← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﵊ صَلَّى بِهِ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ فِي يَسَارِهِ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ (وَإِنْ أَمَّ اثْنَيْنِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَتَوَسَّطُهُمَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ بِاللَّيْلِ، فَانْتَبَهَ فَقَالَ: نَامَتْ الْعُيُونُ وَغَارَتْ النُّجُومُ وَبَقِيَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ قَرَأَ آخِرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ وَافْتَتَحَ، فَقُمْت وَتَوَضَّأْت وَوَقَفْت عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي وَأَدَارَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ» وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ «فَقُمْت خَلْفَهُ فَأَخَذَ ذُؤَابَتِي وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَعُدْت إلَى مَكَانِي فَأَعَادَنِي ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: مَا مَنَعَك يَا غُلَامُ أَنْ تَثْبُتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْقَفْتُك؟ فَقُلْت: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِيَك فِي الْمَوْقِفِ، فَقَالَ ﵊: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» فَإِعَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَارُ إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بِدْعَةٌ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ كَانَتْ نَافِلَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ فَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ اقْتِدَاءُ مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ، وَلَا يَتَأَخَّرُ الْمُقْتَدِي الْوَاحِدُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِطُولِ الْمُقْتَدِي الَّذِي بِحَيْثُ يَقَعُ سُجُودُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ بَلْ الْعِبْرَةُ لِلْمَوْقِفِ. قَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ) يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ وَقَالَ: لَا يَكُونُ مُسِيئًا إذَا كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَدْ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَوْلُهُ: (وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ) رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فَقَامَ وَسَطَهُمَا

стр. 352

وَلَنَا «أَنَّهُ ﵊ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَالْيَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا» وَلَنَا «أَنَّهُ ﷺ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَسٍ وَالْيَتِيمِ حِينَ صَلَّى بِهِمَا» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَأُصَلِّي لَكُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِسَ فَنَضَحْته بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ

стр. 353

فَهَذَا لِلْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَثَرُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ. (وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ) (يَقْتَدُوا بِامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ) أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا» وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ. وَفِي التَّرَاوِيحِ وَالسُّنَنِ الْمُطْلَقَةِ جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا ﵏، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ» (فَهَذَا) أَيْ تَقَدُّمُ النَّبِيِّ ﷺ (دَلِيلُ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْأَثَرُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ) وَلَمْ يُعْكَسْ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ تَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا هُوَ زَعْمُ أَبِي يُوسُفَ حَمْلًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﵊ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ لِضِيقِ الْمَكَانِ، فَإِذًا لَا يَكُونُ ثَبْتًا، وَقِيلَ الْيَتِيمُ أَخُو أَنَسٍ لِأَبِيهِ اسْمُهُ عُمَيْرٌ، وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّ اسْمَهُ ضَمِيرَةُ بْنُ سَعْدٍ الْحِمْيَرِيُّ الْمَدَنِيُّ. وَالْيَتِيمُ عَلَمٌ غَالِبٌ لَهُ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ مَا قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ حَيْثُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَكَانِ وَلَا مَكَانَ يَجِبُ تَأْخِيرُهُنَّ فِيهِ إلَّا مَكَانَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ: يَعْنِي كَمَا أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ فِي الشَّهَادَاتِ وَالْإِرْثِ وَالسَّلْطَنَةِ وَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ) وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وَقَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِهِ) سَيَجِيءُ بَيَانُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَالسُّنَنُ الْمُطْلَقَةُ) يَعْنِي بِهِ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ الْمَشْرُوعَةَ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا وَصَلَاةَ الْعِيدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْوِتْرَ عِنْدَهُمَا وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ عِنْدَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (جَوَّزَهُ مَشَايِخُ بَلْخِي)؛ لِأَنَّهُمْ قَاسُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمَظْنُونِ بِعِلَّةِ أَنَّ النَّفَلَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَصَارَ كَنَفْلِ الْبَالِغِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ وَهِيَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَظْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي هَذَا الْوَصْفِ (وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَشَايِخُنَا) يَعْنِي مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ (وَمِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْمَشَايِخِ (مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ

стр. 354

وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَبْنِي الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، بِخِلَافِ الْمَظْنُونِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ فَاعْتُبِرَ الْعَارِض عَدَمًا. وَبِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ. فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَيْضًا وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَهُ (وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) وَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِمَذْهَبِ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ (؛ لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ) حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمَظْنُونِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ مَشَايِخِ بَلْخِي عَلَى الْمَظْنُونِ، وَتَقْرِيرُهُ قِيَاسَ اقْتِدَاءِ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالظَّانِّ فَاسِدٌ (؛ لِأَنَّ الْمَظْنُونَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ)؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَى الظَّانِّ وَكُلُّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ يُحْتَمَلُ صِحَّةُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْبَدَلِ، فَالْمَظْنُونُ يَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى اجْتِهَادِ زُفَرَ، وَالْمَانِعُ عَنْ الْقَوْلِ وُجُوبُهُ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ الْعَارِضُ، وَهُوَ ظَنُّ الْإِمَامِ، وَهُوَ عَارِضٌ غَيْرُ مُمْتَدٍّ عَرَضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَجَازَ اعْتِبَارُ عَدَمِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَظْنُونُ وَاجِبَ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَكَانَ اقْتِدَاءُ ضَامِنٍ بِضَامِنٍ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّ عَدَمَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مَضْمُونًا، وَالصِّبَا أَيْضًا عَارِضٌ مُمْتَدٌّ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ عَدَمِهِ فَكَانَ اقْتِدَاءُ ضَامِنٍ بِغَيْرِ ضَامِنٍ وَهُوَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ (وَبِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الصَّبِيِّ بِالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُتَّحِدَةٌ) لِعَدَمِ الضَّمَانِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَكَانَ بِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الضَّعِيفِ.

стр. 355

(وَيَصُفُّ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ ثُمَّ النِّسَاءَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» قَالَ (وَيَصُفُّ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ) هَذَا بَيَانُ تَرْتِيبِ الْقِيَامِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلِيَلِنِي أَمْرٌ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ. وَالْأَحْلَامُ جَمْعُ الْحُلُمِ بِالضَّمِّ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ دَلَالَةِ الْبُلُوغِ، وَالْمُرَادُ لِيَلِنِي الْبَالِغُونَ مِنْكُمْ. وَالنُّهَى جَمْعُ نُهْيَةٍ وَهِيَ الْعَقْلُ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الرِّجَالِ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الصِّبْيَانِ عَلَى النِّسَاءِ فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الصِّبْيَانَ تَابِعَةٌ لِلرِّجَالِ لِاحْتِمَالِ رُجُولِيَّتِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَقْدِيمُهُمْ عَلَيْهِنَّ ثَابِتٌ بِفِعْلِ النَّبِيِّ

стр. 356

وَلِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ مُفْسِدَةٌ فَيُؤَخَّرْنَ (وَإِنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ وَهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ إنْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا حَيْثُ لَا تَفْسُدُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رَوَيْنَاهُ وَأَنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ - ﷺ فَإِنَّهُ أَقَامَ الْعَجُوزَ وَرَاءَ الْيَتِيمِ وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ وَتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ مَسْأَلَةِ الْمُحَاذَاةِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ الْمُفْسِدَةَ هِيَ أَنْ يُحَاذِيَ قَدَمُ الْمَرْأَةِ عُضْوًا

