Полный текст (5 149 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
يَجْتَمِعُ فِي الْغَدِ تَسْمِيَتَانِ دُونَ الْيَوْمِ، فَيَصِحُّ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى، وَيَفْسُدُ الثَّانِي وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلُ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَمَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى لَا تَنْعَدِمُ
الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ التَّأْقِيتُ إلَى الْمَجَازِ الَّذِي هُوَ التَّعْجِيلُ (وَحِينَئِذٍ تَجْتَمِعُ فِي الْغَدِ تَسْمِيَتَانِ دُونَ الْيَوْمِ فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَيَفْسُدُ الثَّانِي وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي جَعْلِ الْيَوْمِ لِتَعْجِيلٍ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ الْأُولَى وَفَسَادَ الثَّانِيَةِ، وَفِي جَعْلِهِ لِلتَّوْقِيتِ فَسَادَ الْأُولَى وَصِحَّةَ الثَّانِيَةِ، وَلَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَكَانَ تَحَكُّمًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ فَسَادَ الْإِجَارَةِ الثَّانِيَةِ يَلْزَمُ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ الْأُولَى وَالضِّمْنِيَّاتُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ. وَاسْتَشْكَلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمَخَاتِيمِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ فِيهَا ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ وَأَفْسَدَ الْعَقْدَ، وَهَاهُنَا لِلتَّعْجِيلِ وَصَحَّحَهُ.
وَأُجِيبَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّأْقِيتِ حَقِيقَةٌ لَا يُتْرَكُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْ ذَلِكَ مَانِعٌ كَمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ فَمَنَعْنَا ذَلِكَ عَنْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ نُقْصَانُ الْأَجْرِ لِلتَّأْخِيرِ، بِخِلَافِ حَالَةِ الِانْفِرَادِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ ثَمَّةَ عَلَى الْمَجَازِ فَكَانَ التَّأْقِيتُ مُرَادًا وَفَسَدَ الْعَقْدُ. وَرُدَّ بِأَنَّ دَلِيلَ الْمَجَازِ قَائِمٌ ثَمَّةَ وَهُوَ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعْجِيلِ فَيَكُونُ مُرَادًا نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْجَوَازَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فِي حَيِّزِ النِّزَاعِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ نُقْصَانَ الْأَجْرِ دَلِيلٌ زَائِدٌ عَلَى الْجَوَازِ بِظَاهِرِ الْحَالِ. وَمِمَّا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّ قِيَاسَ زُفَرَ حَالَةَ الِاجْتِمَاعِ بِحَالَةِ الِانْفِرَادِ فَاسِدٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَإِذَا وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا خَاطَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَمَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. قَالَ الْقُدُورِيُّ ﵀: هِيَ الصَّحِيحَةُ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى لَا تَنْعَدِمُ
стр. 4237
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَتُعْتَبَرُ لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ، فَإِنْ خَاطَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْغَدِ فَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ أَوْلَى (وَلَوْ قَالَ: إنْ سَكَّنْتَ فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ، وَإِنْ سَكَّنْتَهُ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ جَازَ، وَأَيَّ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: الْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ، وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَّنَ فِيهِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَّنَ فِيهِ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ).
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الْحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ وَإِنْ جَاوَزَ بِهَا إلَى الْقَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْحِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ حِنْطَةٍ فَبِدِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَكَذَا الْأَجْرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَالْجَهَالَةُ تُوجِبُ الْفَسَادَ، بِخِلَافِ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ بِالْعَمَلِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ.
أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَتَبْقَى الْجَهَالَةُ، وَهَذَا الْحَرْفُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ يُخَالِفُ إسْكَانَهُ الْحَدَّادَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَكَذَا فِي أَخَوَاتِهَا،
لِمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْعِ النُّقْصَانِ، فَإِنْ خَاطَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْغَدِ فَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ أَوْلَى) وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ. قَالَ (وَلَوْ قَالَ: إنْ سَكَّنْت فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ إلَخْ) وَلَوْ قَالَ: إنْ سَكَّنْت فِي هَذَا الدُّكَّانِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَّنْته حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ، وَكَذَا إنْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا فَقَالَ إنْ سَكَّنْت فِيهِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ سَكَّنْت فِيهِ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ،
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الْحِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ شَعِيرٍ فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا كُرَّ حِنْطَةٍ فَبِدِرْهَمٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْحِيرَةِ بِدِرْهَمٍ فَإِنْ جَاوَزَ بِهَا إلَى الْقَادِسِيَّةِ فَبِدِرْهَمَيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذُكِرَتْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُطْلَقًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ الْكُلِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً كَمَا فِي نَظَائِرِهَا.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْأَجْرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالْجَهَالَةُ الْوَاحِدَةُ تُوجِبُ الْفَسَادَ فَكَيْفَ الْجَهَالَتَانِ. فَإِنْ قِيلَ: مَسْأَلَةُ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ فِيهَا جَهَالَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ صَحِيحَةً.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْخِيَاطَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ الْأَجْرَ ثَمَّةَ يَجِبُ بِالْعَمَلِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ. أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَالْأَجْرُ يَجِبُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي الدَّارِ وَالدُّكَّانِ وَالتَّسْلِيمِ فِي الْعَبْدِ فَتَبْقَى الْجَهَالَةُ. وَهَذَا الْحَرْفُ: أَيْ قَوْلُهُ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَتَبْقَى الْجَهَالَةُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ عَقْدَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّومِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ، وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّ سُكْنَاهُ بِنَفْسِهِ يُخَالِفُ إسْكَانَهُ الْحَدَّادَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَيْ إسْكَانَهُ الْحَدَّادَ لَا يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْعَقْدِ وَكَذَا
стр. 4238
وَالْإِجَارَةُ تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ، وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى الْإِيجَابِ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَجْرَيْنِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ.
فِي أَخَوَاتِهَا (قَوْلُهُ وَالْإِجَارَةُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ يَجِبُ الْأَجْرُ بِالتَّخْلِيَةِ إلَخْ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ (تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ وَعِنْدَهُ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ) أَمَّا تَرْكُ الِانْتِفَاعِ مِنْ التَّمَكُّنِ فَنَادِرٌ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ (وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى إيجَابِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ التَّخْلِيَةِ) بِأَنْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمَنْفَعَةَ (يَجِبُ أَقَلُّ الْأَجْرَيْنِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ).
(بَابُ إجَارَةِ الْعَبْدِ):
تَأْخِيرُ ذِكْرِ إجَارَةِ الْعَبْدِ عَنْ إجَارَةِ الْحُرِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ لِظُهُورِ وَجْهِهِ بِانْحِطَاطِ دَرَجَتِهِ
стр. 4239
بَابُ إجَارَةِ الْعَبْدِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ اشْتَمَلَتْ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ،
وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِيَخْدُمَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ، لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ تَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةِ مَشَقَّةٍ) لَا مَحَالَةَ (فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي مِلْكِهِ مَنَافِعَهُ كَالْمَوْلَى، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يُسَافِرَ بِعَبْدِهِ فَكَذَا لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُسَافِرُ بِعَبْدِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَنُوقِضَ بِمَنْ ادَّعَى دَارًا وَصَالَحَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى خِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَخْرُجَ بِالْعَبْدِ إلَى السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَتَهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْآجِرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ
стр. 4240
وَلِهَذَا جُعِلَ السَّفَرُ عُذْرًا
الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي النَّقْلِ كَانَتْ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَقَرَّرَ حَقُّهُ فِي الْأَجْرِ، فَالْمُسْتَأْجِرُ إذَا سَافَرَ بِعَبْدِهِ يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ، وَرُبَّمَا يَرْبُو عَلَى الْأُجْرَةِ.
وَأَمَّا فِي الصُّلْحِ فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ لَيْسَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَالْمُدَّعِي بِالْإِخْرَاجِ إلَى السَّفَرِ يَلْتَزِمُ مُؤْنَةَ الرَّدِّ وَلَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا كَمَا تَرَى انْقِطَاعٌ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَضُمَّ إلَى عِلَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ قَيْدًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَيَلْزَمَهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي مَنَافِعِ الْعَبْدِ كَالْمَوْلَى، فَإِنَّ الْمَوْلَى لَهُ الْمَنْفَعَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَنَوْعًا، وَلَيْسَ الْمُسْتَأْجِرُ كَذَلِكَ بَلْ يَمْلِكُهَا بِعَقْدٍ ضَرُورِيٍّ يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ الْمَوْلَى، وَالْعُرْفُ يُوجِبُهُ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الرَّدِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا يُوجِبُهُ (وَلِهَذَا جُعِلَ السَّفَرُ عُذْرًا) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ غُلَامًا لِيَخْدُمَهُ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرَ السَّفَرَ فَهُوَ عُذْرٌ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْعَبْدِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ مُنِعَ السَّفَرَ تَضَرَّرَ فَكَانَ عُذْرًا تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ
стр. 4241
فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ كَإِسْكَانِ الْحَدَّادِ وَالْقَصَّارِ فِي الدَّارِ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرٌ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخِدْمَةُ فِي الْحَضَرِ لَا يَبْقَى غَيْرُهُ دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَجْرَ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ اسْتِحْسَانًا إذَا فَرَغَ مِنْ الْعَمَلِ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِانْعِدَامِ إذْنِ الْمَوْلَى وَقِيَامِ الْحَجْرِ فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّصَرُّفَ نَافِعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ سَالِمًا ضَارٌّ عَلَى اعْتِبَارِ هَلَاكِ الْعَبْدِ، وَالنَّافِعُ مَأْذُونٌ فِيهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ.
(وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَآجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فَأَخَذَ الْغَاصِبُ الْأَجْرَ فَأَكَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ ضَامِنٌ)؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْمَالِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذْ الْإِجَارَةُ قَدْ صَحَّتْ عَلَى مَا مَرَّ. وَلَهُ أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُحْرَزٍ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُحْرَزٍ فِي حَقِّ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُحْرِزُ مَا فِي يَدِهِ.
قَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْإِطْلَاقُ (وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْخِدْمَتَيْنِ ظَاهِرٌ) فَصَارَ كَالِاخْتِلَافِ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِينَ (فَإِذَا تَعَيَّنَتْ الْخِدْمَةُ فِي الْحَضَرِ عُرْفًا لَا يَبْقَى غَيْرُهَا دَاخِلًا كَمَا فِي الرُّكُوبِ) فَإِنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ رُكُوبِ الرَّاكِبِينَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ شَهْرًا) فَعَمِلَ (فَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ الْأَجْرَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَصِحَّ الْإِجَارَةُ لِانْعِدَامِ إذْنِ الْمَوْلَى وَقِيَامِ الْحَجْرِ) فَيَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ غَاصِبًا بِالِاسْتِعْمَالِ وَلَا أَجْرَ عَلَى الْغَاصِبِ (فَصَارَ كَمَا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ) فَإِنَّهُ يَجِبُ لِلْمَوْلَى قِيمَتُهُ دُونَ الْأَجْرِ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْغَصْبِ، وَالْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّصَرُّفَ نَافِعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ سَالِمًا ضَارٍّ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَالنَّافِعُ مَأْذُونٌ فِيهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَإِذَا جَازَ الدَّفْعُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ)
قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَآجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ إلَخْ) وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَآجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فَأَخَذَ الْغَاصِبُ الْأَجْرَ فَأَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْمَالِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، إذْ الْإِجَارَةُ قَدْ صَحَّتْ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّصَرُّفَ نَافِعٌ، وَالْمَحْجُورُ مَأْذُونٌ فِي الْمَنَافِعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِإِتْلَافِ مَالٍ مُحْرَزٍ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ وَهَذَا الْمَالُ غَيْرُ مُحْرَزٍ فِي حَقِّ الْغَاصِبِ، إذْ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُحْرِزُ مَا فِي يَدِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِحْرَازَ إنَّمَا يَكُونُ بِيَدِ الْمَالِكِ أَوْ يَدِ نَائِبِهِ، وَيَدُ الْغَاصِبِ لَيْسَتْ بِهِمَا وَيَدُ الْعَبْدِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ. فَإِنْ قِيلَ: الْغَاصِبُ إذَا اسْتَهْلَكَ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ ضَمِنَهُ وَلَا
стр. 4242
(وَإِنْ وَجَدَ الْمَوْلَى الْأَجْرَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ)؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ (وَيَجُوزُ قَبْضُ الْعَبْدِ الْأَجْرَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا بِأَرْبَعَةٍ)؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ أَوْ نَظَرًا إلَى تَنَجُّزِ الْحَاجَةِ فَيَنْصَرِفُ الثَّانِي إلَى مَا يَلِي الْأَوَّلَ ضَرُورَةً.
إحْرَازَ فِيهِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْأُمِّ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهَا وَهِيَ مُحْرَزَةٌ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْ الْمَنَافِعِ وَهِيَ غَيْرُ مُحْرَزَةٍ (وَإِنْ وَجَدَ الْمَوْلَى الْأَجْرَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، وَيَجُوزُ قَبْضُ الْعَبْدِ الْأَجْرَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى اعْتِبَارِ الْفَرَاغِ عَلَى مَا مَرَّ) مِنْ قَوْلِهِ وَالنَّافِعُ مَأْذُونٌ فِيهِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا لَهُ وَهُوَ الْعَاقِدُ رَجَعَ الْحُقُوقُ إلَيْهِ فَكَانَ لَهُ الْقَبْضُ وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِي حَقِّ خُرُوجِ الْمُسْتَأْجِرِ عَنْ عُهْدَةِ الْأُجْرَةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ وَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا آجَرَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ نَفْسَهُ، فَإِنْ آجَرَهُ الْغَاصِبُ كَانَ الْأَجْرُ لَهُ لَا لِلْمَالِكِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ آجَرَهُ الْمَوْلَى فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْبِضَ الْأُجْرَةَ إلَّا بِوَكَالَةِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالشَّهْرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا بِأَرْبَعَةٍ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، وَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ كَانَ مَجْهُولًا، وَالْإِجَارَةُ تَفْسُدُ بِالْجَهَالَةِ فَصَرَفْنَاهُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ، كَمَا لَوْ قَالَ اسْتَأْجَرْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ شَهْرًا وَسَكَتَ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ (أَوْ نَظَرًا إلَى تَنَجُّزِ الْحَاجَةِ) فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَسْتَأْجِرُ الشَّيْءَ لِحَاجَةٍ تَدْعُوهُ إلَى ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ وُقُوعُهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِذَا انْصَرَفَ الْأَوَّلُ إلَى مَا يَلِي الْعَقْدَ وَالثَّانِي مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِي الْأَوَّلَ ضَرُورَةً. قِيلَ مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ ذُكِرَ مُنْكَرًا مَجْهُولًا، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لَمَّا كَانَ فِي كَلَامِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ الْمُنْكَرِ، فَكَأَنَّ الْمُؤَجِّرَ قَالَ آجَرْت عَبْدِي هَذَا شَهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ
стр. 4243
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَقَبَضَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الشَّهْرِ، وَهُوَ آبِقٌ أَوْ مَرِيضٌ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ أَبَقَ أَوْ مَرِضَ حِينَ أَخَذْته وَقَالَ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِسَاعَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ،
فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتَأْجَرْته هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ شَهْرًا بِأَرْبَعَةٍ وَشَهْرًا بِخَمْسَةٍ
(قَوْلُهُ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ إلَخْ) ظَاهِرٌ خَلَا قَوْلِهِ فَيَتَرَجَّحُ بِحُكْمِ الْحَالِ فَإِنَّهُ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْحَالَ تَصْلُحُ لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ لَوْ جَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَبْدِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ لِلْمُؤَجِّرِ وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فَكَانَتْ مُوجِبَةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَلَيْسَ بِنَاهِضٍ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا إنْ لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ.
стр. 4244
وَإِنْ جَاءَ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ)؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَيَتَرَجَّحُ بِحُكْمِ الْحَالِ، إذْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى قِيَامِهِ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ يَصْلُحُ مُرَجِّحًا إنْ لَمْ يَصْلُحْ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ. أَصْلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي جَرَيَانِ مَاءِ الطَّاحُونَةِ وَانْقِطَاعِهِ.
بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ
قَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ أَمَرْتُك أَنْ تَعْمَلَهُ قَبَاءً وَقَالَ الْخَيَّاطُ بَلْ قَمِيصًا أَوْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلصَّبَّاغِ أَمَرْتُك أَنْ تَصْبُغَهُ أَحْمَرَ فَصَبَغْته أَصْفَرَ وَقَالَ الصَّبَّاغُ لَا بَلْ أَمَرْتنِي أَصْفَرَ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ)؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِذْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَكَذَا إذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ، لَكِنْ يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئًا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ. قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ فَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ) وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَكَذَا يُخَيَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ إذَا حَلَفَ إنْ شَاءَ
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْعَقْدُ مَعَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ إلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّ تَعَارُضَ كَلَامِهِمَا فِي اعْتِرَاضِ مَا يُوجِبُ السُّقُوطَ فَجُعِلَ الْحَالُ مُرَجِّحًا لِكَلَامِ الْمُؤَجِّرِ لَا مُوجِبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ دَافِعَةً لِاسْتِحْقَاقِ السُّقُوطِ بَعْدَ الثُّبُوتِ لَا مُوجِبَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِجَارَةِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ أَحْكَامِ اتِّفَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْأَصْلُ ذَكَرَ أَحْكَامَ اخْتِلَافِهِمَا وَهُوَ الْفَرْعُ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا يَكُونُ لِعَارِضٍ قَالَ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَيَّاطُ وَرَبُّ الثَّوْبِ إلَخْ) إنْ اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْإِجَارَةِ فِي نَوْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْقَبَاءِ وَالْقَمِيصِ فِي الْخِيَاطَةِ أَوْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْإِذْنُ، وَهُوَ صَاحِبُ الثَّوْبِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ﵏، لِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِذْنِ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ، فَكَذَا إذَا أَنْكَرَ صِفَتَهُ لَكِنْ بَعْدَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِنْ حَلَفَ فَهُوَ
стр. 4245
ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: يُضَمِّنُهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ.
(وَإِنْ قَالَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ عَمِلْته لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَقَوُّمَ عَمَلِهِ إذْ هُوَ يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَيُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالصَّانِعُ يَدِّعِيهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حِرِّيفًا لَهُ) أَيْ خَلِيطًا لَهُ (فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأَنَّ سَبْقَ مَا بَيْنَهُمَا يُعَيِّنُ جِهَةَ الطَّلَبِ بِأَجْرٍ جَرْيًا عَلَى مُعْتَادِهِمَا (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْحَانُوتَ لِأَجْلِهِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَجْرِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِحْسَانِهِمَا أَنَّ الظَّاهِرَ لِلدَّفْعِ، وَالْحَاجَةُ هَاهُنَا إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمِ فَخَاطَهُ قَبَاءً. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هُنَاكَ اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْأَجِيرُ خَالَفَ وَهَاهُنَا قَدْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ مِثْلَ تِلْكَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا مِثْلُهَا انْتِهَاءً لَا ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا الْحُكْمَ هُنَا بَعْدَ يَمِينِ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَلَمَّا حَلَفَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَلَمْ يَبْقَ لِخِلَافِ الْآخَرِ اعْتِبَارٌ فَكَانَتَا فِي الْحُكْمِ فِي الِانْتِهَاءِ سَوَاءً. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُورِيِّ يَضْمَنُهُ: أَيْ يَضْمَنُ صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلصَّبَّاغِ قِيمَةَ زِيَادَةِ الصَّبْغِ، فَالْأَوْلَى أَعْنِي قَوْلَهُ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ يَضْمَنُهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ الصَّبْغَ آلَةٌ لِلْعَمَلِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى الصَّبَّاغِ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَضِ وَالصَّابُونِ فِي عَمَلِ الْغَسَّالِ، فَلَا يَصِيرُ صَاحِبُ الثَّوْبِ مُشْتَرِيًا لِلصَّبْغِ حَتَّى تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ عِنْدَ فَسَادِ السَّبَبِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الصَّبَّاغَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ وَالْحُكْمُ فِي الْغَصْبِ كَذَلِكَ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْأُجْرَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ عَمِلْته لِي بِغَيْرِ أَجْرٍ وَقَالَ الصَّانِعُ بِأَجْرٍ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَقَوُّمَ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ تَقَوُّمَهُ بِالْعَقْدِ وَيُنْكِرُ الضَّمَانَ وَالصَّانِعُ يَدَّعِيهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حَرِيفًا لَهُ: أَيْ خَلِيطًا لَهُ وَذَلِكَ بِأَنْ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْمُعَامَلَةَ بَيْنَهُمَا بِأَجْرٍ فَلَهُ الْأَجْرُ وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ سَبْقَ مَا بَيْنَهُمَا بِأَجْرٍ يُعِينُ جِهَةَ الطَّلَبِ بِأَجْرٍ جَرْيًا عَلَى مُعْتَادِهِمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الصَّانِعُ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ بِالْأُجْرَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْحَانُوتَ لِأَجْلِهِ جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَجْرِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَمَا ذَكَرَاهُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الظَّاهِرَ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَالْحَاجَةُ هَاهُنَا لِلِاسْتِحْقَاقِ لَا لِلدَّفْعِ.
стр. 4246
بَابُ فَسْخِ الْإِجَارَةِ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا يَضُرُّ بِالسُّكْنَى فَلَهُ الْفَسْخُ)؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ، وَأَنَّهَا تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ هَذَا عَيْبًا حَادِثًا قَبْلَ الْقَبْضِ فَيُوجِبُ الْخِيَارَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ إذَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ فَعَلَ الْمُؤَجِّرُ مَا أَزَالَ بِهِ الْعَيْبَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا خَرِبَتْ الدَّارُ أَوْ انْقَطَعَ شُرْبُ الضَّيْعَةِ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَى انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ، وَهِيَ الْمَنَافِعُ الْمَخْصُوصَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَشَابَهُ فَوْتُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَوْتِ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ قَدْ فَاتَتْ عَلَى وَجْهٍ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهَا فَأَشْبَهَ الْإِبَاقَ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْآجِرَ لَوْ بَنَاهَا لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ وَلَا لِلْآجِرِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ لَكِنَّهُ يُفْسَخُ.
