Полный текст (5 149 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
لِأَنَّ صِفَةَ الْمَالِكِيَّةِ كَرَامَةٌ وَالْآدَمِيَّةُ مُسْتَدْعِيَةٌ لَهَا، وَمَعْنَى الْآدَمِيَّةِ فِي الْحُرِّ أَكْمَلُ فَكَانَتْ مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ وَأَكْثَرَ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ»
عَنْ مَعْنَى الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْمَمْلُوكَ فِي قَرْنِ الْبَهَائِمِ مَلْزُوزًا، (فَكَانَتْ مَالِكِيَّتُهُ أَبْلَغَ) فَإِنْ قُلْت: الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ الطَّلَاقَ بِالزَّوْجِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَالدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ حُرًّا كَانَ مَالِكًا.
قُلْت: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْحُرِّ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ، وَمَذْهَبُهُ قَوْلُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﵊ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ») وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﵊ ذَكَرَ الْأَمَةَ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْهُودٌ فَكَانَ لِلْجِنْسِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلَاقُ هَذَا الْجِنْسِ ثِنْتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ اعْتِبَارُ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ لَكَانَ لِبَعْضِ الْإِمَاءِ ثِنْتَانِ فَلَمْ تَبْقَ اللَّامُ لِلْجِنْسِ. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْأَمَةَ تَحْتَ عَبْدٍ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْهَاءُ فِي " وَعِدَّتُهَا " عَائِدَةٌ إلَيْهَا فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لَهَا بِكَوْنِ عِدَّتِهَا حَيْضَتَيْنِ، إذْ لَا مَرْجِعَ لِلضَّمِيرِ سِوَاهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَمَةِ الْأَمَةَ تَحْتَ عَبْدٍ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ
стр. 1542
وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا، وَلِلرِّقِّ أَثَرٌ فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ إلَّا أَنَّ الْعُقْدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَتْ عُقْدَتَانِ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّ الْإِيقَاعَ بِالرِّجَالِ.
(وَإِذَا) (تَزَوَّجَ الْعَبْدُ امْرَأَةً) بِإِذْنِ مَوْلَاهُ وَطَلَّقَهَا (وَقَعَ طَلَاقُهُ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مَوْلَاهُ عَلَى امْرَأَتِهِ)؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَكُونُ الْإِسْقَاطُ إلَيْهِ دُونَ الْمَوْلَى.
إلَى مُطْلَقِ الْأَمَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خَطَابَةٌ لَا تُجْدِي فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ؛ (وَلِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ) أَيْ: حِلَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَحَلَّ النِّكَاحِ نِعْمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى دُرُورِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِوَاجِ وَتَحْصِينِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا، وَمَا هُوَ نِعْمَةٌ فِي حَقِّهَا يَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، فَإِنَّ لِلرِّقِّ أَثَرًا فِي تَنْصِيفِ النِّعَمِ فِي الرِّجَالِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ التَّزَوُّجِ مَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ فَكَذَا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الْحُرَّةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا إلَّا عُقْدَةً وَنِصْفًا: أَيْ: طَلْقَةً وَنِصْفَ طَلْقَةٍ تَنْقِيصًا لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ، (إلَّا أَنَّ الْعُقْدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَتَكَامَلَتْ عُقْدَتَانِ)، وَمَذْهَبُنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ) يَعْنِي قَوْلَهُ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» أَنَّ الْإِيقَاعَ بِالرِّجَالِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَعْلُومٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ خَاصَّةً. أُجِيبَ بَلْ كَانَ إلَى ذِكْرِهِ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا كَرِهَتْ الزَّوْجَ غَيَّرَتْ الْبَيْتَ وَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا مِنْهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ»
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ امْرَأَةً وَطَلَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مَوْلَاهُ عَلَى امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ حَقُّ الْعَبْدِ) لِكَوْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ الْآدَمِيَّةِ، وَالْعَبْدُ مُبْقًى فِيهَا عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ النِّكَاحَ دُونَ إذْنِ مَوْلَاهُ، لَكِنْ لَوْ قُلْنَا بِهِ تَضَرَّرَ الْمَوْلَى فِيهِ فَتَرَكْنَاهُ لِأَجْلِهِ.
стр. 1543
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِبَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ
(الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ صَرِيحًا
بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَنْوِيعِهِ فَقَالَ (الطَّلَاقُ) أَيْ التَّطْلِيقُ (عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ) لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحَةً، وَالصَّرِيحُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وَهُوَ يُشِيرُ بِتَسْمِيَتِهِ بَعْلًا إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ
стр. 1544
وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ
الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وَالرَّدُّ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَعْلَ
стр. 1545
(وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ
فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلزَّوْجِ حَقِيقَةً وَهِيَ لَا تُتْرَكُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَمَّا لَفْظُ الرَّدِّ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ كَالْبَائِعِ جَارِيَةً بِالْخِيَارِ لَهُ وَلِلْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي. ثُمَّ إذَا فَسَخَهُ يُقَالُ رَدَّ الْجَارِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ الْبَائِعِ (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ) وَالصَّرِيحُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا كَذَلِكَ، وَالصَّرِيحُ يَقُومُ لَفْظُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ: يَعْنِي إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ لِأَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ حَيْثُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ
стр. 1546
لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْعَمَلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لِلتَّخْلِيصِ.
الْعِدَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ، وَالتَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا وَالْإِمْسَاكُ إبْقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، فَمَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً كَانَتْ وِلَايَةُ الرَّجْعَةِ بَاقِيَةً، وَإِذَا انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتْ فَصَارَتْ الْبَيْنُونَةُ مُعَلَّقَةً بِالِانْقِضَاءِ كَذَا قَالُوا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ عَلَى تَعْلِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِالِانْقِضَاءِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ الْبَيْنُونَةَ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ فِيمَا نُوِيَتْ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً وَالْمُقْتَضِي ضَرُورِيٌّ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالرَّجْعِيِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَائِنِ كَانَ أَسْلَمَ، وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ) يَعْنِي قَصْدُهُ وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَقْدِيمَ مَا أَخَّرَ الشَّرْعُ إلَى وَقْتٍ وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ كَمَا فِي قَتْلِ الْمُورَثِ وَأَصْلُهُ بَقَرَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ (وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْقَيْدُ وَالْكَسْرُ فِيهِ لُغَةٌ (لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ) أَيْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَحَقِيقَتُهُ دَيَّنْت الرَّجُلَ تَدْيِينًا وَكَلْتُهُ إلَى دِينِهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي التَّصْدِيقِ مَجَازًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ فِيمَا عَلَيْهِ تَخْفِيفٌ. وَكَذَلِكَ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ (وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ) إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْإِطْلَاقِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ أَوْ الْوَثَاقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ عِبَارَةً عَنْهُ مَجَازًا.
(وَلَوْ نَوَى بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ طَالِقٌ (الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهُوَ) قِيلَ أَيْ الْمَرْأَةُ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ أَوْ الذَّاتِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ يَعُودُ إلَى الْقَيْدِ الَّذِي يَرْفَعُهُ الطَّلَاقُ وَهُوَ النِّكَاحُ.
وَتَقْرِيرُهُ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ النِّكَاحِيِّ، وَالْقَيْدُ النِّكَاحِيُّ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْعَمَلِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِرَفْعِ الْقَيْدِ بِالْعَمَلِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْلِيصِ) فَكَانَ
стр. 1547
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
مَعْنَاهُ أَنْتِ مُخَلَّصَةٌ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِ، أَمَّا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ عَمَلِ كَذَا مَوْصُولًا صُدِّقَ دِيَانَةً رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا)
стр. 1548
قَالَ (وَلَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً كَذِكْرِ الْعَالَمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا كَانَ كِنَايَةً لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ وَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَقَعُ بِهِ) مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ: أَيْ لَا يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ لَفْظِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ)
стр. 1549
وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ فَيَكُونَ نَصَبًا عَلَى التَّمْيِيزِ. وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، وَذِكْرُ الطَّالِقِ
لِكَوْنِهِ نَعْتًا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ (وَلِهَذَا) أَيْ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ (يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ) وَكُلُّ مَا هُوَ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ تَصِحُّ نِيَّتُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ) وَكُلُّ مَا هُوَ نَعْتُ فَرْدٍ (لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ) وَالضِّدُّ لَا يَحْتَمِلُ الضِّدَّ.
وَقَوْلُهُ وَذِكْرُ الطَّوَالِقِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةٌ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الطَّالِقَ نَعْتٌ مِنْ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَرْأَةِ لَا عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ كَالسَّلَامِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ هُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِعْلُ الرَّجُلِ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ
стр. 1550
ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ، وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِك أَعْطَيْتُهُ جَزِيلًا: أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا (وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ النَّعْتَ وَحْدَهُ
ضَرُورِيٌّ تَتَّصِفُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الثَّانِيَ تَصْحِيحًا لَهُ وَكَانَ ثَابِتًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ مُقْتَضًى وَلَا عُمُومَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ) وَاضِح
стр. 1551
يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ مَعَهُ وَأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَكَادَةً أَوْلَى.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ: أَيْ عَادِلٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَلَاقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْكَثْرَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
هُوَ يَقُولُ: إنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضُ الثَّلَاثِ فَلَمَّا صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَةً. وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، أَمَّا الثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَعَدَدٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّوَحُّدِ يُرَاعَى فِي أَلْفَاظِ الْوُحْدَانِ وَذَلِكَ بِالْفَرْدِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمَثْنَى بِمَعْزِلٍ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ (فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ الطَّلَاقُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ لَمَا صَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا لَمْ تَصِحَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إنَّمَا لَا تَصِحُّ فِي طَالِقٍ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَهُوَ مَصْدَرٌ فِي أَصْلِهِ وَإِنْ وُصِفَ بِهِ فَلُمِحَ فِيهِ جَانِبُ الْمَصْدَرِيَّةِ وَصَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ.
