← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ وَقَبَضَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا إلَيْهِ (فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ)؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي فِي الْمُشْتَرِي دَعْوَى كَالشَّفِيعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ لَا بَعْدَهُ. قَالَ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ)؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ، الْوَكَالَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ. قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ إلَخْ) وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ مَا وُكِّلَ بِهِ وَقَبَضَهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى بِيَدِهِ أَوْ دَفَعَهُ إلَى الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْبَائِعِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ لِانْتِهَاءِ حُكْمِ الْوَكَالَةِ. وَلِأَنَّ فِي الرَّدِّ إبْطَالَ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا إلَيْهِ (كَانَ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي فِي الْمُشْتَرَى دَعْوَى كَالشَّفِيعِ وَغَيْرِهِ) كَالْمُسْتَحَقِّ (قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُوَكِّلِ) قَالَ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ إلَخْ) إذَا وَكَّلَ شَخْصًا بِأَنْ يَعْقِدَ عَقْدَ الصَّرْفِ أَوْ يُسْلِمَ فِي مَكِيلٍ مَثَلًا فَفَعَلَ جَازَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ،

стр. 3642

وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ دُونَ قَبُولِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَبِيعُ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَقْبَلَ السَّلَمَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَبِيعُ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ الْعَيْنَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ فِي الدُّيُونِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَبُولَ السَّلَمِ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْوَكِيلُ حِفْظًا لِلْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ الِانْتِقَاضِ، وَبِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ جَائِزٌ لَا مَحَالَةَ، وَالثَّمَنُ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلُ مُطَالَبٌ بِهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَالْوَكِيلُ مُطَالَبٌ بِتَسْلِيمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَمْلِكُهُ ضَرُورَةَ دَفْعِ الْحَاجَةِ وَبِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَالثَّابِتُ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِجَوَازِ قَبُولِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْآمِرِ بِهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبْدَلُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ وَآخَرُ يَمْلِكُ بَدَلَهُ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ فِي الشِّرَاءِ يَمْلِكُ الْمُبْدَلَ وَيَلْزَمُ الْبَدَلُ فِي ذِمَّتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَاجْعَلْ الْمُسْلَمَ فِيهِ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ وَالْمَالُ لَهُ كَمَا فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ. فَالْجَوَابُ هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا،

стр. 3643

(فَإِنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ (وَلَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْمُسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَإِذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ كَانَ الْوَكِيلُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ الطَّعَامُ فِي ذِمَّتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَى الْآمِرِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ كَانَ قَرْضًا عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى الْآمِرِ لِإِطْلَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ بَدَلِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ قَبَضَ الْعَاقِدُ وَهُوَ الْوَكِيلُ بَدَلَ الصَّرْفِ صَحَّ قَبْضُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ أَوْ مِمَّنْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَإِنَّ قَبْضَهُ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا (فَإِنْ فَارَقَ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا فِيهِ فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ يَصِيرُ كَالصَّارِفِ بِنَفْسِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ. وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْوَكِيلَ أَصِيلٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ أَوْ

стр. 3644

بِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ، وَيَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسِلِ فَصَارَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ. لَمْ يَحْضُرْ، وَمُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْمُسْتَحَقُّ قَبْضُ الْعَاقِدِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّسُولِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِخِلَافِ الرَّسُولَيْنِ: أَيْ الرَّسُولِ فِي بَابِ الصَّرْفِ وَالرَّسُولِ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الرَّسُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي الصَّرْفِ وَالرَّسُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي السَّلَمِ: أَيْ مِنْ جَانِبِ رَبِّ السَّلَمِ وَمِنْ جَانِبِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنْ جَانِبِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّسُولَ إذَا قَبَضَ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِقَبْضِهِ (لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ) وَإِلَّا لَكَانَ افْتِرَاقٌ بِلَا قَبْضٍ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ يَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسِلِ فَكَانَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ.

стр. 3645

(قَالَ: وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ)؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَلِهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرِي لِلْمُوَكِّلِ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ لَمَّا كَانَتْ رَاجِعَةً إلَيْهِ وَقَدْ عَلِمَهُ الْمُوَكِّلُ يَكُونُ رَاضِيًا بِدَفْعِهِ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ)؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْهُ يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ قَالَ (وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ) إذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ: أَيْ صَارَ الْوَكِيلُ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِثُبُوتِ أَمَارَتِهَا، فَإِنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ، وَإِذَا وَجَدَ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا بِالْمُشْتَرَى يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ الْمُبَادَلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ فَرْعٌ عَلَى الْمُبَادَلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: الْفَرْعُ الْمُخْتَصُّ بِأَصْلِ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ أَصْلِهِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي كَوْنِهِ دَلِيلًا، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِأَصْلِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ وَقَدْ سَلَّمَ لَهُ الْمُشْتَرَى مِنْ جِهَتِهِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ)

стр. 3646

(وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِيَدِهِ فَكَأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ دَلِيلٌ آخَرُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ، وَالْإِذْنُ ثَابِتًا هَاهُنَا دَلَالَةً لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الدَّفْعُ عَلِمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالدَّفْعِ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَكَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ آمِرًا بِهِ دَلَالَةً. وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ حَبْسِهِ لَا يُسْقِطُ الرُّجُوعَ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْ صَارَ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِ الْوَكِيلِ، فَالْهَلَاكُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَبْطُلُ الرُّجُوعُ. وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ، وَلِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ، وَعَلَى هَذَا لَا فَصْلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ أَوْ لَا. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِيَدِ الْوَكِيلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ. وَالْحَبْسُ فِي السَّلَمِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ التَّسْلِيمُ الِاخْتِيَارِيُّ يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ تَقْتَضِي الرِّضَا، وَهَذَا التَّسْلِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَتَوَسَّلُ إلَى الْحَبْسِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ. وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ إنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِتَتْمِيمِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْ يَكُونَ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِحَبْسِهِ فَكَانَ الْآمِرُ فِيهِ مَوْقُوفًا فِي الِابْتِدَاءِ، إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ حَبَسَهُ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا بِقَبْضِهِ، فَإِنْ حَبَسَهُ فَهَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ. عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ

стр. 3647

فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الْحَبْسِ، عَلَى أَنَّ قَبْضَهُ مَوْقُوفٌ فَيَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ وَلِنَفْسِهِ عِنْدَ حَبْسِهِ (فَإِنْ حَبَسَهُ فَهَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَضَمَانَ الْمَبِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَضَمَانَ الْغَصْبِ عِنْدَ زُفَرَ ﵀؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَهُمَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْهُ فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ قِيمَتِهِ وَمِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا وَقِيمَةُ الْبَيْعِ عَشَرَةً رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِخَمْسَةٍ. وَضَمَانُ الْبَيْعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْقُطُ الثَّمَنُ بِهِ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. وَضَمَانُ الْغَصْبِ عِنْدَ زُفَرَ يَجِبُ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَا يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ، وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ. زُفَرُ يَقُولُ: مَنْعُهُ حَقَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَبْضَهُ قَبْضُ الْمُوَكِّلِ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِيهِ فَصَارَ غَاصِبًا (وَلَهُمَا) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (أَنَّ الْوَكِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْبَائِعُ حَبْسُهُ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، فَكَذَا حَبْسُ الْوَكِيلِ فَيَسْقُطُ الثَّمَنُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ الضَّمَانُ حَبَسَ أَوْ لَمْ يَحْبِسْ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَحْبِسْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا حَبَسَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ بِالْقَبْضِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فَتَقْوَى جِهَةُ كَوْنِهِ بَائِعًا فَلَزِمَ الضَّمَانُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْبِسْ فَقَبْضُهُ كَانَ لِمُوَكِّلِهِ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ أَمَانَةً

