← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا. وَإِذَا الْتَحَقَتْ حَالَةُ الْقَبْضِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فَكَذَا هَاهُنَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا عِنْدَهُمْ، إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ التَّسْلِيمُ لِلْإِسْلَامِ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَى ضَمَانِهَا وَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ كَاسْتِرْدَادِ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبَةِ، وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الْقَبْضُ يُوجِبُ مِلْكَ الْعَيْنِ فَيَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ مِلْكَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إنَّمَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا) لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ كَالْقَبْضِ فِيمَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا فِي إفَادَةِ مَا لَمْ يَكُنْ، وَالْقَبْضُ فِيمَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمَا يَمْنَعُ عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِمَا، فَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَا بِأَعْيَانِهِمَا كَالْعَقْدِ (وَإِذَا الْتَحَقَتْ حَالَةُ الْقَبْضِ بِحَالَةِ الْعَقْدِ فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا) وَوَجْهُ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ يَتِمُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ) وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ عَلَى مِلْكِهَا وَكُلُّ مَا تَمَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ لِلتَّمَلُّكِ (وَبِالْقَبْضِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ إلَى ضَمَانِهَا وَذَلِكَ) أَيْ الِانْتِقَالُ (لَا يَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ كَاسْتِرْدَادِ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبَةِ) وَأَمَّا فِي الصَّدَاقِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَالْعَقْدُ فِيهِ لَا يَتِمُّ بِهِ الْمِلْكُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْقَبْضُ يُوجِبُ مِلْكَ الْعَيْنِ فَتَمْتَنِعُ بِالْإِسْلَامِ عَنْ تَمَلُّكِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمِلْكَ فِي الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ إلَخْ: يَعْنِي بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الذِّمِّيُّ الْخَمْرَ أَوْ الْخِنْزِيرَ

стр. 1437

يُسْتَفَادُ بِالْقَبْضِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَا تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَكُونُ أَخْذُ قِيمَتِهِ كَأَخْذِ عَيْنِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَمْرُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِالْقِيمَةِ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فِي الْخِنْزِيرِ دُونَ الْخَمْرِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَمَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْجَبَ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ أَوْجَبَ نِصْفَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ اشْتَرَى ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَبْضُ بَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُسْتَفَادُ مِلْكُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ وَالْإِسْلَامُ مَانِعٌ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ طَلَّقَهَا إلَخْ) يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُعَيَّنِ لَهَا نِصْفُ الْعَيْنِ وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فِي الْخَمْرِ لَهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ وَفِي الْخِنْزِيرِ لَهَا الْمُتْعَةُ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَلْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَاجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فَالْوَاجِبُ الْمُتْعَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ نِصْفُ الْقِيمَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

стр. 1438

بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ (لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُمَا) وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ فَيَمْلِكُ النِّكَاحَ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» وَلِأَنَّ فِي تَنْفِيذِ نِكَاحِهِمَا تَعْيِيبَهُمَا إذْ النِّكَاحُ عَيْبٌ فِيهِمَا بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ شَرَعَ فِي بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الرَّقِيقُ، وَالرَّقِيقُ الْمَمْلُوكُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ (لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُمَا) أَمَّا الْأَمَةُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ مَنَافِعَ بُضْعِهَا مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِدُونِ إذْنِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ بِدُونِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَنْ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ يَمْلِكُ النِّكَاحَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ. وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ سَبَبَهُ الْمُوصِلَ إلَيْهِ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ " «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ») رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَلِأَنَّ فِي تَنْفِيذِ نِكَاحِهِمَا تَعْيِيبَهُمَا إذْ النِّكَاحُ عَيْبٌ فِيهِمَا) وَلِهَذَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَظَهَرَ مُزَوَّجًا جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَلَيْسَ لَهُمَا تَعْيِيبُ أَنْفُسِهِمَا رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَوْلَى

стр. 1439

فَلَا يَمْلِكَانِهِ بِدُونِ إذْنِ مَوْلَاهُمَا (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَوْجَبَتْ فَكَّ الْحَجْرِ فِي حَقِّ الْكَسْبِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ النِّكَاحِ عَلَى حُكْمِ الرِّقِّ. وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ تَزْوِيجَ عَبْدِهِ وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ، وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى وَتَمْلِكُ تَزْوِيجَ أَمَتِهَا لِمَا بَيَّنَّا (وَ) كَذَا (الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمَا قَائِمٌ. فَلَا يَمْلِكَانِهِ بِدُونِ إذْنِهِ) وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ جَوَابٌ لِمَالِكٍ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ الْعَيْبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ إزَالَةِ الْعَيْبِ جَوَازُ تَعْيِيبِهِمَا أَنْفُسَهُمَا. وَاسْتُشْكِلَ بِجَوَازِ إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّ وُجُوبَ قَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ وَوُجُوبَ الْقِصَاصِ عَيْبٌ فِيهِمَا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَبِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ أَيْضًا أَقْوَى الْعُيُوبِ فَكَيْفَ جَازَ ذَلِكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّقِيقَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ بَاقٍ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَالرِّقُّ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، فَإِنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيبٌ فَهُوَ ضِمْنِيٌّ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَمَوْضِعُهُ الْأُصُولُ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ

стр. 1440

(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَالْمَهْرُ دَيْنٌ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ) لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِصُدُورِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ دَفْعًا لِلْمَضَرَّةِ عَنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ كَمَا فِي دَيْنِ التِّجَارَةِ. (وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ يَسْعَيَانِ فِي الْمَهْرِ وَلَا يُبَاعَانِ فِيهِ) لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ فَيُؤَدَّى مِنْ كَسْبِهِمَا لَا مِنْ نَفْسِهِمَا. (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَقَالَ الْمَوْلَى طَلِّقْهَا أَوْ فَارْقِهَا فَلَيْسَ هَذَا بِإِجَازَةٍ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ لِأَنَّ رَدَّ هَذَا الْعَقْدِ وَمُتَارَكَتَهُ يُسَمَّى طَلَاقًا وَمُفَارَقَةً لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِسَابِ. وَقَوْلُهُ (فَالْمَهْرُ دَيْنٌ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ) لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ ضَعُفَتْ بِالرِّقِّ فَيُضَمُّ إلَيْهَا مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ) وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ يُبَاعُ فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمُصَادَرَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ. وَتَقْرِيرُهُ: هَذَا دَيْنٌ وَجَبَ فِي الرَّقَبَةِ، وَكُلُّ دَيْنٍ وَجَبَ فِي الرَّقَبَةِ تُبَاعُ الرَّقَبَةُ فِيهِ. إمَّا أَنَّهُ وَجَبَ فَلِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ أَهْلِهِ وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى لِصُدُورِ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ مُوجِبٌ فِي الرَّقَبَةِ فَلِدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ كَمَا فِي دَيْنِ التِّجَارَةِ فَتُبَاعُ الرَّقَبَةُ فِي الْمَهْرِ كَمَا تُبَاعُ فِيهِ. وَقَوْلُهُ (دَفْعًا لِلْمَضَرَّةِ عَنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ) يَعْنِي النِّسَاءَ. وَقَوْلُهُ (فَلَيْسَ هَذَا بِإِجَازَةٍ، لِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلَهُ طَلَّقَهَا أَوْ فَارَقَهَا (يَحْتَمِلُ الرَّدَّ لِأَنَّ رَدَّ هَذَا الْعَقْدِ وَمُتَارَكَتَهُ يُسَمَّى طَلَاقًا وَمُفَارَقَةً) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ: طَلَّقْتُك

стр. 1441

وَهُوَ أَلْيَقُ بِحَالِ الْعَبْدِ الْمُتَمَرِّدِ أَوْ هُوَ أَدْنَى فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى (وَإِنْ قَالَ: طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً تَمْلِكْ الرَّجْعَةَ فَهُوَ إجَازَةٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَتَتَعَيَّنُ الْإِجَازَةُ. كَانَ مُتَارَكَةً، وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ رَجَّحْنَا جِهَةَ الْمُتَارَكَةِ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْعَبْدِ الْمُتَمَرِّدِ. وَقَوْلُهُ (أَوْ هُوَ) أَيْ الرَّدُّ (أَدْنَى) لِأَنَّهُ دَفْعٌ، وَالطَّلَاقَ رَفْعٌ، وَالدَّفْعُ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ (فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى). فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ طَلَّقَهَا حَقِيقَةٌ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ الْمَعْرُوفِ وَمَجَازٌ فِي الْمُتَارَكَةِ وَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ مُمْكِنٌ فَكَيْفَ صِيرَ إلَى الْمَجَازِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَهَذَا كَذَلِكَ، وَهِيَ الِافْتِيَاتُ عَلَى رَأْيِ الْمَوْلَى (وَإِنْ قَالَ طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) رَجْعِيَّةً أَوْ تَطْلِيقَةً (تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَهَذَا إجَازَةٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَتَتَعَيَّنُ الْإِجَازَةُ) فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ كَفِّرْ يَمِينَك بِالْمَالِ أَوْ تَزَوَّجْ أَرْبَعًا مِنْ النِّسَاءِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، وَتَزَوُّجُ الْأَرْبَعِ مِنْ النِّسَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَا كَانَ أَصْلًا فِي إثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ لِلتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَثْبُتُ اقْتِضَاءً

