بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل السنة والقرآن، وحفظهما من الزيادة والنقصان، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبراهين، الذي قال: "تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالكٌ".
وقال: "من حدث عني بحديث يُرَى أنه كذبٌ فليتبوأ مقعده من النار".
صلوات الله وسلامه عليه ما أظلم ليلٌ، وتجلّى نهار.
ورضي الله عن أصحابه البررة الأطهار، الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيه، وتبليغ كتابه وسنة نبيه لمن بعدهم، في سائر الأقطار والأمصار.
ورحم الله التابعين، وأتباعهم، ومن سار على نهجهم، الذين بذلوا غاية الجهد في حفظ السنة، فكان منهم الجهابذة المؤلفون الجامعون لما بلغهم من الحديث والأثر، والحافظون للسنة والخبر، والناقدون المعدّلون والمجرحون للرواة والنقلة، الواضعون قواعد الرواية وشروط القبول والرد.
وبعد: فإن الحديث المنسوب إلى النبي ﷺ ، وكذا آثار أصحابه، وأخبار التابعين، منها ما يصح، ومنها ما لا يصح، وكل ذلك قد حظيَ
стр. 2
بما لم يحظَ به أي علمٍ من العلوم؛ حفظًا وجمعًا ودراسةً وتعليلًا ونقدًا وشرحًا في مؤلفاتٍ قد يعجز العادُّ عن حصرها، حتى أصبحت السنة بحمد الله صافيةً من كل شائبةٍ، عاريةً عن كل دخيلٍ، مُمَيزًا بين المقبول منها والمردود.
وإن من المصنفات التي خدمت الحديث النبوي: المؤلفات في الحديث الموضوع، وبيان واضعه، وسبب الوضع وبواعثه، وطرائق الكشف عن هذا الوضع، وهي كثيرة (١) ومن أبرزها "كتاب الموضوعات من الأحاديث المرفوعات" (٢) لأبي الفرج بن الجوزي، المتوفى سنة (٥٩٧) عليه رحمة الله.
ومن جاء بعد ابن الجوزي ممن كتب في الموضوعات، قد استفاد من كتابه هذا، وما أورده فيه غاية الإفادة، ومنهم العلامة ابن القيم ﵀، المتوفى سنة (٧٥١) مؤلف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، فقد ذكر ابنَ الجوزي وكتابَه هذا في مواطن من كتابه كما في ص (٥٦، ٦٥، ٦٧، ٧٤، ٨٥، ١٣١) حتى إن من يتأمل كتاب ابن القيم هذا جيدًا يجد أنه قد اعتمد اعتمادًا كبيرًا على كتاب ابن الجوزي آنف الذكر، بل ربما عُدّ أحد مختصراته لكن مع تفننٍ في هذا الاختصار، غير مسبوق بمثله، وإنني أعدّ جواب ابن القيم عن السؤال الثاني في هذا الكتاب الذي تكلم فيه عن الحديث الموضوع وضوابطه وكلياته، أعده ضبطًا وتقعيدًا لكتاب ابن
_________
(١) انظر عن التأليف في الموضوعات: مقدمة د. نور الدين شكري محقق كتاب الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٩٤ - ١٠٢).
(٢) انظر عن هذا الكتاب وما أُلِّف حوله: مقدمة المحقق السابق ذكره لكتاب ابن الجوزي (١/ ١٠٣ - ١٢٤).
стр. 3
الجوزي، كما سيتضح فيما بعد في "موضوع الكتاب، ومنهج مؤلفه في تأليفه".
ولا أريد هنا أن أستبق الكلام عن كتابنا هذا "المنار المنيف"، فسأمهد إن شاء الله ﵎ بنُبذٍ مختصرة تُعرّف القارئ بهذا الكتاب، وقد جعلت هذا التمهيد في مباحث موجزة هي:
- اسم الكتاب.
- نسبة الكتاب لمؤلفه.
- تاريخ تأليف الكتاب.
- التعريف بالكتاب.
- تحقيق الكتاب.
أسأل الله ﵎ أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعل العمل فيه خالصًا لوجهه الكريم، وأن يرزقني التوفيق والسداد، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
стр. 4
اسم الكتاب:
المثبت على مخطوطة الكتاب: هذا "كتاب المنار" تصنيف مولانا شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية الحنبلي، تغمده الله برحمته، وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
وذكره العلامة محمد السفاريني الحنبلي المتوفى سنة (١١٨٨ هـ) باسم "المنار المنيف" فقال: قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": ومن العلامات التي يُعرف بها الأحاديث الموضوعة: مخالفة الحديث صريح القرآن، كحديث: مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة … الخ (١).
وهذا النقل موجودٌ في هذا الكتاب في ص (٧٥).
وسماه السيوطي المتوفى سنة (٩١١ هـ): "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" فقال: قال العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه المسمى بـ "المنار المنيف في الصحيح والضعيف": من الأمور التي يُعرف بها كون الحديث موضوعًا: أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه؛ كحديث عوج بن عنق الطويل الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء.
ثم أكمل السيوطي كلام ابن القيم في قريبٍ من صفحةٍ كاملةٍ (٢).
وهذا النقل موجودٌ في هذا الكتاب بنصه ص (٧١ - ٧٢).
_________
(١) شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: (١/ ٦٢٤).
(٢) الأوج في خبر عوج، المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي: (٢/ ٥٨٧).
стр. 5
وسماه بمثل ما سماه السيوطي: إسماعيل باشا البغدادي المتوفى سنة (١٣٣٩ هـ) فقال بعد أن ترجم لابن القيم ترجمةً مختصرةً جدًّا: له من التصانيف: … "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" (١).
وكذلك سمّاه بهذا الاسم "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" الشيخ أبو الفتح المفيد البخاري (٢).
فمن خلال هذه النقول يمكن القول بأن اسم هذا الكتاب: "المنار المنيف في الصحيح والضعيف".
ومن ذكره ممن سبق ذكرهم باسم "المنار" أو "المنار المنيف" فذلك منهم -والله أعلم- على وجه الإشارة اختصارًا، وذلك -أعني تسمية الكتاب بجزء اسمه اختصارًا- جادةٌ مطروقةٌ عند العلماء؛ بل إنهم ربما سمّوا الكتاب بعنوانٍ يظهر لغير العارفين أنه تحريفٌ للعنوان، أو جهلٌ بحقيقته، كما يُطلق بعضهم على كتاب ابن القيم "إعلام الموقعين": "الإعلام"، وعلى كتابه الآخر: "زاد المعاد في هدي خير العباد": " الزاد" أو "الهدي" والأمثلة على هذا كثيرةٌ، والله أعلم (٣).