стр. 3648

وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ الرَّهْنُ بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ وَهَا هُنَا لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْعَقْدِ. قُلْنَا: يَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ، كَمَا إذَا رَدَّهُ الْمُوَكِّلُ بِعَيْبٍ وَرَضِيَ الْوَكِيلُ بِهِ. (قَالَ: وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ مِنْ لَحْمٍ يُبَاعُ مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا قَبْلَ الْحَبْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَصَارَ مَضْمُونًا بَعْدَ الْحَبْسِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْنَى الرَّهْنِ لَا مَعْنَى الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ قَبْلَ الْحَبْسِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهَذَا لِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمَبِيعِ) لِنَفْيِ قَوْلِهِمَا: يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرَى لَيْسَ كَالْمَبِيعِ هَاهُنَا لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ، وَهَاهُنَا لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْبَيْعِ: يَعْنِي الَّذِي بَيْنَ الْوَكِيلِ وَبَائِعِهِ. وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قُلْنَا يَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ، وَمِثْلُهُ لَا يَمْتَنِعُ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا بِالْمُشْتَرَى فَرَدَّهُ وَرَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلِ. قِيلَ: وَهَذَا مُغَالَطَةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَبَيْنَ هَلَاكِهِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بَعْدَ الْحَبْسِ، فَفِي الْأَوَّلِ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَفِي الثَّانِي لَا، وَانْفِسَاخُ الْبَيْعِ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْفِسَاخِهِ مِنْ الْأَصْلِ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ مَوْضِعِ النِّزَاعِ، وَأَنَّهُ كَمَا تَرَى فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّ الْوَكِيلَ بَائِعٌ كَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ بِوَكِيلٍ فَاسْتَوَيَا فِي وُجُودِ الْفَسْخِ وَبَطَلَ الْفَرْقُ، بَلْ إذَا تَأَمَّلْت حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْت مَا ذُكِرَ مِنْ جَانِبِ أَبِي يُوسُفَ غَلَطًا أَوْ مُغَالَطَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ مِنْ الْوَكِيلِ بِمَنْزِلَةِ بَائِعِ الْبَائِعِ، وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَائِعِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَسْخُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَبَائِعِهِ فَكَانَ ذِكْرُهُ أَحَدَهُمَا. قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ إلَخْ) وَكَّلَ رَجُلًا

стр. 3649

لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشْرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ بِدِرْهَمٍ) وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ وَظَنَّ أَنَّ سِعْرَهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ عِشْرِينَ فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَصَارَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ فَيَنْفُذُ شِرَاؤُهَا عَلَيْهِ وَشِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اللَّحْمُ يُبَاعُ مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ مِمَّا يُبَاعُ مِنْهُ عِشْرُونَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشَرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: وَقَالَا: يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيِّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْأَصْلِ: أَيْ فِي وَكَالَةِ الْمَبْسُوطِ فِي آخِرِ بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْهُ فَقَالَ فِيهِ: لَزِمَ الْآمِرَ عَشَرَةٌ مِنْهَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَالْبَاقِي لِلْمَأْمُورِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَ الْوَكِيلَ بِصَرْفِ الدِّرْهَمِ فِي اللَّحْمِ وَظَنَّ أَنَّ سِعْرَهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، وَالْوَكِيلُ لَمْ يُخَالِفْهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَإِنَّمَا جَاءَ ظَنُّهُ مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا سِيَّمَا إذَا زَادَ خَيْرًا وَصَارَ كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِشِرَاءِ الزِّيَادَةِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ يُسَاوِي دِرْهَمًا وَقَدْ خَالَفَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ فَيَنْفُذُ شِرَاؤُهَا عَلَيْهِ، وَشِرَاءُ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ يَجِبُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْآمِرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ ثَبَتَتْ ضِمْنًا لِلْعِشْرِينِ إلَّا قَصْدًا وَقَدْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةٍ قَصْدًا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. كَمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِثُبُوتِهَا فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ. وَالْمُتَضَمَّنِ لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ بِهِ فَلَا يَثْبُتُ مَا فِي ضِمْنِهِ أَيْضًا تَبَعًا لَهُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا هَرَوِيًّا بِعَشَرَةٍ فَاشْتَرَى لَهُ هَرَوِيَّيْنِ بِعَشَرَةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي عَشَرَةً. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ مِنْهُمَا شَيْءٌ، وَالْمَسْأَلَةُ كَالْمَسْأَلَةِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ. وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ

стр. 3650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بِأَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ ضِمْنِيٌّ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي ضِمْنِ مَا تَضَمَّنَهُ، وَمَا تَضَمَّنَهُ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ فَكَذَا مَا فِي ضِمْنِهِ، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَكُلُّ قَصْدِي لِأَنَّ أَجْزَاءَ الثَّمَنِ تَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضِّمْنُ فِي الشِّرَاءِ. وَعَنْ الثَّانِي صَاحِبُ النِّهَايَةِ يَجْعَلُ اللَّحْمَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي قِيمَتِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَلَامُنَا فِيهِ، وَحِينَئِذٍ كَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُوَكِّلِ أَيَّ عَشَرَةٍ شَاءَ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ، فَالثَّوْبَانِ وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْقِيمَةِ لَكِنْ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَذَلِكَ لَا يُعَيِّنُ حَقَّ الْمُوَكِّلِ فَيَثْبُتُ حَقُّهُ مَجْهُولًا فَلَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي التَّتِمَّةِ فَقَالَ: لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أُعْطِيهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْعَشَرَةِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَعَلَ اللَّحْمَ مِثْلِيًّا وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيلٍ آخَرَ، وَلَعَلَّ ذَاكَ أَنْ يُقَالَ اللَّحْمُ أَيْضًا مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ لَكِنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ قَلِيلٌ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مَفْرُوضِ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ وَالْقِيمَةِ وَقَدْ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّ فِي تَطَرُّقِ الْخَلَلِ فِي احْتِمَالِ التَّسَاوِي كَثْرَةً مَادَّةً وَصُورَةً وَطُولًا وَعَرْضًا وَرِفْعَةً وَرُقْعَةً، وَأَجَلُهُ كَوْنُهُ حَاصِلًا