стр. 1442

(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ تَزَوَّجْ هَذِهِ الْأَمَةَ فَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الْمَهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا عَتَقَ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِذْنَ بِالنِّكَاحِ يَنْتَظِمُ الْفَاسِدَ وَالْجَائِزَ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ هَذَا الْمَهْرُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى كَالْإِيمَانِ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالشَّرَائِعِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَفِي إثْبَاتِ الْإِعْتَاقِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي إثْبَاتِ الْأَهْلِيَّةِ لَهُ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ تَزَوَّجْ هَذِهِ الْأَمَةَ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَالْأَصْلُ الْمَذْكُورُ ظَاهِرَانِ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْإِشَارَةِ وَالْأَمَةِ اتِّفَاقِيٌّ. فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ وَفِي غَيْرِ الْإِمَاءِ كَذَلِكَ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الْمَهْرِ عِنْدَهُ وَلَا يُبَاعُ عِنْدَهُمَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا بِوَصْفِ الصِّحَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِانْتِهَاءِ الْإِذْنِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَيَصِحُّ عِنْدَهُمَا. وَوَجْهُهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي الْمَاضِي وَكَانَ تَزَوَّجَ

стр. 1443

وَعِنْدَهُمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجَائِزِ لَا غَيْرُ فَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ، لَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْإِعْفَافُ وَالتَّحْصِينُ وَذَلِكَ بِالْجَائِزِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ يَنْصَرِفُ إلَى الْجَائِزِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَقَاصِدِ حَاصِلٌ وَهُوَ مِلْكُ التَّصَرُّفَاتِ. وَلَهُ أَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. وَبَعْضُ الْمَقَاصِدِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَاصِلٌ كَالنَّسَبِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِ الْوَطْءِ، وَمَسْأَلَةُ الْيَمِينِ مَمْنُوعَةٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. (وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ مَدْيُونًا امْرَأَةً جَازَ، وَالْمَرْأَةُ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِي مَهْرِهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ سَبَبَ وِلَايَةِ الْمَوْلَى مِلْكُهُ الرَّقَبَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَالنِّكَاحُ لَا يُلَاقِي حَقَّ الْغُرَمَاءِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي الْبَيْعِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الْجَائِزَ وَالْفَاسِدَ. وَقَوْلُهُ (عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ) يُرِيدُ طَرِيقَةَ إجْرَاءِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَئِنْ كَانَ قَوْلُ الْكُلِّ فَالْعُذْرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَبْنَى الْإِيمَانِ عَلَى الْعُرْفِ (وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ مَدْيُونًا امْرَأَةً جَازَ، وَالْمَرْأَةُ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) إذَا كَانَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِمَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (وَوَجْهُهُ) وَتَقْرِيرُهُ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ وَهُوَ وِلَايَةُ الْمَوْلَى لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَالْمَانِعَ وَهُوَ مُلَاقَاةُ النِّكَاحِ حَقَّ الْغُرَمَاءِ مَقْصُودًا بِالْإِبْطَالِ مُنْتَفٍ. وَإِذَا تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي وَانْتَفَى

стр. 1444

بِالْإِبْطَالِ مَقْصُودًا، إلَّا أَنَّهُ إذَا صَحَّ النِّكَاحُ وَجَبَ الدَّيْنُ بِسَبَبٍ لَا مَرَدّ لَهُ فَشَابَهَ دَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ وَصَارَ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَيُمْهِرُ مِثْلَهَا أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ. (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَوِّئَهَا بَيْتَ الزَّوْجِ لَكِنَّهَا تَخْدُمُ الْمَوْلَى، وَيُقَالُ لِلزَّوْجِ مَتَى ظَفِرْت بِهَا وَطِئَتْهَا) لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الِاسْتِخْدَامِ بَاقٍ وَالتَّبْوِئَةُ إبْطَالٌ لَهُ (فَإِنْ بَوَّأَهَا الْمَانِعُ ثَبَتَ الْحُكْمُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا قَالَ مَقْصُودًا لِأَنَّ الْمَانِعِيَّةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ضِمْنِيًّا فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلِّيَّةَ النِّكَاحِ بِالْآدَمِيَّةِ، وَحَقَّ الْغُرَمَاءِ لَا يُلَاقِيهَا، لَكِنْ إذَا صَحَّ النِّكَاحُ بِوِلَايَةِ الْمَوْلَى تَحْصِينًا لِمِلْكِهِ وَجَبَ الدَّيْنُ بِسَبَبٍ لَا مَرَدَّ لَهُ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ النِّكَاحِ عَنْ ثُبُوتِ الْمَالِ فَكَانَ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ (وَصَارَ كَالْمَرِيضِ الْمَدْيُونِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَبِمَهْرِ مِثْلِهَا أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ) وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا تُسَاوِيهِمْ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى اسْتِيفَائِهِمْ حَقَّهُمْ كَدَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ الْمَرَضِ. قَالَ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ) بَوَّأْت لِلرَّجُلِ مَنْزِلًا وَبَوَّأْته مَنْزِلًا: أَيْ هَيَّأْته وَمَكَّنْت لَهُ فِيهِ. وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَوِّئَهَا) أَيْ يُهَيِّئَ لَهَا بَيْتًا لِلزَّوْجِ يَبِيتُ إلَيْهَا (لَكِنَّهَا تَخْدُمُ الْمَوْلَى وَيُقَالُ لِلزَّوْجِ مَتَى ظَفِرْتَ بِهَا وَطِئْتَهَا) وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى ثَابِتٌ فِي الرَّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ سِوَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَحَقَّ الزَّوْجِ إنَّمَا هُوَ فِيهَا، وَلَا يَلْزَمُ إبْطَالُ الْكَثِيرِ لِلْقَلِيلِ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ مِنْ

стр. 1445

مَعَهُ بَيْتًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى وَإِلَّا فَلَا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تُقَابِلُ الِاحْتِبَاسَ، وَلَوْ بَوَّأَهَا بَيْتًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ بَاقٍ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّبْوِئَةِ كَمَا لَا يَسْقُطُ بِالنِّكَاحِ. قَالَ (ذَكَرَ تَزْوِيجَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ رِضَاهُمَا) وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ لِلْمَوْلَى إجْبَارَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا إجْبَارَ فِي الْعَبْدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ خَصَائِصِ الْآدَمِيَّةِ وَالْعَبْدُ دَاخِلٌ تَحْتَ مِلْكِ الْمَوْلَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ غَيْرِ إبْطَالِ الْكَثِيرِ فَلَهُ أَنْ يُبَوِّئَهَا وَأَنْ لَا يُبَوِّئَهَا وَأَنْ يَسْتَخْدِمَهَا بَعْدَ التَّبْوِئَةِ، لَكِنَّهُ يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ النَّفَقَةَ تُقَابِلُ الِاحْتِبَاسَ). فَإِنْ قِيلَ: انْتِفَاءُ الِاحْتِبَاسِ إنَّمَا هُوَ لِبَقَاءِ حَقِّ الْمَوْلَى فِي الِاسْتِخْدَامِ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ كَالْحُرَّةِ إذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنْهُ لِاسْتِيفَاءِ الصَّدَاقِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرَّةَ إذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا لِذَلِكَ فَالتَّفْوِيتُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بِامْتِنَاعِ إيفَاءِ مَا الْتَزَمَهُ، وَهَاهُنَا لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ بَلْ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ الْمَوْلَى، فَكَانَتْ كَالْمَحْبُوسَةِ بِالدَّيْنِ لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنْ بَوَّأَهَا مَعَهُ بَيْتًا فَوَلَدَتْ مِنْ الزَّوْجِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهَا وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ. قَوْلُهُ (ذَكَرَ تَزْوِيجَ الْمَوْلَى) يَعْنِي ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَزْوِيجَ الْمَوْلَى (عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ رِضَاهُمَا وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ لِلْمَوْلَى إجْبَارَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ بَاشَرَ النِّكَاحَ بِدُونِ