стр. 1552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1553
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقَ أُخْرَى يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَتَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ) لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ (أَوْ) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ أَوْ عُنُقُك) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُك طَالِقٌ (أَوْ رُوحُك أَوْ بَدَنُك أَوْ جَسَدُك أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك) لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. أَمَّا الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَقَالَ ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ وَقَالَ ﵊
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقِ أُخْرَى) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً لَغَا الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً (يُصَدَّقُ) وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ رَجْعِيَّتَانِ (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ) بِتَقْدِيرِ الْمُبْتَدَإِ فِي الثَّانِي كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
(وَلَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا) مِثْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرَ هَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ مَا بَعْدَهُ (أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مِثْلَ قَوْلِك رَقَبَتُك طَالِقٌ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَلَمْ يُرِدْ الرَّقَبَةَ بِعَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ الْعُنُقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ وَلَمْ يُرِدْ الْأَعْنَاقَ بِعَيْنِهَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
стр. 1554
«لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَيُقَالُ فُلَانٌ رَأْسُ الْقَوْمِ وَيَا وَجْهَ الْعَرَبِ وَهَلَكَ رُوحُهُ بِمَعْنَى نَفْسُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَةٍ يُقَالُ دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ) (طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك) طَالِقٌ لِأَنَّ الشَّائِعَ مَحِلٌّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ
وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْإِصْبَعِ وَالشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ. لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مُسْتَمْتَعٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ، وَمَا كَانَ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لِأَنَّهُ رَافِعُهُ فَيَكُونُ حَالًّا مَحَلَّهُ فَإِذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الطَّلَاقُ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ الْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ. فَإِنْ قِيلَ:
стр. 1555
وَمَا هَذَا حَالُهُ يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِيهِ قَضِيَّةً لِلْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مُمْتَنِعٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تُغَلِّبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُوَ كَمَا إذَا أَضَافَهُ إلَى رِيقِهَا أَوْ ظُفُرِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْقَيْدُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ وَلَا قَيْدَ فِي الْيَدِ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلنِّكَاحِ عِنْدَنَا حَتَّى تَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ.
لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ لَانْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ مُمْتَنِعَةٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ فَيَمْتَنِعُ عَنْ السَّرَيَانِ (وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ) يَعْنِي الْحُرْمَةَ فِي هَذَا الْجُزْءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ) ظَاهِرٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَنَحْوَهُمَا أَطْرَافٌ وَهِيَ أَتْبَاعٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمَا دَخَلَ الْأَتْبَاعُ كَمَا فِي شِرَاءِ تِلْكَ الرَّقَبَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَصْلِ ذِكْرًا لِلتَّبَعِ، وَأَمَّا ذِكْرُ التَّبَعِ فَلَا يَكُونُ ذِكْرًا لِلْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ عَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْيَدِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا قَالَ أَرَدْت إضْمَارَ صَاحِبِهَا طَلُقَتْ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا قَالَ لَهَا رَأْسُك
стр. 1556
وَاخْتَلَفُوا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا كَانَتْ) طَالِقًا (تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ،
طَالِقٌ وَعَنَى اقْتِصَارَ الطَّلَاقِ عَلَى الرَّأْسِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ وَأَرَادَ بِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا تَطْلُقُ، وَإِذَا قَالَ ظَهْرُك طَالِقٌ أَوْ بَطْنُك طَالِقٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ النِّكَاحُ بِدُونِهِمَا، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) أَيْ الْإِيقَاعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ ظَهْرُك أَوْ بَطْنُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مَا لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الطَّلَاقُ، إذْ نِصْفُ التَّطْلِيقِ أَوْ ثُلُثُهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ كَالْعَفْوِ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ صِيَانَةً لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَتَغْلِيبًا لِلْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ وَإِعْمَالًا لِلدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى الْبَعْضِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ أَوْجَبَ إكْمَالَهُ وَإِلَّا لَزِمَ إبْطَالُ الدَّلِيلِ (وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ) وَالنِّصْفُ كَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالسُّدُسِ وَغَيْرِهَا (لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ) فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ يَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ
ضَرُورَةً
، وَهَذِهِ
стр. 1557
فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَةً، قِيلَ: يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَتَكَامَلَ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرَ ثَلَاثًا.
