Полный текст (5 149 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ، إنْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، فَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ) وَكَذَا عَلَى هَذَا الدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، لِأَنَّ تَنَاوُلَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ لِقِيَامِ الْمُحَرَّمِ فِيمَا وَرَاءَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ إلَّا إذَا خَافَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى الْعُضْوِ، حَتَّى لَوْ خِيفَ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ (وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا تُوُعِّدَ بِهِ، فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى أَوْقَعُوا بِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ آثِمٌ)
وَهُوَ الْإِكْرَاهُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ الْيَسِيرِ وَالتَّقْيِيدِ، وَالْأَوَّلُ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا سَوَاءً كَانَ عَلَى الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي إنْ كَانَ عَلَى فِعْلٍ يَسِيرٍ فَلَيْسَ مُعْتَبَرًا وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمُكْرَهَ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلٍ فَإِنْ كَانَ قَوْلًا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَدُّ وَالْهَزْلُ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فَعَلَى هَذَا (إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ) يَسِيرٍ لَا يَخَافُ مِنْهُ تَلَفَ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ (أَوْ قَيْدٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ) الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ (وَإِنْ أُكْرِهَ بِمَا يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَسِعَهُ أَنْ يُقْدِمَ، وَعَلَى هَذَا الدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ تَنَاوُلَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ لِقِيَامِ الْمُحَرَّمِ فِيمَا وَرَاءَهَا، وَلَا ضَرُورَةَ) عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ (حَتَّى لَوْ خَافَ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرْبِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَصِيرَ عَلَى مَا تُوُعِّدَ بِهِ) وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُلْجِئَ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ لِغَلَّةِ الظَّنِّ، لِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ فِي احْتِمَالِ الضَّرْبِ مُتَفَاوِتٌ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ نَصٌّ مُقَدَّرٌ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ غَالِبُ رَأْيِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَنْ قَدَرَ فِي ذَلِكَ أَدْنَى الْحَدِّ وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَقَالَ: إنْ تُهُدِّدَ بِأَقَلَّ مِنْهَا لَمْ يَسَعْهُ الْإِقْدَامُ، لِأَنَّ الْأَقَلَّ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ، وَالتَّعْزِيرُ يُقَامُ عَلَى وَجْهِ الزَّجْرِ لَا الْإِتْلَافِ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَصْبُ الْمِقْدَارِ بِالرَّأْيِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ
(فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى أَوْقَعُوا بِهِ) أَيْ قَتَلُوهُ أَوْ أَتْلَفُوا عُضْوَهُ (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ) وَعَلِمَ بِالْإِبَاحَةِ (فَهُوَ آثِمٌ
стр. 4342
لِأَنَّهُ لَمَّا أُبِيحَ كَانَ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ مُعَاوِنًا لِغَيْرِهِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ فَيَأْثَمُ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ إذْ الْحُرْمَةُ قَائِمَةٌ فَكَانَ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ. قُلْنَا: حَالَةُ الِاضْطِرَارِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا فَلَا مُحَرَّمَ فَكَانَ إبَاحَةً لَا رُخْصَةً إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا عَلِمَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الْحُرْمَةِ خَفَاءٌ فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ فِيهِ كَالْجَهْلِ بِالْخِطَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. .
قَالَ (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَوْ سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَيْدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إكْرَاهًا حَتَّى يُكْرَهَ بِأَمْرٍ
لِأَنَّهُ لَمَّا أُبِيحَ) مِنْ حَيْثُ إنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ خَلَلٍ يَعُودُ إلَى الْبَدَنِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْعُضْوِ وَحِفْظُ ذَلِكَ مَعَ فَوَاتِ النَّفْسِ غَيْرُ مُمْكِنٍ (كَانَ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْإِقْدَامِ مُعَاوِنًا لِغَيْرِهِ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ فَيَأْثَمُ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ رُخْصَةٌ، إذْ الْحُرْمَةُ) بِصِفَةِ أَنَّهَا مَيْتَةٌ أَوْ خَمْرٌ وَهِيَ (قَائِمَةٌ فَ) إذَا امْتَنَعَ (كَانَ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ فَلَا يَأْثَمُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُرْمَةَ قَائِمَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَالَةَ الِاضْطِرَارِ) فَقَالَ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (وَالِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا) فَكَانَ لِبَيَانِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ (فَلَا مُحَرَّمَ) حِينَئِذٍ (فَكَانَ إبَاحَةً لَا رُخْصَةً) فَامْتِنَاعُهُ مِنْ التَّنَاوُلِ كَامْتِنَاعِهِ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْحَلَالِ حَتَّى تَلِفَتْ نَفْسُهُ أَوْ عُضْوُهُ فَكَانَ آثِمًا (لَكِنَّهُ إنَّمَا يَأْثَمُ إذَا عَلِمَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الْحُرْمَةِ خَفَاءً) لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ الْفُقَهَاءِ (فَيُعْذَرُ) أَوْسَاطُ النَّاسِ (بِالْجَهْلِ فِيهِ كَالْجَهْلِ بِالْخِطَابِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ) فَإِنْ قِيلَ: إضَافَةُ الْإِثْمِ إلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ مِنْ بَابِ فَسَادِ الْوَضْعِ وَهُوَ فَاسِدٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالْإِيتَانُ بِهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ، وَهَاهُنَا قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ فَصَارَ التَّرْكُ حَرَامًا لِأَنَّ مَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.
قَالَ (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إلَخْ) عَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا فِي تَنَاوُلِ
стр. 4343
يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لِمَا مَرَّ، فَفِي الْكُفْرِ وَحُرْمَتُهُ أَشَدُّ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ (وَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ وَسِعَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَمَرُوهُ بِهِ وَيُوَرِّي، فَإِنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ حَيْثُ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊ «كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَك؟ قَالَ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، فَقَالَ ﵊: فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾» الْآيَةَ
الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْكُفْرِ أَشَدُّ، فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى ذَكَرَهُ بِمَا لَا يَخَافُ بِهِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ لَا يَصِحُّ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَافَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَمَرُوهُ بِهِ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، لَكِنَّهُ يُوَرِّي وَالتَّوْرِيَةُ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَإِنْ أَظْهَرَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوَرِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَأْثَمْ لِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ حَيْثُ اُبْتُلِيَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَيْفَ وَجَدْت قَلْبَك؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ. قَالَ: فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ». وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ " وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ " فَعُدْ " عُدْ إلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ لَا إلَى الْإِجْرَاءِ وَالطُّمَأْنِينَةِ جَمِيعًا، لِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ فَيَكُونُ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مُبَاحًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ
стр. 4344
وَلِأَنَّ بِهَذَا الْإِظْهَارِ لَا يَفُوتُ الْإِيمَانُ حَقِيقَةً لِقِيَامِ التَّصْدِيقِ، وَفِي الِامْتِنَاعِ فَوْتُ النَّفْسِ حَقِيقَةً فَيَسَعُهُ الْمَيْلُ إلَيْهِ. قَالَ (فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُظْهِرْ الْكُفْرَ كَانَ مَأْجُورًا) لِأَنَّ «خُبَيْبًا ﵁ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صُلِبَ وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ فِي مِثْلِهِ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَالِامْتِنَاعُ لِإِعْزَازِ الدِّينِ عَزِيمَةٌ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِلِاسْتِثْنَاءِ. .
لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا تَنْكَشِفُ حُرْمَتُهُ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ بِهَذَا الْإِظْهَارِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ (لَا يَفُوتُ بِهَذَا الْإِظْهَارِ حَقِيقَةً) لِأَنَّ الرُّكْنَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ هُوَ التَّصْدِيقُ وَهُوَ قَائِمٌ حَقِيقَةً، وَالْإِقْرَارُ رُكْنٌ زَائِدٌ وَهُوَ قَائِمٌ تَقْدِيرًا لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ (وَفِي الِامْتِنَاعِ فَوْتُ النَّفْسِ حَقِيقَةً) فَكَانَ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ فَوْتُ حَقِّ الْعَبْدِ يَقِينًا وَفَوْتُ حَقِّ اللَّهِ تَوَهُّمًا (فَيَسَعُهُ الْمَيْلُ إلَى إحْيَاءِ حَقِّهِ، فَإِنْ صَبَرَ وَلَمْ يُظْهِرْ الْكُفْرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا، لِأَنَّ خُبَيْبًا ﵁ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صُلِبَ، وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ، وَقَالَ فِي مِثْلِهِ) أَيْ فِيهِ وَكَلِمَةُ مِثْلِ زَائِدٌ (هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ) وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ أَيْضًا (وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ) لِتَنَاهِي قُبْحِ الْكُفْرِ وَبَقَاؤُهَا يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ (فَكَانَ الِامْتِنَاعُ عَزِيمَةً لِإِعْزَازِ الدِّينِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ الْحُرْمَةَ هُنَاكَ لَمْ تَكُنْ بَاقِيَةً (لِلِاسْتِثْنَاءِ) كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ إجْرَاءَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْضًا مُسْتَثْنًى بِقَوْلِهِ ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ مِنْ قَوْلِهِ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَتَقْدِيرُهُ: مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ وَشَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، فَاَللَّهُ تَعَالَى مَا أَبَاحَ إجْرَاءَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِمْ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا
стр. 4345
قَالَ (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَسِعَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ) لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ يُسْتَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ (وَلِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرِهَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ)
وَضَعَ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَالْغَضَبَ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ نَفْيِ الْغَصْبِ وَهُوَ حُكْمُ الْحُرْمَةِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ عَدَمِ الْحُكْمِ عَدَمُ الْعِلَّةِ كَمَا فِي شُهُودِ الشَّهْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فَإِنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ وَالْحُكْمَ مُتَأَخِّرٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ مُنْتَفِيًا مَعَ قِيَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغَضَبِ وَهِيَ الْحُرْمَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ إبَاحَةُ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُصْطَلَحُ فَذَاكَ مُمْتَنِعُ التَّخَلُّفِ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ مَعْلُولُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا السَّبَبَ الشَّرْعِيَّ كَمَا مَثَّلَ بِهِ فَإِنَّمَا يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنْهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَلَا دَلِيلَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» لِلْإِبَاحَةِ، وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِمَّا لَا يَنْكَشِفُ حُرْمَتُهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ مُكْرَهًا لَا فِي الْكُفْرِ.
قَالَ (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ) وَإِنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلَى إتْلَافِ مَالِ مُسْلِمٍ (بِأَمْرٍ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ يُسْتَبَاحُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْرَهَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ
стр. 4346
آلَةً لَهُ وَالْإِتْلَافُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِقَتْلِهِ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ وَيَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ آثِمًا) لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةٍ مَا فَكَذَا بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ. .
قَالَ (وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا. لِزُفَرَ أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ الْمُكْرَهِ حَقِيقَةً وَحِسًّا، وَقَرَّرَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِثْمُ، بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ وَهُوَ الْإِثْمُ فَأُضِيفَ إلَى غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَمَسَّكُ الشَّافِعِيُّ فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ، وَيُوجِبُهُ عَلَى الْمُكْرِهِ أَيْضًا لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ إلَى الْقَتْلِ مِنْهُ، وَلِلتَّسْبِيبِ فِي هَذَا حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَهُ كَمَا فِي شُهُودِ الْقِصَاصِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَتْلَ بَقِيَ مَقْصُورًا عَلَى الْمُكْرَهِ مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى التَّأْثِيمِ، وَأُضِيفَ إلَى الْمُكْرِهِ مِنْ وَجْهٍ نَظَرًا إلَى الْحَمْلِ فَدَخَلَتْ الشُّبْهَةُ فِي كُلِّ جَانِبٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَتْلِ بِطَبْعِهِ إيثَارًا لِحَيَاتِهِ فَيَصِيرُ آلَةً لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ وَهُوَ الْقَتْلُ بِأَنْ يُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَلَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى دِينِهِ فَيَبْقَى الْفِعْلُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْإِثْمِ كَمَا نَقُولُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ
آلَةً لَهُ، وَالْإِتْلَافُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) لِأَنَّ الْمُكْرِهَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُكْرَهَ وَيُلْقِيَهُ عَلَى الْمَالِ فَيُتْلِفَهُ. وَقَوْلُهُ فِيمَا يَصْلُحُ احْتِرَازٌ عَنْ الْأَكْلِ وَالتَّكَلُّمِ وَالْوَطْءِ فَإِنَّهُ فِيهَا لَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِقَتْلِهِ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يُقْتَلَ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ آثِمًا لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ) بِغَيْرِ حَقٍّ (مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ لِضَرُورَةِ مَا فَكَذَا بِالْإِكْرَاهِ) وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ إمَّا إنْ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ جَمِيعًا، أَوْ لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَحْدَهُ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالرَّابِعُ قَوْلُ زُفَرَ ﵀. لَهُ أَنَّ الْفِعْلَ مِنْ الْمُكْرَهِ حَقِيقَةٌ لِصُدُورِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَحِسًّا فَإِنَّهُ مُعَايَنٌ مُشَاهَدٌ، وَكَذَا شَرْعًا لِأَنَّهُ قَرَّرَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ وَهُوَ الْإِثْمُ، فَإِيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ، بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ وَهُوَ الْإِثْمُ فَلَمْ يَكُنْ مُقَرَّرًا عَلَيْهِ شَرْعًا فَجَازَ إضَافَتُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَتَمَسَّكُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي جَانِبِ الْمُكْرَهِ وَيُوجِبُهُ عَلَى الْمُكْرِهِ أَيْضًا لِوُجُودِ التَّسْبِيبِ إلَى الْقَتْلِ مِنْهُ، وَلِلتَّسَبُّبِ فِي هَذَا: أَيْ فِي الْقَتْلِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَهُ، كَمَا إذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ فَاقْتُصَّ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَجَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الشَّاهِدَانِ عِنْدَهُ لِلتَّسْبِيبِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ، لِأَنَّ دَلِيلَ زُفَرَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إضَافَةِ الْقَتْلِ إلَى غَيْرِ الْمُكْرِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ ذَلِكَ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ يُضِيفُهُ إلَى غَيْرِهِ أَيْضًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ دَلِيلَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ الْمُكْرِهِ مُبَاشَرَةً، وَالشَّافِعِيُّ يُضِيفُهُ إلَى الْغَيْرِ تَسْبِيبًا فَلَا تَنَافِيَ. وَلِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ الْقَتْلَ الْحَاصِلَ مِنْ الْمُكْرَهِ يَحْتَمِلُ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ وَالتَّعَدِّيَ إلَى غَيْرِهِ نَظَرًا إلَى دَلِيلِ زُفَرَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ﵃، لِأَنَّ تَأْثِيمَ الشَّارِعِ يَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِ الْحُكْمِ وَقَصْرِهِ عَلَيْهِ، وَكَوْنُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَالْآلَةِ وَالْفِعْلُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ شُبْهَةً وَالْقِصَاصُ يَنْدَفِعُ بِهَا.
وَلَهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَتْلِ بِطَبْعِهِ إيثَارًا لِحَيَاتِهِ، وَالْمَحْمُولُ عَلَى الْفِعْلِ بِالطَّبْعِ آلَةٌ لِأَنَّ الْآلَةَ هِيَ الَّتِي تَعْمَلُ بِالطَّبْعِ، كَالسَّيْفِ فَإِنَّ طَبْعَهُ الْقَطْعُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ فِي مَحَلِّهِ فَيَصِيرُ آلَةً لِلْمُكْرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ وَهُوَ الْقَتْلُ بِأَنْ يُلْقِيَهُ عَلَيْهِ، وَالْفِعْلُ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ لَا إلَى الْآلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ آلَةً لَأُضِيفَ الْإِثْمُ إلَى الْمُكْرَهِ كَالْقَتْلِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى دِيَتِهِ فَيَبْقَى الْفِعْلُ فِي حَقِّ الْإِثْمِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ كَمَا نَقُولُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ) فَإِنَّ إعْتَاقَهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُكْرِهِ مِنْ
стр. 4347
وَفِي إكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ عَلَى ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ يَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرَهِ فِي الْإِتْلَافِ دُونَ الذَّكَاةِ حَتَّى يَحْرُمَ كَذَا هَذَا.
قَالَ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ وَقَعَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ (وَيَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَكْرَهَهُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ صَلَحَ آلَةً لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ فَيُضَافُ إلَيْهِ
حَيْثُ إتْلَافُ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّكَلُّمُ، فَإِنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّكَلُّمُ أَيْضًا لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ (وَ) كَمَا نَقُولُ (فِي إكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ عَلَى ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُكْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ دُونَ الذَّكَاةِ حَتَّى يَحْرُمَ كَذَا هَذَا) وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ فِي الْقَتْلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ مَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ فَقَتَلَ إنْسَانًا وَأَكَلَ لَحْمَهُ حَتَّى بَقِيَ هُوَ حَيًّا إيثَارًا لِحَيَاتِهِ بِطَبْعِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا كَالْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ مَنْ يَكُونُ آلَةً لَهُ فَيُضَافُ إلَى نَفْسِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ﵀ قَالَ: سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمُكْرِهُ الْآمِرُ عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ غُلَامًا غَيْرَ بَالِغٍ فَالْقَوَدُ عَلَى الْآمِرِ، وَعَزَاهُ إلَى الْمَبْسُوطِ، وَنَسَبَهُ شَيْخُ شَيْخِي عَلَاءُ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ ﵀ إلَى السَّهْوِ وَقَالَ: الرِّوَايَةُ فِي الْمَبْسُوطِ بِفَتْحِ الرَّاءِ دُونَ كَسْرِهَا، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ فِي مَبْسُوطِهِ: وَلَوْ كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ الْقَاتِلَ فِي الْحَقِيقَةِ هَذَا الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ) وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ (أَوْ) عَلَى (عِتْقِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀) فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُكْرَهِ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إكْرَاهًا بِحَقٍّ (وَقَدْ مَرَّ) دَلِيلُ الْفَرِيقَيْنِ (فِي الطَّلَاقِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ صَلُحَ آلَةً لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِتْلَافُ فَيُضَافُ إلَيْهِ) وَمَنَعَ صَلَاحِيَّتَهُ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ التَّلَفُّظِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ لَا يَصْلُحُ آلَةً لَهُ فِي حَقِّ التَّلَفُّظِ فَكَذَا فِي حَقِّ مَا يَثْبُتُ فِي ضِمْنِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إتْلَافٌ وَهُوَ يَصْلُحُ آلَةً لَهُ فِيهِ، وَاللَّفْظُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي إعْتَاقِ الصَّبِيِّ فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ آلَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِتْلَافِ دُونَ التَّلَفُّظِ، وَإِذَا صَحَّ
стр. 4348
فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ السِّعَايَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِلتَّخْرِيجِ إلَى الْحُرِّيَّةِ أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا،
كَوْنُهُ آلَةً صَحَّتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ (فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ) أَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ فَفِيمَا إذَا قَالَ الْمُكْرِهُ أَرَدْت بِقَوْلِي هُوَ حُرٌّ عِتْقًا مُسْتَقْبَلًا كَمَا طَلَبَ مِنِّي فَإِنَّهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، وَيَضْمَنُ الْمُكْرَهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أَمَرَهُ بِهِ عَلَى وَفْقِ مَا أَكْرَهَهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِي سِوَى الْإِتْيَانِ بِمَطْلُوبِهِ، وَإِنْ قَالَ خَطَرَ بِبَالِي الْإِخْبَارُ بِالْحُرِّيَّةِ فِيمَا مَضَى كَاذِبًا وَأَرَدْت ذَلِكَ لَا إنْشَاءَ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ الْعَبْدُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً لِأَنَّهُ عَدَلَ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَكَانَ طَائِعًا فِي الْإِقْرَارِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي فِي دَعْوَى الْإِخْبَارِ كَاذِبًا، وَلَا يَضْمَنُ الْمُكْرَهُ شَيْئًا لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ بِالْإِقْرَارِ طَائِعًا لَا بِالْإِكْرَاهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمُكْرَهُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْوَلَاءُ، وَالْإِتْلَافُ بِعِوَضٍ كَلَا إتْلَافٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَلَاءَ عِوَضٌ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُكْرَهُ مُعَوَّضًا عَمَّا أَتْلَفَهُ بِمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ أَصْلًا. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ كَلَا إتْلَافٍ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَالًا كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ طَعَامِ الْغَيْرِ فَأَكَلَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ لِأَنَّهُ حَصَلَ لِلْمُكْرَهِ عِوَضٌ، أَوْ فِي حُكْمِ الْمَالِ كَمَا فِي مَنَافِعِ الْبُضْعِ إذَا أَتْلَفَهَا مُكْرَهًا لِأَنَّ مَنَافِعَهُ تُعَدُّ مَالًا عِنْدَ الدُّخُولِ، وَالْوَلَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَا بِالْوَلَاءِ ثُمَّ رَجَعَا لَا يَضْمَنَانِ. (وَأَمَّا عَدَمُ السِّعَايَةِ فَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ لِلتَّخْرِيجِ إلَى الْحُرِّيَّةِ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ وَقَدْ خَرَجَ فَلَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ ثَانِيًا (أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَبْدِ حَقُّ الْغَيْرِ فَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ
стр. 4349
وَلَا يَرْجِعُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْعَبْدِ بِالضَّمَانِ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِإِتْلَافِهِ. قَالَ (وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مُسَمًّى يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمُتْعَةِ) لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ كَانَ عَلَى شَرْفِ السُّقُوطِ بِأَنْ جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ إتْلَافًا لِلْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيُضَافُ إلَى الْمُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ. بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بِهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ.
(وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ جَازَ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ مُؤَثِّرٌ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ، وَالْوَكَالَةُ لَا تَبْطُلُ
مِنْ مُوجِبِي السِّعَايَةِ)، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا فَأُكْرِهَ الرَّاهِنُ عَلَى إعْتَاقِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ سَالِمٌ عَنْ النَّقْضِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِهِمَا فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا أُعْتِقَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ، وَقَدْ أَعْتَقَ مِلْكَهُ وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَيُزَادُ لَهُمَا فِي التَّعْلِيلِ فَيُقَالُ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ
(وَلَا يَرْجِعُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِإِتْلَافِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُكْرَهَ إنَّمَا يَضْمَنُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُعِلَ مُتْلِفًا لِلْعَبْدِ حُكْمًا، فَكَأَنَّهُ قَتَلَهُ وَالْمَقْتُولُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. قَالَ (وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمَرْأَةِ) الْجَوَابُ فِيمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا نَظِيرُ الْجَوَابِ فِيمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ فِي حَقِّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَرُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَى الْمُكْرَهِ، إلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ هَاهُنَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ وَثَمَّةَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ رَجَعَ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمُتْعَةِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْإِتْلَافُ. أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ. أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَلِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الزَّوْجِ كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِأَنْ جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِتَمْكِينِ ابْنِ الزَّوْجِ مِنْهَا بِغَيْرِ إكْرَاهٍ، أَوْ بِالِارْتِدَادِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ تَأَكُّدٌ بِالطَّلَاقِ مُكْرَهًا، فَمَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ تَأَكَّدَ بِهِ وَلِلتَّأْكِيدِ شَبَهٌ بِالْإِيجَابِ، فَكَأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْمُكْرَهِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَكَانَ إتْلَافًا لِلْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمُكْرَهُ فِي حَقِّ الْإِكْرَاهِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ فَيُضَافُ إلَى الْمُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ بِهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ تَقَرَّرَ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ إتْلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُضْمَنُ بِمَالٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا رَجَعَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا يَضْمَنَانِ.
(وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ) أَيْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ (فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْهَزْلِ فَكَذَا مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ فَكَانَ كَالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ الْوَكَالَةِ. أَمَّا أَنَّهُ كَالشَّرْطِ
стр. 4350
بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرِهِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرِهِ زَوَالُ مِلْكِهِ إذَا بَاشَرَ الْوَكِيلُ، وَالنَّذْرُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمُكْرِهِ بِمَا لَزِمَهُ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُطَالَبُ بِهِ فِيهَا، وَكَذَا الْيَمِينُ، وَالظِّهَارُ لَا يَعْمَلُ فِيهِمَا الْإِكْرَاهُ لِعَدَمِ احْتِمَالِهِمَا الْفَسْخَ، وَكَذَا الرَّجْعَةُ وَالْإِيلَاءُ وَالْفَيْءُ فِيهِ بِاللِّسَانِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ، وَالْخُلْعُ مِنْ جَانِبِهِ طَلَاقٌ أَوْ يَمِينٌ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ مُكْرَهًا عَلَى الْخُلْعِ دُونَهَا لَزِمَهَا الْبَدَلُ لِرِضَاهَا بِالِالْتِزَامِ.
الْفَاسِدِ فَلِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ بِهِ الِاخْتِيَارُ فَصَارَ كَأَنَّهُ شَرْطًا شُرِطَ فَاسِدًا فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَلَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ. وَأَمَّا أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَلِأَنَّهَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ، فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ التَّوْكِيلِ كَانَ مَوْقُوفًا حَقًّا لِلْمَالِكِ فَهُوَ بِالتَّوْكِيلِ أَسْقَطَهُ، فَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ كَانَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ نَافِذًا (وَيَرْجِعُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْمُكْرِهِ) بِمَا عَزَمَ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ (اسْتِحْسَانًا) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرْجِعَ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ وَقَعَ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَزَوَالُ الْمِلْكِ لَمْ يَقَعْ بِهَا، فَإِنَّ الْوَكِيلَ قَدْ يَفْعَلُ وَقَدْ لَا يَفْعَلُ فَلَا يُضَافُ التَّلَفُ إلَيْهِ، كَمَا فِي الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَ فُلَانًا بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَأَعْتَقَ الْوَكِيلُ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُكْرَهِ زَوَالُ مِلْكِهِ بِمُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ مَا فَعَلَهُ وَسِيلَةً إلَى الْإِزَالَةِ فَيَضْمَنُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إكْرَاهٌ (قَوْلُهُ وَالنَّذْرُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ) بَيَانٌ لِمَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ وَمَا لَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْفَسْخُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ مِنْ حَيْثُ مَنْعُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُفَوِّتُ الرِّضَا وَفَوَاتُ الرِّضَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ وَعَدَمُ اللُّزُومِ يُمَكِّنُ الْمُكْرَهَ مِنْ الْفَسْخِ، فَالْإِكْرَاهُ يُمَكِّنُ الْمُكْرَهَ مِنْ الْفَسْخِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ، فَمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ فَيَصِحُّ النَّذْرُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةً لَزِمَهُ ذَلِكَ
(وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا لَزِمَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُطَالَبُ بِهِ غَيْرُهُ فِيهَا، وَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى يَمِينٍ) فَحَلَفَ انْعَقَدَتْ (أَوْ عَلَى ظِهَارٍ) فَظَاهِرٌ صَحَّ (وَكَذَا عَلَى رَجْعَةٍ) فَفَعَلَ صَحَّ (أَوْ عَلَى إيلَاءٍ فَآلَى أَوْ عَلَى فَيْءٍ إلَيْهَا بِاللِّسَانِ) فَفَعَلَ صَحَّ (لِأَنَّهَا) أَيْ الرَّجْعَةَ وَالْإِيلَاءَ وَالْفَيْءَ (تَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ) وَمَا صَحَّ مَعَ الْهَزْلِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إعْتَاقِ عَبْدٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ الظِّهَارِ فَفَعَلَ أَجْزَأَهُ عَنْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكْرِهِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَمَّا لَزِمَهُ وَذَلِكَ مِنْهُ حِسْبَةٌ لَا إتْلَافٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ عَيَّنَ عَبْدًا لِذَلِكَ فَفَعَلَ عَتَقَ وَلَمْ يَجُزْ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ كَفَّارَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ تَرَكَ الَّتِي آلَى مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى بَانَتْ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كَانَ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الصَّدَاقِ، وَإِنْ قَرِبَهَا وَكَفَّرَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكْرَهِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ أَتَى بِضِدِّ مَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ يُخَالِعَ امْرَأَتَهُ فَفَعَلَ صَحَّ الْخُلْعُ لِأَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْإِكْرَاهُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِلَا بَدَلٍ فَكَذَا بِبَدَلٍ أَوْ يَمِينٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَالْيَمِينِ لَا يَعْمَلُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ (فَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْخُلْعِ دُونَهَا لَزِمَهَا الْبَدَلُ لِرِضَاهَا بِالِالْتِزَامِ) بِإِزَاءِ مَا سَلِمَ لَهَا
стр. 4351
قَالَ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا أَنْ يُكْرِهَهُ السُّلْطَانُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْحُدُودِ.
