الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى﴾ اشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر وَقَوله ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَنْ الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا﴾ أَي حيّ الْقلب وَقَوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام وَقَوله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀:
اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَنْ تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط وَهُوَ الإصغاء وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَنْ معنى الْخطاب وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر. (١)
المبحث الخامس: تحسين الصوت بالتلاوة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: صفة تحسين الصوت بالتلاوة
القرآن كلامُ الله، أنزلَه على قلبِ رسوله الكريم ﷺ ؛ ليقرأَه على الناس على مُكْثٍ؛ كما قال ربنا: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ (الإسراء: ١٠٦)، و قال له ربه: (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل ٤)
قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀ في تفسيره:
والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل ورتل، بكسر العين وفتحها: إذا كان حسن التنضيد. (٢)
وحينما يُتلى القرآن تصغى له آذان المؤمنين، فَتَنْقَاد له قلوبهم وتخشع، وتهتدي لأوامره نفوسهم وتخضع، ولا سيما إن كانت تلاوته من صوت حسن يرتل آياته ويخشع.
ولقد دلت نصوص السنة على الترغيب في تَحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم، فمن حَسَّنَ صوته بالقرآن من غير تكلف ولا تعسف امتثالًا لأمر الشرع المطهر فنِعِمَّا فعَل، وقد اقتدى وامتثل، فقد روى الشيخان من حديث أبي
стр. 37
هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وتفسيره-التغني-عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تحسين الصوت به. (٢)
فالمقصود بالتغني إذًا هو تحسين الصوت بالقرآن. والتغني بالقرآن يكون بالجهر بتلاوته مع تحسين الصوت به والخشوع فيه؛ ليحرك به القلوب؛ لأن من مقاصد قراءة القرآن تحريك القلوب به لتتأثر وتخشع وتخضع لباريها؛ فتنتفع بالقرآن وبهداياته.
ومعنى قوله: "ما أذن الله"؛ أي: ما استمع الله؛ والاستماع هنا استماع على الحقيقة يليق بذات الله تعالى، وهو استماع لا يشبه استماع المخلوقين، مثله مثل سائر صفات الرب جل في علاه- وإنما يُقَال في استماعه سبحانه وإذنه مثل ما يقال في سائر صفاته ، ويكون إثبات جميع صفات الرب جل في علاه على الوجه اللائق به سبحانه كما قال ربنا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى: ١١).
وروى أبو داود من حديث أبي لبابة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٣). و "من لم يتغن" هو من لم يحسن صوته. (٤)
قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀:
والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع. (٥)
قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀:
اعلم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا وهم يستمعون وهذا متفق على استحبابه وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين وهى سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ فقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ عليَّ القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئتُ إلى هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء: ٤١) قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. (٦) و روى الحاكم كذلك من حديث البراء بن
стр. 38
عازب أن رسول الله ﷺ قال: "زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا". (١)، وفي رواية" حُسْنُ الصوت؛ زينة القرآن ". (٢)
المطلب الثاني: المفهوم الصحيح لمزامير آل داود
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ سمع صوتَ أبي موسى الأشعري- ﵁ يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: " لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير آل داود" (٣) وفي رواية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (٤)، قال أبو موسى: "لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إليَّ لحبرتّه لك تحبيرًا". (٥)
وقوله: "مزمارًا من مزامير آل داود": قال النووي- ﵀: قَالَ الْعُلَمَاء:
الْمُرَاد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الْحَسَن، وَأَصْل الزَّمْر الْغِنَاء، وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسه، وَآلُ فُلَان قَدْ يُطْلَق عَلَى نَفْسه، وَكَانَ دَاوُدُ ﷺ حَسَن الصَّوْت جِدًّا " (٦)
ومما يؤيد كلام النووي ويؤكده أن المراد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الحسن لا الألحان- قوله- ﷺ لأبي موسى (أُوتِيتَ) -بتاء المخاطب- بما لم يسم فاعله، مما يدل على أن الذي وهبه الصوتَ الحسن هو اللهُ ، وأنه لم يحصل له ذلك بالتعلم والتمرن والتريض.
قال ابن الأثير- ﵀ في "النهاية":
وفي حديث أبي موسى سَمِعه النبي ﷺ يقرأ فقال: (أُعْطِيتَ مزْمارا من مَزَامِير آلِ دَاودَ). شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ. وداودُ هو النبي- ﵇ وإليه المُنْتَهى في حُسْن الصَّوت بالقراءةِ. (٧)
وقال ابن خلدون (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀:
وأما قوله- ﷺ (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها. (٨)
стр. 39
وقول أبي موسى "لحبرتّه لك تحبيرًا"
يُرِيدُ لَجَعَلْته لَك أَنْوَاعًا حِسَانًا، وَهُوَ التَّلْحِينُ، مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّوْبِ الْمُحَبَّرِ، وَهُوَ الْمُخَطَّطُ بِالْأَلْوَانِ.
وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا تَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ وَأَقْرَبُ إلَى لِينِ الْقُلُوبِ وَذَهَابِ الْقَسْوَةِ مِنْهَا.
وَالْأَصْوَاتُ الْحَسَنَةُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَزِيَادَةٌ فِي الْخَلْقِ وَمِنَّةٌ. وَأَحَقُّ مَا لُبِّسَتْ هَذِهِ الْحُلَّةُ النَّفِيسَةُ وَالْمَوْهِبَةُ الْكَرِيمَةُ كِتَابُ اللَّهِ؛ فَنِعَمُ اللَّهِ إذَا صُرِفَتْ فِي الطَّاعَةِ فَقَدْ قُضِيَ بِهَا حَقُّ النِّعْمَةِ. (١)
يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀:
لم ينكر عليه النبي ﵊ ذلك؛ فدل على أن تحبير الصوت وتحسين الصوت والعناية بالقرآن أمر مطلوب؛ ليخشع القارئ والمستمع، ويستفيد هذا وهذا (٢).
المطلب الثالث: تحسين الصوت لا ينافي الإخلاص
وفي ذلك يقول الإمام أبو بكر الآجُرِّي (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀:
ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم؛ فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله، لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصِّلات بالملوك، دون الصلات بعوام الناس؛ فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه: خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله في السر والعلانية، وكان مراده أن يُسْتَمَعَ منه القرآنُ لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله ، وينتهوا عما نهاهم؛ فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس. (٣)
المبحث السادس: فصل النزاع بين التغني و"المقامات الموسيقية"
وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم معنى الترنم
يبين الباحث هنا حقيقة التغني بالقرآن المأمور به شرعًا وبين القراءة بـ"المقامات الموسيقية"، والتي يسميها البعض بـ" المقامات الصوتية" هروبًا من
стр. 40
مسماها الأصلي مع توضيح وتجلية الفرق بينهما.
وإنما تأتي تسميتها بغير اسمها من باب قلب الحقائق، لترويج الباطل، وذلك ليسوغ للمتلقِّي قبولها، واستحسانها، غير مُعَظِّمٍ لحرمتها، وذلك لما تضفيه علي تلك المسميات "التي تقلب الحقائق" عن أصلها إلى قالب مستساغ "لفظه" من أسماء براقة، وذلك ليهون من فظاعتها وفظاظتها وشدة قبحها وحرمتِها.
ولقد كان للشيطان قدمُ السبق في هذا المضمار، وذلك لأنه كان أول من سن تلك السنة السيئة التي تقلب الحقائق الثابتة بتغير مدلولاتها بألفاظ أُخر- مكرًا وخديعة وكذبًا وتدليسًا- ليتلقَّاه ويتلقَّفها منه أولياؤه، ويوحي بها بعضهم لبعض زخرف القول غرورًا، كما قال ربنا: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الزخرف: ١٢)، ومن أظهر ذلك قلبه لحقيقة الشجرة التي نهى الله الأبوين من قربانها فسمها بغير اسمها، سماها بـ" شجرة الخلد وملك لا يبلى".
قال ابن القيم- ﵀ في إغاثة اللهفان":
وإنما كذبهما عدو الله، وغرّهما، وخدعهما؛ بأن سمّى تلك الشجرة "شجرة الخلد"، فهذا أول المكر والكيد، ومنه وَرِثَ أتباعُهُ تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحبُّ النفوسُ مسمَّياتها، فسمَّوا الخمر أمَّ الأفراح، وسمَّوا أخاها بلُقَيْمة الراحة (١)، وسمَّوا الربا بالمعاملة، وسمَّوا المُكُوسَ بالحقوق السلطانية، وسمَّوا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسمَّوا أبلغ الكفر- وهو جحد صفات الرب- تنزيهًا، وسمَّوا مجالس الفسوق مجالس الطَّيبة! فلما سمَّاها "شجرة الخلد" قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا؛ فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون. (٢).
