Полный текст (5 149 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ إضْرَارًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ وِلَايَتِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْحُقُوقِ إلَيْهِ فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ
يَدَيْ عَدْلٍ وَشَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ مُسَلَّطًا عَلَى الْبَيْعِ ثُمَّ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَعْزِلَ الْعَدْلَ عَنْ الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَارَ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ وَبِالْعَزْلِ يَبْطُلُ هَذَا الْحَقُّ. فَإِنْ قِيلَ: عَزْلُ الرَّاهِنِ الْعَدْلَ عَنْ الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، بِخِلَافِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ بِالْخُصُومَةِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الطَّالِبِ رَضِيَ بِهِ أَوْ لَا، وَلَوْ كَانَتَا مُتَشَابِهَتَيْنِ لَمَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ التَّفْرِقَةُ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَدَارَ جَوَازِ الْعَزْلِ وَعَدَمِهِ عَلَى بُطْلَانِ الْحَقِّ وَعَدَمِهِ فَإِذَا بَطَلَ الْحَقُّ بَطَلَ الْعَزْلُ، وَفِي الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لَمْ يَبْطُلْ الْحَقُّ بِالْعَزْلِ بِحَضْرَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فَكَانَ جَائِزًا، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ فَلَوْ صَحَّ الْعَزْلُ بِحَضْرَةِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُطَالَبَ الرَّاهِنُ بِالْبَيْعِ.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ إلَخْ) إذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ عَزْلُهُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ لِأَنَّ فِي عَزْلِهِ إضْرَارًا بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ حَيْثُ بُطْلَانُ وِلَايَتِهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ عَلَى
стр. 3747
فَيَضْمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَيَسْتَوِي الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرُهُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ فَلَا نُعِيدُهُ
. قَالَ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا)
ادِّعَاءِ أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ ذَلِكَ، وَفِي الْعَزْلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ تَكْذِيبٌ لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ لِبُطْلَانِ وِلَايَتِهِ، وَضَرَرُ التَّكْذِيبِ ظَاهِرٌ لَا مَحَالَةَ.
وَالثَّانِي مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْحُقُوقِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَنْقُدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ، فَإِذَا كَانَ مَعْزُولًا كَانَ التَّصَرُّفُ وَاقِعًا لَهُ بَعْدَ الْعَزْلِ فَيَضْمَنُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، وَالْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ أَوْ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَوَارِيثِ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَادَةِ.
قَالَ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْوَكَالَةِ مَا يَجُوزُ لِلْمُوَكِّلِ فِيهِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا أَحَدٍ، وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ إلَّا بِرِضَا الطَّالِبِ، فَفِي الْأَوَّلِ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَلِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا، لِأَنَّ التَّوْكِيلَ
стр. 3748
لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا لِأَنَّ قَلِيلَهُ
تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ، إذْ اللُّزُومُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ فِي فَسْخِهَا، فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَمْنَعَ الْوَكِيلَ عَنْهَا، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ غَيْرُ لَازِمٍ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ، لِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ بِسَبِيلٍ مِنْ نَقْضِهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ يَتَجَدَّدُ عَقْدُ الْوَكَالَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَيَنْتَهِي فَكَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ،
стр. 3749
بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ، وَحَدُّ الْمُطْبِقِ شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَصَارَ كَالْمَيِّتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا. قَالُوا: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ
وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ فَكَذَا فِيمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَقَدْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ فَلَا تَبْقَى الْوَكَالَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ كَمَا لَا تَنْعَقِدُ مِنْهُمْ ابْتِدَاءً، وَنُوقِضَ بِالْبَيْعِ بِالْخِيَارِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ لِعَارِضِ الْخِيَارِ، فَإِذَا مَاتَ بَطَلَ الْعَارِضُ وَتَقَرَّرَ الْأَصْلُ، وَفِي الثَّانِي لَا تَبْطُلُ فَلَا تَبْطُلُ فِي صُورَةِ تَسْلِيطِ الْعَدْلِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ، وَفِيمَا إذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي هَذَا النَّوْعِ صَارَ لَازِمًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ فَلَا يَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ فَلَا يَلْزَمُ بَقَاءُ الْأَمْرِ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَنْ بَيَانِ التَّقْسِيمِ سَاكِتٌ وَهُوَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَالْجُنُونُ الْمُطْبِقُ بِكَسْرِ الْبَاءِ هُوَ الدَّائِمُ، وَشَرَطَ الْإِطْبَاقَ فِي الْجُنُونِ لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ. وَحَدُّ الْمُطْبِقِ شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ، وَعَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَصَارَ كَالْمَيِّتِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ آخِرًا: حَوْلٌ كَامِلٌ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا.