وتسمية الكتاب بهذا الاسم مناسبةٌ جدًّا لمضمونه، فهو أجوبةٌ عن أسئلةٍ حديثيةٍ، يناقشها تصحيحًا وتضعيفًا ووضعًا، ويضبط هذا الباب بضوابط يتميّز بها الموضوع من الحديث عن الثابت.
_________
(١) هدية العارفين: (٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) في أواخر كتابه: "كنز الأخبار ومعادن الآثار والأنوار"، كما في مقدمة الشيخ أبو غدة ﵀، لنشرته لهذا الكتاب.
(٣) وانظر: "ابن القيم حياته آثار موارده" ص (٣٠٢ - ٣٠٥).
стр. 6
ومما يجدر التنبيه إليه أن لابن القيم ﵀ كتابًا بعنوان "المسائل الطرابلسية" ذكره ابن رجب (١)، والداوودي (٢)، وابن العماد (٣)، والبغدادي (٤)، وأشار ابن العماد والبغدادي إلى أنه في ثلاثة مجلداتٍ.
ووجدت العجلوني وهو يتكلم على حديث: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء" يقول: وقال ابن الغرس (٥): رأيت في الأجوبة على "الأسئلة الطرابلسية" لابن قيم الجوزية: أن كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء فهو كذبٌ مختلقٌ، كحديث: "يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا"، وحديث: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء"، والحميراء: تصغير حمراء، وكانت عائشة بيضاء، والعرب تسمي الأبيض أحمر، ومنه حديث: "بُعثت إلى الأحمر والأسود". انتهى ملخصًا (٦).
وهذا النص إلى قوله: "خذوا شطر دينكم عن الحميراء" موجودٌ في هذا الكتاب، ص (٥٠).
_________
(١) ذيل طبقات الحنابلة: (٢/ ٤٤٩).
(٢) طبقات المفسرين: (٢/ ٩٣).
(٣) شذرات الذهب: (٦/ ١٦٩).
(٤) هدية العارفين: (٢/ ١٥٨)، وانظر: ابن القيم حياته آثاره: ص (٢٩٧).
(٥) ابن الغرس، هو: غرس الدين الخليلي محمد بن أحمد الأنصاري، المتوفى سنة (١٠٥٧ هـ) وكتابه: تسهيل السبيل إلى كشف الالتباس عما دار من الأحاديث بين الناس، نص في مقدمته أنه جمعه من أربعة كتب: اللآلئ للزركشي، والدرر للسيوطي، والمقاصد للسخاوي، والتمييز لابن الديبع. فهرس مخطوطات الظاهرية: ص (١٢٧).
(٦) كشف الخفاء: (١/ ٣٧٥).
стр. 7
فالظاهر أن كتابنا هذا "المنار المنيف" ليس من ضمن "الأسئلة الطرابلسية"، وأن الأجوبة في ذلك الكتاب أوسع من أجوبة هذا الكتاب، يدلّ على ذلك أن ابن الغرس يذكر هذا الجواب كله، وبعضه ليس في كتابنا هذا، ويشير إلى أنه قد اختصر جواب ابن القيم، ولم يُورده كاملًا، والله أعلم.
نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
الكتاب لمؤلفه قطعًا، ودلائل هذا القطع جملةٌ من الأدلة، منها:
أولًا: نُسب هذا الكتاب لابن القيم ﵀ ﵎ في عنوان مخطوطة هذا الكتاب.
ثانيًا: نقل من هذا الكتاب مع نسبته لابن القيم رحمه الله تعالى السيوطي في رسالته "الأوج في خبر عوج" نقلًا مطولًا كما تقدم، ومعلومٌ لدى أهل العلم جامعية السيوطي ﵀، وخبرته الواسعة بالكتب ومؤلفيها، وكذلك قرب زمنه من زمن ابن القيم ﵀.
وكذا استفاد من هذا الكتاب مع عزوه لابن القيم: السفاريني في شرح الثلاثيات، كما تقدم في مبحث "اسم الكتاب".
ثالثًا: ساق الملا علي القاري المتوفى سنة (١٠١٤ هـ) جواب ابن القيم على السؤال الثاني في كتابه "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" فقال: وقد سُئل ابن قيم الجوزية: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابطٍ من غير أن يُنظر في سنده، ثم ساق جواب هذا السؤال كاملًا ص (٣٩٩ - ٤٧٦)، وقد ناقش القاري ابنَ القيم في ثنايا هذا النقل في بعض ما يذكره، وهو مجتهدٌ في ذلك، وإن كان نقاشه لابن القيم لا
стр. 8
يخلو من أخذٍ وردٍّ، إلا أن القاري لم يبين اسم كتاب ابن القيم الذي نقل عنه، وذلك والله أعلم يعود إلى شهرة كتاب ابن القيم هذا، والمتخصصون في الحديث وعلمه يعرفون مظان هذا النقل غالبًا، والغرض أن القاري شهد بأن هذا الكتاب لابن القيم عليه رحمة الله.
رابعًا: نسب هذا الكتاب للمؤلف ﵀ ﵎: البغدادي في "هدية العارفين" كما تقدم في اسم الكتاب.
خامشا: نَفَس ابن القيم، وأسلوبه المعروف، وطريقته في النقاش، وتفننه في العرض، كل هذا ظاهرٌ في الكتاب، وبأدنى تأملٍ يَجزم مَن له إلمامٌ بكتب الإمام ابن القيم بأن هذا الكتاب من تصنيفه ﵀.
فهذه أدلةٌ خمسةٌ هي في نظري كافيةٌ في نسبة هذا الكتاب لهذا الإمام، بل ونجزم بأنه من تصنيفه.
تاريخ تأليف الكتاب:
لم يصرح المؤلف بتاريخ تأليف هذا الكتاب، لكن في ثنايا الكتاب ما يمكن أن يكون دليلًا على تاريخ تأليف هذا الكتاب، فقد قال ابن القيم ﵀ وهو يتكلم عن ضوابط معرفة الحديث الموضوع، قال:
"ومنها: مخالفة الحديث صريح القرآن، كحديث "مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة". وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحدٍ عالمًا أنه بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنةً".