مِنْ الْبَيْنُونَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرَهِ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ النِّكَاحُ فَلَا يَضْمَنُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ خَالَعَهَا وَهِيَ غَيْرُ مَلْمُوسَةٍ فَاسْتَحَقَّتْ نِصْفَ الصَّدَاقِ هَلْ يَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْمُكْرَهِ لِتَأْكِيدِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ أَوْ لَا؟ قُلْنَا: لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ سَاقَ الزَّوْجُ الْمَهْرَ إلَيْهَا كُلَّهُ أَوَّلًا، فَإِنْ سَاقَ رَجَعَ عَلَى الْمُكْرَهِ بِنِصْفِهِ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَالٍ مُسَمًّى لَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِحُكْمِ النِّكَاحِ. وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ لَكِنَّهَا بَرَاءَةُ مُكْرَهٍ وَالْبَرَاءَةُ مَعَ الْإِكْرَاهِ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ رَجَعَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
قَالَ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا: إنْ أَكْرَهَهُ أَحَدٌ عَلَى الزِّنَا فَزَنَى وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِانْتِشَارِ آلَتِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِلَذَاذَةٍ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الْفِعْلِ، وَمَعَ الْخَوْفِ يَتَحَقَّقُ التَّمْكِينُ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ دَلِيلَ الطَّوَاعِيَةِ. ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ هُوَ السُّلْطَانُ، لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ وَلَا حَاجَةَ مَعَ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ الِانْزِجَارَ كَانَ حَاصِلًا إلَى إنْ حَصَلَ خَوْفُ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ قَصْدُهُ بِهَذَا الْفِعْلِ دَفْعَ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ لَا قَضَاءَ الشَّهْوَةِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَانْتِشَارُ الْآلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ يَنْشُرُ مِنْ النَّائِمِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ. وَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ. وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْإِكْرَاهِ بِالسُّلْطَانِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ اخْتِلَافِ الْعَصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ، وَقِيلَ مِنْ قَبِيلِ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِكْرَاهِ كَوْنُهُ مُلْجِئًا وَذَلِكَ بِقُدْرَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْإِيقَاعِ، وَخَوْفُ الْمُكْرَهِ الْوُقُوعُ كَمَا مَرَّ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ أَكْثَرَ تَحَقُّقًا، لِأَنَّ السُّلْطَانَ يَعْلَمُ أَنْ لَا يَفُوتَهُ فَهُوَ ذُو أَنَاةٍ فِي أَمْرِهِ وَغَيْرُهُ يَخَافُ الْفَوْتَ بِالِالْتِجَاءِ إلَى السُّلْطَانِ فَيَجْعَلُ فِي الْإِيقَاعِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ يَعْجِزُ عَنْ دَفْعِ السُّلْطَانِ عَنْ نَفْسِهِ، إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ وَيَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ اللِّصِّ بِالِالْتِجَاءِ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ اتَّفَقَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ لَا حُكْمَ لَهُ، ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ لَا يُحْسَبُ لَهَا الْمَهْرُ، لِأَنَّ الْحَدَّ وَالْمَهْرَ لَا يَجْتَمِعَانِ عِنْدَنَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْمَحَلِّ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةً عَلَى الْفِعْلِ أَوْ أَذِنَتْ لَهُ بِذَلِكَ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِسُقُوطِ حَقِّهَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ لَيْسَ يَحِلُّ الْوَطْءَ فَكَانَ إذْنُهَا لَغْوًا لِكَوْنِهَا مَحْجُورَةً عَنْ ذَلِكَ شَرْعًا.
стр. 4352
قَالَ (وَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ مِنْهُ) لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ لَا يَكْفُرُ وَفِي اعْتِقَادِهِ الْكُفْرَ شَكٌّ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ بِنْتُ مِنْك وَقَالَ هُوَ قَدْ أَظْهَرْتُ ذَلِكَ وَقَلْبِي مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ
وَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ تَبِنْ امْرَأَتُهُ مِنْهُ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ لَمْ يَكْفُرْ، وَفِي تَبَدُّلِهِ شَكٌّ) وَكَانَ الْإِيمَانُ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالشَّكِّ وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَهُ دَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ إنَّ الرِّدَّةَ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَتَبَدُّلُ الِاعْتِقَادِ لَيْسَ بِثَابِتٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ الرِّدَّةُ بِاعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَفِي اعْتِقَادِهِ الْكُفْرَ شَكٌّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُغَيَّبٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَرْجَمَةِ اللِّسَانِ وَقِيَامُ الْإِكْرَاهِ يَصْرِفُ عَنْ صِحَّةِ التَّرْجَمَةِ (فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ) الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْكُفْرِ (بِالشَّكِّ، فَإِنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ بِنْت مِنْك وَقَالَ الرَّجُلُ قَدْ أَظْهَرْت ذَلِكَ وَقَلْبِي مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ
стр. 4353
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ وَهِيَ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ وَمَعَ الْإِكْرَاهِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّبَدُّلِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ رَجَّحْنَا الْإِسْلَامَ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا) وَفِي الْقِيَاسِ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ، لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ كَالتَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ اللَّفْظَ) يَعْنِي كَلِمَةَ الْكُفْرِ (غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ) يَعْنِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا ظُهُورًا بَيِّنًا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ حَتَّى يَكُونَ صَرِيحًا يَقُومُ اللَّفْظُ فِيهِ مَقَامَ مَعْنَاهُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ بَلْ دَلَالَتُهَا عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ وَتَرْجَمَةٌ لِمَا فِي الْقَلْبِ، فَإِنْ دَلَّ عَلَى تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْفُرْقَةِ كَانَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهَا دَلَالَةً مَجَازِيَّةً، وَمَعَ الْإِكْرَاهِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّبَدُّلِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِيهِ يَقُومُ لَفْظُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ (فَ) لِهَذَا (كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ) أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ يُوَافِقُ اعْتِقَادَهُ (وَاحْتَمَلَ) أَنْ لَا يَكُونَ لَفْظُهُ (رَجَّحْنَا الْإِسْلَامَ فِي الْحَالَيْنِ) قِيلَ أَيْ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرِّدَّةِ وَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) فَلَمْ يُجْعَلْ كَافِرًا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى
стр. 4354
وَهَذَا بَيَانُ الْحُكْمِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَتْلِ. وَلَوْ قَالَ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَخْبَرْتُ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ وَلَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ بَانَتْ مِنْهُ حُكْمًا لَا دِيَانَةً. لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَائِعٌ بِإِتْيَانِ مَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ هَذَا الطَّائِعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ قَالَ أَرَدْت مَا طُلِبَ مِنِّي وَقَدْ خَطَرَ بِبَالٍ الْخَبَرُ عَمَّيْ مَضَى بَانَتْ دِيَانَةً وَقَضَاءً، لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ مُبْتَدِئٌ بِالْكُفْرِ هَازِلٌ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ لِنَفْسِهِ مَخْلَصًا غَيْرَهُ.