(وَلَوْ انْقَطَعَ مَاءُ الرَّحَى، وَالْبَيْتُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ.
بَابُ فَسْخِ الْإِجَارَةِ)
تَأْخِيرُ هَذَا الْبَابِ عَمَّا قَبْلَهُ ظَاهِرُ الْمُنَاسَبَةِ، إذْ الْفَسْخُ يَعْقُبُ الْعَقْدَ لَا مَحَالَةَ. قَالَ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا) تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِعُيُوبٍ تَضُرُّ بِالْمَنَافِعِ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ لِأَجْلِهَا، وَكَذَا بِالْأَعْذَارِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا (فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا يَضُرُّ بِالسُّكْنَى فَلَهُ الْفَسْخُ) وَكَذَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَذَهَبَتْ كِلْتَا عَيْنَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَيْبًا لَا يَضُرُّ كَحَائِطٍ سَقَطَ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِي السُّكْنَى أَوْ ذَهَبَتْ إحْدَى عَيْنَيْ الْعَبْدِ فَلَا فَسْخَ لَهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ) دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنَافِعُ وَأَنَّهَا تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الِابْتِدَاءِ فَكَانَ الْعَيْبُ حَادِثًا قَبْلَ الْقَبْضِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخِيَارَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ حَادِثًا بَعْدَ قَبْضِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ قَبْلَهُ، لِأَنَّ الَّذِي حَدَثَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُسْتَأْجِرِ كَانَ قَبْلَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ، ثُمَّ الْمُسْتَأْجِرُ إذَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا رَضِيَ بِالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا أَزَالَ الْمُؤَجِّرُ مَا بِهِ مِنْ الْعَيْبِ لَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ
(وَإِذَا خَرِبَتْ الدَّارُ أَوْ انْقَطَعَ شِرْبُ الضَّيْعَةِ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْ الرَّحَى انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ) وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. وَصَحَّحَ النَّقْلَ هَذَا الْقَائِلُ بِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَلَوْ سَقَطَتْ الدَّارُ كُلُّهَا فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الدَّارِ شَاهِدًا أَوْ غَائِبًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ لِشَرْطِ حَضْرَةِ صَاحِبِ الدَّارِ لِأَنَّهُ رَدٌّ بِعَيْبٍ وَهُوَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ بِالْإِجْمَاعِ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ وَهِيَ الْمَنَافِعُ الْمَخْصُوصَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَشَابَهَ فَوَاتَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَوْتَ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، وَ) صُحِّحَ النَّقْلُ بِمَا رَوَى هِشَامٌ (عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَانْهَدَمَ فَبَنَاهُ الْمُؤَجِّرُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ، وَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ لَكِنَّهُ يُفْسَخُ) وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ فَاتَتْ عَلَى وَجْهٍ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهَا فَأَشْبَهَ إبَاقَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ انْقَطَعَ مَاءُ الرَّحَى وَالْبَيْتُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ
стр. 4247
لِغَيْرِ الطَّحْنِ فَعَلَيْهِ عَنْ الْأَجْرِ بِحِصَّتِهِ)؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَقَدْ عَقَدَ الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ الْعَقْدُ تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ الْمَمْلُوكَةُ بِهِ أَوْ الْأُجْرَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ مُسْتَحَقَّةً بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَإِنْ عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ لَمْ تَنْفَسِخْ) مِثْلُ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي فِي الْوَقْفِ لِانْعِدَامِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى.
لِغَيْرِ الطَّحْنِ فَعَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّتِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) أَوْرَدَهُ اسْتِشْهَادًا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِانْقِطَاعِ الْمَاءِ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَقَدْ عَقَدَ الْإِجَارَةَ لِنَفْسِهِ انْفَسَخَتْ، لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ الْعَقْدُ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَمْلُوكَةُ بِهِ أَوْ الْأُجْرَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ مُسْتَحَقَّةً بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْمُوَرِّثِ إلَى الْوَارِثِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْأُجْرَةِ الْمَمْلُوكَةِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى الْمَنَافِعِ، فَلَوْ قُلْنَا بِالِانْتِقَالِ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِانْتِقَالِ مَا لَمْ يَمْلِكْ الْمُوَرِّثُ إلَى الْوَارِثِ.
وَأَمَّا إذَا عَقَدَهَا لِغَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي فِي الْوَقْفِ (لَمْ تَنْفَسِخْ لِانْعِدَامِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ) وَهُوَ صَيْرُورَةُ الْمَنْفَعَةِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ مُسْتَحَقَّةً بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْمُوَرِّثِ إلَى الْوَارِثِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْأُجْرَةِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ وَاقِعًا لِغَيْرِ الْعَاقِدِ وَبَقِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ. وَنُوقِضَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ فَمَاتَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ إلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِالْأَجْرِ فَقَدْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ حَيْثُ لَا يَجِدُ دَابَّةً أُخْرَى فِي وَسَطِ الْمَفَازَةِ، وَلَا يَكُونُ ثَمَّةَ قَاضٍ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَيْهِ فَيَسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ مِنْهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنْ وَجَدَ ثَمَّةَ دَابَّةً أُخْرَى يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ قَاضٍ تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى إبْقَاءِ الْإِجَارَةِ مَعَ وُجُودِ مَا يُنَافِي الْبَقَاءَ وَهُوَ مَوْتُ الْمُؤَجِّرِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الضَّرُورَةُ كَانَ عَدَمُ الِانْفِسَاخِ بِالِاسْتِحْسَانِ الضَّرُورِيِّ، وَالْمُسْتَحْسَنُ لَا يُورَدُ نَقْضًا عَلَى الْقِيَاسِ كَتَطْهِيرِ الْحِيَاضِ وَالْأَوَانِي، وَنُوقِضَ بِمَا إذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ فَإِنَّهُ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَلَمْ يَعْقِدْ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، فَإِنَّا قَدْ قُلْنَا إنْ كُلَّمَا مَاتَ الْعَاقِدُ لِنَفْسِهِ انْفَسَخَ وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِأَنَّ كُلَّمَا انْفَسَخَ يَكُونُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ لِأَنَّ الْعَكْسَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي مِثْلِهِ. وَوَجْهُ نَقْضِهِ هُوَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِأَجْلِهِ إذَا مَاتَ الْعَاقِدُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ ضَرُورَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمَمْلُوكَةِ أَوْ الْأُجْرَةِ الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِ مَنْ عُقِدَ
стр. 4248
قَالَ: (وَيَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ لِفَوَاتِ بَعْضِهِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ أَيْضًا عَلَى الْكَمَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْخِيَارَ. وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ لَا يُسْتَحَقُّ الْقَبْضُ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَفَوَاتُ بَعْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ، فَكَذَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ رَدَّ الْكُلِّ مُمْكِنٌ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْإِجَارَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ دُونَهَا وَلِهَذَا يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْقَبْضِ إذَا سَلَّمَ الْمُؤَجَّرَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ.
لَهُ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فَالْفَسْخُ لِأَجْلِهِ.
قَالَ (وَيَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ) إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً عَلَى أَنَّهُ أَوْ الْمُؤَجَّرُ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا (وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنْ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ لِفَوَاتِ بَعْضِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ فَلَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ عَلَى الْكَمَالِ لِذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْخِيَارَ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمَنَافِعَ جُعِلَتْ فِي الْإِجَارَةِ كَالْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ، وَفَوَاتُ بَعْضِ الْعَيْنِ فِي الْبَيْعِ يَمْنَعُ الْفَسْخَ فَكَذَا هَاهُنَا (وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَبْضَ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ جَازَ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ) فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ يَحْتَاجُ إلَى التَّرَوِّي لِئَلَّا يَقَعَ فِيهِ الْغَبْنُ (وَفَوَاتُ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِخِيَارِ الْعَيْبِ) كَمَا تَقَدَّمَ (فَكَذَا بِخِيَارِ الشَّرْطِ) قَوْلُهُ عَقْدُ مُعَامَلَةٍ احْتِرَازٌ عَنْ النِّكَاحِ، وَقَوْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَبْضَ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ احْتِرَازٌ عَنْ الصَّرْفِ فَإِنَّ الْخِيَارَ فِيهِمَا لَا يَصِحُّ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَفَوَاتُ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (وَإِنَّمَا كَانَ فَوَاتُهُ فِي الْإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ وَفِي الْبَيْعِ يَمْنَعُ، لِأَنَّ رَدَّ الْكُلِّ فِي الْبَيْعِ مُمْكِنٌ دُونَ الْإِجَارَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ دُونَهَا) لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ رَدَّ الْكُلِّ مُمْكِنٌ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْإِجَارَةِ (يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْقَبْضِ إذَا سَلَّمَ الْمُؤَجِّرُ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ بِكَمَالِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَهَذَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ حَتَّى مَضَى شَهْرٌ وَقَدْ طَلَبَ التَّسْلِيمَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ ثُمَّ تَحَاكَمَا لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْقَبْضِ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ عِنْدَنَا، وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَفْسَخَ
стр. 4249
قَالَ: (وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِالْأَعْذَارِ) عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا تُفْسَخُ إلَّا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ حَتَّى يَجُوزَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ. وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ وَهِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فَصَارَ الْعُذْرُ فِي الْإِجَارَةِ كَالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فَتَنْفَسِخُ بِهِ، إذْ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا وَهُوَ عَجْزُ الْعَاقِدِ عَنْ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِهِ إلَّا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْعُذْرِ عِنْدَنَا (وَهُوَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ حَدَّادًا لِيَقْلَعَ ضِرْسَهُ لِوَجَعٍ بِهِ فَسَكَنَ الْوَجَعُ أَوْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامَ الْوَلِيمَةِ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ)؛ لِأَنَّ فِي الْمُضِيِّ عَلَيْهِ إلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ (وَكَذَا مَنْ اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا فِي السُّوقِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَذَهَبَ مَالُهُ، وَكَذَا مَنْ أَجَّرَ دُكَّانًا أَوْ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا إلَّا بِثَمَنِ مَا أَجَّرَ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَبَاعَهَا فِي الدُّيُونِ)؛ لِأَنَّ فِي الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ إلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ الْحَبْسُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُصَدَّقُ عَلَى عَدَمِ مَالٍ آخَرَ.
ثُمَّ قَوْلُهُ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي
الْعَقْدَ فِيمَا بَقِيَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ، فَإِذَا فَاتَ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُخَيَّرُ فِيمَا بَقِيَ لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ وَذَلِكَ يُثْبِتُ حَقَّ الْفَسْخِ. قُلْنَا: الْإِجَارَةُ عُقُودٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَلِهَذَا يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ. بَيَانُ فَرْعٍ آخَرَ لَنَا لَا اسْتِشْهَادًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْخَصْمُ قَائِلًا بِهِ.
