← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ) أَمَّا الْكَلَامُ فِي الِافْتِتَاحِ فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ لَهَا مِنْ الْمَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْقِرَاءَةِ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٍّ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْعَجْزِ يُكْتَفَى بِالْمَعْنَى كَالْإِيمَاءِ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّ الذِّكْرَ يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسِيئًا أَبِي حَنِيفَةَ فِي الِافْتِتَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ جَوَّزَهُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفَارِسِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالْفَارِسِيَّةِ. قَالَ (؛ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ لَهَا مِنْ الْمَزِيَّةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا) قَالَ ﷺ فِي مَعْرِضِ تَفْضِيلِ لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِهِ «أَنَا عَرَبِيٌّ وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» (وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْقِرَاءَةِ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٍّ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وَالْقُرْآنُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقِرَاءَتِهِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَلَّا نَتْرُكَ حَالَةَ الْعَجْزِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يُكْتَفَى عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَعْنَى لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ فَصَارَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنَّهُ جَازَ لَهُ الْإِيمَاءُ (بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الذِّكْرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وَهُوَ يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَمْ يُحْسِنْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَاللِّعَانُ وَالْعُقُودُ تَصِحُّ بِإِجْمَاعٍ، وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ كَقَوْلِهِمَا، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ إنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَهُوَ أُمِّيٌّ يُصَلِّي بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَلَوْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَكُنْ الْقُرْآنُ بِنَظْمِهِ فِيهَا لَا مَحَالَةَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَاهُ فِيهَا، وَالْمَقْرُوءُ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجَمَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَعْنَاهُ فَيَكُونُ جَائِزًا إلْحَاقًا بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُحْكَمٌ لَا يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ وقَوْله تَعَالَى ﴿لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْمُحْكَمُ بِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يُفْضِي إلَى التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ بِتَفْكِيكِ الضَّمَائِرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلَى آخِرِهِ، وَالْكَلَامُ الْمُعْجِزُ مَصُونٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا تَسَاوِيهِمَا فِي الْأَحْكَامِ لَكِنْ يَكُونَانِ مُتَعَارِضَيْنِ فَمِنْ أَيْنَ تَقُومُ الْحُجَّةُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ الْمُنَاجَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِنَظْمٍ خَاصٍّ يَذْهَبُ بِالرِّقَّةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ عَلَى غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْقِرَاءَةِ لَمْ تَكُنْ فِي الزُّبُرِ بِهَذَا النَّظْمِ (جَازَتْ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ) وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَجْزَ لَا يَجْعَلُ غَيْرَ الْقُرْآنِ قُرْآنًا. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسِيئًا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ

стр. 282

لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الْمُتَوَارَثَةَ، وَيَجُوزُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ سِوَى الْفَارِسِيَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا تَلَوْنَا، وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَالْخِلَافُ فِي الِاعْتِدَادِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا فَسَادَ، وَيُرْوَى رُجُوعُهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَالْخُطْبَةُ وَالتَّشَهُّدُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ (وَلَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِاَللَّهُمِ اغْفِرْ لِي قَوْلِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةِ الْمُتَوَارَثَةِ) وَهِيَ الْقِرَاءَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّمَا جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْسِنَةِ لِقُرْبِ الْفَارِسِيَّةِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَالصَّحِيحُ النَّقْلُ إلَى أَيِّ لُغَةٍ كَانَتْ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا تَلَوْنَا) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ فَإِنَّهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِالْفَارِسِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَ النَّقْلِ وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ فِي الِاعْتِدَادِ) أَيْ فِي أَنَّهُ إذَا قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ هَلْ يَكُونُ مَحْسُوبًا عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ أَوْ لَا، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ. وَقَوْلُهُ: (وَيُرْوَى رُجُوعُهُ) رَوَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا (وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ) لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ (وَالْخُطْبَةُ وَالتَّشَهُّدُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) أَيْ تَجُوزُ قِرَاءَتُهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الْأَذَانِ يُعْتَبَرُ التَّعَارُفُ) قِيلَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا رُكْنًا أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ الْأَذَانِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً، وَالْأَذَانُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيِّ فَكَيْفَ جَازَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ؟ وَوَجْهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ جَوَازِ الْأَذَانِ مُطْلَقًا بَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعَارُفُ، فَإِنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ أُذِّنَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَذَانٌ جَازَ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ. . وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِاَللَّهُمِ اغْفِرْ لِي) بَيَانٌ أَنَّ الشُّرُوعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمَنْقُولِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ ثَنَاءً

стр. 283

لَا يَجُوزُ) لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعْظِيمًا خَالِصًا، وَلَوْ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ فَقَدْ قِيلَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ، قِيلَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ فَكَانَ سُؤَالًا. قَالَ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ السُّرَّةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعَ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي الْإِرْسَالِ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْوَضْعِ عَلَى الصَّدْرِ، وَلِأَنَّ الْوَضْعَ تَحْتَ السُّرَّةِ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ الِاعْتِمَادُ سُنَّةُ الْقِيَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَتَّى لَا يُرْسِلَ حَالَةَ الثَّنَاءِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ يَعْتَمِدُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَيَعْتَمِدُ فِي حَالَةِ الْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ خَالِصًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَشُوبًا بِحَاجَتِهِ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، فَفِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَكُونُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعْظِيمًا خَالِصًا، وَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قِيلَ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: يَا أَللَّهُ فَتَمَحَّضَ ذِكْرًا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: يَا اللَّهُ آمِنًا بِخَيْرٍ: أَيْ اقْصِدْنَا بِخَيْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ تَعْظِيمًا خَالِصًا. قِيلَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ قَصَدْنَا بِخَيْرٍ فَسَدَ الْمَعْنَى. قَالَ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) الِاعْتِمَادُ الِاتِّكَاءُ، وَتَفْسِيرُ الِاعْتِمَادِ أَنْ يَضَعَ وَسَطَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى. وَقَوْلُهُ: وَيَعْتَمِدُ إلَخْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ هُوَ الْوَضْعُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ خِلَافُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْإِرْسَالِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِرْسَالَ عَزِيمَةً وَالِاعْتِمَادَ رُخْصَةً وَإِلَى مَوْضِعِ الْوَضْعِ وَهُوَ تَحْتَ السُّرَّةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فَإِنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا الْمُرَادُ بِهِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ عَلَى الصَّدْرِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ وَضْعَ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» وَهُوَ كَمَا تَرَى حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي الْإِرْسَالِ وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فِي الْوَضْعِ عَلَى الصَّدْرِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَانْحَرْ﴾ نَحْرُ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ وَلِأَنَّ الْوَضْعَ تَحْتَ السُّرَّةِ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُوَ أَيْ التَّعْظِيمُ هُوَ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ الِاعْتِمَادُ سُنَّةُ الْقِيَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ، وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِي الْمُصَلِّي بَعْدَ التَّكْبِيرِ. فَعِنْدَهُمَا لَا يُرْسِلُ حَالَةَ الثَّنَاءِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُرْسِلُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ اعْتَمَدَ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ يَعْتَمِدُ فِيهِ وَمَا لَا فَلَا. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْفَضْلِيِّ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ

стр. 284

الْأَعْيَادِ (ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إلَى آخِرِهِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَضُمُّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي إلَى آخِرِهِ، لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. الْفَضْلِيُّ: إنَّ السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَالْقَوْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ هُوَ الْإِرْسَالُ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: السُّنَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الِاعْتِمَادُ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ كُلَّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، فَالسُّنَّةُ فِيهِ الِاعْتِمَادُ كَمَا فِي حَالَةِ الثَّنَاءِ وَالْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَكُلُّ قِيَامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الْإِرْسَالُ فَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ عَنْ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْأَعْيَادِ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَبُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ. وَذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَكُلَّمَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى تَحْتَ السُّرَّةِ، وَكَذَا فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ وَالْقُنُوتِ وَيُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ) أَيْ الْمُصَلِّي (سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وَتَبَارَكَ اسْمُك وَتَعَالَى جَدُّك وَلَا إلَهَ غَيْرُك) وَمَعْنَاهُ: سَبَّحْتُك يَا أَللَّهُ بِجَمِيعِ آلَائِك وَبِحَمْدِك سَبَّحْت، وَتَعَاظَمَ اسْمُك عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَتَعَالَى عَظَمَتُك، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَضُمُّ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ. إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَوْ قَالَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ فِي صَلَاتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا الْإِنْبَاءَ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ: (يَضُمُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ قَدَّمَ عَلَى الثَّنَاءِ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ عَنْهُ، الضَّمُّ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْهُ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْلَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ وَوَجْهُ قَوْلِهِ مَا رُوِيَ