وحين تقلب الحقائق عن معانيها المقصودة فلابد من التحاكم للغة العرب التي نزل بها القرآن، ونطق بها أفصح الخلق ﵊، فمن تأمل الألفاظ التي رغَّب فيها الشرعُ بتحسين الصوت يجدها ترجع إلى عبارات لغوية تدور حول هذا المعنى مثل ألفاظ "التغني بالقرآن"، أو غيرها من الألفاظ التي وردت على ألسنة بعض شراح الأحاديث التي رغَّب فيها الشرع بتحسين الصوت، كلفظ "الترنم"، ولفظ "النغم"، ولفظ "التطريب"، فمن تأمل تلك الألفاظ وجد مادتها تدور حول تحسين الصوت بالتلاوة والجهر به فحسب.
стр. 41
ولنا أن نتأمل في معنى الترنم الذي أورده الزبيدي (ت: ١٢٠٥ هـ) في تاج العروس حيث يقول- ﵀:
أولًا: قال في معنى "الترنم":
((و) الرَّنَم (بالتَّحْرِيك: الصَّوتُ). وقد رَنِم بالكَسْر: إذا رَجَّع صَوْتَه كما في الصحاح، (والرَّنِيم والتَّرْنِيم: تَطْرِيبُه) كما في المُحْكَم، وقال الجوهريّ: والتَّرْنِيم: تَرْجِيعُ الصَّوت).
وترجيع الصوت: تَرْدِيدُهُ في الَحْلْقِ. (١)
ثانيًا: قال في معنى "النغم":
(النَّغَمُ: مُحَرَّكَةً، وتُسَكَّنُ: الكَلَامُ الخَفِيُّ، الوَاحِدةُ بِهَاءٍ)، قَالَ شَيْخُنَا: فَمُفْرَدُهُ تابَعٌ لِجَمْعِه في الضَّبْطِ، انتهى، وفُلَانٌ حَسَنُ النَّغْمَةِ، أي: حَسَنُ الصَّوْتِ في القِرَاءَةَ، كَمَا في الصَّحَاحِ).
والنَّغْمةُ: جَرْسُ الكلمة وحُسْن الصوت في القراءة وغيرها. (٢)
ثالثًا: قال في معنى "الغناء":
((والغِناءُ، ككِساءٍ؛ من الصَّوْتِ: ما طُرِّبَ به) قالَ حُمَيْدُ بنُ ثَوْر: وعَجِبْتُ به أَنَّى يكونُ غِناؤُها، وفي الصِّحاح: الغِناءُ، بالكسْرِ، من السماعِ. وفي النِّهايةِ: هو رَفْعُ الصَّوْتِ وموالاته. وفي المِصْباح: وقيِاسُه الضَّم لأنَّه صَوْتٌ).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب (النَّصْب)، وعلى الحُداء، ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. (٣)
رابعًا: قال في معنى "التطريب":
(والتَّطْرِيب في الصَّوْت: مَدُّهُ وتَحْسِينُه. وطَرَّبَ في قِراءَته: مَدَّ ورجَّعَ وطرَّبَ الطَّائِرُ في صَوْتِه كَذَلِكَ، وخَصَّ بَعْضُهُم بِهِ المُكَّاءَ. وفُلَانٌ: قَرأَ بِالتَّطْرِيب). (٤)
و طَرَّبَ في صَوْتِهِ: رجَّعَهُ ومَدَّهُ وحَسَّنَهُ. (٥)
وفي ضوء المفهوم اللغوي لألفاظ الترنم، والنغم، والغناء، والتطريب، يتبين بوضوح وجلاء أنها ألفاظ تدل على تحسين الصوت وعلوه وتردده في الحلق، ومنه سمي الغناء غناءً.
стр. 42
المطلب الثاني: مفهوم معنى" الموسيقى "
وأما لفظ: " الموسيقى ": فهو " لفظ يوناني وليس له جذر عربي أصلًا، وهو لفظ يحتمل التذكير والتأنيث، ويطلق على فنون العزف على آلات الطرب …
والموسيقى في الاصطلاح: علم يُعرف منه أحوال النغم والإيقاعات وكيفية تأليف
اللحون وإيجاد الآلات ". (١)
وقيل هو: علم يبحث في أصول الأنغام من حيث التنافر والائتلاف وتأليف الألحان وأحوال الأزمنة التي تخلل بيتها. (٢)
والتغني بالقرآن وتحسين الصوت والجهر به لا علاقة له بالموسيقى وبمقاماتها، ولذا ينبغي أن يُعلم خطر تلك المعازف وآلاتها، وأنه لا يليق أن ترتبط تلاوة القرآن بها وبمقامتها.
المطلب الثالث: عقوبة استحلال المعازف
وإذا استحل قومٌ المعازفَ مُسخوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ
وفي ذلك يقول النَّبِيَّ ﷺ :
لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ، وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ، وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. (٣)
стр. 43
وقد نقل الإمام أبو عمرو ابن الصلاح (ت: ٤٦٣ هـ) الإجماع على تحريم السماع في "أدب المفتي والمستفتي" فقال ﵀:
فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت: فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والخلاف: أنه أباح هذا السماع. (١)
ولذا فقد حذر علماء الإسلام من خطر تلك المعازف أشد التحذير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀:
والمعازف هي خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حلَّ فيهم الشرك، ومالوا إلى الفواحش، وإلى الظلم، فيشركون، ويقتلون النفس التي حرم الله، ويزنون، وهذه الثلاثة موجودة كثيرًا في أهل سماع المعازف. (٢)
وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀:
والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب: أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها: إلا سلط الله عليهم العدو، وبُلوا بالقحط والجدب وولاة السوء، والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان. (٣)
فإذا تبين لنا ذلك، عُلِمَ حرمة وخطورة تعلم "المقامات الموسيقية" ومن ثم حرمة قراءة القرآن الذي هو كلام الرحمن على مقامات "الشيطان".
وإنما وَهِمَ مَنْ وَهِمَ وأخطأ من أخطأ وزل من زل في هذا الباب غالبًا بسبب سوء فهمه للألفاظ التي استعملها بعض أهل العلم، كالترنيم والتغني والتطريب ونحو ذلك من الألفاظ، والتي عَرَّفَهَا أهل العلم وفق ما دلت عليه لغة العرب.
وفي هذا الصدد يقول ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀:
معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع صوته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه .. (٤)
وقال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀:
يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن … ولا شك أن النفوس تميل إلى القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم. لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب وإجراء الدمع. (٥)
стр. 44
فابن جرير قد فسر" التغني" بالغناء، وابن حجر قد فسر حسن الصوت بـ "الترنم" و" التطريب" وإنما كان ذلك كله وفق ما دلت عليه اللغة.
غير إن المخالفين قد حملوه هذه الألفاظ وأمثالها على المعنى العامي الشائع والدارج في استعمال الناس له، ولو أنهم رجعوا إلى ما دلت عليه تلك الألفاظ من معاني في لغة العرب، أظن لانتهى بهم المطاف وظهر لهم الحق جليًا، إن كانوا ممن يبحث عن الحق ويتجرد عن الهوى.
المطلب الثالث: تيقظ السلف مبكرًا للخلط في مفاهيم بعض الألفاظ
يقظة السلف لمثل هذا مبكرً ا:
ومن أجل هذا وأمثاله ورد النهي عن بعض السلف التحديث ببعض هذه الأحاديث التي فيها الترغيب في التغني بالقرآن وتحسين الصوت به خشية أن تحمل تلك النصوص على غير المراد منها، كالذي نحن بصدده من حمل تلك الألفاظ على جواز تعاطي تلك الألحان الموسومة بـ" المقامات الموسيقية" التي هي من خصائص أهل الفسق والخنا ممن يتعاطون الغناء الفاحش المقرون بالمعازف.
قال أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀:
حدثني يحيى بن سعيد القطان عن شُعبة بن الحجَّاج قال: "نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١).
قال أبو عبيد- ﵀:
وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله- ﷺ في هذه الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به. (٢)
فحَمْلُ هذه الألفاظ العربية والاستدلال والاحتجاج بها على جواز استعمال "المقامات الموسيقية" وقراءة القرآن بها وإباحتها، بورود مثلها في بعض الأحاديث واستعمال أهل العلم لها، فلاشك في أن هذا خطأ ظاهر جلي، وقد نبه على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن كثير وغيرهم من أهل العلم الأثبات.
المطلب الرابع: حَسْمُ القول في "المقامات الموسيقية"
حَسْمُ ابنِ القيم ﵀ للخلاف في هذه المسألة:
وقد حَسَمَ الإمامُ ابن القيم الخلاف في هذه المسألة، وذكر إجماع السلف على
стр. 45
منع القراءة بالألحان الموسيقية، وتلاوة القرآن بطريقة أهل الفسق والمجون التي يستخدمها أهل الخلاعة من المغنين وأضرابهم، وهي ما يعرف في عصرنا الحاضر بـ"المقامات الموسيقية"، كما فرق ﵀ بين الطبيعة الجبلية في القراءة وبين التكلف المذموم في التغني بالقرآن حتى يصل إلى حد التمطيط، وهم لا يحصل لهم ذلك إلا بالتعلم والتمرن والتصنع كما يفعل ذلك أهل الغناء بألحان وإيقاعات مخصوصة على أوزان مخصوصة قد اخترعوها وابتدعوها.
