Полный текст (3 876 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة ما ترويها، قال: فعقد رسول الله، ﷺ ، على جباها فإما دعا وإما بزق، قال: فجاشت، قال: فسقينا واستقينا.
أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن طارق قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي، ﷺ ، بيعة الرضوان؛ فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله، ﷺ ، تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.
أخبرنا قبيصة بن عقبة ومحمد بن عبد الله الأسدي قالا: أخبرنا سفيان عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن المسيب فتذاكروا الشجرة فضحك ثم قال: حدثني أبي أنه كان ذلك العام معهم وأنه قد شهدها فنسوها من العام المقبل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن زياد بن الجصاص عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال عبد الوهاب: وأخبرني سعيد عن قتادة عن عبد الله بن مغفل قال: كان رسول الله، ﷺ ، تحت الشجرة يبايع الناس وأبي رافع أغصانها عن رأسه.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب وأحمد بن إسحاق الحضرمي قالا: أخبرنا يزيد بن بزيع عن خالد الحذاء عن الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار قال: كنت مع رسول الله، ﷺ ، عام الحديبية وكان يبايع الناس وأنا أرفع بيدي غصنا من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله، ﷺ ، فبايعهم على أن لا يفروا ولم يبايعهم على الموت فقلنا لمعقل: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربعمائة رجل.
стр. 597
أخبرنا المعلى بن أسد، أخبرنا وهيب عن خالد الحذاء عن الحكم بن الأعرج عن معقل بن يسار: أن النبي، ﷺ ، كان يبايع الناس عام الحديبية تحت الشجرة ومعقل بن يسار رافع غصنا من أغصان الشجرة بيده عن رأسه، فبايعهم على أن لا يفروا، قال: قلنا كم كنتم؟ قال: ألفا وأربعمائة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا عبد الله بن عون عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها؛ قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.
أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: إن أول من بايع النبي، ﷺ ، بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي.
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا وهل، أبو سنان الأسدي قتل في حصار بني قريظة قبل الحديبية، والذي بايعه يوم الحديبية سنان بن سنان الأسدي.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل عن أبيه عن وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه تحت الشجرة، وهي سمرة، وعمر آخذ بيده غير جد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره، وسألته: كيف بايعوه؟ قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، وسألته: هل بايع النبي، ﷺ ، بذي الحليفة؟ فقال: لا ولكن صلى بها ولم يبايع عند الشجرة إلا الشجرة التي بالحديبية، ودعا النبي، ﷺ ، على بئر الحديبية وأنهم نحروا سبعين بدنة، بين كل سبعة منهم بدنة.
قال جابر: وأخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي، صلى الله
стр. 598
سلم، يقول عند حفصة: لا يدخل النار، إن شاء الله، أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها. قالت: حفصة بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا؛ فقال النبي، ﷺ : ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا.
وأخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: صالح النبي، ﷺ ، المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين يرد إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم، وعلى أن يدخلها من قابل فيقيم بها ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه، فجاء أبو جندل يحجل في قيده فرده إليهم.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما كتب النبي، ﷺ ، الكتاب الذي بينه وبين أهل مكة يوم الحديبية قال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: أما الله فنعرفه وأما الرحمن الرحيم فلا نعرفه؛ قال: فكتبوا باسمك اللهم؛ قال: وكتب رسول الله، ﷺ ، في أسفل الكتاب: ولنا عليكم مثل الذي الذي لكم علينا.
أخبرنا موسى بن مسعود النهدي، أخبرنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن بن عباس قال قال عمر بن الخطاب: لقد صالح رسول الله، ﷺ ، أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئا لو أن نبي الله أمر علي أميرا فصنع الذي صنع نبي الله ما سمعت له ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أن من لحق من الكفار بالمسلمين يردوه ومن لحق بالكفار لم يردوه.
أخبرنا أبو سهل نصر بن باب عن الحجاج عن أبي إسحاق عن البراء
стр. 599
ابن عازب أنه قال: اشترط أهل مكة على رسول الله، ﷺ ، من الحديبية ألا يدخل أحد من أصحابه مكة بسلاح إلا سلاحا في قراب.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: اشترط المشركون على رسول الله، ﷺ ، عام الحديبية ألا يدخلها بسلاح، فقال رسول الله، ﷺ : إلا جلبان السلاح؛ قال: وهو القراب وما فيه السيف والقوس.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة قال: لما كان سفر الحديبية صد المشركون النبي، ﷺ ، وأصحابه عن البيت فقاضوا المشركين يومئذ قضية أن لهم أن يعتمروا العام المقبل في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا فيه، فذلك قوله الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن أبا سفيان بن حرب قال: حين قدم رسول الله، ﷺ ، مكة عام الحديبية كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، عهد ألا يلج علينا بسلاح ولا يقيم بمكة إلا ثلاث ليال، ومن خرج منا إليكم رددتموه علينا ومن أتانا منكم رددناه إليكم.
