Полный текст (5 149 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا لِأَنَّهُ حَقُّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ
بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِضَرُورَةٍ فِي اللِّعَانِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَطَأْهَا أَوْ عَزَلَ عَنْهَا عَزْلًا بَيِّنًا وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِزِنًا أَوْ بِوَطْءٍ عَنْ شُبْهَةٍ فَاكْتَفَى بِنَفْيِ الْوَلَدِ حَتَّى يَنْتَفِيَ عَنْهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ مَعْدُومَةٌ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ.
(وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا بِمُوجَبِ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّهَا) لِأَنَّهُ بِاللِّعَانِ يَنْدَفِعُ عَارُ الزِّنَا عَنْهَا (فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ اللِّعَانِ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ) وَفِي نُسْخَةٍ: لِيَرْتَفِعَ الشَّيْنُ، وَمَعْنَى النُّسْخَةِ الْأُولَى لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ: أَيْ سَبَبُ اللِّعَانِ: أَيْ عِلَّتُهُ وَهُوَ التَّكَاذُبُ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَكْذَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ بَعْدَ قَذْفِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا؛ وَأَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَمْ يَبْقَ التَّكَاذُبُ بَلْ وَافَقَ الْمَرْأَةَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النُّسْخَةُ الْأُخْرَى فَقِيلَ إنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عَلَى زَعْمِ أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِكْذَابِ بَلْ يَتَقَرَّرُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِكْذَابِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَذْفِ لَكِنْ يَرْتَفِعُ الشَّيْنُ بِالتَّكَاذُبِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالسَّبَبِ الشَّرْطَ لِأَنَّ التَّكَاذُبَ شَرْطُ اللِّعَانِ: قِيلَ قَوْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ
стр. 1822
(وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي (فَإِنْ امْتَنَعَتْ حَبَسَهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إيفَائِهِ فَتُحْبَسُ فِيهِ.
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا
لَكِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إيفَائِهِ فَلَا يُحْبَسُ (وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ وَالْمُطَالِبُ بِهَا هُوَ الْمُدَّعِي وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى لَكِنَّ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ الْمَتْلُوُّ مِنْ النَّصِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَبْدُوءِ بِهِ فَقَالَ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) ظَاهِرٌ.
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا) بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَقَذَفَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ
стр. 1823
أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَيُصَارُ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَةَ، وَاللِّعَانُ خَلَفٌ عَنْهُ
(وَإِنْ) (كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ أَوْ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ زَانِيَةً (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ) لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِ الْإِحْصَانِ فِي جَانِبِهَا وَامْتِنَاعِ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا إذَا صَدَّقَتْهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ»
أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ (أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (فَيُصَارُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ (الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَةَ) فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ الْمَشْرُوعُ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ اللِّعَانُ خَلَفًا عَنْهُ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ، فَإِذَا عُدِمَتْ صِيرَ إلَى الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ) هُوَ (مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ») قِيلَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 1824
وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ
قِيلَ: كَفَى بِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ لِعَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ وَفِقْهِهِ مُقْتَدًى (وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُعْتُبِرَ جَانِبُهَا أَيْضًا وَهِيَ مَحْدُودَةٌ فِي الْقَذْفِ دَرْءًا لِلْحَدِّ؟.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَانِعَ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا إذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَنْتَفِي بِهِ الْحُكْمُ مَعَ قِيَامِ مُقْتَضِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ وَالْقَذْفُ فِي نَفْسِهِ مُوجِبٌ الْحَدَّ فَيُحَدُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ الْأَهْلِيَّةُ مِنْ جَانِبِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لَهُ، فَإِذَا ظَهَرَ عَدَمُ أَهْلِيَّتِهَا بِكَوْنِهَا مَحْدُودَةً فِي قَذْفِهِ بَطَلَ الْمُقْتَضَى فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ بَلْ انْعَقَدَ اللِّعَانُ وَلَا لِعَانَ لِبُطْلَانِهِ بِالْمَانِعِ. وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَذَفَ عَبْدَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ، وَعَلَى قَوَدِ مَا ذَكَرْتُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ فَيَجِبُ أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْقَذْفَ يُوجِبُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعَبْدِ شُبْهَةَ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً بَعْدَ الْعِتْقِ فَاعْتُبِرَتْ دَرْءًا لِلْحَدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ.
стр. 1825
(وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا. يُشِيرُ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا. وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا) وَالْأَصْلُ فِي مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ النَّصِّ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْتِي بِلَفْظَةِ الْمُوَاجَهَةِ يَقُولُ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ. وَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَفْظَةَ الْمُغَايَبَةِ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا الْإِشَارَةُ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ.