стр. 285

وَلَهُمَا رِوَايَةُ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ وَقَرَأَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ إلَى آخِرِهِ» وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ»، فَإِذَا وَرَدَ الْإِخْبَارُ بِهِمَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالْإِخْبَارِ. وَيُوَجِّهُ قَوْلَهُمَا مَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ وَقَرَأَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ» إلَخْ. وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ مَا رَوَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجُّدِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ وَاسِعٌ. وَأَمَّا فِي الْفَرَائِضِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى

стр. 286

عَلَى التَّهَجُّدِ. وَقَوْلُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُك لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَشَاهِيرِ فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الْفَرَائِضِ. وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّوَجُّهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِتَتَّصِلَ بِهِ النِّيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ (وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ مَعْنَاهُ: إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ، مَا اشْتَهَرَ فِيهِ الْأَثَرُ، وَلِهَذَا لَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ وَجَلَّ ثَنَاؤُك فِي الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَشَاهِيرِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَلَّا يَأْتِيَ بِالتَّوَجُّهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ وَجَّهْتُ وَجْهِي بَعْدَ النِّيَّةِ (قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِتَتَّصِلَ النِّيَّةُ بِهِ) أَيْ بِالتَّكْبِيرِ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ يَقُولُهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ مِنْهُمْ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعَزِيمَةِ وَلِيَكُونَ عَمَلًا بِمَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ. وَوَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ مُكْثِهِ فِي الْمِحْرَابِ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا يُصَلِّي، وَهُوَ مَذْمُومٌ شَرْعًا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «مَالِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ». قَوْلُهُ: (وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ لَا يَرَى بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ". وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فَرْضًا كَمَا قَالَ بِهِ عَطَاءٌ، إلَّا أَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ مَعْنَاهُ إذَا أَرَدْت قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ نَفْيًا لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَمَلًا بِحَرْفِ الْفَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ»، وَقِيلَ الْفَاءُ هَاهُنَا لِلْحَالِ كَمَا يُقَالُ: إذَا دَخَلْت عَلَى الْأَمِيرِ فَتَأَدَّبْ: أَيْ إذَا أَرَدْت الدُّخُولَ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ. وَقَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى) بَيَانُ لَفْظٍ يَتَعَوَّذُ بِهِ فَإِنَّ فِيهِ لِلْقُرَّاءِ اخْتِلَافًا، وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ (أَنْ يَقُولَ: أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ)

стр. 287

وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ، ثُمَّ التَّعَوُّذُ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ الثَّنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَا تَلَوْنَا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْمَسْبُوقُ دُونَ الْمُقْتَدِي وَيُؤَخَّرَ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هَكَذَا نُقِلَ فِي الْمَشَاهِيرِ (وَيُسِرُّ بِهِمَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ جَهَرَ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّسْمِيَةِ». أَيْ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى التَّعَوُّذِ مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ (وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَعُوذُ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُرُوفِ الْأُصُولِ، وَكَأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَهُوَ رِوَايَةُ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَنَاءٌ، وَبَعْدَ التَّعَوُّذِ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ لَا مَحَلُّ الثَّنَاءِ (ثُمَّ التَّعَوُّذُ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ دُونَ الثَّنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِمَا تَلَوْنَا) مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ الْآيَةَ، فَيَأْتِي فِي الْمَسْبُوقِ دُونَ الْمُقْتَدِي وَيُؤَخَّرُ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ هُوَ تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ كَالْأَوَّلِ وَتَبَعُ الشَّيْءِ مَا كَانَ بَعْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْمُقْتَدِي. وَقَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَعِيذُ. وَقَوْلُهُ: (وَهَكَذَا نُقِلَ فِي الْمَشَاهِيرِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَمَا احْتَجَّ بِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يَأْتِي الْمُصَلِّي بِالتَّسْمِيَةِ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: (وَيُسِرُّ بِهِمَا) أَيْ بِالتَّعَوُّذِ وَالتَّسْمِيَةِ (لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّسْمِيَةِ») رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁.

стр. 288

قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعْلِيمِ لِأَنَّ أَنَسًا ﵁ أَخْبَرَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَجْهَرُ بِهَا». ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ كَالتَّعَوُّذِ. (قُلْنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعْلِيمِ) كَمَا شُرِعَ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإِعْلَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَهَرَ بِالثَّنَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ «أَنَسًا ﵁ قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ وَجَبَ التَّأْوِيلُ، وَهُوَ كَمَا قُلْنَا مِنْ الْحَمْلِ عَلَى التَّعْلِيمِ. وَقِيلَ كَانَ الْجَهْرُ فِي الِابْتِدَاءِ قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِالثَّنَاءِ وَالْقِرَاءَةِ أَيْضًا حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فَإِنْ قِيلَ خَبَرُ الْإِخْفَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَحَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ ثَابِتًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَاشْتُهِرَ، وَلَوْ اُشْتُهِرَ لَمَا بَقِيَ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَلَمَّا بَقِيَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى دَلَّ عَلَى زِيَافَتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْجَهْرِ وَتُوجِبُ الِاخْتِلَافَ قَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهَا، وَالتَّأْوِيلُ يَرْفَعُ الِاخْتِلَافَ، فَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ اخْتِلَافٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رَفْعَ التَّأْوِيلِ اللَّاحِقِ لِلِاخْتِلَافِ السَّابِقِ مَمْنُوعٌ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ بِالْمُعَارَضَةِ، فَإِنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ خَبَرُ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ أَيْضًا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. وَقَوْلُهُ: وَيُسِرُّ بِهِمَا الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَقَعَ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ أَسَرَّ الْحَدِيثَ بِلَا بَاءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ (ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَةٍ كَالتَّعَوُّذِ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَإِنَّمَا يُقْرَأُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ

стр. 289

وَعَنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا احْتِيَاطًا وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَلَا يَأْتِي بِهَا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ (ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ) فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لَا تَتَعَيَّنُ رُكْنًا عِنْدَنَا، وَكَذَا ضَمُّ السُّورَةِ إلَيْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْفَاتِحَةِ وَلِمَالِكٍ ﵀ فِيهِمَا. لَهُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا» الْوَاحِدَةُ كَالْفِعْلِ الْوَاحِدِ، وَلِهَذَا يُؤَثِّرُ الْفَسَادُ الْوَاقِعُ فِي أَوَّلِهَا فِي آخِرِهَا فَيَكْتَفِي بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ (إنَّهُ يَأْتِي بِهَا احْتِيَاطًا)؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَانَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ الِاخْتِلَافِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَلَا يَأْتِي بِهَا بَيْنَ السُّورَةِ وَالْفَاتِحَةِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ)؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مُتَابَعَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَا يَأْتِي بِهَا فِيمَا يَجْهَرُ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ نَظْمُ الْقِرَاءَةِ. قَالَ (ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا هُوَ الرُّكْنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ، فَذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا إلَى رُكْنِيَّةِ قِرَاءَةِ آيَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ إلَى رُكْنِيَّةِ الْفَاتِحَةِ، وَمَالِكٌ إلَى رُكْنِيَّةِ الْفَاتِحَةِ وَضَمِّ سُورَةٍ مَعَهَا (لَهُ قَوْلُهُ: ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا») وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ظَاهِرٌ،

стр. 290

وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَقُلْنَا بِوُجُوبِهِمَا (وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الرُّكْنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ فَقُلْنَا بِهِ (وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﷺ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ») وَهُوَ كَالْأَوَّلِ (وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مُطْلَقٌ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يُسَمَّى قُرْآنًا فَيَكُونُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَرْضًا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْآيَةِ كَلَامٌ سُؤَالًا وَجَوَابًا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ. وَقَوْلُهُ: (وَالزِّيَادَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) جَوَابٌ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ بَلْ هُوَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ. أُجِيبَ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مَا تَلَقَّاهُ التَّابِعُونَ بِالْقَبُولِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَذْكُورًا لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَوْ لِنَفْيِ الْفَضِيلَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَكَانَ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ فَلَا تَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ (وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ) أَيْ الْإِمَامُ

стр. 291

آمِينَ وَيَقُولُهَا الْمُؤْتَمُّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» وَلَا مُتَمَسَّكَ لِمَالِكٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ ﵊ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» مِنْ حَيْثُ الْقِسْمَةُ لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا قَالَ (وَيُخْفُونَهَا) لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ، آمِينْ) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ نَفْيًا لِشُبْهَةِ الْقِسْمَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ» كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي آخِرِهِ «فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا» أَيْ كَلِمَةَ آمِينَ (وَيُخْفُونَهَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمُقْتَدُونَ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) يُرِيدُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَآمِينَ (وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ) كَمَا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قِيلَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ وَالدَّاعِي لَا يُؤَمِّنُ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِإِخْفَائِهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ لَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَةِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَفَرَّعَ الْجَوَابَ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ يَقُولُهُمَا وَيُخْفِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَرَكَ النَّاسُ الْجَهْرَ بِالتَّأْمِينِ وَمَا تَرَكَهَا إلَّا لِعِلْمِهِمْ بِالنَّسْخِ، وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ الدَّاعِي لَا يُؤَمِّنُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّاعِي

стр. 292

وَالْمَدُّ وَالْقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ خَطَأٌ فَاحِشٌ. قَالَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (وَيَحْذِفُ التَّكْبِيرَ حَذْفًا) أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى سُنِّيَّةِ الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ فِي الْجَهْرِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» فَإِنَّهُ عَلَّقَ تَأْمِينَ الْقَوْمِ بِتَأْمِينِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ تَأْمِينِهِ مَسْمُوعًا لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ يُعْرَفُ إذَا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَأْمِينُهُ مَسْمُوعًا (وَالْمَدُّ وَالْقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ خَطَأٌ فَاحِشٌ) قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: تَفْسُدُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَقِيلَ عِنْدَهُمَا لَا تَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قَالَ (ثُمَّ يُكَبِّرُ) الْمُصَلِّي (وَيَرْكَعُ) بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِي مَحْضِ الْقِيَامِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا. وَمِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُصَرِّحَ بِلَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا وَقَعَ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ بَيْنَ رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُكَبِّرُ مَعَ الِانْحِطَاطِ) فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مُقَارَنَةَ التَّكْبِيرِ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ مَعَ مُحْكَمٌ فِي الْمُقَارَنَةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضٌ آخَرُ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» دَلِيلُ قَوْلِهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَالْمُرَادُ بِالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ ابْتِدَاءُ كُلِّ رُكْنٍ وَانْتِهَاؤُهُ، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُؤَدَّى حَقُّهُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْعِبَادَةِ. لَا يُقَالُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ تَسْمِيعِ الْإِمَامِ وَتَحْمِيدِ الْمُقْتَدِي لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّ هَذَا حِكَايَةُ فِعْلِهِ ﵊ مِنْ الرَّاوِي، فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ» فَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ وَرَفَعَ بَعْضَهُ لِاحْتِمَالِهِ وَلِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ لَمْ تُبَاشِرْهُ فَإِنْ قِيلَ: فَمَاذَا تَفْعَلُ بِمَا رَوَى بَنُو أُمَيَّةَ وَعَمِلُوا بِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا كَبَّرَ حَالَ الرُّكُوعِ وَإِنَّمَا كَبَّرَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ». أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ رَجَّحْنَا مَا رَوَيْنَا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ مَتْنًا وَأَتْقَنُ رِوَايَةً؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَمَا رَوَاهُ فَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ إلَّا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ وَسَمِعَ غَيْرُهُ وَهُوَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: وَحْدَهُ فِيهِ حُجَّةً. وَقَوْلُهُ: (وَيُحْذَفُ التَّكْبِيرُ حَذْفًا)

стр. 293

لِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا، وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِأَنَسٍ ﵁ «إذَا رَكَعْتَ فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ» وَلَا يُنْدَبُ إلَى التَّفْرِيجِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِيَكُونَ أَمْكَنَ مِنْ الْأَخْذِ، وَلَا إلَى الضَّمِّ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يُتْرَكُ عَلَى الْعَادَةِ (وَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهْرَهُ»، أَيْ لَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَدِّ (؛ لِأَنَّ الْمَدَّ فِي أَوَّلِهِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ لِكَوْنِهِ اسْتِفْهَامًا) فَيَكُونُ شَاكًّا فِي كِبْرِيَاءِ اللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ إذَا تَعَمَّدَ (وَفِي آخِرِهِ لَحْنٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ) أَيْ عُدُولٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يَحْتَمِلُ الْمَدَّ لُغَةً، فَإِنْ فَعَلَ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ: وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهُ أَكْبَرُ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوَّلٌ وَآخِرُ وَمَدُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَوَّلِ عَمْدًا كُفْرٌ لِشَكِّهِ فِي كِبْرِيَائِهِ وَغَيْرِ عَمْدٍ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ لَا كُفْرٌ وَلَا فَسَادٌ، وَمَدُّ الْآخِرِ مِنْهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ إشْبَاعٌ وَالْحَذْفُ أَوْلَى، وَمَدُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْآخَرِ عَمْدًا كَمَدِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَوَّلِ. وَمَدُّ الْآخِرِ مِنْهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْسُدُ الصَّلَاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَفْسُدُ وَيُجْزَمُ الرَّاءُ مِنْ التَّكْبِيرِ لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْأَذَانُ جَزْمٌ وَالْإِقَامَةُ جَزْمٌ وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ» وَقَوْلُهُ: (وَيُعْتَمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُضَمُّ فِيهَا لِتَقَعَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ مُوَاجِهَةً لِلْقِبْلَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا وَرَاءَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهُوَ حَالَةُ الِافْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدِ (يُتْرَكُ عَلَى الْعَادَةِ) أَيْ لَا يُضَمُّ كُلَّ الضَّمِّ وَلَا يُفَرَّجُ كُلَّ التَّفْرِيجِ. وَقَوْلُهُ: «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إذَا رَكَعَ بَسَطَ ظَهْرَهُ» رَوَتْ «عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ كَانَ يَعْتَدِلُ بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ قَدَحٌ مِنْ مَاءٍ لَاسْتَقَرَّ»

стр. 294

(وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إذَا رَكَعَ لَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ وَلَا يُقَنِّعُهُ (وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسُهُ) مَعْنَاهُ يُسَوِّي رَأْسَهُ بِعَجُزِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاعْتِدَالِ وَذَلِكَ بِتَسَاوِيهِمَا. وَقَوْلُهُ: (لَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ) أَيْ لَا يَخْفِضُهُ (وَلَا يُقْنِعُهُ) أَيْ لَا يَرْفَعُهُ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ بِقَوْلِهِ (أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ) جَمْعًا بَيْنَ لَفْظِ الْمَبْسُوطَيْنِ، فَإِنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ قَالَ فِي مَبْسُوطِهِ: لَمْ يُرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ أَدْنَى الْجَوَازِ إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَدْنَى الْكَمَالِ، فَإِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ يَجُوزُ بِدُونِ هَذَا الذِّكْرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي مُطِيعٍ. يَعْنِي تِلْمِيذَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ قَالَ فِي مَبْسُوطِهِ: يُرِيدُ بِهِ أَدْنَى مِنْ حَيْثُ جَمْعُ الْعَدَدِ فَإِنَّ أَقَلَّ جَمْعِ الْعَدَدِ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُصَنِّفُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَشْهُورُ فِي مِثْلِهِ أَدْنَى الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ فَمَا مَعْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ؟ فَالْجَوَابُ إنَّ أَدْنَى الْجَمْعِ لُغَةً يُتَصَوَّرُ فِي الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعَ وَاحِدٍ مَعَ وَاحِدٍ، وَأَمَّا كَمَالُهُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَشَرْعًا. فَإِنْ قِيلَ: كَمَالُ الْجَمْعِ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ وَلَا فِي حُكْمِهِ فَيَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُهُ دَلَالَةً بِذِكْرِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَهُوَ أَفْضَلُ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمَلُّ الْقَوْمُ إنْ كَانَ إمَامًا لِئَلَّا يَصِيرَ سَبَبًا لِلتَّنْفِيرِ الْمَكْرُوهِ، وَإِنْ نَقَصَ جَازَ وَيُكْرَهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ: فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مَشْرُوعٌ فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّهُ ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ كَمَا فِي الْقِيَامِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّ السَّمَاعَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَبُولِ، يُقَالُ سَمِعَ الْأَمِيرُ كَلَامَ فُلَانٍ إذَا قَبِلَهُ. وَالْهَاءُ فِي حَمِدَهُ، قِيلَ لِلسَّكْتَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الثِّقَاتِ، وَقِيلَ كِنَايَةٌ (وَيَقُولُ الْمُؤْتَمُّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ) وَرُوِيَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. وَرُوِيَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ (وَلَا يَقُولُهَا الْإِمَامُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ

стр. 295

«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ» وَلِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ. وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» هَذِهِ قِسْمَةٌ وَأَنَّهَا تُنَافِي الشَّرِكَةَ، لِهَذَا لَا يَأْتِي الْمُؤْتَمُّ بِالتَّسْمِيعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ الْمُقْتَدِي، وَهُوَ خِلَافُ مَوْضِعِ الْإِمَامَةِ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ (وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ كَانَ يُرْوَى الِاكْتِفَاءُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ» وَكَانَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ الْإِمَامَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (حَرَّضَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْسَى نَفْسَهُ. وَلَهُ قَوْلُهُ: ﷺ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ») وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَا قَالَ (هَذِهِ قِسْمَةٌ وَإِنَّهَا تُنَافِي الشَّرِكَةَ) فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الْإِمَامُ، وَعَدَّ مِنْهَا التَّحْمِيدَ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَسْرَارِ: إنَّهُ غَرِيبٌ، أَوْ بِأَنَّ الرُّجْحَانَ لِحَدِيثِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ مَرْجُوحًا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، وَقَدْ تَمَسَّكْنَا بِهِ فِي إخْفَاءِ التَّأْمِينِ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُنَافِي الشَّرِكَةَ (لَا يَأْتِي الْمُؤْتَمُّ بِالتَّسْمِيعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَقَعُ تَحْمِيدُهُ) أَيْ تَحْمِيدُ الْإِمَامِ (بَعْدَ تَحْمِيدِ الْمُقْتَدِي)؛ لِأَنَّ الْمُقْتَدِيَ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ حِينَ يَقُولُ الْإِمَامُ التَّسْمِيعُ فَلَا جَرَمَ يَقَعُ تَحْمِيدُهُ بَعْدَ تَحْمِيدِ الْمُقْتَدِي (وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ الْإِمَامَةِ) وَقَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي رَوَاهُ) يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ» فَهُوَ (مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ فِي الْأَصَحِّ) وَقَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ احْتِرَازٌ عَنْ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَهُ: أَحَدُهُمَا الِاكْتِفَاءُ بِالتَّسْمِيعِ، وَالْآخَرُ الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحْمِيدِ. وَجْهُ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّسْمِيعِ، وَهُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ وَالْمُنْفَرِدُ إمَامُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ كَمَا عَلَى الْإِمَامِ. وَوَجْهُ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّحْمِيدِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الثَّانِي فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِاعْتِدَالِ الِانْتِقَالِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ كَمَا فِي الْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ يَعْقُوبُ: سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الْفَرِيضَةِ أَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؟ قَالَ: يَقُولُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَيَسْكُتُ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ

стр. 296

بِالتَّسْمِيعِ وَيُرْوَى بِالتَّحْمِيدِ، وَالْإِمَامُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ آتٍ بِهِ مَعْنًى . قَالَ (ثُمَّ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) أَمَّا التَّكْبِيرُ وَالسُّجُودُ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا فَلَيْسَ بِفَرْضٍ، وَكَذَا الْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يُفْتَرَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﵊ «قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» قَالَهُ لِأَعْرَابِيٍّ حِينَ أَخَفَّ الصَّلَاةَ. السَّجْدَتَيْنِ يَسْكُتُ. وَوَجْهُ الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ إنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى حَالَةِ الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الْحَمْدِ، وَحَيْثُ لَا مُجِيبَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ. وَقَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ آتٍ بِهِ مَعْنًى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَرَّضَ غَيْرَهُ إلَخْ، مَعْنَاهُ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ. قَالَ (ثُمَّ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) إذَا اسْتَوَى الْمُصَلِّي مِنْ رُكُوعِهِ كَبَّرَ وَسَجَدَ (أَمَّا التَّكْبِيرُ وَالسُّجُودُ فَلِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي مَا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا مِنْ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ»، وَمَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ اعْلَمْ أَنَّ تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ قَائِمًا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَيُسَمَّى قَوْمَةً (وَالْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَيْ الْقَرَارُ فِيهِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُفْتَرَضُ ذَلِكَ كُلُّهُ) وَمِقْدَارُ الطُّمَأْنِينَةِ بِمِقْدَارِ تَسْبِيحَةٍ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀) وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ. فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يُذْكَرْ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُعَلَّى فِي نَوَادِرِهِ وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ بِحَدِيثِ «الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ حِينَ رَآهُ نَقَرَ نَقْرَ الدِّيكِ: قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» نَفَى كَوْنَهُ صَلَاةً بِتَرْكِ التَّعْدِيلِ فَكَانَ رُكْنًا؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ غَيْرِهِ لَا يَنْفِيهَا. وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وَالرُّكُوعُ هُوَ الِانْحِنَاءُ، يُقَالُ رَكَعَتْ النَّخْلَةُ إذَا مَالَتْ، وَالسُّجُودُ هُوَ الِانْخِفَاضُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِدُونِ الطُّمَأْنِينَةِ فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى فِيهِمَا، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ نَسْخٌ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ،

стр. 297

وَلَهُمَا أَنَّ الرُّكُوعَ هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالسُّجُودَ هُوَ الِانْخِفَاضُ لُغَةً، فَتَتَعَلَّق الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى فِيهِمَا، وَكَذَا فِي الِانْتِقَالِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ. وَفِي آخِرِ مَا رُوِيَ تَسْمِيَتُهُ إيَّاهُ صَلَاةً حَيْثُ قَالَ: وَمَا نَقَصْت مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ نَقَصْت مِنْ صَلَاتِك، ثُمَّ الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَأَمَّا الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ وَكَذَا فِي الِانْتِقَالِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ أَدَاءُ الرُّكْنِ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي آخِرِ مَا رُوِيَ) جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ. وَتَقْرِيرُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى مَا صَنَعَهُ الْأَعْرَابِيُّ صَلَاةً حَيْثُ قَالَ وَمَا نَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ نَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِك» فَلَوْ كَانَ تَرْكُ التَّعْدِيلِ مُفْسِدًا لَمَا سَمَّاهُ صَلَاةً كَمَا لَوْ تَرَكَ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاسِدًا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَبَثًا فَكَانَ تَرْكُهُ ﵊ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهُ حَرَامًا فَكَانَ الْحَدِيثُ مُشْتَرَكَ الْإِلْزَامِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّعْدِيلُ عِنْدَهُمَا فَرْضًا فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ فَأَمَّا الطُّمَأْنِينَةُ فِي الِانْتِقَالِ وَهِيَ الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ فَهِيَ

стр. 298

سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَكَذَا الطُّمَأْنِينَةُ فِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ. وَفِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ وَاجِبَةٌ حَتَّى تَجِبَ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا سَاهِيًا عِنْدَهُ (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِأَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٌ ﵁ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَسَجَدَ وَادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ» قَالَ (وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا (وَأَمَّا الطُّمَأْنِينَةُ) فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَفِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ سُنَّةٌ وَفِي تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ وَاجِبَةٌ حَتَّى تَجِبَ سَجْدَتَا السَّهْوِ بِتَرْكِهَا عِنْدَهُ) وَجْهُ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّ هَذِهِ طُمَأْنِينَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِإِكْمَالِ رُكْنٍ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ سُنَّةٌ كَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الِانْتِقَالِ. وَوَجْهُ الْكَرْخِيِّ أَنَّ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةَ مَشْرُوعَةٌ لِإِكْمَالِ رُكْنٍ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ كَالْقِرَاءَةِ، بِخِلَافِ الِانْتِقَالِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قِيلَ فِي كَيْفِيَّةِ السُّجُودِ وَالْقِيَامِ مِنْهُ أَنْ يَضَعَ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ، وَأَنْ يَرْفَعَ أَوَّلًا مَا كَانَ إلَى السَّمَاءِ أَقْرَبَ فَيَضَعُ أَوَّلًا رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَوَجْهَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَضَعُ أَنْفَهُ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَيَرْفَعُ أَوَّلًا وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) ظَاهِرٌ. وَمَعْنَى ادَّعَمَ عَلَى رَاحَتَيْهِ اتَّكَأَ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مَنْ دَعَمْت الشَّيْءَ: أَيْ جَعَلْته دِعَامَةً. وَقَوْلُهُ:

стр. 299

أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ. قَالَ (وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَعَدَّ مِنْهَا الْجَبْهَةَ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَسَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) تَقْدِيمُ الْأَنْفِ عَلَى الْجَبْهَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَنْفَ أَقْرَبُ إلَى الْأَرْضِ فَيَضَعُهُ أَوَّلًا لِمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا) يَعْنِي أَنَّ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْجَبْهَةَ جَازَ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْفَ (جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَيُكْرَهُ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَعَدَّ مِنْهَا الْجَبْهَةَ»: أَيْ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْجَبْهَةِ. قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ وَضْعَ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ جَازَتْ سَجْدَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ تِلْكَ السَّبْعَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ السَّجْدَةِ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ لَا عَلَى أَنَّ وَضْعَهَا لَازِمٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْأَنْفُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلسَّجْدَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السُّجُودَ يَتَحَقَّقُ بِوَضْعِ بَعْضِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ وَضْعَ جَمِيعِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ عَظْمَاتُ نَاتِئَانِ يَمْنَعَانِ وَضْعَ