стр. 1446

إنْكَاحَهُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مَنَافِعَ بُضْعِهَا فَيَمْلِكُ تَمْلِيكَهَا. وَلَنَا لِأَنَّ الْإِنْكَاحَ إصْلَاحُ مِلْكِهِ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِينَهُ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْهَلَاكِ أَوْ النُّقْصَانِ فَيَمْلِكُهُ اعْتِبَارًا بِالْأَمَةِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ لِأَنَّهُمَا الْتَحَقَا بِالْأَحْرَارِ تَصَرُّفًا فَيُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا. قَالَ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ قَتَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: رِضَاهُمَا نَفَذَ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِينَهُ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْهَلَاكِ أَوْ النُّقْصَانِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حُدَّ رُبَّمَا يَقَعُ الْحَدُّ مُهْلِكًا أَوْ جَارِحًا؛ فَفِي الْأَوَّلِ هَلَاكُ مَالِهِ، وَفِي الثَّانِي نُقْصَانُهُ، فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ حُدَّ فِي الزِّنَا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فَيَمْلِكَ الْإِنْكَاحَ جَبْرًا اعْتِبَارًا بِالْأَمَةِ، وَالْجَامِعُ قِيَامُ سَبَبِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَتَحْصِينُ مِلْكِهِ عَنْ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْهَلَاكِ أَوْ النُّقْصَانِ، وَلَيْسَ الْمَنَاطُ فِي جَوَازِ إنْكَاحِ الْأَمَةِ جَبْرًا تَمَلُّكَ مَنَافِعِ بُضْعِهَا لِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ مَعَ الْإِجْبَارِ وَلَا يَنْعَكِسُ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِ الْمَرْأَةِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَزْوِيجِهَا، وَالْوَلِيُّ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ وَلَا يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهِ فَاسِدًا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْإِجْبَارُ بِاعْتِبَارِ تَحْسِينِ الْمِلْكِ لَجَازَ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَلَمْ يَجُزْ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ) فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمَّا كَانَ فِيهِمَا نَاقِصًا بِوَاسِطَةِ تَمْلِيكِهِمَا الْيَدَ (الْتَحَقَا بِالْأَحْرَارِ تَصَرُّفًا فَيُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا) وَهَاهُنَا فَرْعٌ لَطِيفٌ. وَهُوَ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا زَوَّجَ مُكَاتَبَتَهُ الصَّغِيرَةَ تَوَقَّفَ النِّكَاحُ عَلَى إجَازَتِهَا لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْبَالِغَةِ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَى الْكِتَابَةِ ثُمَّ إنَّهَا لَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى أَدَّتْ بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَعَتَقَتْ بَقِيَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى لَا عَلَى إجَازَتِهَا لِأَنَّهَا بَعْدَ الْعِتْقِ لَمْ تَبْقَ مُكَاتَبَةً وَهِيَ صَغِيرَةٌ وَالصَّغِيرَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِجَازَةِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذِهِ مِنْ أَلْطَفِ الْمَسَائِلِ وَأَعْجَبِهَا، حَيْثُ اعْتَبَرَ إجَازَةَ الْمُكَاتَبَةِ فِي حَالِ رِقِّهَا، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِي حَالَةِ الْعِتْقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ) فَمَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَإِنْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا فَعَلَى الزَّوْجِ الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ،

стр. 1447

عَلَيْهِ الْمَهْرُ لِمَوْلَاهَا) اعْتِبَارًا بِمَوْتِهَا حَتْفَ أَنْفِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ: وَلَهُ أَنَّهُ مَنَعَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيُجَازَى بِمَنْعِ الْبَدَلِ كَمَا إذَا ارْتَدَّتْ الْحُرَّةُ، وَالْقَتْلُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا جُعِلَ إتْلَافًا حَتَّى وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ فَكَذَا فِي حَقِّ الْمَهْرِ. (وَإِنْ قَتَلَتْ حُرَّةٌ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا فَلَهَا الْمَهْرُ) خِلَافًا لِزُفَرَ، هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالرِّدَّةِ وَبِقَتْلِ الْمَوْلَى أَمَتَهُ وَالْجَامِعُ وَإِنْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَهَا مَوْلَاهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ لِلْمَوْلَى، قَالَا: الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (وَلَهُ أَنَّ الْمَوْلَى مَنَعَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيُجَازَى بِمَنْعِ الْبَدَلِ كَمَا إذَا ارْتَدَّتْ الْحُرَّةُ) تُجَازَى بِمَنْعِ الْبَدَلِ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيمِهَا الْمُبْدَلَ، وَفِي قَوْلِهِ يُجَازَى إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ الصَّغِيرَةُ إذَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّ زَوْجِهَا أَوْ الْمَجْنُونَةُ إذَا قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ مُنِعَتَا الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ حَيْثُ بَانَتَا مِنْهُ وَلَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ أَهْلِ الْمُجَازَاةِ. وَنُوقِضَ بِالصَّغِيرَةِ الْعَاقِلَةِ إذَا ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ تُجَازَى بِسُقُوطِ الْمَهْرِ فَلَمْ يُنَافِ الصِّغَرُ الْمُجَازَاةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَ مُجَازَاةِ الصَّغِيرَةِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَفْعَالٍ غَيْرِ مَحْظُورَةٍ، وَالرِّدَّةُ مَحْظُورَةٌ إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُحْرَمُ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِهَا وَتُسْتَتَابُ بِالْحَبْسِ. وَقَوْلُهُ (وَالْقَتْلُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَقْتُولٌ بِأَجَلِهِ. (فَإِنْ قَتَلَتْ حُرَّةٌ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ خِلَافًا لِزُفَرَ. هُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالرِّدَّةِ وَقَتْلُ الْوَلِيِّ أَمَتَهُ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْجَامِعِ) أَنَّهُ مَنَعَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ

стр. 1448

مَا بَيَّنَّاهُ. وَلَنَا أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَشَابَهَ مَوْتَهَا حَتْفَ أَنْفِهَا، بِخِلَافِ قَتْلِ الْمَوْلَى أَمَتَهُ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ. . قَالَ (وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ إلَى الْمَوْلَى) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْعَزْلِ إلَيْهَا لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهَا حَتَّى تَثْبُتَ لَهَا وِلَايَةُ وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ) يَعْنِي إذَا قَتَلَهَا خَطَأً، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَوْلَى إنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ. قَالَ (وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ إلَى الْمَوْلَى) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ. وَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْهُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاقَ نَسَمَةٍ فَلَوْ أَلْقَيْتَهَا فِي صَخْرَةٍ تُخْلَقُ فِيهَا. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: عَزْلٌ عَنْ أَمَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَلَا إذْنَ فِيهِ إلَى أَحَدٍ. وَعَزْلٌ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ وَالْإِذْنُ فِيهِ إلَيْهَا وَهَذَانِ بِالِاتِّفَاقِ. وَعَزْلٌ عَنْ الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ.

стр. 1449

الْمُطَالَبَةِ، وَفِي الْعَزْلِ تَنْقِيصُ حَقِّهَا فَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا كَمَا فِي الْحُرَّةِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَزْلَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْوَلَدِ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْحُرَّةَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1450

(وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا) لِقَوْلِهِ ﵊ لِبَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ «مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي» فَالتَّعْلِيلُ بِمِلْكِ الْبُضْعِ صَدَرَ مُطْلَقًا فَيَنْتَظِمُ الْفَصْلَيْنِ، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيمَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِ، وَفِي تَعَيُّنِ الْإِذْنِ اخْتِلَافٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا) أَوْ زَوَّجَهَا مَوْلَاهَا (ثُمَّ أُعْتِقَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ)، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ مَمْلُوكَيْنِ لَهَا مُتَنَاكِحَيْنِ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا بِالْبُدَاءَةِ بِالْغُلَامِ» قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَثْبُتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ فِيمَا إذَا كَانَ عَبْدًا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحُرِّ. وَلَنَا «أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ بَرِيرَةَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَلَكْتِ بُضْعَك فَاخْتَارِي» فَالتَّعْلِيلُ بِمِلْكِ الْبُضْعِ صَدَرَ مُطْلَقًا فَيَنْتَظِمُ الْفَصْلَيْنِ) الْحُرَّ وَالْعَبْدَ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَالتَّعْلِيلُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ سَهَا فَسَجَدَ فَالشَّافِعِيُّ مَحْجُوجٌ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا» وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إلَى عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ»، " فَأَنَّى يَكُونُ الشَّافِعِيُّ بِهِ مَحْجُوجًا؟ قُلْت: رَوَى

стр. 1451

وَلِأَنَّهُ يَزْدَادُ الْمِلْكُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْعِتْقِ فَيَمْلِكُ الزَّوْجُ بَعْدَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ فَتَمْلِكُ رَفْعَ أَصْلِ الْعَقْدِ دَفْعًا لِلزِّيَادَةِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ: «أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ» " وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ تَرَكْنَاهُمَا وَصِرْنَا إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَانَ مَحْجُوجًا بِهِ، وَقَدْ سَلَكْنَا مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ فِي التَّقْرِيرِ بِأَنَّ الْمُثْبِتَ أَوْلَى مِنْ النَّافِي فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ يَزْدَادُ الْمِلْكُ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَرُدَّ بِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ مُعْتَبَرَةٌ بِالرِّجَالِ فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا الْمِلْكُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُعْتَبَرَةً بِالنِّسَاءِ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ إذَا أُعْتِقَتْ وَإِنْ كَانَ حُرًّا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَمْرَهُ ﵊ بِالْبُدَاءَةِ بِالْغُلَامِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ لِإِظْهَارِ فَضِيلَةِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ أَعْتَقَتْهُمَا مَعًا لَثَبَتَ الْخِيَارُ أَيْضًا عِنْدَهُ، وَلَيْسَ ثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الْعَبْدِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَإِنَّ الْكَفَاءَةَ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الْبَقَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ إنْ أَعْسَرَ حَتَّى خَرَجَ عَنْ كَفَاءَتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِزِيَادَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ

стр. 1452

(وَكَذَلِكَ) (الْمُكَاتَبَةُ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ عَتَقَتْ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ نَفَذَ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا وَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا. وَلَنَا أَنَّ الْعِلَّةَ ازْدِيَادُ الْمَلِكِ وَقَدْ وَجَدْنَاهَا فِي الْمُكَاتَبَةِ لِأَنَّ عِدَّتَهَا قُرْءَانِ وَطَلَاقَهَا ثِنْتَانِ. (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ صَحَّ النِّكَاحُ) لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ وَامْتِنَاعُ النُّفُوذِ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ (وَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ النُّفُوذَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَا تَتَحَقَّقُ زِيَادَةُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، (وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبَةُ: يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ) كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا لِزِيَادَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا (وَقَالَ زُفَرُ: لَا خِيَارَ لَهَا)؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِي الْأَمَةِ لِنُفُوذِ الْعَقْدِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَسَلَامَةِ الْمَهْرِ لِمَوْلَاهَا وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْمَهْرَ لَهَا، وَالنِّكَاحُ مَا نَفَذَ إلَّا بِرِضَاهَا، وَدَلِيلُنَا فِيهِ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ، (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ صَحَّ النِّكَاحُ وَلَا خِيَارَ لَهَا)، أَمَّا صِحَّةُ النِّكَاحِ فَلِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِصُدُورِ

стр. 1453

الْمِلْكِ، كَمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ. (فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةٌ فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فَالْمَهْرُ لِلْمَوْلَى) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالْمَهْرُ لَهَا) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ مَمْلُوكَةً لَهَا. وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ الْأَلْفُ الْمُسَمَّى لِأَنَّ نَفَاذَ الْعَقْدِ بِالْعِتْقِ اسْتَنَدَ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْعَقْدِ فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَوَجَبَ الْمُسَمَّى، الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ النُّفُوذِ كَانَ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ. وَأَمَّا عَدَمُ الْخِيَارِ فَلِأَنَّ النُّفُوذَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَا تَتَحَقَّقُ زِيَادَةُ الْمِلْكِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْحُكْمُ فِي الْعَبْدِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْأَمَةَ بِالذِّكْرِ لِيَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْمَهْرِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَتَّى فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُهُ بِالْأَمَةِ لِتَفْرِيعِ مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْإِمَاءِ دُونَ الْعَبِيدِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ) ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْمُسَمَّى أَلْفٌ وَمَهْرَ الْمِثْلِ مِائَةٌ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَهُوَ لِلْمَوْلَى إذَا كَانَ الدُّخُولُ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَا يُوَازِي مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَوْلَى وَمَا زَادَ لِلْمَرْأَةِ،؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ قِيمَةُ الْبُضْعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ دُونَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ، وَالْبُضْعُ مِلْكُ الْمَوْلَى فَكَانَ قِيمَتُهُ لَهُ لَا الزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ مِلْكِهِ، وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ الْأَلْفُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ نَفَاذَ الْعَقْدِ بِالْعِتْقِ اسْتَنَدَ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْعَقْدِ فَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ وَوَجَبَ الْمُسَمَّى) لِلْمَوْلَى إنْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْأَمَةِ إنْ أَعْتَقَهَا قَبْلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَنِدُ الْجَوَازُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ وَالْمَانِعُ عَنْ الِاسْتِنَادِ قَائِمٌ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ الْمِلْكُ وَالْمِلْكُ قَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ مُقْتَصِرًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ إذَا حَرُمَتْ حُرْمَةً غَلِيظَةً عَلَى زَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَدَخَلَ بِهَا فَأَعْتَقَهَا الْمَوْلَى لَا تَحِلُّ عَلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ هَذَا الدُّخُولِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ

стр. 1454

وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ آخَرُ الْعِتْقِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْته قِيَاسٌ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ هُوَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَهْرَانِ: مَهْرٌ بِالدُّخُولِ قَبْلَ نَفَاذِ النِّكَاحِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَمَهْرٌ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الْمُسَمَّى لِمَا ذَكَرْت مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ عَنْ الِاسْتِنَادِ، إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فَقَالُوا: يَلْزَمُهُ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَقْتَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ مَهْرٌ بِالدُّخُولِ لَوَجَبَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، إذْ لَوْلَاهُ لَوَجَبَ الْحَدُّ فَكَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا بِالدُّخُولِ مُضَافًا إلَى الْعَقْدِ. فَإِيجَابُ مَهْرٍ آخَرَ بِالْعَقْدِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَهْرَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَا يُجْدِي؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الِاسْتِنَادِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ لَمْ يَزُلْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ الْمَانِعُ مِنْ الْجَوَازِ فِي الِاسْتِحْسَانِ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحَاجَةُ إلَى الصِّيَانَةِ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَوْلَى، فَمَتَى أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى فَقَدْ خَلَا هَذَا النِّكَاحُ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْمَوْلَى مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ، ثَبَتَ الْجَوَازُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ: وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ آخَرُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مَوْقُوفٍ إلَخْ. وَأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ زَوَالِ الْحُرْمَةِ الْغَلِيظَةِ بِأَنَّ امْتِنَاعَ حِلِّهَا عَلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي الْقَائِمِ لَا فِي الْمُتَلَاشِي، وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مُتَلَاشٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالِاسْتِنَادِ يُنْتَقَضُ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالْمَهْرُ لَهَا، وَلَوْ اسْتَنَدَ الْجَوَازُ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ لِلْمَوْلَى، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ حَتَّى أَعْتَقَهَا. أُجِيبَ بِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِنَادِ يَظْهَرُ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ مُسْتَحِقُّهُ لَا فِيمَا يَخْتَلِفُ، وَهَاهُنَا يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ زَمَانَ الثُّبُوتِ هُوَ الْأَمَةُ وَزَمَانَ الْعَقْدِ هُوَ الْمَوْلَى، فَلَمَّا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ زَمَانَ الثُّبُوتِ هُوَ الْأَمَةُ امْتَنَعَ اسْتِنَادُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ إلَى زَمَانِ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَنَدَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ إلَى زَمَانِ الْعَقْدِ يَبْطُلُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ زَمَانَ الثُّبُوتِ فَيَبْطُلُ الِاسْتِنَادُ مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ.

стр. 1455

بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مَوْقُوفٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ اتَّحَدَ بِاسْتِنَادِ النَّفَاذِ فَلَا يُوجِبُ إلَّا مَهْرًا وَاحِدًا. (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْأَبُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ تَمَلُّكِ مَالِ ابْنِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْبَقَاءِ فَلَهُ تَمَلُّكُ جَارِيَتِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى صِيَانَةِ الْمَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ نَسْلِهِ دُونَهَا إلَى إبْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلِهَذَا يَتَمَلَّكُ الْجَارِيَةَ بِالْقِيمَةِ وَالطَّعَامَ بِغَيْرِ قِيمَةٍ، ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ يَثْبُتُ قُبَيْلَ الِاسْتِيلَاءِ شَرْطًا لَهُ إذْ الْمُصَحَّحُ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ أَوْ حَقُّهُ، قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ) وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ (فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا دُونَ الْمَهْرِ)، إنَّمَا قَالَ: (وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْأَبُ)؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ الدَّعْوَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (وَوَجْهُهُ أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ تَمَلُّكِ مَالِ ابْنِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْبَقَاءِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ تَمَلُّكِ مَالِ ابْنِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْبَقَاءِ (فَلَهُ وِلَايَةُ تَمَلُّكِ جَارِيَتِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى صِيَانَةِ الْمَاءِ). فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ صِيَانَةُ الْمَاءِ كَبَقَاءِ النَّفْسِ لَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ كَمَا فِي الطَّعَامِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ نَسْلِهِ دُونَهَا إلَى إبْقَاءِ نَفْسِهِ) وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى إعْطَاءِ الْجَارِيَةِ وَالِدَهُ لِلِاسْتِيلَادِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، (فَلِهَذَا يَتَمَلَّكُ الْجَارِيَةَ بِالْقِيمَةِ، وَالطَّعَامَ بِغَيْرِ الْقِيمَةِ). فَإِنْ عُورِضَ بِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ كَمَا فِي الْمَمْلُوكَةِ أَوْ حَقَّ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبَةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ يَثْبُتُ قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ شَرْطًا لَهُ، إذْ الْمُصَحَّحُ) يَعْنِي الِاسْتِيلَادَ إمَّا (حَقِيقَةُ الْمِلْكِ أَوْ حَقُّهُ)