وقد أطال فيها النفس- ﵀ بعد أن ساق الأدلة المسكتة التي برهن بها على بطلان تلك الفعلة الشنيعة، ثم بين هنا أن التغني منه المحمود ومنه المذموم.
فقال في ذلك ﵀:
وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي- ﷺ "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا" (١) والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستعملونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه
стр. 46
عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: (ليس منَّا من لم يتغنّ بالقرآن) (١)
وفيه وجهان:
أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله
والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته. (٢)
وفي نحو ذلك يقول ابن كثير ﵀ في " فضائل القرآن ":
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويُجلّ، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. (٣)
كما نوه على ذلك-أيضًا- الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ) - في " نزهة الأسماع "فقال ﵀:
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيّج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنّة بتحسين الصوت بالقرآن لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد. (٤)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀:
فلا يسوغ أن يُقرأ القرآن بألحان الغناء، ولا أن يُقرن به من الألحان ما يُقرن بالغناء من الآلات وغيرها، لا عند من يقول بإباحة ذلك، ولا عند من يحرمه، بل المسلمون متفقون على الإنكار لأن يُقرن بتحسين الصوت بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير، وباليد كالغرابيل. فلو قال قائل: النبي- ﷺ قد قرأ القرآن، وقد استقرأه من ابن مسعود، وقد استمع لقراءة أبي موسى، وقال: "لقد أوتى مزمارًا من مزامير آلِ داود" (٥) فإذا قال قائل: إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان، فلا يتغير الحكم بأن يُسمع بالألحان، كان هذا منكرًا من القول وزورًا باتفاق الناس. (٦)
وقال ﵀ في موضع آخر: والسلف
стр. 47
كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلّفوا أوزان الغناء مثل ما كان أبو موسى الأشعري ﵁ يفعل. (١)
وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀ حين تكلم عن حرمة القرآن:
ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين والمتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفًا فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق. (٢)
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀:
وعلى هذا تُحمل هذه الأحاديث التي ذكرناها في حُسن الصوت، إنَّما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق، يُبَيِّنُ ذلك حديث أبي موسى: أن أزواج النبي ﷺ استمعن قراءته، فأُخْبِرَ بذلك، فقال: (لو علمت لشوَّقت تشويقًا، أو حبّرت تَحبِيْرًا. فهذا وجهه لا الألحان المطرِبة الملهية (٣).
المطلب الخامس: إجماع السلف على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية
ولقد أجمع السلف على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية، وقد نُقِلَ الإجماعُ عن جمع من أهل العلم، ومنعه على الإطلاق آخرون، منهم:
١ - ابن القيم وابن تيمية: وقد مر بنا كلامهما آنفًا
٢ - ابن رجب الحنبلي:
وقد نقل ابن رجب في "نزهة الأسماع" إجماع السلف- كذلك- على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية عن أبي عبيد وغيره من الأئمة، فقال: وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا، ولم يُثبت فيه نزاعًا؛ منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة. (٤)
٣ - ابن سرين:
ومما حكى هذا الإجماع- كذلك- محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) حيث يقول:
كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة. (٥)، وقوله: "كانوا" يعني به الصحابة والتابعين.
٤ - ابن كثير:
وقال الحافظ ابن كثير- ﵀ في مقدمة تفسيره - بعد أنّ ذكر كلام السلف في النهي عن قراءة الألحان-:
وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو
стр. 48
قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة، ﵏، على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا، فقد اتفق العلماء على تحريمه. (١)
٥ - ابن الجوزي
وابن الجوزي يعتبره من خوارم المروءة المسقطة للعدالة، حيث يقول ﵀:
التلحين في القراءة، تلحين الغناء والشَّعر. وهو مسقط للعدالة ومن أسباب رد الشهادة، قَضَاءً. وكان أول حدوث هذه البدعة في القرن الرابع على أيدي الموالي.
ومن أغلظ البدع في هذا تلكم الدعوة الإلحادية إلى قراءة القرآن على إيقاع الأغاني مصحوبة بالآلات والمزامير. (٢)
وقال في موضع آخر:
فأما الألحان التي يصنعها قراء هذا الزمان فمكروهة عند العلماء لأنها مأخوذة من طرائق الغناء. (٣)
وقال في موضع آخر- أيضًا-﵀:
وأما ما أحدث بعدهم - يعني السلف - من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا يُنهى عنه عند جمهور العلماء؛ لأنه بدعة. (٤)
٦ - أبو العباس القرطبي
وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ) في "كشف القناع": -
كيفية قراءة القرآن نُقلت إلينا نقلاً متواترًا، وليس فيها شيء مِمَّا يُشبه التلحين، ولا أساليب إنشاد الأشعار، فينبغي ألاّ يُجَوَّزَ غيْرُها، وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّا قرأنا القرآن على مشايِخِنَا، وهم العدد الكثير، والجمُّ الغفير، ومشايخنا على مشايخهم، وهكذا إلى العصر الكريم، وتلقينا عنهم كيفية قراءته بالمشافهة، فلو كان التلحين فيه مشروعًا لتعلَّموه من مشايخهم، ولنقلوه عنهم، كما نقلوا عنهم المدَّ والقصر، وما بيْن اللفظين، والإمالة والفتح والإدغام والإظهار، وكيفية إخراج الحروف من مَخارجها، فإنه لَمَّا نقله الخلف عن السلف وعلَّموا عليه، اتصل ذلك لنا وتلقيناه عنهم، وهذا جاء مع توفر الدواعي على النقل وكثرة المتعمقين من القرَّاء الغالين في كيفية قراءته، ومع ذلك فلم يُنقل عن أحد من القرَّاء المشاهير، ولا عن الرواة عنهم شيء من ذلك، فدَلَّ ذلك على أنَّ تلحين القرآن ما كان معروفًا عندهم، ولا معمولاً به فيما بيْنهم، فوجب ألاّ يُعمل به، ولا يُعرَّج عليه، فإنه أمرٌ مُحْدَثٌ، وكلُّ مُحْدَثٍ بدعةٌ، "وكل بدعة ضلالة" (٥)،. (٦).
стр. 49
وقول أبي العباس القرطبي من أجود ما قيل في هذه المسألة.
المطلب السادس: إجماع أهل العلم المعاصرين على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية
وقد أجمع أهل العلم المعاصرين على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية.
ومن أبرز هؤلاء:
١ - سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀ -:
حيث يقول سماحته:
لا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناء وطريقة المغنين بل يجب أن يقرأه
كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان، فيقرأه مرتلاً متحزنًا متخشعًا حتى يؤثر في القلوب التي تسمعه وحتى يتأثر هو
بذلك. أما أن يقرأه على صفة المغنين وعلى طريقتهم فهذا لا يجوز. (١)
٢ - شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -
حيث سئل ما حكم تلاوة القرآن على المقامات الموسيقية؟
فأجاب -حفظه الله- قائلًا: نعوذ بالله من ذلك لا يجوز قراءة القرآن بالألحان وجعلها أغاني، المقامات هذه للأغاني عند الصوفية، ولا يجوز قراءة القرآن عليها، ولا يجوز اتخاذ القرآن أغاني وإنما يتلى القرآن كما كان النبي- ﷺ وصحابته وأهل العلم يتلونه، أما أن يتلى كما تتلوه الصوفية والمبتدعة والمغنين هذا حرام. (٢).
وقول شيخنا الفوزان في وجوب التأسي بالنبي ﷺ وصحابته هو نفس قول شيخنا الإمام ابن باز ﵀، وكأنه خرج من مشكاة واحدة.
٣ - الدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري: (٣)
حيث يقول: القراءة بالألحان لا تخرج عن حالتين: … الحالة الأولى:
الألحان التي تسمح بها طبيعة الإنسان من غير تصنّع، وهذا ما يفعله أكثر الناس عند قراءة القرآن، فإن كل من تغنّى بالقرآن فإنه لا يخرج عن ذلك التلحين البسيط، وذلك جائز، وهو من التغني الممدوح المحمود، كما قال الرسول ﷺ :
(ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن) (٤)، وعلى هذه الحالة يحمل الحكم بالجواز والاستحباب.
الحالة الثانية:
الألحان المصنوعة والإيقاعات الموسيقائية التي
стр. 50
لا تحصل إلا بالتعلم والتمرين، ولها مقادير ونسب صوتية لا تتم إلا بها، فذلك لا يجوز؛ لأن أداء القرآن له مقاديره التجويدية المنقولة التي لا يمكن أن تتوافق مع مقادير قواعد تلك الألحان إلا على حساب الإخلال بقواعد التجويد، وذلك أمر ممنوع. (١)
كما أفتى بالمنع جمع من أعلام المعاصرين كذلك منهم على سبيل البيان لا الحصر أصحاب الفضيلة:
١ - علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية. (٢) - وحسبك بهم-
٢ - الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين ﵀
٣ - الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك
٤ - الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ وإن كان ضمن أعضاء اللجنة الدائمة إلا أن له فتوى مستقلة بالمنع أيضًا
٤ - الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين ﵀
٥ - فضيلة الشيخ/ أحمد بن عيسى المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية
٦ - فتاوى علماء الأزهر.
