Полный текст (5 149 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا، وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ دُونَ الطَّلَاقِ، وَانْتِقَاصُ الْعَدَدِ لِثُبُوتِ الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْوَصْلَةِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ،
فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْبَيْنُونَةُ الْخَفِيفَةُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ إنَّمَا تَكُونُ كَالصَّرِيحِ فِي الْعَمَلِ أَنْ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا (وَقَوْلُهُ وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لَوْ كَانَ لِأَجْلِ الطَّلَاقِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِتَعْيِينِ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ لَا لِلطَّلَاقِ، يَعْنِي: النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلطَّلَاقِ الْبَائِنِ لَا لِلطَّلَاقِ الْمُجَرَّدِ. وَقَوْلُهُ (وَانْتِقَاصُ الْعَدَدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ يُزِيلُ الْوَصْلَةَ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَقْصِ الْعَدَدِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَكَانَ النَّقْصُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلَاقًا بَائِنًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ فِي حَقَائِقِهَا لَمَا صَحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ مَثَلًا كَمَا لَا تَصِحُّ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِنَفْسِهِ، وَتَقْرِيرُهُ صِحَّةُ نِيَّةِ الثَّلَاثِ لَمْ تَكُنْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَامِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ
стр. 1612
وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الِاثْنَتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي وَقَالَ: نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي حَيْضًا دِينَ فِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْمُرُ امْرَأَتَهُ فِي الْعَادَةِ بِالِاعْتِدَادِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ (وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْبَاقِي شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأُولَى الطَّلَاقَ صَارَ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَتَعَيَّنَ الْبَاقِيَانِ لِلطَّلَاقِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْكُلِّ الطَّلَاقَ حَيْثُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: نَوَيْت بِالثَّالِثَةِ الطَّلَاقَ دُونَ الْأُولَيَيْنِ حَيْثُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْحَالَ عِنْدَ الْأُولَيَيْنِ لَمْ تَكُنْ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ،
بَلْ مِنْ حَيْثُ تَنَوُّعُ الْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ، وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَاحِدُ الْبَائِنُ (وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي أَوَائِلِ بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا إلَخْ. .
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لَهَا اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي) وَقَالَ نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا هَذَا تَفْصِيلُهَا: نَوَى بِالْجَمِيعِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْجَمِيعِ حَيْضًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَ ثَلَاثٌ نَوَى بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَيَيْنِ
стр. 1613
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُصَدَّقُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ.
طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُخْرَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُخْرَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالْأُولَى حَيْضًا وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَبِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَبِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَبِالْأُولَى طَلَاقًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. وَبِنَاءُ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ وَعَلَى حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ وَعَلَى أَنَّ النِّيَّةَ تُبْطِلُ مُذَاكَرَةَ الطَّلَاقِ فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصْدُقُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يَصْدُقُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1616
بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ
فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ
(وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ لَهَا الْمَجْلِسُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ،
بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ)
:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَصَرُّفِ نَفْسِ الرَّجُلِ فِي الطَّلَاقِ شَرَعَ فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ الْحَاصِلِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَخَّرَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصَرُّفُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ.
(فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ)
هَذَا الْبَابُ ثَلَاثُ فُصُولٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَذَكَرَهَا مُتَوَالِيَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْقِيَاسِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِذَا قَامَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا. وَلَمْ يُقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ
стр. 1617
وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ اُعْتُبِرَتْ سَاعَةً
فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقْتَصِرَ الْجَوَابُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ مِنْ الزَّوْجِ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ يَتَأَبَّدُ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ كَالْبَيْعِ فِي كَوْنِهِ تَمْلِيكًا، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِمَّا يَتَأَبَّدُ، وَمِمَّا لَا يَتَأَبَّدُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْقِيَاسُ: أَعْنِي قِيَاسَ الْمُصَنِّفِ التَّخْيِيرَ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ الِاخْتِيَارُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ بِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُمَلَّكُ لَهُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالتَّوْكِيلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ عَامِلًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَرْأَةُ بَعْدَ التَّخْيِيرِ إنَّمَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فَكَانَ التَّخْيِيرُ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا.
وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ شُبَهًا: أَحَدُهَا أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ فَهُوَ وَكِيلٌ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَيَمْلِكُ صَاحِبُ الدَّيْنِ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا تَوَارَدَ مِلْكُهُ وَمِلْكُهَا عَلَى الطَّلَاقِ دَفْعَةً وَهُوَ لَا يَصِحُّ. وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ وَطَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا حَنِثَ الزَّوْجُ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ مَلَكَتْ طَلَاقَهَا لَمَا حَنِثَ.
وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَدْيُونِ لِنَفْسِهِ وَقَعَ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهِ وَالضِّمْنِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَهُوَ لَيْسَ بِدَافِعٍ
стр. 1618
وَاحِدَةً، إلَّا أَنَّ الْمَجْلِسَ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالذَّهَابِ عَنْهُ وَتَارَةً بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ، إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ
لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ بِأَنَّهَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهَا، وَكَذَا بَقِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْأَجْوِبَةِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ يَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهِ.
وَأَقُولُ: التَّمْلِيكُ هُوَ الْإِقْرَارُ الشَّرْعِيُّ عَلَى مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالتَّوْكِيلُ هُوَ الْإِقْرَارُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَحِينَئِذٍ تَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ الْأُولَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لَهَا إلَّا بِالْقَبُولِ، فَقَبْلَهُ لَا مِلْكَ لَهَا وَبَعْدَهُ زَالَ مِلْكُهُ فَلَمْ يَتَوَارَدْ الْمِلْكَانِ عَلَيْهِ لَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَلَا بَعْدَهُ. وَعَنْ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَمْنُوعَةٌ وَالْمَنْعُ مَذْكُورٌ فِي الزِّيَادَاتِ. ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا أَوْ نَفْسَهَا، فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، كَأَنَّهُ جَعَلَ عَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ طَلَاقًا. وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ
стр. 1619
الْمُنَاظَرَةِ وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُهُمَا.
وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَاكَ الِافْتِرَاقُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيْرِهِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً).
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَيَمْلِكُ إقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ الْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ (وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ
ذَلِكَ طَلَاقًا»، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ، وَلَا يَقَعُ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 1620
نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَدْ تَتَنَوَّعُ.