قَالَ الْمَشَايِخُ: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللِّحَاقِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُ مَوْقُوفَةٌ وَالْوَكَالَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا فَتَكُونُ مَوْقُوفَةً، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ، فَأَمَّا
стр. 3750
فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ
وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا عَلَى مَا عُرِفَ
عِنْدَهُمَا فَتَصَرُّفَاتُهُ جَائِزَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمُ بِلِحَاقِهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَمْرُ اللِّحَاقِ، وَقَدْ مَرَّ فِي السِّيَرِ: أَيْ كَوْنُ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفًا أَوْ نَافِذًا فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ،
وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالْوَكِيلُ وَكِيلٌ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ، مَا خَلَا التَّوْكِيلِ بِالتَّزْوِيجِ فَإِنَّ رِدَّتَهَا تُخْرِجُ الْوَكِيلَ بِهِ
стр. 3751
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْوَكِيلِ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِالْحَجْرِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِرَاقِ
مِنْ الْوَكَالَةِ، لِأَنَّهَا حِينَ كَانَتْ مَالِكَةً لِلْعَقْدِ وَقْتَ التَّوْكِيلِ تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ فِي الْحَالِ ثُمَّ بِرِدَّتِهَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَالِكَةً لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزْلًا مِنْهَا لِوَكِيلِهَا، فَبَعْدَمَا انْعَزَلَ لَا يَعُودُ وَكِيلًا إلَّا بِالتَّجْدِيدِ.
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ إلَخْ) وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَكَانَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، عَلِمَ بِذَلِكَ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. وَإِذَا وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَالِثًا بِشَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَلِهِ بِنَفْسِهِ فَافْتَرَقَا فَكَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَقَاءَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ قِيَامَ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِالْعَجْزِ وَالْحَجْرِ
стр. 3752
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ
وَالِافْتِرَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ، كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ، وَأَمَّا إذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ التَّقَاضِي فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالْعَجْزِ وَالْحَجْرِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُطَالَبٌ بِإِيفَاءِ مَا وَلِيَهُ، وَلَهُ وِلَايَةُ مُطَالَبَةِ اسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لَهُ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ بِعَقْدِهِ، فَإِذَا بَقِيَ حَقُّهُ بَقِيَ وَكِيلُهُ عَلَى الْوَكَالَةِ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْحَجْرِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بِمُبَاشَرَتِهِ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَكِيلًا بِشَيْءٍ هُوَ وَلِيُّهُ ثُمَّ افْتَرَقَا وَاقْتَسَمَا وَأَشْهَدَا أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَمْضَى الْوَكِيلُ مَا وَكَّلَ بِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ جَازَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ تَوْكِيلَ أَحَدِهِمَا فِي حَالِ بَقَاءِ عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ كَتَوْكِيلِهِمَا فَصَارَ وَكِيلًا مِنْ جِهَتِهِمَا جَمِيعًا فَلَا يَنْعَزِلُ بِنَقْضِهِمَا الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لَا يَفْصِلُ بَيْنَ مَا وَلِيَهُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَلِهِ، فَمَا الْفَارِقُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا وَكَّلَ فِيمَا وَلِيَهُ كَانَ لِتَوْكِيلِهِ جِهَتَانِ: جِهَةُ مُبَاشَرَتِهِ، وَجِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا، فَإِنْ بَطَلَتْ جِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ لَمْ تَبْطُلْ الْأُخْرَى وَهِيَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى حَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَتَوْكِيلُ أَحَدِهِمَا فِيهَا كَتَوْكِيلِهِمَا فَتَبْقَى فِي حَقِّهِمَا، وَإِذَا وَكَّلَ فِيمَا لَمْ يَلِهِ كَانَ لِتَوْكِيلِهِ جِهَةُ كَوْنِهِ شَرِيكًا لَا غَيْرُ وَقَدْ بَطَلَتْ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا وَكَّلَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعَنَانِ وَكِيلًا بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا جَازَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ
стр. 3753
كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ
(وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ إطْلَاقٌ لِأَنَّهُ
كَوَكِيلٍ مَأْذُونٍ بِالتَّوْكِيلِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الرِّبْحُ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِتَصَرُّفِ وَاحِدٍ وَحُصُولُهُ بِاثْنَيْنِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ سَاكِتٌ عَنْ التَّفْصِيلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا تَرَى، وَفِيهِ مَا فِيهِ. وَقَدْ أَوَّلَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ كَلَامَ الْقُدُورِيِّ فِي افْتِرَاقِ الشَّرِيكَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الْوَكَالَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي ضِمْنِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فَإِنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ الْمُتَضَمَّنَةُ لَهَا فَتَبْطُلُ مَا كَانَتْ فِي ضِمْنِهَا، هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَخْتَصُّ بِمَسْأَلَةِ الشَّرِكَةِ لَا غَيْرُ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِعِبَارَةِ الْكِتَابِ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُبْطِلَةِ لِلْوَكَالَةِ مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ شَرَعَ فِيهَا مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ، فَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَجُنُونِهِ، وَالْأَمْرُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ مَأْمُورًا بِهِ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِدَوَامِهِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ،
وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ
стр. 3754
رُفِعَ الْمَانِعُ. أَمَّا الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَإِنَّمَا عَجَزَ بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِذَا زَالَ الْعَجْزُ وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالْمِلْكِ وَبِاللَّحَاقِ لَحِقَ بِالْأَمْوَاتِ وَبَطَلَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ
إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقٌ لِأَنَّهُ رَفَعَ الْمَانِعَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْوَكِيلَ كَانَ مَمْنُوعًا شَرْعًا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ لِمُوَكِّلِهِ، فَإِذَا وَكَّلَهُ رَفَعَ الْمَانِعَ، وَأَمَّا أَنْ يَحْدُثُ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ وَوِلَايَةٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةُ الصَّالِحَةُ لَهُ، وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ عُرُوضِ هَذَا الْعَارِضِ. وَإِنَّمَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ التَّصَرُّفِ بِعَارِضِ اللِّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، فَإِذَا زَالَ الْعَجْزُ وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا، وَهَذَا يَنْزِعُ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَمُخَلِّصُهُ مَعْرُوفٌ.