قَالَ (وَإِذَا الْتَعَنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا)
قَوْلُهُ (وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي) صِفَةَ اللِّعَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
стр. 1826
وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ. وَلَنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ (وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعِنِّينِ
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا الْتَعْنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّلَاعُنِ قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ تَوَارَثَا (وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ) يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَفَى الِاجْتِمَاعَ بَعْدَ التَّلَاعُنِ، وَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِالتَّلَاعُنِ (وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ (أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ) وَقَوْلُهُ (دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنْ لَا تَقَعَ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْقَاضِي، وَلَوْ قَالَ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ «قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ يُرِيدُ بِهِ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ اللِّعَانِ: كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ »، وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا لَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ «اذْهَبْ فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُنْصَرِفٌ إلَى طَلَبِهِ رَدَّ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «إنْ كُنْت صَادِقًا فَهُوَ لَهَا بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا».
وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ زُفَرَ بِالْحَدِيثِ يَجِيءُ (ثُمَّ إذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ تَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ)
стр. 1827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1828
(وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ) عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ رُجُوعٌ وَالشَّهَادَةُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَا حُكْمَ لَهَا، لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ التَّلَاعُنُ وَلَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْإِكْذَابِ فَيَجْتَمِعَانِ
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا) مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ) أَيْ الثَّابِتُ بِاللِّعَانِ (تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا») نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ يُنَافِي عَوْدَهُ خَاطِبًا.
(وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِالْكَذِبِ (رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ) وَالرُّجُوعُ عَنْهَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَصِّ التَّأْبِيدِ وَالْعَوْدِ خَاطِبًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ، إمَّا حَقِيقَةً بِمُبَاشَرَتِهِمَا اللِّعَانَ، أَوْ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ حُكْمِهِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بَعْدَ الْإِكْذَابِ، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ
стр. 1829
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ (وَلَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَنَفَى الْوَلَدَ ذَكَرَ فِي اللِّعَانِ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ يَنْفِي الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ وَيُلْحِقُهُ بِأُمِّهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ
وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَبَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ اللِّعَانِ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْأَهْلِيَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ فَيَجْتَمِعَانِ.
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي النَّسَبَ مِنْ الْأَبِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إلَخْ وَهُوَ
стр. 1830
هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ وَأَلْحَقَهُ بِهَا» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ،
ظَاهِرٌ (وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ) حَيْثُ كَانَ الْقَذْفُ بِهِ (فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ مَقْصُودَهُ،
стр. 1831
فَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِي يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي) لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ
فَالْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِنَفْيِهِ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفِيَ الْقَاضِي نَسَبَهُ وَيَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ عَنْهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ نَفْيَ الْوَلَدِ (يَنْفَكُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّفَرُّقِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بِاللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ وَلَا يَنْتَفِي النَّسَبُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْهُ.
رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ) بَعْدَ اللِّعَانِ (حَدَّهُ الْقَاضِي لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً بَعْدَ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ وَالْبَيْنُونَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، أَمَّا اللِّعَانُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِاللِّعَانِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَا مَعْنَى لِلِّعَانِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ
стр. 1832
(وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) وَهَذَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ الْمَنُوطُ بِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا
(وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا،
قَذْفَهُ كَانَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَالْقَذْفُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ حَدَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا لَاعَنَهَا لِأَنَّ وُجُوبَ اللِّعَانِ هُنَاكَ بِأَصْلِ الْقَذْفِ وَالْحَدِّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ فَقَدْ نَسَبَهَا فِيهَا إلَى الزِّنَا وَانْتَزَعَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ مِنْهَا بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَ شُهُودِ الزِّنَا إذَا رَجَعُوا.
وَأَمَّا فِيمَا قُلْنَا فَلَمْ يُوجَدْ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ ثُمَّ أَبَانَهَا بِالتَّطْلِيقَاتِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَعْدَ قَذْفِهَا إذَا أَبَانَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (وَقَوْلُهُ وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) تَكْرَارٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ هُنَاكَ تَفْرِيعًا وَنَقَلَ هَاهُنَا لَفْظَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) يَعْنِي جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا) فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا جَرَى اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إذَا زَنَيَا بَعْدَ إحْصَانِهِمَا رُجِمَا فَحِينَئِذٍ كَانَ قَوْلُهُ فَحُدَّتْ مَعْنَاهُ رُجِمَتْ، فَبَعْدَ ذَلِكَ أَنَّى تَبْقَى مَحَلًّا لِلتَّزَوُّجِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حُدَّتْ جُلِدَتْ، وَتَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَلَاعَنَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ إنَّهَا زَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَكَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ دُونَ الرَّجْمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ إحْصَانِ الرَّجْمِ الدُّخُولَ بَعْدَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ.