ولا يُعلم عن أحد من أعلام الأمة الأثبات-المعتبرين-المعاصرين- أي خلاف في تحريم قراءة القرآن بتلك "المقامات الموسيقية" المبتدعة التي ليس عليها عمل السلف.
وما ينادي به بعض الناس من تلحين القرآن بزعم تصوير المعاني وضبط الأنغام، وربما تمادى بعضهم وطالب بما يقارن تلك الألحان بالآلات الموسيقية: فكل ذلك جرأة على كتاب الله - تعالى ذِكرُه وتقدس اسمُه-، ولا شك أن الاشتغال بتلك الأنغام يوقع القارئ في تحوير الألفاظ، ويصرف السامع عن تدبر المعاني، بل يفضي بها إلى التغيير، وكتاب الله تعالى المجيد ينزه عن ذلك. (٣)
ونعجب ممن اشتهر في العالم الإسلامي بحسن قراءته أن يكون طريقه في التعلم وإتقان القراءة: الأغاني الماجنة! وقد اعترف بعضهم أنه كان يستمع للأغنية ذات
стр. 51
المعازف حتى يتعلم طريقة القراءة! وقد انتشرت صورة لبعض كبار القراء وهو بجانب " البيانو "! بل وتشترط إذاعة عربية على كل مقرئ فيها أن يحمل شهادة من معهد موسيقي! وإلا حُرِمَ القراءة فيها، وقد وفق الله تعالى كثيرًا من القراء في العالم الإسلامي، وأثروا في الناس بقراءتهم ولم يتعلموا مقامًا ولم يسمعوا أغنية، وبعض المهووسين بهذه المقامات يسمع القارئ المتقن الموفَّق فينسب قراءته لإحدى المقامات ويوهم نفسه وغيره أن هذا القارئ ممن يمشي على طريقته بالقراءة على حسب أغنية أو لحن معيَّن، وليس الأمر كذلك، وإنما هو وَهْمٌ مَحْضٌ. (١)
المطلب السابع: وجوب تنزيه القرآن عن " المقامات الموسيقية"، إجلالًا وتوقيرًا وتعظيمًا لكلام الله
وهنا تنبيهات هامة يجدر التنبيه عليها والانتباه إليها
وأخيرًا بعد البحث القاصر في هذه المسألة فإنه يجب الإشارة إلى بعض التنبيهات الهامة على النحو التالي:
التنبيه الأول: أن قراءة القرآن بتلك "المقامات" أمر محدث ليس عليه عمل السلف.
ولذا لا يحل لمسلم أن يقرأ القرآن إلا بالطريقة التي تعبد الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ ، وهي التي تلقاها عن الأمين جبريل ﵇ وعلمها أصحابه، وهي التي تواتر نقلها مشافهة عنهم حتى وصلت إلينا على الحال الأولى التي نزل بها القرآن.
التنبيه الثاني: أنه يجب تنزيه القرآن عن العبث بأي صورة وتحت أي مسمى، ولا سيما بما يسمى بـ" المقامات الموسيقية"، إجلالًا وتوقيرًا وتعظيمًا لكلام الله جل في علاه.
التنبيه الثالث: لقد أنزل الله القرآن لِيُتدبر كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، أي: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به (٢)، ولا شك في أن تعلم تلك المقامات صارف عن التدبر الذي أنزل القرآن لأجله.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان
стр. 52
الغناء لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحَّن كما يصغى إلى الغناء لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. (١)
ويقول ابن رجب (ت: ٦٩٥ هـ) ﵀:
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تُهيِّج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبّر معاني القرآن. (٢)
قال ابن الصلت الأهوازي (ت: ٤٠٨ هـ) ﵀:
سمعت جماعة من شيوخي يقولون لا يجوز للمقرئ أن يقرأ بخمسة أضرب:
بالترقي، والترعيد، والتطريب، والتلحين، والتحزين؛ إذ ليس لها أثر ولا نقل عن أحد من السلف، بل ورد إلينا أن بعض السلف كان يكره القراءة بها. (٣)
وقال أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠ هـ) ﵀:
وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل. (٤).
المطلب الثامن: التحذير من الجرأة على كتاب الله
من أكبر الفواجع
ومن أكبر الفواجع الكبرى التي قد سمعنا عنها قديمًا إقدام أحد المطربات الشهيرات على تسجيل بعض آيات القرآن الكريم بصوتها، ومن تلك الفواجع الناجمة عن فتح هذا الباب على مصراعيه أيضًا إقدام بعض أهل الطرب المعاصرين على طلب التصريح بتسجيل القرآن بصوته رسميًا من الأزهر، وقد رُفِضَ طلبه بشدة.
وقد ألف ابن كيال الدمشقي (ت: ٩٢٩ هـ) كتابًا في النهي عن قراءة القرآن بالألحان سماه " الأنجم الزواهر في تحريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر". (٥)
المطلب التاسع: تفخيم الصوت بالتلاوة
ومن آداب تلاوة القرآن كذلك: أن يفخم القارئ تلاوته بلا تكلف ولا تعسف.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ:
وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُخْضِعُ الصَّوْتَ فِيهِ
стр. 53
كَكَلَامِ النِّسَاءِ. (١)
والمقصود بالتفخيم هنا، أي: أنه لا يقرأه بصوتٍ ناعم منغم كصوت النساء -مثلاً-، ولا بصوت فيه نوع تميع، وذلك كالتلاوات التي انتشرت بمثل هذه الطريقة، وإنما يقرأه ويفخمه على أنه رجل، ويقرأ بسجيته وجبلته بلا تكلف ولا تعسف، فيقرأ الرجل بجبلته وسجيته، كما أن المرأة- كذلك- تقرأ بجبلتها وسجيتها، كل بجبلته وسجيته. وممن نوه على مثل ذلك صاحب البرهان. (٢)
ويُعد ذكر هذا الضابط من الأهمية بمكان تحذيرًا وتنبيها لما يُرى من كثرة انتشار بعض الأصوات الشبابية التي فيها تكلف للتنعم والتنغم وكأنها أصوات نسائية.
الفصل الثاني الإجازة القرآنية وما إليها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ضوابط الإجازة القرآنية
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: أن يكون القارئ حافظًا مجازًا وَمَسْنَدًا
أضف إلى ما سبق ذكره من ضوابط: أن يكون القارئ المزمع تسجيل القرآن بصوته من الحفاظ المتقنين ليتمكن من جودة النطق وعدم التلعثم الذي قد يعتري من لم يحفظ غالبًا، وأن يكون مجازًا بالقراءة أو الرواية التي يريد تسجيلها بصوته من أئمة عصره ومصره الأثبات بالسند المتصل إلى من نزل عليه القرآن ﷺ ، والذي تلقَّاه عن جبريل ﵇، كما بين الله ﵎ ذلك بقوله سبحانه: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (النمل: ٦)، وقوله (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) أي: يلقى عليك فتلقَّاه وتعلمه وتأخذه (٣). وقد جاء جليًا صريحًا ذُكْرُ من عَلَّمَهُ وتلقَّاه عنه في قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥)، و (شَدِيدُ الْقُوَى) هو جبريل ﵇.
وإن رب العزة جل في علاه قد تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وسمعه جبريل ﵇ كذلك من رب العزة بحرف وصوت فنزل به على قلب النبي ﷺ فبلغه إياه كما سمعه، وقد قال في ذلك سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥).
فَوَعّاه اللهُ قَلْبَهُ وثَبَتَه فيه فلا ينْساه أَبدًا، وقد بَلَّغَهُ ﷺ لأمته كما تلقَّاه وسمع من جبريل ﵇ دون أدنى تصرف فيه. (٤)
стр. 54
المطلب الثاني: مفهوم الإجازة القرآنية
والإجازة القرآنية: هي عمليةُ النَّقلِ الصوتيِّ للقرآن الكريمِ من جيلٍ إلى جيل، وفيها يَشهدُ المُجيزُ أنَّ تلاوةَ المُجازِ قد صارت صحيحةً مئةً بالمئةِ بالنسبةِ للروايةِ - أو الرواياتِ - التي أجازَهُ بها، ثم يَأذَنُ له أَنْ يَقرأَ ويُقرِئَ غَيرَه القرآنَ الكريمَ. (١)
وعلى هذا فالإجازة المعتبرة يسمع فيها الشيخُ المُجيزُ من القارئ المُجَاز القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته حرفًا حرفًا، وهو يتلقاه عنه طرفًا طرفًا.
