← Адаб

Адаб · id 93

المطرب من أشعار أهل المغرب

ابن دحية

Полный текст (243 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وله ﵀ بركة ماء بناها في الصماد حية، وقد حضر في مجلسه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء؛ وهو قاعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في نواحيه، فقال: أنظْر إلى حُسن هذا الماء في صَبَبه ... كأَنّه أرْقَمٌ قد جدَّ في هَربِهْ فاستبدع الكل قوله، فخلع عليهم ومنحهم فضله وطوله - والأرقم: من أسماء الحية - وله أيضاً فيها: كأَنَّ انسياب الماء في صفحاتها ... حُسامٌ ثقيلُ المتن سُلَّ من الغِمْدِ تفورُ فوَّارةٌ مستديرةٌ ... لها مُقلٌة زرقاُء موصولَةُ السّهد أدَرْنَا بها كأساً كأنَّ حَبابها ... حَبابُ سَقيط الطَّلِّ في ورَق الورد لها في غَدير الماء لألآءُ جَمْرَةٍ ... حكت نَار إبراهيم في اللون والبْرَدْ وله: الرّوضُ يَشرب والأنوار تنسكبُ ... والشَّمس تظهر أحياناً وتحتجبُ وللبَهار على أفنانه زَهَرٌ ... كأنّه فضَّةٌ من فوقها ذَهَب قال ذو النسبين ﵁: أهل الأندلس يسمون النرجس البهار واسمه في اللغة العبهر.

стр. 37

ودخلا الأريب أبو الوليد النحلي مدينة المرية، يرفل في أثواب سود زرية، فكتب إلى السلطان: أيا مَن لا يُضاف إليه ثانٍ ... ومَن ورث العُلاَ باباَ فَبَابَا أيجمُل أن تكون سَوادَ عَيني ... وأبْصر دون أبْغي حِجابا ويمشِي الناس كلهم حَمَاماً ... وأمشِي بينَهم وحْدِي غُرابا فبعث إليه من المال جملة وافرة، ومن البياض خلعة فاخرة، وكتب له رقعة فيها بيتان: وردتَ وللَّيل البهيم مطارفٌ ... عليكَ وهَذيِ للصَّباح بُرودُ وأنتَ لدينَا ما بقيتَ مُقَرَّبٌ ... وعيشُك سلسال الجِماَمَ بَرود السلسال: الصافي العذب، يقال: ماء زلال وسلسال، إذا كان صافياً عذباً. والجمام، بكسر الجيم: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع. وأنشدونا لابنه الأمير أبي جعفر رحمهما الله: كتبتُ وقَلبي ذُو اشتياقٍ ووحشةٍ ... ولو أنَّه يستطيعُ مَّر يُسلّمُ جعلتُ سوادَ العين فيه مدادَه ... وأبيضَه طِرساً وأقبلت ألثُم فخيّل لي أنِّي أقبّل موضعاً ... يُصافحه ذاك البنانُ المكرّم

стр. 38

قال ذو النسبين ﵁: وهذا عندي من قول أبي إسحاق الصابي: لما وضَعت صحيفتي ... في بَطن كفّ رسوِلهَا قبّلْتُها لَتَّمَّسها ... يُمناك عند وُصُولها وتَودّ عَينيَ أنّها ... قُرنت ببعض فُصولها حتى تَرى من وجهك ال ... ميمون غايةَ سُولِها الملك الراضي بالله أبو خالد يزيد ابن المعتمد على الله بن أبي القاسم عباد، وقد مرت عليه هوادج وقباب، فيها له أخدان وأحباب؛ وجهوا على وجه الهدية إلى بر العدوة، وقد كان يلم بهن في صباه إلمام قريش بدار الندوة؛ فقال ارتجالا، وأنشد سحراً حلالا: مروا بنا أصُلاً من غير ميعادِ ... فأوقَدُوا نار شوقِي أيَّ إِيقَادِ وأذكرونِيَ أياّماً لهَوتُ بِهم ... فيهَا ففازوا بإِيثَاري وإحْمادي لا غَرو أن زَادَ في وجْدي مرورُهم ... فرؤيةُ الماء تُذكي غُلَّة الصادِي صدى يصدي، فهو صاد وصيد، إذا عطش. ورجل صديان: عطشان. الغلة، واللواب، بفتح اللام؛ واللوح، بضم اللام؛ والجواد، بضم الجيم بلا همز: كل ذلك من أسماء العطش. وقد جمعناها في غير موضع.

стр. 39

الحاجب ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك بن رزين، ورث الملك كابراً عن كابر، من ملوك من أسلافه، أرباب أسرة ومنابر. وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض الريض، ومنظوم بديع من القريض. فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار، وكان ضيفاً عنده: ضَماٌن على الأيّام أن أبلغَ المُنى ... إذا كنت في وُدِّي مُسِراًّ ومُعْلِناَ فلو تسألُ الأياّمُ من هو مفردٌ ... بِوُدّ ابن عمَّارٍ لقُلتُ لها أنَا فإن حالَت الأيامُ بيني وبينه ... فكيف يَطيبُ العيشُ أو يحسنُ المنى فلم يجبه ابن عمار في يومه، لأنه كان يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا يرتجله. وأتى به في اليوم الثاني بأعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهو: هَصَرْتَ لي الآمالَ طيبةَ الجنَى ... وسوَّغْتَ لي الحوالَ مُقبلةَ الدُّنَا وألبَسَتنِي النُّعمَى أغضَّ من النَّدى ... وأجْمَلَ من وشْى الرَّبيع وأحْسَنَا وكم ليلةٍ أحظَيْتَنِي بحضورها ... فبتُّ سميراً للَّسناءِ وللسَّنا أعَلِّلُ نَفسي بالمكارِم والعُلاَ ... وأُذْنِي وكَفِّى بالغِنَاءِ وبِالغِنَى سأقْرِن بالتَّمويلِ ذكركَ كَّلما ... تعاوَرَتِ الأسماءُ غيركَ والكُنَى