فظاهرٌ من هذا التاريخ الذي ذكره، وأنه لم يبق من الألف السابعة إلا
стр. 9
هذا العدد من السنين، فيكون تأليفه لهذا الكتاب سنة (٧٤٩ هـ) أي قبيل وفاته بحوالي ثلاث سنوات، والله أعلم.
التعريف بالكتاب:
وفيه.
١ - أهميته:
لمؤلفات ابن القيم عليه رحمة الله أهميةٌ بالغةٌ، فهي موطن الجمال والجلال، والجاذبية الغريبة، تألق نجمها على مدى قرون متطاولةٍ، يتجاذبها الناس بالدرس والفحص والقراءة والإقراء (١)، وهذه الأهمية قد اكتسبتها تلك المؤلفات لِمَا لمؤلفها من تفوّقٍ علمي يكاد أن يكون منقطع النظير بعد عصره، وبهذا التفوق شهد الموافق والمخالف، كما هو معلومٌ في ترجمته.
ومن ذلك أن ابن رجب قال عنه: "كان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون عليه" (٢).
وقال ابن حجر: "وكل تصانيفه مرغوبٌ فيها بين الطوائف" (٣).
وكلام العلماء في الثناء عليه يصعب حصره.
وإذا كان هذا هو شأن هذا الإمام وكتبه، فهذا الكتاب "المنار المنيف" تظهر أهميته من خلال موضوعه المتخصص في السنة، والذبّ
_________
(١) انظر: "ابن القيم: حياته، آثاره، موارده" ص (٧١).
(٢) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٥٠).
(٣) الدرر الكامنة (٤/ ٢٢).
стр. 10
عنها، وما ضمنه مؤلفه من فوائد ونفائس قد لا توجد في كتاب في موضوعه، وهو مع صغر حجمه إلا أنه معدودٌ عند العلماء المتخصصين في الحديث وعلومه من الكتب ذات الشأن في بابه.
وسبب ذلك التميّز ما سيأتي بيانه في "موضوع الكتاب"، وأعظم ذلك أنه اجتهد رحمة الله عليه في محاولة ضبط الموضوع من الحديث بضوابط، يسهل فيها على طالب العلم والعالم على حدٍّ سواء حفظ هذا الضابط الذي يندرج تحته أحاديث لا تكاد تحفظ في باب الموضوع إلا للحُفَّاظ من أهل العلم بالحديث (١).
ومن الأدلة على أهمية هذا الكتاب في بابه نجد العلامة علي بن محمد بن سلطان المشهور بالملا علي القاري، المتوفى سنة (١٠١٤ هـ) -وهو ممن ألف في الموضوعات- ينقل جواب ابن القيم على السؤال الثاني: معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده، ويختم بهذا النقل كتابه، وهو أطول الأجوبة الثلاثة في كتاب ابن القيم، وما ذاك إلا أن الملا علي القاري رأى أهمية كلام ابن القيم هذا؛ فأورده كاملًا في كتابه في (٧٦) صحيفة (٢)، رحمه الله تعالى.
_________
(١) وجمع هذه الكليات والضوابط وحفظها مهمٌّ جدًّا في تسهيل العلم وضبطه، ومن أحسن ما كتب فيما يتعلق بضبط ما لا يصح من الحديث كتاب العلامة بكر أبو زيد: التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث، وسلفه في ذلك أئمة منهم العقيلي في الضعفاء، وأشهرهم ابن القيم من حيث قصد التأليف في هذا الباب.
(٢) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، المعروف بالموضوعات الكبرى: ص (٣٩٩ - ٤٧٥).
стр. 11
٢ - موضوعه:
موضوع هذا الكتاب وسبب تأليفه أسئلةٌ عُرضت على مؤلفه، فأجاب على هذه الأسئلة بأجوبةٍ طويلةٍ على عادة العلماء المتبحرين الجامعين، وقد كان منهم هذا الإمام، وسأشير إن شاء الله تعالى إلى شيءٍ مما يميّز تأليف هذا العالم الكبير في منهجه في تأليف هذا الكتاب.
أما الأسئلة التي سئل عنها هذا الإمام فهي ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: عن أربعة أحاديث:
الأول: حديث: "صلاةٌ بسواك أفضل من سبعين صلاةً بغير سواك" وكيف يكون هذا التضعيف؟
الثاني: حديث جويرية: "لقد قلتُ بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتِ اليوم لوزنتهن".
الثالث: حديث: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر، يقوم مقام الشهر".
الرابع: حديث: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله … ".
فأجاب ﵀ عن الحديث الأول من ص (٣ - ١٦)، وأجاب عن الحديث الثاني من ص (١٧ - ٢٠)، وأجاب عن الحديث الثالث من ص (٢١ - ٢٢)، وأجاب عن الحديث الرابع من ص (٢٣ - ٢٥).
السؤال الثاني: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابطٍ، من غير أن يُنظر في سنده؟
فأجاب عن هذا السؤال بجوابٍ مُجملٍ، وجواب مفصّلٍ، أورد في جوابه أمورًا كليةً يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، وذكر أمثلةً من
стр. 12
الأحاديث الموضوعة لكل ضابطٍ.
وهذه الضوابط هي:
١ - اشتمال الحديث على مجازفاتٍ لا يقول مثلها رسول الله ﷺ .
٢ - تكذيب الحسّ للحديث.
٣ - سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه.
٤ - مناقضة الحديث لما جاءت به السنة مناقضةً بيّنةً.
٥ - أن يُدّعى على النبي ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كتمانه، ولم يفعلوه.
٦ - أن يكون الحديث باطلًا في نفسه.
٧ - أن يكون الحديث لا يشبه كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
٨ - أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا.
٩ - أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه.
١٠ - أحاديث العقل.
١١ - الأحاديث التي ذُكر فيها حياة الخضر.
١٢ - أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
١٣ - مخالفة الحديث صريح القرآن.
١٤ - الحديث الذي يُروى في الصخرة.
стр. 13
١٥ - أحاديث صلوات الأيام والليالي.
١٦ - ركاكة ألفاظ الحديث، وسماجتها.
١٧ - أحاديث ذمّ الحبشة والسودان.
١٨ - أحاديث ذمّ الترك، والخصيان، والمماليك.
١٩ - ما يقترن بالحديث من القرائن التي يُعلم بها أنه باطلٌ.