المطلب الثالث: أهميةُ الإجازةِ
مما لا شكَّ فيه أنَّ طلبَ الإجازةِ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ، قراءةً صحيحةً، متَّصلةَ السَّنَدِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أمرٌ محمودٌ شرعًا، كيف لا وقد جاء عن بعضِ السلَفِ ﵏ الرِّحلةُ في طلب الحديث؟ فالرِّحلةُ في طلبِ إتقانِ تلاوةِ القرآنِ مِنْ بابِ أَوْلى، وصاحبُها مأجورٌ مشكور.
وتبرُزُ أهميةُ الإجازةِ بأنه: لا يَصحُّ لأحدٍ أن يُقرئَ القرآنَ الكريم، حتى يأخذَه أخذًا كامِلًا من أفواهِ المشايخِ العارفين المُتقِنين، ويُؤذَنَ له بالإقراء، فإن لم يُؤذنْ له بالإقراءِ فلا ينبغي أن يُقرئَ القرآنَ حتى لو قرأَ القرآنَ مراتٍ عديدة، فإنَّ السماعَ والعَرْضَ لا يكفِيانِ في صِحَّةِ أداءِ القرآنِ بعد زمانِ شُيوعِ اللَّحْن، بل لا بُدَّ معهما من إجازةٍ وإذنٍ بالقراءةِ والإقراءِ، وذلك لأنَّ الطالبَ قد يقرأُ القرآنَ كلَّه على شيخِه مِرارًا ولا يُتقِنُ الأداءَ فلا يُجيزُه الشيخ، ومِن ذلك ما ذكرَه ابنُ الجزريِّ -رحمه اللهُ تعالى- عن الإمامِ أحمدَ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الهاشميِّ (ت ٦٤٦ هـ) أنَّه قرأ عليه أبو جعفرٍ بنُ الزبيرِ روايةَ ورشٍ عِدَّةَ خَتَمات، قال: ولم يُجِزْني، وقرأ عليه بعضُ أَتْرابي وأجازَ له.
ومِن هنا: كان بعضُ السَّلفِ ﵏ يَطلُبون من بعضِ تلاميذِهم إِعادةَ قراءةِ القرآن مرَّاتٍ عديدةٍ حتى يَستوثِقوا مِنْ إتقانِهم.
فمِن ذلك: أنَّ مجاهدَ بنَ جَبْرٍ المكِّيَّ قرأ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثينَ ختمة يستوقفه عند كل آيةٍ يسأله عنها. (٢)
ومِن ذلك: أنَّ الإمامَ أبا جعفرٍ عرَضَ القرآنَ على مولاه عبدِ اللهِ بنِ عيَّاش، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وعلى أبي هريرةَ ﵄.
ومِن ذلك: أنَّ الإمامَ نافعَ بنَ أبي نُعيَمٍ قال:
стр. 55
قرأتُ على سبعينَ مِنْ التابعِين. (١)
فإذا أجاز الشيخ المُجِيزُ القارئَ إجازةً صحيحةُ بشرطها المعتبر عند أهل البحث والنظر فقد اتصل سنده بتلك الإجازة بإسناد رسول الله ﷺ وأصبح ضمن سلسلة الناقلين للقرآن الكريم بالسند الصحيح الثابت بالنقل المتواتر المتصل برسول الله ﷺ ، كما أصبح بذلك أهلًا لإجازة غيره.
المطلب الرابع: ضابط شرط الإجازة لمن يُسجل له القرآن
وضابط شرط الإجازة لمن يُسجل له القرآن أن يكون مجازًا من أئمة عصره ومصره الأثبات وذلك لأمور: من أهمها ما يلي:
١ - لضمان عدم التساهل في الإجازة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة
٢ - لزيادة تحقق الاستيثاق من هذه الإجازة، وذلك لاشتهار أئمة كل عصر ومصر بين أهل زمانهم وظهورهم وبروزهم فيهم فلا ينسب إليهم إجازة من لم يجيزوه
٣ - لدفع القراء لطلب للإتقان وطلب علو الإسناد والأخذ والتلقي عن الأكابر للتأهل قبل التصدر.
المطلب الخامس: الإجازة سنة متبعة
وقد زكى النبي ﷺ جمعًا من أصحابه ممن تلقوا عنه وأتقنوا قراءة القرآن.
لقد حرص النبي ﷺ على تعليم أصحابه القرآن منذ بزوغ فجر نزوله في الغار، وكذلك حرص أصحابه على التلقي والأخذ عنه ﷺ وتنافسوا في هذا المضمار أيما تنافس، وقد سطع نجم عدد منهم فاعتنوا بالقرآن وتعلمه وإتقانه حتى تميزوا في تَعَلُمِهم فزكاهم النبي ﷺ وحث ورغَّب في التلقي والأخذ عنهم.
المطلب السادس: مكانة الإسناد من الدين
قال عبدالله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀:
الإسنادُ من الدِّين، ولولا الإسنادُ لقال مَنْ شاء ما شاء، فإذا قيل له: مَنْ حَدَّثَك؟ بَقِي أي: بقى متحيرًا لا يدري ما يقول، لأنه لا إسناد معه يعرف به صحة الحديث أو ضعفه (٢)
стр. 56
قال الحافظ ابن حجر-﵀:
الإسناد خصيصةٌ فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنّةٌ بالغة مِنْ السنن المؤكَّدة، وقد رُوِّينا من طريق أبي العباس الدغولي قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إنّ الله تعالى قد أَكرمَ هذه الأمةَ وشَرَّفَها وفَضَّلَها بالإسناد، وليس لأحدٍ مِنْ الأمم كلِّها قديمها وحديثها إسنادٌ موصول، إنما هو صُحُفٌ في أيديهم، وقد خَلَطُوا بكتبهم أخبارَهم، فليس عندهم تمييزٌ بين ما نزل مِنْ التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتَّخذوها عن غير الثقات. (١)
стр. 57
مطلب: أبرز من زكاهم النَّبيُّ ﷺ [¬*]
أولًا: التزكيات الجماعية
فقد زكى النَّبيُّ ﷺ جمعًا ممن تميزوا في التلقي عنه، وممن زكاهم تزكية جماعية لسبقهم وفضلهم أربعة نفر.
فقد ثبت في الصحيحين أنه ذُكِرَ عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، فَقالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لا أزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ مِنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ به -، وسَالِمٍ، مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ. (١)
وهذه التزكيات الجماعية لهؤلاء الأربعة نفر من الصحابة هي بمثابة الإجازة، فقوله (خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ) يُعد إجازة صريحة، كما يُعد تزكية لهم لا تعلوها تزكية، حيث جاء الأمر بالأخذ عنهم بلفظ صريح من النبي ﷺ .
ثانيًا: تزكية أبيِّ بن كعب ﵁ -:
ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبيُّ ﷺ قال لِأُبَيٍّ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ قالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قالَ: اللَّهُ سَمَّاكَ لي فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي، قالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ أنَّهُ قَرَأَ عليه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) (البينة: ١). (٢)
وقد ثبت عند الترمذي وغيره بسند صحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ..... وأقرؤُهُم لِكِتابِ اللَّهِ أبيُّ بنُ كعبٍ .... ". (٣)
وهذه لا شك تزكية صريحة لسيد القراء ﵁.
ثالثًا: تزكية عبد الله بن مسعود ﵁ -
ثبت في المسند بسند صحيح عن زر بن حبيش من حديث عن ابن مسعود ﵁ قال: .... من سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ..... (٤)
وهذه تزكية قل أن تعلوها تزكية وإن كانت، ومع ذلك فهي منقبةٌ عظيمةٌ جليلة القدر.
وها هو عبد الله بن مسعود-﵁ يقول عن نفسه:
"والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت،
ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه". (٥)
عن شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: خطبنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ-﵃ فقَالَ:
"وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ -أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ".
قالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا، يَقُول غَيْرَ ذَلِكَ. (٦)
رابعًا: تزكية أبيِ موسى الأشعري ﵁ -
ولقد استمع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لقراءة أَبِي مُوسَى ثم قَالَ له: "لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (٧)،
ومجرد حرصه ﷺ على الاستماع لقراءة أَبِي مُوسَى يُعد تزكية من أعلى التزكيات.
خامسًا: تزكية مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم ﵄ -
لقد أرسل النَّبيُّ ﷺ مصعبَ بن عمير العَبْدري وعبدَ الله بن أم مكتوم ﵄ ليعلما الناسَ القرآنَ في المدينة قبل هجرته، ولاشك في أن إرسالهما للتعليم والقيام بهذه المهمة الجليلة يُعد تزكية لهما.
وقد ثبت عند البخاري من حديث البَرَاء بْن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ … (٨).
سادسًا: تزكية عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام ﵃ -
فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمِعتُ هشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حزامٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ، فقرأَ فيها حُروفًا لم يَكُنْ نبيُّ اللَّهِ ﷺ أقرأَنيها، قُلتُ: مَنْ أقرأَكَ هذِهِ السُّورةَ؟ قالَ: رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلتُ: كذبتَ، ما هَكَذا أقرأَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ! فَأخذتُ بيدِهِ أقودُهُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إنَّكَ أقرأتَني سورةَ الفرقانِ، وإنِّي سمِعتُ هذا يقرأُ فيها حروفًا لم تَكُنْ أقرأتَنيها! فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : اقرأ يا هشامُ. فقرأَ كما كانَ يقرأُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ: اقرَأ يا عمرُ. فقرأتُ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ: إنَّ القرآنَ أُنْزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ. (٩).