стр. 40

لأوسَعتنَي قولاً وطولاً كلاهما ... يُطوِّق أعناقاً ويُخرس ألْسُنا وشَرَّفتني من قطعةِ الرَّوض بالتَّي ... تَنَاثر فيها الطّبعُ ورداً وسُوسنا تروقُ بجيدِ المُلك مُرصَّعا ... وتُزْهَى على عِطفَيه وشياً مُفَنَّنا فدُم هكذاَ يا فارس الدَّست والوغى ... لتَطعن طوراً بالكلام وبالقَنا قوله للسناء وللسنا. السناء، بالمد: المجد والشرف. والسنا، مقصور: الضوء، قال الله العظيم: (يَكَادُ سَنَا بَرقِه يَذْهَبُ بالأبْصَار). وقوله وأذني وكفى بالغناء وبالغنى الغناء، بالمد: الصوت. قاله اللغويون، فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي بن أحمد الأميي: غِناءُ الصَّوت ممدودٌ ... بما يستجلبُ الطّربُ وكلُّ غنى فمقصورٌ ... كذا نطقت به العربُ والغنى: ضد الفقر، ومنه قول رسول الله ﷺ : ليس الغنى عن كثرة العرض: بفتح العين والراء، يعني كثرة المال والمتاع، وسمى عرضا، لأنه عارض يعرض وقتاً، ثم يزول ويفنى. ومنه قوله أيضاً: خير الصدقة ما كان عن ظهر غني. قيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم وحاجتهم. ويقويه قول الله : (ويسألونَك ماذا يُنفقون قل العفو). قيل: الفضل عن أهلك.

стр. 41

وقوله: تناثر فيها الطبع ورداً وسوسنا بضم السين، وهو لحن، وليس له في العربية وزن، والصواب: سوسن، بفتح السين، على وزن فوعل بفتح الفاء، وكذلك روشن وأمثاله، نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل، إلا جؤذر في قول بعضهم. والدست: المرتبة العالية. ومن أعيان شعراء المغرب الراسخين في الأدب، المتمسكين منه بأمتن سبب، أبو الطيب أحمد بن الحسين بن محمد المهدوي المسيلي له مقطعات غزل أحسن من قطع الرياض، وأغزل من العيون المراض. وكان شعره مدوناً بالثغر الأعلى بمدينة سر قسطة. أنفرد بروايته عالمها وحسيبها الفقيه العالم النحوي الأصولي المتكلم أبو جعفر محمد بن حكم بن باق السرقسطي - وجده الأعلى محمد بن باق، ملك مدينة سالم - استوطن آخراً مدينة فاس، ولى أحكام القضاء بها. وكان محمود الحال، حسن الخلق، قولاً بالحق إلى أن توفي في العشر الأواخر من شعبان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، أجاز له الفقيه الإمام القاضي أبو الوليد الباجي

стр. 42

اللغوي النحوي الإمام أبو القاسم، وأبو محمد عبد الدائم بن مروان بن خير القيرواني، نزيل مدينة المرية. روى بالبصرة عن أبي الحسن محمد بن الحسين، سنة ست وعشرين وأربعمائة، عن هلال بن المحسن. ولقي المعري سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وقرأ عليه، وسمع بالأندلس على جماعة. وحمل الإمام أبو جعفر بن باق ببلده سرقسطة عن الفقيه القاضي بها أبي محمد بن فورتش، وأبي عمر أحمد بن مروان المالكي، قرأ عليه كتب أبي المعالي. وروى عن أبي سعيد محمد بن سعد الزعيمي البغدادي، طرأ على الأندلس وهو مسن. وروى عن الشريف المرتضى؛ أخي الشريف الرضي؛ القصيدة التي أولها: يا ظبية البان ترعى في خمائله مع جميع ما رواه عن الشريف وعن غيره. وروى شعر أبي العرب الصقلي. وكان أبو العرب قد سكن سرقسطة ومدح المستعين بن هود بشعر كثير. وروي أيضاً عن أبي جعفر البطروشي، والوزير أبي الفوارس بن عاصم، والوزير أبي عبيد البكري، وغيرهم.

стр. 43

أقرأَ أبو جعفر هذا بمدينة فاس كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح، وتكلم على أعيان مسائله، وعلى جملة أبياته وشواهده، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي. وكان في النحو والأصول لا يشق غباره، ولا يخاض تياره. وله تأليف في علم الجدل. حدثني عنه جماعة من شيوخي ﵏ فأولهم، وأفضلهم قاضي الجماعة، ومعدن البراعة؛ المتفنن في جميع العلوم، والمحسن إلى كل مجهول ومعلوم. الفقيه الزناتي الذي فاق متقدم الفقهاء الأوائل، وأعياسحبان وائل؛ أبو موسى عيسى ابن عمران بن دانال الزناتي المكناسي الوردميشي، من ولد الملك أبي عمران موسى ابن أبي العافية. وبنو أبي العافية هم الذين كانوا ملكوا المغرب الأقصى، وفضائله اكثر من أن تحصى، فكم حلى ﵀ من جيد معطال، وعطر من متفال، وانهض من ثفال، وجدد من شرف بال، لم يخطر للدهر على بال: تالله لا يأتي الزّمانُ بمثله ... إنَّ الزّمان بمثله لبخيلٌ لقي جماعة من العلماء، منهم الفقيه أبو يوسف الزناتي الملقب بالرحى، لحفظه. وكان يحفظ دواوين، منها: المدونة، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار. فقرأ الفقه عليه، وقرأ موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى على قاضي

стр. 44

القضاة الفقيه أبي محمد عبد الله بن خليفة الأزدي، يعرف بابن أبي عرجون، وقرأ النحو على الأستاذ أبي حسن بن عبد الله القيسي، ثم رحل إلى مدينة فاس، فلقي الفقيه النحوي الأصولي المتكلم أب جعفر محمد بن حكم بن باق المذكور آنفا، ولقي بأغرناطة النحوي الكبير أبا بكر محمد بن مسعود الخشني، يعرف بابي ركب. ثم رحل إلى المرية، فلقي إمام أهل عصره، ورزين جميع الأمصار مع مصره، أبا القاسم أحمد بن محمد التميمي سبط ابن ورد، وسمعه يقول: لم ألق بالأندلس مثل ابن ورد، ولا أحاشي من الأقوام من أحد. واكن يفضله على ابن العربي، وابن عياض، وغيرهما. قرأت عليه مدة مديدة، ولزمته أعواماً عديدة، وسألته أن يجيز لي، ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع ما رواه وجمعه، وتكلم فيه من العلم أو وضعه، فأجابني إلى ذلك، وقال لي: لم أفعله لأحد قبلك، ممن سلك هذه المسالك، وإنما اشتغلت عن كثرة الرواية بالدرس والدراية.