стр. 3651

بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ بَدَلُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مَا يُسَاوِي عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ حَيْثُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ يَتَنَاوَلُ السَّمِينَ وَهَذَا مَهْزُولٌ فَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ. قَالَ (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ) بِصُنْعِ الْعِبَادِ مَحَلُّ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فَلَا يَلْزَمُ تَحَمُّلُهُ مِنْ تَحَمُّلِ مَا هُوَ أَقَلُّ خَلَلًا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ تَمْثِيلِ أَبِي يُوسُفَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِتَوْكِيلِ بَيْعِ الْعَبْدِ بِأَلْفٍ وَبَيْعِهِ بِأَلْفَيْنِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ هُنَاكَ بَدَلُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَتَكُونُ لَهُ. وَرُدَّ بِأَنَّ الدِّرْهَمَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ بَدَلَ مِلْكِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّةَ مُبْدَلٌ مِنْهُ لَا بَدَلٌ فَكَانَ الْفَرْقُ ظَاهِرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَلِكَ قِيَاسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَهُوَ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَ الزَّائِدَ لَا يَفْسُدُ بِطُولِ الْمُكْثِ بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى نَاجِزَةٍ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي اللَّحْمِ فَيَتْلَفُ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ؛ كَانَ الْمُشْتَرَى لِلْوَكِيلِ بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ تَنَاوَلَ السَّمِينَ وَالْمُشْتَرَى هَزِيلٌ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْآمِرِ. قَالَ (وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَخْ) وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْرِيرِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِغَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَا قِيلَ لِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ عِلْمِ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ وَقَعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ

стр. 3652

لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَغْرِيرِ الْآمِرِ حَيْثُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِيهِ عَزْلَ نَفْسِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ، إلَّا إذَا بَاشَرَ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُخَالَفَةُ، فَإِذَا سَمَّى الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسٍ أَوْ لَمْ يُسَمِّ فَاشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فَاشْتَرَى وَهُوَ غَائِبٌ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ لِلْوَكِيلِ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْآمِرَ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ. أَمَّا إذَا اشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِ مَا سَمَّى فَظَاهِرٌ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ نَقْدُ الْبَلَدِ فَالْأَمْرُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَحْضُرَ رَأْيُهُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ. قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَكِيلِ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا إذَا أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ الْمَهْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْوَكِيلِ لَا عَنْ الْمُوَكِّلِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْمَهْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّكَاحَ الْمُوَكَّلَ

стр. 3653

فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَى الثَّانِي وَهُوَ غَائِبٌ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ. وَلَوْ اشْتَرَى الثَّانِيَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ نَفَذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا. بِهِ نِكَاحٌ مُضَافٌ إلَى الْمُوَكِّلِ وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَيْهِ حَيْثُ أَنْكَحَهَا مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْإِنْكَاحَ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ أَنْ يَقُولَ تَزَوَّجْتُك وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُضَافٍ إلَى الْمُوَكِّلِ لَا مَحَالَةَ فَكَانَتْ الْمُخَالَفَةُ مَوْجُودَةً فَوَقَعَ عَنْ الْوَكِيلِ، وَإِذَا عُرِفَ مَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ فَمَا عَدَاهُ مُوَافِقُهُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِالنُّقُودِ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ أَوْ إذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَهُ رَأْيُهُ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا. قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوْ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ فَبَلَغَ الْوَكِيلَ فَأَجَازَهُ جَازَ وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ إذَا طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ لَا يَقَعُ، وَالرِّوَايَةُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتِمَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الْوَكَالَةِ فِيهِمَا مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ الرَّأْيِ إلَى الْوَكِيلِ، وَتَفْوِيضُ الرَّأْيِ إلَى الْوَكِيلِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِمَا إذَا انْفَرَدَا عَنْ مَالٍ إلَى الرَّأْيِ فَجَعَلْنَاهَا مَجَازًا لِلرِّسَالَةِ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَالرَّسُولُ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُرْسِلِ فَكَانَ الْمَأْمُورُ مَأْمُورًا بِنَقْلِ عِبَارَةِ الْآمِرِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَتَوْكِيلُ الْآخَرِ أَوْ الْإِجَازَةُ لَيْسَ مِنْ النَّقْلِ فِي شَيْءٍ فَلَمْ يَمْلِكْهُ الْوَكِيلُ. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ الْعَمَلَ بِحَقِيقَةِ الْوَكَالَةِ

стр. 3654

قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ: فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ) قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدِي بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ دُونَ النَّقْدِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَخِلَافًا، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُطْلَقٌ. مُمْكِنٌ لِأَنَّهَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الرَّأْيِ، فَاعْتُبِرَ الْمَأْمُورُ وَكِيلًا وَالْمَأْمُورُ بِهِ حُضُورُ رَأْيِهِ وَقَدْ حَضَرَ بِحُضُورِهِ أَوْ بِإِجَازَتِهِ. قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إلَخْ) إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ. وَقَوْلُهُ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ النَّقْدَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ، وَأَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وُجُوهٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ أَوْ إلَى مَالِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ لِلْآمِرِ حَمْلًا لِحَالِ الْوَكِيلِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا، إذْ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ مُسْتَنْكَرٌ

стр. 3655

وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً شَرْعًا وَعُرْفًا لِكَوْنِهِ غَصْبًا لِدَرَاهِمِ الْآمِرِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ لِلْمَأْمُورِ حَمْلًا لِفِعْلِهِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ عَادَةً لِجَرَيَانِهَا بِوُقُوعِ الشِّرَاءِ لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَمْلًا لِحَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَوْ يَفْعَلُهُ عَادَةً. دَلِيلًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي يُعْلَمُ بِالدَّلَالَةِ، فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَيُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى غَيْرِهِ شَرْعًا فَكَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ وَيُضِيفَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ وَالْعَادَةُ مُشْتَرَكَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ بِالْأَوَّلِ يَصِيرُ غَاصِبًا دُونَ الثَّانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ

стр. 3656

إذْ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا وَعُرْفًا. وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ، فَإِنْ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَهُوَ لِلْآمِرِ، وَإِنْ نَوَاهَا لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ وَيَعْمَلَ لِلْآمِرِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ، وَإِنْ تَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ يَحْكُمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: هُوَ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَحْكُمُ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَأَمَّا إنْ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَهِيَ لَهُ، أَوْ لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي هَذَا التَّوْكِيلِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ لِشَيْءٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْوَكِيلُ نَوَيْت لِنَفْسِي وَقَالَ الْمُوَكِّلُ نَوَيْت لِي حُكْمُ النَّقْدِ بِالْإِجْمَاعِ فَمِنْ مَالِ مَنْ نَقَدَ الثَّمَنَ كَانَ الْمَبِيعُ لَهُ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ

стр. 3657

فَيَبْقَى مَوْقُوفًا، فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحْتَمَلَ لِصَاحِبِهِ وَلِأَنَّ مَعَ تَصَادُقِهِمَا يَحْتَمِلُ النِّيَّةَ لِلْآمِرِ، وَفِيمَا قُلْنَا حَمْلُ حَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ. ظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ حَمْلِ حَالِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا، وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ قَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ لِلْعَاقِدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ جَعْلُهُ لِغَيْرِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَالِهِ أَوْ بِالنِّيَّةِ لَهُ وَالْفَرْضُ عَدَمُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحْكَمُ النَّقْدُ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، فَمِنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ تَعَيَّنَ بِهِ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ وَلِأَنَّ مَعَ تَصَادُقِهِمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ نَوَى لِلْآمِرِ وَنَسِيَهُ (قَوْلُهُ وَفِيمَا قُلْنَا) يَعْنِي تَحْكِيمَ النَّقْدِ (حَمْلُ حَالِهِ عَلَى الصَّلَاحِ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَ النَّقْدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَالشِّرَاءُ لَهُ كَانَ غَصْبًا كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ. وَإِذَا عَلِمْت هَذِهِ الْوُجُوهَ ظَهَرَ لَك أَنَّ فِي النَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ تَفْصِيلًا إذَا اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ، إنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَإِنْ نَقَدَ مِنْ دَرَاهِمِ الْوَكِيلِ كَانَ لَهُ، وَإِنْ نَوَاهُ لِلْمُوَكِّلِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالنَّقْدِ وَخِلَافًا فِيمَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ أَوْ يَحْكُمُ النَّقْدُ، وَفِي الْإِضَافَةِ إلَى مَالِ الْمُوَكِّلِ يَقَعُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مُطْلَقٌ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ فَكَانَ حَمْلُ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ: أَوْ يَشْتَرِيهِ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدِي. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى أَيِّ نَقْدٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُفِيدَ شَيْئًا لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعَيُّنِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ الشِّرَاءَ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ يَتَعَيَّنُ، وَإِنَّمَا نَقُولُ الْوَكَالَةُ تَتَقَيَّدُ بِهَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِذَا تَقَيَّدَتْ بِهَا لَمْ يَكُنْ الشِّرَاءُ بِغَيْرِهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْوَكَالَةِ

стр. 3658

وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ فِي الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي وَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْته لِنَفْسِك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ)؛ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ. قَوْلُهُ وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ) إنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ اسْتِفَادَةِ حُكْمِهِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ نَفْيًا لِقَوْلِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَالْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ إجْمَاعًا وَلَا يَحْكُمُ النَّقْدُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا الْقَائِلُ فَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ وَالسَّلَمِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّ لِلنَّقْدِ أَثَرًا فِي تَنْفِيذِ السَّلَمِ، فَإِنَّ الْمُفَارَقَةَ بِلَا نَقْدٍ تُبْطِلُ السَّلَمَ، فَإِذَا جُهِلَ مَنْ لَهُ الْعَقْدُ يُسْتَبَانُ بِالنَّقْدِ وَلَيْسَ الشِّرَاءُ كَذَلِكَ فَكَانَ الْعَقْدُ لِلْعَاقِدِ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ. قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ إلَخْ) وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَقَالَ قَدْ فَعَلْت وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ سَيَجِيءُ، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَيِّتًا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَوْ حَيًّا. وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَالثَّمَنُ غَيْرُ مَنْقُودٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ سَبَبِهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْآمِرِ، فَإِنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَلَى الْآمِرِ هُوَ الْعَقْدُ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِئْنَافِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَيِّتٌ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعَقْدِ، فَكَانَ قَوْلُ الْوَكِيلِ فَعَلْت وَمَاتَ عِنْدِي لِإِرَادَةِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَهُوَ مُنْكَرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَقَوْلُهُ (لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ) مَعْنَاهُ اسْتِئْنَافُ سَبَبِهِ فَهُوَ مَجَازٌ بِالْحَذْفِ، وَقَوْلُهُ (وَهُوَ) رَاجِعٌ

стр. 3659

وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا حِينَ اخْتَلَفَا، إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُودًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الشِّرَاءِ فَلَا يُتَّهَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: الْقَوْلُ لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَلْزَمَهَا الْآمِرَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِذَلِكَ وَلَا ثَمَنَ فِي يَدِهِ هَاهُنَا، إلَى " مَا " فِي عَمَّا، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا حِينَ اخْتَلَفَا، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْقُودًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَ الشِّرَاءِ لِكَوْنِ الْمَحَلِّ قَابِلًا فَلَا يُتَّهَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ كَيْفَ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ تَمَلُّكَ اسْتِئْنَافِ الشِّرَاءِ دَائِرٌ مَعَ التَّصَوُّرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَفْسَخَ الْوَكِيلُ الْعَقْدَ مَعَ بَائِعِهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ لِلْمُوَكِّلِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ لِلْآمِرِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا رَأَى الصَّفْقَةَ خَاسِرَةً أَرَادَ أَنْ يَلْزَمَهَا الْآمِرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِذَلِكَ: أَيْ لِلْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ (وَلَا ثَمَنَ فِي يَدِهِ هَاهُنَا) يَعْنِي فِيمَا نَحْنُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ

стр. 3660

وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا وَالْعَبْدُ حَيٌّ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ غَيْرَ مَنْقُودٍ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ عَلَى مَا مَرَّ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀. الْوَكِيلُ أَمِينًا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ (وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا وَالْعَبْدُ حَيٌّ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مَنْقُودًا أَوْ لَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ) وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الرُّجُوعَ عَلَى الْآمِرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَلَى مَا مَرَّ أَنَّ شِرَاءَ مَا وَكَّلَ بِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ حَالَ غَيْبَتِهِ، بِخِلَافِ حُضُورِهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ جَازَ وَوَقَعَ الْمُشْتَرَى لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ فِيهِ التُّهْمَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ جَانِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هَالِكًا وَالثَّمَنُ مَنْقُودًا فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُرِيدُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُودٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ.

стр. 3661

(وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ أَمَرَهُ ثُمَّ جَاءَ فُلَانٌ وَقَالَ أَنَا أَمَرْته بِذَلِكَ فَإِنَّ فُلَانًا يَأْخُذُهُ)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْإِنْكَارُ اللَّاحِقُ. قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ إلَخْ) رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ: يَعْنِي لِأَجْلِهِ فَبَاعَهُ مِنْهُ، فَلَمَّا طَلَبَهُ مِنْهُ

стр. 3662

(فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ آمُرْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ)؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ فَيَكُونُ بَيْعًا عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بِالتَّعَاطِي، كَمَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَتَّى لَزِمَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرَى لَهُ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي لِلتَّعَاطِي وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ لِاسْتِتْمَامِ التَّرَاضِي وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ. فُلَانٌ أَبَى أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّ لِفُلَانٍ وِلَايَةَ أَخْذِهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ: يَعْنِي قَوْلَهُ لِفُلَانٍ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالشَّيْءِ لَا يَبْطُلُ بِالْإِنْكَارِ اللَّاحِقِ فَلَا يَنْفَعُهُ الْإِنْكَارُ اللَّاحِقُ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ لِفُلَانٍ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي الْوَكَالَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفَاعَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ طَلَبُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ مِنْ الشَّفِيعِ فَقَالَ الشَّفِيعُ سَلَّمْتهَا لَك: أَيْ لِأَجْلِ شَفَاعَتِك. قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِلَا قَرِينَةٍ، وَسُؤَالُ التَّسْلِيمِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَرِينَةٌ فِي الشُّفْعَةِ وَلَيْسَ الْقَرِينَةُ بِمَوْجُودَةٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ آمُرْهُ أَنَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ) أَيْ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى لِأَجْلِهِ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ فُلَانًا الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى لِأَجْلِهِ، وَفَاعِلُ يُسَلِّمُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْمُشْتَرِي بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا (فَيَكُونُ بَيْعًا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ) أَيْ عَلَى فُلَانٍ عُهْدَةُ الْأَخْذِ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ صَارَ مُشْتَرِيًا بِالتَّعَاطِي