стр. 1456

وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِلْأَبِ فِيهَا حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ يُلَاقِي مِلْكَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الْمَهْرُ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ كَمَا فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَحُكْمُ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ. . قَالَ (وَلَوْ كَانَ الِابْنُ زَوَّجَهَا إيَّاهُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَلَدُهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ صَحَّ التَّزَوُّجُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِخُلُوِّهَا عَنْ مِلْكِ الْأَبِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الِابْنَ مَلَكَهَا مِنْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِلْأَبِ فِيهَا حَتَّى يَجُوزَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ)؛ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا عَلَّقَ الْوَلَدَ احْتَاجَ الْأَبُ إلَى صِيَانَتِهِ عَنْ الضَّيَاعِ وَذَلِكَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلَا ثُبُوتَ لَهُ بِدُونِ ذَلِكَ فَقَدَّمَ اقْتِضَاءَ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَإِذَا قُدِّمَ كَانَ الْوَطْءُ وَاقِعًا فِي مِلْكِهِ (فَلَا يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْإِحْصَانُ بِهَذَا الْوَطْءِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِلْكِ لَمَا سَقَطَ وَحُدَّ قَاذِفُهُ، وَقَاسَاهُ بِالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوْلَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُقْرُ، (وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ) يَعْنِي فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ شَرْطًا لَهُ، وَعِنْدَهُ بَعْدَهُ حُكْمًا لَهُ. وَاَلَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّا قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ اسْتِيلَادَ الْأَبِ جَارِيَةَ وَلَدِهِ صَحِيحٌ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ وُقُوعُ الْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ، حَتَّى لَوْ خَلَا عَنْهُ أَصْلًا لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي جَارِيَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ صِيَانَةً لِفِعْلِهِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَصِيَانَةً لِلْوَلَدِ عَنْ الرِّقِّ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ إذَا وَلَدَتْ فَادِّعَاءُ الْأَبِ يُثْبِتُ النَّسَبَ، وَيَجِبُ الْعُقْرُ مَعَ قِيَامِ نَوْعِ مِلْكٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ، وَبِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَجَبَ الْعُقْرُ، وَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهُ لَمَا وَجَبَ، وَبِأَنَّهُ إذَا قَذَفَهُ إنْسَانٌ لَا يُحَدُّ، وَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهُ لَحُدَّ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأُولَى بِأَنَّا نُقَدِّمُ الْمِلْكَ احْتِرَازًا عَنْ وُقُوعِ الِاسْتِيلَادِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ حُكْمًا، وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ نَوْعٌ مِنْ الْمِلْكِ الْقَائِمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِهِ. وَعَنْ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ بِصِفَةِ التَّقَدُّمِ كَانَ لِصِيَانَةِ فِعْلِهِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَصِيَانَةِ الْوَلَدِ عَنْ الرِّقِّ، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ هُنَا. وَعَنْ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ تَقَدُّمَ الْمِلْكِ اجْتِهَادِيٌّ فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ يَنْدَرِئُ بِهَا الْحَدُّ (وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ زَوَّجَ جَارِيَتَهُ إيَّاهُ) أَيْ أَبَاهُ (فَوَلَدَتْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ التَّزْوِيجُ عِنْدَنَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ

стр. 1457

كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَمْلِكَهَا الْأَبُ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا يَمْلِكُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ مِلْكُ الْأَبِ لَوْ كَانَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، فَإِذَا جَازَ النِّكَاحُ صَارَ مَاؤُهُ مَصُونًا بِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْيَمِينِ فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، لِأَنَّ لِلْأَبِ حَقَّ الْمِلْكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ، حَتَّى لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ عَالِمًا بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَدُّ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي جَارِيَةٍ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهُ إيَّاهَا كَالْمَوْلَى إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً مِنْ كَسْبِ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمِلْكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ أَظْهَرُ، أَلَا يَرَى أَنَّ اسْتِيلَادَهُ جَارِيَةَ الِابْنِ صَحِيحٌ، وَاسْتِيلَادَ الْمَوْلَى أَمَةَ مُكَاتَبِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَنَا أَنَّ أَمَةَ الِابْنِ خَالِيَةٌ عَنْ مِلْكِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ مَلَكَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلَالَةِ حِلِّ الْوَطْءِ وَنَفَاذِ الْعِتْقِ وَصِحَّةِ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ (فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَمْلِكَهَا الْأَبُ بِوَجْهٍ) مِنْ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ الِابْنُ مَلَكَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَذَلِكَ خَلَفٌ بَاطِلٌ، (وَكَذَا يَمْلِكُ) الِابْنُ (مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ مِلْكُ الْأَبِ لَوْ كَانَ فَدَلَّ انْتِفَاءُ مِلْكِهِ) وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ عَالِمًا بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ، وَإِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنْ مِلْكِهِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِذَا صَحَّ النِّكَاحُ صَارَ مَاؤُهُ مَصُونًا بِهِ (فَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْيَمِينِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) وَقَالَ زُفَرُ: تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِفُجُورٍ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَإِذَا اسْتَوْلَدَهَا بِالنِّكَاحِ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْلَى أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَاءَهُ صَارَ مَصُونًا بِالنِّكَاحِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مِلْكِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ إتْيَانَهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا

стр. 1458

وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا فِي وَلَدِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُمَا، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِالْتِزَامِهِ بِالنِّكَاحِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ أَخُوهُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ. . قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ تَحْتَ عَبْدٍ فَقَالَتْ لِمَوْلَاهُ أَعْتِقْهُ عَنِّي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ فَسَدَ النِّكَاحُ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَفْسُدُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْآمِرِ عِنْدَنَا حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا، وَعِنْدَهُ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يُعْتِقَ الْمَأْمُورُ عَبْدَهُ عَنْهُ، وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ فَلَمْ يَصِحَّ الطَّلَبُ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَأْمُورِ. وَلَنَا أَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِتَقْدِيمِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذْ الْمِلْكُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعِتْقِ عَنْهُ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ أَعْتِقْ طَلَبُ التَّمْلِيكِ مِنْهُ بِالْأَلْفِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِ الْآمِرِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ أَعْتَقْت تَمْلِيكٌ مِنْهُ ثُمَّ الْإِعْتَاقُ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِيهَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ تَحْتَ عَبْدٍ) وَاضِحٌ إلَّا أَلْفَاظًا نُنَبِّهُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (لِصِحَّةِ الْعِتْقِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْآمِرِ. وَقَوْلُهُ: (أَعْتِقْ طَلَبَ التَّمْلِيكِ مِنْهُ) تَقْدِيرُهُ أَعْتِقْ عَبْدَك الَّذِي هُوَ لَك فِي الْحَالِ عِنْدَ بَيْعِك لِي إيَّاهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عَنِّي، فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِعْتَاقِ عَبْدِ الْآمِرِ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: أَعْتَقْت يَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: بِعْته مِنْك وَأَعْتَقْته عَنْك. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَرَّحَ بِالْبَيْعِ لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ إلَّا عَنْ الْمَأْمُورِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَكُونُ الْمُقْتَضِي أَقْوَى مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ صَرِيحًا، كَبَيْعِ الْأَجِنَّةِ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ

стр. 1459

عَنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْآمِرِ فَسَدَ النِّكَاحُ لِلتَّنَافِي بَيْن الْمِلْكَيْنِ. (وَلَوْ قَالَتْ أَعْتِقْهُ عَنِّي وَلَمْ تُسَمِّ مَالًا لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّمْلِيكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْقَبْضِ كَمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَأَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْهِبَةَ مِنْ شَرْطِهَا الْقَبْضُ بِالنَّصِّ فَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُهُ وَلَا إثْبَاتُهُ اقْتِضَاءً لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَمْرِ فَسَدَ النِّكَاحُ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا يَتَزَوَّجُ الْمَوْلَى أَمَتَهُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَبْدَهَا. فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَ أَنْ لَا يَبْطُلَ النِّكَاحُ هَاهُنَا وَإِنْ ثَبَتَ مِلْكُ الْيَمِينِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَالثَّابِتُ بِهِ ضَرُورِيٌّ يُثْبِتُ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْعِتْقِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى فَسَادِ النِّكَاحِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْمِلْكَ هَاهُنَا كَمَا ثَبَتَ يَزُولُ حُكْمًا لِلْإِعْتَاقِ. وَمِثْلُهُ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى مَنْكُوحَتَهُ لِمُوَكِّلِهِ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَمَا ثَبَتَ زَالَ. أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا ثَبَتَ ثَبَتَ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ وَفَسَادُ النِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ الْمِلْكِ اللَّازِمِ لِلْعِتْقِ، وَلَازِمُ اللَّازِمِ لَازِمٌ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَأَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ، لَكِنْ إنَّمَا لَا يَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ عِنْدَ الثُّبُوتِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ (يُقَدِّمُ التَّمْلِيكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ) أَيْ لِتَصَرُّفِ الْآمِرِ لِمَا أَنَّ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْعَاقِلِ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا بِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ، وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِ الْقَبُولِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ فَلَأَنْ يُمْكِنَ بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ أَوْلَى، فَصَارَ (كَمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ فَأَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ) فَفَعَلَ سَقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا إذْ كَانَ الطَّلَبُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْهِبَةَ مِنْ شَرْطِهَا الْقَبْضُ بِالنَّصِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً»، " (فَلَا يُمْكِنُ إسْقَاطُهُ وَلَا إثْبَاتُهُ اقْتِضَاءً)، وَقَوْلُهُ: إسْقَاطُهُ وَلَا إثْبَاتُهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ يَسْقُطَ الْقَبْضُ كَمَا يَسْقُطُ الْقَبُولُ. وَالثَّانِي أَنْ يُجْعَلَ الْقَبْضُ مَوْجُودًا تَقْدِيرًا. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ) يَعْنِي أَنَّهُ