стр. 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مِنْ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ شَرَائِطُهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُشْتَهَاةً حَالًا أَوْ مَاضِيًا مَنْوِيَّةً إمَامَتُهَا، وَأَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُطْلَقَةً مُشْتَرَكَةً تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً، وَأَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، وَذَكَرَ الْمَرْأَةَ مُطْلَقَةً لِيَتَنَاوَلَ الْمَحَارِمَ وَالْحَلِيلَةَ وَالْأَجْنَبِيَّةَ، وَذَكَرَ الْحَالَ لِيَتَنَاوَلَ الصَّغِيرَةَ الْمُشْتَهَاةَ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الشَّهْوَةِ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِسَبْعِ سِنِينَ وَبَعْضُهُمْ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا مُعْتَبَرَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ كَانَتْ عَبْلَةً ضَخْمَةً كَانَتْ مُشْتَهَاةً وَإِلَّا فَلَا. وَذَكَرَ الْمَاضِي لِيَتَنَاوَلَ الْعَجُوزَ الَّتِي تَنْفِرُ مِنْهَا الرِّجَالُ لِمَا أَنَّهَا كَانَتْ مُشْتَهَاةُ، وَشَرْطُ نِيَّةِ إمَامَتِهَا؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهَا لَا يَصِحُّ بِدُونِهَا فَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الرِّجَالِ، وَوَصَفَ الصَّلَاةَ بِكَوْنِهَا مُطْلَقَةً احْتِرَازًا عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّ الْمُحَاذَاةَ لَا تُفْسِدُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ فِيهَا لِشَبَهِهَا بِالصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ فِي اشْتِمَالِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَشَرْطُ الِاشْتِرَاكِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِاتِّحَادِ الْفَرْضَيْنِ وَبِاقْتِدَاءِ الْمُتَطَوِّعَةِ بِالْمُتَطَوِّعِ وَبِالْمُفْتَرِضِ، وَأَنْ يَكُونَ الِاشْتِرَاكُ تَحْرِيمَةً وَأَدَاءً حَتَّى لَا تَكُونَ الْمُحَاذَاةُ فِي أَدَاءِ مَا سُبِقَا بِهِ مُفْسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي أَدَاءِ مَا سُبِقَ مُنْفَرِدٌ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ وَسَجْدَةِ السَّهْوِ فَلَمْ يَكُونَا مُشْتَرَكَيْنِ أَدَاءً بِخِلَافِ اللَّاحِقِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعَ الْإِمَامِ تَقْدِيرًا. فَإِنْ قِيلَ: إذَا اقْتَدَتْ نَاوِيَةً لِلْعَصْرِ بِرَجُلٍ يُصَلِّي الظُّهْرَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا فَرْضًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ نَفْلًا فَقَدْ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ. أُجِيبَ بِالْمَنْعِ وَشَرْطُ عَدَمِ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ لَا تَفْسُدُ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا فَاتَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا لَا تَفْسُدُ لِمَا قَالَ إنَّهَا عُرِفَتْ مُفْسِدَةً بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ صَنَعَتْ طَعَامًا إلَى آخِرِ مَا رَوَيْنَا، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا فَإِنَّهَا تُفْسِدُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا فَإِنَّهَا لَا تُفْسِدُ. وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ لَمَّا لَمْ تُوجِبْ فَسَادَ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ لَمْ تُوجِبْ فَسَادَ صَلَاةِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ فِعْلٌ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ هَذَا تَرَكَ فَرْضَ مَقَامِ الْإِمَامِ، وَمَنْ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، أَمَّا أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ فَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْمَرْأَةِ فَرْضٌ عَلَى الرَّجُلِ فِي صَلَاةٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁

стр. 358

وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ دُونَهَا فَيَكُونُ هُوَ التَّارِكُ لِفَرْضِ الْمَقَامِ فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ دُونَ صَلَاتِهَا، كَالْمَأْمُومِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ تَضُرَّهُ وَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهَا) لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ دُونَهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» أَمَرَ الرِّجَالَ بِالتَّأْخِيرِ فِي الْمَكَانِ وَلَا مَكَانَ يَجِبُ تَأْخِيرُهُنَّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ التَّأْخِيرُ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهَا فِي الصَّلَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَرْضٌ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ مَعَ اتِّحَادِ فَرْضِهِمَا، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِنُقْصَانِ حَالِهَا فِي ذَلِكَ الصَّبِيِّ، أَوْ لِعَدَمِ صَلَاحِيَتِهَا كَالْأُمِّيِّ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ كَالْعَارِي، أَوْ لِفَوَاتِ تَرْتِيبِ الْمَقَامِ كَمَا فِي إمَامَةِ الْمُتَأَخِّرِ وَبِالِاسْتِقْرَاءِ لِعَدَمِ مُجَاوَزَةِ انْتِفَاءِ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ عَنْهَا شَرْعًا، وَلَيْسَ لِلنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ إمَامَةِ الْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى مَعَ نُقْصَانِ أَحْوَالِهِمْ، بَلْ إنَّمَا يُمْنَعُ إذَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ مَحْظُورٌ كَإِمَامَةِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَلَا لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ لِجَوَازِ إمَامَتِهَا لِلنِّسَاءِ مُتَقَدِّمَةً وَمُتَوَسِّطَةً، وَلَا لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ مِنْ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَرْكِ فَرْضِ مَقَامِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ ﷺ " أَخِّرُوهُنَّ " الْحَدِيثَ. فَلَمَّا أَجْمَعْنَا هَاهُنَا لِانْعِدَامِ التَّأْخِيرِ يَثْبُتُ الْفَسَادُ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَيْضًا لِانْعِدَامِ التَّأْخِيرِ، وَأَمَّا أَنَّ مَنْ تَرَكَ فَرْضَ الْمَقَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَكَالْمُقْتَدِي إذَا تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَتَقْدِيرُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ فَسَادِ صَلَاتِهَا عَدَمُ فَسَادِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ ﵊ " أَخِّرُوهُنَّ " دُونَهَا فَيَكُونُ هُوَ التَّارِكُ لِفَرْضِ الْمَقَامِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ دُونَ صَلَاتِهَا، كَالْمَأْمُومِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِالتَّأْخِيرِ كَانَتْ مَأْمُورَةً بِالتَّأَخُّرِ ضَرُورَةً. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَأْخِيرُ الرَّجُلِ إيَّاهَا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ وَلَا تَأَخُّرَ مِنْهَا سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنَّهُ ضِمْنِيٌّ فَلَا يُسَاوِي الْقَصْدِيَّ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا) بَيَانٌ لِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (لَمْ تَضُرَّهُ) أَيْ لَمْ تَضُرَّ الْمُحَاذَاةُ الْمُصَلِّيَ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ دُونَهَا) أَيْ دُونَ النِّيَّةِ (عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ نِيَّةَ إمَامَتِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِفَسَادِ صَلَاةِ الرَّجُلِ بَعْدَمَا دَخَلَتْ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ صَالِحٌ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِهِ صَحِيحٌ بِلَا نِيَّةِ إمَامَتِهِ فَكَذَلِكَ اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ وَقَوْلُهُ: (أَلَا تَرَى) تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَثْبُتُ دُونَهُمَا، وَتَقْرِيرُهُ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فِي الْمَقَامِ

стр. 359

يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فِي الْمَقَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْتِزَامِهِ كَالِاقْتِدَاءِ، إنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ إذَا ائْتَمَّتْ مُحَاذِيَةً. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَوَّلِ لَازِمٌ، وَفِي الثَّانِي مُحْتَمَلٌ (وَمِنْ شَرَائِطِ الْمُحَاذَاةِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ مُشْتَرَكَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً، وَأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ. وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بِالنَّصِّ، وَكُلُّ مَنْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْتِزَامِهِ كَالِاقْتِدَاءِ. فَإِنَّ لُزُومَ فَسَادِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي لَمَّا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ مُحْتَمَلًا لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ إلَّا بِالِالْتِزَامِ، وَلَا الْتِزَامَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ. فَكَمَا أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ لِيَكُونَ الضَّرَرُ اللَّازِمُ مِنْ جَانِبِ الْإِمَامِ ضَرَرًا مَرْضِيًّا، كَذَلِكَ لَا تَصِحُّ إمَامَةُ النِّسَاءِ بِدُونِ النِّيَّةِ لِلنِّسَاءِ لِيَكُونَ الضَّرَرُ اللَّازِمُ لِلْإِمَامِ مِنْ جَانِبِهِنَّ ضَرَرًا مَرْضِيًّا، وَهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ الِاشْتِرَاكِ، وَثُبُوتُهُ مَمْنُوعٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُحَاذَاةُ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ مَنْقُوضٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِاقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ. فَإِنَّ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ تَفْسُدُ بِسَبَبِ اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِلْأُمِّيِّ نِيَّةُ إمَامَةِ الْقَارِئِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي الْمُسَلَّمَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَقُولُ بِمَسْأَلَةِ الْمُحَاذَاةِ يَشْتَرِطُ الِاشْتِرَاكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: الِاشْتِرَاكُ يَثْبُتُ بِدُخُولِهَا فِي صَلَاتِهِ نَوَى إمَامَتَهَا أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَثْبُتُ الِاشْتِرَاكُ بِدُونِهَا كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، وَالتَّشْكِيكُ فِي الْمُسَلَّمَاتِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ عَلَى أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى تَرْتِيبِ الْمَقَامِ، وَالْمَقَامُ وَتَرْتِيبُهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي صَلَاةٍ أُدِّيَتْ بِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَقَدَّمَ عَلَى الْمَأْمُومِ بِالرُّتْبَةِ، وَالصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ تَسْتَلْزِمُ الِاشْتِرَاكَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ كَلَامُنَا فِي فَسَادٍ يَحْصُلُ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ كَاَلَّذِي فِي اقْتِدَاءِ الْمُحَاذِيَةِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَفْسُدُ بِسَبَبِهِ، وَصُورَةُ النَّقْضِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَوْ صَلَّى وَحْدَهُ وَالْأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَأَمْكَنَ الْأُمِّيَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فَسَدَتْ أَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ الْفَسَادُ بِسَبَبِ اقْتِدَاءٍ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَرْكِ النِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامِ إذَا ائْتَمَّتْ مُحَاذِيَةً) أَيْ إذَا اقْتَدَتْ بِالْإِمَامِ مُحَاذِيَةً لَهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامِ لِفَسَادِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إذَا وَقَفَتْ خَلْفَهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَالصَّوَابُ أَنَّ اقْتِدَاءَهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْفَسَادُ عَلَى مَنْ بِجَنْبِهَا، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي لِنِيَّةِ مَنْ بِجَنْبِهَا عَلَى أَصْلِ الْمَارِّ إلَّا أَنَّهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إمَامِهِ فَيَتَوَقَّفُ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْتِزَامِ إمَامِهِ وَالْتِزَامُ الْإِمَامِ إلْزَامُهُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهَا لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ مِنْ جِهَتِهَا بِالْمَشْيِ وَالْمُحَاذَاةِ فَتَحْتَاجُ إلَى الِالْتِزَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ (وَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُحْتَاجُ إلَى (الْفَرْقُ) وَهُوَ (أَنَّ الْفَسَادَ الْأَوَّلَ) وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ مُحَاذِيَةً (لَازِمٌ) أَيْ وَاقِعٌ فِي الْحَالِ (وَالثَّانِيَ) وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ خَلْفَهُ وَلَيْسَ بِجَنْبِهَا رَجُلٌ (مُحْتَمَلٌ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَمْشِيَ فَتُحَاذِيَ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ ذَلِكَ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ نِيَّةُ

стр. 360

حَائِلٌ) لِأَنَّهَا عُرِفَتْ مُفْسِدَةً بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ الْإِمَامِ هَذَا فِي صَلَاةٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، وَأَمَّا فِي صَلَاةٍ لَا يَشْتَرِكَانِ فِيهَا فَالتَّقَدُّمُ عَلَيْهِ وَمُحَاذَاتُهَا إيَّاهُ يُورِثُ الْكَرَاهَةَ.