الْمَسْأَلَةُ مِنْ خَوَاصِّ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّمَا أَوْرَدَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِإِشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ نَصَّفْته لَا يَكُونُ إلَّا نِصْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ بِالثَّلَاثَةِ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَلْغُوَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الطَّلَاقَ يَعْنِي أَرَادَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَاسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ إذَا كَانَ تَطْلِيقَةً فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِهِمَا تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مُهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ كَانَ لَغْوًا فَبَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْكَلَامُ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيمَا أَرَادَ أَوْ مَجَازًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَلَا إلَى الثَّانِي لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ الِاتِّصَالِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَتَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاتِّصَالُ مَوْجُودٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ. وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا ثِنْتَيْنِ وَلَمْ نَقُلْ وَقَدْ أَوْقَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَرُبُعُ التَّطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ. وَمَنْ أَوْقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ جَوَابَ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي أَوْقَعَهَا هُنَاكَ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ مَوْجُودَةٌ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ لِأَنَّ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ فَلَا وَجْهَ إلَى صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَاهُنَا الْأَجْزَاءُ الَّتِي أَوْقَعَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ إذْ لَيْسَ لِلتَّطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ فَلَا حَاجَةَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ سِوَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ قِيلَ يَقَعُ طَلْقَتَانِ) وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ وَالْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ
стр. 1558
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ ثِنْتَانِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ فِي الْأُولَى هِيَ ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ) وَقَالَ زُفَرُ: الْأُولَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ
لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ تَكُونُ تَطْلِيقَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَقَعُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَكُونُ طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ لَا مَحَالَةَ. .
قَالَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ) إذَا طَلَّقَهَا مُشْتَمِلًا كَلَامَهُ عَلَى الْغَايَتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَوْ لَا تَدْخُلَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ أَوْ يَدْخُلَ الِابْتِدَاءُ دُونَ الِانْتِهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ الِانْتِهَاءُ دُونَ الِابْتِدَاءِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ لَا تَدْخُلُ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ غَايَةً كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَقَوْلِهِ بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ، وَهُوَ قِيَاسٌ مَحْضٌ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَاجَّهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ، فَقَالَ لَهُ إذَنْ أَنْتَ ابْنُ
стр. 1559
الْغَايَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ.
تِسْعِ سِنِينَ فَتَحَيَّرَ.
وَرَوَى فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ هُوَ الَّذِي حَاجَّهُ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ قَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ؟ قَالَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا بَيْنَ لَا تَتَنَاوَلُ الْحَدَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ يَكُونُ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، فَتَحَيَّرَ زُفَرُ وَاسْتَحْسَنَ فِي مِثْلِ هَذَا وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَقِيلَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ حَدًّا وَمَحْدُودًا لَغَا آخِرُ كَلَامِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ وَبَقِيَ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ
стр. 1560
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ
هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ مَا ذَكَرْنَاهُ: يَعْنِي الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ، قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ الثَّلَاثُ وَالْأَقَلَّ الْوَاحِدُ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ الثِّنْتَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ: يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْأَكْثَرِ فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ. وَقَوْلُهُ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ. وَقَوْلُهُ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ مَعْنَاهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ. وَقَوْلُهُ (وَإِرَادَةُ الْكُلِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى
стр. 1561
هُوَ الْحَظْرُ، ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ
مِائَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ كَمَا ذَكَرْت، إلَّا أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ جَعْلِهَا غَايَةً فَلَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِهَا، وَأَمَّا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ الْغَايَةَ دَاخِلَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِضَرُورَةِ الثَّانِيَةِ. وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَمْ يُضْطَرَّ فِيهِ إلَى الْأُولَى لِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيَةً صَارَ لَغْوًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى. وَلَوْ نَوَى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَأَشْبَاهِهِمَا وَاحِدَةً صُدِّقَ دِيَانَةً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ
стр. 1562
الْغَايَةَ فِيهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ. وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً يَدِينُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ، وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفَ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ،
خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ) فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ (وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ إزَالَةُ كَسْرٍ يَقَعُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَمَعْنَى وَاحِدَةٍ فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ ذَاتُ جُزْأَيْنِ، (وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا) كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَنِصْفَهَا وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا وَسُدُسَهَا وَثُمُنَهَا لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفُ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) وَاضِحٌ
стр. 1563
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ كَلِمَةَ " فِي " تَأْتِي بِمَعْنَى " مَعَ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ أَيْ مَعَ عِبَادِي، وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَيَلْغُوَ ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا، لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ (لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْآخَرِ وَبَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ فَاسْتُعِيرَ لَهُ (وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى فِقْهِيٌّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْغَيْرِ فَيَلْغُو ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ) وَالضَّرْبُ تَضْعِيفُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِقَدْرِ مَا فِي الْعَدَدِ الْآخَرِ كَالْأَرْبَعَةِ فِي الْخَمْسَةِ يَحْصُلُ عِشْرُونَ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ تَضْعِيفُ الْأَرْبَعَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَوْ تَضْعِيفُ الْخَمْسَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا بِعُرْفِ الْحِسَابِ (لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ. وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ لِلْمَذْكُورِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ) وَالطُّولُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُوَّةِ وَقُوَّةُ الشَّيْءِ
стр. 1564
قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان،
إنَّمَا تَظْهَرُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ قَبُولِ الْإِبْطَالِ، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا صَرَّحَ بِذِكْرِ الطُّولِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً طَوِيلَةً وَقَعَ رَجْعِيًّا عِنْدَهُ فَكَيْفَ صَحَّ تَعْلِيلُهُ بِالطُّولِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ إلَى الشَّامِ كَنَّى عَنْ الطُّولِ وَالْكِنَايَةُ أَقْوَى مِنْ التَّصْرِيحِ لِكَوْنِهَا دَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ وَمَوْضِعُهُ عِلْمُ الْبَيَانِ.
