من أهل الجنة، وكذلك من شُهِدَ عليه بالنار ممن هو منتسب إلى القبلة مِما جاء في السنة فإننا نشهد عليه بالنار.
وهذا القول هو المراد بكلام الطحاوي هذا وهو قول جمهور أهل الحديث والسنة.
٣- القول الثالث: فهو مثل القول الثاني؛ لكنه زاد عليه بأنَّ الشهادة المستفيضة للإنسان من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل الوعيد فإنه يُشهَدُ للمعين أو يُشهَدُ عليه بالشهادة المستفيضة.
وهذا جاء رواية عن الإمام أحمد وعن غيره من الأئمة واختارها الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمهم الله تعالى، وقال (دلت السنة على هذا الأصل فإنَّ النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثْنِيَ عليها خيراً فقال «وجبت» ، ثم مُرَّ بجنازة أخرى فأثنى الصحابة عليها شراَ، فقال «وجبت» ، قالوا يا رسول الله ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه» (١) ، وأيضاً جاء عنه ﷺ أنه قال «يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار» قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال «بالثناء الحسن وبالثناء السيئ» (٢) .
فيدخل في هذا القول المعرُوفون الذين شُهِدَ لهم بقدم الصدق من صحابة رسول الله ﷺ ، وكذلك من شُهِدَ له من أئمة الإسلام بهذا المقام كالإمام مالك مثلاً والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم ونحوهم من أئمة الإسلام.
* والأظهر هو القول الثاني وهو قول الجمهور؛ لأنّ الشهادة بالاستفاضة هذه الدليل يتقاصر على أنْ يُشهَدَ له مطلقاً، ولكن يكون الرجاء فيه أعظم، ولهذا في الحديث الأول قال «وجبت» ، فدلَّ على أنَّ شهادتهم له في مقام الشفاعة له لأنه قال «أثنيتم عليها خيرا فوجبت» فدل على أنَّ الوجوب له بالجنة مترتب على الثناء عليه بالخير، وليس الثناء عليه بالخير نتيجة وإنما هو سبب لوجوب الجنة، فكأنه في مقام الشفاعة له والدعاء له، وليس هذا مطلقاً.
والحديث الثاني أيضا يُحْمَلْ على هذا بأنه في مقام الشفاعة والدعاء له، بالإضافة إلى أنّ القول الأول هو قول الأكثر من أئمة أهل الإسلام.
стр. 459
[المسألة الثالثة] :
أننا إذا لم نشهد لأحدٍ أو على أحدٍ فإنَّ المقصود المُعَيَّنْ، أما الجنس والنوع فنشهد للجنس والنوع، فنشهد على الظالم بالنار دون تنزيله على معين، ونشهد للمطيع بالجنة دون تنزيله على معين.
والمقصود إذا مات على ذلك، إذا مات المطيع على الطاعة، وإذا مات الظالم على الظلم؛ لأنَّ المسألة مبنية على ما يُختَمُ للعبد، وقد صَحَّ عنه ﷺ في الصحيح أنه قال «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يَكُونَ بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١) ، وهذا يدل على أنَّ الأعمال بالسوابق -سوابق الكتاب- وبالخواتيم، وهذا يمنع من الشهادة المُعَيَّنَة لأنَّ الأعمال بالسوابق والخواتيم، والله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهذا غيبي، وخَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلاً وهذا أمر غيبي.
فإذاً الشهادة على الجنس أو للجنس بالجنة أو على نوع بالنار هذا المقصود من مات على ذلك، من مات على الطاعة فإننا نشهد لجنس الميتين على الطاعة، ولجنس من مات على الكبيرة بأنَّهُ مُتوَعَد بالعذاب قد يغفر الله له وقد يُؤاخذه بذنوبه.
стр. 460
[المسألة الرابعة] :
أننا مع ذلك كله فإننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء .
أهل السنة أهل رحمة لأنَّ النبي ﷺ كان رحيماً بهذه الأمة، فيرِثُ أهل السنة الرحمة من صفاته ﷺ ، فيرحمون هذه الأمة، ومن رحمتهم لها أنهم يرجون لأهل الإحسان ويخافون على أهل الإساءة.
ورجاؤُهُم لأهل الإحسان يحمِلُهُم على أن يَدْعُو لهم وأن يُصَلُّوا عليهم إذا ماتوا؛ لأنَّ حق المسلم على مسلم ست ومنها أنه إذا مات يُصَلِّي عليه ويدعو له.
وتَحْمِلُهُم الرحمة للمسيء أنه إذا مات على الإساءة أنه يُخافُ عليه الإساءة، فيُسْأَلْ الرب أن يغفر له ذنبه وأن يتجاوز عن خطيئته وأن يبارك له في قليل عمله، ونحو ذلك من آثار الرحمة.
ولهذا يدعو المسلم لجميع المسلمين لمن كان منهم صالحاً ومن كان منهم غير صالح؛ بل من الدعاء الذي تداوله أهل السنة والعلماء أن يُسأَلْ الرب أن يُشَفَّعَ المحسن في المسيء، وأن يُوهَبْ المسيء للمحسن، مثل ما في دعاء القنوت الذي يتداوله الأكثرون: وهب المسيئين منا للمحسنين، (هب المسيئين) يعني من كان مُسيئَاً عاصياً عنده ذنوب هبه للمحسن فَشَفِّعْ المُحْسِنَ فيه في هذا المقام بالدعاء.
وهذا كله من آثار الرحمة التي كان عليها ﷺ ، فإنه كان بهذه الأمة رحيماً؛ بل كان رحمةً للعالمين ﷺ .
فإذاً نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولرجائنا للمحسن آثار، ولخوفنا على المسيء آثار.
فرجاؤنا للمحسن يحمِلُنَا على توليه وكثرة الدعاء له ونُصْرَتِهِ واقتفاء أثره.
وخوفنا على المسيء يحملنا على الدعاء له والاستغفار ونحو ذلك، فكان أسيراً للشيطان، ونسأل الله له المغفرة الرضوان.
стр. 461
[المسألة الخامسة] : (١)
وهي مسألة الشهادة بما يدل على الشهادة بالجنة، مثل أن يقال فلان شهيد، إذا كان شهيداً فالله ذكر ونَصَّ على أن الشهداء بالجنة.
وكذلك الشهادة له بالمغفرة، المغفور له، المرحوم، النفس المطمئنة، ونحو ذلك، مما هو من أسباب دخول الجنة.
فإذا شُهِدَ له بهذه الأوصاف بأنه غُفِرَ له فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، فإذا شُهِدَ له بأنه مرحوم فقد شُهِدَ له بأمر غيبي، إذا شُهِدَ له بأن نفسه مطمئنة ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨-٣٠] ، فقد شُهِدَ له بالجنة.
فإذاً الشهادة للمُعَيَّنِ بالجنة ممنوعة، وكذلك بما يَدُلُّ على أنه يُشهَدُ له بالجنة، مثل هذه الأسباب ونحوها.
من ذلك الشهادة له بأنه شهيد وقد جاء في صحيح البخاري بحث هذه المسألة، وبَوَّبَ عليها هل يقال فلان شهيد؟ وذكَرْ أثر عمر (إنكم تقولون لمن مات في معارككم فلانٌ شهيد فلانٌ شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يقتل في سبيله) (٢) .
لأنه هل كان يُقَاتِلُ يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟
هذا أمر غيبي فلذلك لا تجوز الشهادة لمعين؛ لكن نرجوا له، من مات في أرض المعركة نرجوا له الشهادة، نقول نرجوا له أن يكون شهيداً وهذا تبع للأصل أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.
نسأل الله سبحانه لنا جميعاً أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن يجزل لنا الأجر على قليل عملنا، وأن يغفر لنا كثرة الذنب والخطايا فإنه سبحانه جوادٌ كريم، اللهم فأجب واغفر جماً إنك على كل شيء قدير.
[المسألة الأولى] :
قوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) يعني على المُعَيَّن من أهل القبلة، وهذا يدلُّ على أنَّ المُعَيَّن من أهل القبلة قد يجتمع فيه إيمان وكفر، ويجتمع فيه إسلام وشرك، ويجتمع فيه طاعة وإسلام وإيمان ونفاق، وهذا هو المُتَقَرِّرْ عند الأئمة تَبَعَاً لما دلَّ عليه الدليل، فإنَّ المُعَين قد يجتمع فيه الإيمان فيكون مؤمناً ويكون عنده بعض خصال الكفر؛ يعني من الكبائر مما لا يُخرجه من الإيمان.
فمثلا قتال المسلم كفر وسبابه فسوق كما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) ، فسِبَابُ المسلم فسوق وقتاله كفر فيجتمع في المسلم فسوقٌ وطاعة وكفرٌ وإيمان، كذلك قال ﷺ «ثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» (٢) ونحو ذلك من خصال الكافرين، فلا يعني وجود بعض خصال الكُفْرْ في المُعين أن يُحْكَمْ عليه بالكفر، الحكم بغير ما أنزل الله في حق القاضي أو في حق المُعَين إذا حَكَمَ بغير ما أنزل الله وهو لا يعتقد جواز ذلك أو يعلَمْ أنَّ بحكمه عاص، يعني حَكَمَ وهو يعلم أنه بحكمه عاصٍ ومُخطِئ فإنه اجتمع فيه كفر وطاعة.
فلا يُخرَج أحد من الإيمان بخصلة من خصال الكفر وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال الشرك وُجِدَتْ فيه، أو خصلة من خصال النفاق وُجِدَتْ فيه، فإن المؤمن يجتمع فيه هذا وهذا.
ولهذا قال (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ وَلَا بِشِرْكٍ وَلَا بِنِفَاقٍ) إذا كان مُسْتَسِرَّاً بذلك (مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) ، فإن ظَهَرْ تَشْهَدُ عليه بقدر ما ظَهَرْ، والشهادة عليه جوازاً لا وجوباً كما سيأتي في المسألة التي بعدها.
كذلك الشرك يكون مؤمن ويكون عنده شرك أصغر، يكون عنده حلف بغير الله مما هو من الشرك الأصغر، أو تعليق التمائم واعتقاد أنها أسباب، أو نسبة النِعَمْ إلى غير الله أو نحو ذلك من أمور الشرك الأصغر أو الشرك الخفي من يسير الرياء ونحوه، فيجتمع في المؤمن هذا وهذا.