قَالَ (وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ الْقَاذِفُ أَجْنَبِيًّا) لِعَدَمِ إحْصَانِهِمَا، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ
стр. 1833
فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِهَا
(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِقِيَامِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اللِّعَانُ يَجِبُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ فَيَتَحَقَّقُ الْقَذْفُ. قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ بِك حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي. وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا تَلَاعَنَا) لِوُجُودِ الْقَذْفِ حَيْثُ ذَكَرَ الزِّنَا صَرِيحًا (وَلَمْ يَنْفِ الْقَاضِي الْحَمْلَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْفِيه لِأَنَّهُ ﵊ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا.
الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ (فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِ اللِّعَانِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالصَّرِيحِ فَكَذَلِكَ اللِّعَانُ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) هُوَ يَقُولُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ (وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ) لِكَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً (وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ) وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي) ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ لِلْقَذْفِ. وَقَوْلُهُ (وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَذْفَ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ لِإِفْضَائِهِ إلَى إبْقَائِهِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي ذِمَّةِ الْحَالِفِ، وَفِي ذَلِكَ احْتِيَالٌ لِإِثْبَاتِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا)
стр. 1834
وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ
(وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّهْنِئَةَ وَتُبْتَاعُ آلَةُ الْوِلَادَةِ صَحَّ
رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُحَيْمِرَ قَصِيرًا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا جُمَالِيًّا فَهُوَ لِشَرِيكٍ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ ﷺ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (وَلَنَا أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ أَوْ قَبْلَ حُصُولِ الْوِلَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبْلَهَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَلَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فَلَا يُقَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَالْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ يَتَوَقَّفَانِ عَلَى انْفِصَالِ الْوَلَدِ وَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْحَالِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَهُ الْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهَا، وَنَفْيُ الْوَلَدِ مِنْهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ إقَامَةُ الْحَدِّ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ (وَالْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ هِلَالٍ (مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ) بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا كَانَ كَذَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تُقْبَلُ التَّهْنِئَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْأَبُ التَّهْنِئَةَ ثُمَّ نَفَى
стр. 1835
نَفْيُهُ وَلَاعَنَ بِهِ وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) لِأَنَّ النَّفْيَ يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ. وَلَهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ أَوْ ابْتِيَاعُهُ مَتَاعَ الْوِلَادَةِ أَوْ مُضِيُّ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ. وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ.
لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاضِرًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ) لِئَلَّا يَقَعَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ مُجَازِفًا (وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ النَّفْيِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ لَهُ وَكَذَلِكَ ابْتِيَاعُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِ الْوَلَدِ عَادَةً، أَوْ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ، وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ دَلِيلُ الْقَبُولِ لَا يَصِحُّ النَّفْيُ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ ذِكْرُ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا تَرَى. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ فِي هَذِهِ تَسْتَعِدُّ لِلْعَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعَقِيقَةُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ نَصْبَ الْمِقْدَارِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ. وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ فِي الضَّعْفِ مِثْلُ الْأَوَّلِ (وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ) فَيُجْعَلُ كَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ الْآنَ فَلَهُ النَّفْيُ عِنْدَ
стр. 1836
قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (وَحُدَّ الزَّوْجُ) لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الثَّانِي، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَاعَنَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْيِ الثَّانِي وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ كَذَا هَذَا.
أَبِي حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّهْنِئَةُ، وَعِنْدَهُمَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْقُدُومِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَصَارَتْ حَالُ الْقُدُومِ كَحَالِ الْوِلَادَةِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ) ظَاهِرٌ (وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْأَوَّلَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بَاقٍ بَعْدَ نَفْيِ الْوَلَدِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْقَذْفِ بِابْتِدَاءِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ وُجِدَ الْإِقْرَارُ بَعْدَ النَّفْيِ ثَبَتَ الْإِكْذَابُ وَوَجَبَ الْحَدُّ، فَكَذَا هَاهُنَا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ حَقِيقَةً وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ) وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْذَابًا (فَكَذَلِكَ هَذَا).