وَأَقُولُ: هَذِهِ خَطَابَةٌ لَا تَكَادُ تَنْهَضُ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ، وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا أَقْرَبُ (وَقُلْنَا لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا) فَتَخْصِيصُهُ بِذِكْرِ الشَّامِ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا وَرَاءَهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ آخَرَ)
стр. 1565
وَإِنْ عُنِيَ بِهِ إذَا أَتَيْت مَكَّةَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى الْإِضْمَارَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ، وَإِنْ نَوَى إنْ مَرِضْت لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت مَكَّةَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ.
فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ عَنَى) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ) إنَّمَا تَعْذُرُ الظَّرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ لِمُقَارَبَةٍ: أَيْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ لِأَنَّ الظَّرْفَ يَسْبِقُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسْبِقُ الْمَشْرُوطَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَقِيلَ لِأَنَّ الظَّرْفَ يُجَامِعُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ.
فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ
ذَكَرَ هَاهُنَا فُصُولًا مُتَرَادِفَةً بِحَسَبِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ وَتَنْوِيعِهِ، وَتَشْبِيهُهُ إضَافَةَ الطَّلَاقِ تَأْخِيرَ حُكْمِهِ عَنْ وَقْتِ
стр. 1566
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ وَذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ) فَيَقَعَ فِي الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ وَفِي الثَّانِي فِي الْغَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمَ كَانَ تَنْجِيزًا وَالْمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ،
التَّكَلُّمِ إلَى زَمَانٍ يُذْكَرُ بَعْدَهُ بِغَيْرِ كَلِمَةِ شَرْطٍ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ وَهُوَ) أَيْ الْعُمُومُ (يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ) فَكَانَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ وَنِيَّةُ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً (لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ) لِأَنَّ الْغَدَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْعَامُّ مَا يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُتَّفِقَةَ الْحُدُودِ وَلَفْظُ الْغَدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ وَالْآخِرِ فَهُوَ مِنْ أَجْزَائِهِ لَا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نِيَّةُ آخِرِ النَّهَارِ تَخْصِيصًا فَلَا عُمُومَ وَلَا تَخْصِيصَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْكُلِّ وَإِرَادَةَ الْجُزْءِ مَجَازٌ لَا مَحَالَةَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا) ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجْعَلُ غَدًا ظَرْفًا لِطَلَاقٍ آخَرَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ
стр. 1567
وَإِذَا قَالَ: غَدًا كَانَ إضَافَةً وَالْمُضَافُ لَا يَتَنَجَّزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْإِضَافَةِ فَلَغَا اللَّفْظُ الثَّانِي فِي الْفَصْلَيْنِ.
فِي غَيْرِ مَوْضِعِ
الضَّرُورَةِ
، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَوْنَ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ نَوْعُ ضَرُورَةٍ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَصْفُهَا بِالطَّلَاقِ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبِالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ يُحَصِّلُ هَذَا الْمَقْصُودَ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهَا، وَعَلَى هَذَا كَانَ كَلَامُهُ مَصُونًا عَنْ الْإِلْغَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَتِمُّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا الْيَوْمَ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ غَدًا
стр. 1568
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ وَقَالَ نَوَيْت آخِرَ النَّهَارِ دِينَ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ " فِي " جَمِيعِ الْغَدِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ غَدًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَذْفَ فِي وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ فِي الْحَالَيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِ وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَتَعَيَّنَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، فَإِذَا عَيَّنَ آخِرَ النَّهَارِ كَانَ التَّعْيِينُ الْقَصْدِيُّ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الضَّرُورِيِّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ غَدًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ حَيْثُ وَصَفَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُضَافًا إلَى جَمِيعِ الْغَدِ. نَظِيرُهُ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ عُمْرِي، وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ فِي عُمْرِي، وَعَلَى
وَالْمَوْصُوفُ بِهِ غَدًا لَا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِهِ الْيَوْمَ. أُجِيبَ بِأَنَّ إيقَاعَ الثَّانِيَةِ فِيهَا يُفْضِي إلَى الْمَكْرُوهِ وَهِيَ إيقَاعُ الطَّلْقَتَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَلَا يَسْعَى لِإِثْبَاتِهَا فَيَكُونُ الثَّانِي لَغْوًا.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إنَّمَا لَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مُصَادِفَةً لِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ، وَهُنَا صَادَفَتْهَا فَيُدَيَّنُ قَضَاءً وَدِيَانَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَنَوَى جَمِيعَ النِّسَاءِ صُدِّقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ لِمُصَادَفَةِ نِيَّتِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ كَالْمَجَازِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنَّ فِي غَدٍ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ، وَغَدٌ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ فَإِنَّهُ لَا اسْتِيعَابَ فِيمَا فِيهِ الْحَرْفُ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِيمَا لَا حَرْفَ فِيهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ نُصْرَةَ الرُّسُلِ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُرْسَلَ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مَقْرُونَةً بِحَرْفِ " فِي " وَذَكَرَ نُصْرَتَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ إيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ دَائِمَةٌ، وَأَمَّا نُصْرَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَكَانَتْ تَقَعُ
стр. 1569
هَذَيْنِ الدَّهْرَ وَفِي الدَّهْرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَيَلْغُوَ، كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ
فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا دَارُ الِابْتِلَاءِ، وَكُلُّ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَجَازٌ فِي الْآخَرِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَيَكُونُ نِيَّةُ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ مِنْ بَابِ بَيَانِ التَّقْرِيرِ وَهُوَ تَوْكِيدُ الْكَلَامِ بِمَا يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ فَكَانَ مِنْ الْجَائِزِ قَبْلَ بَيَانِ نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فِي غَدٍ مَجَازَهُ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ فَإِذَا بَيَّنَهَا قَطَعَ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ وَبَاقِي كَلَامِهِ وَاضِحٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ) أَيْ مَعْلُومَةٍ (مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي أَضَافَ إلَيْهِ الطَّلَاقَ (فَيَلْغُو كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) أَوْ تُخْلَقِي (وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا كُنْت أَمْسِ فِي قَيْدِ نِكَاحِي، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ صِيرَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُ دُونَ الْإِنْشَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الطَّالِقَ مَنْ اتَّصَفَتْ بِوُقُوعِ طَلَاقِهَا بِتَطْلِيقِ الزَّوْجِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ إنْ كَانَ هَذَا الزَّوْجَ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ
стр. 1570
أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلهُ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ) لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا أَيْضًا فَكَانَ إنْشَاءً، وَالْإِنْشَاءُ فِي الْمَاضِي إنْشَاءٌ فِي الْحَالِ فَيَقَعَ السَّاعَةَ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قِبَلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ، أَوْ يُصَحَّحُ إخْبَارًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ التَّطْلِيقِ وَقَدْ وُجِدَ حَيْثُ سَكَتَ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى وَمَتَى مَا
فِي قَيْدِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهُوَ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ (أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ) فَيَكُونُ تَكْرَارًا، وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ لُغَةً، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إمْكَانَ الْمَصِيرِ إلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ يَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ إمَّا لَغْوًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَقْتَ الطَّلَاقِ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ مَجَازًا فَإِنَّ رَفْعَ النِّكَاحِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ، وَإِمْكَانُ الْمَصِيرِ إلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى اللَّغْوِ، فَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَيْهِ مَنَعَهُ صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ.
وَقَوْلُهُ أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةَ زَوْجٍ آخَرَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ جُعِلَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ جُعِلَ إخْبَارًا عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةَ ذَلِكَ الزَّوْجِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلُ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ لِأَنَّ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ) وَهُوَ وَاضِحٌ (وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا أَيْضًا) وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاضِحٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَلَا يَسْتَقِيمُ إلَّا إذَا جُعِلَ نِكَاحُ هَذَا الزَّوْجِ رَافِعًا لِتِلْكَ النِّسْبَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك) وَمَا بَعْدَهُ وَاضِحٌ
стр. 1571
صَرِيحٌ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، وَكَذَا كَلِمَةُ " مَا " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ أَيْ وَقْتَ الْحَيَاةِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْيَأْسِ عَنْ الْحَيَاةِ وَهُوَ الشَّرْطُ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ، وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ) يَعْنِي كَمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ الْإِتْيَانِ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمَوْتِ فَقَدْ وَقَعَ الْيَأْسُ فَوُجِدَ الشَّرْطُ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ وَالْمِلْكُ بَاقٍ فَوَقَعَ فَكَذَلِكَ هُنَا (وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ) يَعْنِي يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا قُبَيْلَ مَوْتِهِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا مَا لَمْ تَمُتْ، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِمَوْتِهَا، فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِيقَاعَ مِنْ حُكْمِهِ الْوُقُوعُ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ إيقَاعِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْقُبُهُ الْوُقُوعُ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِك فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهَا بِلَا فَصْلٍ، وَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مَوْتِهَا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِوَايَةِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ حَيْثُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا فِيهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ يَقَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ تَحَقَّقَ شَرْطُ الْوُقُوعِ وَهُوَ عَدَمُ التَّطْلِيقِ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ التَّطْلِيقُ وَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَتَطْلُقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ
стр. 1572
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك، أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ) لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا … وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبٌ
فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَمَتَى مَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ
الشَّرْطُ بِمَوْتِهَا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِهِ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرْطُ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
قَالَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) أَقُولُ: إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك. فَإِمَّا إنْ نَوَى شَيْئًا أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ نَوَى الْوَقْتَ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ نَوَى الشَّرْطَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمَا وَنِيَّةُ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَا: طَلُقَتْ حِينَ سَكَتَ الزَّوْجُ لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا مَوْضُوعَةٌ لِلْوَقْتِ وَتُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ الْوَقْتِ كَمَتَى وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لِإِفَادَةِ الْوَقْتِ الْخَالِصِ فِي أَمْرٍ مُتَرَقَّبٍ: أَيْ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ، وَبِقَوْلِهِ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا … وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
لِإِفَادَتِهِ فِي أَمْرٍ كَائِنٍ فِي الْحَالِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَتَى وَمَتَى مَا إلَى عَدَمِ سُقُوطِ مَعْنَى الْوَقْتِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ شَرْطًا.