أخبرنا أبو معاوية الضرير ومحمد بن عبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: نحر النبي، ﷺ ، سبعين بدنة عام الحديبية، البدنة عن سبعة وزاد محمد بن عبيد في حديثه: وكنا يومئذ ألفا وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى.
أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن
стр. 600
سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنه جمل أبي جهل فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه.
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، ﷺ ، عام الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن عبد الله قال: نحر أصحاب النبي، ﷺ ، يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعة سبعة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر بن سليمان بن قيس عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله، ﷺ ، يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، وقال لنا رسول الله، ﷺ : ليشترك منكم النفر الهدي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، عن كل سبعة بدنة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، خرج يوم الحديبية فرأى رجالا من أصحابه قد قصروا فقال: يغفر الله للمحلقين؛ قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال ذلك ثلاثا وأجابوه بمثل ذلك، فقال عند الرابعة: وللمقصرين.
стр. 601
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، رأى أصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان بن عفان وأبي قتادة الأنصاري، فاستغفر رسول الله، ﷺ ، للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة.
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا أوس بن عبد الله النصري، أخبرنا بريد بن أبي مريم عن أبيه مالك بن ربيعة: أنه سمع النبي، ﷺ ، يقول: اللهم اغفر للمحلقين؛ فقال رجل: وللمقصرين؟ فقال في الثالثة أو في الرابعة: وللمقصرين. قال: وأنا محلوق يومئذ فما سرني حمر النعم أو خطر عظيم.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب عن أبيه أنه قال: لما صدر رسول الله، ﷺ ، وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحا عاصفا فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
حدثنا الفضل بن دكين، عن شريك عن ليث عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ قال: نزلت عام الحديبية.
أخبرنا الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن بن جريج عن مجاهد: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ إنا قضينا لك قضاء مبينا، فنحر النبي، ﷺ ، بالحديبية وحلق رأسه.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت أنس بن مالك يقول: نزلت هذه الآية حين رجع النبي، ﷺ ، من الحديبية: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري عن داود عن الشعبي قال: الهجرة ما بين الحديبية إلى الفتح والحديبية هي الفتح.
стр. 602
أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا مجمع بن يعقوب، حدثني أبي عن عمه عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية قال: شهدت الحديبية مع رسول الله، ﷺ ، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يوجفون الأباعر، قال: فقال الناس بعضهم لبعض ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله، ﷺ ، قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله، ﷺ ، واقفا عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: إنا فتحنا لك فتحا مبينا؛ قال: قال رجل من أصحاب محمد يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده إنه لفتح! قال: ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وكان للفارس سهمان.
أخبرنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: قال البراء: أما نحن فنسمي الذي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان.
أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها؛ قال ابن عمر: كانت رحمة من الله.
أخبرنا عبد الله بن الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا خالد الحذاء، أخبرني أبو المليح عن أبيه قال: أصابنا يوم الحديبية مطر لم يبل أسافل نعالنا فنادى منادي رسول الله، ﷺ ، أن صلوا في رحالكم.
стр. 603
غزوة رسول، ﷺ ، الله خيبر
ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، خيبر في جمادي الأولى سنة سبع من مهاجره، وهي على ثمانية برد من المدينة. قالوا: أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر ويجلب من حوله يغزون معه فقال: لا يخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، وشق ذلك على من بقي بالمدينة من اليهود فخرج، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وأخرج معه أم سلمة زوجته، فلما نزل بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي والكرازين والمكاتل، فلما نظروا إلى رسول الله، ﷺ ، قالوا: محمد والخميس! يعنون بالخميس الجيش، فولوا هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين! ووعظ رسول الله، ﷺ ، الناس وفرق بينهم الرايات ولم يكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية فكانت راية النبي، ﷺ ، السوداء من برد لعائشة تدعى العقاب ولواءه أبيض ودفعه إلى علي بن أبي طالب، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: يا منصور أمت! فقاتل رسول الله، ﷺ ، المشركين، قاتلوه أشد القتال وقتلوا من أصحابه عدة وقتل منهم جماعة كثيرة، وفتحها حصنا حصنا، وهي حصون ذوات عدد منها النطاة ومنها حصن الصعب بن معاذ وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق، وبه حصون منها حصن أبي وحصن النزار، وحصون الكتيبة منها القموص والوطيح وسلالم، وهو حصن بني أبي الحقيق، وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك
стр. 604
الجمل، وكانوا قد غيبوه في خربة فدل الله رسوله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثة وتسعين رجلا من يهود، منهم الحارث أبو زينب ومرحب وأسير وياسر وعامر وكنانة بن أبي الحقيق وأخوه، وإنما ذكرنا هؤلاء وسميناهم لشرفهم، واستشهد من أصحاب النبي، ﷺ ، بخيبر ربيعة بن أكثم وثقف بن عمرو بن سميط ورفاعة بن مسروح، وعبد الله بن أمية بن وهب حليف لبني أسد بن عبد العزى، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضياح بن النعمان من أهل بدر، والحارث بن حاطب من أهل بدر، وعدي بن مرة بن سراقة وأوس بن حبيب وأنيف بن وائل ومسعود بن سعد بن قيس، وبشر بن البراء بن معرور مات من الشاة المسمومة، وفضيل بن النعمان، وعامر بن الأكوع أصاب نفسه فدفن هو ومحمود بن مسلمة في غار واحد بالرجيع بخيبر، وعمارة بن عقبة بن عباد بن مليل، ويسار العبد الأسود ورجل من أشجع، فجميعهم خمسة عشر رجلا. وفي هذه الغزاة سمت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم رسول الله، ﷺ ، أهدت له شاة مسمومة فأكل منها رسول الله، ﷺ ، وناس من أصحابه فيهم بشر بن البراء بن معرور فمات منها، فيقال إن رسول الله، ﷺ ، قتلها وهو الثبت عندنا، وأمر رسول الله، ﷺ ، بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضي ثم أمر بذلك فجزيء خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله وسائر السهمان أغفال، وكان أول ما خرج سهم النبي، ﷺ ، لم يتخير في الأخماس فأمر ببيع الأربعة الأخماس في من يزيد فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه. وكان الذي ولي السهمان زيد بن ثابت فأحصاهم ألفا وأربعمائة والخيل مئتي فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهما لكل مائة رأس وللخيل أربعمائة سهم، وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله، ﷺ ، يعطى منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة
стр. 605
وأعطى منه أهل بيته ورجالا من بني عبد المطلب ونساء واليتيم والسائل، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني عبد المطلب وغيرهم، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة وقدم الطفيل بن عمرو وقدم الأشعريون ورسول الله، ﷺ ، بخيبر فلحقوه بها فكلم رسول الله، ﷺ ، أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا، وقدم جعفر بن أبي طالب وأهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فقال رسول الله، ﷺ : ما أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر؟ وكانت صفية بنت حيي ممن سبى رسول الله، ﷺ ، بخيبر فأعتقها وتزوجها. وقدم الحجاج بن علاط السلمي على قريش بمكة فأخبرهم أن محمدا قد أسرته يهود وتفرق أصحابه وقتلوا، وهم قادمون بهم عليكم، واقتضى الحجاج دينه وخرج سريعا فلقيه العباس بن عبد المطلب فأخبره خبر رسول الله، ﷺ ، على حقه وسأله أن يكتم عليه حتى يخرج، ففعل العباس، فلما خرج الحجاج أعلن بذلك العباس وأظهر السرور وأعتق غلاما يقال له أبو زبيبة.
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى خيبر لثماني عشرة مضت من شهر رمضان، فصام طوائف من الناس وأفطر آخرون، فلم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حميد الطويل عن أنس قال: انتهينا إلى خيبر ليلا، فلما أصبحنا وصلى رسول الله، ﷺ ، الغداة ركب وركب المسلمون معه فخرج وخرج أهل خيبر حين أصبحوا بمساحيهم ومكاتلهم كما كانوا في أرضيهم، فلما رأوا رسول الله، ﷺ ، قالوا: محمد والله! محمد والجيش! ثم رجعوا هرابا إلى
стр. 606
مدينتهم فقال النبي، ﷺ : الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين! قال أنس: وأنا رديف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله، ﷺ .
أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: لما صبح رسول الله، ﷺ ، خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا نبي الله ﷺ ومعه الجيش نكصوا مدبرين فقال نبي الله، ﷺ : الله أكبر الله أكبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين!
أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن قال: لما نزل رسول الله، ﷺ ، بحضرة خيبر فزع أهل خيبر وقالوا: جاء محمد وأهل يثرب، قال: فقال رسول الله، ﷺ ، حين رأى فزعهم: إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين!
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت عن أنس قال: كنت رديف أبي طلحة يوم خيبر وقدمي تمس قدم رسول الله، ﷺ ، قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم وقالوا: محمد والخميس! قال: وقال رسول الله، ﷺ : الله أكبر الله أكبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين! قال: فهزمهم الله.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس أن النبي، ﷺ ، صلى الصبح بغلس وهو قريب من خيبر ثم أغار عليهم فقال: الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين! فدخل عليهم فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس! محمد والخميس! قال: فقتل المقاتلة وسبى الذرية.
стр. 607
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر قال: وأظنه عن نافع عن ابن عمر، قال: أتى رسول الله، ﵇، أهل خيبر عند الفجر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والنخل، فصالحهم على أن يحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم وللنبي ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة، وهو السلاح، ويخرجهم، وشرطوا للنبي، ﷺ ، أن لا يكتموه شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فلما وجد المال الذي غيبوه في مسك الجمل سبى نساءهم وغلب على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر، فكان بن رواحة يخرصها عليهم ويضمنهم الشطر.