وَعَلَى هَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ لِلصَّلِيبِ وَسَبِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﵊ فَفَعَلَ وَقَالَ نَوَيْت بِهِ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَمُحَمَّدٍ آخَرَ غَيْرَ النَّبِيِّ ﵊ بَانَتْ مِنْهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً، وَلَوْ صَلَّى لِلصَّلِيبِ وَسَبَّ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ ﵊ وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَبِّ غَيْرِ
وَجُعِلَ مُسْلِمًا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تَرْجِيحًا لِلْإِسْلَامِ
(وَهَذَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ، أَمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِسْلَامَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ) وَكَأَنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْرَارَ رُكْنًا (وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ) أَيْ شُبْهَةِ عَدَمِ الِارْتِدَادِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّصْدِيقُ غَيْرَ قَائِمٍ بِقَلْبِهِ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ (وَالشُّبْهَةُ دَارِئَةٌ لِلْقَتْلِ) (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الَّذِي أُكْرِهَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ هُوَ قَدْ أَظْهَرْت ذَلِكَ: يَعْنِي لَوْ قَالَ فِي جَوَابِ قَوْلِهَا قَدْ بِنْت مِنْك أَخْبَرَتْ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ وَلَمْ أَكُنْ فَعَلْت بَانَتْ مِنْهُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَائِعٌ بِإِتْيَانِ مَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى الْإِنْشَاءِ دُونَ الْإِقْرَارِ. وَمَنْ أَقَرَّ بِالْكُفْرِ طَائِعًا ثُمَّ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْكَذِبَ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، إذْ الظَّاهِرُ هُوَ الصِّدْقُ حَالَةَ الطَّوَاعِيَةِ، لَكِنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ (وَلَوْ قَالَ أَرَدْت مَا طَلَبَ مِنِّي مِنْ الْكُفْرِ وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي الْخَبَرُ عَمَّا مَضَى بَانَتْ قَضَاءً وَدِيَانَةً لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ بِالْكُفْرِ هَازِلٌ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ لِنَفْسِهِ مُخَلِّصًا غَيْرَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا خَطَرَ هَذَا بِبَالِهِ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ عَمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، وَالضَّرُورَةُ قَدْ انْدَفَعَتْ بِهَذَا الْإِمْكَانِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ وَأَنْشَأَ الْكُفْرَ كَمَنْ أَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ طَائِعًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ كُفْرٌ فَتَبِينُ امْرَأَتُهُ قَضَاءً وَدِيَانَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ لَا يَكْفُرُ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً، وَفِي وَجْهٍ يَكْفُرُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَفِي وَجْهٍ يَكْفُرُ قَضَاءً يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَكْفُرْ دِيَانَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَجْرَاهَا فَإِمَّا أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِهِ غَيْرُ مَا طُلِبَ مِنْهُ أَوْ لَا، وَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَالْأَوَّلُ إنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَيُرِيدَ الْإِخْبَارَ عَمَّا مَضَى كَاذِبًا وَأَرَادَهُ فَهُوَ الثَّالِثُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ فَهُوَ الثَّانِي.
وَإِذَا ظَهَرَ لَك هَذَا
стр. 4355
النَّبِيِّ ﵊ بَانَتْ مِنْهُ دِيَانَةً وَقَضَاءً لِمَا مَرَّ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ زِيَادَةً عَلَى هَذَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كِتَابُ الْحَجْرِ
أَمْكَنَك أَنْ تُخْرِجَ مَسْأَلَةَ الصَّلَاةِ لِلصَّلِيبِ وَسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَوْلُهُ (لِمَا مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ بِالْكُفْرِ هَازِلٌ بِهِ حَيْثُ عَلِمَ لِنَفْسِهِ مُخَلِّصًا غَيْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(كِتَابُ الْحَجْرِ)
أَوْرَدَ الْحَجْرَ عَقِيبَ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا سَلْبَ وِلَايَةِ الْمُخْتَارِ عَنْ الْجَرْيِ عَلَى مُوجِبِ اخْتِيَارِهِ، إلَّا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمَّا كَانَ أَقْوَى تَأْثِيرًا لِأَنَّ فِيهِ سَلْبَهَا عَمَّنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ وَوِلَايَةٌ كَامِلَةٌ، بِخِلَافِ الْحَجْرِ كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ، وَهُوَ حَسَنٌ لِكَوْنِهِ شَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ أَحَدُ قُطْبَيْ أَمْرِ الدِّيَانَةِ، وَالْآخَرُ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ، وَفِي عُرْفِهِمْ هُوَ
стр. 4356
قَالَ (الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَجْرِ ثَلَاثَةٌ: الصِّغَرُ، وَالرِّقُّ، وَالْجُنُونُ، فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الصَّغِيرِ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا تَصَرُّفُ الْعَبْدِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ بِحَالٍ). أَمَّا الصَّغِيرُ فَلِنُقْصَانِ عَقْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ إذْنَ الْوَلِيِّ آيَةُ أَهْلِيَّتِهِ، وَالرِّقُّ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا يَتَعَطَّلَ مَنَافِعُ عَبْدِهِ. وَلَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَوْلَى بِالْإِذْنِ رَضِيَ بِفَوَاتِ حَقِّهِ، وَالْجُنُونُ لَا تُجَامِعُهُ الْأَهْلِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ، أَمَّا الْعَبْدُ فَأَهْلٌ فِي نَفْسِهِ وَالصَّبِيُّ تُرْتَقَبُ أَهْلِيَّتُهُ فَلِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ. قَالَ (وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَيَقْصِدُهُ فَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَجَازَهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ) لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْعَبْدِ لِحَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ، وَفِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ نَظَرًا لَهُمَا فَيَتَحَرَّى مَصْلَحَتَهُمَا فِيهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْقِلَا الْبَيْعَ لِيُوجَدَ رُكْنُ الْعَقْدِ فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ، وَالْمَجْنُونُ قَدْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَيَقْصِدُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرَجِّحُ الْمَصْلَحَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ وَهُوَ الْمَعْتُوهُ الَّذِي يَصْلُحُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْوَكَالَةِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّوَقُّفُ عِنْدَكُمْ فِي الْبَيْعِ. أَمَّا الشِّرَاءُ فَالْأَصْلُ فِيهِ النَّفَاذُ عَلَى الْمُبَاشِرِ.
الْمَنْعُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الصَّغِيرُ وَالرَّقِيقُ وَالْمَجْنُونُ. وَأَسْبَابُهُ مَصَادِرُ هَذِهِ الْأَسَامِي، وَأُلْحِقَ بِهَا الْمُفْتِي الْمَاجِنُ وَالطَّبِيبُ الْجَاهِلُ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَمَّا كَانَ أَسْبَابُهُ مَا ذَكَرْنَا لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُ الصَّغِيرِ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا تَصَرُّفُ الْعَبْدِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ بِحَالٍ مَا. وَأَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ مَغْلُوبًا وَهُوَ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَيَقْصِدُهُ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ كَتَصَرُّفِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ كَمَا سَيَجِيءُ. أَمَّا عَدَمُ جَوَازِ تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ فَلِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ إنَّمَا هِيَ بِالْعَقْلِ لَكِنَّ أَهْلِيَّتَهُ مُتَرَقَّبَةٌ، وَإِذْنُ وَلِيِّهِ آيَةُ أَهْلِيَّتِهِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَهُ أَهْلِيَّةٌ لَكِنَّهُ حَجَرَ عَلَيْهِ لِرِعَايَةِ حَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ عَبْدِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الْحَجْرُ لَنَفَذَ الْبَيْعُ الَّذِي بَاشَرَهُ وَشِرَاؤُهُ فَيَلْحَقُهُ دُيُونٌ فَيَأْخُذُ أَرْبَابُهَا أَكْسَابَهُ الَّتِي هِيَ مَنْفَعَةُ الْمَوْلَى وَذَلِكَ تَعْطِيلٌ لَهَا عَنْهُ، وَلِئَلَّا يَمْلِكَ رَقَبَةً يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، غَيْرَ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا أَذِنَ فَقَدْ رَضِيَ بِفَوَاتِ حَقِّهِ، وَالْجُنُونُ الْغَالِبُ لَا يُجَامِعُهُ أَهْلِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ. قَالَ (وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا) أَرَادَ بِهَؤُلَاءِ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ وَالْمَجْنُونَ الَّذِي يَجِنُّ وَيُفِيقُ، وَتَصَرُّفُهُمْ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ سَالِبٌ وَالشِّرَاءَ جَالِبٌ وَيَقْصِدُهُ لِإِفَادَةِ هَذَا الْحُكْمِ: أَعْنِي كَوْنَ الْبَيْعِ سَالِبًا وَالشِّرَاءِ جَالِبًا وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْهَازِلِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ لِإِفَادَةِ هَذَا الْحُكْمِ (وَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَهُ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْعَبْدِ لِحَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَخَيَّرُ فِيهِ وَفِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ نَظَرًا لَهُمَا فَيَتَحَرَّى مَصْلَحَتَهُمَا فِيهِ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ سُؤَالًا عَلَى الشِّرَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشِّرَاءِ النَّفَاذُ عَلَى الْمُبَاشِرِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ هَاهُنَا مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ عَدَمَ التَّوَقُّفِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا وُجِدَ عَلَى الْمُبَاشِرِ نَفَاذًا كَمَا فِي شِرَاءِ
стр. 4357
قُلْنَا: نَعَمْ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا عَلَيْهِ كَمَا فِي شِرَاءِ الْفُضُولِيِّ، وَهَاهُنَا لَمْ نَجِدْ نَفَاذًا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ أَوْ لِضَرَرِ الْمَوْلَى فَوَقَفْنَاهُ. قَالَ (وَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ تُوجِبُ الْحَجْرَ فِي الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ) لِأَنَّهُ لَا مَرَدَّ لَهَا لِوُجُودِهَا حِسًّا وَمُشَاهَدَةً
الْفُضُولِيِّ، وَهَاهُنَا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةٍ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَوْ لِضَرَرِ الْمَوْلَى فَوَقَفْنَاهُ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ الْإِشْكَالِ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى لَفْظِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى، أَمَّا هَاهُنَا يَعْنِي فِي الْهِدَايَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ أَوْ اشْتَرَى فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ، وَلَكِنْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُدُورِيِّ مَذْكُورًا وَهَاهُنَا فَأَوْرَدَ الْإِشْكَالَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَكَذَا فِي نُسْخَةٍ سَمَاعِيٌّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ شَيْخِي فِي شَرْحِهِ (قَوْلُهُ وَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ) يَعْنِي الصِّغَرَ وَالرِّقَّ وَالْجُنُونَ (تُوجِبُ الْحَجْرَ فِي الْأَقْوَالِ) يَعْنِي مَا تَرَدَّدَ مِنْهَا بَيْنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: أَيْ هَذِهِ الْمَعَانِي تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَلَى الْإِجَازَةِ عَلَى الْعُمُومِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ. وَأَمَّا مَا يَتَمَحَّضُ مِنْهَا ضَرَرًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْإِعْدَامَ مِنْ الْأَصْلِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ دُونَ الْعَبْدِ، وَأَمَّا مَا يَتَمَحَّضُ مِنْهَا نَفْعًا كَقَبُولٍ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لَا حَجْرَ فِيهِ عَلَى الْعُمُومِ (قَوْلُهُ دُونَ الْأَفْعَالِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ لَا تُوجِبُ الْحَجْرَ عَنْ الْأَفْعَالِ (لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ الْأَفْعَالَ لَا مَرَدَّ لَهَا) حَتَّى إنَّ ابْنَ آدَمَ لَوْ انْقَلَبَ عَلَى قَارُورَةِ إنْسَانٍ فَكَسَرَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْمَجْنُونُ إذَا أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ فِي الْحَالِ (لِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُوجَدُ حِسًّا وَمُشَاهَدَةً) وَيَحْصُلُ بِهَا الْإِتْلَافُ، وَالْإِتْلَافُ بَعْدَ الْحُصُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَلَا إتْلَافَ،
стр. 4358
بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا مَوْجُودَةً بِالشَّرْعِ وَالْقَصْدُ مِنْ شَرْطِهِ (إلَّا إذَا كَانَ فِعْلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ
بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا) حَالَ كَوْنِهَا مَوْجُودَةً حَاصِلٌ (بِالشَّرْعِ وَالْقَصْدِ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِبَارِ) وَلَيْسَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ قَصْدٌ لِقُصُورِ الْعَقْلِ فَيَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ بِهِ. وَأَمَّا فِي الْعَبْدِ فَالْقَصْدُ وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ لَكِنَّهُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِلُزُومِ الضَّرَرِ عَلَى الْمَوْلَى بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَقْوَالُ مَوْجُودَةٌ حِسًّا وَمُشَاهَدَةً فَمَا بَالُهَا شَرْطُ اعْتِبَارِهَا مَوْجُودَةً شَرْعًا بِالْقَصْدِ دُونَ الْأَفْعَالِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمَوْجُودَةَ حِسًّا وَمُشَاهَدَةً لَيْسَتْ عَيْنَ مَدْلُولَاتِهَا بَلْ هِيَ دَلَالَاتٌ عَلَيْهَا وَيُمْكِنُ تَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ عَنْ دَلِيلِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْقَوْلُ الْمَوْجُودُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ، بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهَا عَيْنُهَا فَبَعْدَمَا وُجِدَتْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ، وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَقَعُ صِدْقًا وَقَدْ يَقَعُ كَذِبًا وَقَدْ يَقَعُ جِدًّا وَقَدْ يَقَعُ هَزْلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْقَوْلَ مِنْ الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ إذَا وُجِدَ هَزْلًا لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا فَكَذَا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهَا حَيْثُ وَقَعَتْ وَقَعَتْ حَقِيقَةً فَلَا يُمْكِنُ تَبْدِيلُهَا، وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا كَانَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا مَرَدَّ لَهَا: يَعْنِي أَنَّ الْأَفْعَالَ إذَا وُجِدَتْ لَا مَرَدَّ لَهَا، لَكِنْ إذَا كَانَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ يُجْعَلُ عَدَمُ الْقَصْدِ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