стр. 300

أَنَّ السُّجُودَ يَتَحَقَّقُ بِوَضْعِ بَعْضِ الْوَجْهِ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَّا أَنَّ الْخَدَّ وَالذَّقَنَ خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمَذْكُورُ فِيمَا رُوِيَ الْوَجْهُ فِي الْمَشْهُورِ، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِهِمَا، جَمِيعِ الْوَجْهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَإِذَا تَعَذَّرَ وَضْعُ الْكُلِّ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَضْعَ الْبَعْضِ، إلَّا أَنَّ الْخَدَّ وَالذَّقَنَ خَرَجَا بِالْإِجْمَاعِ إذْ التَّعْظِيمُ لَمْ يُشْرَعْ بِوَضْعِهِمَا فَبَقِيَ الْأَنْفُ وَالْجَبْهَةُ، وَالْجَبْهَةُ تَصْلُحُ مَحَلًّا لِلسُّجُودِ فَكَذَلِكَ الْأَنْفُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ أَوَّلًا، لَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَ الْعُذْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَمْ يَنْتَقِلْ كَالذَّقَنِ بَلْ يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ إلَى الْإِيمَاءِ كَمَا لَوْ كَانَ بِهِمَا عُذْرٌ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ كَالْجَبْهَةِ، وَالْمَذْكُورُ فِيمَا رُوِيَ مِنْ الْخَبَرِ هُوَ الْوَجْهُ فِي الْمَشْهُورِ فَيَكُونُ الْأَنْفُ وَالْجَبْهَةُ دَاخِلَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلَوْ اكْتَفَى بِالْجَبْهَةِ جَازَ فَكَذَا لَوْ اكْتَفَى بِالْأَنْفِ (وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِهِمَا)؛ لِأَنَّ

стр. 301

وَأَمَّا وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ ﵀ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ فِي السُّجُودِ. قَالَ (فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ جَازَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى السَّاجِدَ اسْمٌ لِمَنْ وَضَعَ الْوَجْهَ عَلَى الْأَرْضِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ عَاقِصٌ شَعْرَهُ كَمَثَلِ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» فَالتَّمْثِيلُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ دُونَ الْجَوَازِ. وَقَوْلُهُ: عِنْدَنَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمُخْتَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ السَّجْدَةِ لَا عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْجَمِيعِ لَازِمٌ (وَأَمَّا وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ فَرْضٌ فِي السُّجُودِ) فَإِذَا سَجَدَ وَرَفَعَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ، وَلَوْ وَضَعَ إحْدَاهُمَا جَازَ. قَالَ قَاضِي خَانْ: وَيُكْرَهُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَهُوَ الْحَقُّ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ سَجَدَ عَلَى كُورِ عِمَامَتِهِ) ظَاهِرٌ، وُكُورُ الْعِمَامَةِ دَوْرُهَا وَكُلُّ دَوْرٍ كُورٌ، وَالضَّبُعُ بِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ: الْعَضُدُ

стр. 302

فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا (وَيُبْدِي ضَبْعَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ وَأَبْدِ ضَبْعَيْك وَيُرْوَى وَأَبِدّ " مِنْ الْإِبْدَادِ: وَهُوَ الْمَدُّ، وَالْأَوَّلُ مِنْ الْإِبْدَاءِ وَهُوَ الْإِظْهَارُ (وَيُجَافَى بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) «لِأَنَّهُ وَيُجَافَى بَطْنَهُ) أَيْ يُبَاعِدُ، وَالْبَهْمَةُ: وَلَدُ الشَّاةِ بَعْدَ السَّخْلَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا تَضَعُهُ سَخْلَةٌ ثُمَّ يَصِيرُ بَهْمَةً. وَقَوْلُهُ:

стр. 303

﵊ كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى حَتَّى أَنَّ بَهْمَةً لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ». وَقِيلَ إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ لَا يُجَافِي كَيْ لَا يُؤْذِيَ جَارَهُ (وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا سَجَدَ الْمُؤْمِنُ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ، فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ الْقِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» (وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» أَيْ أَدْنَى كَمَالِ الْجَمْعِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ بِالْوِتْرِ لِأَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَخْتِمُ بِالْوِتْرِ»، وَإِنْ كَانَ إمَامًا لَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهٍ يُمِلُّ الْقَوْمَ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إلَى لتَّنْفِيرِ ثُمَّ تَسْبِيحَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّصَّ تَنَاوَلَهُمَا دُونَ تَسْبِيحَاتِهِمَا فَلَا يَزِيدُ عَلَى النَّصِّ (وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ فِي سُجُودِهَا وَتَلْزَقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا. قَالَ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) لِمَا رَوَيْنَا (فَإِذَا اطْمَأَنَّ جَالِسًا كَبَّرَ وَسَجَدَ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَك حَتَّى تَسْتَوِيَ جَالِسًا» وَلَوْ لَمْ يَسْتَوِ جَالِسًا وَسَجَدَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَتَكَلَّمُوا فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا، وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ) بِالْوَاوِ مَعْطُوفٌ عَلَى إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ) الرَّفْعُ فَرِيضَةٌ كَمَا أَنَّ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فَرْضٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الرَّأْسِ لِيَتَحَقَّقَ الِانْتِقَالُ إلَيْهَا وَالتَّكْبِيرُ سُنَّةٌ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ "؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» وَقَوْلُهُ: (وَتَكَلَّمُوا) أَيْ الْمَشَايِخُ (فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا زَايَلَ جَبْهَتَهُ عَنْ الْأَرْضِ ثُمَّ أَعَادَهَا جَازَ ذَلِكَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الْأَرْضِ بِقَدْرِ مَا تَجْرِي فِيهِ الرِّيحُ جَازَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ لَا يَكُونُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَرْفَعْ جَبْهَتَهُ مِقْدَارَ مَا يَقَعُ عِنْدَ النَّاظِرِ أَنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ لِيَسْجُدَ أُخْرَى، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ وَإِلَّا يَكُونُ عَنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّفْعِ. وَجَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا أَصَحَّ وَقَالَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الرَّفْعُ، فَإِذَا وُجِدَ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرَّفْعِ بِأَنْ رَفَعَ جَبْهَتَهُ كَانَ مُؤَدِّيًا لِهَذَا الرُّكْنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا، وَإِنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ

стр. 304

جَازَ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَتَحَقَّقُ الثَّانِيَةُ. قَالَ (فَإِذَا اطْمَأَنَّ سَاجِدًا كَبَّرَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (وَيَسْتَوِي قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَنْهَضُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَرْضِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ. وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ قَعْدَةُ اسْتِرَاحَةٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا فَتَتَحَقَّقُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ) يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ مِنْ الرَّفْعِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَتَكَلَّمَ مَشَايِخُنَا فِي الرُّكُوعِ فِي كَوْنِ الرُّكُوعِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّةً وَالسُّجُودِ مَرَّتَيْنِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ وَاتِّبَاعٌ لِلشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقَلَ لَهُ مَعْنًى وَقَدْ تَعَبَّدَنَا الشَّرْعُ بِمَا لَا نَعْقِلُ لَهُ مَعْنًى تَحْقِيقًا لِلِابْتِلَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ لِذَلِكَ حِكْمَةً فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ السُّجُودُ مَثْنَى تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ أُمِرَ بِسَجْدَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فَنَحْنُ نَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ تَرْغِيمًا لَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﷺ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فَقَالَ «هُمَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» وَقِيلَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْأَرْضِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يُعَادُ إلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) قِيلَ أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ " كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ " وَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَيْنَا، وَلَعَلَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِمَا رَوَيْنَا. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَقْعُدُ) أَيْ لَا يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً (وَلَا يَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) بَلْ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَنْهَضُ مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَرْضِ) لَهُ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَعَدَ ثُمَّ نَهَضَ» (وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى فِعْلِهِ ﵊ فِي حَالِ الْكِبَرِ) يَعْنِي فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ مَا كَبِرَ وَأَسَنَّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقُولُ «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ» وَمَا رَوَيْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الْقُدْرَةِ فَيُوَفَّقُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ مِنْ هَذَا