أخبرنا عبد الله بن نمير، أخبرنا يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان قال: كان مع النبي، ﷺ ، يوم خيبر مائتا فارس.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا وهيب، أخبرنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ ، يوم خيبر: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويفتح عليه، قال: قال عمر فما أحببت الإمارة قبل يومئذ فتطاولت لها واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي؛ فلما كان الغد دعا عليا فدفعها إليه فقال: قاتل ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك؛ فسار قريبا ثم نادى: يا رسول الله علام أقاتل؟ قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرني إياس بن سلمة بن الأكوع قال: أخبرني أبي قال: بارز عمي يوم خيبر مرحب اليهودي فقال مرحب:
قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب …
стр. 608
فقال عمي عامر:
قد علمت خيبر أني عامر … شاك السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع السيف على ساقه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه، قال سلمة بن الأكوع: فلقيت ناسا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقالوا: بطل عمل عامر قتل نفسه! قال سلمة: فجئت إلى رسول الله، ﷺ ، أبكي فقلت: يا رسول الله أبطل عمل عامر؟ قال: ومن قال ذاك؟ قلت: أناس من أصحابك! قال رسول الله، ﷺ : كذب من قال ذاك! بل له أجره مرتين، إنه حين خرج إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب رسول الله، ﷺ ، وفيهم النبي يسوق الركاب وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتدينا … وما تصدقنا وما صلينا
إن الذين كفروا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا … فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا … فقال رسول الله، ﷺ : من هذا؟ قالوا: عامر يا رسول الله! قال: غفر لك ربك! قال: وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد، فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله لوما متعتنا بعامر، فتقدم فاستشهد. قال سلمة: ثم إن نبي الله، ﷺ ، أرسلني إلى علي فقال: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؛ قال: فجئت به أقوده أرمد فبصق رسول الله، ﷺ ، في عينيه ثم أعطاه الراية فخرج مرحب يخطر بسيفه فقال:
стр. 609
قد علمت خيبر أني مرحب … شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب … فقال: علي صلوات الله عليه وبركاته:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة … كليث غابات كريه المنظره أكيلهم بالصاع كيل السندره! … ففلق رأس مرحب بالسيف، وكان الفتح على يديه.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، حدثني عيسى بن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عن الحكم عن مقسم عن بن عباس قال: لما ظهر النبي، ﷺ ، على خيبر صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وأهليهم ليس لهم بيضاء ولا صفراء، فأتي بكنانة والربيع، وكان كنانة زوج صفية والربيع أخوه وابن عمه، فقال لهما رسول الله، ﷺ : أين آنيتكما التي كنتما تعيرانها أهل مكة؟ قالا: هربنا فلم تزل تضعنا أرض وترفعنا أخرى فذهبنا فأنفقنا كل شيء؛ فقال لهما: إنكما إن كتمتماني شيئا فاطلعت عليه استحللت به دماءكما وذراريكما؛ فقالا: نعم! فدعا رجلا من الأنصار فقال: اذهب إلى قراح كذا وكذا ثم ائت النخل فانظر نخلة عن يمينك أو عن يسارك فانظر نخلة مرفوعة فأتني بما فيها. قال: فانطلق فجاءه بالآنية والأموال فضرب أعناقهما وسبى أهليهما، وأرسل رجلا فجاء بصفية فمر بها على مصرعهما فقال له نبي الله، ﷺ : لم فعلت؟ فقال: أحببت يا رسول الله أن أغيظها. قال: فدفعها إلى بلال وإلى رجل من الأنصار فكانت عنده.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: لما كان
стр. 610
يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، فأخذوا الحمر الإنسية فذبحوها وملؤوا منها القدور فبلغ ذلك نبي الله، صلوات الله عليه؛ قال جابر: فأمرنا رسول الله، ﷺ ، فكفأنا القدور وهي تغلي، فحرم رسول الله، ﷺ ، الحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وحرم المجثمة والخلسة والنهبة.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله، ﷺ ، نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا هشام بن حسان، أخبرنا محمد، أخبرنا أنس بن مالك قال: أتى آت رسول الله، ﷺ ، يوم خيبر فقال: يا رسول الله أكلت الحمر! ثم أتاه آت فقال: يا رسول الله أفنيت الحمر! فأمر أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس، فأكفئت القدور.
أخبرنا عفان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: أصبنا حمرا يوم خيبر، قال: فنادى منادي رسول الله، ﷺ ، أن اكفؤوا القدور.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن ضمرة الفزاري عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه أبي سليط، وكان بدريا، قال: أتانا نهي رسول الله، ﷺ ، عن لحوم الحمر يوم خيبر وإنا جياع فكفأناها.
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: أن رسول الله، ﷺ ، لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، وجعل نصفها لنوائبه وما ينزل به. وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين وسهم النبي، صلى الله عليه
стр. 611
وسلم، فيما قسم بين المسلمين الشق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الوطيحة والكتيبة وسلالم وما حيز معهن، فلما صارت الأموال في يد النبي، ﷺ ، وأصحابه لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض فدفعها النبي، ﷺ ، إلى اليهود يعملونها على نصف ما يخرج منها، فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطاب وكثر في يدي المسلمين العمال وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم.
أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار قال: لما افتتح النبي، ﷺ ، خيبر أخذها عنوة فقسمها على ستة وثلاثين سهما، فأخذ لنفسه ثمانية عشر سهما وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما، وشهدها مائة فرس وجعل للفرس سهمين.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا محمد بن راشد عن مكحول: أن رسول الله، ﷺ ، أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه وسهم له.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا بن لهيعة عن محمد بن زيد أخبرني عمير مولى آبي اللحم قال: غزوت مع سيدي يوم خيبر فشهدت فتحها مع رسول الله، ﷺ ، فسألته أن يقسم لي معهم فأعطاني من خرثي المتاع ولم يقسم لي.
أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا بن لهيعة، حدثني الحارث بن يزيد الحضرمي عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: قسم رسول الله، ﷺ ، عام خيبر لسهلة بنت عاصم بن عدي ولابنة لها ولدت.
أخبرنا عتاب بن زياد أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا محمد بن
стр. 612
إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن فلان الجيشاني أو قال: عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش قال: شهدت فتح جربة مع رويفع بن ثابت البلوي قال فخطبنا فقال: شهدت فتح خيبر مع رسول الله، ﷺ ، فسمعته يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقض على امرأة من السبي حتى يستبرئها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبع مغنما حتى يقسم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها في فيء المسلمين، أو يلبس ثوبا حتى إذا أخلقه رده في فيء المسلمين.
أخبرنا عفان بن مسلم وهاشم بن القاسم قالا: أخبرنا شعبة قال: قال الحكم: أخبرني عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: وأثابهم فتحا قريبا؛ قال: خيبر. وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها؛ قال: فارس والروم.
أخبرنا موسى بن داود قال: أخبرنا ليث بن سعد إن شاء الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله، ﷺ ، شاة فيها سم فقال النبي، ﷺ : اجمعوا من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له فقال رسول الله، ﷺ : إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله، ﷺ : من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله، ﷺ : كذبتم! أبوكم فلان؛ قالوا: صدقت وبررت؛ فقال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، فإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا؛ فقال لهم رسول الله، ﷺ : من أهل النار! فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها؛ فقال رسول الله
стр. 613
صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها ولا نخلفكم فيها أبدا؛ ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم؛ قال لهم: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم؛ قال: وما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا استرحنا منك وإن كنت نبيا لم يضررك.
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي أهل الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن بن عباس قال: لما أراد رسول الله، ﷺ ، أن يخرج من خيبر قال القوم: الآن نعلم أسرية صفية أم امرأة، فإن كانت امرأة فإنه سيحجبها، وإلا فهي سرية؛ فلما خرج أمر بسر فستر دونها فعرف الناس أنها امرأة، فلما أرادت أن تركب أدنى فخذه منها لتركب عليها فأبت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها، فلما كان الليل نزل فدخل الفسطاط ودخلت معه، وجاء أبو أيوب فبات عند الفسطاط معه السيف واضع رأسه على الفسطاط، فلما أصبح رسول الله، ﷺ ، سمع الحركة فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو أيوب! فقال: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله جارية شابة حديثة عهد بعرس، وقد صنعت بزوجها ما صنعت، فلم آمنها، قلت إن تحركت كنت قريبا. منك فقال رسول الله، ﷺ : رحمك الله يا أبا أيوب! مرتين.
أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس قال: وقعت صفية في سهم دحية، وكانت جارية جميلة، فاشتراها رسول الله، ﷺ ، بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، وجعل رسول الله، ﷺ ، وليمتها التمر والأقط والسمن، قال: ففحصت الأرض أفاحيص وجيء بالأنطاع فوضعت فيها ثم جيء بالأقط والسمن والتمر فشبع الناس؛ قال: وقال ما ندري أتزوجها
стр. 614
أم اتخذها أم ولد؟ قال فقالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد؛ قال: فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير، قال: فعرفوا أنه قد تزوجها.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان في ذلك السبي صفية بنت حيي فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت بعد إلى النبي، ﷺ ، فأعتقها ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال حماد: قال عبد العزيز لثابت يا أبا محمد أنت قلت لأنس ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها قال: فحرك ثابت رأسه كأنه صدقه.
سرية عمر بن الخطاب، ﵀، إلى تربة
ثم سرية عمر بن الخطاب، ﵁، إلى تربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة، وهي بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران، فخرج وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالهم فلم يلق منهم أحدا فانصرف راجعا إلى المدينة.
سرية أبي بكر الصديق، ﵁، إلى بني كلاب بنجد
ثم سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد ناحية ضرية في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ .
стр. 615
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزوت مع أبي بكر إذ بعثه النبي، ﷺ ، علينا فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، فكان شعارنا: أمت أمت! قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا ما دنونا من الماء عرس أبو بكر، حتى إذا ما صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل ونحن معه؛ قال سلمة: فرأيت عنقا من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبا حتى لقيني رسول الله، ﷺ ، في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة! فقلت: يا نبي الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا! فسكت حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله، ﷺ ، في السوق ولم أكشف لها ثوبا فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك! قال: فقلت هي لك يا رسول الله! قال: فبعث بها رسول الله، ﷺ ، إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.
سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك
ثم سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم
стр. 616
بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل في بواديهم، فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه فقيل قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم. وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله، ﷺ ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد.
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في شهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، غالب بن عبد الله إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهي وراء بطن نخل إلى النقرة قليلا بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، بعثه في مائة وثلاثين رجلا ودليلهم يسار مولى رسول الله، ﷺ ، فهجموا عليهم جميعا ووقعوا وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدا، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، فقال النبي، ﷺ : ألا شققت قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب؟ فقال أسامة: لا أقاتل أحدا يشهد أن لا إله إلا الله.
стр. 617
سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بلغ رسول الله، ﷺ ، أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله، ﷺ ، فدعا رسول الله، ﷺ ، بشير بن سعد فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا إلى يمن وجبار وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح وخيبر ووادي القرى. فنزلوا بسلاح ثم دنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا وتفرق الرعاء. فحذروا الجمع فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم. وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس فيها أحد. فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلما فأرسلهما.
عمرة رسول الله، ﷺ ، القضية
ثم عمرة رسول الله، ﷺ ، القضية في ذي القعدة سنة سبع من مهاجره. قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا رجال استشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، ﷺ ، قوم من المسلمين عمارا فكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول
стр. 618
الله، ﷺ ، ستين بدنة وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وحمل رسول الله، ﷺ ، السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، ﷺ ، من باب المسجد ولبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول الله، ﷺ ، يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله؛ فأتوا قريشا فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، ﷺ ، بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائة رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، فقدم رسول الله، ﷺ ، الهدي أمامه فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله، ﷺ ، على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله، ﷺ ، يلبون فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، ﷺ ، يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … خلوا فكل الخير مع رسوله
نحن ضربناكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله … فقال عمر: يا بن رواحة إيها! فقال رسول الله، ﷺ :
стр. 619
يا عمر إني أسمع! فأسكت عمر وقال رسول الله، ﷺ : إيها يا بن رواحة! قال: قل لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب؛ وحده قال فقالها بن رواحة فقالها الناس كما قال. ثم طاف رسول الله، ﷺ ، عن الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، ﷺ ، ناسا منهم يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، ثم دخل رسول الله، ﷺ ، الكعبة فلم يزل فيها إلى الظهر ثم أمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، ﷺ ، بمكة ثلاثا وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند ظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا! وكان رسول الله، ﷺ ، لم ينزل بيتا بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة وأم عمارة سلمى بنت عميس، وهي أم عبد الله بن شداد بن الهاد، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، ﷺ ، لجعفر من أجل أن خالتها عنده أسماء بنت عميس، وركب رسول الله، ﷺ ، حتى نزل سرف وتتام الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى فحمل إليه ميمونة بنت الحارث فبنى عليها رسول الله، ﷺ ، بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد وأخبرنا يحيى بن
стр. 620
عباد أخبرنا حماد بن سلمة جميعا عن أيوب عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي، ﷺ ، وأصحابه قدموا مكة يعني في القضية، فقال المشركون من قريش: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتم حمى يثرب، قال: وقعدوا مما يلي الحجر فأمر النبي، ﷺ ، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين.
قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم.
سرية بن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم
ثم سرية بن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع من مهاجر رسول الله، ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، بن أبي العوجاء في خمسين رجلا إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم فجمعوا فأتاهم بن أبي العوجاء، وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب بن أبي العوجاء جريحا مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله، ﷺ ، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان.
стр. 621
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
ثم سرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله، ﷺ ، غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكتب فيهم وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول الله، ﷺ ، قلنا: إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك. قال: فشددناه وثاقا وخلفنا عليه رويجلا منا أسود فقلنا: إن نازعك فاحتز رأسه! فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى أتيت مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت عليهم فيه علوت على رأسه ثم اضطجعت عليه قال: فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته: إني أرى على هذا الجبل سوادا ما رأيته أول من يومي هذه فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئا. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئا. قال: فنالويني قوسي ونبلي، فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ بين عيني، قال: فانتزعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته وثبت مكاني، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئة لقد تحركت بعد! والله لقد خالطها سهماي لا أبا لك! فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما
стр. 622
الكلاب، قال: ثم دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم. قال: فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلا الوادي ونحن موجهون في ناحية الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملأ جنبتيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحابا ولا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا وقد أسندناها في المسيل، هكذا قال، وأما في رواية محمد بن عمر قال: أسندناها في المشلل نحدرها وفتناهم فوتا لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يقول:
أبى أبو القاسم أن تعزبي … في خضل نباته مغلولب صفر أعاليه كلون المذهب … وزاد محمد بن عمر في روايته:
وذاك قول صادق لم يكذب … قال: فكانوا بضعة عشر رجلا. قال عبد الوارث: وحدثني هذا الحرف رجل عن محمد بن إسحاق أنه حدثه رجل من أسلم أنه كان شعارهم يومئذ: أمت أمت.