قَالَ (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ: اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ الْآخَرِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ كَلَامَهُ مُفَسَّرٌ، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ
وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ بِذِكْرِ النَّفْسِ فِي حَقِّ إرَادَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ مِنْ التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ كَمَا تَقَعُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ فَكَذَلِكَ تَقَعُ بِذِكْرِ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ كَالتَّطْلِيقَةِ وَالِاخْتِيَارَةِ. وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الزَّوْجُ بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَمَّا إذَا صَدَقَهَا طَلُقَتْ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامَانِ مُبْهَمَيْنِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ) يَعْنِي أَنَّ اخْتَارِي مِنْ الْكِنَايَاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي نَفْسَك) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ) أَيْ إعَادَةَ كَلَامِهِ
стр. 1621
(وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً فَقَالَتْ: اخْتَرْت) لِأَنَّ الْهَاءَ فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ وَالِانْفِرَادِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ.
(وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ كَلَامَهَا مُفَسَّرٌ، وَمَا نَوَاهُ الزَّوْجُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ (وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ أَوْ يَحْتَمِلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي.
فَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت مَا أَمَرْتنِي بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ النَّفْسُ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) بَيَانُ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي التَّفْسِيرِ (لِأَنَّ الْهَاءَ) أَيْ التَّاءَ (فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ) لِكَوْنِهَا لِلْمَرَّةِ، وَالِاتِّحَادُ إنَّمَا يَكُونُ فِي اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ مَرَّةً بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِتَطْلِيقَةٍ (وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى) بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِمَا شِئْت أَوْ بِثَلَاثٍ (فَصَارَ مُفَسِّرًا مِنْ جَانِبِهِ) بِخِلَافِ اخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ إبْقَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ. .
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي) ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ وُقُوعَ كَلَامِ الْمَرْأَةِ مُفَسَّرًا بِذِكْرِهَا الِاخْتِيَارَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ اخْتَارِي فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارَةِ لَمَّا صَلَحَ لِلتَّفْسِيرِ صَارَ ذِكْرُهَا بِمَنْزِلَةِ ذِكْرِ النَّفْسِ وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ. فَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارَةِ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ) يَعْنِي إنْ أَرَادَتْ الِاسْتِقْبَالَ (أَوْ يَحْتَمِلُهُ) إنْ لَمْ تُرِدْهُ، (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي) فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذَا
стр. 1622
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ ﵂، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابًا مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا: أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ عَائِشَةَ) وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: إنِّي مُخْبِرُك بِأَمْرٍ فَلَا تُجِيبِينِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ، فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ لَا، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ». وَاعْتَبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَوَابًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُحْتَمِلِ الْوَعْدَ (وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجَوُّزٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ) وَالْحَقِيقَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً (كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ) فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إيمَانًا لَا وَعْدًا بِالْإِيمَانِ، وَكَذَا الشَّاهِدُ إذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِكَذَا فَلَا يَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ (بِخِلَافِ قَوْلِهَا أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُتَعَذِّرٌ) إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ حَالَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ يَقَعُ قَوْلُهُ أُطَلِّقُ نَفْسِي حِكَايَةً عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِيقَاعَ بِاللِّسَانِ دُونَ
стр. 1623
قَوْلُهَا: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ (وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَةً) وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي
الْقَلْبِ وَلَمْ يَصِحَّ فِعْلُ اللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ فِعْلٍ قَائِمٍ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيلِ الْحَالِ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ بَعْدُ وَالْحِكَايَةُ تَقْتَضِي وُجُودَ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ (وَلَا كَذَلِكَ أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ فَيَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ لَا مَحَالَةَ. وَاعْتَرَضَ الشَّارِحُونَ عَلَى قَوْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ بِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَوْضُوعَاتِ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْمُشْتَرَكِ يَتَرَجَّحُ بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا دَلَالَةُ إرَادَةِ الْحَالِ بِهِ، إذْ الْعَادَةُ الْعُرْفِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْحَالِ يَقُولُ الرَّجُلُ فُلَانٌ يَخْتَارُ كَذَا وَأَنَا أَمْلِكُ كَذَا فِي الْعَادَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ بِدَافِعٍ لِلسُّؤَالِ وَلَيْسَ لَهُ اتِّصَالٌ بِهَذَا الْمَحَلِّ.
وَأَقُولُ: بَحْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَيْسَ بِوَظِيفَةِ النَّحْوِيِّ فَلَا مُعْتَبَرَ بِكَلَامِهِمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْأُصُولِ أَوْ وَظِيفَةُ الْبَيَانِ، وَأَهْلُ الْبَيَانِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ فِيمَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ كُتُبِهِمْ، وَأَهْلُ الْأُصُولِ نَقَلُوا فِيهِ الْخِلَافَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ، وَالْأَوَّلُ مُخْتَارُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُصَنِّفُ مِنْهُمْ لَا مَحَالَةَ، وَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ مَرْجُوحٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ مُخِلٌّ بِالْفَهْمِ عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ وَلَا إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ (لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي
стр. 1624
يَتَكَرَّرُ لَهُمَا إنْ ذَكَرَ الْأُولَى، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ.