стр. 45

وسألته عن مولده، فقال: ولدت في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتوفي ﵁ شهيداً من داء البطن ليلة الخميس آخر الليل. ودفن ظهر يوم الخمسي الخامس والعشرين من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وهو على أحكامه وإعزازه وإكرامه. فمن شعر الأديب أبي الطيب أحمد بن الحسين بسندنا المتقدم إليه، رحمة الله علينا وعليه، فمن ذلكم في النسيب: متى طلَعت تلك الأهلَّة في الخُمْر ... ونابَتْ لنا العيونُ عن الخَمْرِ ومن علَّم الأعجاز تَستعجزُ النّقا ... وهذى الثنايا الزُّهْر تَسطو على الدُّرّ شُموسٌ أبت إلا الشِّماس سجّييةً ... وأقمارُ حسن في الهوى قَمَرتْ صَبْري تذكّرتُ، والتّذكارُ من مَرَ الأسى ... ليَالينَا بين الرُّصَافِة والجسر لياليَ لا دَمعي يُبدَّد بالَّنأْي ... ولا سِنَتَي مما تُرَوَّع بالهجر ومنها في صفة القصيدة: ودونكَما غرَّاَء قامت لخاطري ... وإن لم تَلُمْه حين قَصَّر بالعُذر خَفَضْتُ بها الأشعارَ حتَّى كأنها ... وإن رفَعتني الآن من أحرُف الجرّ قال ذو النسبين، ﵁: وذهذ الرائية من شعره عند العلماء بنقد الشعر وسره، أحسن من رائية علي بن الجهم التي أولها: عيون المها بين الرُّصافة والجسر ... جَلَبْن الهوى من حيثُ أدري ولا أدري

стр. 46

ومن أسماء بقر الوحش: الأَي مثل الفتى، والأنثى، لاة، مثل شاة، وتسمى المهاة أيضاً، والجمع: المها، والعيناء؛ والجمع: عين. ومما يمازح برقته النسيم امتزاج الماء بالراح، ويدخل من أبواب خروق المسامع على القلوب بلا استئذان فترتاح به الأرواح، قول هذا الشاعر من أبيات: خطرتُ على وادي العُذيب بأدمُعي ... فما جُزته إلا وأكَثُرُه دُم وقد شَرِبَتْ منه كرامُ جيادنا ... فكادَت بأسرارِ الهَوى تَتكّلم سرى البرقُ من نَعمانَ يُخبر أنّه ... سيَشْقى بكم من كان بالأمس يَنْعَم رحلتم، فهذا الليلُ فيكم فلم يعد ... إلىَّ سواه فيكُم إذ رحلتم وما أنا صَبٌّ النّجوم وإنّما ... تُخَيِّلُ لي الآفاق أنكُم هم لقد أحسن ما شاء، غير أن قوله: خطرت على وادي العذيب. . . . . مأخوذ من قول الشاعر، وهو مهيار: عَبَرْت على الوادي فحَّرمت ماءه ... وكيف يحلّ الماءُ أكثره دَمُ عبرت: أي أسلت عبرتي فيه، فوري. والمحفوظ عند أهل اللغة: استعبر الرجل، إذا بكى، والذي رويناه في شعر مهيار بكيت

стр. 47

والمليح البديع من هذه القطعة قوله: سَرى البرقُ من نَعمان يُخبر أنّه ... سَيشفى بكم من كان بالأمس يَنْعَم فيه من صنعة البديع المقابلة، وهي مقابلة سيشفى بينعم. ومن مليحها قوله: رحلتم فذها اللّيل فيكُم فلم يعد ... إلىّ سِواهُ فيكُم إذ رحلّتُمُ وهو من أبيات المعاني التي يسأل عنها، ويفهم معناه من قوله: فلم يعد إلى سواه، لأنه لا يعود سوى الليل الماضي، وهو الليل المستقبل، إلا بعد صبح يفصل بينهما، ولا فاصل عنده بعد فرقة أحبابه؛ لأن الأيام جميعها عنده صارت مظلمة لبعد أحبابه؛ فما دامت الفرقة مستمرة، كانت الظلمة مستقرة. ومن بدائع هذا الشاعر قوله: سلَّم إذ مرَّ ولي هَّمةٌ ... تَسْتَنْزل الأقمارَ والأنجمَا تَظْمَا ولا تَروي ولو أنني ... ألثمتها وجْنَتَه والفَما فقلت للنّفس وقد أزْمعت ... أن ترد السُّلوان خوف الظَّما هذا كثيرٌ فأشكري وأحمَدي ... فكيف لو مَرَّ وما سلَّما

стр. 48

قوله في البيت الأول: سلم إذ مر، ثم قوله في آخر البيات: فكيف لو مر وما سلما من الصنف المسمى في صناعة البديع بالتبديل. إلا أنه فرق بينهما في أبيات، وقد جمع ذلك بعض أهل مصره، من شعراء عصره، فقال: أصبحتُ صباً دَنِفا مُغرمَا ... أشكُو جوى الحبّ وأبكي دَمَا هذا وقد سلَّم إذْ مَرَّ بي ... فكيف لَوْ مَرَّ وما سَلَّما ومن أفاضل شعراء المغرب المعروفين بالإجادة، الموصوفين بالإحسان والإفادة: أبو عبد الله ابن قاضي ميله اشعر من دب بميلة ودرج، ودخل بها وخرج. فمن رقيق شعره قوله: قلتُ للحسناء لما أبْصَرت ... دمع عَيْنِي قد جَرى فيما جَرى لا تَظنّي الدّمع ما عَايَنْتِه ... أنا من يُهِدي إليك الخَبَرا جالَ في خدَّيك من ماء الصَّبى ... رونقٌ يَسْبي سَناَه البشرا تأخذُ الأجفانُ منه رِيهَّا ... فإذا جازَ التَناهِي قَطَرا