ثم ذكر المؤلف جوامع وضوابط في مسائل متفرقةٍ نبّه بها إلى وضع أحاديثها، بدأها بأحاديث الحَمَام، وختمها بحديث جابر ﵁، في التشهد، وفي أوله "بسم الله، التحيات لله … "، وهي مسائل كثيرةٌ متنوعةٌ لا يضبطها بابٌ واحدٌ.
وجواب هذا السؤال هو معظم هذا الكتاب، من ص (٢٦ - ١٤١).
السؤال الثالث: حديث: "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" وكيف يأتلف هذا مع أحاديث المهدي، وخروجه، وما وجه الجمع بينهما، وهل في المهدي حديثٌ، أم لا؟.
فأجاب عن هذا السؤال من ص (١٤٢ - ١٥٨) آخر الكتاب، في كلامٍ نفيسٍ.
٣ - منهج مؤلفه فيه:
إن من يُطالع ترجمة هذا الإمام يجد الإعجاب البالغ، والتطلّع الشديد من أهل العلم في سائر الأقطار لمؤلفات هذا الإمام، والاستئناس بأقواله، بل والاستشهاد بها، وما ذاك إلا لميزات وخصائص انفردت بها، وسمات بارزة تحلّتْ بها.
стр. 14
وهذه الخصائص ترسم لنا المنهج الأصيل الذي اختطه الإمام ابن القيم في سائر مؤلفاته، ولست بصدد عرض هذه الخصائص جملةً (١).
ومن خلال تأمل هذا الكتاب الذي بين أيدينا يمكن لنا أن نبرز أهم الجوانب في منهج ابن القيم في هذا الكتاب على النحو الآتي:
- اعتماد المؤلف ﵀ فيما يكتب ويناقش على كتاب الله ﵎، وسنة نبيه ﷺ ، مبتعدًا عن الرأي المجرد الذي ليس له عاضدٌ سوى الذوق والهوى، ومستبعَد الأقيسة، وفاسد التأويل، فنجده يناقش السؤال الأول بطريقةٍ علميةٍ موضوعيةٍ، يستخرج أحاديث الباب، وينقل كلام أئمة الجرح والتعديل في الرجال، ويعزو الأقوال إلى أهلها، ويناقش الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، ويصل إلى نتيجةٍ يمليها عليه البحث والتأمل.
وحينما تكلم عن آخر سؤال جمع مادة الباب، وناقشها بكل إنصاف، وذكر أقوال الطوائف في "المهدي"، وخلص في نهاية المطاف إلى تقسيمٍ بديعٍ فيما يتعلق بـ "مهدي" أهل السنة، والرافضة، واليهود، والنصارى، في كل ذلك معتمدًا كما تقدم على الحديث والأثر.
- السعة والشمول، والاستطراد المناسب المفيد: مما يميّز كتابات هذا الإمام، وذلك ظاهرٌ في هذا الكتاب، فقد استوعب في أجوبته على هذه الأسئلة الثلاثة التي وُجهت إليه، حتى أصبح كل جوابٍ منها يُشكل بحثًا مستقلًّا، وفي ثنايا هذه الأجوبة يذكر فوائد علمية تعتبر في غير
_________
(١) انظر: "ابن القيم الجوزية حياته، آثاره، موارده" للعلامة بكر أبو زيد، فقد عرض منهج ابن القيم في البحث والتأليف. ص (٨٥ - ١٢٨).
стр. 15
مظانها عند الباحثين، لكن هذا شأن العالم الموسوعي الذي يخرج في جوابه من فنٍّ إلى آخر.
ومن ذلك أن عرض للكلام عن تفاضل الأعمال، وأن العمل اليسير قد يكون أحب إلى الله، وإن كان العمل الكثير أكثر ثوابًا، في دقائق في هذا الباب في ثنايا الجواب عن السؤال الأول.
وفي جوابه لآخر سؤال عن المهدي المنتظر، فصّل القول، واستطرد (١) في ذكر من ادعى أنه المهدي المنتظر، وفصّل القول في مهدي ومنتظر الرافضة، وكذا اليهود والنصارى، في جواب لم يكن داخلًا ضمن السؤال، ولهذا قالوا: رُبَّ جوابٍ يكون أفضل وأعظم من السؤال، ورُبَّ سؤالٍ أثار علمًا لم يكن الوصول إليه في الحسبان.
- هذا الكتاب وإن عُدّ في كتب الموضوعات، إلا أنني أرى أن هذا العدّ يصحّ على سبيل التجوز، وإلا فإن المؤلف لم يُؤلف هذا الكتاب لسرد الحديث الموضوع فحسب، وإنما هو -كما يُلاحظ- أجوبةٌ عن ثلاثة أسئلة كما تقدم، لكن المؤلف لما تطرق للجواب عن الموضوع ومعرفته أراد أن يُؤسس ما هو أعظم من سرد الموضوع بحسب السؤال، فأورد في جوابه تلك القواعد والضوابط لمعرفة الموضوع، وكليات هذا الباب، فجوابه هذا يُعتبر تأصيلًا، ومقدمةً لكل من كتب في الموضوعات على سبيل السرد.
_________
(١) وهذا الاستطراد في كتب ابن القيم عليه رحمة الله يجعلك قد لا تجد القول من أقواله في مظانه، ومعنى ذلك أنه لا بد من فهرسةٍ دقيقةٍ لأقواله وبحوثه ﵀، وقد سد الشيخ العلامة بكر أبو زيد الفراغ في هذا بكتابه: تقريب علوم ابن القيم، ولعل الفهرس الموسوعي القادم لمؤلفات هذا الإمام يقر عين الناظرين.
стр. 16
وهذا الجهد الرائع من هذا الإمام والمقام مقام جواب عن سؤال، فكيف لو أراد المؤلف أن يؤلف في هذا الباب على سبيل التقصي والتتبع والاستقراء لتلك الضوابط والكليات، أظنّ لو وقع ذلك لكان أتى بأعاجيب، رحمة الله عليه.
تلك هي أبرز ما يميز هذا الكتاب، ويطلع القارئ على منهج مؤلفه ﵀، والله أعلم.