стр. 305

وَالصَّلَاةُ مَا وُضِعَتْ لَهَا. (وَيَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى) لِأَنَّهُ تَكْرَارُ الْأَرْكَانِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ، وَتَكْبِيرَةُ الْقُنُوتِ الْوَجْهِ أَوْ تُتْرَكُ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا لِلتَّعَارُضِ وَيُعْمَلُ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فِي الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ قَعْدَةُ اسْتِرَاحَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا لِلْفَصْلِ، فَإِنَّ الْفَصْلَ بِالْقَعْدَةِ إنَّمَا شُرِعَ إمَّا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَوْ بَيْنَ الشَّفْعَيْنِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالصَّلَاةُ مَا وُضِعَتْ لَهَا. قَالَ (وَيَفْعَلُ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى) يَفْعَلُ الْمُصَلِّي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَذَكَرَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ (تَكْرَارُ الْأَرْكَانِ) وَالتَّكْرَارُ يَقْتَضِي إعَادَةَ الْأَوَّلِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ) قِيلَ: أَيْ لَا يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ إلَخْ، وَيُسَمَّى هَذَا دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ (وَلَا يَتَعَوَّذُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُشْرَعَا إلَّا مَرَّةً)؛ لِأَنَّ رُوَاةَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﵊ مَا رَوَوْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْفَعُهُمَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ. وَلَنَا مَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ» فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَفِي التَّكْبِيرِ لِلْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَبِجَمْعٍ وَعَرَفَاتٍ، وَعِنْدَ الْمَقَامَيْنِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ: أَرَادَ بِهِمَا الْأُولَى وَالْوُسْطَى دُونَ الْعَقَبَةِ، وَالْمُتَنَازَعُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ: أَيْ أَنَّهُ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ كَذَا

стр. 306

وَتَكْبِيرَاتُ الْعِيدَيْنِ، وَذَكَرَ الْأَرْبَعَ فِي الْحَجِّ» وَاَلَّذِي يُرْوَى مِنْ الرَّفْعِ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ، كَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ. نُقِلَ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَرَكَهُ»، وَفِي الْمَسْأَلَةِ حِكَايَةٌ. رُوِيَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَقِيَ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ هُمَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدَّثَنِي حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵃ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ:

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ أُحَدِّثُهُ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَهُوَ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ، فَرَجَّحَ حَدِيثَهُ بِعُلُوِّ إسْنَادِهِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا حَمَّادٌ فَكَانَ أَفْقَهَ مِنْ الزُّهْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ، وَلَوْلَا سَبْقُ ابْنِ عُمَرَ لَقُلْت بِأَنَّ عَلْقَمَةَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَعَبْدُ اللَّهِ، فَرَجَّحَ حَدِيثَهُ بِفِقْهِ الرُّوَاةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِفِقْهِ الرُّوَاةِ لَا بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَثِيرٌ وَهَذَا الْمُخْتَصَرُ لَا يَحْتَمِلُهُ، خَلَا أَنَّ الْمُحْتَمَلَ عَلَى الرُّوَاةِ وَرُوَاةُ أَخْبَارِنَا الْبَدْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ، وَرُوَاتُهُ ابْنُ عُمَرَ وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ كَانُوا يَقُومُونَ بِبُعْدٍ مِنْهُ ﵊، وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَقْرَبِ أَوْلَى. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ.

стр. 308

(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى نَصْبًا وَوَجَّهَ أَصَابِعَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ) هَكَذَا وَصَفَتْ عَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ (وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) يُرْوَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ ﵁، وَلِأَنَّ فِيهِ تَوْجِيهَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ (فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً جَلَسَتْ عَلَى أَلْيَتِهَا الْيُسْرَى وَأَخْرَجَتْ رِجْلَيْهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا. (وَالتَّشَهُّدُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ إلَخْ) وَهَذَا تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ وَتَشَهَّدَ) وَهَلْ يُشِيرُ بِالْمُسَبِّحَةِ إذَا انْتَهَى إلَى الشَّهَادَةِ أَوْ لَا؟ لَمْ يَذْكُرْهُ، فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يُشِيرُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشَارَةِ زِيَادَةَ رَفْعٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فَالتَّرْكُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُشِيرُ بِهَا، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْمُسَبِّحَةِ، حَدَّثَنَا عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: أَيْ يُشِيرُ، ثُمَّ قَالَ: نَصْنَعُ بِصَنِيعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَأْخُذُ بِفِعْلِهِ». وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلُنَا ثُمَّ كَيْفَ يُشِيرُ؟ قَالَ: يَقْبِضُ أُصْبُعَهُ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيَهَا وَيُحَلِّقُ الْوُسْطَى مَعَ الْإِبْهَامِ وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ فِيهِ تَوْجِيهَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُحَلِّقُ شَيْئًا مِنْ الْأَصَابِعِ. قَالَ (وَالتَّشَهُّدُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ لِعُمَرَ ﵁ تَشَهُّدًا وَلِعَلِيٍّ ﵁ تَشَهُّدًا وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ تَشَهُّدًا وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ تَشَهُّدًا وَلِعَائِشَةَ ﵂ تَشَهُّدًا وَلِجَابِرٍ ﵁ تَشَهُّدًا وَلِغَيْرِهِمْ أَيْضًا تَشَهُّدًا، وَعُلَمَاؤُنَا أَخَذُوا بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّافِعِيُّ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ،

стр. 309

فَإِنَّهُ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ وَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا كَانَ يُعَلِّمُنِي سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ: قُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» إلَخْ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَهُوَ قَوْلُهُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا إلَخْ، سَلَامٌ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَالْأَخْذُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ أَوْلَى لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ كَلِمَةٍ وَهِيَ الْمُبَارَكَاتُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ ذَكَرَ السَّلَامَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَأَكْثَرُ تَسْلِيمَاتِ الْقُرْآنِ مَذْكُورٌ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، قَالَ اللَّهُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾. ﴿قَالُوا سَلامًا﴾. ﴿قَالَ سَلامٌ﴾. ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ وَأَشْرَفُ الْكَلَامِ مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ. وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ صَغِيرَ السِّنِّ فَكَانَ يَنْقُلُ مَا تَأَخَّرَ مِنْ الشَّرْعِ، وَأَصْحَابُنَا ﵃ قَالُوا: «الْأَخْذُ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَوْلَى بِوُجُوهٍ، ذَكَرَ بَعْضَهَا فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ كَمَا كَانَ يَعْلَمُنِي سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ قُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» إلَخْ فَقَوْلُهُ: قُلْ أَمْرٌ وَأَقَلُّ مَرْتَبَتِهِ الِاسْتِحْبَابُ. وَقَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ. وَقَوْلُهُ: وَالصَّلَوَاتُ بِالْوَاوِ يُفِيدُ تَجْدِيدَ الْكَلَامِ كَمَا فِي الْقَسَمِ. وَقَوْلُهُ: أَخَذَ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي يُفِيدُ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ وَقُوَّةٍ فَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. وَقَدْ ذُكِرَ وُجُوهٌ أُخْرَى: مِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ التَّحِيَّاتُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ قُرْبَةٍ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا، فَإِذَا قَالَ الصَّلَوَاتُ بِغَيْرِ الْوَاوِ صَارَ تَخْصِيصًا وَبَيَانًا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصَّلَوَاتِ لَا غَيْرُ وَمَتَى قَالَ بِالْوَاوِ يَبْقَى الْأَوَّلُ عَامًّا فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ فَكَانَ أَوْلَى. وَمِنْهَا تَقْدِيمُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ إذَا قُدِّمَ عَلِمَ الْمَمْدُوحُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ وَمَتَى أُخِّرَ كَانَ مُحْتَمَلًا، وَإِزَالَةُ الِاحْتِمَالِ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْلَى. وَمِنْهَا أَنَّهُ عَلَّقَ بِهِ تَمَامَ الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّمَامَ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ. وَمِنْهَا أَنَّ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَحْسَنُهَا إسْنَادًا هَكَذَا قَالَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ. وَمِنْهَا أَنَّ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَخَذُوا بِتَشَهُّدِهِ ﵁، فَإِنَّهُ رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ عَلَّمَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ مِثْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، هَكَذَا رَوَى سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ جَابِرٍ وَمُعَاوِيَةُ ﵃. وَمِنْهَا اشْتِمَالُ تَشَهُّدِهِ عَلَى لَفْظِ الْعَبْدِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ مِنْ كَمَالِ الْحَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾

стр. 310

لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ، وَأَقَلُّهُ الِاسْتِحْبَابُ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ وَهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَزِيَادَةُ الْوَاوِ وَهِيَ لِتَجْدِيدِ الْكَلَامِ كَمَا فِي الْقَسَمِ وَتَأْكِيدِ التَّعْلِيمِ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعَبْدِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ ﵊. وَمِنْهَا حُسْنُ ضَبْطِهِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ حَمَّادٌ بِيَدِي، وَقَالَ حَمَّادٌ أَخَذَ إبْرَاهِيمُ بِيَدِي، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: أَخَذَ عَلْقَمَةُ بِيَدِي، وَقَالَ عَلْقَمَةُ أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِيَدِي، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي وَعَلَّمَنِي التَّشَهُّدَ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ فِيهِ زِيَادَةُ كَلِمَةٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ مُرَجِّحَةً كَانَ تَشَهُّدُ جَابِرٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَفِي خَبَرِنَا زِيَادَةُ الْوَاوِ أَوْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَوْلُهُ: عَبْدُهُ فَكَانَ أَوْلَى. وَعَنْ قَوْلِهِ يُوَافِقُ الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَجِّحٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْقَعْدَةِ مَكْرُوهَةٌ فَكَيْفَ يُسْتَحَبُّ مَا يُوَافِقُهُ. وَعَنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ التَّسْلِيمَاتِ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمُوَافَقَةَ وَقَدْ قُلْنَا إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ فِي الْقُرْآنِ جَاءَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَيْضًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾. ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ وَعَنْ قَوْلِهِ إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَأَخِّرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. رَوَى الْكَرْخِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ: التَّحِيَّاتُ الطَّاهِرَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الزَّاكِيَاتُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خَبَرَهُ مُتَأَخِّرٌ عَمَّا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرْوِي آخِرَ السُّنَنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُرَجِّحْ رِوَايَةَ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَكَابِرِهِمْ ﵃، وَلِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ فَقَدْ دَامَتْ صُحْبَتُهُ إلَى أَنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ التَّحِيَّاتِ: التَّحِيَّاتُ أَيْ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ: أَيْ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ لِلَّهِ، وَالطَّيِّبَاتُ: أَيْ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ لِلَّهِ، وَقَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك: حِكَايَةُ السَّلَامِ الَّذِي رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﵇ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي مُقَابِلِهَا

стр. 311

(وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) «لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ وَسَطُ الصَّلَاةِ نَهَضَ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ وَإِذَا كَانَ آخِرَ الصَّلَاةِ دَعَا لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ». (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَحْدَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِيك مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: السَّلَامُ بِمُقَابَلَةِ التَّحِيَّاتِ، وَالرَّحْمَةَ بِمُقَابَلِهِ الصَّلَوَاتِ، وَالْبَرَكَةَ بِمُقَابَلَةِ الطَّيِّبَاتِ. وَالْبَرَكَةُ: هِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى مِقْدَارِ التَّشَهُّدِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: تُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ (فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» وَلَنَا قَوْلُ «ابْنِ مَسْعُودٍ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ نَهَضَ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ، وَإِذَا كَانَ آخِرَ الصَّلَاةِ دَعَا لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ»، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ، فَإِنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ التَّطَوُّعِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ أَوْ مُرَادُهُ سَلَامُ التَّشَهُّدِ. قَالَ (وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَحْدَهَا لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ) وَهُوَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» وَهَذَا بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ. قَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا لَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ

стр. 312

تَعَالَى (وَجَلَسَ فِي الْأَخِيرَةِ كَمَا جَلَسَ فِي الْأُولَى) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ وَعَائِشَةَ ﵄، وَلِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّوَرُّكِ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ «أَنَّهُ ﷺ قَعَدَ مُتَوَرِّكًا» ضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الْكِبَرِ (وَتَشَهَّدَ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وَهُوَ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ مَقْصُودٌ فَيُكْرَهُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ جَمِيعًا كَمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَوَجْهُ الصَّحِيحِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدُ. وَقَوْلُهُ: (وَجَلَسَ فِي الْأَخِيرَةِ كَمَا جَلَسَ فِي الْأُولَى) قِيلَ إنَّمَا قَالَ فِي الْأَخِيرَةِ لِيَتَنَاوَلَ قَعْدَةَ الْعَجْزِ وَقَعْدَةَ الْمُسَافِرِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَمَا جَلَسَ فِي الْأُولَى يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ) بْنِ حُجْرٍ يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ يُرْوَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ. وَقَوْلُهُ: (وَعَائِشَةَ) أَيْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَقَوْلُهُ: هَكَذَا وَصَفَتْ عَائِشَةُ قُعُودَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا) أَيْ الْجِلْسَةَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ (أَشَقُّ عَلَى الْبَدَنِ) مِنْ التَّوَرُّكِ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ مَالِكٌ، قَالَ مَالِكٌ: الْمَسْنُونُ فِي الْقَعْدَةِ أَنْ يَقْعُدَ مُتَوَرِّكًا بِأَنْ يُخْرِجَ رِجْلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ وَيُفْضِي بِأَلْيَتَيْهِ إلَى الْأَرْضِ فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا مَا كَانَ أَشَقَّ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ مَالِكٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ مُتَوَرِّكًا» ضَعَّفَهُ الطَّحَاوِيُّ، قَالَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ، وَلَئِنْ صَحَّ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْكِبَرِ. قَوْلُهُ: (وَتَشَهَّدَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ جَلَسَ (وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا) أَيْ فِي قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فَإِنَّهُمَا فَرْضَانِ عِنْدَهُ. أَمَّا التَّشَهُّدُ فَلِمَا رَوَاهُ «ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، إلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» أَطْلَقَ اسْمَ الْفَرْضِ عَلَى التَّشَهُّدِ وَقَالَ لَهُ قُلْ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَعَلَّقَ التَّمَامَ بِهِ فَلَا يَتِمُّ بِدُونِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَا وُجُوبَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَانَ فِيهَا. وَلَنَا عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ التَّشَهُّدِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ عَلَى التَّمَامِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ التَّمَامَ مُعَلَّقٌ بِالْقَعْدَةِ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ تُجْزِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي لِيَتَحَقَّقَ التَّخْيِيرُ، فَإِنَّ مُوجِبَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْإِتْيَانُ بِأَحَدِهِمَا،

стр. 313

فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ، إنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ، إمَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ، أَوْ كُلَّمَا ذُكِرَ ﷺ كَمَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِأَحَدِهِمَا، فَمَنْ عَلَّقَ بِثَالِثٍ غَيْرِهِمَا وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ. وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى الْفَرْضِ التَّقْدِيرُ: أَيْ قَبْلَ أَنْ يُقَدَّرَ التَّشَهُّدُ، وَالْأَمْرُ صَدَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ فَلَا يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعُدَّهَا فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ. فَإِنَّ الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ خَمْسُ كَلِمَاتٍ، وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْ قَوْلِهِ عَلَّقَ التَّمَامَ بِهِ آنِفًا، وَعَنْ الْآيَةِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ لَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهِ، إمَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ، أَوْ كُلَّمَا ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، فَكُفِينَا مُؤْنَةَ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَمْرُ قَدْ حَصَلَ، فَإِنَّهُ لَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ التُّحْفَةِ وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. كَذَا نَقَلَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ

стр. 314

وَالْفَرْضُ الْمَرْوِيُّ فِي التَّشَهُّدِ هُوَ التَّقْدِيرُ. قَالَ (وَدَعَا بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊ «ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَطْيَبَهُ وَأَعْجَبَهُ إلَيْكَ» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنْ «عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَرَفْنَا السَّلَامَ عَلَيْك، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْك؟ فَقَالَ ﵊: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْت وَتَرَحَّمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: نَحْنُ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَوْقِيرِهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا نَوْعُ ظَنٍّ بِالتَّقْصِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَتَرَك ذَلِكَ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَا عَتْبَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْأَثَرَ؛ وَلِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْفَرْضُ الْمَرْوِيُّ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَوَابِ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ. قَالَ (وَدَعَا بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَالْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ وَاغْفِرْ لِأَبِي، وَالْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ تَجُوزُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظٍ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ، وَالْمَأْثُورَةُ هِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ «أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» " وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَدْعُو بِكَلِمَاتٍ مِنْهُنَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ وَإِذَا كَانَ آخِرَ الصَّلَاةِ دَعَا لِنَفْسِهِ بِمَا شَاءَ. وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊) يَعْنِي حِينَ قَالَ لَهُ إذَا قُلْت هَذَا إلَخْ قَالَ لَهُ «ثُمَّ اخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ وَأَطْيَبَهُ إلَيْك» بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا وَرَدَ فِي السُّنَنِ. وَفِي