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ تَمْلِيكُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ إنَّمَا يَمْلِكُ تَنْفِيذَ تَصَرُّفِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِالْوَكَالَةِ، وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالْمِلْكِ: أَيْ تَمْلِيكُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ مُلْصَقٌ بِالْمِلْكِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِلَا مِلْكٍ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، فَكَانَ الْوَكِيلُ مَالِكًا لِلتَّنْفِيذِ بِالْوَكَالَةِ وَقَدْ بَطَلَ الْمِلْكُ بِاللِّحَاقِ لِأَنَّهُ لَحِقَ بِهِ بِالْأَمْوَاتِ فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْمِلْكُ بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ بَطَلَ التَّوْكِيلُ لِئَلَّا تَتَخَلَّفَ الْعِلَّةُ عَنْ الْمَعْلُولِ، وَإِذَا بَطَلَتْ لَا تَعُودُ كَمِلْكِهِ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَحِقَ بِالْأَمْوَاتِ إلَى أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا قَضَى الْقَاضِي
стр. 3755
وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ فِي الظَّاهِرِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَعُودُ كَمَا قَالَ فِي الْوَكِيلِ. وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمِلْكِ وَقَدْ زَالَ وَفِي حَقِّ الْوَكِيلِ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ وَلَمْ يَزَلْ بِاللَّحَاقِ
بِلِحَاقِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ فَإِنَّهُ بَعِيدُ التَّعَلُّقِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ فَيُقَالُ الْوَكِيلُ لَهُ وِلَايَتَانِ وِلَايَةُ أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ، وَالْأُولَى ثَابِتَةٌ لَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ وَبَعْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى التَّوْكِيلِ فَكَانَتْ ثَابِتَةً بِهِ،
وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّلُ مُسْلِمًا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَعُودُ كَمَا فِي الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا عَادَ مُسْلِمًا عَادَ إلَيْهِ مَالُهُ عَلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ الْوَكَالَةُ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ فَيَعُودُ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِ عَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَادَ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ. وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمِلْكِ وَقَدْ زَالَ بِرِدَّتِهِ وَالْقَضَاءِ بِلِحَاقِهِ، وَفِي حَقِّ الْوَكِيلِ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ وَلَمْ يَزُلْ بِاللِّحَاقِ وَأَبُو يُوسُفَ سَوَّى فِي عَدَمِ الْعَوْدِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَلَعَلَّ إيرَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ عُرُوضِ الْعَوَارِضِ الْمَذْكُورَةِ لِلْمُوَكِّلِ
стр. 3756
قَالَ (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهًا: مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ بِالْخُلْعِ فَخَالَعَهَا، بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا
كَانَ أَنْسَبَ، لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ الْعَوْدَ هَاهُنَا جَرَّدَ ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ إلَخْ) وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ أَوْ الْإِسْقَاطَاتِ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ بِنَفْسِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، فَإِذَا وَكَّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ بِنَفْسِهِ بَطَلَتْ. وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ أَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ لِانْقِضَاءِ الْحَاجَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ فَأَبَانَهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِمُوَكِّلِهِ لِبَقَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْمَأْمُورُ لِلْآمِرِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَطَلَتْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِأَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا كَانَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ قَادِرًا عَلَى الطَّلَاقِ كَانَ وَكِيلُهُ كَذَلِكَ وَمَا لَا فَلَا، وَكَذَا إذَا وَكَّلَ بِالْخُلْعِ فَخَالَطَهَا (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا
стр. 3757
تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بِنَفْسِهِ وَأَبَانَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ انْقَضَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ وَأَبَانَهَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمُوَكِّلَ لِبَقَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالْعَزْلِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ وَالْعَجْزُ قَدْ زَالَ
تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ تَعَذَّرَ عَلَى الْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ وَمَبْنَاهُ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ بَطَلَتْ، فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِالْقَضَاءِ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالْعَزْلِ. وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِقَضَاءِ قَاضٍ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إذَا قَبِلَهُ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ كَالْعَقْدِ الْمُبْتَدَإِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُهُمَا فَكَانَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ اشْتَرَاهُ ابْتِدَاءً. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّ الْوَكَالَةَ