стр. 361

فَيُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ. (وَيُكْرَهُ لَهُنَّ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) يَعْنِي الشَّوَابَّ مِنْهُنَّ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (وَلَا بَأْسَ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَخْرُجَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَا يَخْرُجْنَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) لِأَنَّهُ لَا فِتْنَةَ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ إلَيْهَا فَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْعِيدِ. وَقَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لَهُنَّ حُضُورُ الْجَمَاعَاتِ) كَانَتْ النِّسَاءُ يُبَاحُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَى الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ مُنِعْنَ عَنْ ذَلِكَ، جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَأَخَّرُونَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِنَّ، وَلَقَدْ نَهَى عُمَرُ النِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ فَشَكَوْنَ إلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: لَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَا عَلِمَ عُمَرُ ﵁ مَا أَذِنَ لَكُنَّ فِي الْخُرُوجِ، فَاحْتَجَّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَمَنَعُوا الشَّوَابَّ عَنْ الْخُرُوجِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْعَجَائِزُ وَهِيَ جَمْعُ عَجُوزٍ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ عَجُوزَةٌ فَمَنَعَهُنَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَنْ الْخُرُوجِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ دُونَ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَجَازَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ بِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْعَجَائِزِ، كَمَا أُجِيزَ لَهُنَّ ذَلِكَ فِي الْعِيدِ بِالِاتِّفَاقِ. إمَّا لِلصَّلَاةِ كَمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ لِلصَّلَاةِ وَيَقُمْنَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَيُصَلِّينَ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ تَبَعًا لِلرِّجَالِ، أَوْ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ كَمَا رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ خُرُوجَهُنَّ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَيَقُمْنَ فِي نَاحِيَةٍ وَلَا يُصَلِّينَ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ الْحُيَّضَ وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ

стр. 362

وَلَهُ أَنَّ فَرْطَ الشَّبَقِ حَامِلٌ فَتَقَعُ الْفِتْنَةُ، غَيْرَ أَنَّ الْفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ، أَمَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ، وَالْجَبَّانَةُ مُتَّسِعَةٌ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يُكْرَهُ. قَالَ (وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ خَلْفَ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ، وَلَا الطَّاهِرَةُ خَلْفَ الْمُسْتَحَاضَةِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْمَعْذُورِ، وَالشَّيْءُ لَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ فَوْقَهُ، وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَضْمَنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي (وَلَا) يُصَلِّي (الْقَارِئُ خَلْفَ الْأُمِّيِّ وَلَا الْمُكْتَسِي خَلْفَ الْعَارِي) لِقُوَّةِ حَالِهِمَا. وَلَهُ أَنَّ فَرْطَ الشَّبَقِ حَامِلٌ) عَلَى الْوِقَاعِ فَتَقَعُ الْفِتْنَةُ، وَالْفَرْطُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَالشَّبَقُ بِفَتْحَتَيْنِ: شِدَّةُ شَهْوَةِ الضِّرَابِ (غَيْرَ أَنَّ الْفُسَّاقَ انْتِشَارُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ، أَمَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فَهُمْ نَائِمُونَ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِالطَّعَامِ مَشْغُولُونَ) جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْجُمُعَةَ مِنْ قَبِيلِ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ حَتَّى لَا يُبَاحَ لَهُنَّ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ جَعَلَهَا مِنْ قَبِيلِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى يُبَاحَ لَهُنَّ الْخُرُوجُ، وَالْمَغْرِبُ جَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ قَبِيلِ الْعِشَاءِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ أَيْضًا فِيهِمَا وَجَعَلَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ قَبِيلِ الظُّهْرِ. قَوْلُهُ: (وَالْجَبَّانَةُ مُتَّسِعَةٌ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى كَرَاهَةِ حُضُورِهِنَّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِظُهُورِ الْفَسَادِ. قَالَ (وَلَا يُصَلِّي الطَّاهِرُ) الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلُهُ: ﵊ «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» بِمَعْنَى تَضْمَنُ صَلَاتُهُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِيَقِينٍ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ الضَّمَانُ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي لَيْسَتْ فِي ذِمَّةِ الْإِمَامِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَتَضَمَّنُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي، وَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَتْ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْإِمَامِ فَوْقَ صَلَاتِهِ، وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ دُونَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا مَا هُوَ فَوْقَهُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الطَّاهِرِ بِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَانْطِلَاقُ الْبَطْنِ وَانْفِلَاتُ الرِّيحِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ (وَلَا الطَّاهِرَةُ خَلْفَ الْمُسْتَحَاضَةِ) لِنُقْصَانِ حَالِ هَؤُلَاءِ عَنْ حَالِ الْمُقْتَدِي (وَلَا الْمُكْتَسِي بِالْعَارِي) وَلَا الْأُمِّيُّ

стр. 363

(وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُتَوَضِّئِينَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَالطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ أَصْلِيَّةٌ. وَلَهُمَا أَنَّهُ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ وَلِهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ بِالْأَخْرَسِ لِقُوَّةِ حَالِهِمَا إذْ الْمُرَادُ بِقُوَّةِ الْحَالِ الِاشْتِمَالُ عَلَى مَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْإِمَامِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَالْأُمِّيُّ يَقْدِرُ عَلَى الِافْتِتَاحِ دُونَ الْأَخْرَسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ، فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ قَالَ:؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ طَهَارَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَالَ مَنْ اشْتَمَلَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَقْوَى مِنْ حَالِ مَنْ اشْتَمَلَ عَلَى الطَّهَارَةِ الضَّرُورِيَّةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ: أَيْ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ بِوَقْتٍ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَلِهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَكَانَ الْمُتَيَمِّمُ كَالْمُتَوَضِّئِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَلْوِيثٌ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَمُطْلَقَةٌ بِاتِّفَاقِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ، وَيَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي التَّعْلِيلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً فِيهِ. وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ جِهَةَ الْإِطْلَاقِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَعْطَاهُ حُكْمَ الطَّهَارَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَافْتَتَحَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَتَوْقِيتٍ. وَفِي نَفْيِ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ مُخَالَفَةٌ لِإِطْلَاقِهِ وَقَوْدٌ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْحَرَجِ وَاخْتَارَ جِهَةَ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَة وَقَالَا: لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّجْعَةُ بِمُجَرَّدِ التَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَذْكُرْ كَوْنَهُ طَهَارَةً فِي بَابِ الرَّجْعَةِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ طَهَارَتِهِ أَدَاءَ الصَّلَاةِ، فَمَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ طَهَارَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ عَمِلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَابَيْنِ بِالِاحْتِيَاطِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْمُتَوَضِّئِ، أَوْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُ بِالْوُضُوءِ فَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَفِي بَابِ الرَّجْعَةِ الْقَوْلُ بِالِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا،

стр. 364

(وَيَؤُمُّ الْمَاسِحُ الْغَاسِلِينَ) لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ، وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ، بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا مَعَ قِيَامِهِ حَقِيقَةً (وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْفَ الْقَاعِدِ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِقُوَّةِ حَالِ الْقَائِمِ وَنَحْنُ تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» وَانْقِطَاعُ الرَّجْعَةِ مِمَّا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ إجْمَاعًا: أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ اغْتَسَلَتْ وَبَقِيَ عَلَى بَدَنِهَا لُمْعَةٌ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ عَنْهَا احْتِيَاطًا، وَإِذَا تُصُوِّرَ التَّيَمُّمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ انْدَفَعَ مَا يَتَرَاءَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ تَرَكَ أَصْلَهُ وَنَاقَضَ كَلَامَهُ. قَالَ (وَيَؤُمُّ الْمَاسِحُ الْغَاسِلِينَ)؛ لِأَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَهُ فَلَبِسَ الْخُفَّ، وَالْخُفُّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كَوْنِهِ غَاسِلًا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى كَوْنِهِ غَاسِلًا؛ لِأَنَّ الْخُفَّ قَامَ مَقَامَ بَشَرَةِ الْقَدَمِ، وَالْحَدَثُ قَدْ حَلَّهُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ) فَكَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ كَغَسْلِ الرِّجْلِ. وَقَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي الْقَائِمُ خَلْف الْقَاعِدِ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ: «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» وَهُوَ مَا رُوِيَ

стр. 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا ضَعُفَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قَوْلِي لَهُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إذَا وَقَفَ فِي مَكَانِك لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَلَوْ أَمَرْت غَيْرَهُ، فَقَالَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ ﵊: أَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ الْأَرْضَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَسَ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْمَعُ تَكْبِيرَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُكَبِّرُ وَالنَّاسُ يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ» وَهَذَا آخِرُ صَلَاتِهِ ﵊ فَكَانَ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ.