٤ - موارده:
لما كان هذا الكتاب حديثيًّا، فإن ابن القيم ﵀ اعتمد في موارده لهذا الكتاب على المؤلفات في الحديث وعلومه، فنجده ينقل من كتب الحديث ويسميها بأسمائها، وهناك عدد من النقول أوردها عن بعض الأئمة كما سيتضح من خلال بيان هؤلاء العلماء ومؤلفاتهم، فنجده أورد:
عن البخاري من "صحيحه" عددًا من النصوص، كما في ص (٧، ٢٩، ٣١، ٦٤، ٦٦، ٧٩، ١٣٣، ١٢٨، ١٤٠).
وعن الإمام مسلم من "صحيحه" خمسة نصوص، كما في ص (٤، ٥، ٩، ٥٧، ٥٩).
وعن أبي داود من "سننه" ثلاثة نصوص أيضًا، كما في ص (١٢٧، ١٢٨، ١٣٠).
وعن الترمذي من "سننه" عددًا من النصوص، كما في ص (٨، ٢٢، ١١٤، ١٢٧، ١٢٨).
стр. 17
وعن النسائي من "سننه" خمسة نصوص، كما في ص (٨، ٢٤، ٢٦، ٢٨، ١٢٥).
وعن ابن ماجه من "سننه" عددًا من النصوص، كما في ص (٢٣، ٧٢، ٧٧، ١٢٦، ١٢٩، ١٣٤).
وعن الإمام أحمد من "مسنده" عددًا من النصوص، كما في ص (٦، ٧، ٩، ٧٢، ١٣٣، ١٣٩).
وعن ابن خزيمة من "صحيحه" نصًّا واحدًا، كما في ص (٤).
وعن الدارمي نصًّا واحدًا، كما في ص (٢٤).
وعن الإمام مالك ثلاثة نصوص، كما في ص (٣٠، ٤٧، ١٢١).
وعن الدارقطني عددًا من النصوص، كما في ص (٢٤، ٢٦، ٢٨، ٣٠، ٥٥، ١١٠، ١١٧).
وعن ابن حبان من "المجروحين" و "الصحيح"، كما في ص (٢٤، ٢٦، ٢٨، ٣٠، ٤٩، ٥٥، ١٣٠).
وعن البزار من "مسنده"، كما في ص (٤).
وعن بقي بن مخلد من "مسنده"، كما في ص (١٠٦).
وعن الحارث بن أبي أسامة من "مسنده"، كما في ص (١٣٢).
وعن الحمّاني من "مسنده"، كما في ص (١٣١).
وعن أبي يعلى الموصلي من "مسنده"، كما في ص (١٢٩).
وعن الإمام الشافعي أربعة نصوص، كما في ص (١٠١، ١٠٣،
стр. 18
١٢١، ١٢٦)
وعن البيهقي من "الخلافيات" و "السنن الكبرى" و "شعب الإيمان" ومناقب الشافعي"، كما في ص (٤، ٥، ١٢١، ١٢٦).
وعن الحاكم من "مستدركه"، كما في ص (٤، ٥، ٧٢).
وعن الطبراني نصًّا واحدًا، كما في ص (١٣٢).
وعن العقيلي من "الضعفاء"، كما في ص (٥٥، ١٠٨، ١١٠، ١١٨، ١١٧، ١١٥).
وعن بن عدي من "الكامل"، كما في ص (٢٣).
وعن الخطيب البغدادي، كما في (٥٤، ٨٦، ١١٧).
وعن المحاملي من "الأمالي"، كما في ص (١١٤).
وعن البخاري من "التاريخ الكبير"، كما في ص (٧٥).
وعن أبي حاتم، وأبي زرعة، وابن أبي حاتم من "العلل"، كما في ص (٢٣، ٢٤، ٢٨).
وعن يحيى بن معين، كما في ص (٢٨، ٣٠، ١٢١، ١٢٥، ١٣٠، ١٣١).
وعن أبي يعلى الخليلي من "الإرشاد"، كما في ص (١٠٠).
وعن أبي نعيم من "كتاب المهدي"، كما في ص (١٣٠).
وعن الثعلبي، والزمخشري من تفسيرهما، كما في ص (٩٥).
стр. 19
وعن القاضي أبي يعلى، كما في ص (٥٨، ٨٦).
وعن المزيّ، كما في ص (١١٤).
وعن شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في ص (٥٧، ٨٦).
تحقيق الكتاب:
طبعاته:
طبع هذا الكتاب باسم "المنار" طبعته مطبعة السنة المحمدية، شارع شريف باشا الكبير، القاهرة، بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله تعالى، وليس على هذه الطبعة تاريخٌ، ولعلها من أوائل طبعات هذا الكتاب إن لم تكن أول طبعة له، والله أعلم.
وطبع باسم "نقد المنقول، أو المنار في الصحيح والضعيف" طبعته مكتبة الشامي بالمنصورة في (٥) رجب سنة (١٣٨٣ هـ).
وطبع باسم "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" بتحقيق محمود مهدي استانبولي، وبعد أن فرغ من الكتاب ألحق به: كليات في أحاديث غير صحيحة، قال إنه نقلها من سفر السعادة للفيروز أبادي، ومن مصادر أخرى ومن بحوثه الخاصة.
وطبع باسم "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" في مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة (١٣٩٥ هـ)، بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.
وطبع أخيرًا بنفس العنوان السابق بتحقيق العلامة عبد الرحمن المعلمي عليه رحمة الله، عن دار العاصمة (١٤١٩ هـ).
стр. 20
وأحسن هذه الطبعات آخرها، إلا أنها غير مخدومة بما ينبغي أن يخدم به الكتاب عند تحقيقه من حيث المقابلة، والتخريج، والتعليق على ما ينبغي التعليق عليه، وغير ذلك مما يستدعيه التحقيق العلمي.
والطبعة التي قام على تحقيقها الشيخ أبو غدة ﵀ جيّدة في الجملة، وإن كان عليها بعض المؤاخذات فيما يتعلق بترك التعليق والتخريج في أحايين كثيرة، والزيادات التي استحسنها وزادها مما ليس في المخطوط، وغير ذلك من الملاحظات التي تظهر عند التأمل ومقابلة الكتاب بالمخطوط.
أما بقية الطبعات فلا أرى أنها خدمت الكتاب من حيث التحقيق والتعليق، فالأخطاء الطباعية لا حصر لها، وفهارسها غير كاشفة عن كل ما في الكتاب مما يحتاج إليه، وغير ذلك مما يعيب الكتاب، وذلك يظهر عند أدنى تأمل.