стр. 1837
بَابُ الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ)
بَابُ الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ)
:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ وُجُوهِ أَحْكَامِ الْأَصِحَّاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامَ مَنْ بِهِ نَوْعُ مَرَضٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ بِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْأَصِحَّاءِ، وَالْعِنِّينُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ النِّسَاءِ، مِنْ عُنَّ إذَا حُبِسَ فِي الْعُنَّةِ وَهِيَ حَظِيرَةُ الْإِبِلِ، أَوْ مِنْ عَنَّ إذَا عَرَضَ لِأَنَّهُ يَعِنُّ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقُومَ آلَتُهُ أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ أَوْ إلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ لِضَعْفٍ فِي خِلْقَتِهِ أَوْ لِكِبَرِ سِنِّهِ أَوْ لِسِحْرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عِنِّينٌ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فِي حَقِّهَا. قَالَ (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا) أَيْ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا (أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً) ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ الْخُصُومَةِ (فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ
стр. 1838
هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرَضَةٍ، وَيَحْتَمِلُ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُصَلِّ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا
وَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ ﵃ (وَلِأَنَّ حَقَّهَا ثَابِتٌ فِي الْوَطْءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةٍ لِذَلِكَ. وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِفَرْطِ رُطُوبَةٍ فَيَتَدَاوَى بِمَا يُضَادُّهُ مِنْ الْيُبُوسَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الطَّبَائِعِ.
(فَإِذَا مَضَتْ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ السَّنَةَ شَمْسِيَّةً أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ مُوَافَقَةُ الْعِلَاجِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي
стр. 1839
وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ حَقُّهَا
يَقَعُ التَّفَاوُتُ فِيهَا بَيْنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ وَالشَّمْسِيَّةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا التَّفْرِيقَ) لِأَنَّهُ حَقُّهَا
стр. 1840
(وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَسْخٌ لَكِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ.
(وَلَهَا كَمَالُ مَهْرِهَا إنْ كَانَ خَلَا بِهَا) فَإِنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا (وَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا
وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ وَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: هُوَ فَسْخٌ لِأَنَّهُ فُرْقَةٌ مِنْ جِهَتِهَا لَكِنْ النِّكَاحُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا) يَعْنِي بَعْدَ التَّمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَيُقْبَلُ كَمَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِنَّمَا تَقَعُ التَّطْلِيقَةُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً، أَمَّا الْأُولَى فَلِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْوَطْءُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهَا تَحْتَ زَوْجٍ فَلَا يَحْصُلُ لَهَا دَفْعُ الظُّلْمِ.
(وَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ خَلَا بِهَا لِأَنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ سَلَّمَتْ الْمُبْدَلَ مَعَ وُجُودِ الْآلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ حَيْثُ قَالَا: مَا ذَنْبُهُنَّ إذَا جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ احْتِيَاطًا اسْتِحْسَانًا (لِمَا بَيَّنَّا)
стр. 1841
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ وَالْأَصْلُ هُوَ السَّلَامَةُ فِي الْجِبِلَّةِ (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً) لِظُهُورِ كَذِبِهِ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ، فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ إنْ طَلَبَتْ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْجِيلِ (وَالْخَصِيُّ يُؤَجَّلُ كَمَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ) لِأَنَّ وَطْأَهُ مَرْجُوٌّ
يَعْنِي فِي بَابِ الْمَهْرِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَإِنْ ادَّعَاهُ وَأَنْكَرَتْهُ (فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ) حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلْوُصُولِ صُورَةً (وَالْأَصْلُ فِي الْجِبِلَّةِ السَّلَامَةُ) وَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَكَانَ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ مَعْنًى وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَصَبْتهَا بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً، وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ) لِإِمْكَانِ أَنَّ بَكَارَتَهَا زَالَتْ بِوَجْهٍ آخَرَ فَيُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَتِهِنَّ لِيَكُونَ حُجَّةً (فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً) ثُمَّ كَيْفَ يَعْرِفُ أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ؟ قَالُوا: يَدْفَعُ فِي فَرْجِهَا أَصْغَرَ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ الدَّجَاجِ، فَإِنْ دَخَلَ بِلَا عُنْفٍ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ.
وَقِيلَ إنْ أَمْكَنَهَا أَنْ تَبُولَ عَلَى الْجِدَارِ فَبِكْرٌ وَإِلَّا فَثَيِّبٌ، وَقِيلَ تُكْسَرُ الْبَيْضَةُ فَتُصَبُّ فِي فَرْجِهَا فَإِنْ دَخَلَتْ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ) ظَاهِرٌ.