وكذلك بعض خصال النفاق يكون المؤمن مطيعاً مسلماً؛ لكن عنده خصال النفاق إذا وعد أخلف، وإذا حدَّثَ كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ونحو ذلك من خصال النفاق.
стр. 464
[المسألة الثانية] :
أنَّ قوله (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ) يعني أنَّه إذا ظَهَرَ منهم فإننا قد نشهد عليهم، يعني يجوز لنا الشهادة إذا ظهر منهم شيء من ذلك، وجواز الشهادة عليهم منوطٌ بالمصلحة؛ لأنها من باب التعزير، فقد يجوز أن يُشْهَدَ على مُعَيَّنْ ببعض خصاله؛ خصال الكبائر التي فيه أو الشرك الأصغر الذي فيه أو بعض خصال النفاق الذي فيه إذا كانت الشهادة عليه بذلك عَلَنَاً فيها مصلحة مُتَعَدِّيَة، أما إذا لم يكن فيها مصلحة، فإنَّ الأصل على المسلم أنه لا يُشْهَدُ عليه بل يُسْتَرُ عليه.
وهذا يدل على أنَّ الأصل في المؤمن ما دام اسم الإيمان باقياً عليه الأصل فيه أن يكون على اسم الإسلام وعلى اسم الإيمان وعلى اسم الطاعة، فلا يُنْتَقَلْ عن الأصل في الثناء عليه وفي الشهادة له بالإسلام والإيمان والتسديد إلاّ إذا كانت فيها مصلحة.
فإذاً ليس الأصل الشهادة على المُخَالف أو على من فيه كُفْرْ (خصلة من كفر أو شرك) نشهد عليه بهذه الأشياء؛ بل هذه منوطة بالمصلحة المتَوَخَّاة؛ لأنها من باب التعزير، ويدل على ذلك أنَّ النبي ﷺ ما شَهِدَ على هؤلاء الذين فعلوا هذه الأشياء إلا على مُعَيَّنِيْنْ قِلَّة، وأما الأكثر فإنه ﷺ حَمَلَهُمْ على الظاهر، وأهل النفاق الذين باطنهم نفاق ما أعلن أسماءهم ﷺ ولا شهد عليهم لكل أحد لأن المصلحة بخلاف ذلك.
стр. 465
[المسألة الثالثة] :
هذا كله في أهل القبلة، أما من خَرَجَ من الإسلام بكفرٍ أكبر أو بشركٍ أكبر أو بردةٍ وقامت عليه الحجة في ذلك فإنه يُشهَدُ عليه بعينه لأنه ظهر منه ذلك واستبان.
[المسألة الأولى] :
قوله (وَلَا نَرَى السَّيْفَ) هذه الكلمة مصطلح شائع عند العلماء والناس في القرون الثاني والثالث والرابع، فكان يُمَيَّزْ مَنْ من يُحَبِّذْ الخروج ولو لم يدخل فيه بِفِعْلِهِ وإنما يَسْتَحْسِنُهُ لفظاً ويُؤَيِّدُ من يَفْعَلُهُ، كان يُوصم عند الأئمة بأنه كان يرى السيف، ويُوصَفْ من خالفهم ثناءً عليه بأنه كان لا يرى السيف.
وقد ضَعَّفَ الأئمة جمعاً من الرواة وقدحوا فيهم بقولهم كان يرى السيف.
والإمام أحمد حذَّرَ من عدد وكذلك سفيان وغيرهما ووكيع وجماعة كانوا يُحَذِّرُونَ من فلان؛ لأنه كان يرى السيف.
فإذاً مصطلح (لَا نَرَى السَّيْفَ) هذا يراد به أحد فئتين:
- الفئة الأولى: من يرى الخروج على الولاة بعامة، سواء أدخل في الخروج بلسانه ويده أم كان يراه عقيدة.
- الفئة الثانية: من رأى جواز قتل المعين إذا ثبت عِنده كفر منه أو ردة، ولا يكل ذلك إلى الإمام.
والسلف يُسَمُّونَ من كان على أحد هذين الوصفين يقولون (كان يرى السيف) .
وفي تهذيب التهذيب عِدَّةْ تراجم، كثير من التراجم ممن طَعَنَ فيهم الأئمة بهذا القول كان يرى السيف ونحو ذلك.
стр. 468
[المسألة الثانية] :
هذه الجملة دَلَّ عليها القرآن والسنة في مواضع كثيرةٍ منها:
قوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ، وقوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] ، ومنها قوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] ، يعني لا يكون لمؤمن أن يتجرأ ويسفك دم مؤمن واحد إلا خطأ، أَمَّا يَتَعَمَّدْ فهذا معه لا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه ارتكب هذه الكبيرة العظيمة التي قال الله فيها بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
وأيضاً قول الله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ -يعني بالقتل- ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] ، فدَلَّ على أنَّ من تَجَرَأَ على المُقَاتَلَةْ أنه ليس من أمر الله في شيء؛ بل خَرَجَ عن أمر الله وهو شريعته ودينه الذي جاء به محمد ﷺ .
ومنها أيضاً في السنة قول النبي ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ، وفي اللفظ الآخر «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١) ، فهذا يدل على أنَّ الأصل أنْ لا أحد يتجرأ ويسفك الدم أو يراه.
فلا يحل ذلك فِعْلاً، وكذلك لا يحل أن يُعْتَقَدَ جواز قتل مسلم باقٍ على اسم الإسلام وهو ليس من هذه الأصناف الثلاثة.
стр. 469
[المسألة الثالثة] :
قوله (إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.) يعني من الأمة.
ووجوب السيف (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ) هذا لمن بيده السيف وهو ولي الأمر المسلم.
فولي الأمر هو الذي بيده أن يسفك الدم تحقيقاً للشرع لا بمحض الهوى، فيقتل تحقيقاً للشرع لا بمحض الهوى، ويحكم ويأمر بالقتال أو يأمر بقتل معين أو بقتال طائفة ونحو ذلك، فهو الذي بيده السيف وهو الذي له هذا الحكم.
وليس لآحاد الناس من العلماء أو من العامة هذا الأمر، يعني أن يَقْتُلُوا؛ لأنَّ السيف ليس بيدهم وإنما السيف بيد ولي الأمر الذي بيده الحَلْ والأمر والنهي وبيده الأمور في القتال وفي إقامة الحدود وأشباهها.
* وهذا يبين أنَّ المسألة التي تظهر في بعض الأمكنة وهي مسألة الاغتيالات؛ أن يُغْتَالَ من ظاهره الإسلام، أو من لم يَحْكُمْ عليه ولاة الأمر -من العلماء في الأمر الديني والحكام والأمراء في الأمر العام- من لم يحكموا عليه بأنه يقتل، فلا يحل لأحد أن يتجرأ على قتله أو على اغتياله.
والنبي ﷺ إنما أباح اغتيال كعب بن الأشرف في القصة المعروفة لمصلحة عامة ولأنه هو الإمام.
وإلا فالأصل العام بالشريعة أنَّ هذا الأمر للإمام أولاً ثُمَّ أنَّه لا يُؤَاخَذُ أحد إلا بظهور ذلك منه وحُكْمٍ شرعي عليه.
فمن ظَهَرَتْ منه زندقة أو كفر أو رِدَّةْ ولم يَحْكُمْ عليه ولي الأمر بذلك فلا يحل لأحد أن ينتهك دمه وأن يسفك دمه؛ لأنَّهُ حينئذ له حكم الزنادقة وله حكم المنافقين، والنبي ﷺ سيرته مع المنافقين ظاهرة، والصحابة ربما عَلِمُوا أنَّ فلاناً منافق ولم يتجرؤوا على قتله حتى يستأذنوا رسول الله ﷺ ، واستأذنوه في قتل عدد فلم يأذن لهم، قال لهم مرة «لا، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وأولئك النفر الذي استهزؤوا ونزل فيهم قول الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ، والقصة المعروفة في سبب نزولها ولم يَرِد أن محمداً ﷺ قتلهم.
ولمَّا حصلت القصة المعروفة قالوا له يا رسول الله: أنقتل هؤلاء؟
قال «لا، لا يُتحَدَّثْ أن محمدا يقتل أصحابه» (١) .
وكانوا يستأذنونه، فقال عمر لمَّا حَصَلَ من حاطب ﵃ ما حصل قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا استئذان من النبي ﷺ .
فإذاً القاعدة الماضية والتي دلَّتْ عليها الأدلة وسيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة، وكذلك ما قَرَّرَهُ الأئمة من أنَّ الحكم بقتل أحد أو تنفيذ ذلك ليس إلا لولي الأمر، وهذا فيه من المصالح العظيمة وتحقيق المقاصد الشرعية ما يجب معه الاعتناء بهذا الأصل، وأن لا يَدْخُلُ أحد من المسلمين في هذه التبعة العظيمة بقولٍ أو بفعل.
ولهذا جاء في الحديث وفي إسناده بحث لكن حسَّنَهُ عدد من أهل العلم رواه ابن ماجه وغيره «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لم يرح رائحة الجنة أو كان من أهل النار (٢) » وهذا فيه الإعانة على قتل مسلم بشطر كلمة، فكيف من يتكلم بلسانه ويُعين على قتل مسلم أو يُفتي بذلك، وهو ليس من ولاة الأمر من العلماء أو القضاة أو ممن جُعِلَ لهم ذلك.
فالواجب في هذا الأمر رعاية هذا الأصل العظيم، والسلامة في هذا الأصل، ولا يَتَجَرأَ أحد على هذا المقام؛ لأنَّ الأصل حُرْمَةْ دم من أَظْهَرَ الإسلام، ومن حصل منه ردة أو عُلِمَتْ منه زندقة أو نفاق فيوكل إلى ولي الأمر، ولا يجوز لآحاد الناس منهم أن يفتئتوا على ولي الأمر وأن يقْتُلُوا، ولو جاز ذلك لتسابق الصحابة رضوان الله عليهم على قتل المنافقين الذين علموا نفاقهم؛ بل لَقَتَلَهُم الرسول ﷺ .
والمسألة منوطة بالمصلحة وبإذن الإمام سواءٌ من القتل الابتدائي ممن عُلِمَ نفاقه أو رِدَّتُهُ أو زندقته، أو في الاغتيال الذي فيه قتل دون رجوع إلى الإمام.
نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) .