وهذه المؤاخذات على هذه الطبعات هي التي استدعت إخراج هذا الكتاب في صورةٍ لعلها تكون الأقرب إلى الصواب تحقيقًا وتعليقًا ودراسةً وتخريجًا، وفهرسة دقيقة، والله الموفق.
مخطوطة الكتاب:
لم نقف لهذا الكتاب إلا على مخطوطةٍ واحدةٍ، تقع في (٤٢) لوحةٍ بلوحة العنوان، في كل لوحةٍ صفحتان.
لم يكتب على لوحة العنوان سوى عنوان الكتاب: "هذا كتاب المنار تصنيف مولانا شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية الحنبلي، تغمده الله برحمته، وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه".
стр. 21
في كل صفحةٍ من صفحات الكتاب (١٩) سطرًا، تتراوح كلمات السطر الواحد ما بين (٩) إلى (١٠) كلمات.
خطها واضحٌ جيّدٌ مقروءٌ، مقابلةٌ، وعليها تخريجات مصححةٌ، وليست بالكثيرة، لم يُكتب عليها اسم ناسخٍ، ولا تاريخ نسخٍ، كُتب في آخرها: "بلغ مقابلة على أصلٍ أظنه بخط السيد نور الدين علي السمهودي".
عملي في الكتاب:
لقد بذلت ما أمكن من جهدٍ في إخراج هذا الكتاب، محاولًا الاختصار، والبعد عن إثقال حواشي الكتاب بما نفعه قليلٌ، أو ما يمكن الاستغناء عنه، وقد اتبعت في التحقيق والتعليق ما يلي:
- نسخت المخطوط، ثم قابلت المنسوخ بالمخطوط لأتأكد من مطابقة المنسوخ للمخطوط.
- صوبت ما أراه هو الصواب مما وقع في المخطوط من أخطاء -هي من النساخ قطعًا- واعتمدت في هذا التصويب على مصادر النقول التي أوردها الإمام ابن القيم، مستفيدين من نسخة العلامة المعلمي ﵀، فهي أضبط ما وصلنا، والعلامة المعلمي ﵀ معروفٌ بالتحقيق العلمي الدقيق الذي لا يخفى على المختصين في الحديث وعلومه.
- خرجت الأحاديث، والآثار، والنصوص التي أوردها العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، مراعيًا في التخريج الاختصار ما أمكن إلا عند الحاجة، وذلك لأمور، منها:
١ - إن تطويل الكتاب بالحواشي والتعليقات التي قد يمكن
стр. 22
الاستغناء عنها مما يعيب الكتاب ويخرجه عن قصد مؤلفه الأصلي كما هو الحال في كتابنا هذا الذي هو أجوبة عن أسئلة مما يجعل الكتاب مشوهًا، قد حيل بينه وبين القراء بسبب هذا التطويل غير المفيد كما نشاهده في كثير من الرسائل والمختصرات.
٢ - المؤلف رحمه الله تعالى تكلم على معظم أحاديث هذا الكتاب بما يفيد القبول أو الردّ، بما يغني في كثير من الأحايين عن الإطالة في التخريج والتعليق.
٣ - ما كان من أحاديث هذا الكتاب قد حكم الحفاظ المعتدلون بوضعه، فلا أرى فائدةً في الاشتغال وتضييع الجهد والوقت ببيان وضعه، ومن وضعه، وكذا تجميع طرقه، وتسويد الكتاب بالمصادر المتعددة التي أخرجت هذا الحديث، أو أوردته، مع سهولة هذا التسويد في عصر الحاسبات والموسوعات الألفية التي تسلق بواسطتها المتعالمون على فن التخريج ودراسة الأسانيد، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، ولو شئت لفعلت عياذًا بالله من سوء القصد والنية.
- حاولت أن أقتصر في الغالب على الحكم على الأحاديث على أحكام علمائنا الحفاظ الأوائل، فكلامهم أراه مغنيًا فيما يتعلق بأحاديث هذا الكتاب، ولم أتدخل في الحكم إلا إذا رأيت مصلحةً ظاهرةً.
- اقتصرت في العزو لمصادر الموضوعات على الكتب المشهورة في الموضوعات، والتي هي أهم مصادر الموضوعات والكلام عليها، وإلا فالكتب المؤلفة في الموضوعات متعددةٌ، والعزو إلى كل المطبوع منها فيه إطالةٌ مُملّةٌ.
стр. 23
- استفدت كثيرًا فيما يتعلق بالتخريج والوقوف على مصادر أحاديث ابن القيم من كتاب ابن الجوزي "الموضوعات" بتحقيقه الجيد للدكتور نور الدين شكري، فقد قرّب محققه جزاه الله خيرًا مصادر أحاديث كتاب ابن الجوزي، وكما قدمت أن معظم أحاديث كتاب ابن القيم هي من كتاب ابن الجوزي هذا، وهذه الاستفادة أصبحت متاحة بهذا التحقيق، وإن كان تتبع الحديث وتخريجه من مصادره بالنسبة لكتاب ابن القيم هذا ليست في غاية الصعوبة في حالة عدم توفر مصدر تُقرّب به المعلومة، خاصّةً كما أسلفت مع وجود وسائل التخريج الميسرة في هذا العصر.
- أوردت نماذج للمخطوط الوحيد؛ ليطمئن المطلع على هذا الكتاب على هذا التحقيق، وصحة العزو إلى مخطوطه.
- عملت للكتاب فهارس تفصيليةً متنوعةً، تقرب مادة الكتاب، وتكشف عن خباياه، وتجلي ما أودعه فيه مؤلفه ﵀ من بحوثٍ استطراديةٍ في غير مظانّها.
أسأل الله ﵎ التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل، وأن يتجاوز عن التقصير والزلل، إنه جوادٌ كريمٌ.
وأختم بقولي: شكر الله لامرئ اطلع في هذا العمل المتواضع على عيبٍ فأصلحه، أو خطأٍ فأرشد إليه، أو نصحٍ أسداه، أو دعوةٍ في ظهر الغيب دعا بها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 24
نماذج من المخطوطة
стр. 25
صفحة العنوان من نسخة الكتاب الوحيدة
стр. 26
الورقة الأولى من نسخة الكتاب
стр. 27
الورقة قبل الأخيرة من نسخة الكتاب
стр. 28
الورقة الأخيرة من نسخة الكتاب
стр. 29
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي، المعروف بابن القيم، تغمده الله تعالى برحمته:
فصل
سُئلتُ عن حديث: "صَلاةٌ بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سِواك" (١).