يَتَكَرَّرُ) فَكَانَ مُتَعَيِّنًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ لِزَوَالِ الْإِبْهَامِ، قَالَ: الْأُولَى وَالْوُسْطَى وَالْأَخِيرَةَ كُلٌّ مِنْهَا اسْمٌ لِمُفْرَدٍ مُرَتَّبٍ، وَلَيْسَ الْمَحَلُّ مَحَلَّ تَرْتِيبٍ فَيَلْغُو التَّرْتِيبُ وَيَبْقَى الْإِفْرَادُ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت التَّطْلِيقَةَ الْأُولَى لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا اخْتَرْت الْأُولَى اخْتَرْت مَا صَارَ إلَيَّ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى، وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهَا بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى تَطْلِيقَةٌ فَكَأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ وَفِي ذَلِكَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ فَكَذَا هَاهُنَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا وَصْفُ لَغْوٍ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّ الْقَوْمَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَكَان لَا يُقَالُ هَذَا أَوَّلُ وَهَذَا آخِرُ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ فِي فِعْلِ الْأَعْيَانِ يُقَالُ هَذَا جَاءَ أَوَّلًا وَهَذَا جَاءَ آخِرًا وَكُلُّ مَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ يَلْغُو فِيهِ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ لِلتَّرْتِيبِ وَهُوَ الْأُولَى وَأُخْتَاهَا، وَإِذَا لَغَا اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يَلْغُو مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ أَيْضًا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ أَصْلٌ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ، وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّهِمَا بَقِيَ قَوْلُهَا اخْتَرْت وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْكُلِّ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْكَلَامَ عَلَى الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةِ وَكُلٌّ مِنْهَا مُفْرَدٌ فَلَا يَكُونُ كَلَامًا. وَالثَّانِي أَنَّ
стр. 1625
وَلَهُ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَغْوٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ، وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهَا لِلْمَرَّةِ فَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَتْ بِهَا وَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ تَقَعُ الثَّلَاثُ فَمَعَ التَّأْكِيدِ أَوْلَى
الْأُولَى اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ فَكَانَ الْإِفْرَادُ أَصْلًا وَالتَّرْتِيبُ بِنَاءً لِكَوْنِهِ يُفْهَمُ مِنْ وَصْفِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ رُبَّمَا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ عَلَى الْمُرَكَّبِ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا، وَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ مَا دَلَّتْ عَلَى ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ الْأُولَى دَالًّا عَلَى الْفَرْدِ السَّابِقِ وَمَعْنَى السَّبْقِ هُوَ الْمَقْصُودُ فَصَحَّ أَنَّ التَّرْتِيبَ أَصْلٌ وَالْإِفْرَادَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ إلَّا بِالذَّاتِ الَّتِي لَزِمَتْهَا الْفَرْدِيَّةُ فِي الْوُجُودِ وَهَذَا كَمَا تَرَى مَعْنًى دَقِيقٌ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهُوَ وَاضِحٌ
стр. 1626
(وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ مُعْقِبَةٌ لِلرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ.
وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ) يَعْنِي فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ اخْتَارِي (فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ) يَعْنِي قَوْلَهَا قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت بِتَطْلِيقَةٍ (يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ) أَيْ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَمَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَانَ عِنْدَ الْوُقُوعِ رَجْعِيًّا فَهَذَا اللَّفْظُ يُوجِبُ الرَّجْعِيَّ. فَإِنْ قِيلَ: إذَنْ لَا يَكُونُ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلتَّفْوِيضِ لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا الِاخْتِيَارُ وَهُوَ يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ. أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ) فَكَانَ مُطَابِقًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا. قَالَ الشَّارِحُونَ: وَقَوْلُهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَتَصَرَّفُ حُكْمًا لِلتَّفْوِيضِ وَالتَّفْوِيضُ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَتَمْلِكُ الْإِبَانَةَ لَا غَيْرُ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَةِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالزِّيَادَاتِ وَعَامَّةَ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَكَذَا، سِوَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَالدَّلِيلُ أَيْضًا يُسَاعِدُ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، أَمَّا وُقُوعُ الْوَاحِدَةِ فَلِمَا قُلْنَا وَهُوَ أَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بَائِنًا لِأَنَّ الْعَامِلَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَاقِعُ بِالتَّخْيِيرِ بَائِنٌ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ النَّفْسِ مِنْهَا وَالرَّجْعِيُّ لَا يُثْبِتُ مِلْكَ النَّفْسِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي بِتَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ تَعْقُبُ الرَّجْعَةَ) قِيلَ فَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُهُ هَذَا فِي التَّقْدِيرِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك، وَقَوْلُهَا اخْتَرْت لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك بَلْ يَلْغُو.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْت إنَّمَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ الطَّلَاقِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ دُونَ لَفْظِ الِاخْتِيَارِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ بِالْعَكْسِ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ أَقْوَى، وَهَهُنَا لَمْ يَكُنْ
стр. 1627
فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ
أَضْعَفَ لِأَنَّ صِحَّةَ هَذَا الْجَوَابِ بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالِاخْتِيَارِ دُونَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى وَهُمَا ضَعِيفَانِ كَالِاخْتِيَارِ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ قَوْلُهَا اخْتَرْت جَوَابًا لَهُ.
(فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ)
أَخَّرَ فَصْلَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ عَنْ فَصْلِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُؤَيَّدٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي التَّخْيِيرِ فِي الْمَسَائِلِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إلَّا أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَالِكٌ لِأَمْرِهَا فَإِنَّمَا يُمَلِّكُهَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَصِحُّ مِنْهُ وَيَلْزَمُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الرُّجُوعَ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِإِيقَاعِ
стр. 1628
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ، وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ
الطَّلَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ. حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَفِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ كَذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ قِيَاسًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَمْرِي مِنْك بِيَدِك أَوْ أَمْرُك مِنِّي بِيَدِي وَقَعَ الطَّلَاقُ فَيَنْدَفِعُ (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي بِذَلِكَ الثَّلَاثَ فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) وَبَيَانُهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ صِحَّةِ جَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ بِالِاخْتِيَارِ وَإِلَى كَيْفِيَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ فَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ جَوَابًا لَهُ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ صِفَةُ الِاخْتِيَارَةِ (فَصَارَتْ كَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ بِاخْتِيَارَةٍ وَاحِدَةٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَهِيَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، وَإِنَّمَا
стр. 1629
(وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّ التَّفْوِيضَ فِي الْبَائِنِ ضَرُورَةُ مِلْكِهَا أَمْرَهَا، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَتَصِيرُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي الْإِيقَاعِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ،