стр. 470
الأسئلة:
س١/ تكلمتم أنَّ النصارى كفار يجوز الجزم بدخولهم النار فما موقفنا أمام الآيات التي تستثني بعضهم؟
ج/ ما جاء من استثناء بعضهم هو استثناء لمن مات مؤمناً، لمن أسلم، من أسلم منهم فله حكم أهل الإسلام هذا ما مات على الكفر، كقوله ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢] ، هذا في فئة آمنت أسلمت، لهذا قال بعدها ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣-٨٤] ونحو ذلك، فهؤلاء فيمن أسلم، وأما من يسلم فإنه باق على كفره.
س٢/ إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟
ج/ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضرراً في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها.
س٣/ كيف قتلت حفصة أم المؤمنين الساحرة التي سَحَرَتْهَا وكيف قتل جُنْدُبْ الساحر الذي كان عند الوليد بن عبد الملك وليس لهما من الأمر شيء.
ج/ آخر السؤال: ليس لهما من الأمر شيء، هذا يحتاج إلى دليل؛ يعني فيه نوع تأصيل وهو ليس بظاهر.
الظاهر العلماء لما ذَكَرُوا هاتين الصورتين وأمثالها قالوا إنَّهُ مُخَوَّلْ لهما ذلك.
وما جاء في الأحاديث قد يكون ثَمَّ فيه اختصار، ففي أحاديث النبي ﷺ يكون اختصار فكيف بأفعال الصحابة رضوان الله عليهم، والأصل أنه لا تُعَارَضْ الأصول الشرعية والأدلة من الكتاب والسنة بفعل بعض الصحابة، فإذا فَعَلَ أحد من الصحابة فِعْلَاً يخالف الأصول، فإننا نُرْجِعُهُ إلى الأصول ونحمله على المُحْكَمَات؛ بل بعض أفعال النبي ﷺ بل بعض آيات القرآن إذا كان فيها اشتباه ولم يتضح لنا وجهها وكونها مخالفة للقواعد أو الأصول أو للآيات الأخرى فنُرْجِعُهَا إليها، فيكون من باب حمل المتشابه على المحكم وفهم المتشابه بالمحكم.
أفعال الصحابة رضوان الله عليهم ليست حجة بمجردها فنفهمها على وفق الأدلة، فالعبرة بالدليل الكتاب والسنة وفعل النبي ﷺ سنته، أما فعل الصحابة فالصحابة حصل منهم أو بعض التابعين حصل منهم خروج أصلاً على الأئمة، فهذا اجتهاد اجتهدوه في بعض المسائل؛ لكن لا يُوَافِقُ الأدلة من الكتاب والسنة ولا يُوَافِقُ ما قرَّرَهُ الأئمة من الصحابة وأئمة الإسلام في أصل الاعتقاد وفي الاتباع.
لهذا كتأصيل لا تُعَارَضْ الأدلة بفعلٍ قد يكون لم يُنْقَلْ جميع أسبابه، قد يكون أُختُصِرْ إلى آخره.
فإذاً ليس لهما من الأمر شيء، هذه محل نظر وتحتاج إلى تأمل يعني في وجه هذه المقولة.
وهذا ذكرته لكم مرة في محاضرة بعنوان قواعد القواعد في كيف تفهم الأدلة؟ كيف تفهم أفعال السلف؟
الآن كل واحد يجيء يقول السلف فعلوا كذا؛ لكن فعل السلف أقل درجة من نص القرآن، والله جعل نصوص الوحي منها محكم ومنها متشابه، وما ضَلَّتْ الفرق إلا بأخذ المتشابه من كلام الله بأخذ المتشابه من كلام النبي ﷺ ، وعدم الرجوع فيه إلى العلماء من الصحابة والرجوع فيه إلى المُحْكَمْ فكيف بمن نَزَلَ مراحل واستدل بالمتشابه من أفعال السلف، هذا لابد أن يكون عندك فهم كيف تَعَامَلْ الأئمة والسلف في هذا، ويكون قاعدة لك في حمل المتشابه من أفعالهم على المُحْكَمْ من النصوص؛ لأن الأصل أنهم لا يخالفون وإذا لم يكن ثَمَّ مجال للحمل فيكون اجتهاد منهم خالفوا فيه الدليل وأمرهم إلى الله .
ولهذا جاء في كلام علي ﵁ في مقابلته لبعض الفرق قال (إذا سمعتم بالحديث عن النبي ﷺ فَظُنُّوا به الذي هو أهْنَاهُ وأَفْقَاهْ) الحديث عن النبي ﷺ قد يكون فيه أيضاً مجال شبهة.
стр. 471
مثلاً الحديث المشهور أنَّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال له يا رسول الله إن امرأتي لا تَرُدُّ يد لامس. فقال له النبي ﷺ «غَرِّبها» وفي رواية «فارقها» ، قال: يا رسول الله أخاف أن تَتْبَعُهَا نفسي. وفي الرواية الأخرى قال: يا رسول الله إني أحبها. قال «فاستمتع بها» (١) .
قال الإمام أحمد: لم يكن النبي ﷺ ليأمره أن يبقيها مع فجورها، ولهذا صار تفسير (إن امرأتي لا ترد يد لامس) ليس معناه أنها تمشي في الفاحشة، أي أنَّ كل من جاءها يريدها في نفسها وافقت، وإنما معناه القول الثاني الذي هو قول جمهور العلماء أنها تتصرف في مالي، ومن أراد من قرابتهافإنها تأخذ من مالي في البيت وتعطيه، يعني تصرفت وأرهقتني في التصرفات المالية إلى آخره، هذه لا ترد يد لامس.
يد لامس لها أو يد لامسٍ لمالي؟
هذا ما ذُكِرْ، فهنا نظن بالنبي ﷺ مثل ما قال علي الذي هو أهناه وأفقاه.
وهكذا أفعال السلف الصالح نظن بها الذي هو موافق للدليل، هذا الأصل أن تحملها على موافقة أهل السنة، موافقة أفعالهم للدليل، إذا خالفوا الأدلة فإنها اجتهاد، هم بشر يجتهدون ويُؤْجَرُون على اجتهادهم وقد يصيبون وقد يخطئون.
أسأل الله أن يبارك لي ولكم في العلم والعمل، وأن يقينا العِثَارْ وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)
стр. 472
: [[الشريط الرابع والثلاثون]] :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، نعوذ بك اللهم من فتنة القول، كما نعوذ بك اللهم من فتنة العمل.
الأسئلة:
س١/ ورد في فتح المجيد حديث زينب زوج عبد الله بن مسعود أنها كانت تختلف إلى يهودي فيرقي لها عينها فتهدأ، إلى آخره، ما صحة الحديث وما توجيهه؟
ج/ الحديث هذا معروف، وهو سبب قول ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ «إنّ الرقى والتمائم والتولة شرك» (١) وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد وأبو داوود وجماعة.
أما قراءة اليهودي وكون اليهودي يرقي حَمَلَهُ العلماء على أحد الوجهين:
الأول: أنه كان يرقيها بذكر الله، بالدعاء العام، والرُّقية تكون بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ وبالدعاء الذي ينفع المشتمل على: خير واستعانة واستغاثة وتوسل إلى الله ونحو ذلك، فيُحْمَلْ على أنه كان يدعو ورقيته كانت دعاء.
والثاني: أنه كان يرقي بالتوراة، بما يعلمه من التوراة مناسباً للرقية، وهذا الوجه رُجِّحْ بقول ابن مسعود ﵁ (إنما ذلك الشيطان كان ينخسها بيده) ، فإذا رقى اليهودي سكنت، وهذا يدل على أنَّ الرقية عنده لم تكن مشروعة على هذا النحو فلا تُحْمَل على أنها رقية بذكر الله مطلقاً.
[المسألة الأولى] :
لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة .
فولي الأمر العام -يعني ولي الأمر للأمة للناس- يُطْلَقُ عليه ولي الأمر، ويُطْلَقُ عليه إمام.
أما ولي الأمر فقد جاء في الكتاب قال الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وسُمُّوا وُلَاةَ الأمر؛ لأنَّ ما يَنْفُذُ من الأمور الشرعية والأمور الاجتهادية في الناس إنما يكون عن أَمْرِهِمْ، فالأمر راجع إليهم.
فإذاً ولي الأمر هو من بيده الأمر والنهي أو بالعُرْفْ المعاصر القرار الذي يَنْفُذُ في الناس، كما قال ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
وهذا جاء في السنة في عددٍ من الأحاديث كما جاء في الآية بتسمية الحكام بولاة الأمور.
أما لفظ الأئمة فولي الأمر هو الإمام، ومن ولَّاهُ الله أمر الناس وابتلاه بذلك فيُسَمَّى إماماً؛ لأنه يُؤْتَمْ بأمره ونهيه وقراره وما يختاره اجتهاداً للأمة.
ولفظ الأمام لولي الأمر جاء في السنة في قول النبي ﷺ «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (١) ، وهذا ظاهر في تسمية ولي الأمر إماماً.
стр. 475
[المسألة الثانية] :
الأصل أنَّ ولي الأمر يجمع ما بين:
- حسن التدبير في أمور الناس العامة، في أمور دنياهم وما يُصْلِحُهُمْ وما يحفظ بيضتهم ويدفع عنهم الأعداء.
- العلم بأحكام الشريعة بما يناسب، ولا يُشْتَرَطُ فيه أن يكون الأعلم كما هو مبسوط في مكانه في كتب الفقه.
واجتمعت الصفتان في الخلفاء الراشدين الأربعة وفي معاوية ﵁ وفي عددٍ من الأئمة وولاة الأمور في التاريخ إلى الآن.
ولكن ربما لم يجتمع في ولي الأمر الصفتان فحينئِذْ يكون ما يُشْكِلُ على الناس في أمر دينهم فَمَرْجِعُهُم فيه إلى أهل العلم بالدين، وما يكون من قبيل الأمر العام للناس فإنه يكون لولي الأمر العام، وولي الأمر العام يستشير ويأخذ بقول أهل العلم فيما يرى أن يستشيرهم فيه.
وهذا المَأْخَذْ هو وجه قول من قال (إن ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء) ؛ يعني كلاًّ فيما يخصه:
- الأمراء في الأمر العام، الأمر الدنيوي وما يُصْلِحُ الناس وما به تكون حياتهم.
- والعلماء فيما يكون من أمر الدين بما يأتون وما يذرون.