وكيف يكون هذا التّضعيف؟
وكذلك قوله في حديث جُويرية: "لقد قلتُ بعدك أربعَ كلمات، لو وُزنت بما قُلتِ اليوم لوَزنتهنّ" (٢).
و"صِيام ثلاثة أيام من كلّ شَهرٍ، يقوم مَقام صيام الشهر" (٣).
وحديث: "مَن دَخل السُّوق فقال: لا إله إلا الله … " (٤).
فهذا السؤال اشتمل على أربع مسائل:
المسألة الأولى: تَفضيل الصّلاة بالسّواك على سبعين صَلاة بغيره.
فهذا الحديث قد رُوي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ وهو حديث لم يُروَ في "الصحيحين" ولا في "الكتب الستة" ولكن رواه:
стр. 30
الإمام أحمد، وابن خُزيمة، والحاكم في "صحيحيهما"، والبزار في "مُسنده" (١).
وقال البيهَقي: إسناده غير قوي (٢).
وذلك أن مَداره على محمد بن إسحاق، عن الزُّهري، ولم يُصرّح بسماعه منه، بل قال: ذَكر الزُّهري، عن عُروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : "فَضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سَبعين ضِعفًا".
هكذا رواه الإمام أحمد، وابن خُزيمة في "صحيحه"، إلا أنه قال: إن صَحّ الخبر. قال: وإنما استثنيتُ صِحّة هذا الخبر لأني خائفٌ أن يكون محمد بن إسحاق لم يَسمع الحديث من الزُّهري، وإنما دَلّسه عنه (٣).
وقد قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: إذا قال ابن إسحاق: وذَكر فلان فلم يَسمَعه (٤).
стр. 31
وقد أخرجه الحاكم في "صحيحه"، وقال: هو صحيح على شرط مسلم (١).
ولم يَصنع الحاكم شيئًا، فإن مُسلمًا لم يَرو في كتابه بهذا الإسناد حديثًا واحدًا، ولا احتج بابن إسحاق، وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد (٢)، وأما أن يكون ذِكر ابن إسحاق، عِن الزُّهري، من شَرط مُسلم فلا، وهذا وأمثاله هو الذي شان كتابه ووَضعه، وجَعل تصحيحه دُون تحسين غيره (٣).
قال البَيهقي: هذا الحديث أَحد ما يُخاف أن يكون من تَدليسات محمد بن إسحاق، وأنه لم يَسمعه من الزُّهري (٤).
ورواه البَيهقي من طَريق مُعاوية بن يحيى [الصّدَفي] (٥) عن الزُّهري. ومعاوية هذا ليس بقوي (٦).
وقال في "شُعب الإيمان": تَفرّد به معاوية بن يحيى، ويقال: إنّ ابن
стр. 32
إسحاق أخذه منه (١).
قال: ويُروى نحوه عن عُروة، وعن عَمرة، عن عائشة، وكلاهما ضعيف (٢).
ورواه من حديث الواقدي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي الأسود، عن عُروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ ، قال: "الرّكعتان بعد السّواك أحبّ إلى الله من سَبعين رَكعة قبل السّواك" (٣). ولكنّ الواقدي لا يُحتجّ به (٤).
ورواه من حديث حمّاد بن قِيراط، ثنا فَرج بن فَضالة، عن عُروة بن رُويم، عن عَمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : "صلاة بسواك، خَير من سَبعين صلاة بغير سِواك" (٥). وهذا الإسناد غير قوي.
فهذا حال هذا الحديث، وإن ثَبت فله وَجه حَسن، وهو: أن الصلاة بالسواك سُنّة، والسواك مَرضاة الربّ.
وقد أكد النبي ﷺ شأنه، وقال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم
стр. 33
بالسواك عند كل صلاة" (١).
وأخبر أنه: "مَطهرة للفَم، مَرضاة للربّ" (٢).
وقال ﷺ : "أكثرتُ عليكم في السّواك". رواه البخاري (٣).
وفي "مُسند أحمد" عن [التّميمي] (٤) قال: سألتُ ابن عباس عن السواك؟ فقال: "ما زَال النبي ﷺ يأمرُنا به حتى خَشينا أن ينزل عليه فيه" (٥).
وفي لفظ: "لقد أُمرتُ بالسواك حتى خشيتُ أن يَنزل عليّ به وحي" (٦).
وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "ما لي أراكم تأتوني قُلحًا (٧)، لولا أن أشقّ على أُمّتي لفرضتُ عليهم السواك، كما قد فُرض عليهم
стр. 34
الوضوء" (١).
وقال: "عَشرٌ من الفِطرة: قَصّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك … " (٢) الحديث، فجعل السواك من الفطرة.
وقال عبد الله بن حَنظلة بن أبي عامر: "إن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليهم ذلك أمرنا بالسواك" (٣).
وقال: "إن العبدَ إذا قام يُصلي أتاه المَلَك فقام خَلفه يسمع القرآن، ويَدنو إلى فيه، فلا تقرأ آية إلا كانت في جَوف المَلَك" (٤).
وكان النبي ﷺ -من رَغبته في السّواك- يَستاك إذا قام من نَوم اللّيل (٥)، واذا دَخل بَيته (٦)، وإذا صَلّى (٧)، واستاك عندَ مَوته وهو في
стр. 35
السياق (١).
وقال سُفيان: عن [ابن] (٢) إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر، قال: "كان السّواك من أُذن النبي ﷺ مَوضع القَلَم من الكاتب" (٣).
وفي "سُنن النّسائي" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كان رَسول الله ﷺ يُصلي رَكعتين، ثمّ يَنصرف فيستاك" (٤) وهذا في صَلاة الليل.
ولما بات عند خَالته مَيمونة: "فقام فتوضأ وصلي رَكعتين، ثم رَكعتين، ثم رَكعتين -الحديث- وكان يَستاك لكل رَكعتين" (٥).
وفي "جامع الترمذي" عن أبي سَلمة قال: "كان زَيد بن خالد
стр. 36
الجُهني يَشهد الصلوات في المسجد، وسِواكه على أُذنه مَوضع القَلَم من أُذن الكاتب، لا يَقوم إلى الصلاة إلا استنّ به" (١). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي "المُوطّأ" عن ابن شِهاب، عن أبي السياق، أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم بالسّواك" (٢).