стр. 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُضْطَرِبٌ فَإِنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ أَبَا بَكْرٍ وَبَعْضُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ النَّبِيَّ ﷺ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمَامَ الْخَطَّابِيَّ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ رَجَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي أَخَذَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَهِيَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لِفِقْهِهِ وَإِتْقَانِهِ وَمُوَافَقَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَإِنَّهُ قَالَ: «دَخَلْت عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْت: أَعْرِضُ عَلَيْك مَا حَدَّثَتْنِي بِهِ عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ

стр. 367

(وَيُصَلِّي الْمُومِئُ خَلْفَ مِثْلِهِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يُومِئَ الْمُؤْتَمُّ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ مُضْطَجِعًا، لِأَنَّ الْقُعُودَ مُعْتَبَرٌ فَتَثْبُتَ بِهِ الْقُوَّةُ (وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ الْمُومِئِ) لِأَنَّ حَالَ الْمُقْتَدِي أَقْوَى، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀. (وَلَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءٌ، وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَمَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ عَلَى الْمَعْدُومِ. قَالَ (وَلَا مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي فَرْضًا آخَرَ) لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ وَمُوَافَقَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاتِّحَادِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَصِحُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ هَاتِ، فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَدِيثَهَا فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا». وَقَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي الْمُومِئُ خَلْفَ مِثْلِهِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ مُعْتَبَرٌ فَتَثْبُتُ بِهِ الْقُوَّةُ) دَلِيلُهُ أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ مُسْتَلْقِيًا بِالْإِيمَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقُعُودِ لَا تَجُوزُ. قَالَ (وَلَا يُصَلِّي الَّذِي يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ خَلْفَ الْمُومِئِ) قَالَ زُفَرُ: تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُومِئِ بِمَنْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ سَقَطَ إلَى بَدَلٍ، وَالْمُتَأَدَّى بِالْبَدَلِ كَالْمُتَأَدَّى بِالْأَصْلِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَؤُمُّ الْمُتَوَضِّئِينَ. وَلَنَا أَنَّ حَالَ الْمُقْتَدِي أَقْوَى بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ فَيَمْتَنِعُ الِاقْتِدَاءُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِيمَاءَ بَدَلٌ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ أَوْ بَعْضَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْضَ الْأَصْلِ لَوْ جَازَ الِاقْتِدَاءُ لَكَانَ مُقْتَدِيًا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ دُونَ الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ) هَذِهِ

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَعَكْسُهُ، وَاقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُفْتَرِضِ مُخْتَلِفَيْنِ: فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِنَاءُ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مُتَابَعَةِ شَخْصٍ لِآخَرَ فِي أَفْعَالِهِ بِصِفَاتِهَا وَهُوَ مَفْهُومٌ وُجُودِيٌّ لَا سَلَبَ فِيهِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ عَلَى الْمَعْدُومِ بِصِفَاتِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وَوَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ: يَعْنِي فِي التَّحْرِيمَةِ وَمُوَافَقَةٌ يَعْنِي فِي الْأَفْعَالِ وَلَا شَرِكَةَ وَلَا مُوَافَقَةَ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ مَا تُحَرَّمَا لَهُ وَفَعَلَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ شَرِكَةً فِي التَّحْرِيمَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافَقَةً فِيهَا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمَعِيَّةَ فِي الِاشْتِرَاكِ، وَالْبِنَاءُ يَقْتَضِي التَّعَاقُبَ فَيَكُونُ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي

стр. 369

لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ عِنْدَمَا أَدَّاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ، وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّضَمُّنِ مُرَاعًى (وَيُصَلِّي الْمُتَنَفِّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي حَقِّهِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَيَتَحَقَّقَ الْبِنَاءُ. (وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) تَنَافٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّحْرِيمَةِ وَالْبِنَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْعَالِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ جَوَّزَ الِاقْتِدَاءَ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ عِنْدَهُ أَدَاءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُرَافَقَةِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُصَلِّي بِذَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ يُوَافِقُ الْإِمَامَ فِي الْأَرْكَانِ وَالِانْتِقَالُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْمُوَافَقَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَا أَيْضًا الشَّافِعِيُّ عَلَى جَوَازِهِ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوَافَقَةِ فِي دَلِيلِنَا مُوَافَقَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وَفِي دَلِيلِهِ مُوَافَقَةٌ فِي تَطْبِيقِ أَفْعَالِهِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي طَابَقَهُ أَفْعَالُ الْإِمَامِ لَيْسَ إلَّا وَهَذَا غَيْرُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ. وَقَوْلُهُ: (وَعِنْدَنَا مَعْنَى التَّضَمُّنِ مُرَاعًى) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَاهُ وَكَوْنُ الشَّيْءِ لَا يَتَضَمَّنُ مَا فَوْقَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ فِي بَنِي سَلَمَةَ فَكَانَ صَلَاةُ قَوْمِهِ فَرْضًا وَصَلَاتُهُ نَفْلًا. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا جَازَ أَنْ يَنْوِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﵊ نَفْلًا وَيُصَلِّيَ مَعَ قَوْمِهِ الْفَرْضَ (وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ) وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي (لِأَنَّ الْحَاجَةَ فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ (وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَيَتَحَقَّقُ الْبِنَاءُ) وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ كَافٍ فِي صِحَّةِ النَّفْلِ وَالْفَرْضُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ، وَأَمَارَتُهَا جَوَازُ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَالْمُنْفَرِدُ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فَرْضًا عَلَى فَرْضٍ آخَرَ فَلَا يَقْتَدِي بِغَيْرِهِ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ الْفَرْضَ عَلَى النَّفْلِ، وَأَمَّا بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ فَقَدْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِغَيْرِهِ. (وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَعَادَ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْعِلْمِ بَعْدَ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إجْمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عِنْدَهُ أَدَاءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ مِنْ غَيْرِ مَعْنَى التَّضَمُّنِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ جَنَابَةً فَأَعَادَهَا وَقَالَ: مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَأَعَادُوا» وَعُورِضَ بِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ

стр. 370

لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَأَعَادُوا» وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَعْتَبِرُ مَعْنَى التَّضَمُّنِ وَذَلِكَ فِي الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ. النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا مَعَهُ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقَوْمِ أَنْ اُمْكُثُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ» وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُمْ مُنْعَقِدَةً لَمْ يُكَلِّفْهُمْ اسْتِدَامَةَ الْقِيَامِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ طَهَارَةِ الْإِمَامِ لَا تَمْنَعُ انْعِقَادَ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الْإِمَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُكْثِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِانْعِقَادِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْعًا لَهُمْ عَنْ التَّفَرُّقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْمَأَ إلَيْهِمْ أَنْ اُقْعُدُوا وَلَوْ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُمْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَعَلُّقِ صَلَاةِ الْقَوْمِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا تُعَارِضُ الْقَوْلَ. وَقَوْلُهُ: (وَنَحْنُ نَعْتَبِرُ مَعْنَى التَّضَمُّنِ) مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «الْإِمَامُ ضَامِنٌ» وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِصَلَاةِ نَفْسِهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَذَلِكَ، أَوْ ضَامِنٌ لِصَلَاةِ الْقَوْمِ وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ إنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِصَلَاتِهِمْ وُجُوبًا وَأَدَاءً أَوْ صِحَّةً وَفَسَادًا، وَالْأَوَّلَانِ غَيْرُ مُرَادَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرَانِ عَلَى