عَبَّرَ عَنْهَا بِمَرَّةٍ لِأَنَّ الصِّيغَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْ الِاخْتِيَارِ هِيَ الِاخْتِيَارَةُ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِمَفْهُومِهَا، وَبِذَلِكَ: أَيْ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اخْتَرْت جَمِيعَ مَا فَوَّضْت إلَيَّ اخْتِيَارَةً وَاحِدَةً، وَحِينَ نَوَى الزَّوْجُ الثَّلَاثَ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا ذَلِكَ (وَلَوْ قَالَتْ) يَعْنِي فِي جَوَابِ قَوْلِهِ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك (قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ) فَوَجَبَ إثْبَاتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ السَّابِقُ، وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ لِدَلَالَةِ اخْتَرْت عَلَيْهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ لِدَلَالَةِ طَلَّقْت عَلَيْهَا، وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ مَعَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارَةِ لِأَنَّهُ إعَادَةٌ لِبَيَانِ قَرِينَةِ الْمَحْذُوفِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ لِدَلَالَةِ اخْتَرْت عَلَيْهَا فَتَكُونُ فِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ لِدَلَالَةِ طَلَّقْت عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ فِيمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي الْبَائِنِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، فَقَوْلُهُ فِي الْبَائِنِ خَبَرُ إنَّ وَتَقْرِيرُهُ التَّفْوِيضَ حَصَلَ فِي الْبَائِنِ لِضَرُورَةِ أَنَّهُ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، وَأَنَّ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا أَمْرَهَا يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ لِكَوْنِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَتَصِيرُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ يَعْنِي الْبَيْنُونَةَ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي إيقَاعِ الْمَرْأَةِ كَلَامَهَا مُطَابِقًا لِكَلَامِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهَا اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فِي جَوَابِ اخْتَارِي وَبَيْنَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فِي جَوَابِ أَمْرُك بِيَدِك عِنْدَ الْمُصَنِّفِ حَتَّى كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْأَوَّلِ رَجْعِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الثَّانِي بَائِنًا كَمَا ذَكَرَهُ، وَهَلْ هَذَا إلَّا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ الطَّلَاقِ لَا فِي الْبَائِنِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ صَرِيحَ الطَّلَاقِ الْوَارِدِ فِي كَلَامِهَا عَنْ مُوجِبِهِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا عَلَى مَا نَقَلْنَا عَنْ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك دُونَ اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْأَمْرُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ اسْمًا عَامًّا
стр. 1630
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ) لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ وَقْتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ إذْ ذِكْرُ الْيَوْمِ بِعِبَارَةِ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ فَكَانَا أَمْرَيْنِ فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ. قُلْنَا: الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ،
صَلَحَ اسْمًا لِكُلِّ فِعْلٍ، فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ صَارَ كِنَايَةً عَنْ قَوْلِهِ طَلَاقُك بِيَدِك وَالطَّلَاقُ مَصْدَرٌ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ فَيَكُونُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةَ التَّعْمِيمِ (بِخِلَافِ قَوْلِهِ اخْتَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ. .
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ) حَتَّى لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي اللَّيْلِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ (وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ فِي يَدِهَا بَعْدَ غَدٍ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ وَقْتَيْنِ) يَعْنِي الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ (بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا) يَعْنِي الْغَدَ (لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ) فَإِنَّهَا لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْغَدِ لَا تَطْلُقُ فَكَانَا أَمْرَيْنِ (فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ) وَهَذَا دَلِيلُ كَوْنِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ بَعْدَ رَدِّهِ فِي الْيَوْمِ.
وَقَوْلُهُ إذْ ذِكْرُ الْيَوْمِ بِعِبَارَةِ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَوْمَ) دَلِيلُ قَوْلِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَهُوَ
стр. 1631
وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَحْتَمِلُهُ، فَيُوَقَّتُ الْأَمْرُ بِالْأَوَّلِ وَجَعَلَ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأً (وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا لَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا فِي غَدٍ) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْكَلَامُ وَقَدْ يَهْجُمُ اللَّيْلُ وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَا يَنْقَطِعُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فِي يَوْمَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهَا إذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي الْيَوْمِ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ.
كَمَا تَرَى الْإِدْلَاجُ مُلْبِسٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا.
وَقَالَ زُفَرُ: هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا مَعْطُوفًا عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ لَفْظِ الْأَمْرِ. وَقُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ فَكَانَتْ الطَّالِقُ الْيَوْمَ طَالِقًا غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْيَدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَذِكْرُ وَقْتَيْنِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ لِتَخَلُّلِ وَقْتٍ بَيْنَهُمَا غَيْرِ مَذْكُورٍ فَيُؤَقَّتُ بِالْأَوَّلِ، وَجَعَلَ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأً كَأَنَّهُ قَالَ وَأَمْرُك بِيَدِك بَعْدَ غَدٍ (وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ) مَعْنَاهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ الَّذِي صَدَرَ مِنْ زَوْجِهَا بِأَنْ تَقُولَ لَا أَقْبَلُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ
стр. 1632
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا الْيَوْمَ لَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ فِي الْغَدِ، فَكَذَا إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا بِرَدِّ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَمْلِكُ إلَّا اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ
لَهَا أَنْ تَرُدَّ الْإِيقَاعَ الَّذِي أَوْقَعَهُ زَوْجُهَا عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ بَاقِيًا فِي الْغَدِ كَمَا كَانَ وَكَانَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا.
وَقَوْلُهُ وَجْهُ الظَّاهِرِ) ظَاهِرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَجَعَلَ قَاضِي خَانْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصْلَ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ أَحَدٍ.
стр. 1633
(وَإِنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيَحْمِلُ الْيَوْمَ الْمَقْرُونَ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَيَتَوَقَّتُ بِهِ ثُمَّ يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ
(وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ) لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا (لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ)
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) ظَاهِرٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَوَقَّتُ بِهِ) أَيْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَنْقَضِي بِانْقِضَائِهِ.
(وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ) وَهَذِهِ تَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهَا فَهِيَ مَالِكَةٌ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْ قَوْلِهِ: التَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا إذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِهَا لَا يَبْطُلُ فِي يَوْمَيْنِ وَإِنْ قَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِيَوْمَيْنِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهَا يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ
стр. 1634
ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا وَبُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعْلِيقُ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا فَالْمَجْلِسُ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ
ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي سَمِعَتْ فِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ) لِغَيْبَةٍ أَوْ لِصَمَمٍ (فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا) وَبُلُوغُ الْخَبَرِ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى أَمْرُك بِيَدِك إنْ أَرَدْت طَلَاقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ وَالتَّعْلِيقُ كَذَلِكَ، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَيَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لَهُ؟
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّمْلِيكَ الَّذِي هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ؛ وَإِذَا صَحَّ التَّوْقِيتُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَقَّتَهَا، فَلَوْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّأْقِيتِ فَائِدَةٌ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ النَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ
стр. 1635
وَمَرَّةً بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْخِيَارِ، وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ الْإِعْرَاضِ، إذْ الْقِيَامُ يُفَرِّقُ الرَّأْيَ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ وَلَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يَقْطَعُهُ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ. وَقَوْلُهُ مَكَثَتْ يَوْمًا لَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ يُرَادُ بِهِ عَمَلٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَ فِيهِ لَا مُطْلَقَ الْعَمَلِ (وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِقْبَالِ فَإِنَّ الْقُعُودَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ (وَكَذَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ) لِأَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ جِلْسَةٍ إلَى جِلْسَةٍ فَلَا يَكُونُ إعْرَاضًا، كَمَا إذَا كَانَتْ مُحْتَبِيَةً فَتَرَبَّعَتْ.