قَالَ (وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِالْأَعْذَارِ عِنْدَنَا) تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِالْأَعْذَارِ عِنْدَنَا (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا تُفْسَخُ إلَّا بِالْعَيْبِ) بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِرَارًا (لِأَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ حَتَّى يَجُوزَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا) فَكَانَتْ كَالْبَيْعِ وَالْبَيْعُ لَا يُفْسَخُ بِالْعُذْرِ فَكَذَا الْإِجَارَةُ (وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ وَهِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فَصَارَ الْعُذْرُ فِي الْإِجَارَةِ كَالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ فَتُفْسَخُ بِهِ) كَالْبَيْعِ (إذْ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِلْفَسْخِ يَجْمَعُ الْإِجَارَةَ وَالْبَيْعَ جَمِيعًا، وَهُوَ) أَيْ الْمَعْنَى الْجَامِعُ (عَجْزُ الْعَاقِدِ عَنْ الْمُضِيِّ فِي مُوجِبِ الْعَقْدِ إلَّا بِتَحَمُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْعُذْرِ عِنْدَنَا) وَالشَّافِعِيُّ مَحْجُوجٌ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيُقْلِعَ ضِرْسَهُ لِوَجَعٍ ثُمَّ زَالَ الْوَجَعُ، أَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَتَّخِذَ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ فَمَاتَتْ الْعَرُوسُ، أَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْطَعَ يَدَهُ لِأَكَلَةٍ وَقَعَتْ بِهَا ثُمَّ بَرَأَتْ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى قَلْعِ الضِّرْسِ وَاِتِّخَاذِ الْوَلِيمَةِ وَقَطْعِ الْيَدِ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّ فِي الْمُضِيِّ عَلَيْهَا إلْزَامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ، وَكَذَا الْبَاقِي. ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى الْحَاكِمِ. قَالَ (ثُمَّ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ (فَسْخُ الْقَاضِي) إشَارَةٌ إلَى الِافْتِقَارِ إلَيْهِ
стр. 4250
فِي النَّقْضِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ فِي عُذْرِ الدَّيْنِ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عُذْرٌ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ فِيهِ تُنْتَقَضُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي.
وَوَجْهُهُ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ عَلَى مَا مَرَّ فَيَنْفَرِدُ الْعَاقِدُ بِالْفَسْخِ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إلْزَامِ الْقَاضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ وَفَّقَ فَقَالَ: إذَا كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ لِظُهُورِ الْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ كَالدَّيْنِ يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ لِظُهُورِ الْعُذْرِ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيُسَافِرَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْ السَّفَرِ فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَضَى عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ زَائِدٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْهَبُ لِلْحَجِّ فَذَهَبَ وَقْتُهُ أَوْ لِطَلَبِ غَرِيمِهِ فَحَضَرَ أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَافْتَقَرَ (وَإِنْ بَدَا لِلْمُكَارِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْقِدَ وَيَبْعَثَ الدَّوَابَّ عَلَى يَدِ تِلْمِيذِهِ أَوْ أَجِيرِهِ (وَلَوْ مَرِضَ الْمُؤَاجِرُ فَقَعَدَ فَكَذَا الْجَوَابُ) عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ.
وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ ضَرَرٍ فَيَدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ دُونَ الِاخْتِيَارِ (وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالْمُضِيِّ عَلَى مُوجِبِ عَقْدٍ، وَإِنَّمَا يَفُوتُهُ الِاسْتِرْبَاحُ وَأَنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ (وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْخَيَّاطُ غُلَامًا فَأَفْلَسَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ فَهُوَ الْعُذْرُ)؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّرَرُ بِالْمُضِيِّ عَلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَتَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ خَيَّاطٌ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ، أَمَّا الَّذِي يَخِيطُ بِأَجْرٍ فَرَأْسُ مَالِهِ الْخَيْطُ وَالْمَخِيطُ وَالْمِقْرَاضُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِفْلَاسُ فِيهِ.
(وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الْخِيَاطَةِ، وَأَنْ يَعْمَلَ فِي الصَّرْفِ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقْعِدَ الْغُلَامَ لِلْخِيَاطَةِ فِي نَاحِيَةٍ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي الصَّرْفِ فِي نَاحِيَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّانًا لِلْخِيَاطَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ حَيْثُ جَعَلَهُ عُذْرًا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ، أَمَّا هَاهُنَا الْعَامِلُ شَخْصَانِ فَأَمْكَنَهُمَا (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا يَخْدُمُهُ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ سَافَرَ فَهُوَ عُذْرٌ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ إلْزَامِ ضَرَرٍ زَائِدٍ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ أَشَقُّ،
فِي النَّقْضِ وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ فِي عُذْرِ الدَّيْنِ قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عُذْرٌ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ فِيهِ تُنْتَقَضُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي) وَذَكَرَ وَجْهَهُ فِي الْكِتَابِ (وَذَكَرَ فِي وَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إلْزَامِ الْقَاضِي) وَفِيهِ مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَصَحَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ، وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ وَالْمَحْبُوبِيُّ قَوْلَ مَنْ وَقَفَ فَقَالَ: (إذَا كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ لِظُهُورِ الْعُذْرِ) أَيْ لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ) كَالدَّيْنِ (يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ لِظُهُورِ الْعُذْرِ) أَيْ لَأَنْ يَظْهَرَ الْعُذْرُ
(قَوْلُهُ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيُسَافِرَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي السَّفَرِ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرٌ خَلَا مَوَاضِعَ بَيَّنَهَا (قَوْلُهُ وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ) هُوَ لَفْظُ أَصْلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، لَكِنْ هَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْدَمَا آجَرَ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: الصَّحِيحَةُ مِنْ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى سُقُوطِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِلَيْهِ مَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ. وَقَوْلُهُ (أَمَّا الَّذِي يَخِيطُ بِأَجْرٍ فَرَأْسُ مَالِهِ الْخَيْطُ وَالْمَخِيطُ وَالْمِقْرَاضُ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْإِفْلَاسُ) قِيلَ: وَقَدْ يَتَحَقَّقُ إفْلَاسُهُ بِأَنْ تَظْهَرَ خِيَانَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ فَيَمْتَنِعُونَ عَنْ تَسْلِيمِ الثِّيَابِ إلَيْهِ، أَوْ يَلْحَقُهُ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ وَيَصِيرُ بِحَيْثُ إنَّ النَّاسَ لَا يَأْتَمِنُونَهُ عَلَى أَمْتِعَتِهِمْ (قَوْلُهُ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا يَخْدُمُهُ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ سَافَرَ فَهُوَ عُذْرٌ)
стр. 4251
وَفِي الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ ضَرَرٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ عُذْرًا (وَكَذَا إذَا أَطْلَقَ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْحَضَرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ عَقَارًا ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ إذْ الْمُسْتَأْجِرُ يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ السَّفَرَ فَهُوَ عُذْرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ السَّفَرِ أَوْ إلْزَامِ الْأَجْرِ بِدُونِ السُّكْنَى وَذَلِكَ ضَرَرٌ.
مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا أَوْ اسْتَعَارَهَا فَأَحْرَقَ الْحَصَائِدَ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ فَأَشْبَهَ حَافِرَ الْبِئْرِ فِي دَارِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ هَادِئَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُضْطَرِبَةً يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُوقِدَ النَّارِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقْعَدَ الْخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ)
قِيلَ: فَإِنْ قَالَ الْمُؤَجِّرُ إنَّهُ لَا يُرِيدُ السَّفَرَ وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ وَأَصَرَّ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى دَعْوَى السَّفَرِ فَالْقَاضِي يَسْأَلُهُ عَمَّنْ يُسَافِرُ مَعَهُ، فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَالْقَاضِي يَسْأَلُهُمْ أَنَّ فُلَانًا هَلْ يَخْرُجُ مَعَكُمْ أَوْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ ثَبَتَ الْعُذْرُ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَنْظُرُ الْقَاضِي إلَى زِيِّهِ وَثِيَابِهِ، فَإِنْ كَانَتْ ثِيَابُهُ ثِيَابَ السَّفَرِ يَجْعَلُهُ مُسَافِرًا وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إذَا أَنْكَرَ الْمُؤَجِّرُ السَّفَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْقَاضِي الْمُسْتَأْجِرُ بِاَللَّهِ إنَّك عَزَمْت عَلَى السَّفَرِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْقُدُورِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ) مَعْنَى الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ قَدْ تَقَدَّمَ، وَحَصَدَ الزَّرْعَ: أَيْ جَذَّهُ، وَالْحَصَائِدُ جَمْعُ حَصِيدٍ وَحَصِيدَةٍ وَهُمَا الزَّرْعُ الْمَحْصُودُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا مَا يَبْقَى مِنْ أُصُولِ الْقَصَبِ الْمَحْصُودِ فِي الْأَرْضِ، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ. وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الرِّيحُ هَادِئَةً. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: بِالنُّونِ مِنْ هَدَنَ: أَيْ سَكَنَ. وَفِي نُسْخَةٍ هَادِئَةٌ مِنْ هَدَأَ بِالْهَمْزِ: أَيْ سَكَنَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الْهَادِئَةِ وَالْمُطْرِبَةِ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَقْعَدَ الْخَيَّاطُ إلَخْ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ مَعْرُوفًا وَهُوَ رَجُلٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ وَلَهُ جَاهٌ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ حَاذِقٍ فَأَقْعَدَ فِي دُكَّانِهِ رَجُلًا حَاذِقًا لِيَتَقَبَّلَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ الْعَمَلَ مِنْ النَّاسِ وَيَعْمَلَ الْحَاذِقُ وَجَعَلَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الْأُجْرَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ جَازَ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِ صَاحِبِ الدُّكَّانِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ لَا تَصْلُحُ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَلِأَنَّ الْمُتَقَبِّلَ لِلْعَمَلِ عَلَى مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ فَيَكُونُ الْعَامِلُ أَجِيرَهُ بِالنِّصْفِ وَهُوَ مَجْهُولٌ،
стр. 4252
لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ فَتَنْتَظِمُ بِذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ فَلَا تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمَلًا وَرَاكِبَيْنِ إلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَهُ الْمَحْمَلُ الْمُعْتَادُ)
وَإِنْ تَقَبَّلَ الْعَمَلَ الْعَامِلُ كَانَ مُسْتَأْجِرًا لِمَوْضِعِ جُلُوسِهِ مِنْ دُكَّانِهِ بِنِصْفِ مَا يَعْمَلُ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالطَّحَاوِيُّ ﵀ مَالَ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ وَقَالَ: الْقِيَاسُ عِنْدِي أَوْلَى مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِإِجَارَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ وَهِيَ شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ، لِأَنَّ شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا وَأَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ وَالْآخَرُ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ لِحَذَاقَتِهِ وَهُوَ مُتَعَارَفٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا لِلتَّعَامُلِ بِهَا قَالَ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» فَإِنْ قِيلَ: شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ هِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا اشْتَرَكَا فِي الْحَاصِلِ مِنْ الْأَجْرِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ تَقْتَضِي إثْبَاتَ الشَّرِكَةِ فِي التَّقَبُّلِ فَثَبَتَ فِيهِ اقْتِضَاءً، إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمَا إلَّا تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّقَبُّلِ وَالْآخَرِ بِالْعَمَلِ ذِكْرًا، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ فَأَمْكَنَنَا إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ فِي التَّقَبُّلِ اقْتِضَاءً فَكَأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي التَّقَبُّلِ صَرِيحًا، وَلَوْ صَرَّحَا بِشَرِكَةِ التَّقَبُّلِ ثُمَّ تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا وَعَمِلَ الْآخَرُ جَازَ فَكَذَا هَذَا. هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ أَنْسَبُ بِشَرِكَةِ التَّقَبُّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا كَانَتْ شَرِكَةً لَا إجَارَةً لَمْ تَضُرَّهُ الْجَهَالَةُ فِيمَا يُحَصِّلْ كَمَا فِي الشَّرِكَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمَلًا)
стр. 4253
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ لِلْجَهَالَةِ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْمُنَازَعَةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الرَّاكِبُ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْمَحْمَلُ تَابِعٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ يَرْتَفِعُ بِالصَّرْفِ إلَى التَّعَارُفِ فَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَكَذَا إذَا لَمْ يَرَ الْوَطَاءَ وَالدُّثُرَ. قَالَ: (وَإِنْ شَاهَدَ الْجَمَّالُ الْحِمْلَ فَهُوَ أَجْوَدُ)؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ وَأَقْرَبُ إلَى تَحَقُّقِ الرِّضَا. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنْ الزَّادِ فَأَكَلَ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَ مَا أَكَلَ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ حِمْلًا مُسَمًّى فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (وَكَذَا غَيْرُ الزَّادِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ) وَرَدُّ الزَّادِ مُعْتَادٌ عِنْدَ الْبَعْضِ كَرَدِّ الْمَاءِ فَلَا مَانِعَ مِنْ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ.