стр. 1842
(وَإِذَا أُجِّلَ الْعِنِّينُ سَنَةً وَقَالَ قَدْ جَامَعْتُهَا وَأَنْكَرَتْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ. فَإِنْ قُلْنَ: هِيَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ) لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ وَهِيَ الْبَكَارَةُ (وَإِنْ قُلْنَ: هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ) لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا
وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ
قَوْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِرَاءَةَ لِلنِّسَاءِ مَرَّتَانِ: مَرَّةٌ قَبْلَ الْأَجَلِ لِلتَّأْجِيلِ وَمَرَّةٌ بَعْدَ الْأَجَلِ لِلتَّخْيِيرِ (فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ) أَيْ لِتَأَيُّدِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا بِنُكُولِ الزَّوْجِ عَنْ الْيَمِينِ (فَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ) لِبُطْلَانِ حَقِّهَا (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا) وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ أَقَامَهَا أَعْوَانُ الْقَاضِي أَوْ قَامَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ شَيْئًا بَطَلَ خِيَارُهَا لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَخْيِيرِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ وَذَلِكَ مُوَقَّتٌ بِالْمَجْلِسِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالتَّفْرِيقُ كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْإِسْقَاطِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً بِتَأْخِيرِ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ قَامَتْ أَوْ أُقِيمَتْ سَقَطَ حَقُّهَا فَلَا تُطَالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ أَمَرَ الْقَاضِي الزَّوْجَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ أَبَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ.
قَالَ (وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا. وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَجُزْءٌ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ
стр. 1843
وَيُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَبِشَهْرِ رَمَضَانَ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتْقُ وَالْقَرْنُ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا
وَتُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ) يَعْنِي لَا يُعَوِّضُ عَنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ الْوَاقِعَةِ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ أَيَّامٌ أُخَرُ بَلْ هِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَدَّرُوا مُدَّةَ التَّأْجِيلِ بِسَنَةٍ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهَا أَيَّامَ الْحَيْضِ وَشَهْرَ رَمَضَانَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ السَّنَةَ لَا تَخْلُو عَنْهَا (وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَرَضِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ وَيُعَوَّضُ لِذَلِكَ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَيْهِ فَتْوَى الْمَشَايِخِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا مَرِضَ أَحَدُهُمَا مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعُ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ وَجَعَلَ لَهُ بَدَلَ مَكَانِهَا، وَكَذَلِكَ الْغَيْبَةُ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ مَمْنُوعٌ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارُ بِدُونِ اللَّيْلِ يَكُونُ نِصْفَ الشَّهْرِ، فَثَبَتَ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَحِيحَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّنَةِ وَلَوْ فِي يَوْمٍ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِزَمَانِ الْمَرَضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّ مَرَضَ أَحَدِهِمَا فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَهْرًا لَا يُحْتَسَبُ وَيُزَادُ فِي مُدَّتِهِ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْمَرَضِ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ) أَيَّ عَيْبٍ كَانَ (فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتَقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ مَصْدَرُ قَوْلِك امْرَأَةٌ رَتْقَاءُ لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: أَيْ لِانْسِدَادِهِ لَيْسَ لَهَا خَرْقٌ إلَّا الْمَبَالُ (وَالْقَرْنُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ إمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ عَظْمٌ تَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ بِهَا ذَلِكَ. قَالَ: لِأَنَّهَا يَعْنِي الْعُيُوبَ الْخَمْسَةَ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا، أَمَّا حِسًّا فَفِي الرَّتَقِ وَالْقَرْنِ، وَأَمَّا طَبْعًا فَفِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْ جِمَاعِ هَؤُلَاءِ وَرُبَّمَا يَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ
стр. 1844
وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ. قَالَ ﵊ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ»
وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ) «قَالَ ﷺ فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ.»