стр. 3758
بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الْحَاجَةِ. أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ إطْلَاقٌ وَهُوَ بَاقٍ، وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِعَجْزِ الْوَكِيلِ وَقَدْ زَالَ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ الْحَاجَةِ: أَمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءٍ فَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلَ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3759
(كِتَابُ الدَّعْوَى)
كِتَابُ الدَّعْوَى)
:
لَمَّا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ لِأَجْلِ الدَّعْوَى ذَكَرَ الدَّعْوَى عَقِيبَ الْوَكَالَةِ. وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ مُطَالَبَةُ حَقٍّ فِي مَجْلِسِ مَنْ لَهُ الْخَلَاصُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ. وَسَبَبُهَا تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ
стр. 3760
قَالَ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ)
بِتَعَاطِي الْمُعَامَلَاتِ، لِأَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى النَّوْعِ أَوْ الشَّخْصِ. وَشَرْطُهَا حُضُورُ خَصْمِهِ وَمَعْلُومِيَّةُ الْمُدَّعَى بِهِ وَكَوْنُهُ مُلْزِمًا عَلَى الْخَصْمِ، فَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْغَائِبِ لَمْ تَسَعْ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَجْهُولًا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَضَاءِ. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ هَذَا الْحَاضِرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَكَذَلِكَ لِإِمْكَانِ عَزْلِهِ فِي الْحَالِ. وَحُكْمُ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا وُجُوبُ الْجَوَابِ عَلَى الْخَصْمِ بِالنَّفْيِ أَوْ الْإِثْبَاتِ. وَشَرْعِيَّتُهَا لَيْسَتْ لِذَاتِهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ انْقِطَاعُهَا بِالْقَضَاءِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ الْمَظْنُونِ بِبَقَائِهَا، وَفِي دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا كَثْرَةٌ.
قَالَ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إلَخْ) الدَّعْوَى لَا تَحْصُلُ إلَّا مِنْ مُدَّعٍ عَلَى مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ فَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِيهِ. فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَعْنِي الْقُدُورِيَّ: الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ.
وَقِيلَ:
стр. 3761
وَمَعْرِفَةُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَسَائِلُ الدَّعْوَى، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ ﵏ فِيهِ، فَمِنْهَا مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدٌّ عَامٌّ صَحِيحٌ. وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ
الْمُدَّعِي مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِحُجَّةٍ: يَعْنِي الْبَيِّنَةَ أَوْ الْإِقْرَارَ كَالْخَارِجِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ كَذِي الْيَدِ، وَهُوَ لَيْسَ بِعَامٍّ: أَيْ جَامِعٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ صُورَةَ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ اسْتِحْقَاقَ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ غَيْرَ الظَّاهِرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ، وَبِمَعْنَاهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُدَّعِي كُلُّ
стр. 3762
وَقِيلَ الْمُدَّعِي مَنْ يَتَمَسَّكُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ
مَنْ ادَّعَى بَاطِنًا لِيُزِيلَ بِهِ ظَاهِرًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ ادَّعَى ظَاهِرًا وَقَرَارُ الشَّيْءِ عَلَى مَاهِيَّتِه، وَالظَّاهِرُ كَوْنُ الْأَمْلَاكِ فِي يَدِ الْمُلَّاكِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَمِ، فَالْمُدَّعِي هُوَ مَنْ يُرِيدُ إزَالَةَ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُرِيدُ قَرَارَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْمُودَعِ، فَإِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِمُتَمَسِّكٍ بِالظَّاهِرِ، إذْ رَدُّ الْوَدِيعَةَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الْفَرَاغَ لَيْسَ بِأَصْلٍ بَعْدَ الِاشْتِغَالِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ إلَى وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ وَهُوَ يُنْكِرُ الْوَكَالَةَ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ، لِأَنَّ الْمَدْيُونَ يَدَّعِي بَرَاءَةً بَعْدَ الشَّغْلِ فَكَانَتْ عَارِضَةً وَالشُّغْلُ أَصْلًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُورِدَ بِالْعَكْسِ بِأَنَّهُ مُدَّعٍ وَيَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ وَهُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ:
стр. 3763
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵏ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعَانِي دُونَ الصُّوَرِ، فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلرَّدِّ صُورَةً لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ.