стр. 3663

قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا جَازَ)؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ، وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ (إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُمَا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ)؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً، كَالْفُضُولِيِّ إذَا اشْتَرَى لِشَخْصٍ ثُمَّ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرَى لِأَجْلِهِ. وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي لِلتَّعَاطِي وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ لِوُجُودِ التَّرَاضِي الَّذِي هُوَ رُكْنٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ. قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا إلَخْ) وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا (وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا جَازَ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ) عَنْ قَيْدِ شِرَائِهِمَا مُتَفَرِّقَيْنِ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ (فَقَدْ لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ) أَيْ الشِّرَاءِ (إلَّا فِيمَا لَا يُتَغَابَنُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ جَازَ: أَيْ جَازَ شِرَاءُ أَحَدِهِمَا إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ وَهُوَ لَا يَتَحَمَّلُ الْغَبَنَ الْفَاحِشَ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْبَيْعَ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ. وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُمَا بِأَلْفٍ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ أَوْ بِأَقَلَّ جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ دَلَالَةً فَكَانَ آمِرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ الشِّرَاءُ بِذَلِكَ مُوَافَقَةٌ وَبِأَقَلَّ مِنْهُمَا مُخَالَفَةٌ إلَى خَيْرٍ، وَبِالزِّيَادَةِ مُخَالَفَةٌ إلَى شَرٍّ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا اسْتِحْسَانًا. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْآمِرَ إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَزْيَدَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، وَإِنْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ وَاشْتَرَى الْبَاقِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ قَبْلَ الِاخْتِصَامِ

стр. 3664

فَكَانَ آمِرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ الشِّرَاءُ بِهَا مُوَافَقَةً وَبِأَقَلَّ مِنْهَا مُخَالَفَةً إلَى خَيْرٍ وَالزِّيَادَةُ إلَى شَرٍّ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا اسْتِحْسَانًا)؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ وَقَدْ حَصَلَ غَرَضُهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِالْأَلْفِ وَمَا ثَبَتَ الِانْقِسَامُ إلَّا دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ يَفُوقُهَا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ مَا يُشْتَرَى بِمِثْلِهِ الْبَاقِي جَازَ)؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ فِيمَا قُلْنَا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ بَاقِيَةٌ يُشْتَرَى بِمِثْلِهَا الْبَاقِي لِيُمْكِنَهُ تَحْصِيلُ غَرَضِ الْآمِرِ. لِثُبُوتِ الْمُخَالَفَةِ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ شِرَاءَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ، فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ حَصَلَ غَرَضُهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَالِانْقِسَامُ بِالسَّوِيَّةِ كَانَ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَإِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ بَطَلَ الدَّلَالَةُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْأَلْفِ مَا يَشْتَرِي بِمِثْلِهِ الْبَاقِيَ جَازَ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ وَإِنْ حَصَلَ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ فِيمَا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْبَاقِيَ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الْآمِرِ

стр. 3665

قَالَ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَذَا الْعَبْدَ فَاشْتَرَاهُ جَازَ)؛ لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينَ الْبَائِعِ؛ وَلَوْ عَيَّنَ الْبَائِعَ يَجُوزُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ (وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ فَمَاتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (وَقَالَا: هُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ إذَا قَبَضَهُ الْمَأْمُورُ) وَعَلَى هَذَا إذَا أَمَرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ. لَهُمَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَيْنًا، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فَصَارَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءً فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِهِ. قَالَ (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ إلَخْ) مَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا مُعَيَّنًا صَحَّ عَلَى الْآمِرِ وَلَزِمَهُ قَبْضُهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ عِنْدَ الْمَأْمُورِ، لِأَنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَبِيعِ تَعْيِينُ الْبَائِعِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْبَائِعَ جَازَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، فَكَذَا إذَا عَيَّنَ الْمَبِيعَ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ الْآمِرُ فَهُوَ لَهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْآمِرُ مَاتَ مِنْ مَالِ الْوَكِيلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: هُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ إذَا قَبَضَهُ الْمَأْمُورُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَمَرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يُسْلِمَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَصْرِفَ مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ وَمَنْ يَعْقِدُ بِهِ عَقْدَ الصَّرْفِ صَحَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا فَعَلَى الِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِدَفْعِ مَا عَسَى يُتَوَهَّمُ أَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِمَا لَا يَجُوزُ لِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ (لَهُمَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَبَايَعَا عَيْنًا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ)

стр. 3666

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِالْعَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ أَوْ أَسْقَطَ الدَّيْنَ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَانَ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِيهِ سَوَاءً فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ، لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقَ بِمَا لِي عَلَيْك عَلَى الْمَسَاكِينِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْوَكَالَةَ بِالْعَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ أَوْ أَسْقَطَ الدَّيْنَ بَطَلَتْ) وَنَقَلَ النَّاطِفِيُّ عَنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا قَبَضَ الدَّنَانِيرَ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا فَاشْتَرَى بِدَنَانِيرَ غَيْرِهَا ثُمَّ نَقَدَ دَنَانِيرَ الْمُوَكِّلِ فَالطَّعَامُ لِلْوَكِيلِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِدَنَانِيرِ الْمُوَكِّلِ. وَالْمَسْأَلَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى

стр. 3667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَنَّ النُّقُودَ فِي الْوَكَالَةِ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَالْأُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الْقَبْضِ تَتَعَيَّنُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ فِي الْكُتُبِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ، وَأَمَّا قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَلَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ. وَقَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الزِّيَادَاتِ: رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِرْهَمَ جَارِيَةً وَأَرَاهُ الدَّرَاهِمَ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَى الْوَكِيلِ حَتَّى سُرِقَتْ الدَّرَاهِمُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْوَكَالَاتِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ فَتُعْتَبَرُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الشِّرَاءِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَكَذَا فِيمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الشِّرَاءِ. وَأَمَّا بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ هَلْ تَتَعَيَّنُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: تَتَعَيَّنُ لِمَا ذَكَرْنَا. وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ ثُمَّ قَالَ: وَفَائِدَةُ النَّقْلِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ تَأَقُّتُ بَقَاءِ الْوَكَالَةِ بِبَقَاءِ الدَّرَاهِمِ الْمَنْقُودَةِ، وَهَذَا قَوْلٌ مِنْهُمْ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ التَّوَقُّتُ بِبَقَائِهَا وَقَطْعُ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِيمَا وَجَبَ لِلْوَكِيلِ عَلَيْهِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَى هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ حَدَثُوا بَعْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، فَلَعَلَّ اعْتِمَادَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ التَّقْيِيدِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ مَخْصُوصٌ بِهِ، وَنُقِلَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ هَلَكَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسَلَّمَةُ إلَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، بَلْ إنَّمَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ الْمُسَلَّمَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الدَّرَاهِمَ