стр. 623
سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضا إلى مصاب
أصحاب بشير بن سعد بفدك
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: هيأ رسول الله، ﷺ ، الزبير بن العوام وقال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. وهيأ معهم مائتي رجل وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم، فقال رسول الله، ﷺ ، للزبير: اجلس! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نعما وقتلوا منهم قتلى.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أفلح بن سعيد عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السرية عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد الحارثي.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال: بعثني رسول الله، ﷺ ، في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا، أمرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإن رسول الله، ﷺ ، قال: من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم، قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري، قال: فأصبنا القوم.
стр. 624
سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي
ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمد بن عمر، الأسلمي، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسي ناحية ركبة من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهو غارون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة.
سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح
ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادي القرى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله، ﷺ ، كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله، ﷺ ، قاتلوهم أشد القتال حتى
стр. 625
قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله، ﷺ ، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.
سرية مؤتة
ثم سرية مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله، ﷺ ، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف. وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، ﷺ : أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، ﷺ ، لواء أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، ﷺ ، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم، وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين! فقال بن رواحة عند ذلك:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا قال: فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم
стр. 626
شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، ﷺ ، فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعنا بالرماح ﵀، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام وقاتل حتى قتل، رضي الله، عنه ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحا ووجد فيما قيل من بدن جعفر اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ﵀، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين ورفعت الأرض لرسول الله، ﷺ ، حتى نظر إلى معترك القوم. فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال: رسول الله، ﷺ : الآن حمي الوطيس! فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار! أفررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله، ﷺ : ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله!
أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر قال: بعثني رسول الله، ﷺ ، إلى الشام، فلما رجعت
стр. 627
مررت على أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت والله لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب ولبس السلاح، وقال غيره: أخذ زيد اللواء وكان رأس القوم ثم حمل جعفر حتى إذا هم أن يخالط العدو رجع فوحش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إلي أيها الناس! فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحق به؛ فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك! فأخذ اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا وقال: فأتيت رسول الله، ﷺ ، فأخبرته فشق ذلك عليه فصلى الظهر ثم دخل، وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم فشق ذلك على الناس، ثم صلى العصر ففعل مثل ذلك، ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك، ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتى يصلي الغداة، فقال له القوم حين تبسم: يا نبي الله بأنفسنا أنت! قال رسول الله، ﷺ : كان الذي رأيتم مني أنه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة إخوانا على سرر نتقابلين ورأيت في بعضهم إعراضا كأنه كره السيف ورأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجا بالدماء مصبوغ القوادم.
стр. 628
سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل
ثم سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادي الآخرة سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
قالوا: بلغ رسول الله، ﷺ ، أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله، ﷺ . فدعا رسول الله، ﷺ ، عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعه ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين بمن يمر به من بلي وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله، ﷺ ، يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مددا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.
стр. 629
سرية الخبط
أميرها أبو عبيدة بن الجراح
ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب، إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتا عظيما فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله؛ ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبيا كثيرا، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية فأصاب
стр. 630
كل رجل منهم اثنا عشر بعيرا فعدل البعير بعشر من الغنم، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله، ﷺ ، فوهبها له، فوهبها رسول الله، ﷺ ، لمحمية بن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.
سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
قالوا: لما هم رسول الله، ﷺ ، بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة. وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله، ﷺ ، توجه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطب لبن كان معه؛ فلما لحقوا بالنبي، ﷺ ، نزل فيهم القرآن: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة (إلى آخر الآية) فمضوا ولم يلحقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب فبلغهم أن رسول الله، ﷺ ، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بيبن حتى لحقوا النبي، ﷺ ، بالسقيا.
стр. 631
سرية رسول الله، ﷺ ، عام الفتح
ثم غزوة رسول الله، ﷺ ، عام الفتح في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، ﷺ .