وقد رَوى أبو [نُعيم] (٣) من حديث عبد الله بن عُمر، ورَافع بن خَديج، قالا: قال رسول الله ﷺ : "السّواك واجب، وغُسل الجُمُعة واجبٌ على كل مُسلم" (٤).
ويشهد لهذا الحديث ما رواه مُسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: "غُسل يوم الجُمعة على كل محتلم، وسواكٌ و [يمسُّ] من الطّيب ما قدر عليه" (٥).
وإذا كان هذا شأن السّواك وفَضله، وحُصول رِضى الربّ به، وإكثار
стр. 37
النبي ﷺ على الأمّة فيه، ومبالغته فيه حتى عِند وفاته وقَبْض نَفْسه الكريمة ﷺ ، لم يمتنع أن يكون الصلاة التي استاك لها أحب إلى الله من سبعين صلاة.
وإذا كان ثواب السبعين أكثر، فلا يَلزم من كَثرة الثواب: أن يكون العمل الأكثر ثوابًا أحبّ إلى الله تعالى من العمل الذي هو أقل منه، بل قد يكون العمل الأقل أحب إلى الله تعالى، وإن كان الكثير أكثر ثوابًا.
وهذا كما في [المسند] (١) عنه ﷺ أنه قال: "دَم عَفراء أحب إلى الله من دَم سوداوين". يَعني في الأضحية.
وكذلك كان ذَبح الشاة الواحدة يوم النَّحر أحب إلى الله من الصدقة بأضعاف أضعاف ثمنها، وإن كَثُر ثواب الصّدَقة.
وكذلك قِراءة سُورة بتدبّر ومَعرفة وتَفهُّم، وجَمع القلب عليها، أحب إلى الله تعالى من قِراءة خَتمة سَردًا وهذًّا، وإن كثر ثواب هذه القراءة.
وكذلك صلاة ركعتين يُقبل العبد فيهما على الله تعالى بقَلبه وجَوارحه، ويُفرّغ قَلبه كلّه لله تعالى فيهما، أحب إلى الله تعالى من مِئتي ركعة خَالية عن ذلك، وإن كَثُر ثوابها عددًا.
ومن هذا: "سَبق دِرهم [مائة ألف] (٢) دِرهم" (٣).
стр. 38
ولهذا قال الصحابة ﵃: "إنّ اقتصادًا في سَبيل وسُنّة، خَير من اجتهاد في خِلاف سَبيل وسُنّة" (١).
فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الربّ وسُنّة رسوله: أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير، إذا خلا عن ذلك، أو عن بعضه.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فهو إنما خَلق السموات والأرض، والموت والحياة، وزَيّن الأرض بما عليها ليَبْلُوَ عِباده أيهم أحسن عملًا، لا أكثر عملًا.
و"الأحسن" هو: الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دُون الأكثر الخالي من ذلك، فهو يُحب أن يُتعبّد له بالأرضى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يُرضيه، والأكثر الذي غيره أَرضى له منه.
ولهذا يكون العمَلان في الصورة واحدًا، وبينهما في الفضل -
стр. 39
بل بين قليل أحدهما، وكثير الآخر في الفضل - أعظم ممّا بين السماء والأرض.
وهذا الفضل يكون بحَسب رِضا الربّ سبحانه بالعمل، وقَبوله له، ومَحبته له، وفَرحه به ؛ كما يَفرح بتوبة التائب أعظم فرح، ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحبّ إلى الله تعالى من أعمالٍ كثيرةٍ من التّطوعات، وإن زادت في الكثرة على التوبة.
ولهذا كان القبول يَختلف ويَتفاوت بحسب رِضا الرب سبحانه بالعمل:
فقَبولٌ يُوجب رِضا الله بالعمل، ومباهاة الملائكة، وتَقريب عبده منه.
وقَبولٌ يَترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط.
كمن تَصدق بألف دِينار من جُملة ماله -مثلًا- بحيث لم يَكترث بها، والألف لم تَنقصه نَقصًا يتأثر به، بل هي في بَيته بمنزلة حَصى لَقيه في دَاره أخرج منها هذا المقدار، إمّا ليتَخلّص من هَمّه وحفظه، وإما ليجازى عليه بمثله، أو غير ذلك.
وآخر عنده رَغيف واحد هو قُوته، لا يَملِك غيره، فآثر به على نَفسه مَن هو أحوج إليه منه، مَحبةً لله، وتقربًا إليه وتَوددًا، ورَغبةً في مَرضاته، وإيثارًا على نفسه.
فيا لله كم بُعد ما بين الصدقتين في الفضل، ومحبة الله وقبوله ورضاه، وقد قَبِل سبحانه هذه وهذه، لكنّ قَبول الرِّضا والمحبّة والاعتداد والمباهاة شيء، وقَبول الثواب والجزاء شيء.
وأنتَ تجدُ هذا في الشاهد في: مَلِك تُهْدَى إليه هدية صَغيرة المقدار
стр. 40
لكنه يُحبّها ويَرضاها ويُظهرها لخواصّه وحَواشيه، ويُثني على مُهديها [ … ] (١) كهدية كثيرة العدَد والقدر جدًّا، لا تقع عنده مَوقعًا، ولكنْ لِكَرمه وجُوده لا يُضيع ثواب مُهديها، بل يُعطيه عليها أضعافها وأضعافَ أضعافها، فليس قبوله لهذه الهدية مثل قبول الأولى.
ولهذا قال ابن عُمر وغيره من الصحابة: "لو أعلم أنّ الله قَبل مِنّي سَجدة واحدة، لم يكن غائب أحب إلي من الموت" (٢).
إنما يُريد به القبول الخاص، وإلا فقبول العطاء والجزاء حاصل لأكثر الأعمال.
والقَبول [ثلاثة] (٣) أنواع: قَبول رِضًا ومَحبّة واعتداد ومُباهاة، وثَناء على العامل به بين الملأ الأعلى.
وقَبول جَزاء وثَواب، وإن لم يَقع مَوقع الأوّل.
وقبول إسقاط للعقاب فقط، وإن لم يترتب عليه ثواب وجزاء، كقبول صلاة من لم يُحْضِر قَلبَه في شيءٍ منها، فإنه ليس له من صلاته إلا ما عَقل منها، فإنها تُسقط الفرض، ولا يُثاب عليها.
وكذلك صَلاة الآبق، وصَلاة من أتى عرافًا [وصدّقه] (٤)، فإن النصّ