стр. 3668

وَإِذَا تَعَيَّنَتْ كَانَ هَذَا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مَنْ غَيْرَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ دُونِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَكُونُ أَمْرًا بِصَرْفِ مَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَالِي عَلَيْك فَيَقُومُ مِثْلُهَا مَقَامَهَا فَتَصِيرُ كَأَنَّ عَيْنَهَا بَاقِيَةٌ، فَذَكَرَ الِاسْتِهْلَاكَ لِبَيَانِ تَسَاوِيهِمَا فِي بُطْلَانِ الْوَكَالَةِ بِهِمَا (قَوْلُهُ وَإِذَا تَعَيَّنَتْ) هُوَ تَتِمَّةُ الدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْوَكَالَاتِ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ كَانَ هَذَا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِالْقَبْضِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، كَمَا إذَا اشْتَرَى بِدَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي بِأَنْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو دَيْنٌ مَثَلًا فَاشْتَرَى زَيْدٌ مِنْ آخَرَ شَيْئًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى عَمْرٍو فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَلِكَ (أَوْ يَكُونُ أَمْرًا بِصَرْفٍ) أَيْ بِدَفْعِ (مَا لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ) لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَكَانَ مَا أَدَّى الْمَدْيُونُ إلَى الْبَائِعِ أَوْ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ مِلْكَ الْمَدْيُونِ، وَلَا يَمْلِكُهُ الدَّائِنُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْأَمْرُ بِدَفْعِ مَا لَيْسَ بِمِلْكِهِ (بَاطِلٌ) وَصَارَ (كَمَا إذَا قَالَ أَعْطِ مَا لِي عَلَيْك

стр. 3669

مَنْ شِئْت، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَالَ لِلَّهِ وَهُوَ مَعْلُومٌ. مَنْ شِئْت) فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِصَرْفِ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْآمِرُ إلَّا بِالْقَبْضِ إلَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْمَدْيُونُ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْبَائِعَ) يَعْنِي بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ عَيَّنَ الْبَائِعَ أَوْ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ صَحِيحٌ لَازِمٌ لِلْآمِرِ (لِأَنَّهُ يَصِيرُ) الْبَائِعُ أَوَّلًا (وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ) وَذَلِكَ لَيْسَ بِتَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَلَا أَمْرًا بِصَرْفِ مَا لَمْ يُقْبَضْ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ عَلَى آخَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ أَوْ لَا لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ هَاهُنَا لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِشَرْطٍ وَهُوَ أَدَاءُ الثَّمَنِ عَلَى الْغَيْرِ (قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِهِمَا عَلَى الْآمِرِ بِالتَّصَدُّقِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي سِيَاقِ دَلِيلِهِمَا

стр. 3670

وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ نَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْمَأْمُورِ فَيَهْلِكُ مِنْ مَالِهِ إلَّا إذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ مِنْهُ لِانْعِقَادِ الْبَيْعِ تَعَاطَيَا. قَالَ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ. وَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتُهَا بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ) وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ وَالْآمِرُ يَدَّعِي عَلَيْهِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ) رُجُوعٌ إلَى أَوَّلِ الْبَحْثِ: يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يُعْلَمْ بَائِعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ نَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْمَأْمُورِ، فَإِذَا هَلَكَ عِنْدَهُ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لَكِنْ إذَا قَبَضَهُ الْآمِرُ عَنْهُ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بِالتَّعَاطِي، فَإِنْ هَلَكَ عِنْدَهُ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ. قَالَ (وَمَنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا إلَخْ) رَجُلٌ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً فَاشْتَرَاهَا فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْتهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي الْأَلْفَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ وَقَدْ ادَّعَى الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمَانَةِ، وَالْآمِرُ يَدَّعِي عَلَيْهِ ضَمَانَ خَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ خَالَفَ إلَى شَرٍّ حَيْثُ اشْتَرَى جَارِيَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَالْآمِرُ تَنَاوَلَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا فَيَضْمَنُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ الْأَلْفَ إلَيْهِ وَاخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَلِلْمُخَالَفَةِ إلَى شَرٍّ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا فَمَعْنَى قَوْلِهِ فَالْقَوْلُ لِلْآمِرِ يَتَحَالَفَانِ وَيَنْدَفِعُ بِهِ مَا قِيلَ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا كَانَتْ تُسَاوِي أَلْفًا وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ الْآمِرَ سَوَاءٌ قَالَ الْمَأْمُورُ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا بِأَلْفٍ كَانَ مُوَافِقًا لِلْآمِرِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ كَانَ مُخَالِفًا إلَى خَيْرٍ وَذَلِكَ يَلْزَمُ الْآمِرَ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا فِي هَذَا

стр. 3671

ضَمَانَ خَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ يُنْكِرُ، فَإِنْ كَانَتْ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ حَيْثُ اشْتَرَى جَارِيَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ وَالْأَمْرُ تَنَاوَلَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا فَيَضْمَنُ. قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَلْفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ) أَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَلِلْمُخَالَفَةِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَالْوَكِيلَ فِي هَذَا يَنْزِلَانِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ. ثُمَّ يُفْسَخُ الْعَقْدُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا فَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمَأْمُورَ. قَالَ (وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ فَقَالَ الْآمِرُ اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بِأَلْفٍ وَصَدَّقَ الْبَائِعُ الْمَأْمُورَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ) قِيلَ لَا تَحَالُفَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ، أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ يُنَزَّلَانِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لِلْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ، فَإِذَا تَحَالَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ الْحُكْمِيُّ بَيْنَهُمَا وَتَلْزَمُ الْجَارِيَةُ الْمَأْمُورَ، وَفِيهِ مُطَالَبَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ اُعْتُبِرَتْ الْمُخَالَفَةُ وَالْأَمَانَةُ، وَإِذَا لَمْ يَقْبِضْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ وَالْمُبَادَلَةُ، فَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ سَبَقَتْ الْأَمَانَةُ الْمُبَادَلَةَ وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ، بِخِلَافِ الثَّانِي. قَالَ (وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ إلَخْ) وَإِذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَصَدَّقَ الْبَائِعُ الْوَكِيلَ فَالْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ. قِيلَ لَا تَحَالُفَ هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْبَائِعِ رَفَعَ الْخِلَافَ فَيُجْعَلُ تَصَادُقُهُمَا بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ لَزِمَ الْآمِرَ فَكَذَا هَاهُنَا،