стр. 315

وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ (وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) تَحَرُّزًا عَنْ الْفَسَادِ، وَلِهَذَا يَأْتِي بِالْمَأْثُورِ الْمَحْفُوظِ، وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ هُوَ الصَّحِيحُ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ، يُقَالُ رَزَقَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ أَعْجَبَهَا وَأَطْيَبَهَا قَالُوا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَئِنْ صَحَّ بِالتَّأْنِيثِ فَعَلَى تَأْوِيلِ الدَّعَوَاتِ بِحُصُولِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الدُّعَاءِ بِدُخُولِ اللَّامِ، وَقِيلَ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلِمَاتِ. وَقَوْلُهُ: «لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَحْسُنُ مِنْ الْكَرِيمِ أَنْ يَسْتَجِيبَ بَعْضَ الدُّعَاءِ دُونَ بَعْضٍ آخَرَ فَيَسْتَجِيبُ الْجَمِيعَ (وَلَا يَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) تَحَرُّزًا عَنْ إفْسَادِ الْجُزْءِ الْمُلَاقِي لِكَلَامِ النَّاسِ لَا جَمِيعِ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِ النَّاسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَكَيْفَ مَا يُشْبِهُهُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ النَّاسِ صُنِعَ مِنْ الْمُصَلِّي فَتَتِمُّ بِهِ صَلَاتُهُ فَكَانَ بِالدُّعَاءِ الَّذِي يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ لَا مُفْسِدًا لَهَا، ثُمَّ فَسَّرَ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ وَمَا لَا يُشْبِهُهُ فَقَالَ (وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ يُشْبِهُ كَلَامَهُمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَيْنَ هَذَا التَّفْسِيرِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ بِمَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ مُنَافَاةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَخِي يَنْبَغِي أَلَّا يَجُوزَ نَظَرًا لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَأَنْ يَجُوزَ بِهِ نَظَرًا إلَى الثَّانِي، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اخْتِيَارَ الْمُصَنِّفِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ أَلْفَاظُ الدُّعَاءِ غَيْرَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ فَلَا يَمْتَنِعُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَخِي؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ النَّاسِ. وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّازِقَ هُوَ اللَّهُ لَيْسَ إلَّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (هُوَ الصَّحِيحُ) لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ يُقَالُ رَزَقَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) التَّسْلِيمُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» وَالْأَخْذُ بِقَوْلِ كِبَارِ

стр. 316

وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ» (وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ) لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا وَلَا مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ، هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْخِطَابَ حَظُّ الْحَاضِرِينَ (وَلَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ نِيَّةِ إمَامِهِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ نَوَاهُ فِيهِمْ) وَإِنْ كَانَ بِحِذَائِهِ نَوَاهُ فِي الْأُولَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ تَرْجِيحًا لِلْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَوَاهُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ ذُو حَظٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (وَالْمُنْفَرِدُ يَنْوِي الْحَفَظَةَ لَا غَيْرُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ سِوَاهُمْ (وَالْإِمَامُ يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ) هُوَ الصَّحِيحُ، الصَّحَابَةِ أَوْلَى مِمَّا قَالَ بِهِ مَالِكٌ إنَّهُ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَرَوْنَهُ ﵊، وَعَائِشَةُ كَانَتْ فِي صَفِّ النِّسَاءِ، وَسَهْلٌ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الصِّبْيَانِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ أَخَفَضَ مِنْ الْأُولَى (وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ) وَهَذَا وَضْعُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي وَضْعِ الْأَصْلِ قُدِّمَتْ الْحَفَظَةُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ بَنِي آدَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا يَنْوِي عِنْدَ التَّسْلِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إقَامَةُ سُنَّةٍ فَلْيَكُنْ بِالنِّيَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ السُّنَنِ، وَهَكَذَا قَالُوا فِي التَّسْلِيمِ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَنْوِي السُّنَّةَ (وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ يَنْوِي فِيهَا مَا نَوَى فِي الْأُولَى، وَقَالَ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَبَيْتُمْ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِهِ هَاهُنَا؟ فَالْجَوَابُ إنَّا أَبَيْنَا اشْتِرَاطَهَا فِيهِ لِاسْتِلْزَامِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَاهُنَا مَا جَعَلْنَاهَا شَرْطًا، وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ عَلَى سُنِّيَّةِ مَا لَا يُخَالِفُهُ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ حَتَّى يَسْتَلْزِمَ الزِّيَادَةَ. قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: هَذَا شَيْءٌ تَرَكَهُ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَنْوِي أَحَدٌ شَيْئًا (وَلَا يَنْوِي النِّسَاءُ فِي زَمَانِنَا) يَعْنِي أَنَّ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ نِيَّةِ النِّسَاءِ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَنْوِي النِّسَاءُ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُنَّ الْجَمَاعَاتِ مَتْرُوكٌ بِإِجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَلَا مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْغُيَّبِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ. قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: إنَّهُ يَنْوِي جَمِيعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ يُشَارِكُهُ وَمَنْ لَا يُشَارِكُهُ لِيَكُونَ عَلَى وَفْقِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ: يَعْنِي قَوْلَهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. وَوَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ سَلَامَ التَّحْلِيلِ خِطَابٌ وَالْخِطَابُ حَظُّ الْحَاضِرِينَ، بِخِلَافِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ عَامَّةٌ لِلْحُضُورِ وَالْغُيَّبِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى مَا قَالَ ﷺ «إذَا قَالَ الْمُصَلِّي السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» قَالَ (وَلَا بُدَّ لِلْمُقْتَدِي مِنْ نِيَّةِ إمَامِهِ) قِيلَ تَخْصِيصُ الْإِمَامِ بِالذِّكْرِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ يَنْوِي مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْإِمَامَ يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى لَا غَيْرُ، كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ تَرْجِيحًا لِلْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَالْأَصَحُّ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَ التَّعَارُضِ مُمْكِنٌ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ، وَعَمَّا قِيلَ الْإِمَامُ

стр. 317

وَلَا يَنْوِي فِي الْمَلَائِكَةِ عَدَدًا مَحْصُورًا لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَأَشْبَهَ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈، ثُمَّ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. هُوَ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﵊ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ». وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْوِيَ؛ لِأَنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ وَيُشِيرُ إلَيْهِمْ وَهُوَ فَوْقُ النِّيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَنْوِيَ فِي الْمَلَائِكَةِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَفَظَةِ لَيْسَ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ فَقَطْ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ ذَلِكَ، وَهْم اثْنَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ وَآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، بَلْ الْمُرَادُ بِهَا مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَلَا يَحْصُرُ فِي ذَلِكَ عَدَدًا مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي عَدَدِهِمْ قَدْ اخْتَلَفَتْ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ " مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ خَمْسَةٌ مِنْ الْحَفَظَةِ: وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَآخَرُ أَمَامَهُ يُلَقِّنُهُ الْخَيْرَاتِ، وَآخَرُ وَرَاءَهُ يَدْفَعُ عَنْهُ الْمَكَارِهَ، وَآخَرُ عِنْدَ نَاصِيَتِهِ يَكْتُبُ مَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَلِّغُهُ إلَى الرَّسُولِ ﵊ ". وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ سِتُّونَ مَلَكًا، وَفِي بَعْضِهَا مِائَةٌ وَسِتُّونَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْوِيهِمْ بِدُونِ حَصْرٍ فِي عَدَدٍ فَأَشْبَهَ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ نُؤْمِنُ بِكُلِّهِمْ وَلَا نَحْصُرُهُمْ فِي عَدَدٍ لِئَلَّا يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ وَلَا يُدْخِلَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ ﷺ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ») وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَيْسَ لِلْعَهْدِ لِعَدَمِ مَعْهُودٍ فَكَانَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَقَدْ جَعَلَ جِنْسَ التَّحَلُّلِ فِي الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ، فَمَنْ أَثْبَتَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ كَالتَّحْرِيمَةِ. (وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ قَالَ لَهُ: إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، فَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ». وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ ﵊ حَكَمَ بِتَمَامِ

стр. 318

وَالْوُجُوبَ، إلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا الْوُجُوبَ بِمَا رَوَاهُ احْتِيَاطًا، وَبِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ، وَهَذَا يُنَافِي فَرْضِيَّةَ أَمْرٍ آخَرَ وَوُجُوبَهُ، إلَّا أَنَّا أَثْبَتْنَا الْوُجُوبَ بِمَا رَوَاهُ احْتِيَاطًا دُونَ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَبِمِثْلِهِ لَا تَثْبُتُ الْفَرْضِيَّةُ (فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَةِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَبَيَانِ أَرْكَانِهَا وَفَرَائِضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْقِرَاءَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْجَهْرِ

стр. 319

فَصْلٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْإِخْفَاءِ دُونَ ذِكْرِ الْقَدْرِ، وَإِنْ كَانَ الْعَكْسُ مُتَعَيِّنًا؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ مَعْنًى رَاجِعٌ إلَى الذَّاتِ، وَالْجَهْرَ وَالْإِخْفَاءَ رَاجِعٌ إلَى الصِّفَةِ وَالذَّاتِ قَبْلَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ مِنْ صِفَاتِ الْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَالْقَدْرُ يَعُمُّهُ وَالْقَاصِرُ أَيْضًا، فَكَانَ الِابْتِدَاءُ

стр. 320

قَالَ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إنْ كَانَ إمَامًا) وَيُخْفِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِذِكْرِ صِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ الْكَامِلِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ أَوْلَى (ثُمَّ الْمُصَلِّي إنْ كَانَ إمَامًا يَجْهَرُ فِي الْفَجْرِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَيُخْفَى فِي الْأُخْرَيَيْنِ
следующие страницы →