فقوله ﷺ : "اقرأ يا هشامُ" ....... ثم قوله: "هَكَذا أُنْزِلَت". ثمَّ قوله: "اقرَأ يا عمرُ ...... ثم قوله: "هَكَذا أُنْزِلَت"، فهذه تزكية لهما تدلل على صحة قراءتيهما.
وغير هذه التزكيات وردًا كثيرًا على لسان من أُنْزِل عليه القرآنِ ﷺ .
مطلب: قدر ومكانة التزكيات النبوية [¬*]
وهذه التزكيات النبوية الواردة في الأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة بينة على تزكية النبي ﷺ لأولئك النفر من أصحابه الكرام ﵃ أجمعين، وهي تزكيات بمثابة ومكانة الإجازات اللفظية المتعارف عليها عند أهل العلم عمومًا وعند أهل الإقراء خصوصًا، وهي وإن كانت تزكيات، فهي في حكم الإجازات اللفظية، ولا شك في أن تلك التزكيات والإجازات اللفظية لها مكانتها وقدرها بل وتقدمها على الإجازات الخطية، وهي تعد بمثابة إجازات سمعية، وأن لها قدرها ومكانتها باعتبار قدر ومكانة خير مُجِيزٍ وخير مُجَازٍ.
كما أنه ﷺ قد زكى جمعًا من أصحابه غير هؤلاء وأثنى على قراءتهم وتلاوتهم كذلك.
ومن أبرز هؤلاء زيد بن ثابت الذي - قيل أنه- حضر العرضة الأخيرة (١٠) ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (١١).
وكذلك تزكية كُتَّابِ الوحي وهم جمع غفير، فمنهم من كان يكتب في بعض الأحايين، ومنهم من كان مستديمًا على كتابة الوحي ومتفرِّغًا ومتخصِّصاً له، وهؤلاء الكُتَّابِ منهم من اتخذهم النبيُّ ﷺ في مكة قبل الهجرة، ومنهم من اتخذهم بعد الهجرة في المدينة وأضافهم إليهم، ومنهم من اتخذهم بعد الحديبية وأضافهم إليهم كذلك، وقد ذكرهم محمود شاكر في "التاريخ الإسلامي" بأسمائهم. (١٢).
واتخاذ هؤلاء الكُتَّاب للوحي يعُد تزكية لا تعلوها تزكية، حيث ائتمنهم النبيُّ ﷺ على كتابة الوحي لعلمهم بالكتاب ولحسن ديانتهم وأمانتهم.
стр. 58
المبحث الثاني: أن يكون تسجيل القرآن بصوت رجلٍ "ذكرٍ"
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: حكم صوت المرأة
لقد اختلف أهل العلم في حكم صوت المرأة: هل هو عورة أم لا؟
والراجح في أصح قولي العلماء أن صوت المرأة ليس بعورة في حد ذاته إطلاقًا، وهذا القول هو الموافق لعموم الأدلة. وإنما تمنع المرأة من إظهار صوتها عند غير محارمها من الرجال الأجانب لغير حاجة، كما تمنع من ذلك أشد المنع في حال إظهاره على وجه من الترخيم، أو أن يكون فيه تنغم وتنعم وتمطيط و تكسر في الحديث وتليين، أو تغنّج فاتن، أو على وجه فيه انبساط ومؤانسة، أو على وجه فيه خلط بيِّنٍ للضحك والمفاكهة، أو بأي طريقة قد يحصل بها فتنة بسبب صوتها.
ورد في الموسوعة الفقهية:
إنْ كَانَ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ يَتَلَذَّذُ بِهِ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِتْنَةً حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهُ، وَإِلاَّ فَلَا يَحْرُمُ، وَيُحْمَل اسْتِمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَصْوَاتَ النِّسَاءِ حِينَ مُحَادَثَتِهِنَّ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَرْخِيمُ الصَّوْتِ وَتَنْغِيمُهُ وَتَلْيِينُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢) (١)
فنهاهنَّ الله سبحانه عن الخضوع بالقول درءًا للفتنة وخشية أن يطمع فيهنَّ أهل الفساد والشَّهوات ومرضى القلوب.
وسئل أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية:
ما هو الحكم في إقامة مباريات
стр. 59
ترتيل القرآن الكريم بالنسبة للنساء بحضور الرجال؟
فأجابت اللجنة:
ترتيل البنات للقرآن بحضرة الرجال لا يجوز؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة بهن، وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية للحرام. (١)
وقد سئل شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين ﵀:
ما حكم تحسين الصوت في قراءة القرآن للطالبات عند المدرس في الكلية مع أنها غير مطالبة بذلك؟
فأجاب ﵀ بقوله:
لا أرى أن تحسن صوتها؛ لأن الله تعالى يقول: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، فكون الطالبة تأتي بالقرآن على وجه الغنة، وتحسين الصوت يخشى منه الفتنة، ويكفي أن تقرأ القرآن قراءة مرسلة عادية. (٢).
هذا مع بقاء أن الأصل في المرأة أنها تعلم بني جنسها من النساء، وأن الأصل في الرجل أنه يعلم بني جنسه من الرجال، إلا ما دعت إليه الحاجة والضرورة، وبالضوابط الشرعية، وقل كذلك في التداوي والتطبيب والعلاج.
ويقول شيخنا العلاَّمة المحدث محمد ناصر الدين الألبانيُّ (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀:
الْمُقرِئ إذا كان يُعلِّم النِّساء بواسطة الهاتف؛ ثمَّ هنَّ يقرأنَ ويُسمِعنَ صوتَهنَّ للمُقرِئ؛ فالحكم كما لو سَمِع صوتهنَّ من وراء السِّتارة، ولا يَرى أجسامَهنَّ؛ فالفِتنة حاصلةٌ على الوجهين: سَمِعَ صوتهنَّ بواسطة الأثير والهواء بدون وسيلة الأسلاك هذه، أو بواسطة الأسلاك؛ فالصوتُ هو صوتُ المرأة عينُه.
وصوتُ المرأة ليس بعورة؛ بخلاف ما هو مشهورٌ عند النَّاسِ؛ ولكن يُشترط في ذلك أن يكون صوتُها ذلك الصُّوتُ الطَّبيعي؛ أمَّا وهي تقرأ بالغنَّة، والإقلاب، والإظهار، و ...... و ....... إلخ، والمدُّ الطبيعي والمتَّصِل والمنفَصِل، وهذا هو التَّجوِيد.
ويأتي قوله ﵇"مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا (٣) " إذن هي ينبغي أنْ تَتغنَّى بالقرآن. فلا ينبغي أن يكون هذا أمام رجال إطلاقًا، سواء كان هذا بواسطة الإذاعة، أو بواسطة التليفون. (٤)
وسُئِلَ شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان- حفظه الله -:
بالنسبة لصوت المرأة؛ هناك بعض البرامج في تلاوة القرآن يكون من ضمن المشاركين عن طريق الهاتف نساءٌ يَتْلُونَ القرآن، هل في ذلك شيء؟
قال -حفظه الله-: في الإذاعة يعني؟
стр. 60
السائل: هذا الذي يظهر يا شيخ ..
فأجاب - حفظه الله -:
ما يجوز هذا، ما يجوز أن تُسْمِعَ صوتها للرجال ويسمعها الناس من خلال الإذاعة، هذا ما يجوز، هذا شيءٌ مُحْدَثٌ، ولا هو موجود حتى في إذاعات العالم كلها! ما هو موجود أنَّ النساء تقرأ في الإذاعة، هذا شيء أحدثوه الآن في إذاعة القرآن عندنا في الإذاعة أيضًا البرنامج العام .. أحدثه أُناسٌ جهَّالٌ، هذا لا يجوز أبداً يجب أن يُبَلَّغوا ويقال لهم هذا لا يجوز، نعم، يا أخي الإذاعات الدول العربية كلها ما فيها نساءٌ تقرأ، وهذه الإذاعة أولى الإذاعات بالعمل بالسنة وعدم إحداث شيءٍ ليس له سابقةٌ في الشرع. (١)
المطلب الثاني: تسبيح المرأة في الصلاة إذا كانت بحضرة الرجال
تسبيح الرجال وتصفيح النساء للتنبيه في الصلاة
وقد ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ..... مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ". وفي رواية: "إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (٢).
والتصفيح هو: التصفيق، كما وضحته الرواية الثانية.