قَالَ ﵁: هَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ إظْهَارُ التَّهَاوُنِ بِالْأَمْرِ فَكَانَ إعْرَاضًا،
مُطْلَقًا عَنْ التَّوْقِيتِ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ التَّمْلِيكِ، فَقُلْنَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَاعْتَبَرْنَا مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَقُلْنَا بِبَقَاءِ الْإِيجَابِ إلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ إذَا كَانَتْ غَائِبَةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهُ، حَتَّى لَوْ قَامَ وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَالْخِيَارُ بَاقٍ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ حِينَئِذٍ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفَ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَتَّى يُعْتَبَرَ مَجْلِسُهُمَا جَمِيعًا، فَإِنْ أَيُّهُمَا قَامَ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعْلِيقُ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ كَلَامِهِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ جَازَ إذَا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا، فَالْمَجْلِسُ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ: يَعْنِي إلَى مَجْلِسٍ آخَرَ، وَمَرَّةً بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْخِيَارِ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ إلَى آخِرِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ) أَيْ بِالْيَوْمِ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ فَهُوَ بَاقٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ) ظَاهِرٌ
стр. 1636
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاضْطَجَعَتْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (وَلَوْ قَالَتْ اُدْعُ أَبِي أَسْتَشِرْهُ أَوْ شُهُودًا أُشْهِدْهُمْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّ الِاسْتِشَارَةَ لِتَحَرِّي الصَّوَابِ، وَالْإِشْهَادَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِنْكَارِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ (وَإِنْ كَانَتْ تَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ فَوَقَفَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَإِنْ سَارَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ وَوُقُوفَهَا مُضَافٌ إلَيْهَا (وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ) لِأَنَّ سَيْرَهَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيقَافِهَا وَرَاكِبُ الدَّابَّةِ يَقْدِرُ. .
فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ،
وَقَوْلُهُ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ رِوَايَةُ الْجَامِعِ (أَصَحُّ) لِأَنَّ مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ قَدْ يَسْتَنِدُ لِلتَّفَكُّرِ لِمَا أَنَّ الِاسْتِنَادَ سَبَبٌ لِلرَّاحَةِ كَالْقُعُودِ. وَقَوْلُهُ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ تَبْطُلُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مُنْدَرِجٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. قِيلَ خَصَّ أَبَا يُوسُفَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَتْ اُدْعُ أَبِي أَسْتَشِيرُهُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ) يَعْنِي أَنَّهَا إذَا سَارَتْ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ
قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الِاخْتِيَارِ وَبَعْدَهُ السُّؤَالُ عَنْ تَقَدُّمِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْمَشِيئَةِ دَوْرِيٌّ فَيَسْقُطُ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ،
стр. 1637
وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ عَلَيْهَا) وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، فَلِهَذَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَيَنْصَرِفُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ نِيَّةُ الْعَدَدِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ أَمَةً لِأَنَّهُ جِنْسٌ فِي حَقِّهَا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي طَلَقْت) وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَبَنْتُك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت ذَلِكَ بَانَتْ فَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهِ وَصْفًا وَهُوَ
وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ) سَوَاءٌ طَلَّقَتْ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي) ظَاهِرٌ لَكِنْ تُرْجِمَ الْفَصْلُ بِفَصْلِ الْمَشِيئَةِ فَكَانَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ بِمَسْأَلَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ أَوْلَى.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَتْ قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِقَطْعِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبَنْتُك يَنْوِي الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ اخْتَرْت ذَلِكَ بَانَتْ وَأَلْفَاظُ الطَّلَاقِ تُوَافِقُ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا لِكَوْنِهِ تَطْلِيقًا فَكَانَتْ الْإِبَانَةُ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ مُوَافِقًا لِلسُّؤَالِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ كَانَ صَحِيحًا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ إلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهِ: أَيْ فِي الْجَوَابِ وَصْفًا وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا تُفِيدُ الْإِبَانَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِمَّا أَنْ يَبْطُلَ الْأَصْلُ لِأَجْلِ مَا زِيدَ فِيهِ مِنْ الْوَصْفِ، أَوْ يَلْغُوَ الْوَصْفُ لِرِعَايَةِ الْأَصْلِ، وَإِلْغَاءُ الْوَصْفِ لِتَصْحِيحِ الْأَصْلِ أَوْلَى فَيُصَارُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِ طَلِّقِي
стр. 1638
تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ، كَمَا إذَا قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَرْتُك أَوْ اخْتَارِي يَنْوِي الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، لَوْ قَالَتْ ابْتِدَاءً: اخْتَرْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت لَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ طَلَاقًا بِالْإِجْمَاعِ إذَا حَصَلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك لَيْسَ بِتَنْجِيزٍ فَيَلْغُو. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الْإِبَانَةُ تَغَايُرُ الطَّلَاقَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ) لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا وَالْيَمِينُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ
نَفْسَك تَطْلِيقَةً طَلَّقْت نَفْسِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً. وَقَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ) إنَّمَا قَالَ هَكَذَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ طَلُقَتْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَأَرَى أَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهَا رَجْعِيَّةً يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا) حَيْثُ كَانَ الْمُفَوَّضُ الطَّلَاقَ وَمَا أَتَتْ بِهِ الْإِبَانَةُ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ لَا مَحَالَةَ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إبْطَالُ الْأَصْلِ لِلْوَصْفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلَاقًا بَائِنًا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا وَهُوَ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَكَذَا هِيَ، وَفِي هَذَا تَرْكُ اعْتِبَارِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ التَّفْوِيضِ وَالْجَوَابِ، وَالْفِقْهُ هُوَ الْأَوَّلُ: أَعْنِي ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك) ظَاهِرٌ. وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ نَظَرًا إلَى الْيَمِينِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَجْلِسِ نَظَرًا إلَى التَّمْلِيكِ: وَفِيهِ مُطَالَبَتَانِ إحْدَاهُمَا مَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ طَلِّقِي نَفْسَك بِالْيَمِينِ دُونَ طَلِّقِي ضَرَّتَك وَكَمَا كَانَ مَعْنَى طَلِّقِي نَفْسَك إنْ طَلَّقْت نَفْسَك فَأَنْتِ طَالِقٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى طَلِّقِي ضَرَّتَك إنْ أَرَدْت طَلَاقَهَا فَهِيَ طَالِقٌ.