стр. 49

ومن قوله: رحَلَ الرّكُب والمشوقُ مقيمُ ... كيف يَسْري معَ الصِّحاح السَّقُيمِ وبتلك القبابِ رِيمٌ تولىَّ ... وضُلوعي كهفٌ له ورَقيم أمُّه اّلشمسُ وهو أعجب شيء ... فمتى أنْتَجْته وهي عقيم أقعدتْني حوادثُ الدّهر عنه ... هكَذا الدّهْرُ مُقعِدٌ ومقيم وله في حمامة فوق أيكة تصدح، في فحمة الليل والبرق يقدح: ومُرِنَّةٍ قدحت زنَاد صبابتي ... والبرقُ يقدَح في الظّلامِ شَرارُهُ ورقاءُ تأرق مُقلتي لبكائها ... ليلاً إذا ما هَوَّمتْ سُمَّاره إيهٍ بعيشك يا حمامةُ خَبِّري ... كيف الكثيبُ ورَنده وعَرَاره أترنَّحت بجوانحي أثَلاثُه ... أم أيْنَعت بمدامِعي أزهاره وله في المعاني: ورقاءُ ضافيةُ الجناح تَستَّرت ... عنَّا بغُصْنَيْ بانَةٍ وأرَاكِ غنّت فأذكرِت المشوقَ ببثّها ... وتمايلت فعل الصّحيح الشّاكي وعجبتُ من ضّدين في أوصافها ... خَلْع الخليع ولِبسة النُّسَّاك وله في المعنى: ومُرنّةٍ والدّجنُ ينسج فوقَها ... بُردين من نَوءٍ وطلٍّ باكِ مالت على طيِّ الجَناح وربّما ... جَعلت أريكتَها قضَيب أراكِ

стр. 50

وممن نسج في الرقة على منواله، وضرب في بديع المعاني والألفاظ على مثاله: محمد بن حبيب المهدوي القلانسي فقال: بدورُ وجوهٍ في ليالي ذوائب ... لَعبنْ بلبّي بين تلكَ الملاعب تَبرقَعْنَ من خَوفِ العيون وإنّما ... طَلَعن شموساً تحت غُرِ السّحائب وفوَّقْن من تحت أسهما ... من اللحظ ترمي عن قِسّيِ الحواجب ومن الموصوفين بجزالة الألفاظ ورقة المعاني: يعمر بن ميمون الخولاني فمن قوله: نُبِّئْتُ أنّك مُولٍ لا تكّلُمني ... فبتُّ خائفَ هجر منك قد حَدَثاَ وما يفي النَّذرَ من آلي بمعصيةٍ ... هِذى مقالةُ من بالحقّ قد بُعِثَا فاحْنث فِحْنُثك وصْلى وهو يعتقُني ... والعتقُ غايةُ تكفيرٍ لمن حَنَثا وإن تحرَّجتَ من إثم وخفتَ له ... فأعظَمُ الإثم قتلى في الهوى عَبثا

стр. 51

قوله: نبئت أنك مول: أخبرت أنك حالف. يقال آلي الرجل فهو مؤل أليه، بتشديد الياء. والألية: اليمين، يقال: آليت وائتليت وتأليّت، أليّة وألُوةً، بفتح الهمزة؛ وألوةَّ، بضمها، وإلوّة، بكسرها، كل ذلك لغات فيها. ولم يعرف الأصمعي، كسر الهمزة في أوله. وفي الصحيحين إن رسول الله ﷺ آلي من نسائه شهرا. وقوله: وما يفي النّذَر من آلَي بمعصيةٍ ... هذى مقالُة من بالحّق قد بَعثا صدق وبر، ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه. وملح بقوله: فأحنث فحنثك وصلى، وبالبيت الذي بعده وكأنهما ينظران إلى البيت الذي أنشده أبو الفرج الأصبهاني في كتبا الأغاني له: إذا قّبل الإنسان آخر تُشتهي ... ثنايَاُه لم يأثَمْ وكان له أجْرُ

стр. 52

ومن مجيد شعراء المغرب: محمد بن زكريا القلعي له من قصيدة يمدح بها بعض المغرب، وكأنما عني بمعانيها مولانا السلطان الملك الكامل، وأشار بأنامل بديع ألفاظها إليه، لا برحت محاسن المحامد مصروفة له، وموقوفة عليه: وقادَ الجيادَ الأعوجيّاتِ دونَها ... عوابسُ تَطفُو في العَجاج وتَرْسُبُ عساكُر مثل الطَّرف إن خِفْن ضِلَّة ... أضاَء لها ليلُ الحديدِ المذوَّب يَمُر نُهاهُ بالشُّكوكِ فتنجلي ... ويجري نداهُ في الأُجاج فيعذُب وكأنما عناه أيضاً هذا الشاعر بقوله: ملك إذا طُلِبَ الغَمامُ بِفَوق ما ... في وُسْعه فعلى نداهُ يُحيل زَجرَت مواهبُه المساغبَ أن تُرى ... ولها بساحة مُجتدية حُلول

стр. 53

ومن شعراء: صقلية وهي بفتح الصاد والقاف، قاله النحوي أبو بكر محمد بن علي بن الحسن بن البر التميمي، هكذا عربتها العرب. واسمها بالسان الرومي سيكة بكسر السين وفتح الكاف وسكون الهاء، وكيليه بكسر الكاف واللام، وتشديد الياء وسكون الهاء، وتفسيرها: تين وزيتون. وإلى هذا المعنى أشار الأديب البارع، أبو علي حسن بن رشيق، حين مدح صقلية بقوله: أخْتُ المدينة في اسم لا يشاركها ... فيه سِوَاها من البُلدان فالتَمِسِ وعظَّم اللهُ معنَى لفظها قسماً ... قَلِّد إذا شئتَ أهل العلم أو فَقِس قوله في هذا البيت: وعظم الله معنى لفظها قسما يريد قول الله ﷻ (والِّتينِ والزَّيْتُون) قال مجاهد في صحيح البخاري: هو التين والزيتون الذي يأكل الناس. وقال الحسن: هو التين الذي يؤكل، ولزيتون الذي يعصر. وبه قال عكرمة. وقال آخرون: التين: مسجد دمشق، الزيتون: بيت المقدس، قاله كعب وقتادة وابن زيد وعكرمة أيضاً.