وحكمة التفريق بين الرجال والنساء في التنبيه أثناء الصلاة ظاهرة، فالمرأة مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا؛ خشية الافتتان بها بحضرة الرجال الأجانب، فناسبه مشروعية التصفيق في حقها لا التسبيح، واختُلف إذا لم تكن بحضرة رجال أجانب فهل تسبح؟ قيل تسبح؛ لأن التسبيح ذكر مشروع في الصلاة، ولانتفاء العلة؛ لأن النبي ﷺ أراد التفريق بقوله: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" إذا كانت بحضرة الأجانب، وهو وجيه. (٣)
وقيل: تصفق مطلقًا لعموم النص، ولا دلالة فيه على التفريق بين حال وجود رجال أجانب من عدمه، وهذا القول أقوى لظاهر الحديث. (٤)
وإذا كانت المرأة مطالبة بالتصفيق بصفحها أي: بـ"كفها" مقابلة وعوضًا
стр. 61
عما يخص الرجال من التسبيح في مواطن التنبيه في الصلاة، والتي هي محل الخشوع والخضوع والذل وحضور القلب وسكون الجوارح وتعظيم الرب جل في علاه، فما ظنك بغيرها من المواطن.!.
فإذا كانت قراءة القرآن من قارئ حسن الصوت تؤثر في السامع وتجذبه إليه، فلا شك في أن المرأة التي تقرآ القرآن وترتله وتجوده ستحاول التأثير في السامعين بكل ما أُتت من قوة كذلك، فستجتهد في تحسن صوتها وتجمله وترخمه وترققه وتنمقه وبالتالي ستكون أكثر تأثيرًا، وهذا الأمر هو الذي يفتح باب الافتتان بصوتها ولا سيما من مرضى القلوب.
المطلب الثالث: نهي المرآة عن الخضوع بالقول
والله تبارك تعالى قد نهى أزواج النبي ﷺ عن الخضوع بالقول، ومن هنّ في الشرف، ورفعة المكانة، وعلو القدر؟! هنَّ أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات، وهنَّ من أشرف نساء العالمين، وهنَّ اللائي لا يلحقهنَّ في الفضيلة والمنزلة والمكانة والقدر أحدٌ، فهنَّ أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وهنَّ أمهات للمؤمنين في الإكرام، والتبجيل، والتقدير، والفضل، والمكانة، والتوقير، والإجلال، والإعظام، والإكبار قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاحهن بعد موته ﷺ وعلى وجوب احترامهن، فهن أمهات المؤمنين في الحرمة، والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية. (١).
وهنَّ اللائي لم ولن يطمع فيهن بشرٌ، ومع ذلك كله فقد قال سبحانه لهنَّ: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢) وكان هذا في عصر خير أصحاب لخير لنبي.
والخطاب وإن كان موجه لنساء النبي ﷺ ، أو ليس من باب أولى أن يوجه لعموم نساء الأمة كذلك، وهنَّ تبع لهنَّ في ذلك، ولا سيما في زمن الغربة والبعد عن نور الوحي ومشكاة النبوة، وشيوع الجهل، وانتشار وفشو الرذائل، وكثرت وشيوع تواجد الرويبضة وتمكينهم من البروز في وسائل الإعلام المتنوعة، وكثرت دعاة التحرر والتمدن والتحلل من القيم والأخلاق باسم الحرية، ناهيك عن علو صوت الكثير من منتكسي الفطرة من دعاة الانحلال الأخلاقي ممن يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وهؤلاء هم الذين توعَّدهم الله تعالى بالعذاب في قوله سبحانه: (إِنَّ
стр. 62
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩)، وهم الذين ترى حرصهم على إخراج الطاهرات العفيفات من خدورهنَّ بكل وسيلة وتحت مسمى أي غاية.
المطلب الرابع: دواعي مناقشة ضابط تسجيل القرآن (بصوت رجلٍ "ذكرٍ")
وختامًا
فإن الباحث لم يقف على مناقشة هذا المبحث وإفراده بالبحث والمناقشة والمدارسة من قِبِلِ أيِّ من الباحثين المعاصرين في سياق مبحث "تسجيل القرآن"؟!، فلماذا كانت مناقشة هذا الضابط إذًا؟!، ويا تُرى ما هي الدواعي لانفراده ببحث هذا الضابط ومناقشته ومدارسته ولم يناقشه أحدٌ ببحث مستقل فيما يعلم؟!، وهل تعد مناقشته تلك من نافلة القول، ومن التعسف والتكلف الذي لا داعي لذكره أصلًا لأنه أمر معلوم بالبديهة أن الذي سَيُسَجَلٌ له القرآنُ لا بد أن يكون رجلًا ذكرًا لا امرأة، أم هي من صلب وأساس موضوع البحث؟!
يبين الباحث أهم تلك الدواعي فيقول:
أولاً: إن من أهم تلك الدواعي تدارك عدم تكرار تلك الواقعة التي قد يستبعد الكثير وقوعها أصلًا، فإن تسجيل صوت النساء للقرآن قد وقع بالفعل وتكرر في عشرينيات القرن الميلادي الماضي من قبل بعض المقرئات في مصر، وأذيعت تلك التسجيلات في الإذاعات الأهلية وبعضها أذيع في إذاعات عالمية إبَّان الحرب العالمية الثانية، وبعض تلك التسجيلات ما تزال موجودة ومتداولة، وقد وقف الباحث على بعض منها، وهي مبثوثة عبر وسائل التقنية الحديثة. (١)
стр. 63
ثانيًا: أن تأييد رجوع تسجيل تلاوات النساء في الإذاعات أصبح غير مستبعد؛ بسبب المواقف المعلنة والمؤيدة لضرورة وجود قارئات للقرآن في الإذاعات.
وقد ظهرت مؤخرًا رغبة بعض أهل المجون في تسجيل القرآن بأصواتهم، هذا وقد طلب أحدهم التصريح رسميًا بتسجيل القرآن بصوته، وقد تعالت معه أصوات أخر تنادي بعودة تسجيل القرآن بأصوات نسائية كما كان في عشرينيات القرن الميلادي الماضي.
وفي سنة ١٩٥٨ م نشرت صحف إحدى الدول العربية اقتراحًا بتسجيل القرآن كله بصوت مطربة شهيرة طبقة شهرتها الآفاق، وقد سبق أن تجرأت تلك المطربة على تسجيل بعض آي القرآن وبثها بين الخلائق، وهذه المسألة سبق وأن أثيرت عام ١٩٥٠ م كذلك.
стр. 64
ثالثًا: ومن أبرز تلك الدواعي الخوف أن نؤتى من داخل الصف فيكون المصاب جللًا
- فقد سبق وأن تَقدّم نقيب قراء القرآن الكريم في إحدى الدول الإسلامية بطلب لإذاعة بلده عام ٢٠٠٩ م بالموافقة على قبول قارئات للقرآن في الإذاعة، وذلك بعد فترة وجيزة من قبول النقابة لعضوية عشرات القارئات، غير إنّ الرفض كان من نصيب تلك المحاولة. (١).
- هذا وقد سجل أحد مشاهير القراء الكبار (٢) ذلك الموقف في تصريحات صحفية له قائلًا: "إن صوت المرأة ليس بعورة، لقوله تعالى في سورة الأحزاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (الأحزاب: ٥٥)، مضيفًا "الأصل في الأشياء هو الإباحة، وما كان حلاله حلالاً فإن حرامه حرام، بمعنى أن المرأة التي تتحدث بترقيق متعمد لصوتها، يعد صوتها بالأساس خضوعًا بالقول ولا يجوز لها ترتيل القرآن بهذه الطريقة، في حين أنّ المرأة الرصينة الملمة بقواعد التجويد وأحكام الترتيل، لا غبار على قراءتها". (٣)
وأخيرًا فالمرآة الحصيفة الناصحة لنفسها ولعباد الله تجد مكانها في تعليم القرآن الكريم لبنات جنسها، ولاشك أن في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل ما لا يحصيه إلا الله، إذا صدقن النية وأصلحن الطوية، كما أن في ذلك غنية عن تسجيل المرأة صوتها.
هذا ويسأل الباحثُ رَبَهُ أن يوفقه لسلوك سبيل المؤمنين، وأن يجنبه وإخوانه
المسلمين الإحداث والابتداع في الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.
أ- خاتمة البحث
في ختام هذا البحث يحمد الباحثُ ربَه على التوفيق لإتمامه على وجه يرجو أن يتحقق به الإعذار إلى الله في بيان وجوب عناية الأمة بكتاب ربها من كل الوجوه ولا سيما في مرحلة الجمع الرابع (حفظ القرآن مسجلًا)، وبيان واجب
стр. 65
الجهات المعنية في بلاد الإسلام تجاه هذا الواجب على وجه الخصوص، وبيان السبل الصحيحة والضوابط التي يجب مراعاتها عند تسجيل القرآن الكريم.
ب- بيان أهم النتائج
توصلت تلك الدراسة المتواضعة والمختصرة لنتائج جمة من أبينها ما يلي:
١ - أن الجهات المعنية في بلاد الإسلام يقع على عاتقها واجب عظيم تجاه كتاب ربها ولا سيما فيما يتعلق بتسجيله.