стр. 1460

شَرْعِيٌّ، وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْفَقِيرُ يَنُوبُ عَنْ الْآمِرِ فِي الْقَبْضِ، أَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَقَعُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِيَنُوبَ عَنْهُ. لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْقَوْلِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ: أَعْتَقْت هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِسْقَاطِ فَيُقَالُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ، وَالْفِعْلُ الْحِسِّيُّ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ سُقُوطِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ فَيَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ فِي ضِمْنِهِ. قَوْلُهُ: (وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالْإِطْعَامِ (الْفَقِيرُ يَنُوبُ عَنْ الْآمِرِ فِي الْقَبْضِ) كَالْفَقِيرِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ يَنُوبُ قَبْضُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، (أَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَقَعُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إتْلَافٌ لِلْمِلْكِ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُطْلَبُ فِي التَّقْرِيرِ. (بَابُ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ): لَمَّا ذَكَرَ بَابَ نِكَاحِ الرَّقِيقِ لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا مَنْ هُوَ أَدْوَنُ مَنْزِلَةً وَأَخَسُّ مِنْهُمْ رُتْبَةً وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ

стр. 1461

بَابُ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْكَافِرُ بِلَا شُهُودٍ أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ جَائِزٌ ثُمَّ أَسْلَمَا أُقِرَّا عَلَيْهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ زُفَرٌ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ فِي الْوَجْهَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةِ إلَى الْحُكَّامِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي كَمَا قَالَ زُفَرٌ. لَهُ إنَّ الْخِطَابَاتِ عَامَّةٌ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فَتَلْزَمُهُمْ، وَإِنَّمَا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ لِذِمَّتِهِمْ إعْرَاضًا لَا تَقْرِيرًا، فَإِذَا تَرَافَعُوا أَوْ أَسْلَمُوا وَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ وَجَبَ التَّفْرِيقُ. وَلَهُمَا أَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا فَكَانُوا مُلْتَزِمِينَ لَهَا، وَحُرْمَةُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَنَا بِجَمِيعِ الِاخْتِلَافَاتِ. فَإِذَا تَزَوَّجَ الْكَافِرُ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ وَذَلِكَ فِي دِينِهِمْ جَائِزٌ ثُمَّ أَسْلَمَا أُقِرَّا عَلَيْهِ) قُيِّدَ بِعِدَّةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا بِالْإِجْمَاعِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمُشْرِكَةِ حَتَّى تَكُونَ فِي عِدَّتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَوَّرَ بِأَنْ أَشْرَكَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَهِيَ فِي عِدَّةِ الْمُسْلِمِ (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ زُفَرُ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةُ إلَى الْحُكَّامِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِ شُهُودٍ (كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي) وَهُوَ التَّزَوُّجُ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ آخَرَ (كَمَا قَالَ زُفَرُ) قَالَ زُفَرُ (الْخِطَابَاتُ) كَقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَنَحْوِهِ (عَامَّةٌ كَمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فَتَلْزَمُهُمْ. وَإِنَّمَا لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ لِذِمَّتِهِمْ إعْرَاضًا) كَمَا تَرَكْنَاهُمْ وَعِبَادَةَ الصَّنَمِ إعْرَاضًا (لَا تَقْرِيرًا، فَإِذَا تَرَافَعُوا أَوْ أَسْلَمُوا وَالْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ وَجَبَ التَّفْرِيقُ) عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (وَلَهُمَا أَنَّ حُرْمَةَ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، فَكَانُوا مُلْتَزِمِينَ لَهَا وَحُرْمَةُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا) فَإِنَّ مَالِكًا وَابْنَ أَبِي لَيْلَى يُجَوِّزَانِهِ (وَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَنَا بِجَمِيعِ الِاخْتِلَافَاتِ)، وَلَكِنَّا

стр. 1462

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَقًّا لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِحُقُوقِهِ، وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْعِدَّةِ حَقًّا لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ، وَإِذَا صَحَّ النِّكَاحُ فَحَالَةُ الْمُرَافَعَةِ وَالْإِسْلَامِ حَالَةُ الْبَقَاءِ وَالشَّهَادَةِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا، وَكَذَا الْعِدَّةُ لَا تُنَافِيهَا كَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإِذَا تَرَافَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ أَسْلَمَ وَالْعِدَّةُ غَيْرُ مُنْقَضِيَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِسْلَامُ وَالْمُرَافَعَةُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُرْمَةَ النِّكَاحِ إنَّمَا هِيَ لِلْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ نِكَاحَ الْمَنْكُوحَةِ مِنْ وَجْهٍ. وَثُبُوتُ الْعِدَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّرْعِ أَوْ لِلزَّوْجِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ (لِأَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِحُقُوقِهِ) وَلِهَذَا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَلَا إلَى الثَّانِي؛ (لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهُ)؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَضْعَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْضِ وَكَأَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ ابْتِدَاءً صَحِيحًا لِلْوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ صُدُورُ الرُّكْنِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ) فَإِنَّ الْمَانِعَ مُتَحَقِّقٌ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْحُرْمَةِ، وَإِذَا صَحَّ ابْتِدَاءً لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَالَةُ الْبَقَاءِ (وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا) وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ الشُّهُودُ لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ. (وَكَذَا الْعِدَّةُ لَا تُنَافِي حَالَةَ الْبَقَاءِ كَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ) يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ صِيَانَةً لِحَقِّ الْوَاطِئِ وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ الْقَائِمُ،

стр. 1463

فَإِذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُمَّهُ أَوْ ابْنَتَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ لَهُ حُكْمُ الْبُطْلَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعِدَّةِ وَوَجَبَ التَّعَرُّضُ بِالْإِسْلَامِ فَيُفَرَّقُ. وَعِنْدَهُ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ وَهَذَا كَمَا تَرَى يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَجِبُ عَنْ الْكَافِرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَمْنَعُ النِّكَاحَ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ كَالِاسْتِبْرَاءِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا فِي الِابْتِدَاءِ وَحَالَةُ الْإِسْلَامِ وَالْمُرَافَعَةِ حَالَةُ بَقَاءٍ وَهِيَ لَا تَسْتَلْزِمُ الشُّرُوطَ وَلَا تُنَافِي الْعِدَّةَ عَلَى مَا قُلْنَا. فَإِنْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ إحْدَى مَحَارِمِهِ أَوْ خَامِسَةً ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ تَرَافَعَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا دَامَا عَلَى الْكُفْرِ وَلَمْ يَتَرَافَعَا لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمَا وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ عِنْدَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِنِكَاحِ الْمَحَارِمِ حُكْمَ الْبُطْلَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِكَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُعْتَدَّةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ وَجَبَ التَّعَرُّضُ بِهِ وَالتَّفْرِيقُ،

стр. 1464

فِي الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تُنَافِي بَقَاءَ النِّكَاحِ فَيُفَرَّقُ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِيهِ، ثُمَّ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا يُفَرَّقُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ أَحَدِهِمَا لَا يَبْطُلُ بِمُرَافَعَةِ صَاحِبِهِ إذْ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ اعْتِقَادُهُ، وَأَمَّا اعْتِقَادُ الْمُصِرِّ لَا يُعَارِضُ إسْلَامَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَلَوْ تَرَافَعَا يُفَرَّقُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ بِالْمُرَافَعَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُرْمَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلشَّرْعِ أَوْ لِلزَّوْجِ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ: إنَّ لَهُ حُكْمَ الْفَسَادِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ لَمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَقَاءِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ) جَوَابٌ عَنْ هَذَا التَّشْكِيكِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ (تُنَافِي بَقَاءَ النِّكَاحِ) كَمَا لَوْ اعْتَرَضْت عَلَى نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (فَيُفَرَّقُ) بَيْنَهُمَا (بِخِلَافِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَافِيهِ) كَمَا مَرَّ (ثُمَّ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) بِالِاتِّفَاقِ، (وَ) كَذَلِكَ (بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا) وَطُلِبَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ إسْلَامَ أَحَدِهِمَا كَإِسْلَامِهِمَا فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ فَكَذَلِكَ رَفْعُ أَحَدِهِمَا يَكُونُ كَرَفْعِهِمَا؛ لِأَنَّهُ بِرَفْعِهِ انْقَادَ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا إذَا أَسْلَمَ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يُفَرَّقُ بِرَفْعِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْآخَرَ قَدْ اسْتَحَقَّ بِاعْتِقَادِهِ بَقَاءَ هَذَا النِّكَاحِ، وَاسْتِحْقَاقُهُ لَا يَبْطُلُ بِمُرَافَعَةِ الْآخَرِ، (إذْ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ اعْتِقَادُهُ) بَلْ يُعَارِضُهُ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْمِصْرِ لَا يُعَارِضُ إسْلَامَ الْمُسْلِمِ؛