ظَاهِرٌ، وَالْوِطَاءُ الْفِرَاشُ، وَالدُّثُرُ جَمْعُ دِثَارٍ وَهُوَ مَا يُلْقَى عَلَيْك مِنْ كِسَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَرَدُّ الزَّادِ مُعْتَادٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ، وَمِنْ عَادَةِ الْمُسَافِرِينَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ الزَّادِ وَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا مَكَانَهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعُرْفَ مُشْتَرَكٌ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ عِنْدَ الْبَعْضِ كَرَدِّ الْمَاءِ، وَالْعُرْفُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا فَلَا مَانِعَ مِنْ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ، وَهُوَ أَنَّهُمَا أَطْلَقَا الْعَقْدَ عَلَى حَمْلِ قَدْرٍ مَعْلُومٍ فِي مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَمِ رَدِّ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَجْهُولِ فَوَجَبَ جَوَازُ رَدِّ قَدْرِ مَا نَقَصَ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ وَهُوَ عَدَمُ الْمَانِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4254
كِتَابُ الْمُكَاتَبِ
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ وَقَبِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ صَارَ مُكَاتَبًا) أَمَّا الْجَوَازُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى
(كِتَابُ الْمُكَاتَبِ)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَوْرَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ الْعِوَضِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَلِهَذَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ: يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ خَرَجَ بِهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. وَقَوْلُهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ خَرَجَ بِهِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْعِوَضِ فِيهَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ ذِكْرَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ كَانَ أَنْسَبَ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْوَلَاءُ وَالْوَلَاءُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ. وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ فِيهَا مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِشَخْصٍ وَمَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِلْإِجَارَةِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِيَّاتِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْعَرْضِيَّاتِ، وَقَدَّمَ الْإِجَارَةَ لِشَبَهِهَا بِالْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ التَّمْلِيكُ وَالشَّرَائِطُ فَكَانَ أَنْسَبَ بِالتَّقْدِيمِ. وَالْكِتَابَةُ عَقْدٌ بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَقَوْلُهُ عَقْدٌ يُخْرِجُ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِي التَّعْلِيقِ، فَإِنَّ التَّعْلِيقَ يَتِمُّ بِالْمَوْلَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَقْدًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَكِنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ بِالْعَجْزِ يَعُودُ رَقِيقًا دُونَ الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ.
وَسَبَبُهَا مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ تَعَلُّقِ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ. وَشَرْطُهَا قِيَامُ الرِّقِّ فِي الْمَحَلِّ وَكَوْنُ الْمُسَمَّى مَالًا مَعْلُومًا قَدْرُهُ وَجِنْسُهُ. وَحُكْمُهَا مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ انْفِكَاكُ الْحَجْرِ فِي الْحَالِ وَثُبُوتُ مِلْكِ الْيَدِ حَتَّى يَكُونَ الْمُكَاتَبُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ إذَا أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ، وَفِي جَانِبِ الْمَوْلَى ثُبُوتُ وِلَايَةِ مُطَالَبَةِ الْبَدَلِ فِي الْحَالِ إنْ كَانَتْ حَالَّةً، وَالْمِلْكُ فِي الْبَدَلِ إذَا قَبَضَهُ. وَأَلْفَاظُهَا الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ كَاتَبْتُك عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ إذَا قَالَ قَبِلْت كَانَ ذَلِكَ كِتَابَةً، وَلَوْ قَالَ جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إلَيَّ نُجُومًا أَوَّلَ نَجْمِ كَذَا وَآخِرَهُ كَذَا، فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ كَانَ كِتَابَةً. قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ إلَخْ) إذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ
стр. 4255
﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾
بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَقَبِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ صَارَ مُكَاتَبًا. أَمَّا جَوَازُ هَذَا الْعَمَلِ مِنْ الْمَوْلَى فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وَدَلَالَتُهُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعَقْدِ لَا تَخْفَى عَلَى عَارِفٍ بِلِسَانِ الْعَرَبِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَلَمَّا كَانَ مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ ﵀ بَيَانَ حُكْمٍ آخَرَ خِلَافُ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ وَاجِبٌ أَنْ يَعْمَلَ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ تَعَرَّضَ
стр. 4256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إيجَابٍ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إذَا طَلَبَ الْعَبْدُ مِنْ مَوْلَاهُ الْكِتَابَةَ وَقَدْ عَلِمَ
стр. 4257
وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إيجَابٍ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ،
الْمَوْلَى فِيهِ خَيْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ.
وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَمَّا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مَذْكُورٌ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا جَرَتْ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُكَاتِبُ عَبْدَهُ إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا. وَقَالَ: فَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءٌ لِلشَّرْطِ بَيَانٌ لِكَوْنِهِ لِلنَّدْبِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءَ الشَّرْطِ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِدُونِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي الْحَمْلِ عَلَى النَّدْبِ إعْمَالٌ لَهُ لِأَنَّ النَّدْبِيَّةَ مُعَلَّقَةٌ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ، وَإِنْ فَعَلَ صَحَّ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ مِنْ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الِالْتِزَامِ وَلَا
стр. 4258
وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ إذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ، أَمَّا النَّدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قِيلَ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ لَوْ فَعَلَهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ قَبُولِ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ وَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ كُلِّ الْبَدَلِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» وَقَالَ ﵊ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَا اخْتَرْنَاهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁،
يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ كُلِّ الْبَدَلِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» وَقَالَ ﵊ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَفِيهِ: أَيْ فِي وَقْتِ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃، فَعِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يُعْتَقُ كَمَا أَخَذَ الصَّحِيفَةَ مِنْ مَوْلَاهُ: يَعْنِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ عِنْدَ ذَلِكَ تُكْتَبُ، وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يُعْتَقُ إذَا أَدَّى قِيمَةَ نَفْسِهِ، وَعِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ بِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَيُعْتَقُ إذَا أَدَّى جَمِيعَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ يَقُلْ الْمَوْلَى إذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يَقُلْ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا عَلَى أَنَّك إذَا أَدَّيْته إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ ضَمُّ نَجْمٍ إلَى نَجْمٍ، فَلَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ ضَرَبْت عَلَيْك أَلْفًا عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَيَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا لَمْ يُعْتَقْ، فَكَذَا هَذَا. وَلَنَا أَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ وَمُوجِبُهُ هَاهُنَا ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ الْحَاصِلِ فِي الْحَالِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ فَيَثْبُتُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَمَا
стр. 4259
وَيُعْتَقُ بِأَدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمَوْلَى إذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَلِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ.
فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِكَوْنِهِ مُوجِبَهُ. وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَلِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ حَطُّ رُبُعِ الْبَدَلِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ خَفِيَّةٌ جِدًّا، لِأَنَّهُ قَالَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى أَمْوَالِ الْقُرَبِ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُعْطِيَ الْمُكَاتَبِينَ مِنْ صَدَقَاتِنَا لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْإِيتَاءُ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ، وَالْحَطُّ لَا يُسَمَّى إعْطَاءً، وَالْمَالُ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ هُوَ مَا فِي أَيْدِينَا لَا الْوَصْفُ الثَّابِتُ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِينَ، فَحَمْلُهُ عَلَى حَطِّ رُبُعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَمَلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَوْ سَلَّمَ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّدْبُ كَاَلَّذِي فِي قَوْلِهِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. لَا يُقَالُ: الْقُرْآنُ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقُرْآنَ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ
стр. 4260
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمَالَ حَالًّا وَيَجُوزُ مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ حَالًّا وَلَا بُدَّ مِنْ نَجْمَيْنِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ قَبْلَهُ لِلرِّقِّ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ فَكَانَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ ثَابِتًا، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ. وَلَنَا ظَاهِرُ مَا تَلَوْنَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّنْجِيمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِنَا لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فَيُمْهِلُهُ الْمَوْلَى ظَاهِرًا، بِخِلَافِ السَّلَمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَفِي الْحَالِ كَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ.
الْقُرْآنَ مُوجِبًا بَلْ نَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَنْ قَرِينَةِ غَيْرِ الْوُجُوبِ لِلْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ.
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ الْمَالُ حَالًّا) بَدَلُ الْكِتَابَةِ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ كَوْنُهُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا غَيْرَ مُنَجَّمٍ وَمُنَجَّمًا عِنْدَنَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ نَجْمَيْنِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي قَلِيلٍ مِنْ الزَّمَانِ) لِخُرُوجِهِ مِنْ يَدِ مَوْلَاهُ مُفْلِسًا وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْعَقْدِ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمَالِ، وَالْعَاجِزُ عَنْ التَّسْلِيمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَجَلٍ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَسْلِيمِ الْيَدِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَمَا رَضِيَ بِأَخَسِّ الْبَدَلَيْنِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَجَلٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ قَبْلَ الْعَقْدِ لِكَوْنِهِ حُرًّا فَكَانَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ ثَابِتًا، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ أَثْبَتُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَأْمُورُونَ بِإِعَانَتِهِ، وَالطُّرُقُ مُتَّسِعَةٌ اسْتِدَانَةٌ وَاسْتِقْرَاضٌ وَاسْتِيهَابٌ وَاسْتِعَانَةٌ بِالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَتَثْبُتُ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّنْجِيمِ، (وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ) وَهُوَ يَعْتَمِدُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودُ بِهِ وَوُجُودُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ « ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ»، وَوُجُودُ الْمَعْقُودِ بِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ ابْتِيَاعِ مَنْ لَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ (وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ) وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَكَذَا عَلَى الْبَدَلِ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَوُجُودُهُ شَرْطٌ فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا، وَكَذَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ مُسْتَوْفًى، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَكَرُّمٍ إذْ الْعَبْدُ وَمَا يَمْلِكُهُ لِمَوْلَاهُ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يُمْهِلَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْهِلْهُ وَطَالَبَهُ بِالْأَدَاءِ وَامْتَنَعَ عَنْهُ يُرَدُّ رَقِيقًا بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي (بِخِلَافِ السَّلَمِ فَإِنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ) فَلَيْسَ الْإِمْهَالُ فِيهِ
стр. 4261
قَالَ (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ) لِتَحَقُّقِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، إذْ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالتَّصَرُّفُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ. وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ إذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ غَيْرُهُ لَا يَعْتِقُ وَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إلَيَّ نُجُومًا أَوَّلُ النَّجْمِ كَذَا وَآخِرُهُ كَذَا فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ فَإِنَّ هَذِهِ مُكَاتَبَةٌ) لِأَنَّهُ أَتَى بِتَفْسِيرِ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً فَأَنْتِ حُرٌّ فَهَذِهِ مُكَاتَبَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ. لِأَنَّ التَّنْجِيمَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ.
وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ لَا تَكُونُ مُكَاتَبَةً اعْتِبَارًا بِالتَّعْلِيقِ بِالْأَدَاءِ مَرَّةً.
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ)
ظَاهِرًا، وَيَجُوزُ حَالًّا
(وَكِتَابَةُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ جَائِزَةٌ) لِتَحَقُّقِ الرُّكْنِ مِنْهُ وَهُوَ (الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، إذْ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالتَّصَرُّفِ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ) وَلَا عَجْزَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنَافِعِ (وَخَالَفْنَا الشَّافِعِيَّ فِيهِ، وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْخِلَافُ مِنْهُ (بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ إذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ) فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَصِحُّ الْإِذْنُ لَهُ. وَعِنْدَنَا هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ إذَا عَقَلَ الْعَقْدَ، وَنُقْصَانُ رَأْيِهِ يَنْجَبِرُ بِرَأْيِ الْمَوْلَى وَالتَّصَرُّفُ نَافِعٌ فَيَصِحُّ الْإِذْنُ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ الْعَقْدَ، لِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ وَالْعَقْدُ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِ. حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ غَيْرُهُ لَا يُعْتَقُ وَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَ)
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إلَيَّ نُجُومًا أَوَّلَ نَجْمِ كَذَا وَآخِرَهُ كَذَا فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ) لِبَيَانِ مَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الْكِتَابَةِ بِلَفْظِهَا. فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ الْمَذْكُورَ مُفِيدٌ لِذَلِكَ. فَإِنَّ قَوْلَهُ جَعَلْت عَلَيْك كَذَا عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَيَّ نُجُومًا يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَمَعْنَى الضَّرِيبَةِ. فَالْمَوْلَى يَسْتَأْدِي عَبْدَهُ الضَّرِيبَةَ وَلَا تَتَعَيَّنُ جِهَةُ الْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَقُلْ فَإِذَا أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِحَثِّ الْعَبْدِ عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ عِنْدَ النُّجُومِ، وَالْكِتَابَةُ بِدُونِهِ صَحِيحَةٌ. وَلَوْ قَالَ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً فَأَنْتَ حُرٌّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ هُوَ مُكَاتَبَةٌ لِأَنَّ التَّنْجِيمَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّيْسِيرِ وَذَلِكَ فِي الْمَالِ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ إلَّا بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا إلَّا فِي الْكِتَابَةِ. وَفِي نُسْخَةِ أَبِي حَفْصٍ: قِيلَ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ لَا تَكُونُ مُكَاتَبَةً قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَأَنْتَ حُرٌّ. فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كِتَابَةً، وَالتَّنْجِيمُ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّ الْكِتَابَةِ حَتَّى يُجْعَلَ تَفْسِيرًا لَهَا لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ وَقَدْ تَخْلُو الْكِتَابَةُ عَنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ يَخْتَصُّ بِالْكِتَابَةِ لِيَكُونَ تَفْسِيرًا فَلَا يَكُونُ كِتَابَةً.
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ) وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ
стр. 4262
أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ أَدَاءُ الْبَدَلِ فَيَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ وَإِنْ نَهَاهُ الْمَوْلَى، وَأَمَّا عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِتَنَجُّزِ الْعِتْقِ وَيَتَحَقَّقُ بِتَأَخُّرِهِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ نَوْعُ مَالِكِيَّةٍ وَيَثْبُتُ لَهُ فِي الذِّمَّةِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ (وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَهُ إلَّا مُقَابَلًا بِحُصُولِ الْعِتْقِ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ دُونَهُ.
قَالَ (وَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ لَزِمَهُ الْعُقْرُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إلَى الْمَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى الْبَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ وَإِلَى الْحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ مُلْحَقَةٌ بِالْأَجْزَاءِ وَالْأَعْيَانِ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَتْهُ الْجِنَايَةُ) لِمَا بَيَّنَّا (وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا لَهَا غَرِمَ) لِأَنَّ الْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حَقِّ أَكْسَابِهَا وَنَفْسِهَا، إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ لَأَتْلَفَهُ الْمَوْلَى فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الْغَرَضِ الْمُبْتَغَى بِالْعَقْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بِخُلُوِّهَا عَنْ الْمُفْسِدِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي خَرَجَ الْمُكَاتَبُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ (أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ) لُغَةً (وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ) الْحَاصِلَةَ فِي الْحَالِ (إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ) الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُمَا وَمَالِكِيَّةُ النَّفْسِ فِي الْحَالِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الضَّمُّ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَالِكِيَّةَ النَّفْسِ قَبْلَ الْأَدَاءِ ثَابِتَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْمَوْلَى وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ، وَلَوْ وَطِئَ الْمُكَاتَبَةَ لَزِمَهُ الْعُقْرُ فَيَتَحَقَّقُ الضَّمُّ (أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ أَدَاءُ الْبَدَلِ فَيَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ) طَوِيلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (نَهَاهُ الْمَوْلَى عَنْهُ أَوْ لَا) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمَوْلَى وَهُوَ أَدَاءُ الْبَدَلِ قَدْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالسَّفَرِ (وَأَمَّا عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلِمَا رَوَيْنَا) مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ) كَمَا مَرَّ (وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ) أَيْ الْمُسَاوَاةُ بِاعْتِبَارِ التَّسَاوِي (إنْ تَنَجَّزَ الْعِتْقُ وَيَتَحَقَّقُ إنْ تَأَخَّرَ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا لِلْمُكَاتَبِ نَوْعُ مَالِكِيَّةٍ) وَهُوَ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ (فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ) وَهُوَ أَصْلُ الْبَدَلِ وَإِنَّمَا كَانَ حَقًّا مِنْ وَجْهٍ لِضَعْفِهِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ مَعَ الْمُنَافِي، إذْ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ بِهِ الْكَفَالَةُ وَلَوْ ثَبَتَ الْعِتْقُ نَاجِزًا كَمَا قَالَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى مَا مَرَّ فَاتَتْ الْمُسَاوَاةُ. لَا يُقَالُ: الْمُسَاوَاةُ فَائِتَةٌ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أَيْضًا لِأَنَّ نَوْعَ الْمَالِكِيَّةِ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْحَقُّ الثَّابِتُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ فَأَيْنَ الْمُسَاوَاةُ، لِأَنَّ نَوْعَ مَالِكِيَّتِهِ أَيْضًا ضَعِيفٌ لِبُطْلَانِهِ بِعَوْدِهِ رَقِيقًا (فَإِنْ نَجَّزَ الْمَوْلَى عِتْقَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ) لَا بِالْكِتَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ) فَيَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ مِلْكِهِ (وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِحُصُولِ مَا يُقَابِلُهُ مَجَّانًا (وَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ لَزِمَهُ الْعُقْرُ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إلَى الْمَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى الْبَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ وَإِلَى الْحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا بِنَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ (وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ مُلْحَقَةٌ بِالْأَجْزَاءِ وَالْأَعْيَانِ) قَابَلَهَا الشَّرْعُ بِالْأَعْيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وَأُلْزِمَ الْعُقْرَ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْجَارِيَةِ وَعِنْدَ وَطْئِهَا بِشُبْهَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ لِأَخْذِ الْمَنْفَعَةِ لِيَقْدِرَ بِقَدْرِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِإِيلَاجٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَهُ الْجِنَايَةُ) وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا.
стр. 4263
فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ عَلَى قِيمَةِ نَفْسِهِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يَصْلُحُ بَدَلًا فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مَجْهُولَةٌ قَدْرًا وَجِنْسًا وَوَصْفًا فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ، وَلِأَنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلَى مَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقِيمَةِ. قَالَ (فَإِنْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ،
وَجْهُ تَأْخِيرِ الْفَاسِدَةِ عَنْ الصَّحِيحَةِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ) جَمَعَ هَاهُنَا أُمُورًا يَفْسُدُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ بِهَا ذَكَرَ بَعْضَهَا أَصَالَةً وَبَعْضَهَا اسْتِشْهَادًا. وَإِذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ (عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ) أَوْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ (فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، أَمَّا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّهِ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهُمَا فَكَانَ عَقْدًا بِلَا بَدَلٍ وَهُوَ فَاسِدٌ، وَأَمَّا قِيمَةُ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً لِجَهَالَةِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ وَالْوَصْفِ) وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ وَالدَّابَّةُ.
وَأَمَّا الدَّمُ وَالْمَيْتَةُ فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَلْ أَوْلَى عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ (فَإِنْ أَدَّى الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ عَتَقَ) سَوَاءٌ قَالَ لَهُ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ لَمْ يَقُلْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ (وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ)،
стр. 4264
لِأَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الْقِيمَةُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةً، وَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ مَعْنًى.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْعِتْقُ بِالشَّرْطِ لَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ وَلَا فَصْلَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ، وَمُوجِبُهُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَدَاءِ الْعِوَضِ الْمَشْرُوطِ.
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ (وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ
لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ (هُوَ الْقِيمَةُ) كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ إلَّا بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْخَمْرِ، قِيلَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعَامَّةِ رِوَايَاتِ الْكُتُبِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ صُورَةً، وَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ أَيْضًا) قِيلَ أَيْ بِأَدَاءِ قِيمَةِ نَفْسِهِ (لِأَنَّهُ الْبَدَلُ مَعْنًى) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ، فَعَلَى هَذَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَخُصَّ أَبَا يُوسُفَ وَأَنْ لَا يَذْكُرَ بِكَلِمَةِ عَنْ.