وهذا ليس هو الأصل، وإنما الأصل أنَّ ولي الأمر هو من يعلم، وهو الذي جاءت فيه الآيات ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وكذلك ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] ، لأنَّ الأصل اجتماع الصفتين في ولي الأمر.
فإذا لم تجتمع الصفتان أُعْطِيَ ولي الأمر الذي بيده الأمر والنهي حق الإمام، وفي المسائل الدينية يُسْتَفْتَى ويُسْأَلْ أهل العلم.
ولهذا اجتنب كثير من العلماء بل أكثر العلماء والأئمة أن يُطْلِقُوا على العالم ولي الأمر؛ لأجل أن يكون هناك افتئات وخروج ولأجل أن لا يكون هناك مأخذ لمن يريد الخروج على الإمام أو ولي الأمر.
ومنهم من استعمل هذا وهذا؛ يعني أنَّ الأمور الدينية يُرجَعُ فيها إلى من يلي الأمر الديني، وهم العلماء في أمور الفتوى وفيما يأتي المرء ويذر فيما بينه وبين ربه ، وفي الأمور العامة فتكون لولاة الأمور.
стр. 476
[المسألة الثالثة] :
الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف من المنتسبين إلى القبلة، منهم الخوارج والمعتزلة، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والذي عليه الصحابة جميعاً وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.
والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواتراً معنوياً، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.
فإذاً أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي ﵁؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.
وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهاداً في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواتراً معنوياً مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
ومِنْ أهل العلم من قال تَوَسُّعَاً في اللفظ (الخروج على الولاة كان مذهباً لبعض السلف قديم، ثم لما رُئِيَ أنَّهُ ما أَتَى للأمَّة إلا بالشر والفساد فأجمعت أئمة الإسلام على تحريمه وعلى الإنكار على من فعله) كما قاله الحافظ ابن حجر
* وهذا فيه تَوَسُّعْ لأنَّهُ لا يقال في مثل هذا الأمر أنه مذهب لبعض السلف، وإنما يُقَالُ إنَّ بعض السلف اجتهدوا في هذه المسائل من التابعين كما أنه يوجد مِنَ التابعين من ذهب إلى القَدَرْ والقول المنافي للسّنة في القَدَرْ، ومن ذهب إلى الإرجاء، ومن ذَهَبَ إلى إثبات أشياء لم تَثْبُتْ في النصوص، فكذلك في مسألة طاعة ولاة الأمور فربما وُجِدَ منهم الشيء الذي الدليل بخلافه، والعبرة بما دَلَّتْ عليه الأدلة لا باجتهاد من اجتهد وأخطأ في ذلك.
стр. 477
[المسألة الرّابعة] :
هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي ﵀ دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:
أمّا القرآن فمنه قول الله ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ووجه الدلالة منه أنّ النّبي ﷺ قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني» (١) .
وقال الله أيضا في سورة النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، قال ابن القيم ﵀ وقاله غيره أيضاً: لفظ ﴿أَطِيعُوا﴾ جاء في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ؛ يعني الأمر بالفعل ﴿أَطِيعُوا﴾ ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل ﴿أَطِيعُوا﴾ ، فقال ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالاً؛ ولأنَّ طاعة رسوله ﷺ تجب استقلالاً، وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعَاً لا استقلالاً.
لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي ﷺ على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ ناراً وأمر الناس أن يقتحموها، فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار، يعني بالإيمان والإسلام، فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها» (٢) ؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن الأدلة قول الله ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] الآية، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْرْ للأنبياء أَمْرْ لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد، فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة قول النبي ﷺ «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» (٣) .
وأيضاً ثَبَتَ عنه ﷺ أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤) .
وصحَّ عنه ﷺ أيضاً أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» (٥) يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.
وأيضاً ثبت عنه ﷺ أنَّهُ قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يداً من طاعة» (٦) .
وأيضاً صحَّ عنه ﷺ أنه قال «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .
وأيضاً في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» ، ثم سئل ﷺ فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة» (٧) .
وأيضاً صح عنه ﷺ أنه قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .
والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جداً وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملاً وإما اعتقاداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.
стр. 478
[المسألة الخامسة] :
الخروج على ولي الأمر يكون بشيئين:
- الصورة الأولى: عدم البَيْعَةْ واعتقاد وجوب الخروج عليه أو تسويغ الخروج عليه.
وهذا هو الذي كان السلف يطعنون فيمن ذهب إليه بقولهم (كان يرى السيف) ؛ يعني اعتقاداً ولم يُبَايِعْ.
- الصورة الثانية: وهي المقصودة بالأصالة أنهم الذين يخرجون على الإمام بسيوفهم، يعني يَخْرُجْ على الإمام ويجتمعون في مكان ويريدون خلع الإمام وتبديله، أو إحداث فتنة بها يُقْتَلْ ولي الأمر أو يُزال أو نحو ذلك؛ يعني الخروج بالعمل عليه سعياً في قتله أو إزالته.
فهاتان الصورتان للخروج.
والخروج على هذا:
- يكون بالاعتقاد
- ويكون بالعمل.
* أما الصورة الثالثة التي أدخلها بعض أهل العلم فيها وهي الخروج بالقول؛ لأنَّ ولي الأمر يكون الخروج عليه بالقول، فهذه لا تَنْضَبِطْ؛ لأنَّ الخروج بالقول قد يكون خروجاً وقد لا يكون خروجاً، يعني أنه قد يقول كلاماً يؤدي إلى الخروج فيكون سعياً في الخروج، وقد يقول كلاماً هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يوصِلُ إلى الخروج ولا يُحْدِثُ فتنة في الناس، وهذا لا يدخل فيه.
ولهذا من أدخل من أهل العلم الخروج بالقول في صور الخروج، فإنَّ الخروج بالقول فيه تفصيل، لا يُطْلَقْ القول بأنه ليس بخروج ولا أنَّهُ خروج.
ومعاوية ﵁ قتل بعض الصحابة لما خَرَجُوا على أميرهم بالقول (١) ...
[......] أنَّ يقول للناس شيئاً أو أنَّ الناس كرهوه فاجتمع حجر بن عدي أو عدي بن حجر مع بعض أصحابه فحصبوه، حصبوا الأمير وقالوا: لا نسمع ما تقول، فَأَرْسَلَ إلى معاوية فأمر معاوية بأن يُؤْخَذُوا وأن يُسَيَّرُوا إليه، وكانوا سبعة عشرة رجلاً منهم الصحابي هذا، فقبل أن يَصِلُوا إلى دمشق أمر بهم فَقُتِلُوا (٢) ، وهذا اسْتُدِلَّ به على أنَّ فعل معاوية ﵁ مَصِيْرٌ منه إلى أنَّ الخروج يكون بالقول، وتُنَزَّلْ على هذا الأحاديث.
وهذا الاستدلال محل نظر وليس بجيد؛ بل معاوية ﵁ فعل ذلك تعزيراً وله اجتهاده في هذا الأمر.
فإذاً نقول الذي عليه أهل العلم في تقرير العقائد أنَّ الخروج يكون في صورتين:
- الصورة الأولى: عدم البيعة واعتقاد جواز الخروج أو تسويغه أو وجوبه؛ يعني على ولي الأمر المسلم.
- والصورة الثانية: السعي باليد بالسيف بالسلاح على ولي الأمر.
أمَّا بالقول فهذه فيها تفصيل فقد تكون وقد لا تكون.
стр. 479
[المسألة السادسة] :
الخروج على الولاة والأئمة له أسباب، ولم يَخْرُجْ أحَدْ إلا وله في خروجه تأويل:
@ فالخروج على عثمان ﵁ الذي أدى إلى مقتله ﵁ وأرضاه كان بسبب التصرفات المالية لعثمان ﵁ وتوليته قَرَابَتَهُ، فَتَجَمَّع الخوارج ممن يدينون بالخروج منكرين هذا الأمر متأولين، فخرجوا عليه حتى قتلوه ﵁ وأرضاه في قصة مبكية حتى إنَّهُ ﵁ لم يُدْفَنْ إلا ليلاً وتَبِعَهُ ثلاثة أو أربعة صُلِّيَ عليه سِرَّاً، ثم أُخِذَ ليلاً على النعش بسرعة ولم يُدْفَنْ في البقيع وإنما في حائط، يعني في بستان قريب من البقيع، حتى لا يُعْرَفْ أنه دُفِنْ، حتى جاء في الرِّواية أنهم كانوا من سرعة مسيرهم به قالوا نسمع رأسه يضرب في نعشه من شدة السير به خشية أن تصل أيدي الخوارج إليه.
وهذا بسبب التأويل، التأويل في المال عندهم، يعني تَأَوَلُوا خروجهم بالرغبة في الصلاح في الأمور المالية، وكذلك في مسائل التولية ونحو ذلك.
وأجْمَعَ الصحابة رضوان الله عليهم على تصويب عثمان وعلى مُعَاداةِ هؤلاء، رضي الله عن الصحابة أجمعين وخَذَلَ من خالف سبيلهم إلى يوم الدين.
@ والسبب الثاني رُؤْيَةِ المرء ما يكره: في نفسه أو في بلده أو في مجتمعه بعامة، ما يكرَهُهُ ديناً أو ما يكرَهُهُ دُنْيَاً.
وهذا السّبب في رؤية المرء ما يكرهه قد يكون معه عدم صبر فيُؤَدِيهِ إلى الانتصار مُتَأوّلَاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون آخذاً بالخروج أو خارجاً فعلاً.
وهذه المسألة وهي مسألة رؤية ما يكره المرء في الدين أو في الدنيا أعْظَمُهَا ما حَصَلَ في عهد الإمام أحمد ﵁ حيث رأى ورأى أئمة الحديث ما يكرهون في أعظم مسألة وهي مسألة خلق القرآن؛ حيث دُعِيَ الناس إلى القول بخلق القرآن الذي هو الكفر، وأُلْزِمُوا بذلك حتى وقع بعض الأئمة الكبار في الإجابة خشيَةً من بعض مسائل الدنيا.
والإمام أحمد لما قيل له بالخروج نفض يديه وقال: إياكم والدماء، وأَخَذَ بقول النبي ﷺ «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .
(شيئا يكرهه) هذه عامة لأنها جاءت في سياق الشرط، وهذه تعمّ الكراهة الدينية والكراهة الدنيوية، فأَمَرَ بالصبر، والصبر معناه لزوم الطاعة وعدم الخروج.
وكذلك ما دلَّ عليه الحديث الآخر «ألا من رأى أميره يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدا من طاعة» ، وعلى هذا كان هدي الصحابة، فابن مسعود ﵁ صَلَّى خلف أمير الكوفة من قبل عثمان ﵁، وصَلَّى وهو يشرب الخمر فصلوا معه حتى صَلَّى بهم الفجر أربعاً، ثم لما سَلَّمْ قال: أزيدكم؟ يعني هل أنا نقصت من الصلاة قالوا لازلنا معك اليوم في زيادة (١) .
والنصوص الدالة على وجوب الطاعة بالمعروف وتحريم نكث البيعة ونحو ذلك تدلُّ على عدم اعتبار هذا السبب سبباً للخروج، وهو أَنْ يَرَى ما يَكْرَهُهُ ديناً أو ما يكرهه دنياً، إلا أن يرى كُفْراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، كما جاء في الحديث قال: أفلا ننابذهم؟ أو قال: أفلا نخرج عليهم؟ قال «لا إلا أَنْ تَرَوا كُفْرَاً بُوَاحاً عندكم من الله فيه برهان» (٢) .
والعلماء في هذا الحديث لهم قولان:
القول الأول:
أنه عند رؤية الكفر البواح فإنه يَجِبُ الخروج، وإذا قالوا يَجِبْ؛ فمعناه أنَّ أخذ العدة والوسيلة فإنها تجب وجوب وسائل للمقاصد.
وهذا قول طائفة من أهل العلم متفرقين في شروحهم للأحاديث.
٢- القول الثاني:
أنَّ هذا يجوز ولا يجب؛ بل الصبر أولى إلا إذا كان تغيير هذا الولي الذي كَفَرَ ليس فيه مفسدة من سفك الدماء.
стр. 480
[المسألة السابعة] :
الأئمة وولاة الأمور طاعتهم مِنْ طاعة الله ومِنْ طاعة رسوله ﷺ ، فطاعة المؤمن لهم في المعروف عبادة وقُرْبَةْ؛ لأنَّ النبي ﷺ جعل طاعتهم من طاعته حِفْظَاً لبيضة هذه الأمة وجمعاً للكلمة وقوةً لها على أعدائها.
والعلماء ذكروا أنَّ تصرفات ولاة الأمور يعني من حيث التنظير تكون على أحد أنحاء:
١- الأول: أن يأمروا بالطاعة، أن يأمروا بشيءٍ فيه طاعة، يأمروا الناس بإقامة الصلاة، يأمروا الناس بإيتاء الزكاة، يأمروا الناس بأداءْ الحقِّ الشرعي بعامَّة، ينهون الناس عن المحرمات، يقيمون الحدود، يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر ونحو ذلك مما هو مَعْلُومٌ الأمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو معلومٌ النهي عنه نهي تحريم أو كراهة في الشَّريعة.
٢- الثاني: أن يأمروا بأَمْرٍ اجتهادي لهم فيه اجتهاد، وهذا الاجتهاد إما أنْ يكون عن خلافٍ شرعي واختاروا أحد الأقوال أو أحد الرأيين أو أحد الوجهتين، أو اجتهادهم كان مبنياً في مسائل حادثة لا يَعْلَمُ الناس لها الحُكْمْ، أو لم يُرَاد أن تُبْحَثْ مثل المسائل الدنيوية والمسائل العامة التي تجري في الناس.
٣- الثالث: أن يأمروا بمعصية الله .
@ أما الأول فإن طاعتهم في ذلك واجبة بالإجماع وطاعتهم في ذلك من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
@ والثاني: وهي المسائل الاجتهادية فإنَّ ولي الأمر إذا ذَهَبَ إلى أحد الأقوال في المسألة واجتهد، أو اجتهد في المسألة اجتهاداً له لا يُخَالِفُ مُجْمَعَاً عليه، فإنَّ طاعته في ذلك متعينة أيضاً إذا كان متعلقاً بالأمة بعامة.
فالمسائل الاجتهادية داخلة في عموم الأحاديث التي فيها الطاعة في المعروف؛ لأنَّ طاعة الأمير في المعروف التي جاء فيها الدليل، إنَّما الطاعة في المعروف تشمل الصورتين: الصورة الأولى والصورة الثانية لأن الاجتهاد مُعتبرٌ شرعاً.
@ والثالث: وهي أن يأمر بمعصية الله ، فالأمر بالمعصية قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً، وعلى كلٍّ فلا تجوز طاعته فيما فيه معصيةٍ لله ؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقْ في معصية الخالق لقوله ﷺ «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره إلا أن يؤمر بمعصية» .
فإذاً الأدلة التي فيها الأمْرْ بطاعة ولي الأمر، أو التي فيها بيان الطاعة، إنما الطاعة في المعروف، تُفْهَمُ معاً ولا يُضْرَبُ بعضها ببعض؛ يعني أنَّ ولي الأمر يطاع إلا في المعصية:
- يُطَاع فيما فيه طاعة.
- ويطاع في المسائل الاجتهادية.
- ولا يطاع بما فيه معصية لله .
стр. 481
[المسألة الثامنة] :
قوله في آخر الكلام (وَإِنْ جَارُوا) هذا فيه تَبْيِينْ لأَصْلِ المسألة أنَّ الطاعة لا تُتَقَيَّدْ بأنها لولي الأمر العدل؛ يعني للعادل من الأئمة أو للتقي من الأئمة أو لمن يسير في كل الشرع من ولاة الأمر؛ بل وإن كان منه جَوْرْ فإنه يُطَاع.
والجَوْرْ يكون في صورتين:
- الصورة الأولى: جورٌ في الدين.
- الصورة الثانية: جورٌ في الدنيا.
والجَورْ في الدين ضابطه أن لا يَصِلَ فيه إلى الكفر.
والجَورْ في الدنيا يطاع فيه حتى ولو أخذ مالك وضرب ظهرك، كما صح عنه ﷺ قال «أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» (١) .
ومن أهل العلم من فَرَّقَ بين ولاة العدل وولاة الجور في الطاعة، فقال:
- ولي الأمر ذو العدل يطاع مُطْلَقَاً إلا في المعصية.
- وأما ولي الأمر بالجور فإنه لا يُطَاع إلا فيما يُعْلَمُ أنه طاعة، أما إذا لم نعلم أنه طاعة قال فلا يُطَاعْ.
وهذا الكلام وإن كان منسوباً إلى بعض كبار أهل العلم المتقدمين؛ لكنه في مقابلة النصوص، ومُخَالِفٌ لإطلاق الأئمة في هذه المسائل.
والتفريق بين إمام العدل وإمام الجور له أصلٌ من كلام الأئمة؛ لكن في غير هذه الصورة.
فهم فَرَّقُوا ما بين إمام العدل وإمام الجور في صورة الأمر بالقتل أو بالاعتداء، فإنه إذا كان يُعْلَمْ أنَّ جوره في قتل من لا يستحق القتل فإنَّهُ إذا أَمَرَ أحداً أن يقتل فلاناً، قالوا: لا تتعين عليه الطاعة؛ لأنَّه قد يكون قَتْلُهُ ظُلْمَاً إذا لم يَسْتَبِنْ له أنه مستحقٌّ للقتل، وهذا يكون في أزمنة الفِتَنْ ونحو ذلك والعِدَاءات، يقول: أُقْتُلْ فلانَاً، ولا يسأل.
فهنا فَرَّقَ طائفة من الأئمة المتقدمين ما بين إمام العدل وإمام الجور، قالوا: إمام العدل لا يُسْأَلْ، وأما إمام العدل فَيُتَحَرَى إذا كان يُعْرَفْ أنَّهُ يسفك الدماء فإنه لا يَقْتُلُ أحداً إلا إذا استبان له أنه مستحقٌ للقتل.
* والذي يظهر في هذه المسألة ويتعيّن الأخذ به أن يُعمَلْ بِمُطْلَقَاتْ الأدلة؛ لأنَّ المسائل إذا اشتبهت وجَبَ الرجوع -خاصة في مسائل العقيدة- وجب الرجوع إلى ظاهر الدليل، ولا يَسُوغْ لأحد مخالفة ظاهر الدليل فيما أجمع العلماء على جَعْلِهِ عقيدة، وهي مسألة الخروج على الولاة وطاعة ولاة الأمر.
فحينئِذْ دلّتْ الأدلة على ما ذكرنا من أنَّ ولي الأمر يُطاع في الطاعة ويُطَاعُ في المسائل الاجتهادية، ولا يطاع في صورة -صورة واحدة-؛ وهي أن يأمر بمعصية الله فلا سَمْع ولا طاعة.
ويكون إذاً الجور ليس سبباً في الخروج -سواء كان جوراً في الدين أو كان جوراً في الدنيا-؛ بل أكثر ما يكون الخروج بسبب الجَوْرِ في الدنيا، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج أهل السنة قال: أكثر تأويل من خَرَجْ بسبب جور بعض الولاة في أمور الدنيا.
فإذاً قوله هنا (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) يعني به أنّ عقيدة السلف الصالح أن يُسْمَعَ ويُطَاعْ ولي الأمر، ويحافظ على البيعة، ولا يخرج المرء ولا يَلْقَى الله وليس له حجة بنزع اليد من الطاعة، ومهما كان الذي رآه إذا لم يَرَ الكفر البَوَاحْ الذي فيه من الله برهان.
الأسئلة:
س/ ما ضابط الكفر البواح؟
ج/الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، الذي عليه دليل، يعني واضح بَيِّنْ، وبعض أهل العلم قال أنه ترك الصلاة، أنه ما يأمر بالصلاة، وينهى عنها، مثل ما جاء في الحديث قال «ما أقاموا فيكم الصلاة» ففهموا حديث الكفر البواح بإقامة الصلاة، وآخرون قالوا: لا، ما يشترط إقام الصلاة، الكفر البواح هو إذا حصل منه كفر عندنا من الله فيه برهان وليس له شبهة فيه ولا تأويل.
نُخْرِجْ منه صورة المأمون وأمثاله في عهد الإمام أحمد؛ لأنه كانت عندهم بنوع تأويل، أطاعوا بعض العلماء في هذه المسألة، وواضح في الحديث قال «عندكم فيه من الله برهان» يعني شيء مجمع عليه واضح.