стр. 1465

لِأَنَّ مُرَافَعَتَهُمَا كَتَحْكِيمِهِمَا. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمَةً وَلَا كَافِرَةً وَلَا مُرْتَدَّةً)؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَتْلِ، وَالْإِمْهَالِ ضَرُورَةَ التَّأَمُّلِ، وَالنِّكَاحُ يَشْغَلُهُ عَنْهُ فَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ (وَكَذَا الْمُرْتَدَّةُ لَا يَتَزَوَّجُهَا مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ)؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِلتَّأَمُّلِ وَخِدْمَةُ الزَّوْجِ تَشْغَلُهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِمُ بَيْنَهُمَا الْمَصَالِحَ، وَالنِّكَاحُ مَا شُرِعَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِمَصَالِحِهِ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا فَالْوَلَدُ عَلَى دِينِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ صَارَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ) إذْ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَأَمَّا إذَا تَرَافَعَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِالْإِجْمَاعِ؛ (لِأَنَّ مُرَافَعَتَهُمَا كَتَحْكِيمِهِمَا) وَلَوْ حَكَّمَا رَجُلًا وَطَلَبَا مِنْهُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَالْقَاضِي أَوْلَى بِذَلِكَ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْتَدُّ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (بَلْ لِمَصَالِحِهِ) يُرِيدُ بِهِ السُّكْنَى وَالِازْدِوَاجَ وَالتَّوَالُدَ وَالتَّنَاسُلَ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا فَالْوَلَدُ عَلَى دِينِهِ) قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّعْمِيمُ وَلَا وُجُودَ لِنِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ كَافِرٍ أَيِّ كَافِرٍ كَانَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْبَقَاءِ بِأَنْ أَسْلَمْت الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُعْرَضْ الْإِسْلَامُ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ.

стр. 1466

لِأَنَّ فِي جَعْلِهِ تَبَعًا لَهُ نَظَرًا لَهُ (وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا فَالْوَلَدُ كِتَابِيٌّ)؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ نَظَرٍ لَهُ إذْ الْمَجُوسِيَّةُ شَرٌّ، وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ لِلتَّعَارُضِ وَنَحْنُ بَيَّنَّا التَّرْجِيحَ. (وَإِذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَقَوْلُهُ: (وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ) أَيْ فِي جَعْلِ الْوَلَدِ تَبَعًا لِلْكِتَابِيِّ (لِلتَّعَارُضِ) جَعَلَهُ تَبَعًا لِلْكِتَابِيِّ يُوجِبُ حِلَّ الذَّبِيحَةِ وَالنِّكَاحِ، وَجَعَلَهُ تَبَعًا لِلْمَجُوسِيِّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ فَوَقَعَ التَّعَارُضُ إذْ الْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرَّمِ (وَنَحْنُ بَيَّنَّا التَّرْجِيحَ) وَهُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ نَظَرٍ. فَإِنْ قُلْت: عَلَى مَا ذَكَرْت كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَمِنْ الْخَصْمِ ذَهَبَ إلَى نَوْعِ تَرْجِيحٍ فَمِنْ أَيْنَ تَقُومُ الْحُجَّةُ؟ قُلْنَا تَرْجِيحُنَا يَدْفَعُ التَّعَارُضَ وَتَرْجِيحُهُ يَرْفَعُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَالدَّفْعُ أَوْلَى مِنْ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّ كَمْ مِنْ وَاقِعٍ لَا يُرْفَعُ. قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمْت الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ) أَطْلَقَ الْكُفْرَ فِي قَوْلِهِ: وَزَوْجُهَا كَافِرٌ لِعَدَمِ بَقَاءِ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ كَافِرٍ أَيِّ كَافِرٍ كَانَ؛ وَقَيَّدَ الزَّوْجَةَ بِالْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فَلَا عَرْضَ وَلَا

стр. 1467

فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَبَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، وَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ أَبَتْ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكُنْ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ؛ لَا تَكُونُ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ فَمَذْهَبُنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لَهُمْ وَقَدْ ضَمِنَّا بِعَقْدِ الذِّمَّةِ أَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ، إلَّا أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ فَيَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ، وَبَعْدَهُ مُتَأَكِّدٌ فَيَتَأَجَّلُ إلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ كَمَا فِي الطَّلَاقِ. تَفْرِيقَ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (كَمَا فِي الطَّلَاقِ) يُرِيدُ أَنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَبَعْدَهُ لَا يَرْفَعُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَقَوْلُهُ: (إلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ) لَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَهُ بِالْأَطْهَارِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَجَّلَ عِنْدَكُمْ إلَى انْقِضَاءِ ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْمُدَّةُ لَمْ تُعْتَبَرْ لِلْعِدَّةِ بَلْ

стр. 1468

وَلَنَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ قَدْ فَاتَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ تُبْتَنَى عَلَيْهِ الْفُرْقَةُ، وَالْإِسْلَامُ طَاعَةٌ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا فَيُعْرَضُ الْإِسْلَامُ لِتَحْصُلَ الْمَقَاصِدُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ تَثْبُتَ الْفُرْقَةُ بِالْإِبَاءِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِلتَّفْرِيقِ وَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَيْضُ كَمَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ، (وَلَنَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ) بِالنِّكَاحِ (قَدْ فَاتَتْ) وَتَقْرِيرُهُ بِإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ أَوْ زَوْجِ الْمَجُوسِيَّةِ فَاتَتْ الْمَقَاصِدُ بِالنِّكَاحِ وَفَوَاتُهَا. وَهُوَ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِسْلَامُ أَوْ كُفْرُ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِفَوَاتِ النِّعَمِ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ كُفْرَ مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ هَذَا وَلَمْ يُمْنَعْ ابْتِدَاءً وَلَا فَوْتُهَا بَقَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِهِمَا، (فَيُعْرَضُ الْإِسْلَامُ لِتَحْصُلَ الْمَقَاصِدُ بِهِ) إنْ أَسْلَمَ أَوْ يَثْبُتُ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَهُوَ الْإِبَاءُ. فَإِنَّ الْإِبَاءَ عَنْهُ صَالِحٌ لِسَلْبِ النِّعَمِ. وَإِذَا أُضِيفَ الْفَوَاتُ إلَيْهِ أُضِيفَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ الْفَوَاتُ وَهُوَ الْفُرْقَةُ فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ مُضَافَةً إلَى الْإِبَاءِ. وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَوْعُ إغْلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ

стр. 1469

أَنَّ الْفُرْقَةَ بِسَبَبٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجَانِ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا كَالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ. وَلَهُمَا أَنَّ بِالْإِبَاءِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَيْسَتْ بِأَهْلٍ لِلطَّلَاقِ فَلَا يَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهَا عِنْدَ إبَائِهَا (ثُمَّ إذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِإِبَائِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا) لِتَأَكُّدِهِ بِالدُّخُولِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا)؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا وَالْمَهْرُ لَمْ يَتَأَكَّدْ فَأَشْبَهَ الرِّدَّةَ وَالْمُطَاوَعَةَ. (وَإِذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ أَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ عَلَيْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ثُمَّ تَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا) وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ، وَالْعَرْضُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفُرْقَةِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ فَأَقَمْنَا شَرْطَهَا وَهُوَ مُضِيُّ الْحَيْضِ مَقَامَ السَّبَبِ كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ، يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: فَوَاتُ الْمَقَاصِدِ يَصْلُحُ سَبَبًا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْفُرْقَةُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعَرْضِ، لَكِنْ إذَا تَأَمَّلْت فِيمَا ذَكَرْته حَقَّ التَّأَمُّلِ أَزَالَ عَنْك الشُّبْهَةَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبَحْثِ مَعَ الشَّافِعِيِّ شَرَعَ فِيهِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي أَنَّ الْفُرْقَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ لَا تَكُونُ طَلَاقًا، وَوَجْهُ قَوْلِهِ: مَا ذَكَرَهُ (أَنَّ الْفُرْقَةَ بِسَبَبٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجَانِ) عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِبَاءُ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ بِسَبَبٍ يُشْتَرَكُ فِيهِ لَا تَكُونُ طَلَاقًا كَالْفُرْقَةِ الْوَاقِعَةِ بِسَبَبِ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَالْوَاقِعَةُ بِالْمَحْرَمِيَّةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ بِالْإِبَاءِ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ لِمَا مَرَّ مِنْ فَوَاتِ الْمَقَاصِدِ، وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. وَقَوْلُهُ: (مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ) زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، وَأَرَى أَنَّ تَرْكَهُ كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا بَطَلَ قِيَاسُهُ عَلَى الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. وَقَوْلُهُ: (أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَيْسَتْ بِأَهْلٍ لِلطَّلَاقِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الرِّدَّةَ وَالْمُطَاوَعَةَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ: يَعْنِي أَنَّهَا إذَا ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَوْ مَكَّنَتْ ابْنَ زَوْجِهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ كَانَ لَهَا الْمَهْرُ لِتَأَكُّدِهِ بِالدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا مَهْرَ لَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْعَرْضُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالْعَرْضُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ) مِنْ بَابِ: عَرَضْت النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ مِنْ الْقَلْبِ الَّذِي لَا يُشَجِّعُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادُ الْبُلَغَاءِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَقَمْنَا شَرْطَهَا) أَيْ شَرْطَ الْفُرْقَةِ، (وَهُوَ مُضِيُّ الْحِيَضِ) الثَّلَاثِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ لَمْ تَحِضْ (مَقَامَ سَبَبِ الْفُرْقَةِ)، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ تَفْرِيقُ الْقَاضِي عِنْدَ إبَاءِ الزَّوْجِ الْإِسْلَامَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَبَبٌ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ هُوَ الْإِبَاءُ. وَقَوْلُهُ: (كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ) يَعْنِي فِي قِيَامِ الشَّرْطِ مَقَامَ السَّبَبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ التَّلَفِ إلَى فِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ الَّتِي حُفِرَتْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعِلَّةُ، لَكِنَّهُ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ طَبِيعِيًّا لَا تَعَدِّي فِيهِ، ثُمَّ إضَافَتُهُ إلَى السَّبَبِ وَهُوَ الْمَشْيُ