стр. 1845
وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهَا الْخِيَارُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْجُبّ وَالْعُنَّةُ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ) حَتَّى لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِهَا، فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى. قِيلَ فِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ مُوَقَّتٌ بِحَيَاتِهِمَا (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ هَذِهِ الْعُيُوبِ لَا تُوجِبُ الْفَسْخَ (لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ) وَفَوْتُ الثَّمَرَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ لِبَخَرٍ أَوْ ذَفَرٍ أَوْ قُرُوحٍ فَاحِشَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ، أَمَّا فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْبَاقِيَيْنِ فَبِالشَّقِّ أَوْ الْفَتْقِ، «وَقَوْلُهُ ﵊ فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ» الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَ عَلَى كَشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا» مَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ " أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِك» وَهَذَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهَا الْخِيَارَ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهَا الْخِيَارُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْوُصُولُ إلَى حَقِّهَا لِمَعْنًى فِيهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَتُخَيَّرُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا حَيْثُ لَا طَرِيقَ لَهَا سِوَاهُ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ) وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْوَطْءِ (وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْوَطْءَ فِيمَا إذَا كَانَ بِالْمَرْأَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ خِيَارَ
стр. 1846
بَابُ الْعِدَّةِ
الْفَسْخِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ جَعَلَهُ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ وَأَنْ لَا يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعَيْنِ وَذَلِكَ تَحَكُّمٌ. قُلْت: هَذَا السُّؤَالُ نَشَأَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ بِالْوَطْءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمَا يُخِلَّانِ بِهِ، بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْعِدَّةِ)
الْعِدَّةُ لَمَّا كَانَتْ أَثَرَ الْفُرْقَةِ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ أَعْقَبَهَا لِذِكْرِ وُجُوهِ التَّفْرِيقِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّ الْأَثَرَ يَعْقُبُ الْمُؤَثِّرَ. وَالْعِدَّةُ فِي اللُّغَةِ: أَيَّامُ أَقْرَاءِ الْمَرْأَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ عِنْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ مُتَأَكَّدًا بِالدُّخُولِ أَوْ الْخَلْوَةِ أَوْ الْمَوْتِ، وَهُوَ: أَيْ هَذَا الزَّوَالُ سَبَبُهَا. وَشَرْطُهَا وُقُوعُ الْفُرْقَةِ. وَرُكْنُهَا حُرُمَاتٌ ثَابِتَةٌ إلَى أَجَلٍ يَنْقَضِي
стр. 1847
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَهِيَ حُرَّةٌ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ كَفُّ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَنْ أَفْعَالٍ مَحْظُورَةٍ عَلَيْهَا وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا) وَلَمْ يَقُلْ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا. لِأَنَّ قَوْلَهُ رَجْعِيًّا يُغْنِي عَنْهُ إذْ الرَّجْعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا (أَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ) كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَمِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَالْفُرْقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (وَهِيَ حُرَّةٌ مِمَّنْ تَحِيضُ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾
стр. 1848
وَالْفُرْقَةُ إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَهِيَ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا.
وَالْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَطْهَارُ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا إذْ هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَلَا يَنْتَظِمُهُمَا جُمْلَةُ لِلِاشْتِرَاكِ
وَهُوَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ ظَاهِرُ الْمُرَادِ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعِبَارَتِهِ، وَأَمَّا الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَهِيَ فِي مَعْنَاهُ (لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَهَذَا) أَيْ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ (يَتَحَقَّقُ فِيهَا) أَيْ فِي الْفُرْقَةِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ.
(وَالْأَقْرَاءُ الْحَيْضُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَطْهَارُ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا) فَكَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ (كَذَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا جُمْلَةً لِلِاشْتِرَاكِ) فَإِنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَقِيقَتَيْنِ أَوْ حَقِيقَةً وَمَجَازًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ تَعَرُّضُ الْمُصَنِّفِ
стр. 1849
وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى، إمَّا عَمَلًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَطْهَارِ وَالطَّلَاقُ يُوقَعُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُبْقِ جَمْعًا، أَوْ لِأَنَّهُ مُعَرِّفٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، أَوْ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» فَيَلْتَحِقُ بَيَانًا بِهِ
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الْآيَةَ
لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَضْدَادِ إشَارَةً إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ وَكَوْنُهُ مِنْ الْأَضْدَادِ يَنْفِيهَا، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى لِمَعَانٍ: أَحَدُهُمَا الْعَمَلُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ: يَعْنِي الْقُرُوءَ فَإِنَّهُ جَمْعُ قُرْءٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْحَمْلِ عَلَى الْحَيْضِ لَا عَلَى الطُّهْرِ لِمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يُوقَعُ فِي طُهْرٍ وَهُوَ السُّنَّةُ، ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ عَنْ الْأَقْرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْأَطْهَارِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُدَّةُ عِدَّتِهَا قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ، وَلَفْظُ الثَّلَاثَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ خَاصٌّ لِكَوْنِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ بِالْقُرُوءِ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي أَنَّ الْحَيْضَ مُعَرِّفٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِأَنَّ بَرَاءَتَهَا إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ، لِمَا أَنَّ الْحَمْلَ طُهْرٌ مُمْتَدٌّ فَيَجْتَمِعَانِ فَلَا يَحْصُلُ التَّعَرُّفُ بِأَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ حَائِلٌ وَهُوَ أَيْ التَّعَرُّفُ هُوَ الْمَقْصُودُ. وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ ﷺ «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» وَالرِّقُّ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي التَّنْصِيفِ لَا فِي النَّقْلِ مِنْ الطُّهْرِ إلَى الْحَيْضِ فَيُلْحَقُ بَيَانًا بِهِ: أَيْ فَيُلْحَقُ هَذَا الْخَبَرُ بِالْمُشْتَرَكِ مِنْ الْكِتَابِ بَيَانًا.