стр. 54

وصقلية: جزيرة كبيرة طولها مسيرة أيام، وعرضها مسيرة خمسة أيام. وهذا الاسم لأحد مدنها. فنسبت الجزيرة كلها إليها. وفيها مدن كثيرة وقلاع شهيرة، وهي في البحر الشامي، موازية لبعض بلاد إفريقية، بينهما يوم وليلة. افتتحت في سنة اثنتي عشرة ومائتين، ثم إن الله تعالى صرفها إلى النصارى. فكان أول افتتاح كان فيها لهم في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، إلى أن خلصت الجزيرة كلاه لهم في سنة خمس وثمانين وأربعمائة. فمن شعرائها: أبو محمد ابن حمديس عبد الجبار بن أبي بكر محمد بن حمديس شاعر جيد السبك، مليح الاستعارة، حسن الأخذ، لطيف التناول، رقيق حواشي المعاني، عذب اللفظ. دخل الأندلس وافداً على المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد بإشبيلية فمدحه بأشعاره البديعة، وعبر عن الأدب بأنفاسه النفيسة الرفيعة. فما يجري من قوله رقة مع الماء، ويكاد يمتزج بالهواء، ويأخذ بمجامع الأهواء، قوله من قصيدة: قُم هالكها من كفّ ذاتِ الوشاحْ ... وقد نَعي الليلَ بشيرُ الصّباحْ

стр. 55

وباكِر اللذات واركبْ لها ... سوابق الَّلهو ذواتِ المِراحْ من قبل أن تَرشُف شمُس الضّحى ... ريقَ الغوادِي من ثُغور الأقاحْ أنظر من أحسن هذه الاستعارة، وأحلى هذه العبارة. وله قصيدة أخرى في الوزن على الرّويّ أولها: طَرَقَتْ والليلُ ممدُود الجَناحْ ... مرحباً بالشمس من غير صباح أتى فيها بكل معنى مبتكر بديع، معدود من الطراز الأول الرفيع. ومما أخذه فملكه فأسترقه، واستوجبه بزيادته فيه على مبتكره واستحقه، قوله في وصف فرس سابق: كأنّ له في الأذن عيناً بصيرةً ... ترى اليوم أشباحا تمرُّ به غداَ يقيّد بالسبق الأوابَد فوقَه ... ولو مرَّ في آثارهنّ مُقَيّدا أخذه من قول امرئ القيس بن حجر، وهو أول من قصد القصائد، وقيد الأوابد، فقال في لاميته المعلقة: وقد اغتدى والطيرُ في وكناتها ... بمنَجردٍ قيد الأوابد هَيْكلِ

стр. 56

وزيادة عبد الجبار عليه قوله: ومر في آثارهن مقيدا وتصدير هذا العجز بقوله: أقيد بالسبق مليح جدا. ومن مليح أخذه المستحسن قوله من أخرى. لهم رياض حُتوف فالذُّباب بها ... يَشدوهُم في الهوادي كلما اقتحمُوا بيض يضعن المنايا السّودَ صارخةً ... وهي الذّكور التي افُتضت بها القمم أخذه من قول أبي نصر عبد العزيز بن نباته السعدي: ومن العجائب أنّ بيضَ سيوفه ... تلد المنايا السّودَ وهي ذُكورُ إلا أنه زاد عليه، وبعد ما ساواه في المقابلة، بذكر البيض والسود. وذكر الذكورية مع ذكر الوضع الذي ذكره في موضع تلد بقوله: صارخة، إذ من شأن المولود أن يستهل صارخا عند الوضع. وكذلك الواضعة تصرخ أيضاً حالة الطلق، فتمم بهذه الزيادة قوله: يضعن المنايا السود. كما زاد عند ذكر الذكور، وتمم المعنى بقوله: افتضت بها القمم، فجعل سيلان دماء القمم بذكور الصوارم كسيلان دماء العذارى لدى افتضاض ذكور الرجال لها، وهذا من سر الشعر المخزون، وعلمه المكنون. وفي البيت الذي وطأ به نوع من أنواع البديع يسمى التويرة، وهو قوله: لهم رياضُ حثتوف فالذّباب بها ... يَشُدوهم في الهوادي كلَّما اقْتَحموا

стр. 57

الذباب، من الحيوان معروف؛ والذباب: ذباب السيوف. الشدو: الغناء. فشبه طنين الذباب في الهوادي، وهي الأعناق، بترنم الذباب. واستعار الرياض للحتوف توطئة لشدو الذباب؛ لأن الرياض الملتفة الأسجار، موضع ترنم سواجع الأطيار. وملاحظة أمثال هذه المقاصد من مقاصد فحول الشعراء، مما يعين الشادي في الأدب المحاول انظم الشعر، على نظم جيده. وأذكرني بيت نباتة قول ابن الرومي، وهو من أحسن ما سمعت في معناه: ومن عجبٍ أنَّ السّيوف لديهمُ ... تحيضُ دماءً والسّيوفُ ذُكورُ وأعجبُ من ذا أنهَّا في أكُفِّهم ... تَأَجَّجُ نارا والأكفُّ بُحور ومن شعراء المغرب الأوسط، وأهل التصنيف والإتقان والضبط، الشاعر الرقيق، العربي الأزدي العريق: أبو علي حسن بن رشيق وكان رجلا تلعابه، كثير الدعابة، غير أنه لم يذمه أحد بذلك ولا عابة، كتب إلى بعض الرؤساء: إنّي لقيتُ مشقَّهْ ... فابعث إلى بشُقَّةْ كمثل وجْهِكَ حُسنا ... ومثل دِينَيِ رِقَّة

стр. 58

فقل له الرئيس: أما مثل دينك رقة، فلا يوجد إلا بوزن أمثال رمال الرقة؛ ثم استحسن في هذه المداعبة أدبه، فقضى أربه. فمن قوله يمدح السلطان أب يحيى تميم بن المغر: أصَحُّ وأقْوى ما روينَاه في النَّدَى ... من الخبرِ المأثور منذُ قديمِ أحاديثُ تُمليها السّيولُ عن الحَيا ... عن البَحر عن جُودِ الأمير تمِيم وله أيضاً: لو أورقتْ من دَم الأبطال سُمْرُ قناً ... لأوْرَقَت عنده سُمْر القَنَا الذُّبُلِ إذا توجَّه في أولى كتائبه ... لم تفْرِق العينُ بين السّهل والجبلِ فالجيش يَنْفُض حولَيه أسنَّتَه ... نفْضَ العُقاب جَنَاحَيها من البَللِ وهذا البيت من غرر قلائده، وهو مع ذلك ملتقط من قول المتنبي: يهزُّ الجيش حولك جانبيه ... كما نَفَضت جَناحيها العُقابُ ومن قول أبي صخر الهذلي: وإنّي لتَعْرُوني لذكرِاك هِزَّةٌ ... كما انتفَض العُصفورُ بَّللهَ القطر