س٢/إن قال قائل إنَّ معاوية خرج على علي ﵁؟
ج/لا، هو ما دخل في البيعة أصلا.
س٣/ فإن قيل إنَّ البيعة ثبتت لعلي؟
ج/ثبتت لعلي من أهل المدينة، وأهل الشام قالوا ما نبايعك حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان؛ لأنَّ قتلة عثمان صاروا جيش علي، يعني الخوارج الذين قتلوا عثمان أجبروا علي أنه يخرج وخرج، علي ﵁ اجتهد وصارت البيعة له وأهل الحل والعقد في المدينة.
فمعاوية ﵁ قال: لا، ما نبايع حتى تُسَلِّمْ لنا قتلة عثمان، ويرى معاوية أنه هو ولي الدّم ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] ، يقول أنا وليه، أنا ولي دم عثمان أنا أقرب الناس إليه، سَلِّمْ لي القتلة كي أقتلهم، فعلي ﵁ خشي إن سلمهم تصير فتنة أعظم، فأراد أنه يجتمع هو وإياه وسار إليه على أساس يجتمع معه ويبحث معه إلى آخره، فاجتمع معاوية، نقلوا له طبعاً الخوارج أنَّ هذا علي سار بجيشه فسار يخشى أنه يباغته، ثم لما اجتمعوا هذا في جهة وهذا في جهة، وقَصْدْ معاوية خير أنه يبحث مع علي وقصد علي ﵁ خير أنه يبحث مع معاوية، حَرَّكْ الخوارج الحرب بين الجهتين ووقعت وقعة صفِّين، هم الذين حركوها من تحت، لا الصحابة يريدون، وقعت بغير اختيارهم.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك (١) .
ومنه أيضاً الأحاديث التي في خروج الخوارج وخلاف الخوارج للصحابة، وأمر النبي ﷺ بقتلهم، فقال في وصفهم «يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» (١) وذلك لمخالفتهم للسنة والجماعة.
كذلك قوله ﷺ في أهل الأهواء «يتجارى بهم الهوى كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لا يبقى منه مفصل أو عِرْقْ إلا دخله» (٢) .
ومنه أيضا ما صحّ عنه ﷺ بقوله «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٣) .
ومنه أيضا قوله «من أتاكم وأمْرُكُمْ جميع يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائناً من كان» (٤) .
ومنه أيضا دعاء النبي ﷺ ألا يَجْعَلَ بأس هذه الأمة بعضها ببعض قال «فمنعنيها» . ونحو ذلك من الأدلة التي تدل على هذا الأصل العظيم.
فإذاً هذا الأصل الأدلة عليه في منزلة التواتر لكثرة ما دلَّ عليه؛ بل هو أظهر أصول الشريعة، فإنَّ الخلاف والفُرْقَةْ عمَّا كان عليه النبي ﷺ والجماعة الأولى هو حقيقَةً خلافٌ لرب العالمين واتّباع غير السبيل الذي يرضى عنه ﷻ .
فإذاً هذا الأصل -كما ذكرنا في أول الكلام- ذَكَرَهُ الطحاوي؛ لأنَّ كل مسائل العقيدة يتفرع عنه.
وإذا تبين ذلك فنقول: إنَّ مسائل الاعتقاد التي يذكرها أهل السنة والجماعة:
- منها ما هو من سبيل المقاصد.
- ومنها ما هو من سبيل الوسائل إلى المقاصد.
- ومنها ما هو من سبيل المحافظة على المقاصد.
@ فأما الأول وهو المقاصد هي: أركان الإيمان الستة.
@ وأما الثاني وهو وسائل المقاصد فهي القواعد العامة في التلقي والأخذ لأنها لا يُحْفَظُ أصل إلا بدليل، بقاعدة.
ولهذا صار هذا الكلام هنا وهو قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.) هذا له حكم المقاصد من جهة وله حكم الوسائل من جهةٍ أخرى؛ لأنَّ اتباع السنة والجماعة مقصد تعبُّدِي مطلوب ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤] ، والثاني وهو اجتناب الشذوذ والخلاف والفُرْقَة هذا من وسائل المحافظة على أصول الاعتقاد.
وفي هذه الجملة مسائل:
стр. 487
[المسألة الأولى] :
في قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ) الاتباع هو أن تَقْفُوَ أثر الشيء، تَبَعَهُ أي قَفَا أثره، اتِّبَاع الحق أن تَقْفُوَ الأثر.
والأَثَرُ سواءٌ أَكَانَ أثر دليل أو كان أثر مسير -يعني أثر قول أو أثر مسير- كلٌ منهما دليل.
ولهذا صار الاتِّبَاعُ موسوماً عند أهل العلم بأنه أخذ القول بدليله.
ويقابل هذا التقليد، يقابل الاتباع التقليد.
والتقليد قَبُولْ القول والتِزَامُهُ دون حجةٍ واضحة.
لأنه إن كان عنده حجة فهو مُتَّبِع ولو كان مُتأولاً أو مُخْطِئاً، وإذا كان ليست عنده حجة وإنما يتعصب أو يقبل قول الغير هكذا لأنه قاله فقط مع ظهور الحُجَّةْ في خلافه، فهذا يُسمى مُقَلداً لأنه جعل القول قِلادةً له دون بيانه.
والتقليد في الاعتقاد فيه تفصيل:
- فما كان مما يُشْتَرَطُ لصحة الإسلام والإيمان فلا ينفع فيه التقليد؛ بل لابُدَّ فيه من أخذ القول بدليله وجوباً؛ لأنَّ هذا هو العلم الذي أمر الله به في قوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] .
- أَمَّا التقليد في الاستدلال فلا بأس به؛ يعني أن يَعْلَمَ وجه الدليل من الحُجَّةْ ويُقَلِّدُ العالم في الاقتناع بهذا الدليل يعني بوجه الاستدلال، فهذا لا بأس به لأنَّ المجتهد في فهم الدليل هذا قليل في الأمة.
فإذاً الواجب في الاتباع وما يَحْرُمُ من التقليد في العقيدة هو ما كان من أصول الإسلام؛ يعني ما لا يصح الإسلام إلا به، مثل العلم بالشهادتين، وأركان الإيمان الستة، وفرض أركان الإسلام الخمسة.
إذا كان التقليد كذلك فهل يُشْتَرَطُ استدامة العلم واستصحاب العلم والاتِّبَاع أم لا يُشْتَرَطْ؟
الذي عليه العلماء المحققون وقرَّرُوهُ أنَّ الاستدامة ليست شرطاً، وإنما يكفي أن يَعْلَمَ الحق في هذه المسائل في عمره مرةً بدليله، ويأخذ ذلك ويقتنع به، يأخذ ذلك عن دليل وبيِّنَة، ثم يعمل بما دلَّ عليه.
فمن تَعَلَّمَ مسألةً، مثلاً تَعَلَّمَ معنى الشهادتين في عمره، ثم بعد ذلك نسي المعنى، أو تَعَلَّمَ أدلة أركان الإيمان ثم نسي، أو تَعَلَّمَ فرضية الأركان الخمسة، أركان الإسلام أو الأربع العملية ثم جاءه فترة ونسي، فإنَّ هذا لا يؤثر ولا يأثم بذلك، المهم أن يكون أصل استسلامه عن دليلٍ فيما لا يصح الإيمان والإسلام إلا به.
* وهذا هو حكم التقليد عند أهل السنة والجماعة ووجوب الاتباع.
وأما المخالفون من أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وجماعات فإنَّهُمْ جعلوا العلم الواجب هو النَّظَرْ أو القصد إلى النظر أو إلى آخره من أقوالهم، ويعنون بذلك النظر في الكونيات.
وأهل السنة يقولون: الاتِّبَاع النظر في الأدلة الشرعية، يعني النَّظَرْ في الشرعيات.
وأولئك عندهم النظر في الكونيات؛ لأنهم جعلوا أنَّ أصل الإسلام والإيمان إنما يصح إذا نظر في برهان وجود الله ﷻ .
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: وجود الله مركوزٌ في الفِطَرْ، وإنما يتعلم ما يجب عليه أن يعتقده وما يجب عليه أن يعلمه مما أمر الله به، وجعله فارقاً بين المؤمن والكافر.
وبالمقابل التقليد عندهم في الكونيات، وعندنا التقليد في الأقوال والشَّرعيات.
وثَمَّ تفاصيل لمسألة الإتِّبَاعْ والتقليد في مناهج التلقي ما بين أهل السنة والمخالفين.
стр. 488
[المسألة الثانية] :
في قوله (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ) السُّنَّة يُراد بها العلم الموروث عن النبي ﷺ في مسائل الاعتقاد؛ في المسائل الغيبية وما يتّصل بذلك من الوسائل وما يُحافَظُ به على الأصول.
فما دَلَّتْ عليه الأدلة من كلام النبي ﷺ وكان عليه هديه فإنَّهُ السنة الماضية التي يجب اتِّبَاعُهَا وترك ما خالفها؛ لأنَّ المسائل العلمية في [.....] الغيبيات البيان فيها واضح وليست مجالاً للاختلاف وتنوع الآراء والأقوال.
ولهذا سمَّى طائفة من العلماء ممن صنَّفُوا في التوحيد كتبهم السنة، وهي كثيرة جداً كالسنة لعبد الله بن الإمام أحمد، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة للطبراني، وكذلك السنة في كتب الحديث -يعني في أثناء الكتاب- قد يُبَوِّبُ بعضهم بكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة أو السنة أو ما أشبه ذلك.
فإذاً يجمع السنة أنه هدي النبي ﷺ في العِلْمْ في هذا الموطن؛ في العِلْمِيَّاتْ، يعني فيما يُعْلَمْ ويُعْتَقَدْ فإنَّ منهجنا اتباع السنة في ذلك وأن لا نخوض فيه بالعقليات.
стр. 489
[المسألة الثالثة] :
الجماعة تُطْلَقُ إطلاقين:
& تُطْلَقْ الجماعة ويراد بها الجماعة في الدين، الجماعة في العلم بما أمر الله به أن يُعْتَقَدْ، أو في تصديق الأخبار في الكتاب والسنة.
وهذه الجماعة تكون في الدين، الجماعة في الدين؛ يعني الاجتماع على الدين الواحد.