وَالثَّانِيَةُ مَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ الْأَوَّلِ بِالتَّمْلِيكِ وَالثَّانِي بِالتَّوْكِيلِ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأُولَى أَنَّ الْيَمِينَ بِالتَّعْلِيقِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وُجُودُهُ مُتَرَدِّدٌ، وَوُجُودُ طَلَاقِ الضَّرَّةِ إذَا فَوَّضَ إلَيْهَا أَمْرٌ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ طَبْعًا وَعَادَةً
стр. 1639
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت.
(وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً) وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: هَذَا وَالْأَوَّلُ
فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا. وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِيَةِ بِمَا تَقَدَّمَ، أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا بِتَخْلِيصِهَا عَنْ رِقِّ النِّكَاحِ وَفِي طَلَاقِ ضَرَّتِهَا عَامِلَةٌ لِلزَّوْجِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فِي طَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَعْمَلُ لِنَفْسِهَا مِنْهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا؛ وَلِأَنَّ الصُّورَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ بَابِ الْمَشِيئَةِ أَوْ لَا. وَالْمَآلُ شُمُولُ التَّمْلِيكِ أَوْ شُمُولُ التَّوْكِيلِ أَوْ التَّحْكِيمِ الْبَاطِلِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت) وَاضِحٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ التَّمْلِيكُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَوْجُودٌ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الطَّلَاقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ لَازِمَ التَّمْلِيكِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ مِنْ أَحْكَامِ التَّمْلِيكِ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَأَخَّرُ لِمَانِعٍ كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَهُوَ طَرِيقَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَمَوْضِعُهُ الْأُصُولُ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي) وَاضِحٌ، وَمَنَاطُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ عَلِمْت مَا عَلَيْهِ (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ: هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ
стр. 1640
سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ: بِعْهُ إنْ شِئْت. وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ،
لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِ التَّصْرِيحِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ) لِأَنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهَا وَفِعْلُهُ اخْتِيَارِيٌّ؛ وَإِذَا تَسَاوَيَا كَانَ الثَّانِي تَوْكِيلًا كَالْأَوَّلِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِعْ إنْ شِئْت، فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَشِيئَةِ لَا يُخْرِجُ التَّوْكِيلَ إلَى التَّمْلِيكِ (وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ). لَا يُقَالُ: قَدْ بَيَّنَ آنِفًا أَنَّ الْوَكِيلَ أَيْضًا يَتَصَرَّفُ بِمَشِيئَتِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَشِيئَةُ نَوْعَانِ: مَشِيئَةٌ تَفْتَقِرُ إلَيْهَا الْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ مُتَحَرِّكٍ بِهَا، وَمَشِيئَةٌ أُخْرَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْسَانُ الْفِعْلِ وَتَرْكُهُ، وَالْأُولَى ثَابِتَةٌ فِي التَّوْكِيلِ مَعَ جِهَةِ حَظْرٍ يَرْفَعُهَا قَوْلُهُ طَلِّقْهَا إيقَاعًا لِفِعْلِ الْمُوَكِّلِ، وَالثَّانِيَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمُلَّاكِ وَقَدْ فَوَّضَهَا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إنْ شِئْت فَكَانَ تَمْلِيكًا، هَذَا مَا أَمْكَنَنِي تَلْخِيصُهُ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ التَّمْلِيكِ وَقَدْ انْتَفَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَأَقُولُ: إذَا بَنَى الْكَلَامَ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْلِيكَ إقْرَارٌ شَرْعِيٌّ عَلَى مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالتَّوْكِيلَ إقْرَارٌ شَرْعِيٌّ عَلَى نَفْسِ التَّصَرُّفِ لَا عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلِ سَقَطَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ، وَالنَّظَرُ
стр. 1641
وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا مَلَكَتْهُ وَزِيَادَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَكَانَتْ مُبْتَدِئَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُرَكَّبٍ مُجْتَمِعٍ وَالْوَاحِدَةُ فَرْدٌ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُغَايِرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، بِخِلَافِ
الْأَوَّلُ فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ عَلَى مَا مَرَّ. ثُمَّ أَقُولُ: وَالْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ كَالرَّسُولِ، وَحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ رَسُولًا إلَى نَفْسِهِ كَانَ قَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك تَمْلِيكًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ طَلِّقِي ضَرَّتَك وَقَوْلُهُ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْ امْرَأَتِي فَيَحْتَمِلَانِ الرِّسَالَةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ إنْ شِئْت كَانَ تَوْكِيلًا، وَإِنْ ذَكَرَهَا كَانَ تَمْلِيكًا صَوْنًا لِلزِّيَادَةِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، إذْ التَّوْكِيلُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ النَّظَرُ الثَّانِي فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَعَلَّهُ مَخْلَصٌ. وَقَوْلُهُ (وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ زُفَرَ صُورَةَ النِّزَاعِ عَلَى الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَوْكِيلٌ لِلْبَيْعِ لَا الْبَيْعُ نَفْسُهُ وَالتَّوْكِيلُ بِهِ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ بِأَصْلِ الْبَيْعِ.
قَالَ (وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا) هَذَا لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي إيقَاعِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا، وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا فِيهَا وَاضِحٌ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَطَلَّقَهَا وَضَرَّتَهَا وَكَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا زَادَتْ مِنْ صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ مُعْدِمًا لِلْمُطَابَقَةِ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي مِنْك مُمْتَثِلَةً وَيَلْغُو قَوْلُهَا ثَلَاثًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا) وَمَنْ فَعَلَتْ كَذَلِكَ كَانَتْ مُبْتَدِئَةً كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَطَلَّقَتْ ضَرَّتَهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَكَلَامُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ الْعَشَرَةِ لَيْسَ عَيْنَهَا وَلَا غَيْرَهَا فَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ لَا عَيْنَهَا وَلَا غَيْرَهَا، فَمَا وَجْهُ إثْبَاتِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ
стр. 1642
الزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَكَذَا هِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مَلَكَتْ الثَّلَاثَ، أَمَّا هَاهُنَا لَمْ تَمْلِكْ الثَّلَاثَ وَمَا أَتَتْ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهَا فَلَغَتْ.
(وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَطَلَّقَتْ بَائِنَةً، أَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ فَطَلَّقَتْ رَجْعِيَّةً وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوْجُ) فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوْجُ: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَتَقُولُ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقَعُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَتَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ قَوْلَهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لَغْوٌ مِنْهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى إيقَاعِ الْأَصْلِ دُونَ تَعْيِينِ الْوَصْفِ فَصَارَ كَأَنَّهَا اقْتَصَرَتْ
فِي الْعَشَرَةِ الْمَوْجُودَةِ أَوْ الْمُتَصَوَّرَةِ، وَأَمَّا الثَّلَاثُ هَاهُنَا فَمَعْدُومٌ، وَالْوَاحِدُ الْمَوْجُودُ غَيْرُ الثَّلَاثِ الْمَعْدُومَةِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا الْمُغَايَرَةَ لَكِنْ إذَا قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك وَنَوَى الْوَاحِدَةَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ وَقَدْ أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ هُنَاكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ، فَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُونُ عَامًّا، فَإِذَا نَوَى الْوَاحِدَةَ فَقَدْ قَصَدَ تَفْوِيضًا خَاصًّا وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، فَلَمَّا أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا فَقَدْ وَافَقَتْهُ فِيمَا هُوَ أَصْلُ التَّفْوِيضِ وَهُوَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الْوَاحِدَةِ فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ.
(وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) ظَاهِرٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ إنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْت إنْ شِئْت الثَّلَاثَ إذْ الشَّرْطُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَزَاءٍ،
стр. 1643
عَلَى الْأَصْلِ فَيَقَعُ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الزَّوْجُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا (وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت الثَّلَاثَ وَهِيَ بِإِيقَاعِ الْوَاحِدَةِ مَا شَاءَتْ الثَّلَاثَ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ بِمَشِيئَةٍ لِلْوَاحِدَةِ كَإِيقَاعِهَا (وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ مَشِيئَةٌ لِلْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إيقَاعَهَا إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ الزَّوْجُ: شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ شِئْت وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ لِيَصِيرَ الزَّوْجُ شَائِيًا طَلَاقَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ يُقَدَّرُ مِثْلُهُ مُتَأَخِّرًا، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ وَلَمْ تُوجَدْ بِمَشِيئَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَذَا عَكْسُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَةُ الْوَاحِدَةِ وَمَشِيئَةُ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ مَشِيئَةً لِلْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ لِلْوَاحِدَةِ فِيمَا إذَا قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا، وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَتْ شِئْت إنْ شِئْت فَقَالَ شِئْت يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِقَوْلِهِ شِئْت لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا قَالَ شِئْت طَلَاقَك: أَيْ بِلَفْظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ كَلَامَهُ بِنَاءٌ عَلَى كَلَامِهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِهَا ذِكْرُ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ فَيَكُونُ شَائِيًا بِمَشِيئَتِهَا لَا بِطَلَاقِهَا، لَا يُقَالُ كَلَامُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ ذِكْرُ
стр. 1644
حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْت طَلَاقَك يَقَعُ إذَا نَوَى لِأَنَّهُ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَرَدْت طَلَاقَك لِأَنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ.
الطَّلَاقِ لِأَنَّ كَلَامَهَا لَغَا بِالِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَيَلْغُو مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَهُ شِئْت طَلَاقَك قَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ مِلْكًا وَقَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ وُقُوعًا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ جِهَةِ الْوُجُودِ وُقُوعًا (وَقَوْلُهُ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) قِيلَ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ، فَكَانَ قَوْلُهُ شِئْت بِمَنْزِلَةِ أَوْجَدْت وَإِيجَادُ الطَّلَاقِ بِإِيقَاعِهِ، بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّلَبِ، قَالَ ﵊ «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» أَيْ طَالِبُهُ، فَإِنْ قِيلَ: ذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ وَاحِدَةٌ فَمَا هَذِهِ التَّفْرِقَةُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَفْرِقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ وَتَسْوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَكَذَا
стр. 1645
(وَكَذَا إذَا قَالَتْ شِئْتُ إنْ شَاءَ أَبِي أَوْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْأَمْرُ (وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى طَلُقَتْ) لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت أَوْ إذَا مَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت أَوْ مَتَى مَا شِئْت فَرَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) أَمَّا كَلِمَةُ مَتَى وَمَتَى مَا فَلِأَنَّهُمَا لِلْوَقْتِ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، كَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا
مَا يُرِيدُهُ بِخِلَافِ الْعِبَادِ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا إذَا قَالَتْ شِئْت إنْ شَاءَ أَبِي) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ) قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَفَرَ مَنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ بُطْلَانَ الثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ صَارَتْ كِنَايَةً عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا حَصَلَ التَّعْلِيقُ بِهَا بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَكَذَا إذَا حَصَلَ بِفِعْلٍ فِي الْمَاضِي تَحَامِيًا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت إلَخْ)
стр. 1646
قَبْلَ الْمَشِيئَةِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، وَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ دُونَ الْأَفْعَالِ فَتَمْلِكُ التَّطْلِيقَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلَا تَمْلِكُ تَطْلِيقًا بَعْدَ تَطْلِيقٍ، وَأُمًّا كَلِمَةُ إذَا وَإِذَا مَا فَهُمَا وَمَتَى سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ لَكِنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ حَتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تُوجِبُ تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ (حَتَّى لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا
وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ) يَعْنِي لَوْ نَظَرْنَا إلَى كَوْنِهِ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ شِئْت، وَلَوْ نَظَرْنَا إلَى كَوْنِهِ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت) ظَاهِرٌ.