стр. 59

ومعنى الالتقاط، ويسمى أيضاً بالتلفيق والترتيب، أن ينشر الشاعر المعاني المتقاربة، ويستخرج منها معنى مولداً يكون فيه كالمخترع، وينظر به إلى جميع تلك المعاني، فيقوم وحده مقام جماعة من الشعراء، وهو مما يدل على حذق الشاعر وفطنته. ومن أحذق من فعل ذلك المتنبي والمعري. ولابن رشيق أيضاً: ومن حسناتِ الدّهر عنديَ لَيلةٌ ... من العُمر لم تَتْرُك لأيّامنا ذَنْبَا خلونا بها نَنفي الكرى عن جُفوننا ... بلُؤْلُؤةٍ مملوءةٍ ذهباً سكبا ومِلْنا لتقبيل الخدود ولَثمها ... مَمِيَل جياع الطّيرِ تلتقُط الحبَّا وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني في ابتداء قصيدة فريدة: عَرِّسَا بِي فذَا مُناخٌ كريمُ ... هذه جُمَّةٌ وهذا تمِيمُ هذه الجنّةُ التي وعد الله وهذا صراطُه المستقيم وكان المعز ملك صنهاجه، لم يقصده ذو حاجة إلا وقضى حاجه، وعجل بذلك سروره وابتهاجه. وإنما خلع المستنصر وأزال عنه الخلافة، وأظهر

стр. 60

معاندته وخلافه، بعد أن كان يظهر له ولأبيه الظاهر الطاعة، ويبذل لهم الاستطاعة، أن الجرجائي الوزير، أساء معه التدبير. وأحفظه بأشياء بلغته عنه، وعقارب مكايد دبت إليه من مصر منه. وقال من له الإجادة والإحسان: جِرَاحُ السَّيْف تُؤلُمِ ثم تَبْرا ... ولا برءٌ لما جرحَ اللّسانُ وإلا فملك صنهاجة قديم، وشرفهم صميم، وذلك أن إفريقيس بن أبرهة ذي المنار بن الحرث الرائش بن شداد - ويقال: شدد بن الملطاط - ابن عمرو ذي أبين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان ابن قطن بن عريب بن زهير بن الغوث بن أيمن بن الهمسيع بن حمير، خرج غازيا نحو المغرب في أرض البربر، حتى انتهى إلى طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم، وخلف مع البربر من خلف من حمير اليمن، مثل صنهاجة وكتامة. هذا قول ابن الكلبي، وبه قال أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو محمد بن يعقوب الهمداني، من ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقد ذكر نسبه متصلاً إلى همدان في كتاب

стр. 61

الإكليل المؤلف في أنساب حمير وأيام ملوكها. وهو كتاب عظيم الفائدة. قال الهمداني: ثم تقدم في المغرب، حتى بني مدينة إفريقية، وهي مشتقة من اسمه، وخلف في البربر قواما من حمير، ليردوهم على شاكلتهم القديمة، ويأخذوا إتاوتهم، ويدبروا أمورهم، فهم إلى اليوم على ذلك. ومنهم اليوم بالمغرب كتامه، ولواتة، وصنهاجة، وهم الغالبون على المغرب اليوم. حدثني بهذا الكلام نحو من عشرين شيخاً - منهم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والمحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبيد الله الحجري بفتح الحاء وسكون الجيم، من حجر بن ذي رعين - قالوا: حدثنا نسابة الأندلس الفقيه أبو محمد عبد اله بن علي اللخمي المعروف بالرشاطي. ونقلته من أصله وكتابه الذي سماه ب اقتباس الأنوار، والتماس الأزهار، في أنساب الصحابة ورواة الآثار؛ إلا ما فيه من نسب همدان، فإني نقلته من غيره. قال الرشاطي: فشرف صنهاجة أصيل، ومجدهم أثيل ورياستهم قديمة، ونسبتهم إلى حمير معلومة.

стр. 62

قال ذو النسبين، رضي لله عنه،: ووقاء السلطان تميم مشهور، وعلم ذكره بذلك منشور. حدثنا غير واحد من شيوخنا، ﵏، ومنهم الفقيه المحدث المفيد المقرئ اللغوي النحوي أبو بكر محمد بن خير، بمسجده بإشبيلية سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، قال: حدثنا الفقيه القاضي المقرئ الخطيب أبو الحسن شريح ابن محمد بن شريح، قال: أنبأنا حافظ الأندلس الفقيه العالم أبو محمد علي بن أحمد بان سعيد بن حزم في كتابه إلينا، قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي من ولد عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا أبو علي حسين بن الأشكري المصري، قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه جداً، قال: فأرسل إلى بغداد، فابتيعت له جارية رائعة فائقة الغناء، فلما وصلت إليه دعا جلساءه، قال: فكنت فيهم، ثم مدت الستارة، وأمرها بالغناء، فغنت: وبدَا له من بعد ما أندَمَل الهوى ... برق تألَّق مَوهناً لمعانُه يبدوُ كحاشية الرّداء ودونَه ... صعْبُ الذُّرى ممتنِّع أركانُه فالنّار ما اشتملت عليه ضلوعُه ... والماءُ ما سمحت أجفانُه

стр. 63

قال: فأحسنت ما شاءت. فطرب تميم وكل من حضر، ثم غنت: ستُسليك عمّا فات دولُةُ مفضِلٍ ... أوائُله محمودةٌ وأواخُرهْ ثَنَى الله عِطفه وألّف شخصَه ... على البِرّ مُذْ شُدَّتْ عليه مآزِرُه قال فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، قال: ئم غنت: أستودعُ اللهَ في بغدادَ لي قمراً ... بالكَرخٍ من فَلك الأْزرار مطلعُهُ قال: فاشتد طرب تميم، وأفرط جدا ثم قال لها: تمنى ما شئت فلك مناك. فقالت: أتمنى عافية الأمير وسعادته. فقال: والله لا بد لك أن تتمنى. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقال: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد. قال: فانتقع لون تميم وتغير وجهه، وتكدر المجلس، قام وقمنا. قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك. أرأيت ما امتحنا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بد من الوفاء لها، وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها. فقلت: سمعا وطاعة. ثم قمت وتأهبت، وأمرها بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها، وأمر بناقة وبجمل عليه هودج فأدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا. فلما

стр. 64

وردنا القادسية، أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها وأخبرتها، فلم أنسب أن سمعت صوتها وقد ارتفع بالغناء: لما وردنا القادسيَّة حيثُ مجتمعُ الرَّفاقْ وشِممْتُ من أرض الحجا ... زِ نسيم أنفاسِ العراق أيْقَنْتُ لي ولمن أحبُّ بجمع شملٍ واتّفاق وضحكتُ من فرحِ اللّقا ... ء كما بكيتُ من الفِرَاق فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! قال: فما سمع لها كلمة. ثم نزلنا الياسرية، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة ينزل الناس بها، فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قرب الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة. فقلت: ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري! قال: فلم أحس لها أثراً بعد. ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلي تميم فأخبرته خبرها. فعظم ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم ما زال بعد ذلك ذاكراً لها، واجماً عليها.