стр. 371

(وَإِذَا صَلَّى أُمِّيٌّ بِقَوْمٍ يَقْرَءُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَقَالَا: صَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ أَمَّ قَوْمًا مَعْذُورِينَ وَغَيْرَ مَعْذُورِينَ فَصَارَ كَمَا إذَا أَمَّ الْعَارِي عُرَاةً وَلَابِسِينَ. وَلَهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَفْسُدَ صَلَاتُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِالْقَارِئِ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَهُ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي (وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الْأُمِّيُّ وَحْدَهُ وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ) مَعْنَى أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ السَّهْوَ وَالْقِرَاءَةَ عَنْ الْمُقْتَدِي وَتَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا صَلَّى أُمِّيٌّ) الْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأُمِّ: أَيْ هُوَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ حَيْثُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ: مَنْ لَا يُحْسِنُ الْخَطَّ وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا، وَمَنْ أَحْسَنَ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْ التَّنْزِيلِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ عِنْدَهُمَا، فَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ مَنْ يَحْفَظُ التَّنْزِيلَ بِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ يَتِمُّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمِقْدَارِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ. وَقَوْلُهُ: (تَكُونُ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَهُ) يَعْنِي لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ») وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ) يُرِيدُ مَا اسْتَشْهَدَا بِهِ مِنْ الْعَارِي إذَا أَمَّ عُرَاةً وَلَابِسِينَ (وَأَمْثَالِهَا) يُرِيدُ بِهِ الْأَخْرَسَ أَمَّ قَوْمًا قَارِئِينَ وَخُرْسًا، وَصَاحِبُ الْجُرْحِ وَالْمُومِئُ إذَا أَمَّا لِمَنْ هُوَ بِمِثْلِ حَالِهِمَا وَلِمَنْ هُوَ أَعْلَى حَالًا مِنْهُمَا، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَحَدُ طَرِيقَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ أَنَّ افْتِتَاحَ الْكُلِّ قَدْ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ التَّكْبِيرِ، وَالْأُمِّيُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ كَالْقَارِئِ، فَبِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ صَارَ الْأُمِّيُّ مُتَحَمِّلًا فَرْضَ الْقِرَاءَةِ عَنْ الْقَارِئِ ثُمَّ جَاءَ أَوَانُ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا تَحَمَّلَ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَبِفَسَادِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْذَارِ فَإِنَّهَا قَائِمَةٌ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ لَا عُذْرَ بِهِ بِصَاحِبِ الْعُذْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الْأُمِّيُّ) فِيهِ شَائِبَةُ الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ النَّظَرُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى جَعْلِ الصَّلَاةِ بِقِرَاءَةٍ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْقَارِئِ مُعْتَبَرًا لَمَا جَازَ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ وَحْدَهُ وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ لِاقْتِدَارِهِ أَنْ يَجْعَلَ صَلَاتَهُ بِقِرَاءَةٍ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْقَارِئِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا رَغْبَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا

стр. 372

هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا رَغْبَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ (فَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ قَدَّمَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا تَفْسُدُ لِتَأَدِّي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ فَلَا تُخْلَى عَنْ الْقِرَاءَةِ إمَّا تَحْقِيقًا جَعَلَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةَ الْمُقْتَدِي إذَا اقْتَدَى، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي الِاقْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَلَّا تَجُوزَ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ: (وَقَدَّمَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ أُمِّيًّا) أَيْ أَحْدَثَ (فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ) وَقَالَ زُفَرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ قَدْ تَأَدَّى فَكَانَ اسْتِخْلَافُ الْقَارِئِ وَالْأُمِّيِّ سَوَاءً. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ فَلَا تَخْلُو عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا، إمَّا تَحْقِيقًا كَمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَإِمَّا تَقْدِيرًا كَمَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ قِرَاءَةٌ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْحَدِيثِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِمُجَرَّدٍ فِي حَقِّ

стр. 373

أَوْ تَقْدِيرًا وَلَا تَقْدِيرَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ، وَكَذَا عَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ فِي التَّشَهُّدِ. بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ (وَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ انْصَرَفَ الْأُمِّيِّ، أَمَّا تَحْقِيقًا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَقْدِيرًا فَلِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، وَالشَّيْءُ إنَّمَا يُقَدَّرُ إذَا أَمْكَنَ تَحْقِيقُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا عَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ) أَيْ الْأُمِّيَّ (فِي التَّشَهُّدِ) يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ (لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ عِنْدَ زُفَرَ وَفَسَدَتْ عِنْدَنَا) وَأَمَّا إذَا قَدَّمَهُ بَعْدَ مَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَهِيَ مِنْ الِاثْنَا عَشْرِيَّةِ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ الْكُلِّ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِوُجُودِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ وَهُوَ الِاسْتِخْلَافُ كَمَا لَوْ قَهْقَهَ أَوْ تَكَلَّمَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ مُنَافٍ فَانْقَطَعَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ مِثْلُ طُلُوعِ الشَّمْسِ، قِيلَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ: لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ السَّلَامَةِ عَنْ الْعَوَارِضِ فِي الصَّلَاةِ انْفِرَادًا وَجَمَاعَةً؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْعَوَارِضِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْمُضِيِّ، وَالْأَصْلُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ (وَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ انْصَرَفَ عَلَى الْفَوْرِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَكَثَ سَاعَةً صَارَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ مُؤَدًّى مَعَ الْحَدَثِ. وَأَدَاؤُهَا مَعَهُ لَا يَجُوزُ فَفَسَدَ مَا أَدَّى فَفَسَدَ الْبَاقِي ضَرُورَةَ

стр. 374

فَإِنْ كَانَ إمَامًا اسْتَخْلَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَنَى) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِيهَا وَالْمَشْيَ وَالِانْحِرَافَ يُفْسِدَانِهَا أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ صِحَّةً وَفَسَادًا (فَإِنْ كَانَ إمَامًا اسْتَخْلَفَ) وَتَفْسِيرُ الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَأْخُذَ بِثَوْبِهِ وَيَجُرَّهُ إلَى الْمِحْرَابِ (وَتَوَضَّأَ وَبَنَى) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِي الصَّلَاةَ)؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثُ يُنَافِي الطَّهَارَةَ، وَمُنَافِي اللَّازِمِ مُنَافٍ لِلْمَلْزُومِ وَالشَّيْءُ لَا يُنْفَى مَعَ الْمُنَافِي (وَلِأَنَّ الْمَشْيَ وَالِانْحِرَافَ) عَنْ الْقِبْلَةِ (يُفْسِدَانِ الصَّلَاةَ) وَكُلُّ مَا يُفْسِدُهَا لَا تَبْقَى مَعَهُ كَالْحَدَثِ الْعَمْدِ فَالصَّلَاةُ لَا تَبْقَى مَعَ الْمَشْيِ وَالِانْحِرَافِ

стр. 375

فَأَشْبَهَ الْحَدَثُ الْعَمْدَ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» وَقَالَ ﵊ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ» وَقَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْحَدَثَ الْعَمْدَ) يَخْدُمُ فِي الدَّلِيلَيْنِ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» وَقَوْلُهُ: ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَقَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَلْيُقَدِّمْ مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ قَالَ «وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ»، وَأَدْنَى مَرْتَبَةِ

стр. 376

وَالْبَلْوَى فِيمَا يُسْبَقُ دُونَ مَا يَتَعَمَّدُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ فَيَكُونُ الْبِنَاءُ مُبَاحًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ وَلْيَبْنِ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵏ وَفُقَهَاءُ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵃ عَلَى مَا قُلْنَا، وَبِمِثْلِهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ فَكَيْفَ إذَا كَانَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ الِاسْتِخْلَافِ وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِشَيْءٍ بَيَانًا لِلْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ الصَّلَاةِ مِنْ الْمَسْبُوقِ فَتَقْلِيدُهُ يَكُونُ خِيَانَةً. وَقَوْلُهُ: (وَالْبَلْوَى فِيمَا يُسْبَقُ دُونَ مَا يَتَعَمَّدُهُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ) قِيلَ هُوَ جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ الْحَدَثَ السَّابِقَ بِالْحَدَثِ الْعَمْدِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ قِيَاسَ الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى الْحَدَثِ الْعَمْدِ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ فِيهِ الْبَلْوَى لِحُصُولِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ مَعْذُورًا بِخِلَافِ الْعَمْدِ فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ السَّابِقِ بِهِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وَذَلِكَ اعْتِرَافٌ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ، إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ بِالنَّصِّ. وَفِي الِاشْتِغَالِ بِبَيَانِ فَسَادِهِ تَنَاقُضٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ تَرْكُ إلْحَاقِ الْعَمْدِ بِالسَّابِقِ، فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ السَّابِقُ وَالْعَمْدُ فِي كَوْنِهِمَا مُنَافِيَيْنِ لِلصَّلَاةِ سَوَاءٌ، فَإِذَا بَنَى فِي السَّابِقِ بِمَا ذَكَرَ ثُمَّ مِنْ الدَّلِيلِ فَلْيَبْنِ فِي الْعَمْدِ إلْحَاقًا بِهِ، فَقَالَ فِي السَّابِقِ: بَلْوَى دُونَ الْعَمْدِ، وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَحْدَاثِ الْخَارِجَةِ مِنْ بَدَنِهِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ لَا الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ

стр. 377

وَقِيلَ إنَّ الْمُنْفَرِدَ يَسْتَقْبِلُ وَالْإِمَامَ وَالْمُقْتَدِيَ يَبْنِي صِيَانَةً لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ (وَالْمُنْفَرِدَ إنْ شَاءَ أَتَمَّ فِي مَنْزِلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إلَى مَكَانِهِ)، وَالْمُقْتَدِيَ يَعُودُ إلَى مَكَانِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ قَدْ فَرَغَ أَوْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ لِلْحَدَثِ أَوْ لِسَبَبِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ بِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ تَوَقُّفٍ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَكَلَامٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ كَشْفِ عَوْرَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَلَا يَبْنِي إذَا انْصَرَفَ لِغَسْلِ نَجَاسَةٍ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ لِلْوُضُوءِ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِلْغُسْلِ مِنْ الِاحْتِلَامِ، أَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ أَوْ عَصَرَ جِرَاحَةً فَسَالَ مِنْهَا دَمٌ نَجِسٌ، أَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِحَجَرٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ السَّقْفِ فَأَدْمَاهُ، أَوْ مَكَثَ سَاعَةً فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ كَمَا مَرَّ، أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ أَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، أَوْ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (وَقِيلَ إنَّ الْمُنْفَرِدَ يَسْتَقْبِلُ) أَيْ الْأَفْضَلُ لَهُ ذَلِكَ (وَالْإِمَامُ وَالْمُقْتَدِي يَبْنِي) كَذَلِكَ (وَالْمُنْفَرِدُ إنْ شَاءَ أَتَمَّ فِي مَنْزِلِهِ) الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ بَعْدَ الِانْصِرَافِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْمَشْيِ، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إلَى مَكَانِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ لِيَكُونَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ مُؤَدًّى فِي مَكَان وَاحِدٍ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِي الْعَوْدِ إلَى مَكَانِهِ مَشْيًا فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إذْ الْأَدَاءُ فِي الْمَنْزِلِ صَحِيحٌ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ حُكْمًا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ تَجْعَلُ الْأَمَاكِنَ الْمُخْتَلِفَةَ كَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ، وَلِهَذَا صَحَّ التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ. وَقَوْلُهُ: (وَالْمُقْتَدِي يَعُودُ إلَى مَكَانِهِ) يَعْنِي حَتْمًا، حَتَّى لَوْ أَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي مَوْضِعِ وُضُوئِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ حَائِطٍ، وَلِهَذَا إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ جَازَ أَنْ يَبْنِيَ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَ إمَامَهُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْضِيَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ فِي حَالِ اشْتِغَالِهِ بِالْوُضُوءِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ثُمَّ يَقْضِيَ آخِرَ صَلَاتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُتَابِعَ الْإِمَامَ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَافًا لِزُفَرَ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.

стр. 378

(وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ يُصَلِّي مَا بَقِيَ) وَالْقِيَاسُ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ لِوُجُودِ الِانْصِرَافِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ فَأَلْحَقَ قَصْدَ الْإِصْلَاحِ بِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ بِالْخُرُوجِ، قَالَ (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ) الْمُصَلِّي إذَا انْصَرَفَ عَنْ مَكَانِ صَلَاتِهِ عَلَى ظَنِّ انْتِفَاءِ شَرْطِ جَوَازِ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَ وُجُودَهُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ انْصِرَافُهُ عَلَى قَصْدِ إصْلَاحِ الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى قَصْدِ رَفْضِهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَرَجَ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَتَمَّهَا وَالْقِيَاسُ فِيهِمَا الِاسْتِقْبَالُ لِوُجُودِ الِانْصِرَافِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الْإِعْرَاضِ عَلَى مَا يَأْتِي (وَهُوَ) أَيْ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا (رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَخِلَافُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَ بَابُ الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ حَائِطِ الْقِبْلَةِ لِيَتَحَقَّقَ الِانْصِرَافُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ بِأَنْ كَانَ بَابُ الْمَسْجِدِ عَلَى حَائِطِ الْقِبْلَةِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ. (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ) وَقَصْدُ الْإِصْلَاحِ مُلْحَقٌ بِحَقِيقَةِ الْإِصْلَاحِ شَرْعًا كَمَا إذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ الرَّمْيُ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ الرَّمْيَ إلَى الْكُفَّارِ فَيُجْعَلَ كَأَنَّهُمْ رَمَوْا إلَى الْكُفَّارِ، ثُمَّ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ مِنْ الْحَدَثِ مَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِالِانْصِرَافِ لِإِصْلَاحِهَا، فَكَذَا إذَا انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَصْدَ الْإِصْلَاحِ لَوْ أُلْحِقَ بِحَقِيقَتِهِ لَمَا شُرِطَ عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ لَمْ تُشْتَرَطْ بِذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ وُجِدَ الْقَصْدُ وَقَامَ الْعُذْرُ وَلَيْسَ

стр. 379

وَإِنْ كَانَ اسْتَخْلَفَ فَسَدَتْ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَانْصَرَفَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ حَيْثُ تَفْسُدُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لِأَنَّ الِانْصِرَافَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ يَسْتَقْبِلُهُ فَهَذَا هُوَ الْحَرْفُ، وَمَكَانُ الصُّفُوفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ قُدَّامَهُ فَالْحَدُّ هُوَ السُّتْرَةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِقْدَارُ الصُّفُوفِ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَمَوْضِعُ سُجُودِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (وَإِنَّ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، فِي قَصْدِهِ قِيَامَ الْعُذْرِ فَانْحَطَّ عَنْ دَرَجَتِهَا (وَإِنْ كَانَ) قَدْ (اسْتَخْلَفَ) فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ (فَسَدَتْ) صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ لِوُجُودِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ فَإِنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِقِيَامِ الْعُذْرِ فَكَانَ الِاسْتِخْلَافُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَحْتَاجُ لِصِحَّتِهِ إلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ وَقِيَامِ الْعُذْرِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَسَدَتْ حَيْثُ انْصَرَفَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّ الِانْصِرَافَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ مُلْحَقٌ بِحَقِيقَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ مَا تَوَهَّمَهُ يَسْتَقْبِلُهُ (فَهَذَا) أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ الِانْصِرَافَ إذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَوْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِذَا كَانَ عَلَى قَصْدِ الْإِعْرَاضِ وَالرَّفْضِ فَسَدَتْ (وَهُوَ الْحَرْفُ) أَيْ الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَمَنْ انْصَرَفَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ أَوْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ عَلَى ظَنِّ أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ قَدْ انْقَضَتْ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ انْصَرَفَ عَلَى قَصْدِ الرَّفْضِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَكَانُ الصُّفُوفِ) لِبَيَانِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَاذَا يَكُونُ حُكْمُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَإِنْ جُنَّ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ) فِي الصَّلَاةِ (فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ) وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ

стр. 380

وَكَذَلِكَ إذَا قَهْقَهَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَهُوَ قَاطِعٌ. (وَإِنْ حُصِرَ الْإِمَامُ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَقَدَّمَ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا لَا يُجْزِئُهُمْ) لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فَأَشْبَهَ الْجَنَابَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَلَهُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لِعِلَّةِ الْعَجْزِ وَهُوَ هَاهُنَا أَلْزَمُ، وَالْعَجْزُ عَنْ الْقِرَاءَةِ غَيْرُ نَادِرٍ فَلَا يَلْحَقُ بِالْجَنَابَةِ. وَلَوْ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي صَلَاتِهِ» الْحَدِيثَ (وَكَذَلِكَ إذَا قَهْقَهَ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ فَعَلَ الْقَهْقَهَةَ (بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ) فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْقُلُ الْمَعْنَى مِنْ ضَمِيرِهِ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ (وَهُوَ) أَيْ الْكَلَامُ (قَاطِعٌ)؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» وَهَذَا إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، فَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ بَعْدَهُ فَلَا اسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِلْخُرُوجِ مِنْ فِعْلِ الْمُصَلِّي عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُوجَدْ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْمَوْصُوفُ بِهَا عَنْ اضْطِرَابٍ أَوْ مُكْثٍ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَالصُّنْعُ مِنْهُ مَوْجُودٌ، أَمَّا فِي الِاضْطِرَابِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْمُكْثِ فَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مُؤَدِّيًا جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ وَالْأَدَاءُ صُنْعٌ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا هُوَ مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ قُبَيْلَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ فَلْيَكُنْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك. قِيلَ وَإِنَّمَا قَالَ أَوْ نَامَ فَاحْتَلَمَ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ بِانْفِرَادِهِ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ، وَكَذَا الِاحْتِلَامُ الْمُنْفَرِدُ عَنْ النَّوْمِ وَهُوَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بَيَانًا لِلْمُرَادِ. قَالَ (وَإِنْ حُصِرَ الْإِمَامُ عَنْ الْقِرَاءَةِ) كُلُّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَقَدْ حُصِرَ عَنْهُ، فَإِنْ عَجَزَ الْإِمَامُ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِنِسْيَانِهِ جَمِيعَ مَا كَانَ يَحْفَظُ (فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يُجْزِئُهُمْ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: بَلْ يُتِمُّهَا بِدُونِ الْقِرَاءَةِ كَالْأُمِّيِّ إذَا أَمَّ قَوْمًا أُمِّيِّينَ، وَنَسَبَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إلَى السَّهْوِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَصْرُ عَنْ الْقِرَاءَةِ (نَادِرُ الْوُجُودِ كَالْجَنَابَةِ فِي الصَّلَاةِ) فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي بَابِ الْحَدَثِ جَازَ لِلْعَجْزِ عَنْ الْمُضِيِّ وَالْعَجْزُ هَاهُنَا أَلْزَمُ)؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ قَدْ يَجِدُ فِي الْمَسْجِدِ مَاءً فَيُمْكِنُهُ إتْمَامُ صَلَاتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ. أَمَّا الَّذِي نَسِيَ جَمِيعَ مَا يَحْفَظُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْمَامِ إلَّا بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّعْلِيمِ، كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ. وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ: إنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ إذَا كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ إلَّا أَنَّهُ لَحِقَهُ خَوْفٌ أَوْ خَجَلٌ فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، وَأَمَّا إذَا نَسِيَ فَصَارَ أُمِّيًّا لَمْ يَجُزْ الِاسْتِخْلَافُ. وَقَوْلُهُ: (وَالْعَجْزُ عَنْ الْقِرَاءَةِ غَيْرُ نَادِرٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ)