стр. 1647
لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُسْتَحْدَثٌ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جُمْلَةً وَجَمْعًا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، وَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا) لِأَنَّ كَلِمَةَ حَيْثُ وَأَيْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَمَعْنَاهُ قَبْلَ
وَقَوْلُهُ (فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جُمْلَةً وَجَمْعًا) قِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقِيلَ الْجُمْلَةُ هُوَ أَنْ تَقُولَ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا، وَالْجَمْعُ أَنْ تَقُولَ طَلَّقْت وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت) ظَاهِرٌ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَغَا ذِكْرُ الْمَكَانِ. بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ شِئْت فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّهُ يَقَعُ السَّاعَةَ. أُجِيبَ بِأَنَّ حَيْثُ وَأَيْنَ تُفِيدَانِ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ، وَحَرْفَ الشَّرْطِ أَيْضًا يُفِيدُ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّأْخِيرِ فَيُجْعَلَانِ مَجَازًا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ لِمَاذَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ حَرْفِ إنْ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ كَلِمَةِ إذَا أَوْ مَتَى فَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْهُ فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ كَلِمَةِ إذَا أَوْ مَتَى؟ أُجِيبَ بِأَنَّ جَعْلَهُمَا مَجَازًا عَنْ إنْ أَوْلَى لِمَا أَنَّهَا لِمَحْضِ الشَّرْطِ فَكَانَتْ أَصْلًا فِي الْبَابِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لِلطَّلَاقِ تَعَلُّقًا بِهِ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ وَاقِعًا فِي مَكَان كَانَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ: أَيْ اعْتِبَارُ الزَّمَانِ خُصُوصًا، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ عُمُومًا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت
قَالَ (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت)
стр. 1648
الْمَشِيئَةِ، فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ الزَّوْجُ ذَلِكَ نَوَيْت فَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ مَشِيئَتِهَا وَإِرَادَتِهِ، أَمَّا إذَا أَرَادَتْ ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ عَلَى الْقَلْبِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَغَا تَصَرُّفَهَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ تُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ قَالَ ﵁
اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت هَلْ يَتَعَلَّقُ أَصْلُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا أَوْ لَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بَلْ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا مَشِيئَةَ لَهَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَالْمَشِيئَةُ إلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي اُعْتُبِرَتْ مَشِيئَتُهَا فِي الْكَمِّ وَالْكَيْفِ فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ اتَّفَقَتْ نِيَّتُهُ وَمَشِيئَتُهَا فَذَاكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بِأَنْ شَاءَتْ بَائِنَةً وَالزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقَالَا: لَا يَقَعُ شَيْءٌ لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَهُ حَتَّى تَشَاءَ، فَإِنْ شَاءَتْ أَوْقَعَتْ مَا شَاءَتْ مِنْ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ فَوَّضَ التَّطْلِيقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ مُطْلَقًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَصْلِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَثْبُتَ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت أَوْ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ لِطَلَبِ الْوَصْفِ لَا لِطَلَبِ الْأَصْلِ، يُقَالُ كَيْفَ أَصْبَحْت: أَيْ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ مِنْ الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي وَصْفِ الطَّلَاقِ، وَالتَّفْوِيضُ فِي وَصْفِهِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ كَيْفَ لِطَلَبِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَوُجُودُ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَهَاهُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْقُولَ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِإِثْبَاتِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا اعْتِبَارًا بِعَامَّةِ التَّفْوِيضَاتِ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا حَالَ الطَّلَاقِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْكَمِّ وَالْكَيْفِ: يَعْنِي الْعَدَدَ وَالْبَيْنُونَةَ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَجْعَلَ الطَّلَاقَ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ نَاقِلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: وَقَدْ رَاجَعْت الْفُحُولَ فِي جَوَابِ هَذَا الْإِشْكَالِ فَمَا قَرَعَ سَمْعِي جَوَابُهُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا التَّفْوِيضِ لِعَامَّةِ التَّفْوِيضَاتِ إلَّا فِي كَوْنِهِ تَفْوِيضًا وَذَلِكَ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُفَوِّضَ هَاهُنَا مُتَنَوِّعٌ دُونَهَا فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ التَّعْوِيلِ نَظَرٌ. تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إلَى الْمَشِيئَةِ مَا عُلِّقَ بِهَا وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ إنَّمَا حَصَلَ
стр. 1649
وَقَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ مَا لَمْ تُوقِعْ الْمَرْأَةُ فَتَشَاءُ رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَتَاقُ لَهُمَا أَنَّهُ فَوَّضَ التَّطْلِيقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَكُونَ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ: أَعْنِي قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ
بِكَلِمَةِ كَيْفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَهِيَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأَصْلِ أَصْلًا فَيَكُونُ مُنَجِّزًا أَصْلَ الطَّلَاقِ وَمُفَوِّضًا لِوَصْفِهِ الْمُتَنَوِّعِ. وَتَفْوِيضُ وَصْفِ الشَّيْءِ مُبْهَمًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ مُمْتَنِعٌ إلَّا أَنَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا أَثَرَ لِمَشِيئَةِ الْوَصْفِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَصْلِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَيَلْغُو تَفْوِيضُ الصِّفَةِ إلَى مَشِيئَتِهَا، وَفِي الْمَوْطُوءَةِ الْمَحَلُّ بَاقٍ بَعْدَ وُجُودِ الْأَصْلِ فَلَهَا الْمَشِيئَةُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَتَاقُ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا حَالَ لِلْعِتْقِ يُفَوَّضُ إلَيْهِ. وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَشَاءَ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ (قَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْأَصْلِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَوْلِهِمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةِ لَا غَيْرُ فَذَكَرَهُ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ لَا قَوْلُهُمَا بِدَلِيلِ
стр. 1650
لِلِاسْتِيصَافِ، يُقَالُ كَيْفَ أَصْبَحْت وَالتَّفْوِيضُ فِي وَصْفِهِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ أَصْلِهِ وَوُجُودَ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ
مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) ذَكَرَ فِي أَصْلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَا لَمْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا مَشِيئَةَ الْقُدْرَةِ لَا مَشِيئَةَ الْإِبَاحَةِ: يَعْنِي أَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ.
وَوَجْهُ الِاخْتِصَاصِ اضْطِرَارُهَا، فَإِنَّ التَّفْرِيقَ يُخْرِجُ الْأَمْرَ مِنْ يَدِهَا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمَا يَعْنِي كَمْ وَمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ) فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي " كَمْ " مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا فِي " مَا " فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْوَقْتِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْعَدَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ فَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَفْوِيضِ الْعَدَدِ إلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ الْعَدَدُ بِالشَّكِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ جَانِبَ الْعَدَدِ مُرَجَّحٌ بِأَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَفْوِيضٌ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ إلَى الْمَرْأَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعْمُولَةً بِمَعْنَى الْعَدَدِ لَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ فَتَعَارَضَ جِهَتَا التَّرْجِيحِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَالْأَوَّلُ كَالْأَصْلِ فَالتَّرْجِيحُ بِهِ أَوْلَى
следующие страницы →