стр. 65

قال ذو النسبين، ﵁. وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ الجليل الإمام العالم أبو عبد لله محمد بن أبي نصر الحميدي في جذوة المقتبس في تاريخ الأندلس قال: حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الفارسي الفقيه، وأملاه علي بالأندلس، فذكر ما ذكرناه حرفا بحرف. قال ذو النسبين ﵁: قرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن الحسين العبشمي الأصبهاني، أن هذا الشعر الذي فيه الغناء للشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني، وأوله: طربَ الفؤادُ وعاوَدَتْ أحزَانُه ... وتفرّقَت بزمانه أشجانُه وبداله. . . . وأمر بعض الملوك ابن رشيق بركوب البحر، فخاطبه بهذا الشعر: أمرتنَيِ بركوبِ البحر في عَجَلٍ ... غيرِي - فديتُك - فاخْصُصْه بذا الرَّاءِ ما أنتَ نوحٌ فَتُنْجِينِي سفينَتُه ... ولا المسيحُ أنا أمشي على الماءٍ

стр. 66

ومنهم زين الزمان، وفخر المكان، العالم: أبو عبد الله الجذامي بن أبي سعيد بن شرف الجذامي من ولد جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كذا نسبه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي. ولابن شرف مصنفات عديدة، وأوضاع مفيدة، منها: أبكار الأفكار، في سفرين، اختراع كله في الحكم والأمثال؛ والنظم والنثر؛ وكتابه المسمى بأعلام الكلام، مخترع أيضاً. وكتابه المسمى بلمح الملح؛ إلى غير ذلك. حدثني بها جماعة لا أحصيهم كثرة، منهم: الوزير الفقيه المقري المحدث الشاعر اللغوي النحوي، المهندس الطبيب، واحد عصره، وفريد دهره، أبو بكر محم ابن الطفيل القيسي، عن ولده العالم الرباني روضة العلم الأنف أبي الفضل

стр. 67

جعفر بن محمد بن شرف، صاحب الأوضاع في جميع الأنواع؛ ومنها: كتاب الزمان. عارض به كتاب كليلة ودمنة؛ وكتابه عقيل وعليم؛ وكتابه في النحو، على طريق البرهان؛ وكتابه في العروض، كشف بع عن دقائق لم يسبق إليها العروضيون. ومن النوادر جدا جدول جعله صفحة واحدة، كأنه صفحة من الزيج، يتضمن استخراج ما سئل عنه من أبيات الأعاريض كلها، سهلة كانت أو صعبة ومنها: رسالته في اللعب باللعبة التي تسمى فريسيا أي ملكة اللعب، يلعب بها كما يلعب بالشطرنج، وهي من غرائب الدهر؛ إلى غير ذلك من علمه المشهور، عند الخاصة والجمهور. وبسندنا إلى أبي عبد الله محمد بن شرف قال: أكثر ما يكون توارد الخواطر ووقوع الاتفاق وما يقاربه، إذا طلب الشاعران أو الناثران معنى واحدا في قافية واحدة أو سجع واحد: أمرني السلطان المعز بن باديس وأمر الحسن بن رشيق في وقت واحد أن نعمل شعرا في الموز على قافية الغين، فصنعنا للوقت، ولم يقف أحدنا على صنعة الآخر، فقلت: يا حبَّذا الموزُ وإسعادُه ... من قبل أن يَمضُغَه الماضغُ لاَنَ إلى أن لا مَجَسّ له ... فالفمُ ملآنٌ به فارغُ سيّاِن قُلنا مأكلٌ طيّبٌ ... فيه وإلا مشربٌ سائغُ

стр. 68

وقال ابن رشيق: موزٌ سريع سوغُه ... من قبل مضغِ الماضغِ مأكَلٌه لآكل ... ومشربٌ لسائغِ فالفُم من لينِ به ... ملآنُ مثلُ فارغ قال ابن شرف: واستخلانا المعز يوما وقال لنا: أخب أن تصنعا لي شعرا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف، ربما كان في ساقي بعض النساء، فأني أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعى لهن أنه قديم، لأحتج به على من عابه، وأسربه من عيب عليه. فأنفرد كل منا. وأتممنا الشعرين في الوقت. فكان الذي صنعته أنا: وبِلقيسةٍ زِينَتْ بشعرٍ ... يَسِيرٍ مثلِ ما يهبُ الشحيحُ دقيقٍ في خَدَلَّجةٍ رَداحٍ ... خفيفٍ مثلِ جسمٍ فيه رُوح حكى زغبَ الخدُود وكلُّ خدّ ... به زغبٌ فمعشوقٌ مليح فإن يكُ صَرْحُ بلقيسٍ زُجاجا ... فمن حَدَق العيون لها صُروح

стр. 69

وصنع ابن رشيق: يعبُون بلْقِيسيّةً إذ رأوا لَها ... كما قد رأى مِن تلكَ من نَصب الصَّرْحَا وقد زادَها التَّزغيُبِ مِلْحا كمثل ما ... يزيد خدودَ المُرد تَزْغيبُها ملْحا فعاب السلطان على ابن رشيق قوله يعيبون بلقيسة وقال له: قد أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس قد غاب هذا. وهذا نقد ما كنت فطنت له. فهذه المقطعات التي أوردت حديثها، واستطردت باتفاقها، لو رآها من عسى أن يراها وهو لا يعلم ما جرى، لم يشك أن أحد قائليها سرق من الآخر، وكم من مظلوم برئ، نسب باتفاق خاطره وخاطر غيره إلى التلصص والإغارة، نحو ما ألفه ابن وكيع عن المتنبي في كتابه الذي سما المنصف، وهو فيه جور من قاضيي سدوم. فمن شعر ابن شرف ما أنشدنا غير واحد، عن ولده عنه، وشعره في خمس مجلدات: شتَّان في النُّطقَين ما بيننا ... وبينَنَا في المَنْظَرَين اشتِباهْ يا عجباً من حُرقات الهوى ... تَصعدُ نيرانا وتَجرِي مياه