٢ - على الجهات المعنية الانتباه إلى أن كل من أراد الإقدام على تسجيل القرآن لا بد وأن تتحقق فيه مجموعة من المقومات والضوابط القلبية والعلمية والعملية.
٣ - أن قراءة القرآن بما يسمى بـ"المقامات الموسيقية" أمر منكر ليس عليه عمل السلف يجب تنزيه القرآن عنه، وعلى تحريمه جرى إجماع السلف، وإجماع أهل العلم المعاصرين - كذلك -.
٤ - أ ن ضابط الإجازة القرآنية بشروطها المعتبرة عند أهل التخصص من أهل العلم والتحقيق يُعَدُ من أهم الضوابط التي يجب تحققها فيمن أراد الإقدام على تسجيل القرآن.
٥ - أن ضابط تسجيل القرآن بصوت رجلٍ "ذكرٍ" ليس فيه نوع تعسف أو تكلف، وليس هو بخلف من القول، بل هو شرط وضابط أساسي له اعتباره، وقد ساق الباحث من الأدلة النقلية والعقلية ما يكفي لإقامة الحجة على المخالف له، كما بين وأوضح المحجة لمن أراد سلوك سبيل الهدى وطريق الرشاد واتباع سبيل المؤمنين.
стр. 66
فهرس المراجع
١ - الأذكار المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: ٦٧٦ هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ﵀ الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان طبعة جديدة منقحة، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.
٢ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: محمد حامد الفقي الناشر: مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية عدد الأجزاء: ٢.
٣ - أخلاق أهل القرآن المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّيُّ البغدادي (المتوفى: ٣٦٠ هـ) حققه وخرج أحاديثه: الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف بإشراف المكتب السلفي لتحقيق التراث الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١.
стр. 67
٤ - أحكام قراءة القرآن الكريم- محمود خليل الحصري المتوفى سنة ١٤٠١ هـ، تحقيق محمد طلحة بلال، جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.
٥ - الإتقان في علوم القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ) المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م عدد الأجزاء: ٤.
٦ - الإيضاح في الوقف والابتداء: لابن الأنباري ط. دمشق سنة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧١ م، تحقيق محي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية.
٧ - بدع القراء القديمة والمعاصرة، المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار الفاروق، سنة النشر: ١٤١٠ - ١٩٩٠، ط: ١، عدد المجلدات: ١.
٨ - تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية.
٩ - تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٢، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م، عدد الأجزاء: ٨.
١٠ - تفسير ابن أبي حاتم: تفسير القرآن العظيم: المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ) المحقق: أسعد محمد الطيب الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.
١١ - تفسير البغوي: معالم التنزيل في تفسير القرآن، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥.
١٢ - تفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ) تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).
١٣ - تلبيس إبليس المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان الطبعة: الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م عدد الأجزاء: ١.
١٤ - تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين المؤلف: علي بن محمد بن سالم، أبو الحسن النوري الصفاقسي (المتوفى: ١١١٨ هـ) المحقق: محمد الشاذلي النيفر الناشر: مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله عدد الأجزاء: ١.
стр. 68
١٥ - التحديد في الإتقان والتجويد المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ هـ) المحقق: الدكتور غانم قدوري حمد الناشر: مكتبة دار الأنبار - بغداد/ ساعدت جامعة بغداد على طبعه الطبعة: الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٨ م عدد الأجزاء: ١.
١٦ - جمال القراء وكمال الإقراء المؤلف: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي، أبو الحسن، علم الدين السخاوي (المتوفى: ٦٤٣ هـ) تحقيق: د. مروان العطيَّة - د. محسن خرابة الناشر: دار المأمون للتراث - دمشق - بيروت الطبعة: الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م عدد الأجزاء: ١.
١٧ - جواب الاعتراضات المصرية علي الفتيا الحموية، ط .... عزير شمس; الناشر: مجمع الفقه الإسلامي - جدة; عدد المجلدات ١.
١٨ - الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة: تأليف: مكي بن ??ابي طالب بن حيوس بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الاندلسي القرطبي- تحقيق: أحمد حسن فرحات، سنة النشر: ٢٠١٨ م، ط: ١، الناشر: دار ابن كثير - دمشق - سوريا، عدد المجلدات: ١.
١٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م عدد الأجزاء: ٥.
٢٠ - الزهد والرقائق لابن المبارك (يليه «مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي نُسْخَتِهِ زَائِدًا عَلَى مَا رَوَاهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ») المؤلف: أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التركي ثم المرْوزي (المتوفى: ١٨١ هـ) المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت عدد الأجزاء: ١.
٢١ - شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللَّدنية بالمِنَح المحمدية للقَسْطَلاني، تحقيق: محمد عبدالعزيز الخالدي، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.
٢٢ - الخشوع في الصلاة (الطبعة الثالثة)، السعودية: مكتبة الورّاق: (د ت).
٢٣ - شرح العقيدة الطحاوية المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: ٧٩٢ هـ) تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني الناشر: دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي) الطبعة: الطبعة المصرية الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م عدد الأجزاء: ١.
٢٤ - صلاة المؤمن - مفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفيتها في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الرابعة)، تأليف: د. سعيد بن وهف القحطاني.
٢٥ - عَرَفةَ بْنُ طَنْطَاوِيِّ: مقدمة كتابه: (المدخل الموسوعي لدراسة التفسير الموضوعي).
٢٦ - العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام المؤلف: علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن، علاء الدين ابن العطار (المتوفى: ٧٢٤ هـ) وقف على طبعه والعناية به: نظام محمد صالح يعقوبي الناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ٣.
стр. 69
٢٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣.
٢٨ - فضائل القرآن: المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: ٢٢٤ هـ) تحقيق: مروان العطية، ومحسن خرابة، ووفاء تقي الدين الناشر: دار ابن كثير (دمشق - بيروت) الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ -١٩٩٥ م.
٢٩ - فضائل القرآن: المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) الناشر: مكتبة ابن تيمية الطبعة: الطبعة الأولى - ١٤١٦ هـ عدد الأجزاء: ١.
٣٠ - فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى المؤلف: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش عدد الأجزاء: ٢٦ جزءا الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة للطبع - الرياض.
٣١ - القطع والائتناف المؤلف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النَّحَّاس المحقق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودي الناشر: دار عالم الكتب - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م.
٣٢ - القاموس المحيط، المؤلف: العلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي المتوفى سنة ٨١٧ هـ، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثامنة، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م، عدد الأجزاء ١.
٣٣ - لسان العرب، لابن منظور (٥/ ٩٥). لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥.
٣٤ - مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ- ١٩٩٥ م.
٣٥ - مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: ١٤٢٠ هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر عدد الأجزاء: ٣٠ جزءًا.
٣٦ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت عدد الأجزاء: ٢ في مجلد ١.
٣٧ - معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.
стр. 70
٣٨ - الموطأ المؤلف: مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (المتوفى: ١٧٩ هـ) المحقق: محمد مصطفى الأعظمي الناشر: مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية - أبو ظبي - الإمارات الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م عدد الأجزاء: ٨.
٣٩ - الموافقات للشاطبي: المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: ٧٩٠ هـ) المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان الناشر: دار ابن عفان الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م عدد الأجزاء: ٧.
٤٠ - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح المؤلف: أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري (المتوفى: ١٤١٤ هـ) الناشر: إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند الطبعة: الثالثة - ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.
٤١ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ) المحقق: طيار آلتي قولاج، الناشر: دار صادر - بيروت سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م عدد الأجزاء: ١.
٤٢ - منار الهدى في بيان الوقف والابتداء ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد مؤلف منار الهدى: أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الأشموني المصري الشافعي (المتوفى: نحو ١١٠٠ هـ) مؤلف المقصد لتلخيص ما في المرشد: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦ هـ) المحقق: شريف أبو العلا العدوي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م عدد الأجزاء: ١.
٤٣ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م عدد الأجزاء: ٢.
٤٤ - مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤ هـ) اختصرها: العلامة أحمد بن علي المقريزي الناشر: حديث أكادمي، فيصل اباد - باكستان الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م عدد الأجزاء: ١.
٤٥ - الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءا الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة تنبيه: تراجم الفقهاء في الأصل الورقي ملحقة بآخر كل مجلد، فجُمعت هنا - في هذا الكتاب الإلكتروني - في آخر الموسوعة تيسيرا للوصول إليها، مع الحفاظ على ترقيم الصفحات.
стр. 71
٤٦ - المعايير العلمية لتعليم القرآن الكريم في مجال الإجازة القرآنية بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ ، المجلس العالمي لشيوخ الإقراء، بتاريخ: ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٠ هـ.
٤٧ - النشر في القراءات العشر المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (المتوفى: ٨٣٣ هـ) المحقق: علي محمد الضباع (المتوفى: ١٣٨٠ هـ) الناشر: المطبعة التجارية الكبرى [تصوير دار الكتاب العلمية] عدد الأجزاء: ٢.
٤٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي عدد الأجزاء: ٥.