قُلْت: صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْقِيمَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ الْخَمْرِ كَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْعِتْقُ بِوَاسِطَةِ حُصُولِ شَرْطٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِتْقُ وَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَ كِتَابَةً عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ) فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِتَسْلِيمِ عَيْنِهِمَا إلَّا إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ (وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ (أَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ، وَمُوجِبُهُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ الْمَشْرُوطِ، بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ أَصْلًا فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَذَلِكَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَإِذَا عَتَقَ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ،
стр. 4265
وَقَدْ تَعَذَّرَ بِالْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ. قَالَ (وَلَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ هَلَاكِ الْمُبْدَلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ،
وَقَدْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِالْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ، وَ) تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ (لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُسَمَّى وَيُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ عِنْدَ هَلَاكِ الْمُبْدَلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ (لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا رَضِيَ بِالنُّقْصَانِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُسَمَّى أَوْ فِي الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِلْكُهُ فِي مُقَابَلَةِ بَدَلٍ فَلَا يَرْضَى بِالنُّقْصَانِ، لِأَنَّ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى مَا كَانَ فَلَا يَفُوتُ لَهُ شَيْءٌ
(وَالْعَبْدُ رَضِيَ بِالزِّيَادَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْقِيمَةِ أَوْ فِي الْمُسَمَّى (كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا) فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا يَمْتَنِعُ الْمَوْلَى عَنْ الْعَقْدِ فَيَفُوتُ بِهِ إدْرَاكُ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَعَلَّ التَّصَوُّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُسْقِطُ مَا قِيلَ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ عَيْنِ الْخَمْرِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُ حَقِّهِ فِي الْعِتْقِ أَصْلًا بِعَدَمِ الرِّضَا بِالزِّيَادَةِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ
стр. 4266
وَفِيمَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ.
وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْعَقْدِ فِيهِ وَأَثَرُ الْجَهَالَةِ فِي الْفَسَادِ،
الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي بَقَائِهِ (وَفِيمَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَدَلُ، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ مَعْنَى عَقْدِ الْكِتَابَةِ فِي الْقِيمَةِ) لِاسْتِحْقَاقِ الْمُسْلِمِ تَسَلُّمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْقِيمَةَ بِمَاذَا تُعْرَفُ. قِيلَ: تُعْرَفُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّ مَا أَدَّى قِيمَتَهُ فَيَثْبُتُ كَوْنُ الْمُؤَدِّي قِيمَتَهُ بِتَصَادُقِهِمَا لِأَنَّ الْحَقَّ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا فَصَارَ كَضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَإِمَّا بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، فَإِنْ اتَّفَقَ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ جُعِلَ ذَلِكَ قِيمَةً لَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ أَقْصَى الْقِيمَتَيْنِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِيَقِينٍ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ الْبُطْلَانُ وَلَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَأَثَرُ الْجَهَالَةِ فِي الْفَسَادِ) أَيْ لَا فِي الْبُطْلَانِ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ لَا تُبْطِلُهُ فَإِنْ قِيلَ: الْكِتَابَةُ عَلَى ثَوْبٍ كَالْكِتَابَةِ
стр. 4267
بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ حَيْثُ لَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ فِيهِ عَلَى مُرَادِ الْعَاقِدِ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثَّوْبِ فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِدُونِ إرَادَتِهِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ كَمَا عَتَقَ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ حَيْثُ لَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ ثَوْبٍ) وَتَقْرِيرُهُ: الثَّوْبُ عِوَضٌ وَالْعِوَضُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَيِّنُ مُرَادًا، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ فَلَا يُعْتَقُ بِدُونِ إرَادَتِهِ، بِخِلَافِ الْقِيمَةِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مُرَادِهِ بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ. فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ أَدَّى الْقِيمَةَ فِيمَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى ثَوْبٍ يُعْتَقُ أَوْ لَا؟ قُلْت: ذُكِرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمُسَمَّى مَتَى كَانَ مَجْهُولَ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَلَا تَنْعَقِدُ هَذِهِ الْكِتَابَةُ أَصْلًا عَلَى الْمُسَمَّى وَلَا عَلَى الْقِيمَةِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ) إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ لِغَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ كَالْفَرَسِ وَالْعَبْدِ أَوْ لَا كَالنُّقُودِ، فَإِنَّهُ تَعَيَّنَ فَإِمَّا أَنْ يُجِيزَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ فَإِمَّا أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُكَاتَبُ بِسَبَبٍ وَأَدَّاهُ إلَى الْمَوْلَى أَوْ لَا، فَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالتَّعْيِينِ كَمَا لَوْ قَالَ كَاتَبْتُك عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ مِنْ الدَّرَاهِمِ
стр. 4268
وَمُرَادُهُ شَيْءٍ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، حَتَّى لَوْ قَالَ كَاتَبْتُك عَلَى هَذِهِ الْأَلْفِ الدَّرَاهِمِ وَهِيَ لِغَيْرِهِ جَازَ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ فَيَتَعَلَّقُ بِدَرَاهِمِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ، حَتَّى إذَا مَلَكَهُ وَسَلَّمَهُ يُعْتَقُ، وَإِنْ عَجَزَ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ وَالْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ مَوْهُومٌ فَأَشْبَهَ الصَّدَاقَ. قُلْنَا: إنَّ الْعَيْنَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَعَلَى مَا هُوَ تَابِعٌ فِيهِ أَوْلَى.
فَلَوْ أَجَازَ صَاحِبُ الْعَيْنِ ذَلِكَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِحَالِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ مِلْكَ الْمَكَاسِبِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ مِنْهَا
وَلَا حَاجَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ عَيْنًا مُعَيَّنًا، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهِ
وَهِيَ لِغَيْرِهِ جَازَ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ فَتُعَلَّقُ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ، حَتَّى إذَا مَلَكَهُ وَسَلَّمَهُ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ يُرَدُّ رَقِيقًا لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَالٌ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ مَوْهُومٌ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُجِزْ الْمَالِكُ رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَوْ فَسَدَتْ لَرَجَعَتْ بِهِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِوَضُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَيْنَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ شَرْطُ الصِّحَّةِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَمَا فِي الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِبَدَلِ الْكِتَابَةِ حُكْمَ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ مَبْنَى جَوَازِ الْكِتَابَةِ الْحَالَةِ وَالثَّمَنُ مَعْقُودٌ بِهِ لَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ شَرْطًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ النُّقُودِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْعَيْنِ فَيَصِيرُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَايَضَةِ فَيَصِيرُ لِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمَبِيعِ فَيُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَأَشْبَهَ الصَّدَاقَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: مَنَافِعُ الْبُضْعِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ نِكَاحِ الرَّضِيعَةِ، فَعَلَى مَا هُوَ تَابِعٌ وَهُوَ الصَّدَاقُ أَوْلَى. وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ وَتَخَلُّصِهِ مَعْلُومٌ (وَإِنْ أَجَازَ صَاحِبُ الْعَيْنِ ذَلِكَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَجُوزُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمَالِ الْغَيْرِ فَأَجَازَ صَاحِبُ الْمَالِ جَازَ فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى، مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ)، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَصَارَ صَاحِبُ الْمَالِ مُقْرِضًا الْمَالَ مِنْ الْعَبْدِ فَتَصِيرُ الْعَيْنُ مِنْ أَكْسَابِهِ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِحَالِ عَدَمِ الْإِجَازَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَشَارَ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ (وَالْجَامِعُ) بَيْنَ مَا أَجَازَهُ الْمَالِكُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُجِزْهُ (أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ) فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (لَا يُفِيدُ مِلْكَ الْمَكَاسِبِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ) أَيْ مِلْكَ الْمَكَاسِبِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لِأَنَّهَا أَيْ الْمَكَاسِبَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ (يَثْبُتُ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ مِنْهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَدَاءِ مِنْهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ عَيْنًا مُعَيَّنَةً لِغَيْرِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهِ) أَيْ
стр. 4269
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجُزْ، غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِهِ مَالًا، وَلَوْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ ذَلِكَ الْعَيْنَ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا أَدَّاهُ لَا يُعْتَقُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ إلَّا إذَا قَالَ لَهُ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَهَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ مَعَ الْفَسَادِ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا فَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْمَشْرُوطِ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنٍ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ) فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ، وَيُقَسَّمُ الْمِائَةُ الدِّينَارِ عَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ وَعَلَى قِيمَةِ عَبْدٍ وَسَطٍ فَيَبْطُلُ مِنْهَا حِصَّةُ الْعَبْدِ فَيَكُونُ مُكَاتَبًا بِمَا بَقِيَ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُطْلَقَ يَصْلُحُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ، فَكَذَا يَصْلُحُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي أَبْدَالِ الْعُقُودِ.
وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى الْعَبْدُ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى قِيمَتُهُ وَالْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا فَكَذَلِكَ مُسْتَثْنًى.
فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي ذَلِكَ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) أَنَّ مُرَادَهُ شَيْءٌ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَجَازَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُجِزْ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا أَجَازَ وَجَبَ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ، وَإِذَا لَمْ يُجِزْ وَجَبَ تَسْلِيمُ قِيمَتِهِ كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَالْجَامِعُ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ لِيَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَكِنْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ الْعَيْنَ) بِسَبَبٍ وَأَدَّاهُ (فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (إلَّا إذَا قَالَ لَهُ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَقُ قَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ مَعَ الْفَسَادِ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى مَالًا فَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْمَشْرُوطِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنٍ) مُعَيَّنٍ (فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ) سِوَى النُّقُودِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الشِّرْبِ يَجُوزُ، وَفِي رِوَايَةِ آخِرِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ لَا يَجُوزُ (وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ) وَهِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِهِ (وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى) وَلَمْ نَذْكُرْهُ هَاهُنَا لِطُولِهِ. وَذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ فَقَالَ: وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ مَقْدُورِ التَّسْلِيمِ فَيَجُوزُ.
وَوَجْهُ عَدَمِهِ أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ حَالَ الْكِتَابَةِ مِلْكُ الْمَوْلَى فَصَارَ كَمَا إذَا كَاتَبَهُ عَلَى عَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا سِوَى النُّقُودِ لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي يَدِ الْعَبْدِ بِأَنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَاكْتَسَبَ جَازَتْ الْكِتَابَةُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهَا كَالْكِتَابَةِ عَلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةً وَهِيَ جَائِزَةٌ
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ إلَخْ) وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ عَبْدًا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 4270
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ) مَعْنَاهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْجِنْسَ وَلَا يُبَيِّنَ النَّوْعَ وَالصِّفَةَ (وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْقِيمَةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْجِنْسَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ دَابَّةٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً فَتُتَفَاحَشُ الْجَهَالَةُ، وَإِذَا بَيَّنَ الْجِنْسَ كَالْعَبْدِ وَالْوَصِيفِ فَالْجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الْكِتَابَةِ فَتُعْتَبَرُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ بِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فِيهِ.
وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جَائِزَةٌ، وَتُقْسَمُ الْمِائَةُ دِينَارٍ عَلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ وَقِيمَةُ عَبْدٍ وَسَطٍ، وَيَبْطُلُ مِنْهَا حِصَّةُ الْعَبْدِ وَيَكُونُ مُكَاتَبًا بِمَا بَقِيَ، لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُطْلَقَ يَصْلُحُ بَدَلًا لِلْكِتَابَةِ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَكُلُّ مَا صَلُحَ بَدَلًا صَلُحَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْبَدَلِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي أَبْدَالِ الْعُقُودِ. وَقَالَا بِالْمُوجِبِ: أَيْ هَذَا الْأَصْلُ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ فِيمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاسْتِثْنَاءُ الْعَبْدِ عَيْنَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ وَهِيَ لَا تَصْلُحُ بَدَلًا لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ وَالْقَدْرُ وَالْوَصْفُ.
(وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ وَبَيَّنَ جِنْسَهُ) كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ (وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّوْعَ) أَنَّهُ تُرْكِيٌّ أَوْ هِنْدِيٌّ (وَلَا الْوَصْفَ) أَنَّهُ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ (جَازَتْ وَيَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ) مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ. وَقَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبْدِ بِمَا قِيمَتُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَقَالَا: هُوَ عَلَى قَدْرِ غَلَاءِ السِّعْرِ وَرُخْصِهِ، وَلَا يُنْظَرُ فِي قِيمَةِ الْوَسَطِ إلَى قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عَقْدُ إرْفَاقٍ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَجْهُولِ إذَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الْوَسَطِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ، وَالْوَسَطُ فِيهِ نَظَرٌ لِلْجَانِبَيْنِ (وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي مَعْنَى الْأَدَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ لِأَنَّهَا أَصْلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْبَدَلَ يُعْرَفُ بِهَا (وَقَدْ مَرَّ فِي النِّكَاحِ) فَصَارَ كَأَنَّهُ أَتَى بِعَيْنِ الْمُسَمَّى (وَإِنَّمَا صَحَّ الْعَقْدُ مَعَ الْجَهَالَةِ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ، وَمِثْلُهَا يُتَحَمَّلُ فِي الْكِتَابَةِ) لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ (فَتُعْتَبَرُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ لِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فِيهِ) حَتَّى لَوْ قَالَ: كَاتَبْتُك إلَى الْحَصَادِ أَوْ الدِّيَاسِ أَوْ الْقِطَافِ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَجَازَ الْكِتَابَةَ عَلَى
стр. 4271
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَلَنَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ أَوْ بِمَالٍ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ) مَعْنَاهُ إذَا كَانَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا وَالْعَبْدُ كَافِرًا لِأَنَّهَا مَالٌ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِّ فِي حَقِّنَا (وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْخَمْرِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلَّكَهَا، وَفِي التَّسْلِيمِ ذَلِكَ إذْ الْخَمْرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَعْجَزُ عَنْ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَايَعَ الذِّمِّيَّانِ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا حَيْثُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَعْضُ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَصْلُحُ بَدَلًا فِي الْكِتَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَاتِب عَلَى وَصِيفٍ وَأَتَى بِالْقِيمَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ، فَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَنْعَقِدُ
الْوُصَفَاءِ وَهُوَ جَمْعُ وَصِيفٍ وَهُوَ الْعَبْدُ لِلْخِدْمَةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ) فِي أَنَّ تَسْمِيَةَ الْبَدَلِ شَرْطٌ فِيهَا كَمَا هِيَ شَرْطٌ فِيهِ، وَالْبَيْعُ مَعَ الْبَدَلِ الْمَجْهُولِ أَوْ الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَا الْكِتَابَةُ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ قِيَاسَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْبَيْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَاؤُهَا أَوْ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاءُ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ، وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ فَكِّ الْحَجْرِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الِانْتِهَاءِ مُعَاوَضَةَ مَالٍ بِمَالٍ وَهُوَ الرَّقَبَةُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَفِي أَنَّ مَبْنَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ كَافٍ فِي إلْحَاقِهَا بِالنِّكَاحِ. وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ زِيَادَةُ اسْتِظْهَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ جِنْسَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ دَابَّةٌ أَوْ ثَوْبٌ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ أَجْنَاسًا، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِلْأَجْنَاسِ لَوْ مَنَعَ الْجَوَازَ لَمَا جَازَتْ فِيمَا إذَا كَاتَبَ عَلَى عَبْدٍ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ التَّوْكِيلَ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّفْظَ إنْ شَمِلَ أَجْنَاسًا عَالِيَةً كَالدَّابَّةِ مَثَلًا أَوْ مُتَوَسِّطَةً كَالْمَرْكُوبِ مَنَعَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا فِي الْوَكَالَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ شَمَلَ أَجْنَاسًا سَافِلَةً كَالْعَبْدِ مَنَعَهُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ كَالْبَيْعِ وَالْوَكَالَةِ لَا فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالنِّكَاحِ.
قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ إلَخْ) وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ الْكَافِرَ عَلَى مِقْدَارٍ مِنْ الْخَمْرِ جَازَ،
стр. 4272
صَحِيحًا عَلَى الْقِيمَةِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ (وَإِذَا قَبَضَهَا عَتَقَ) لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ.
فَإِذَا وَصَلَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ إلَى الْمَوْلَى سَلَّمَ الْعِوَضَ الْآخَرَ لِلْعَبْدِ وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا حَيْثُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْخَمْرِ، وَلَوْ أَدَّاهَا عَتَقَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لِأَنَّ الْخَمْرَ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا، وَأَيُّهُمَا أُسْلِمَ فَلِلْمَوْلَى قِيمَةُ الْخَمْرِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا. وَفِي التَّسْلِيمِ تَمْلِيكُ الْخَمْرِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْخَمْرَ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ بَلْ بِالتَّسْلِيمِ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَالتَّسْلِيمُ نَقْلٌ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ، وَالْمُسْلِمُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ نَقْلِ الْيَدِ. كَمَا إذَا غَصَبَ الْمُسْلِمُ مِنْ الذِّمِّيِّ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِرْدَادِ خَمْرِهِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ. وَإِذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّسْلِيمِ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَايَعَ الذِّمِّيَّانِ خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا حَيْثُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَعْضُ، لِأَنَّ الْعَجْزَ كَمَا وَقَعَ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى وَقَعَ عَنْ قِيمَتِهِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُسَمَّى لَا تَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ بِحَالٍ فَفَسَدَ وَتَصْلُحُ فِي الْكِتَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَاتَبَ عَلَى وَصِيفٍ: أَيْ عَبْدٍ لِلْخِدْمَةِ وَأَتَى بِالْقِيمَةِ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَعْضُ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْبَيْعِ كَالْجَوَابِ فِي الْكِتَابَةِ مَعْنًى. وَالرِّوَايَةُ فِي الْكِتَابَةِ رِوَايَةٌ فِي الْبَيْعِ. قَالَ (وَإِذَا قَبَضَ الْمَوْلَى قِيمَةَ الْخَمْرِ عَتَقَ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَإِذَا وَصَلَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ إلَى الْمَوْلَى سَلَّمَ الْعِوَضَ الْآخَرَ لِلْعَبْدِ وَذَلِكَ بِالْعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا حَيْثُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْخَمْرِ، وَلَوْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ لِمَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ) أَنَّهُ إذَا أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُعْتَقُ. وَهَذَا لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ تَضْمَنُ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا وُجِدَ الْبَدَلُ وَقَعَ الْعِتْقُ. وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْخَمْرَ لَا يُعْتَقُ فَكَانَ فِي الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ رِوَايَتَانِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى إحْدَاهُمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ فَأَدَّاهَا إلَى مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْقَلَبَتْ الْكِتَابَةُ إلَى قِيمَةِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَبْقَ الْخَمْرُ بَدَلَ هَذَا الْعَقْدِ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ صَحِيحًا عَلَى الْخَمْرِ ابْتِدَاءً وَبَقِيَ عَلَى الْقِيمَةِ صَحِيحًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ صَحِيحًا وَالْخَمْرُ بَدَلٌ فِيهِ، فَبَقَاؤُهُ صَحِيحًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يَبْقَ بَدَلًا فَلَا يُعْتَقُ. وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُسْلِمِ وَقَعَ الْعَقْدُ فَاسِدًا بِسَبَبِ كَوْنِ الْخَمْرِ بَدَلًا وَبَقِيَ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهَا عَنْ الْبَدَلِيَّةِ، وَإِذَا بَقِيَ بَدَلًا عَتَقَ بِأَدَائِهَا.
стр. 4273
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ) لِأَنَّ مُوجَبَ الْكِتَابَةِ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا يَدًا، وَذَلِكَ بِمَالِكِيَّةِ التَّصَرُّفِ مُسْتَبِدًّا بِهِ تَصَرُّفًا يُوَصِّلُهُ إلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ نَيْلُ الْحُرِّيَّةِ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَكَذَا السَّفَرُ لِأَنَّ التِّجَارَةَ رُبَّمَا لَا تَتَّفِقُ فِي الْحَضَرِ فَتَحْتَاجُ إلَى الْمُسَافَرَةِ، وَيَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْمُحَابَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ
بَابُ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ:
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ، فَإِنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ يُبْتَنَى عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ. قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالسَّفَرُ) قَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ قَالَ:
стр. 4274
قَدْ يُحَابِي فِي صَفْقَةٍ لِيَرْبَحَ فِي أُخْرَى.
قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِبْدَادِ وَثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فَبَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَبِمِثْلِهِ لَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ، وَهَذَا
وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَأَنَّهُ أَعَادَهَا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ
(فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ اسْتِحْسَانًا) فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ بِبَيَانِهِ ثَمَّةَ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى عَقْدِ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِبْدَادِ وَثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ) بِنَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالتَّقْيِيدِ بِمَكَانٍ يُنَافِيهِ، وَالشَّرْطُ الْمُخَالِفُ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ بَاطِلٌ فَهَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَصَحَّ الْعَقْدُ) يَعْنِي أَنَّ الشَّرْطَ الْبَاطِلَ إنَّمَا يُبْطِلُ الْكِتَابَةَ إذَا تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ كَمَا إذَا قَالَ كَاتَبْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي مُدَّةً أَوْ زَمَانًا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ لَا شَرْطَ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا فِيمَا يُقَابِلُهُ فَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْكِتَابَةُ، وَهَذَا) أَيْ هَذَا التَّفْصِيلُ
стр. 4275
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْبَيْعَ وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ فَأَلْحَقْنَاهُ بِالْبَيْعِ فِي شَرْطٍ تَمَكَّنَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، كَمَا إذَا شَرَطَ خِدْمَةً مَجْهُولَةً لِأَنَّهُ فِي الْبَدَلِ وَبِالنِّكَاحِ فِي شَرْطٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ. أَوْ نَقُولُ: إنَّ الْكِتَابَةَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ، وَهَذَا الشَّرْطُ يَخُصُّ الْعَبْدَ فَاعْتُبِرَ إعْتَاقًا فِي حَقِّ هَذَا الشَّرْطِ، وَالْإِعْتَاقُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
قَالَ (وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى)
لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْبَيْعَ) مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ وَعَدَمُ صِحَّتِهِمَا بِلَا بَدَلٍ وَاحْتِمَالُهُمَا الْفَسْخَ قَبْلَ الْأَدَاءِ (وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ فَعَمِلْنَا فِيهِ بِالشَّبَهَيْنِ فَقُلْنَا بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ عَمَلًا بِشَبَهِ النِّكَاحِ وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ إذَا تَمَكَّنَ فِي صُلْبِهِ عَمَلًا بِشَبَهِ الْبَيْعِ (أَوْ نَقُولُ: إنَّ الْكِتَابَةَ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ) لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إلَى أَحَدٍ، وَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُكَاتَبِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ، وَكُلُّ شَرْطٍ يَخْتَصُّ بِجَانِبِ الْعَبْدِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِعْتَاقِ لِدُخُولِهِ فِي الْكِتَابَةِ وَهِيَ إعْتَاقٌ (وَهَذَا الشَّرْطُ يَخْتَصُّ بِهِ) فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِعْتَاقِ (وَالْإِعْتَاقُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ)
следующие страницы →