стр. 381

لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ تَوَضَّأَ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَضُّؤِ لِيَأْتِيَ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْبِنَاءُ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ، لَكِنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ. (فَإِنَّ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ) وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ (وَإِنْ رَآهُ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ كَانَ مَاسِحًا فَانْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ أَوْ كَانَ أُمِّيًّا فَتَعَلَّمَ سُورَةً أَوْ عُرْيَانًا فَوَجَدَ ثَوْبًا، أَوْ مُومِيًا فَقَدَر عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ظَاهِرٌ. وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ) وَقَوْلُهُ: (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) يَعْنِي بَعْدَ التَّشَهُّدِ. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي بَابِ التَّيَمُّمِ حَيْثُ قَالَ: وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ رَآهُ بَعْدَ مَا قَعَدَ) بَيَانُ مَسَائِلَ تُسَمَّى بِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ. وَقَوْلُهُ: (بِعَمَلٍ يَسِيرٍ) يَعْنِي بِأَنْ كَانَ الْخُفُّ وَاسِعَ السَّاقِ لَا يَحْتَاجُ فِي نَزْعِهِ إلَى الْمُعَالَجَةِ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ضَيِّقًا فَعَالَجَ بِالنَّزْعِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَوْلُهُ: (فَتَعَلَّمَ سُورَةً) قِيلَ تَذَكَّرَ بَعْدَ النِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّعْلِيمِ، وَذَلِكَ فِعْلٌ يُنَافِي الصَّلَاةَ فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَقِيلَ سَمِعَهَا بِلَا

стр. 382

أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ أَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ الْقَارِئُ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ، أَوْ كَانَ مَاسِحًا عَلَى الْجَبِيرَةِ فَسَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ، أَوْ كَانَ صَاحِبَ عُذْرٍ فَانْقَطَعَ عُذْرُهُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا تَمَّتْ صَلَاتُهُ) وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِ اخْتِيَارٍ وَحَفِظَهَا بِلَا صُنْعٍ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً قَبْلَ هَذِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا) قِيلَ هُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ ﵀، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلَا فَسَادَ فِي الِاسْتِخْلَافِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِلَا خِلَافٍ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ) قِيلَ كَيْفَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْخِلَافُ وَدُخُولُ الْعَصْرِ عِنْدَهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ مِثْلَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُهْمَلًا، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ تَحَقَّقَ الْخُرُوجُ عِنْدَهُمْ وَتَمَّتْ الصَّلَاةُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ بَاطِلَةٌ وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ. وَقِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا تَرَى. وَلَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ يَكُونُ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ. وَاعْلَمْ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَقْتِ الْمُهْمَلِ إلَى الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا نُقِلَ فِي مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى رِوَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَنْسُوبُ إلَى الْحَسَنِ رِوَايَةُ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا) يَعْنِي إذَا اسْتَوْعَبَ الِانْقِطَاعُ وَقْتًا كَامِلًا، فَلَوْ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ سَالَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى فَالصَّلَاةُ الْأُولَى جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِتَحَقُّقِ الِانْقِطَاعِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَهُوَ كَالِانْقِطَاعِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَهُمَا جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالِانْقِطَاعِ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ قِيلَ قَوْلُهُ: (وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ وَعَلَيْهِ الْعَامَّةُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ

стр. 383

الْمُصَلِّي فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُمَا، فَاعْتِرَاضُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَاعْتِرَاضِهَا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُمَا كَاعْتِرَاضِهَا بَعْدَ التَّسْلِيمِ. لَهُمَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. وَلَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ. وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْفَرْضِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا. غَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، فَإِنَّ فَسَادَهَا بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يُوجَدُ مَعْصِيَةً بِأَنْ قَهْقَهَ أَوْ كَذَبَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ فَرْضًا بَلْ الْخُرُوجُ بِفِعْلِ الْمُصَلِّي لَيْسَ بِفَرْضٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا عِنْدَهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُغَيِّرَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَوُجُودُ الْمُغَيِّرِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَوُجُودِهِ قَبْلَهُ لِمَا أَنَّهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْإِقَامَةَ أَتَمَّ، وَالْمَعْنَى بِالْمُغَيِّرِ مَا تَجِبُ الصَّلَاةُ بَعْدَ وُجُودِهِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الْوَاجِبَةِ هِيَ عَلَيْهَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَوِجْدَانِ الثَّوْبِ وَتَعَلُّمِ السُّورَةِ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَاللُّبْسِ وَالْقِرَاءَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِطَهَارَةِ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ وَالْعُرْيِ وَعَدَمِ الْقِرَاءَةِ. وَقِيلَ الْمَعْنِيُّ بِهِ كَوْنُ الصَّلَاةِ جَائِزَةً لِلِاجْتِمَاعِ بِهِ وَبِضِدِّهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ وَالْإِيمَاءِ وَأَضْدَادِهَا. وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ ﷺ «إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا» الْحَدِيثَ، عَلَّقَ ﷺ التَّمَامَ بِأَحَدِهِمَا، فَمَنْ عَلَّقَ بِثَالِثٍ فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ (وَلَهُ أَنَّ أَدَاءَ صَلَاةٍ أُخْرَى فِي وَقْتِهَا وَاجِبٌ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ) فَكَانَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَسِيلَةً إلَى الْفَرْضِ بِاقْتِضَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَاءِ الْفَرْضِ إلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا) وَهَذِهِ النُّكْتَةُ مَنْقُولَةٌ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ. وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ حَاذَتْ رَجُلًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا صُنْعَ مِنْهُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ يَكُونُ فَرْضًا لِغَيْرِهِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَيَجِبُ أَنْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الصُّنْعِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْأُولَى، كَمَا لَوْ دَخَلَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُحَاذَاةَ مُفَاعَلَةٌ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا مِنْ فَاعِلَيْنِ فَكَانَ مِنْهُ صُنْعٌ أَدْنَاهُ اللُّبْثُ فِي مَكَانِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْأُولَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ تَبْقَى صَحِيحَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ وَلَمْ تَبْقَ بِهَذَا الْخُرُوجِ صَحِيحَةً. لَا يُقَالُ: إنَّمَا لَمْ

стр. 384

وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَمَّتْ قَارَبَتْ التَّمَامَ، وَالِاسْتِخْلَافُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ حَتَّى يَجُوزَ فِي حَقِّ الْقَارِئِ، وَإِنَّمَا الْفَسَادُ ضَرُورَةُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ عَدَمُ صَلَاحِيَّةِ الْإِمَامَةِ. (وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَهُ أَجْزَأَهُ) لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ مُدْرِكًا لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ تَبْقَ صَحِيحَةً؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَمْ يَكُنْ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي فَكَانَ بَقَاؤُهَا صَحِيحَةً مَوْقُوفًا عَلَى الْخُرُوجِ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي، فَلَوْ تَوَقَّفَ الْخُرُوجُ عَلَى بَقَائِهَا صَحِيحَةً دَارَ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْخُرُوجُ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي مَوْقُوفٌ عَلَى مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ رَافِعًا التَّحْرِيمَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاؤُهَا صَحِيحَةً وَلَا مُعْتَبَرَ بِالضِّمْنِيَّاتِ. وَقَوْلُهُ: (وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمَا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» أَيْ قَارَبَ التَّمَامَ، سَمَّاهُ تَمَامًا بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (وَالِاسْتِخْلَافُ غَيْرُ مُفْسِدٍ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ اسْتِخْلَافُ الْأُمِّيِّ صُنْعُ الْمُصَلِّي فَكَانَ الْوَاجِبُ أَلَّا تَفْسُدَ بِهِ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَتَقْرِيرُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّارِحُونَ قَالُوا: سَلَّمْنَا أَنَّهُ صُنْعٌ مِنْهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَخْلَفَ قَارِئًا فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الصُّنْعِ مَا كَانَ مُفْسِدًا لِيَكُونَ عَمَلًا مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ رَافِعًا لِلتَّحْرِيمَةِ. وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِيمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَاسْتَخْلَفَ أَنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ. وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ عَمَلًا مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ. وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَسَادَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُ لَيْسَ لِلِاسْتِخْلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ، إنَّمَا الْفَسَادُ ضَرُورَةُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ عَدَمُ صَلَاحِيَةِ الْأُمِّيِّ لِلْإِمَامَةِ، وَالرَّدُّ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: هُنَاكَ عَمَلٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهَاهُنَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ بِعُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُفْسِدًا إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرُ كَوْنِهِ مُفْسِدًا عِنْدَ الْعُذْرِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي مَطْلَعِ الْبَحْثِ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الشَّارِحِينَ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَقِيلَ الْأَصْلُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُخْتَارَهُ غَيْرَهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ ذِكْرِ الْمُخْتَارِ وَذِكْرَ غَيْرِهِ وَالِاحْتِجَاجَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنْ مِثْلِهِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ) إذَا اقْتَدَى الرَّجُلُ بِمَنْ صَلَّى رَكْعَةً فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَهُ صَحَّ الِاسْتِخْلَافُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَخْلِفَ مُدْرِكًا؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى إتْمَامِهَا) لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَى اسْتِخْلَافِ