& والمعنى الثاني للجماعة الجماعة في الأبدان، أنْ يجتمعوا في أبدانهم وأنْ لا يكون بأْسُهُم بينهم، وأن لا يتفرَّقُوا في أبدانهم بأنواع التَّفَرُّقْ.
ومسائل الاعتقاد تجمع هذين الأصلين، تجمع الاجتماع في الدين والاجتماع في الأبدان، وكل المسائل التي تُذكَرُ في مسائل العقيدة منها ما يرجع إلى هذا، ومنها ما يرجع إلى الثاني.
ثُم هذا اللفظ (السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ) صار عَلَماً على من كان على ما كانت عليه الجماعة الأولى وهم الصحابة رضوان الله عليهم.
والذي عليه أئمة أهل الحديث والمحققون من أهل الإسلام أنَّ هذا اللفظ (أهل السنة والجماعة) إنما يدخل فيه أهل الحديث والأثر الذين لم ينحرفوا في مسائل الاعتقاد.
وقد ذهب بعض الحنابلة من المتأخرين وبعض الأشاعرة وجماعات من الفقهاء إلى أنَّ لفظ (أهل السنة والجماعة) يشمل ثلاث طوائف:
- يشمل أهل الحديث والأثر.
- والأشاعرة.
- والماتريدية.
وممن صرَّحَ بذلك السَّفَّاريني في كتابه لوامع الأنوار وجماعة آخرون.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الأشاعرة والماتريدية خالفوا السنة والجماعة في مسائل كثيرة معلومة:
@ فهم في إثبات وجود الله خالفوا طريقة القرآن والسنة.
@ وفي تفسير (لا إله إلا الله) خالفوا ما دلَّ عليه القرآن والسنة وكان عليه السلف.
@ وفي إثبات الصفات خالفوا وقالوا طريقة السلف أسلم وطريقتنا أعلم وأحكم وجعَلُوا الصواب بين التأويل والتفويض:
وكل نص أوهم التشبيهَ أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيهَا
فالتأويل عندهم حق والتفويض حق وأما الإثبات فليس بحق.
@ وفي مسائل الإيمان خالفوا، وقالوا بالإرجاء وعندهم الإيمان هو التصديق فقط دون الإقرار والعمل، @ وفي مسائل القدر هم جبرية متوسطة.
وفي مسائل أُخَرْ خالفوا أيضا مما يضيق المقام عن ذكره.
فإذاً من خالف في هذه الأصول العظيمة في الغيبيات والعقائد فإنَّ إدراجه في أهل السنة والجماعة وفي الفرقة الناجية هذا ليس بواضحٍ من جهة الدّليل والإتباع، ولهذا هم يدخلون في الفِرَقْ المخالفة للسنة والجماعة.
لكن ينبغي أن يُعْلَمْ أنَّ إطلاق السنة قد يُرَادْ به ما يقابل الرافضة والشيعة والخوارج، فيدخل في إطلاق أهل السنة الأشعرية والماتريدية والمرجئة وجماعات لأجل مقابلتهم بالفرق التي ضلالها عظيم.
لهذا من الأفضل؛ بل من المُتَعَيِّنْ عند إطلاق أهل السنة والجماعة أن يُنتَبَهْ أن لا يكون شعاراً يدخل فيه من ليس من أهل السنة والجماعة حتى لا يَضِلَّ الناس، وحتى يكونُ مُقتصراً على من اعتقد الاعتقاد الحق، والباقون يمكن أن يُقَال عنهم أهل السنة؛ ولكن لا يُوصفون بأهل السنة والجماعة؛ لأنهم فَرَّقُوا دينهم وكانوا شيعاً ولم يقيموا الدين كما أمر الله ؛ بل فَرَّقُوا في ذلك وأخذوا ببعض الكتاب وتركوا بعضًاً كما هو معلوم من تفاصيل أقوالهم.
стр. 490
[المسألة الرابعة] :
في قوله (وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ) :
الاجتناب هو التَّرْكْ، ويريد بالترك أنه يَتْرُكُهُ ديناً وتَعَبُّدَاً وتقرباً إلى الله لملازمته للسنة والجماعة.
والشذوذ: هو الانفراد، وقد جاء في حديث وفي إسناده ضعف «ومن شذَّ شذَّ في النار» (١) يعني من انفرد عن الجماعة التي وَعَدَهَا الله بالجنة فإنه سينفرد عنهم أيضاً في الآخرة في النار، وهذا من جهة الوعيد.
فمعنى الشذوذ في العلم والعقيدة الإنفراد بأشياء ليس عليها الدليل ولم تكن عليها الجماعة الأولى.
ولهذا كان الإمام أحمد ﵀ وجماعة من أئمة السلف يقولون في مسائل العقائد (لا نتجاوز القرآن والحديث) ؛ لأنه إذا تجاوز المرء القرآن والحديث بمسائل الغيبيات والعقائد فإنه لا يُؤْمَنْ عليه الخلاف ولا يُؤْمَنْ عليه أن ينفرد بآراء ليست مُدَلَّلاً عليها.
والشذوذ قد يكون:
- في أصل من الأصول-يعني الانفراد.
- في فرعٍ لأصْلٍ من أصول الاعتقاد.
فالشذوذ مرتبتان:
١ - المرتبة الأولى: أن ينفرد ويَشُذْ في أصل من الأصول؛ يعني في الصفات، في الإيمان، في القدر، فهذا بانفراده في الأصل يخرج من الاسم العام المُطْلَقْ لأهل السنة والجماعة.
٢ - المرتبة الثانية: أن يوافق في الأصول؛ لكن يُخَالِفُ في فرعٍ لأصل أو في فَرْدٍ من أفراد ذلك الأصل.
مثلاً يؤمن بإثبات الصفات وإثبات استواء الرب ﷻ على عرشه وبعلو الرب ﷻ وبصفات الرحمن ؛ لكن يقول: بعض الصفات أنا لا أثبتها، لا أثبت صفة السّاق لله ، أو لا أثبت صفة الصورة لله ، أو أُثْبِتُ أنَّ لله أعيناً، أو أثبت لله كذا وكذا مما خالف به ما عليه الجماعة.
فهذا لا يكون تاركاً لأهل السنة والجماعة؛ بل يكون غَلِطَ في ذلك وأخْطَأْ ولا يُتَّبَعُ على ما زلَّ فيه بل يُعْرَفُ أنه أخطأ، والغالب أن هؤلاء مُتَأَوِلُونَ في الاتباع.
وهذا كثير في المنتسبين للسنة والجماعة كالحافظ ابن خزيمة فيما ذكر في حديث الصورة، وكبعض الحنابلة حينما ذكروا أنَّ العرش يخلو من الرحمن ﷻ حين النزول، وكمن أثبت صفة الأضراس لله وأثبت صفة العضد أو نحو ذلك ممَّا لم يقرره أئمة الإسلام.
فإذاً من شذَّ في ذلك في هذه المرتبة، يقال: غَلِطَ وخالَفَ الصواب؛ ولكن لم يخالف أهل السنة والجماعة في أصولهم؛ بل في بعض أفرادِ أصلٍ وهو مُتَأَوِّلٌ فيه.
وهذا هو الذي عليه أئمة الإسلام فيما عاملوا به من خالف في أصل من الأصول في هذه المسائل، وكُتُب ابن تيمية بالذات طافحة بتقرير هذا في من خالف في أصل أو خالف في مسألة فرعية ليست بأصل.
стр. 491
[المسألة الخامسة] :
في قوله (وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ) الخلاف شَرٌّ ومذموم في الشريعة.
والخلاف يُطلق ويُراد به الاختلاف أيضاً كما قال ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ، فمدح من لم يَخْتَلِفْ وذَمَّ من كان في اختلاف.
وأهل الاصطلاح يُفَرِّقُونَ بين الخلاف والاختلاف، وهذا ليس هذا مورده وإنَّمَا في هذا الموضع الاختلاف والخلاف بمعنىً واحد وهما شر، كما قال ابن مسعود ﵁ (الخلاف شر) (١) .
والخلاف له صورتان:
١- الأول خلاف في العِلْمِيَّاتْ: في العلم والعقيدة، وهذا البحث فيه كالبحث في الشذوذ والفرقة الآتي.
٢- الثاني الخلاف في العَمَلِيِّاتْ: يعني فيما يُسَمَّى بالفروع.
والخلاف الثاني في الفروع ليس مُبَاحَاً أو مأذوناً به دائماً؛ بل قد يكون الخلاف مذموماً ولو كان في الفروع، وذلك إذا كان سيترتب عليه مفسدة في الناس أو افتراق أو إساءة ظن أو مخالفة لأئمة المسلمين.
ولهذا ابن مسعود ﵁ في قصته مع عثمان كان يُقَرِّرْ ويَذْكُرْ أنَّ السنَّة أن يُصَلِّي أهل منى في منى ركعتين للرباعية وعثمان ﵁ صَلَّى الرباعية أربعاً وكان ابن مسعود يُصَلِّي معه أربعاً، فقيل له في ذلك: تقول السنة ركعتان وتصلي مع عثمان أربع؟
فقال: الخلاف شر.
وهذا من عظيم فقهه ﵁ مع أنَّهُ كان بينه وبين عثمان ﵁ خُصومة أو نوع خلاف واختلاف في مسألةِ عطائه، فكان يَطْلُبُهُ وعثمان لم يُعْطِهِ عَطَاءَهُ الذي كان يرى ابن مسعود أنَّهُ له؛ لأنَّ ابن مسعود بدري، وكان له في ذلك قولْ يجادل به عثمان معروف؛ لكن مع ذلك تَخَلَّصَ من هوى نفسه وقال (الخلاف شر) .
فإذاً الخلاف في الفروع، في العمليات ليس دائما مأذوناً به أو لا يُعَابُ صاحبه؛ بل قد يُعَابُ إذا كان في الخلاف مفسدة أوفُرْقَة أو الخلاف يُسَاءْ به الظن أو يَسُدُّ أبوابا من الخير ونحو ذلك.
والطحاوي هنا لا يريد تقرير هذا البحث الثاني، وإنما يريد أنَّ الخلاف الذي هو بمعنى الشذوذ والفُرْقَةْ يُجْتَنَبْ ويُحْذَرْ منه.
стр. 492
[المسألة السادسة] :
الفُرْقَةْ هنا بمعنى الافتراق، والفُرْقَةْ أكثر النصوص في النهي عنها.