стр. 1470

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَالشَّافِعِيُّ يَفْصِلُ كَمَا مَرَّ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَالْمَرْأَةُ حَرْبِيَّةٌ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَسَيَأْتِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا)؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً فَلَأَنْ يَبْقَى أَوْلَى. . قَالَ (وَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا وَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُمَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَقَعُ (وَلَوْ سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ تَعَذَّرَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الطَّرِيقِ مُبَاحٌ لَا مَحَالَةَ فَأُضِيفَ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ حَفْرُ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعَارِضْهُ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ، وَلَهُ شَبَهٌ بِالْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ وُجُودًا وَفِيهِ تَعَدٍّ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْحَافِرِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ، ثُمَّ الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فَهِيَ كَالْمُهَاجِرَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي حُكْمُ الْمُهَاجِرَةِ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُسْلِمُ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ، (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا) عِنْدَنَا (وَالشَّافِعِيُّ يَفْصِلُ كَمَا مَرَّ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْحِيَضَ لِأَجْلِ الْفُرْقَةِ لَا لِلْعِدَّةِ فَتَسْتَوِي فِيهَا الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي صُورَةِ الطَّلَاقِ بَاشَرَ سَبَبَ الْفُرْقَةِ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ السَّبَبُ فِي الْحَالِ إذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُضِيِّ الْحِيَضِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَاحْتَاجَ إلَى مُضِيِّهَا لِلْفُرْقَةِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهَا. (وَإِذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَالْمَرْأَةُ حَرْبِيَّةٌ فَلَا عِدَّةَ لَهَا) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَلَأَنْ يَبْقَى أَوْلَى)؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يُتَحَمَّلُ فِي النِّكَاحِ حَالَةَ الْبَقَاءِ وَإِنْ لَمْ يُتَحَمَّلْ فِي الِابْتِدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ لَهُ وَتَبْقَى مَنْكُوحَةً؟ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ابْتِدَاءً. خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا، قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا)، صُورَةُ

стр. 1471

وَقَعَتْ الْبَيْنُونَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ سُبِيَا مَعًا لَمْ تَقَعْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَعَتْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ التَّبَايُنُ دُونَ السَّبْيِ عِنْدَنَا وَهُوَ يَقُولُ بِعَكْسِهِ. لَهُ أَنَّ لِلتَّبَايُنِ أَثَرُهُ فِي انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْفُرْقَةِ كَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ، أَمَّا السَّبْيُ فَيَقْتَضِي الصَّفَاءَ لِلسَّابِي وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرَةٌ، وَالْحَاصِلُ كَذَلِكَ. وَتَقْرِيرُ دَلِيلِهِ أَنَّ التَّبَايُنَ أَثَرُهُ فِي انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ، وَانْقِطَاعُ الْوِلَايَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْفُرْقَةِ، كَالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ فَإِنَّ وِلَايَتَهُ قَدْ سَقَطَتْ إذْ الْمُرَادُ بِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ سُقُوطِ مَالِكِيَّتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَكَالْمُسْلِمِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَإِنَّ وِلَايَتَهُ انْقَطَعَتْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْفُرْقَةِ، وَهَذَا لِإِبْطَالِ دَلِيلِ الْخَصْمِ. وَقَوْلُهُ: (أَمَّا السَّبْيُ فَيَقْتَضِي الصَّفَاءَ لِلسَّابِي وَلَا يَتَحَقَّقُ) الصَّفَاءُ لَهُ (إلَّا بِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا) أَيْ: وَلِأَنَّ السَّبْيَ يَقْتَضِي الصَّفَاءَ

стр. 1472

يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَسْبِيِّ. وَلَنَا أَنَّ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ فَشَابَهُ الْمَحْرَمِيَّةَ. وَالسَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ بَقَاءً يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَسْبِيِّ) لِإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ، (وَلَنَا أَنَّ الْمَصَالِحَ لَا تَنْتَظِمُ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا،) وَتَقْرِيرُهُ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا يُنَافِي انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ. وَمَا يُنَافِي انْتِظَامَ الْمَصَالِحِ يَقْطَعُ النِّكَاحَ كَالْمَحْرَمِيَّةِ، فَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ يَقْطَعُ النِّكَاحَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّبَايُنِ حَقِيقَةً تَبَاعُدُهُمَا شَخْصًا، وَبِالْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ بَلْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ وَالسُّكْنَى، وَهَذَا لِإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ. وَقَوْلُهُ: (وَالسَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ) لِرَدِّ دَلِيلِ الْخَصْمِ. وَتَقْرِيرُهُ: السَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ جَازَ فَكَذَا بَقَاءً؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ

стр. 1473

وَصَارَ كَالشِّرَاءِ ثُمَّ هُوَ يَقْتَضِي الصَّفَاءَ فِي مَحَلِّ عَمَلِهِ وَهُوَ الْمَالُ لَا فِي مَحَلِّ النِّكَاحِ. وَفِي الْمُسْتَأْمَنِ لَمْ تَتَبَايَنْ الدَّارُ حُكْمًا الْمَسْبِيَّةُ مَنْكُوحَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ مَعَ تَقَرُّرِ السَّبْيِ. وَالْمُنَافِي إذَا تَقَرَّرَ فَالْمُحْتَرَمُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ كَمَا إذَا تَقَرَّرَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وَالرَّضَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَصَارَ) أَيْ: صَارَ السَّبْيُ (كَالشِّرَاءِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالشِّرَاءِ فَكَذَلِكَ بِالسَّبْيِ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ هُوَ) أَيْ: السَّبْيُ (يَقْتَضِي الصَّفَاءَ) أَيْ: سَلَّمْنَا أَنَّ السَّبْيَ يَقْتَضِي الصَّفَاءَ، لَكِنْ فِي مَحَلِّ عَمَلِهِ وَهُوَ الْمَالُ حَتَّى يَثْبُتَ الْمِلْكُ فِي رَقَبَةِ الْمَسْبِيِّ لِلسَّابِي عَلَى الْخُلُوصِ لَا فِي مَحَلِّ النِّكَاحِ وَهُوَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِيَّةِ لَا الْمَالِيَّةِ. وَقَدْ انْدَرَجَ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: وَلِهَذَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَسْبِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ مِنْ مَحَلِّ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الرَّقَبَةُ. وَقَوْلُهُ: وَفِي الْمُسْتَأْمَنِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: كَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ أَوْ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ، وَكَانَ قَدْ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: وَحُكْمًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّبَايُنَ وَإِنْ وُجِدَ فِي الْمُسْتَأْمَنِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حُكْمًا لِقَصْدِهِ الرُّجُوعَ.

стр. 1474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1475

لِقَصْدِهِ الرُّجُوعَ. (وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إلَيْنَا مُهَاجِرَةً جَازَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَلْزَمُهَا حُكْمُ الْإِسْلَامِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَثَرُ النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ وَجَبَتْ إظْهَارًا لِخَطَرِهِ، وَلَا خَطَرَ لَمِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمَسْبِيَّةِ وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إلَيْنَا مُهَاجِرَةً) أَيْ: تَرَكَتْ أَرْضَ الْحَرْبِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَخَرَجَتْ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً عَلَى قَصْدِ أَنْ لَا تَرْجِعَ إلَى مَا هَاجَرَتْ عَنْهُ أَبَدًا (جَازَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ أَنْ دَخَلَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ)، وَكُلُّ فُرْقَةٍ كَانَتْ كَذَلِكَ يَلْزَمُهَا حُكْمُ الْإِسْلَامِ كَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِدَّةَ لِإِظْهَارِ خَطَرِ مِلْكِ النِّكَاحِ، (وَلَا خَطَرَ لِمِلْكِ الْحَرْبِيِّ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمَسْبِيَّةِ) بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمِلْكِهِ خَطَرٌ لَمَا وَجَبَتْ إذَا خَرَجَتْ حَامِلًا؟. أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَكِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ. فَإِنْ قِيلَ: الْهِجْرَةُ أَوْرَثَتْ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ وَهُوَ لَا يَرْبُو عَلَى الْمَوْتِ وَلَوْ مَاتَ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَلْتَجِبْ مَعَهَا أَيْضًا. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحُرُمَاتِ حُكْمًا فَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَأَمَّا تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ فَيُسْقِطُهَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَيَزُولُ مِلْكُهُ لَا إلَى أَثَرٍ.
следующие страницы →