قالوا: لما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية كلمت بنو نفاثة، وهم من بني بكر، أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيتوا خزاعة ليلا وهم غارون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أن هذا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله، ﷺ . وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة فقدموا على رسول الله، ﷺ ، يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه وهو يقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي! وقال: إن هذا السحاب ليستهل بنصر بني كعب. وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، ﷺ ، المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى عليه فقام أبو سفيان فقال: إني قد أجرت بين الناس، فقال رسول الله، ﷺ : أنت تقول ذلك يا أبا سفيان! ثم انصرف إلى مكة فتجهز رسول الله، ﷺ ، وأخفى أمره وأخذ بالأنقاب وقال: اللهم خذ أبصارهم فلا يروني إلا بغتة! فلما أجمع المسير كتب حاطب بن بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك فبعث رسول الله، ﷺ ، علي بن أبي طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، ﷺ ، وبعث رسول الله، ﷺ ، إلى من حوله من العرب فجلهم أسلم وغفار ومزينة
стр. 632
وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق فكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف. واستخلف رسول الله، ﷺ ، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلما انتهى إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين من المسلمين ونادى منادي رسول الله، ﷺ : من أحب أن يفطر فليفطر ومن أحب أن يصوم فليصم! ثم سار، فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم نزل مر الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشا مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتحسب الأخبار وقالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، فلما رأوا العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول الله، ﷺ ، تلك الليلة على الحرس عمر بن الخطاب فسمع العباس بن عبد المطلب صوت أبي سفيان فقال: أبا حنظلة؟ فقال: لبيك فما وراءك؟ فقال: هذا رسول الله في عشرة آلاف. فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله، ﷺ ، فأسلموا وجعل لأبي سفيان أن من دخل داره فهو آمن! ومن أغلق بابه فهو آمن ثم دخل رسول الله، ﷺ ، مكة في كتيبته الخضراء وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وقد حبس أبو سفيان فرأى ما لا قبل له به فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك بن أخيك عظيما! فقال العباس: ويحك! إنه ليس بملك ولكنها نبوة! قال: فنعم. وكانت راية رسول الله، ﷺ ، يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه في قريش كلام وتواعد لهم. فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد. وأمر رسول الله، ﷺ ، سعد بن عبادة أن يدخل من كداء
стр. 633
والزبير من كدى وخالد بن الوليد من الليط، ودخل رسول الله، ﷺ ، من أذاخر ونهى عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن صبابة الليثي والحويرث بن نقيذ وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي وهند بنت عتبة وسارة مولاة عمرو بن هشام وفرتنا وقريبة، فقتل منهم بن خطل والحويرث بن نقيذ ومقيس بن صبابة، وكل الجنود لم يلقوا جمعا غير خالد بن الوليد لقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل في جمع من قريش بالخندمة، فمنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموا بالنبل فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلا من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا أقبح الإنهزام. فلما ظهر رسول الله، ﷺ ، على ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال؟ فقيل: خالد قوتل فقاتل، فقال: قضاء الله خير. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري وخالد الأشقر الخزاعي، وضربت لرسول الله، ﷺ ، قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله، ﷺ ، فدخلها فقيل له: ألا تنزل منزلك؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلا؟ ودخل النبي، ﷺ ، مكة عنوة فأسلم الناس طائعين وكارهين، وطاف رسول الله، ﷺ ، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل كلما مر بصنم منها يشير إليه بقضيب في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا؛ فيقع الصنم لوجهه، وكان أعظمها هبل، وهو وجاه الكعبة، ثم جاء إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلى خلفه ركعتين، ثم جلس ناحية من المسجد وأرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه رسول الله، ﷺ ، وفتح الباب ودخل الكعبة
стр. 634
فصلى فيها ركعتين وخرج فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فخطب الناس يومئذ ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم! ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب وقال: أعطيتكم ما ترزأكم ولا ترزؤونها! ثم بعث رسول الله، ﷺ ، تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله، ﷺ ، لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة! يعني على الكفر. ووقف رسول الله، ﷺ ، بالحزورة وقال: إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، يعني مكة، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. وبث رسول الله، ﷺ ، السرايا إلى الأصنام التي حول الكعبة فكسرها، منها: العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين. فنادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره. ولما كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، ﷺ ، بعد الظهر فقال: إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ثم رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شيء. وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان وأقام بها رسول الله، ﷺ ، خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين، ثم خرج إلى حنين، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد يصلي بهم ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه.
أخبرنا محمد بن عبيد الطنافسي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال: خرج رسول الله، ﷺ ، في عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر فكانوا يرون أنه الآخر من أمر رسول
стр. 635
الله، ﷺ .
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان عن بن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن بن عباس أخبره أن رسول الله، ﷺ ، خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا كان بالكديد واجتمع الناس إليه أخذ قعبا فشرب منه ثم قال: أيها الناس من قبل الرخصة فإن رسول الله، ﷺ ، قد قبلها، ومن صام فإن رسول الله، ﷺ ، قد صام؛ فكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرون المحكم الناسخ.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا ليث بن سعد، حدثني بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن بن عباس أنه أخبره أن رسول الله، ﷺ ، خرج عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، وكان أصحاب رسول الله، ﷺ ، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أخبرنا عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: أذننا رسول الله، ﷺ ، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونحن صوام حتى إذا بلغنا الكديد أمرنا رسول الله، ﷺ ، بالفطر فأصبحنا شرجين منا الصائم ومنا المفطر حتى إذا بلغنا مر الظهران أعلمنا أنا نلقى العدو وأمرنا بالفطر.
وأخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن هشام الدستوائي قالا: أخبرنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، حين فتحنا مكة لثماني عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر.
следующие страницы →