فِي الْأَصْلِ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ وَهَذَا صَحِيحٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَرُوِيَ «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ أَنْكَرَ وَالتَّرْجِيحُ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَعْنِي إذَا تَعَارَضَ الْجِهَتَانِ فِي صُورَةٍ فَالتَّرْجِيحُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى يَكُونُ بِالْفِقْهِ: أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِنَّ الْمُودَعَ إذَا قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ فَهُوَ يَدَّعِي الرَّدَّ صُورَةً، فَلَوْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا فَكَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اعْتَبَرَ الصُّورَةَ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا اعْتَبَرَ
стр. 3764
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ)
مَعْنَاهَا، فَإِنَّهُ يُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ إلَخْ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ الْمُدَّعِي بِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يُعَيِّنُهُ مِنْ بَيَانِ جِنْسِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْرِهِ مِثْلُ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا أَوْ كُرًّا، لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ،
стр. 3765
لِأَنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الْإِلْزَامُ بِوَاسِطَةِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالْإِلْزَامُ فِي الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ (فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى) عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا لِيُشِيرَ إلَيْهَا بِالدَّعْوَى، وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ، لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وُجُوبُ الْحُضُورِ، وَعَلَى هَذَا الْقُضَاةُ مِنْ آخِرِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ
فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارَهَا إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ، وَذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ بِالْإِشَارَةِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ، وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ فَإِنَّ اشْتِرَاكَ شَخْصَيْنِ فِيهَا مُمْكِنٌ، فَإِذَا حَضَرَ شَخْصٌ عِنْدَ حَاكِمٍ وَقَالَ لِي عَلَى
стр. 3766
وَوُجُوبُ الْجَوَابِ إذَا حَضَرَ لِيُفِيدَ حُضُورُهُ وَلُزُومُ إحْضَارِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ لِمَا قُلْنَا وَالْيَمِينِ إذَا أَنْكَرَهُ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى مَعْلُومًا) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ، وَالْقِيمَةُ تُعْرَفُ بِهِ وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ
فُلَانٍ كَذَا دِرْهَمًا مَثَلًا أَشْخَصَ إلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فَعَلُوا كَذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، عَلَى هَذَا الْقُضَاةُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ: أَيْ أَجْمَعُوا. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الطَّلَبِ، فَإِذَا حَضَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ لِيُفِيدَ حُضُورَهُ، وَلَزِمَ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْمُدَّعَى بِهِ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا، وَلَزِمَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إذَا أَنْكَرَهُ وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ: أَيْ وُجُوبَ الْيَمِينِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ.
قَالَ (وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً لَزِمَهُ ذِكْرُ قِيمَتِهَا) يَعْنِي إذَا وَقَعَ الدَّعْوَى فِي عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا لَزِمَ الْمُدَّعِي ذِكْرُ قِيمَتِهَا (لِيَصِيرَ الْمُدَّعَى بِهِ مَعْلُومًا) وَذِكْرُ الْوَصْفِ لَيْسَ بِكَافٍ (لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ) وَإِنْ بُولِغَ فِيهِ لِإِمْكَانِ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ كَمَا مَرَّ، فَذِكْرُهُ فِي تَعْرِيفِهَا غَيْرُ مُفِيدٍ (وَالْقِيمَةُ) شَيْءٌ (تُعْرَفُ بِهِ) الْعَيْنُ فَذِكْرُهَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَقَوْلُهُ (وَقَدْ تَعَذَّرَ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ:
стр. 3767
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
يَعْنِي وَالْحَالُ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَعَذَّرَتْ وَإِغْلَاقُ تَرْكِيبِهِ لَا يَخْفَى (وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِقِيمَةِ الْمُسْتَهْلَكِ بِنَاءً عَلَى الْقَضَاءِ بِمِلْكِ الْمُسْتَهْلِكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ قَائِمٌ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَهْلَكَةِ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ صَحَّحَ الصُّلْحَ عَنْ الْمَغْصُوبِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ الْمُسْتَهْلِكُ مِلْكًا لَهُ لَمَا جَازَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ حِينَئِذٍ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَهْلِكِ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ وَهِيَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، وَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُسْتَهْلَكِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ لِيَعْلَمَ الْقَاضِي بِمَاذَا يَقْضِي، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَبَى ذَلِكَ
стр. 3768
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ)
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي دَعْوَى الدَّابَّةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ الْقِيمَةُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