стр. 70

وأنشدونا له في عدو قينة: سقي الله أرضاً أنبتَت عُودكِ الذي ... زكّتْ منه أعراقٌ وطابتْ مَغَارِسُ تغنّي عليه الطّيرُ والعودُ أخضرٌ ... وغنَّت عليه الغِيدُ والعودُ يابس وقال في مثله: يا عودُ من أية الأشجارِ أنت فَلا ... جفَا ثراها ولا أغصانَها الماءُ غنَّي القيانُ عليها وهي يابِسةٌ ... بعدَ الحَمامِ زماناً وهي خَضراء وقال في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس، مخاطب لصاحبه يستهزئ به: لكَ مجلسٌ كملتْ بشارَتُنا به ... للًّهو لكن تحتَ ذاك حديثُ غنَّي الذّباب وظلّ يزمُر حوله ... فيه البعوضُ ويرقصُ البرغُوث وأنشدونا أيضاً له: إن تُلْقِك الغُربةُ في معشرٍ ... تطابَقُوا فيك على بُغْضِهمْ فدارِهم ما دمتْ في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم

стр. 71

وله: صَنَمٌ من الكافور بات مُعانقي ... في حُلَّتين تَعَفُّفٍ وتكّرم فكَّرتُ ليلةَ وصله في صدَّه ... فجرتْ سوابقُ أدمعي كالعَنْدم فطفقتُ أمسحُ مقلتي في نَحرها ... إذ عادةُ الكافور إمساكُ الدَّم وهذا شعر وطب. وأنشدونا لابنه أبي الفضل: وعصرُكَ مثلُ زَمَانِ الرّبيع لا تهجرُ الشّمسُ فيه الحَمَلُ تسامَتْ عُلاك سُمو النجوم ... وسارت أياديك سَيَر المَثَل وقال من أبيات: ألَمي لفقد الدّمع بعد فراقهم ... ألمُ الجراحة بالدَّم المحصور

стр. 72

ومنهم: المرواني الطليق شاعر رائق الألفاظ، رقيق المعاني، يجاري ويباري في الخمريات الحسن بن هانئ. فمن خمريات التي يغني بها قوله من أبيات: رب كأسٍ قد كَست شخصَ الدُّجَى ... ثوبَ نُورٍ من سنَاها يَقَقَا ظَلْتُ أسقيها رشاً في طَرفه ... سِنةٌ تُورِثُ عينِي أرَقَا برَزَت في ناصع من كفّه ... كشُعاع الشمس وافَي الفَلقَا أصبحتْ شمساً وفُوه مغرِباً ... ويدُ السّاقي المحِّيي مَشْرِقا فإذا ما غَربت في فَمِه ... أطلَعت في الخدّ منه شَفَقا أنظر ما أغرب استعارته المغرب لفيه، وما أبدع قوله: أطلعت في الخد منه شفقا في التشبيه. وأما جمعه في الفم بين هاء الضمير والميم، فليصح في الوزن

стр. 73

المستقيم. قال النحويون: والفم، إذا أفرد كان بالميم، فأن أضفته ل تجمع بين الميم والإضافة. تقول: هذا فوك، ولا يحسن: فمك إلا في الشعر، قال الشاعر: كالحوتِ لا يُرويه شيء يَلْهَمُه ... يُصبح عطشان وفي الماء فمهُ اللهم: شدة الابتلاع - ولا يجوز تشديد هذه الميم بحال في الكلام، وقد جاء فليلا في الشعر، قال الراجز: وأسطمة النسب، وأطمسته، على القلب: وسطه ومجتمعه فأتى في هذا البيت الهاء مع الميم المشددة. وأنشدني سيدي أبي رضي اله عنه، قال: أنشدنا الفقيه الفاضل أبو القاسم عبد الرحمن بن الوزير أبي علي كاتب مؤنس، قال أنشدني أبي: تقوّس بعد طولِ العمر ظهري ... وداستني اللّيالي أي دَوْس فأمِشى والعصَا تمشي أمامي ... كأنَّ قَوِامها وتٌر لَقِوس

стр. 74

وأنشدني غير واحد من شيوخ الأفارقة، للأديب الماهر أبي الحسن علي بن حبيب يصف بحر سفاقس في مده وجزره، وقد دخلتها فرأيت معنى ما قال في شعره: سَقياً لأرض سَفَاقُسٍ ... ذات المَصانع والمُصَلَّى بلد يكاد يقول حين تزوره أهلا وسهلا وكأَّنه والبحرُ يَنْ ... ضبُ تارة عنه ويمُلا صبٌّ يريد زيارةً ... فإذا رأى الرّقباَء ولَّي وأنشدني شيخ الإتقان، وواحد أسانيد الفرقان، أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، سبط الأستاذ أبي محمد المعزول، قال: أنشدنا الأستاذ المقرئ أبو داود، قال: أنشدنا الأستاذ المقرئ اللغوي النحوي الشاعر أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري: يا ناثراً دُرَّ عيني بل عقيقَ دمي ... ما بال طرِفك دونِي صحّ بالسّقَمِ وما لتفّاحَتَيْ خدَّيك أيْنَعَتَا ... فأفطرتْ منهُمَا عيني وصامَ فمي

стр. 75

وقال في غلام اسمه هارون: يا غزالاً فَتن النّاسَ بعينيه فُتُونَا أنت هاروتُ ولكن ... صحَّفوا تاَءك نُونا وأنشدونا أيضاً للأديب أبي الفتح عبد العزيز بن جعفر العذري: نَظر الناسُ إلى حسن الّذي أهوى وحُزْنِي فرأوا يوسَفَ منه ... ورأوا يعقوبَ منّي وأنشدونا للشاعر المصيب أبي الحسن عبد الكريم بن فضال: ولمّا تدانوا للرّحيل وقُرّبت ... عِتاقُ المطايا والركاب تَّسيرُ وضعتُ علي قلبي يديَّ مُبادِرا ... فقلوا محبُّ للعناق يُشِير فقلت ومن لي بالعناقِ وإنما ... تداركتُ قَلبي حين كاد يَطير وقال أبو زيد بن العمة في الشطرنج: هلّم إلى تدبير جيشين جُمِّعا ... رِخاٌخ وأفياٌل وجُرُدٌ سوابحُ تكبّرن عن حمل السّلاح إلى الوغَى ... فأرْمَاحُها ألُبَابنا والقَوائحُ
следующие страницы →