وَاسْتَوْضَحَ كَوْنَهُ بِمَعْنَى مَتَى بِقَوْلِهِ (وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ مَتَى شِئْت، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى إنْ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي إنْ.
стр. 1573
كَمَا فِي قَوْلِهِ مَتَى شِئْت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، قَالَ قَائِلُهُمْ:
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى … وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الظَّرْفِ وَالشَّرْطِ تُسْتَعْمَلُ) فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي نَصِيحَةِ ابْنِهِ:
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى … وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إصَابَةَ الْخَصَاصَةِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ إذَا فَكَانَتْ بِمَعْنَى إنْ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى
стр. 1574
فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَقْتُ تَطْلُقُ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ،
جَانِبِ الظَّرْفِيَّةِ اكْتِفَاءً بِدَلِيلِهَا. وَإِذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِمَا دَفْعَةً (فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَقْتُ طَلُقَتْ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ،
стр. 1575
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ، أَمَّا إذَا نَوَى الْوَقْتَ يَقَعُ فِي الْحَالِ وَلَوْ نَوَى الشَّرْطَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ) مَعْنَاهُ قَالَ ذَلِكَ وُصُولًا بِهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْمُضَافُ فَيَقَعَانِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّهُ وُجِدَ زَمَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ وَإِنْ قَلَّ وَهُوَ زَمَانُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ زَمَانَ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا بِقَوْلِهِ إذَا شِئْت فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِلْأَمْرِ عَنْ يَدِهَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ عِلَّةً لِلضِّدَّيْنِ. وَالْجَوَابُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ) وَاضِحٌ وَأَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ (مَوْصُولًا) لِأَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ مَفْصُولًا وَقَعَتَا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ وَاجِدٌ الزَّمَانَ الْخَالِيَ عَنْ التَّطْلِيقِ.
стр. 1576
الْبِرِّ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ لِأَنَّ الْبِرَّ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْقِيقُ الْبِرِّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مُسْتَثْنًى، أَصْلُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَغَلَ بِالنَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخَوَاتُهُ عَلَى مَا يَأْتِيك فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ) لِأَنَّ الْيَوْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ كَالصَّوْمِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمِعْيَارُ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِهِ، وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيَنْتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
وَقَوْلُهُ (وَأَخَوَاتُهُ) يُرِيدُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ وَلَا يَرْكَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ رَاكِبُهَا فَنَزَعَهُ فِي الْحَالِ وَنَزَلَ عَنْهَا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ اللُّبْسُ الْقَلِيلُ وَالرُّكُوبُ الْقَلِيلُ يُوجَدَانِ وَقْتَ الِاشْتِغَالِ بِالنَّزْعِ وَالنُّزُولِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ) هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: النَّهَارُ وَاللَّيْلُ وَالْيَوْمُ، أَمَّا النَّهَارُ فَلِلْبَيَاضِ خَاصَّةً، وَأَمَّا اللَّيْلُ فَلِلسَّوَادِ خَاصَّةً وَذَلِكَ حَقِيقَتُهُمَا اللُّغَوِيَّةُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي بَيَاضِ النَّهَارِ وَمُطْلَقِ الْوَقْتِ بِالِاشْتِرَاكِ عِنْدَ بَعْضٍ، وَالصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ مَجَازٌ لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ لِعَدَمِ اخْتِلَالِ الْفَهْمِ بِوُجُودِ الْقَرِينَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ الظَّرْفِيَّةِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِمَا قُرِنَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَغَيْرِهَا لِصِحَّةِ أَنْ يُقَالَ لَبِسْت يَوْمًا أَوْ رَكِبْت يَوْمًا أَوْ سَكَنْت يَوْمًا يُحْمَلُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمِعْيَارُ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَالْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَقْدِيرِهَا بِزَمَانٍ، إذْ لَا يُقَالُ خَرَجْت أَوْ قَدِمْت أَوْ دَخَلْت يَوْمًا يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، الْآيَةَ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْفَارَّ مِنْ الزَّحْفِ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَقَوْلُهُ. (وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَيْسَ يَمْتَدُّ فَيَنْتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ اُعْتُبِرَ الْمَظْرُوفُ دُونَ
стр. 1577
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَاللَّيْلُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا السَّوَادَ وَالنَّهَارُ يَتَنَاوَلُ الْبَيَاضَ خَاصَّةً وَهَذَا هُوَ اللُّغَةُ. .
الْمُضَافِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لِتَمَيُّزِ الْمُضَافِ بَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ وَأَمْرُك بِيَدِك أَوْ اخْتَارِي يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ يَعْتِقُ عَبْدُهُ وَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ بِقُدُومِهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ، وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ وَالِاخْتِيَارُ بِيَدِهَا بِقُدُومِهِ لَيْلًا مَعَ اتِّحَادِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِيهِمَا لِامْتِدَادِ الْمَظْرُوفِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَفِي اعْتِبَارِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْجَوَابُ بِالنَّظَرِ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَظْرُوفُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ كِلَاهُمَا مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَقَوْلِهِ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرْ كُلَّهُمْ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَسْأَلَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ إلَّا الْمَظْرُوفَ. فَإِنْ قِيلَ: اعْتَبَرَ الْمُصَنِّفُ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْجَوَابِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِمَّا يَمْتَدُّ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فَيَجُوزُ اعْتِبَارُهُ لِاسْتِقَامَةِ الْجَوَابِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً دُيِّنَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ صِحَّةِ نِيَّةِ الْحَقِيقَةِ مَعَ اسْتِغْنَائِهَا عَنْهَا
стр. 1578
فَصْلٌ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى)
فَصْلٌ) لَمَّا كَانَتْ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى النِّسَاءِ مُخَالِفَةً لِإِضَافَتِهِ إلَى الرِّجَالِ ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَذَكَرَ فِيهِ مَسَائِلَ أُخَرَ مُتَنَوِّعَةً وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي مَسَائِلَ شَتَّى (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَوْ قَالَ أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ عَلَيْك حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ طَلُقَتْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى) لِأَنَّ الطَّلَاقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ الْمُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ الْحِلَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ
стр. 1579
لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى مَلَكَتْ هِيَ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الْحِلُّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا فَيَصِحَّ مُضَافًا إلَيْهِ كَمَا صَحَّ مُضَافًا كَمَا فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا هِيَ الْمَمْنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجَ مَالِكٌ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنْكُوحَةً بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ إضَافَتُهُمَا إلَيْهِمَا وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا.
ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لَمَّا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ وَلِأَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ مُتَنَاكِحَيْنِ وَيَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِرَفْعِ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) وَكُلُّ مَا وُضِعَ لِذَلِكَ صَحَّ مُضَافًا إلَيْهِ كَمَا فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَقُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَاقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ الْمُشْتَرَكَيْنِ بَلْ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا الْمَمْنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْبُرُوزِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ لَكِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجُ مَالِكٌ، وَهَذَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُ بِالنِّكَاحِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ النِّكَاحِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا) أَيْ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ (سُمِّيَتْ مَنْكُوحَةً) أَيْ وَارِدًا عَلَيْهَا مِلْكُ النِّكَاحِ (بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَبِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَصَحَّ إضَافَتُهُمَا إلَى الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا)
стр. 1580
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ). قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا قَوْلَ الْكُلِّ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ،
قِيلَ لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَالْحِلِّ مُشْتَرَكَيْنِ لَاتَّحَدَا فِي حَقِّ إضَافَةِ الْإِبَانَةِ وَالْحُرْمَةِ إلَيْهِمَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ أَنَا بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ مَا لَمْ يَقُلْ مِنْك أَوْ عَلَيْك. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَمْ يَنْشَأْ مِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ بَلْ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ مِنْ جِهَتِهِ دُونَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا مِلْكٌ غَيْرُهُ وَلَا تَحِلُّ عَلَى غَيْرِهِ مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ فَكَانَتْ الْجِهَةُ مُتَعَيِّنَةً فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَلَهُ مِلْكٌ عَلَى غَيْرِهَا وَيَحِلُّ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مِنْك أَوْ عَلَيْك تَعْيِينًا لِلْجِهَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ) يَعْنِي بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ فِي حَقِّ التَّشْكِيكِ فِي الْإِيقَاعِ أَوْ فِي حَقِّ الْوَضْعِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَوْلَ الْكُلِّ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي وَضْعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ
следующие страницы →