قَالَ (وَإِنْ ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ إلَخْ) إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَقَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَحْدِيدُهُ، وَذِكْرُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِلْإِعْلَامِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِذِكْرِ الْبَلْدَةِ، ثُمَّ الْمَوْضِعُ الَّذِي هُوَ فِيهِ ثُمَّ بِذِكْرِ حُدُودِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ صِيرَ إلَى ذَلِكَ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَسْمَاءِ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابِهِمْ، إلَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عَرَفَ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ ذِكْرَ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ، وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكْفِي، بِخِلَافِ مَا إذَا غَلَطَ فِي الْحَدِّ الرَّابِعِ وَأَنَّثَ فِي الْكِتَابِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِهِ: أَيْ بِالْغَلَطِ فِي الْحَدِّ الْمُدَّعَى، وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَتَرَكَا ذِكْرَ الثَّمَنِ جَازَ، وَلَوْ غَلِطَا فِي الثَّمَنِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُ صَارَ عَقْدًا
стр. 3769
لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّعْرِيفُ بِالْإِشَارَةِ لِتَعَذُّرِ النَّقْلِ فَيُصَارُ إلَى التَّجْدِيدِ فَإِنَّ الْعَقَارَ يُعْرَفُ بِهِ، وَيَذْكُرُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ، وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْرِيفِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يَكْتَفِي بِذِكْرِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةً مِنْ الْحُدُودِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا غَلِطَ فِي الرَّابِعَةِ لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ بِهِ الْمُدَّعَى وَلَا كَذَلِكَ بِتَرْكِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ
آخَرَ بِالْغَلَطِ، وَبِهَذَا الْفَرْقِ بَطَلَ قِيَاسُ زُفَرُ التَّرْكَ عَلَى الْغَلَطِ، وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي
стр. 3770
أَوْ عِلْمِ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ إذْ الْعَقَارُ عَسَاهُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا
فَلَا بُدَّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِهِ، وَفِي الْعَقَارِ لَا يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُدَّعِي وَتَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ، بَلْ لَا تَثْبُتُ الْيَدُ فِيهِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ بِأَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ عَايَنُوا أَنَّهُ فِي يَدِهِ، حَتَّى لَوْ قَالُوا سَمِعْنَا ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ، وَكَذَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْيَدِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي يَدِهِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ لِأَنَّ الْعَقَارَ قَدْ يَكُونُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُصَدِّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعِيَ بِأَنَّ الْعَقَارَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِيَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْيَدِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
стр. 3771
بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالْمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا فِي الْمَنْقُولِ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَكَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ قَضَاءً بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَذَلِكَ يُفْضِي إلَى نَقْضِ الْقَضَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ فِي يَدِ ثَالِثٍ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّ الْيَدَ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ حَقِّهِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُطَالَبَةِ فَتَأَمَّلْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَكَانَ مَعْنَاهُ الْمُطَالَبُ حَقَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ، وَبِالْمُطَالَبَةِ تَزُولُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَعَنْ هَذَا: أَيْ بِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَالِ
стр. 3772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَالَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَنْقُولِ: يَجِبُ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِحَقٍّ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذَكَرَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ لِمَا قُلْنَا: يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ
стр. 3773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ بِأَنْ قَالَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، فَإِنْ كَانَ مَضْرُوبًا يَقُولُ كَذَا كَذَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ أَوْ وَسَطٌ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ.
стр. 3774
قَالَ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذُكِرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا) لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ (فَإِنْ اعْتَرَفَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهَا)
وَبِالْجُمْلَةِ: لَا بُدَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْإِعْلَامِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ بِهِ التَّعْرِيفُ.
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى إلَخْ) إذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى بِشُرُوطِهَا سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا لِيَنْكَشِفَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِالْخُرُوجِ عَمَّا لَزِمَهُ بِالْحُجَّةِ،
стр. 3775
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ " أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ " سَأَلَ وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِحْلَافُ
. قَالَ (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قُضِيَ بِهَا) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهَا (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ) اسْتَحْلَفَهُ (عَلَيْهَا) لِمَا رَوَيْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ.