стр. 1850
(وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ وَلَمْ تَحِضْ) بِآخِرِ الْآيَةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ وَالْحَيْضَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فَكُمِّلَتْ فَصَارَتْ حَيْضَتَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: لَوْ اسْتَطَعْتُ لَجَعَلْتهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ) أَيْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِآخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ عَطَفَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عَلَى اللَّائِي يَئِسْنَ وَجَعَلَ لَهُمَا خَبَرًا وَاحِدًا، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِدَّةِ الْحَيْضُ وَالشُّهُورُ بَدَلٌ عَنْهَا، حَيْثُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ عِدَّةً بِشَرْطِ عَدَمِ الْحَيْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَقَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً) ظَاهِرٌ.
стр. 1851
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ) لِأَنَّهُ مُتَجَزِّئُ فَأَمْكَنَ تَنْصِيفُهُ عَمَلًا بِالرِّقِّ.
(وَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
وَقَوْلُهُ (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ نَسَخَ قَوْله تَعَالَى
стр. 1852
(وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِاكْتِحَالِ، فَقَالَ ﷺ : كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَعَدَتْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ كَلْبَةً بِبَعْرَةٍ أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» فَسَقَطَ اسْتِدْلَالُ مَنْ يَقُولُ لَهَا عِدَّتَانِ طُولِيٌّ وَهِيَ الْحَوْلُ وَالْقَصْرِيُّ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَإِنَّ الْأُولَى هِيَ الْعِدَّةُ الْكَامِلَةُ وَإِنَّ الثَّانِيَةَ رُخْصَةٌ (وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِمَا عُرِفَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ، إمَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَإِمَّا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ أَيَّهُمَا كَانَ أَبْعَدَ،
стр. 1853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ الْآيَةَ، يَقْتَضِي الِاعْتِدَادَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَقَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾
стр. 1854
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
يُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا (وَقُلْنَا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى يَعْنِي سُورَةَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلَى آخِرِهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ فَيَكُونُ نَاسِخًا فِي ذَوَاتِ الْأَحْمَالِ (وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ).
стр. 1855
(وَإِذَا وَرِثَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا، أَمَّا إذَا كَانَ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ وَلَزِمَتْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إذَا زَالَ النِّكَاحُ فِي الْوَفَاةِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لَا فِي حَقِّ تَغَيُّرِ الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ يُجْعَلُ بَاقِيًا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ
وَإِذَا وَرِثَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ) عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ بِطَلَاقِ الْفَارِّ إذَا كَانَ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، حَتَّى لَوْ اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ تَحِضْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَتِمَّ الْمُدَّةُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَنْ انْقَطَعَ نِكَاحُهَا بِالطَّلَاقِ لَزِمَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ لِأَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ زَالَ نِكَاحُهَا بِالْوَفَاةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ: يَعْنِي بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَوْرِيثِهَا (لَا فِي حَقِّ تَغْيِيرِ الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ يُجْعَلُ بَاقِيًا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ) وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ بِقَوْلِهِ (احْتِيَاطًا) بَيَانُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَيْنَاهَا الْمِيرَاثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ
стр. 1856
احْتِيَاطًا فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ حَتَّى وَرِثَتْهُ امْرَأَةٌ فَعِدَّتُهَا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. وَقِيلَ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ النِّكَاحَ حِينَئِذٍ مَا اُعْتُبِرَ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَرِثُ مِنْ الْكَافِرِ (فَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ) لِقِيَامِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَإِنْ أَعْتَقَتْ وَهِيَ مَبْتُوتَةٌ أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَمْ تَنْتَقِلْ عِدَّتُهَا
النِّكَاحَ بِمَنْزِلَةِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا حُكْمًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ. أَوْ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الْعِدَّةِ مَقَامَ أَصْلِ النِّكَاحِ حُكْمًا، إذْ لَا بُدَّ لِلْمِيرَاثِ مِنْ قِيَامِ السَّبَبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَالْعِدَّةُ تَجِبُ بِهِ، فَإِذَا جُعِلَ النِّكَاحُ فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ كَالْمُنْتَهِي بِالْمَوْتِ حُكْمًا فَفِي حُكْمِ الْعِدَّةِ أَوْلَى، وَسَبَبُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ مُتَقَرِّرٌ حَقِيقَةً فَأَلْزَمْنَاهَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ تَرِثُهُ زَوْجَتُهُ الْمُسْلِمَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ زَوَالَ النِّكَاحِ كَانَ بِرِدَّتِهِ لَا بِمَوْتِهِ فَكَذَلِكَ زَوَالُ النِّكَاحِ هَاهُنَا بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ لَا بِالْمَوْتِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ فَلَا يَنْهَضُ دَلِيلًا. وَقِيلَ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِالْإِجْمَاعِ وَعُذْرُهُمَا عَنْ ذَاكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ النِّكَاحَ مَا اُعْتُبِرَ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مُسْلِمَةٌ، وَالْمُسْلِمَةُ لَا تَرِثُ الْكَافِرَ وَلَكِنْ يَسْتَنِدُ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ إلَى وَقْتِ الرِّدَّةِ، وَبِذَلِكَ السَّبَبِ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ فَلَا يَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَهَاهُنَا اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ الطَّلَاقِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ النِّكَاحَ كَالْقَائِمِ بَيْنَهُمَا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ حُكْمًا.