стр. 3672

إذْ هُوَ حَاضِرٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ غَائِبٌ، فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ، وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ ذَكَرَ مُعْظَمَ يَمِينِ التَّحَالُفِ وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ وَالْبَائِعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا وَقَبْلَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوَكِّلِ إذْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيَبْقَى الْخِلَافُ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ ﵀ وَهُوَ أَظْهَرُ. بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْبَائِعَ ثَمَّةَ غَائِبٌ فَاعْتُبِرَ الِاخْتِلَافُ لِعَدَمِ مَا يَرْفَعُهُ (وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ كَمَا ذَكَرْنَا) فَإِنْ قِيلَ: الْمَذْكُورُ فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ وَالتَّحَالُفُ يُخَالِفُهُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ ذَكَرَ) يَعْنِي مُحَمَّدًا (مُعْظَمَ يَمِينِ التَّحَالُفِ وَهُوَ يَمِينُ الْبَائِعِ) لِأَنَّ الْبَائِعَ وَهُوَ الْوَكِيلُ مُدَّعٍ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ. وَأَمَّا الْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمُوَكِّلُ فَمُنْكِرٌ وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ، فَلَمَّا كَانَ يَمِينُ الْوَكِيلِ هُوَ الْمُخْتَصَّ بِالتَّحَالُفِ كَانَتْ أَعْظَمَ الْيَمِينَيْنِ فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُدَّعِي فَعَلَى الْمُنْكِرِ أَوْلَى (قَوْلُهُ وَالْبَائِعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِتَصْدِيقِ الْبَائِعِ بِأَنَّ الْبَائِعَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا وَقَبْلَهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوَكِّلِ إذْ لَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُعْتَبَرًا فَبَقِيَ الْخِلَافُ وَالتَّحَالُفُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي مَنْصُورٍ وَهُوَ أَظْهَرُ) قَالَ فِي الْكَافِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ.

стр. 3673

(فَصْلٌ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ) لَمَّا كَانَ شِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ إعْتَاقًا لَهُ عَلَى مَالٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَكِنَّهُ شِرَاءٌ صُورَةً فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ. وَالتَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَنْ يُوَكِّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا لِيَشْتَرِيَهُ مِنْ مَوْلَاهُ وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى. وَأَنْ يُوَكِّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا لِيَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ فَالْعَبْدُ فِي الْأَوَّلِ مُوَكِّلٌ وَفِي الثَّانِي وَكِيلٌ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَتَنَاوَلُهُمَا بِجَعْلِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ بَدَلًا مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَجَعْلِ الْمَصْدَرِ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مَتْرُوكٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ

стр. 3674

قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ الْمَوْلَى بِأَلْفٍ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ لِلْمَوْلَى: اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ فَبَاعَهُ عَلَى هَذَا فَهُوَ حُرٌّ وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى)؛ لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ إعْتَاقٌ وَشِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولُ الْإِعْتَاقِ بِبَدَلٍ وَالْمَأْمُورُ سَفِيرٌ عَنْهُ إذْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْحُقُوقَ فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى بِنَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ إعْتَاقًا أَعْقَبَ الْوَلَاءَ (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِلْمَوْلَى فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي) فِي تَوْكِيلِ الْعَبْدِ رَجُلًا أَوْ فِي تَوْكِيلِ الْعَبْدِ رَجُلٌ. قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ إلَخْ) إذَا وَكَّلَ الْعَبْدُ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَوْلَى اشْتَرَيْته لِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، فَإِنْ عَيَّنَهُ فَبَاعَهُ الْمَوْلَى عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى، أَمَّا أَنَّهُ حُرٌّ فَلِأَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْقَبُولِ مِنْ الْمُعْتِقِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ قَبُولٌ مِنْهُ لِلْعِتْقِ بِبَدَلٍ وَالْمَأْمُورُ سَفِيرٌ حَيْثُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ وَالْحُقُوقُ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّ الْعَبْدَ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمَوْلَى فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ إعْتَاقًا أَعْقَبَ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِلْمَوْلَى فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ وَالْحَقِيقَةُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَيُحَافِظُ اللَّفْظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَقِيقَةِ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ. فَالْجَوَابُ سَيَأْتِي بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ تَعَذَّرَتْ ثَمَّةَ فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ، وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ وَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ أُخْرَى ثَمَنًا لِلْعَبْدِ، فَإِنَّهُ أَيْ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْعَبْدِ نَفْسِهِ حَتَّى عَتَقَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَلْفٌ أُخْرَى؟ قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَفِيمَا إذَا بَيَّنَ الْوَكِيلُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِلْعَبْدِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَلْفٌ أُخْرَى؟ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَالُ الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ بَدَلًا عَنْ مِلْكِهِ. قُلْت: وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ شِرَاءَ نَفْسِهِ

стр. 3675

لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَيُحَافِظْ عَلَيْهَا. بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ فِيهِ مُتَعَيَّنٌ، وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ (وَالْأَلْفُ لِلْمَوْلَى)؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ (وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ مِثْلُهُ) ثَمَنًا لِلْعَبْدِ فَإِنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِهِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَيْنِ هُنَاكَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْحَالَيْنِ الْمُطَالَبَةُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْعَاقِدِ، أَمَّا هَاهُنَا فَأَحَدُهُمَا إعْتَاقٌ مُعَقِّبٌ لِلْوَلَاءِ وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْمَوْلَى عَسَاهُ لَا يَرْضَاهُ وَيَرْغَبُ فِي الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ قَبُولَهُ الْإِعْتَاقَ بِبَدَلٍ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى كَانَ إعْتَاقًا بِلَا بَدَلٍ، وَهَذَا (بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ الْعَبْدِ)