أَوْ يَصِيرُ مَا هُوَ بِعَرَبِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ حُجَّةً حُجَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِمَا ادَّعَاهُ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَخْرُجَ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي لِكَمَالِ وِلَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ الْحُكْمُ مِنْ الْقَاضِي أَمْرًا بِالْخُرُوجِ عَلَى مُوجِبِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إطْلَاقُ الْحُكْمِ تَوَسُّعٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ الْمُحْتَمِلَةَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الَّتِي هِيَ بِعَرْضِيَّةٍ أَنْ تَصِيرَ حُجَّةً إذَا قَضَى الْقَاضِي بِهَا حُجَّةً فِي حَقِّ الْعَمَلِ مُسْقِطًا احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهَا، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ لِيَنْكَشِفَ لَهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ؛ فَإِذَا سَأَلَ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِيَ الْبَيِّنَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَك بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ» سَأَلَ ﷺ وَرَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى فَقْدِ الْبَيِّنَةِ،
فَإِنْ أَحْضَرَهَا قَضَى بِهَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْ الدَّعْوَى لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهَا لِمَا رَوَيْنَا، يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ ﷺ «لَك يَمِينُهُ» وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ الِاسْتِحْلَافَ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ
стр. 3776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَيْفَ أُضِيفَ إلَيْهِ بِحَرْفِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ " لَك يَمِينُهُ ". قِيلَ إنَّمَا جَعَلَ يَمِينَ الْمُنْكِرِ حَقَّ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ خَصْمَهُ أَتْوَى حَقَّهُ بِإِنْكَارِهِ، فَالشَّرْعُ جَعَلَ لَهُ حَقَّ اسْتِحْلَافِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ مُهْلِكَةٌ لِخَصْمِهِ فَيَكُونُ إتْوَاءً بِمُقَابَلَةِ إتْوَاءٍ وَهُوَ مَشْرُوعٌ كَالْقِصَاصِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا زَعَمَ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنَالُ الثَّوَابَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقًا، ثُمَّ إنَّمَا رَتَّبَ الْيَمِينَ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَا عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّ نَفْسَ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَّعِي لِمَا ادَّعَاهُ، لِأَنَّ فِيهِ إسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْآخَرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَوَجَبَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي لِإِثْبَاتِ اسْتِحْقَاقِهِ بِهَا فَيُطَالِبُهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيرِ لَهُ، فَلَوْ قَدَّمْنَا الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَشْرُوعَةٌ بَعْدَ الْيَمِينِ، فَمِنْ الْجَائِزِ إقَامَتُهَا بَعْدَهَا، وَفِي ذَلِكَ افْتِضَاحُهُ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
стр. 3777
(بَابُ الْيَمِينِ)
(وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، مَعْنَاهُ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ
بَابُ الْيَمِينِ)
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْخَصْمَ إذَا أَنْكَرَ الدَّعْوَى وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ الْيَمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْيَمِينِ. قَالَ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ إلَخْ) إذَا قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْتَحْلِفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «لَك يَمِينُهُ»
стр. 3778
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ، فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ، كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي الْمَجْلِسِ
فَإِذَا طَالَبَهُ بِهِ يُجِيبُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الْيَمِينِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ «قَوْلِهِ ﵊ لِلْمُدَّعِي أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَقَالَ لَا، فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ» فَإِنَّهُ ﵊ ذَكَرَ الْيَمِينَ بَعْدَمَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ
стр. 3779
وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَسَمَ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ، وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ
فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ دُونَهُ كَمَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ ﷺ قَسَمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَجَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ التَّمْيِيزِ وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِيهِ (قَوْلُهُ وَجَعَلَ جِنْسَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُنْكِرِينَ فِي قَوْلِهِ
стр. 3780
وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ
- ﵊ «وَالْيَمِينُ عَلَى مَا أَنْكَرَ» وَلَيْسَ وَرَاءَ الْجِنْسِ شَيْءٌ) اسْتِدْلَالٌ آخَرُ بِالْحَدِيثِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَسَيَأْتِي.
قَالَ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إلَخْ) وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِمَا رَوَيْنَا، وَقَيَّدَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ احْتِرَازًا عَنْ الْمُقَيَّدِ بِدَعْوَى النِّتَاجِ، وَعَنْ الْمُقَيَّدِ بِمَا إذَا ادَّعَيَا تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا قَابِضٌ، وَبِمَا إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ اثْنَيْنِ وَتَارِيخُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقُ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَا انْتَقَضَ مُقْتَضَى الْقِسْمَةِ حَيْثُ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. قُلْت: نَعَمْ لِأَنَّ قَبُولَهَا مِنْ حَيْثُ مَا ادَّعَى مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ النِّتَاجِ وَالْقَبْضِ وَسَبْقِ التَّارِيخِ فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي. فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْخَارِجِ الْيَمِينُ لِكَوْنِهِ إذْ ذَاكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ قُلْت لَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ عَجْزِ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ وَهَاهُنَا لَمْ يَعْجِزْ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي الْمِلْكِ.