стр. 385

لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ (فَلَوْ تَقَدَّمَ يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ الْإِمَامُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَإِذَا انْتَهَى إلَى السَّلَامِ يُقَدِّمُ مُدْرِكًا يُسَلِّمُ بِهِمْ، فَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَتَمَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْقَوْمِ تَامَّةٌ) لِأَنَّ الْمُفْسِدَ فِي حَقِّهِ وُجِدَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ وَفِي حَقِّهِمْ بَعْدَ تَمَامِ أَرْكَانِهَا وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ فَرَغَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ تَفْسُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ (فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ قَهْقَهَ أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا تَفْسُدُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ تَفْسُدْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لَهُمَا أَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي بِنَاءً عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ جَوَازًا وَفَسَادًا وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَكَذَا صَلَاتُهُ وَصَارَ كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ. وَلَهُ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدَ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي، غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِلتَّسْلِيمِ، وَالْأَقْدَرُ أَوْلَى لَا مَحَالَةَ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَصَحُّ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ صَلَاتَهُ أَيْضًا تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيَكُونُ كَالْفَارِغِ بِقَعْدَةِ الْإِمَامِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ. وَوَجْهُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ، وَضَحِكُ الْإِمَامِ فِي حَقِّهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبِنَاءِ كَضَحِكِهِ، وَلَوْ ضَحِكَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَكَذَا إذَا ضَحِكَ الْإِمَامُ الْمُسْتَخْلَفُ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ وَالْحَدَثَ بِالْعَمْدِ إذَا وُجِدَا قَبْلَهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَيَّدَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُدْرِكِ لَا تَفْسُدُ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي صَلَاةِ اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ. قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مُفْسِدَةٌ)؛ لِأَنَّهَا كَالْحَدَثِ فِي إزَالَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَتَكُونُ

стр. 386

السَّلَامِ لِأَنَّهُ مِنْهُ وَالْكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ، مُفْسِدَةً لِلْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي لِابْتِنَائِهَا عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ) الْمَنْهِيُّ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ رَافِعًا لِلتَّحْرِيمَةِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ كَالتَّسْلِيمِ وَالْخُرُوجِ بِفِعْلِ الْمُصَلِّي، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُمَا كَذَلِكَ. قَالَ ﷺ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ وَقَوْلُهُ: (وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ مَعَ الْقَوْمِ يَمْنَةً وَيَسَرَةً لِوُجُودِ كَافِ الْخِطَابِ

стр. 387

وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْإِمَامِ لِوُجُودِ الْقَهْقَهَةِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. (وَمَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَقَوْلُهُ: (وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْإِمَامِ) يَعْنِي عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ كُلَّ قَهْقَهَةٍ تُوجِبُ إعَادَةَ الصَّلَاةِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا لَا فَلَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَهُمْ أَنَّهَا وُجِدَتْ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَهَا فِي هَذِهِ

стр. 388

وَلَا يَعْتَدُّ بِاَلَّتِي أَحْدَثَ فِيهَا)، لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا فَقَدَّمَ غَيْرَهُ دَامَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْمَامُ بِالِاسْتِدَامَةِ. (وَلَوْ تَذَكَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ الْحَالَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُهُ فَتَكُونُ مُفْسِدَةً لِلْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَعْتَدُّ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُعِيدُ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ يَسْتَلْزِمُ الْإِعَادَةَ (؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ، وَالِانْتِقَالُ مَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ)؛ لِأَنَّ الْمُنْتَقَلَ إلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَدَاءُ جُزْءٍ مِنْهَا بَعْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ مُفْسِدٌ (فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَنْتَقِضَ بِالْحَدَثِ جَمِيعُ مَا أَدَّى لَكِنْ تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي الْبِنَاءِ فَبَقِيَ انْتِقَاضُ الرُّكْنِ الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِيهِ عَلَى الْقِيَاسِ وَلَزِمَ إعَادَةُ مَا كَانَ الْحَدَثُ فِيهِ بِالْقِيَاسِ. وَقَوْلُهُ: (دَامَ الْمُقَدَّمُ عَلَى رُكُوعِهِ) أَيْ مَكَثَ رَاكِعًا قَدْرَ رُكُوعِهِ (؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِتْمَامُ بِالِاسْتِدَامَةِ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ فِيمَا يُسْتَدَامُ كَالْإِنْشَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ الرُّكُوعِ، وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وَمَنْ ذَكَرَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَّ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَ الَّتِي

стр. 389

أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَانْحَطَّ مِنْ رُكُوعِهِ أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ فَسَجَدَهَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَى لِتَقَعَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مُرَتَّبَةً بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ. قَالَ (وَمَنْ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْمَأْمُومُ ذَكَرَهَا صُلْبِيَّةً كَانَتْ أَوْ تِلَاوَةً أَعَادَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لِتَقَعَ الْأَفْعَالُ مُرَتَّبَةً بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَهَذَا بَيَانُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَبْدَأُ بِمَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ رُكْنًا لَمَا جَازَ لَهُ تَرْكُهُ بِعُذْرِ الْجَمَاعَةِ كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، فَلَوْ تَرَكَ الْإِعَادَةَ جَازَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّجْدَةِ لَا يَنْقُضُ الرُّكُوعَ فَيَصِحُّ الِاعْتِدَادُ بِهِ، بِخِلَافِ سَبْقِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَعَ الطَّهَارَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ (لِأَنَّ الْقَوْمَةَ عِنْدَهُ فَرْضٌ)، فَحَيْثُ انْحَطَّ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ فَقَدْ تَرَكَ الْفَرْضَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا عَادَ إلَى السَّجْدَةِ الصُّلْبِيَّةِ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ تَرْتَفِضُ الْقَعْدَةُ، وَكَذَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الرُّكُوعِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فَعَادَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَضَ الرُّكُوعُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَعْدَةَ إنَّمَا تَرْتَفِضُ بِالْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ تَمَامَ الصَّلَاةِ بِالْقَعْدَةِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «إذَا قُلْت هَذَا أَوْ فَعَلْت هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» فَلَوْ قُلْنَا بِجَوَازِ تَأْخِيرِ غَيْرِهَا عَنْهَا كَانَ تَمَامُ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعُ عَنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ وَسِيلَةٌ إلَى الرُّكُوعِ، وَالرُّكُوعُ وَسِيلَةٌ إلَى السُّجُودِ، حَتَّى إنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، وَالْوَسَائِلُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَالْقِرَاءَةُ زِينَةُ الْقِيَامِ فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ. (وَمَنْ أَمَّ رَجُلًا وَاحِدًا فَأَحْدَثَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْمَأْمُومُ

стр. 390

إمَامٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ، وَتَعْيِينُ الْأَوَّلِ لِقَطْعِ الْمُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هَاهُنَا، وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ صَلَاتَهُ مُقْتَدِيًا بِالثَّانِي كَمَا إذَا اسْتَخْلَفَهُ حَقِيقَةً (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إلَّا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ) لِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ إمَامٌ نَوَى) الْإِمَامُ ذَلِكَ (أَوْ لَمْ يَنْوِ) (لِمَا فِيهِ) أَيْ فِي تَعْيِينِهِ إمَامًا (صِيَانَةُ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ إمَامًا خَلَا مَكَانُ الْإِمَامَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ يُوجِبُ فَسَادَ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي. فَإِنْ قِيلَ التَّعَيُّنُ لَا يَتَحَقَّقُ بِلَا تَعْيِينٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَتَعْيِينُ الْأَوَّلِ لِقَطْعِ الْمُزَاحَمَةِ) وَلَا مُزَاحِمَ فَكَانَ التَّعْيِينُ مَوْجُودًا حُكْمًا، وَإِذَا تَعَيَّنَ لِذَلِكَ كَانَ كَالْمُسْتَخْلِفِ حَقِيقَةً فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ مُقْتَدِيًا بِهِ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ إلَّا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقِيلَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَطْ (لِاسْتِخْلَافِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ) حُكْمًا فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ لِلْإِمَامَةِ كَانَ الْإِمَامُ مُقْتَدِيًا بِهِ، وَمَنْ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ (وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ إنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَا شَيْءَ مِنْهُمَا بِمَوْجُودٍ. أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُهُ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي صَلَاحِيَتَهُ لِلْإِمَامَةِ، وَالْفَرْضُ
следующие страницы →