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّتِهَا)
стр. 1857
إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ) لِزَوَالِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ أَوْ الْمَوْتِ.
(وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً فَاعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ انْتَقَضَ مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ) وَمَعْنَاهُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ عَلَى الْعَادَةِ لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْإِيَاسَ هُوَ الصَّحِيحُ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلْفًا وَهَذَا لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلْفِيَّةِ تَحَقُّقُ الْيَأْسِ وَذَلِكَ بِاسْتِدَامَةِ الْعَجْزِ إلَى الْمَمَاتِ كَالْفِدْيَةِ
ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعِدَّةَ حُكْمُ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَحُكْمُ الزَّوَالِ يَثْبُتُ عِنْدَ الزَّوَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَحَوَّلَ الْعِدَّةُ فِي الرَّجْعِيِّ أَيْضًا لِأَنَّهَا عِنْدَ الزَّوَالِ أَمَةٌ وَلِهَذَا تَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَحَوَّلَتْ لِأَنَّ سَبَبَهَا وَهُوَ الزَّوَالُ مُتَرَدِّدٌ فَكَانَتْ مُتَرَدِّدَةً لِتَرَدُّدِ سَبَبِهَا فَتَغَيَّرَتْ، وَلِهَذَا تَحَوَّلَتْ بِالْمَوْتِ مِنْ الْأَقْرَاءِ إلَى الشُّهُورِ، بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَإِنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ بِمُتَرَدِّدٍ فَلَمْ تَتَحَوَّلْ الْعِدَّةُ بِالْعِتْقِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا رَأَتْ عَلَى الْعَادَةِ) يَعْنِي إنْ رَأَتْ دَمًا سَائِلًا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيُّ يَقُولُ: إذَا رَأَتْ دَمًا سَائِلًا كَمَا كَانَتْ تَرَاهُ فِي زَمَانِ حَيْضِهَا فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ رَأَتْ بِلَّةً يَسِيرَةً لَمْ تَكُنْ حَيْضًا بَلْ ذَلِكَ مِنْ نَتْنِ الرَّحِمِ فَكَانَ فَاسِدًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْحَيْضِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْإِيَاسَ هُوَ الصَّحِيحُ) قَيَّدَ بِالصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ
стр. 1858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هَذَا إذَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِيَاسِهَا، فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا زَمَانًا حَتَّى حُكِمَ بِإِيَاسِهَا وَكَانَتْ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا فَرَأَتْ
стр. 1859
فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي.
(وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ أَيِسَتْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ) تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ.
الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا.
وَقَوْلُهُ (تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ) مَنْقُوضٌ بِمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ
стр. 1860
(وَالْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ عِدَّتُهُمَا الْحَيْضُ فِي الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ) لِأَنَّهَا لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ، وَالْحَيْضُ هُوَ الْمُعَرِّفُ.
وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَبْنِي التَّيَمُّمَ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُومِئُ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَدَلِيَّةَ إمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الطَّهَارَةِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ كُلِّهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا الْبَدَلِيَّةُ لَكِنْ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ لَا تَكْمُلُ بِالْأُخْرَى. وَأَمَّا الْعِدَّةُ بِالشُّهُورِ فَبَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ وَإِكْمَالُ الْبَدَلِ بِالْأَصْلِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ (وَالْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا) كَالْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَالْمُحَرَّمِ إذَا نَكَحَهَا الْمُحَرَّمُ عَالِمًا بِحُرْمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ) وَهِيَ الَّتِي زُفَّتْ إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا فَوَطِئَهَا (عِدَّتُهُمَا الْحَيْضُ فِي الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ عِدَّتَهَا (لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ) إذْ لَا حَقَّ لِلنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ (وَالْحَيْضُ هُوَ الْمُعَرِّفُ)
следующие страницы →