стр. 3676

(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك فَقَالَ لِمَوْلَاهُ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ)؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ، وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ إلَّا أَنَّ مَالِيَّتَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْبَائِعُ الْحَبْسَ بَعْدَ الْبَيْعِ يَعْنِي أَنْ يُوَكِّلَ أَجْنَبِيٌّ أَجْنَبِيًّا بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ وَقْتَ الشِّرَاءِ اشْتَرَيْته لِمُوَكِّلِي لِوُقُوعِ الشِّرَاءِ لِلْمُوَكِّلِ، لِأَنَّ الْعَقْدَيْنِ: يَعْنِي الَّذِي يَقَعُ لَهُ وَاَلَّذِي لِلْمُوَكِّلِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُبَايَعَةُ، وَفِي الْحَالَيْنِ: أَيْ حَالِ الْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ وَالْإِضَافَةِ إلَى مُوَكِّلِهِ تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ نَحْوَ الْعَاقِدِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ، أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إعْتَاقٌ يَعْقُبُ الْوَلَاءَ وَلَا مُطَالَبَةَ فِيهِ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ سَفِيرٌ وَالْمَوْلَى عَسَاهُ لَا يَرْضَاهُ: أَيْ لَا يَرْضَى الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ الْوَلَاءَ وَمُوجِبُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَرُبَّمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَالْآخَرُ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْمُطَالَبَةُ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْمَوْلَى عَسَاهُ يَرْغَبُ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ، وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَسَى بِكَادَ فَاسْتَعْمَلَهُ اسْتِعْمَالَهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْوَكِيلِ) هُوَ رِوَايَةُ كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالْعِتْقِ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْتِقُ وَالْمَالُ عَلَى الْعَبْدِ دُونَ الْوَكِيلِ. وَذَكَرَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ الْمَأْذُونَ وَالْمُكَاتَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْتِقُ وَالْمَالُ عَلَى الْوَكِيلِ. وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي وَكَالَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ تَوَكُّلَهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ لِلْعَبْدِ كَتَوَكُّلِهِ بِشِرَائِهِ لِغَيْرِهِ، وَهُنَاكَ يَصِيرُ هُوَ الْمُطَالَبَ بِتَسْلِيمِ الْبَدَلِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَكِيلَ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ فِي عِتْقِهِ سَفِيرٌ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْآمِرِ وَلَيْسَ إلَيْهِ مِنْ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْبَدَلِ. قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ اشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاك إلَخْ) هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ. وَمَنْ وَكَّلَ عَبْدًا بِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ مَوْلَاهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُضِيفَ الْعَقْدَ إلَى مُوَكِّلِهِ أَوْ إلَى نَفْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مُوَكِّلِهِ بِأَنْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفَعَلَ الْمَوْلَى ذَلِكَ فَالْعَقْدُ أَوْ الْعَبْدُ لِلْآمِرِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ لِأَنَّهَا لِمَوْلَاهُ، حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَهُ عِبَارَةٌ مُلْزِمَةٌ كَالْحُرِّ وَالْبَيْعُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ فَكَانَ تَوْكِيلُهُ بِشِرَائِهَا كَتَوْكِيلِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمَوْلَى وَكَتَوْكِيلِ أَجْنَبِيٍّ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ (إلَّا أَنَّ مَالِيَّتَهُ) يَعْنِي هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَالِيَّتِهِ إلَّا أَنَّهَا بِيَدِهِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يَحْبِسَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَالْمُودَعِ إذَا اشْتَرَى

стр. 3677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْوَدِيعَةَ وَهِيَ بِحَضْرَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ احْتِبَاسُهَا لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لِكَوْنِهَا مُسَلَّمَةً إلَيْهِ. فَإِنْ قُلْت: الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يَصِيرُ تَسْلِيمًا يُسْقِطُ حَقَّ الْحَبْسِ كَمَا قُلْنَا فِي قَبْضِ الْوَكِيلِ إنَّهُ لَيْسَ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَثْبُتَ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الْحَبْسِ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ، وَكَوْنُ قَبْضِ الْوَكِيلِ قَبْضَ الْمُوَكِّلِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَجَازَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَكَوْنُهَا بِيَدِهِ كَذَلِكَ، وَقَبْضُ الْوَكِيلِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْقَبْضُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ إذَا قَامَ بِمَكَانٍ لَا يُجْعَلُ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِالِاعْتِبَارِ، وَجَازَ تَرْكُ الِاعْتِبَارِ إذَا اقْتَضَاهُ ضَرُورَةً، وَأَمَّا مَالِيَّةُ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَّجَ نَفْسَهُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَمَالِيَّتِهِ لَا تَنْفَكُّ سُلِّمَتْ إلَيْهِ، وَلَا حَبْسَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ

стр. 3678

فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى الْآمِرِ صَلَحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا فَيَقَعُ. الْعَقْدُ لِلْآمِرِ. قَوْلُهُ فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى الْآمِرِ) نَتِيجَةُ الدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ: الْعَبْدُ يَصْلُحُ وَكِيلًا مِنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَكُلُّ مَنْ يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي شِرَاءِ مَالٍ إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْآمِرِ صَلَحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا، فَالْعَبْدُ إذَا أَضَافَهُ إلَى الْآمِرِ صَلَحَ فِعْلُهُ امْتِثَالًا فَيَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ قِيَاسًا عَلَى حُرٍّ تَوَكَّلَ بِشَيْءٍ وَفَعَلَهُ. وَقَوْلُهُ (فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْت، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ مِنْ أَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ إنَّمَا تُفِيدُهُ الْمِلْكَ إذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ مِنْ الْمَوْلَى وَالْقَبُولُ مِنْ الْعَبْدِ، حَتَّى لَوْ قَالَ لِلْعَبْدِ بِعْنِي نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ فَقَالَ بِعْت لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ حَتَّى يَقُولَ الْعَبْدُ قَبِلْت بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْتِي فَإِنَّهُ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ مُقَدَّرٍ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ فَيَتِمُّ بِقَوْلِ الْمَوْلَى بِعْت مَسْبُوقًا بِقَوْلِ الْعَبْدِ بِعْنِي نَفْسِي. فَإِنْ قُلْت إذَا أَضَافَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَمَنْ الْمُطَالَبُ بِالثَّمَنِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ الْعَاقِدَ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَجْرَ زَالَ بِالْعَقْدِ الَّذِي بَاشَرَهُ مَعَ مَوْلَاهُ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ صِحَّةِ الْمُبَاشَرَةِ وَهُوَ إذْنٌ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ بِعْنِي نَفْسِي مِنِّي فَقَالَ الْمَوْلَى بِعْت فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى دُونَ الْمُعَاوَضَةِ.

стр. 3679

(وَإِنْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ فَهُوَ حُرٌّ)؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى دُونَ الْمُعَاوَضَةِ، وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَلَكِنَّهُ أَتَى بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ وَفِي مِثْلِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ (وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ)؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَقَعُ امْتِثَالًا بِالشَّكِّ فَيَبْقَى التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْعَبْدُ وَكِيلٌ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ لَكِنَّهُ أَتَى بِجِنْسِ تَصَرُّفٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ فَكَانَ مُخَالِفًا فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ بِعْنِي نَفْسِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: الِامْتِثَالَ وَغَيْرَهُ، فَلَا يُجْعَلُ امْتِثَالًا بِالشَّكِّ فَيَبْقَى التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّصَرُّفِ أَنْ يَقَعَ عَمَّنْ بَاشَرَهُ، وَعُورِضَ بِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَعَلَى مَجَازِهِ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَلْبَتَّةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ قَرِينَةٌ لِلْمَجَازِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَهِيَ إضَافَةُ الْعَبْدِ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ وَرَضِيَ الْمَوْلَى بِذَلِكَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى دُونَ الْمُعَاوَضَةِ. لَا يُقَالُ: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ صَحِيحًا. لِأَنَّا نَقُولُ: الِاحْتِمَالُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْكَارَ وَالتَّرْجِيحَ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى نَفْسِهِ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ.

стр. 3680

(فَصْلٌ فِي الْبَيْعِ) قَالَ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الشِّرَاءِ بِأَنْوَاعِهِ ذَكَرَ أَحْكَامَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَمَا ذُكِرَ لِتَقْدِيمِ الشِّرَاءِ ثَمَّةَ فَهُوَ وَجْهُ تَأْخِيرِ فَصْلِ الْبَيْعِ. قَالَ (الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ
следующие страницы →