والأمر بالجماعة معه النهي عن الفرقة لأنه لا يجتمع الناس إلا إذا انتهوا عن الافتراق والفُرْقَةْ.
ولهذا كما قَدَّمْتُ لك بعض الآيات نَهَى الله عن الافتراق فقال ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، دَلَّتْ هذه الجملة من الآية على أنَّ النهي عن الفُرْقَةْ هنا المقصود به الفُرْقَةْ في الأبدان، ثم قال ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، وهذه الفُرْقَة في الدين، وهذا كما في قوله مثلاً في سورة الشورى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] ، يعني في الدين.
فتحَصَّلَ من هذا أنَّ الأدلة دَلَّتْ على أنَّ الفُرْقَةْ قسمان:
- فُرقة في الأبدان.
- وفُرقة في الدين.
مُقَابِلَةٌ للجماعة التي هي:
- جماعة في الدين.
- وجماعة في الأبدان.
فكذلك الفُرْقَةْ فُرقة في الدين وفُرقة في الأبدان.
@ أما فُرقة الدين: فتكون بانتحال الأهواء والأخذ بطريقة أهل الهوى من الخوارج فمن بعدهم.
وأعظم أهل الأهواء الخوارج -يعني ممن خَرَجَ على الصحابة-، ثُمَّ بعد ذلك إلى أن أتت الأقوال الكُفْرِيَة عند الجهمية والحلولية إلى آخره.
وهذا أعظم افتراق في الدِّيْنْ، فإنّ الله جعل الدين واضحاً لا لَبْسَ فيه، في أصوله وعقائده وفي قواعده العلمية لا لَبْسَ فيه، ولهذا قال ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ (١) بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
: [[الشريط السادس والثلاثون]] :
فإذاً كل أنواع الافتراق التي حدثت إنما كانت لأجل الهوى، ولذلك سُمُّوا أهل الأهواء.
هل وجود المتشابه في القرآن والسنة يُعْتَبَرُ سبباً في خروج أهل الأهواء؟
الجواب ليس كذلك؛ لأنَّ الله بيَّنَ أنَّ أهل الأهواء في قلوبهم زيغ قبل أن ينظروا إلى الأدلة، فقال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] ، قال سبحانه في أول الآية ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فبيَّنَ ﷻ أنَّهُ جَعَلَ كتابه منه محكم ومنه متشابه، يعني يشتبه على المرء العلم به.
ما الذي حصل؟
أنَّ الذين في قلوبهم زيغ اتَّبَعُوا قال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ﴾ فأَثْبَتَ الزيغ في قلوبهم ثم وصفهم باتباع المتشابه.
فإذاً المتشابه في الكتاب والسنة ابتلاء ليظْهَرَ أهل الأهواء من أهل السنة والجماعة، فحُصُولُ الهوى والزيغ في القلب ينتج عنه أن يبحَثَ عمَّا يُؤَيِّدُ به هواه ويُؤَيِّدُ به زيْغَهُ، وهذا ما نصت عليه الآية قال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ﴾ بالفاء الترتيبية.
ولهذا قال الأئمة (إنَّ أعظم ما أمر الله به الاجتماع، وأعظم ما نهى الله عنه الافتراق) ؛ لأنَّ حقيقة الاجتماع اجتماع في الدين وفي الأبدان وبهما صلاح العباد، وأعظم المصائب الافتراق وبهما يحصل البلاء كله.
فالشرك فُرْقَة، والتوحيد جماعة.
والبدعة فُرْقَة، والسنة جماعة.
والعقائد الصحيحة جماعة، والعقائد الفاسدة فُرْقَة.
الاستدلال بالكتاب والسنة وصحة منهج التلقي جماعة، والاستدلال بالأهواء والعقول وما ألْفَ المرء آباءه وأقوامه عليه فُرقَة؛ لأنّه خالف المنهج الصحيح في الاستدلال.
الاجتماع مع جماعة المسلمين وأئمتهم جماعة، والافتراق وترك أئمة المسلمين وجماعتهم فُرقة.
وهكذا، فكل خير في الجماعة والسنة، وكل شر في الشذوذ والخلاف والفُرقة.
стр. 493
قال بعدها ﵀ (وَنُحِبُّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ)
стр. 494
[المسألة الأولى] :
أهل العدل وأهل الجَوْر متقابلان، كما أنَّ أهل الأمانة وأهل الخيانة متقابلان -يعني هؤلاء يقابلون هؤلاء، هؤلاء ضد هؤلاء، هذا صنف وهذا صنف-، ولا أعني بالتَّقَابُلْ والتضاد المصطلح الكلامي أو المنطقي فيه.
فمن هم أهل العدل، ومن هم أهل الجَوْر؟
العدل أَمَرَ الله به أَمْرَاً مُطلَقَاً فقال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] ، وأقام السموات والأرض على العدل، ودينه وأحكامه كلها عدلٌ وخيرٌ للعباد في مآلهم وفي حاضرهم.
العدل الذي أمر الله به أن يُعطَى كل ذي حق حقه، أن تُعْطِي الله حقه الذي أمرك به، وأن تُعْطِي رسوله ﷺ حَقَّهُ الذي أُمِرْتَ به، وأن تُعْطِي الصحابة حقهم الذي أُمِرْتَ به، وأن تُعْطِي المؤمنين حقهم الذي أُمِرْتَ به، وهكذا في سائر أحكام في الشريعة.
ولهذا قال بعض التابعين على هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ، قال (أتت هذه الآية على جميع المأمورات) ؛ يعني في العلميات وفي العمليات؛ لأنَّ المأمور:
- إما أن يكون عَدْلَاً في العلم والعمل.
- وإما أن يكون فَضْلاً في العمليات والعبادات وأنواع التعامل.
يقابله أهل الجور وهم أهل الظلم، والجَورُ هو الحَيْفْ وهو بمعنى الظلم.
وأهل الظلم:
- تارَةً يكون ظلمهم في حق الله .
- وتارَةً يكون ظلمهم في حق النبي ﷺ .
- وتارَةً يكون ظلما في حق العباد أو في حق أنفسهم.
فإذاً هذه المَحَابْ؛ محبة أهل العدل والأمانة وبُغْضْ أهل الجور والخيانة هذه تَبَعْ لمحبة الله ولبُغْضِه، وأهل العدل يُقَابِلُونَ أهل الجور بهذا المعنى.
إذا تبيَّنَ هذا فإنَّ المتقرر عند أهل السنة أنَّ الله يُحِبُّ ويُبْغِضْ، وهما صفتان حقيقيتان على ما يليق بجلال الرب ، لا يماثل في محبته وبُغْضِهْ محبة العباد وبغضهم، تعالى ربنا عن ذلك وتقدّس.
والله يُحِبُّ العبد لما فيه من الصفات الحسنة، صفات الإيمان والعدل والطاعة، ويُبْغِضُ العبد لما فيه من صفات الظلم والطغيان أو المعصية والمخالفة ونحو ذلك.
فإذاً قرَّرُوا أنَّهُ يجتمع في حق المعين في صفات الله أنّ الله يُحِبُّ العبد من جهة ويبغضه من جهة.
وهذا يخالف قول المبتدعة الذين قالوا: المحبة والبغض شيءٌ واحد، فالله يُحِبُّ العبد الكافر حال كفره إذا كان سيوافيه على الإيمان، ويُبْغِضُ العبد المؤمن الصالح حال إيمانه إذا كان سيوافيه على الكفر.
وهذا هو المسألة الموسومة بمسألة (الموافاة) عندهم، وهي مسألة المحبة والبغض عندهم أزلي، فالله يُحِبُّ من يُحِبْ مطلقاً ويُبْغِضُ من يبغض مطلقاً، والمحبة عندهم مؤولة بإرادة الخير، والبغض عندهم مُؤَوَلْ بإرادة الخذلان.
إذا تبيَّنَ ذلك فإنَّ المؤمن فيما يُحِبُّ من إخوانه المؤمنين يُحِبُّهُمْ بقدر ما معهم من الإيمان والعدل والأمانة، ويبغِضُ فيهم بقدر ما معهم من الجَوْر والظلم والخيانة.
فالمؤمن تَبَعٌ لمحبة الله ليس عنده حبٌ كامل أو بغضٌ كامل؛ بل يُحِبُّ بقدر الطاعة ويُبْغِضُ بقدر المعصية، وهذا من العدل حتى في رغبات النفس وفي نوازع القلب.
فإذاً يجتمع في المسلم العاصي الحب من جهة والبغض من جهة، ترى حسناته فتَسُرُّكْ فتحبه، وترى سيئاته فتسوؤك فتبغِضُهُ من هذه الجهة.
فإذاً الحب الكامل لأهل الكمال والبغض الكامل لأهل الكفر، والمؤمن الذي خلط عملاً صالحا وآخر سيئاً فإنه يُحَبُّ من جهة ويُبْغَضُ من جهة.
وهذا أهل السنة والجماعة فيه تبع لما دلت عليه النصوص التي أوجبت موالاة المؤمن ما دام اسم الإيمان باقياً عليه، والبراءة من الكافر ما دام اسم الكفر عَلَمًا عليه.
стр. 495
[المسألة الثانية] :
الأمانة والخيانة متقابلان أيضاً، ويُعنَى بالأمانة هنا الوفاء بأمانة التكاليف التي أخذ الله العهد من آدم عليها في قوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] ، وأصح الأقوال في تفسير الأمانة هنا أنها أمانة التكاليف؛ يعني أن يَقْبَلَ أنه يُخَاطَبُ بالأمر والنهي، وبعد ذلك الثواب والعقاب.
والخيانة ضد الأمانة وهي عدم رعاية التكاليف، فَرَجَعَ الأمر إلى أنّ حقيقة الأمانة في معناها الواسع يرجع إلى التكاليف العَقَدِيَة وإلى التكاليف العملية، والخيانة ترجع إلى التكاليف العقدية -خان فيها- وإلى التكاليف العملية.
فالأمر إذاً فيه نوع ترادفٍ في معناه الواسع مع العدل والجور.
فأهل العدل والأمانة بالمعنى الواسع يقابلون كطائفة أهل الجور والخيانة، فهؤلاء يُحَبُّونَ وهؤلاء يُبْغَضُونْ، ومن كان فيه عدل وأمانة وفيه جور وخيانة فإنه يُحَبُّ من جهة ويُبْغَضُ من جهة.