стр. 3781
وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى)
الْمُطْلَقِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى لِعَدَمِ زِيَادَةٍ يَصِيرُ بِهَا ذُو الْيَدِ مُدَّعِيًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِأَنَّهَا اعْتَضَدَتْ بِالْيَدِ وَالْمُعْتَمَدُ أَقْوَى، فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَامَاهَا عَلَى نِتَاجِ دَابَّةٍ وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَقَامَاهَا عَلَى نِكَاحٍ وَلِأَحَدِهِمَا يَدٌ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لِذِي الْيَدِ، وَصَارَ كَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَى الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ
стр. 3782
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْضَى بِبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ فَيَتَقَوَّى الظُّهُورُ وَصَارَ كَالنِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ مَعَ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا أَوْ إظْهَارًا لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا يُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، إذْ الْيَدُ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ
إثْبَاتًا: يَعْنِي فِي عِلْمِ الْقَاضِي، أَوْ إظْهَارًا: يَعْنِي فِي الْوَاقِعِ، فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ تُظْهِرُ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّ قَدْرَ مَا أَثْبَتَتْهُ الْيَدُ لَا تُثْبِتُهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ، لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ مُطْلَقِ الْمِلْكِ فَبَيِّنَتُهُ لَا تُثْبِتُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، بِخِلَافِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ أَوْ تُظْهِرُهُ، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ إثْبَاتًا فِي الْبَيِّنَاتِ فَهُوَ أَوْلَى لِتَوَفُّرِ مَا شُرِعَتْ الْبَيِّنَاتُ لِأَجْلِهِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: بَيِّنَةُ الْخَارِجِ تُزِيلُ مَا أَثْبَتَهُ بِالْيَدِ مِنْ الْمِلْكِ فَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ تُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُوجِبَةً بِنَفْسِهَا حَتَّى تُزِيلَ مَا ثَبَتَ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُوجِبَةً عِنْدَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَبْلَهُ يَكُونُ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتُ الثَّابِتِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا تَكُونُ بَيِّنَتُهُ مُثْبِتَةً بَلْ مُؤَكِّدَةً لِمِلْكٍ ثَابِتٍ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، بِخِلَافِ النِّتَاجِ وَالنِّكَاحِ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ مُثْبِتَةً لَا مُؤَكِّدَةً، فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْإِثْبَاتِ فَتُرَجَّحُ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ
стр. 3783
بِخِلَافِ النِّتَاجِ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا
. قَالَ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى بِهِ بَلْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ وَاشْتِبَاهَ الْحَالِ فَلَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا أَوْ مُقِرًّا، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ وَدَفْعًا
إثْبَاتًا لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْيَدَ وَالنِّتَاجَ، وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ تُثْبِتُ النِّتَاجَ لَا غَيْرُ. أُجِيبَ بِأَنَّ بَيِّنَةَ النِّتَاجِ لَا تُوجِبُ إلَّا أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ وَهُمَا تَسَاوَيَا فِي ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ ذُو الْيَدِ بِالْيَدِ فَيُقْضَى لَهُ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَلَى الْإِعْتَاقِ) أَيْ الْيَدُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، فَتَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَذِي الْيَدِ ثُمَّ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْوَلَاءِ الثَّابِتِ بِهَا) أَيْ بِالْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْإِعْتَاقِ وَأُخْتَيْهِ تَدُلَّانِ عَلَى الْوَلَاءِ، إذْ الْوَلَاءُ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ بِتَصَادُقِهِمَا وَهَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ وَتَرَجَّحَ صَاحِبُ الْيَدِ بِحُكْمِ يَدِهِ
(قَالَ: وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ إلَخْ) وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قَضَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأَلْزَمَهُ مَا ادَّعَاهُ
стр. 3784
لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ
عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بَلْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ قَضَى بِهِ، وَإِنْ نَكَلَ انْقَطَعَتْ الْمُنَازَعَةُ، لِأَنَّ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ وَالتَّرَفُّعَ عَنْ الصَّادِقَةِ وَيَحْتَمِلُ اشْتِبَاهَ الْحَالِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَنْتَصِبُ حُجَّةً، بِخِلَافِ يَمِينِ الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ دَلِيلُ الظُّهُورِ فَيُصَارُ إلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ النُّكُولَ دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بَاذِلًا إنْ كَانَ النُّكُولُ بَذْلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ مُقِرًّا إنْ كَانَ إقْرَارًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَتَرَجَّحَ هَذَا الْجَانِبُ: أَيْ جَانِبُ كَوْنِهِ بَاذِلًا إنْ تَرَفَّعَ، أَوْ مُقِرًّا إنْ تَوَرَّعَ، لِأَنَّ التَّرَفُّعَ أَوْ التَّوَرُّعَ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِلْزَامَ بِالنُّكُولِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فَالْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ يُخَالِفُهُ.
وَقَالَ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلَمْ يَذْكُرْ النُّكُولَ وَالْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ لِكَوْنِ الظَّاهِرِ شَاهِدًا لَهُ، وَبِنُكُولِهِ صَارَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْمُدَّعِي فَتَعُودُ الْيَمِينُ إلَى جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَلِهَذَا بَدَأْنَا فِي اللِّعَانِ بِالْأَيْمَانِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ لِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُلَوِّثُ فِرَاشَهُ كَاذِبًا وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ حَلَّفَ الْمُدَّعِيَ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ. رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ الْمُنْكِرَ طَلَبَ مِنْهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، فَقَالَ: لَيْسَ لَك إلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقُضِيَ بِالنُّكُولِ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قالون، وَهُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ الرُّومِ أَصَبْت.
стр. 3785
وَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الْيَمِينِ
وَإِذَا ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بَطَلَ الْقِيَاسُ، عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ، فَكَانَ مَعْنَى الْيَمِينِ فِيهَا غَيْرَ مَقْصُودٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النُّكُولُ لِاشْتِبَاهِ الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْهَالَ مِنْ الْقَاضِي لِيَنْكَشِفَ الْحَالُ
следующие страницы →