стр. 4359
بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) فَيُجْعَلُ عَدَمُ الْقَصْدِ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
قَالَ (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا تَصِحُّ عُقُودُهُمَا وَلَا إقْرَارُهُمَا) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُمَا وَلَا عَتَاقُهُمَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ» وَالْإِعْتَاقُ يَتَمَحَّضُ مَضَرَّةً، وَلَا وُقُوفَ لِلصَّبِيِّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فِي الطَّلَاقِ بِحَالٍ لِعَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَلَا وُقُوفَ لِلْوَلِيِّ عَلَى عَدَمِ التَّوَافُقِ عَلَى اعْتِبَارِ بُلُوغِهِ حَدَّ الشَّهْوَةِ، فَلِهَذَا
قَالَ (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَصِحُّ عُقُودُهُمَا) أَرَادَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ عَدَمَ النَّفَاذِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا فَالْمَوْلَى بِالْخِيَارِ، وَإِنَّمَا أَعَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَةَ تُوجِبُ الْحَجْرَ عَنْ الْأَقْوَالِ لِتَنْسَاقَ الْقَوْلِيَّاتُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَالْقَصْدُ مِنْ شَرْطِهِ (وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُمَا وَلَا عَتَاقُهُمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ») رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (وَالْإِعْتَاقُ يَتَمَحَّضُ مَضَرَّةً)
стр. 4360
لَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى إجَازَتِهِ وَلَا يَنْفُذَانِ بِمُبَاشَرَتِهِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُقُودِ. قَالَ (وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا لَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ) إحْيَاءً لِحَقِّ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَوْنَ الْإِتْلَافِ مُوجِبًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ كَاَلَّذِي يَتْلَفُ بِانْقِلَابِ النَّائِمِ عَلَيْهِ وَالْحَائِطِ الْمَائِلِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ (فَأَمَّا) (الْعَبْدُ فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِقِيَامِ أَهْلِيَّتِهِ (غَيْرُ نَافِذٍ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ) رِعَايَةً لِجَانِبِهِ، لِأَنَّ نَفَاذَهُ لَا يَعْرَى عَنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَوْ كَسْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إتْلَافُ مَالِهِ.
قَالَ (فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَزِمَهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ) لِوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ وَزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْحَالِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ (وَإِنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَزِمَهُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ حَتَّى لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ (وَيَنْفُذُ طَلَاقُهُ) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ شَيْئًا إلَّا الطَّلَاقَ» وَلِأَنَّهُ عَارِفٌ بِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ فَكَانَ أَهْلًا، وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ مِلْكِ الْمَوْلَى وَلَا تَفْوِيتُ مَنَافِعِهِ فَيَنْفُذُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
لَا مَحَالَةَ (وَ) الطَّلَاقُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَرَدَّدَ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضُّرِّ بِاعْتِبَارِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، لَكِنَّ الصَّبِيَّ (لَا وُقُوفَ لَهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فِي الطَّلَاقِ بِحَالٍ) أَمَّا فِي الْحَالِ (فَلِعَدَمِ الشَّهْوَةِ) وَأَمَّا فِي الْمَآلِ فَلِأَنَّ عِلْمَ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِتَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ وَتَنَافُرِ الطِّبَاعِ عِنْدَ بُلُوغِهِ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ (وَ) الْوَلِيُّ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَصْلَحَتِهِ فِي الْحَالِ، لَكِنْ (لَا وُقُوفَ لَهُ عَلَى عَدَمِ التَّوَافُقِ عَلَى اعْتِبَارِ بُلُوغِهِ حَدَّ الشَّهْوَةِ، فَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى إجَازَتِهِ وَلَا يَنْفُذَانِ بِمُبَاشَرَتِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ (بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُقُودِ) وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَتْلَفَا شَيْئًا) بَيَانٌ لِتَفْرِيعِ الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْحَائِطُ الْمَائِلُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا قَصْدَ مِنْ صَاحِبِ الْحَائِطِ فِي وُقُوعِ الْحَائِطِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ (قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ وَالْقَصْدُ مِنْ شَرْطِهِ.
وَقَوْلُهُ (فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَصِحُّ عُقُودُهُمَا وَلَا إقْرَارُهُمَا، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ» وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
стр. 4361
بَابُ الْحَجْرِ لِلْفَسَادِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ السَّفِيهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ مُبَذِّرًا مُفْسِدًا يُتْلِفُ مَالَهُ فِيمَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَيُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ)
بَابُ الْحَجْرِ لِلْفَسَادِ)
أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَسَادِ هَاهُنَا هُوَ السَّفَهُ. وَهُوَ خِفَّةٌ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ فَتَحْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مَعَ قِيَامِ الْعَقْلِ، وَقَدْ غَلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَبْذِيرِ الْمَالِ وَإِتْلَافِهِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ السَّفِيهِ، وَتَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مُبَذِّرًا مُفْسِدًا يُتْلِفُ مَالَهُ فِيمَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ) كَالْإِلْقَاءِ فِي الْبَحْرِ وَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ.
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: يُحْجَرُ عَلَى السَّفِيهِ وَيُمْنَعُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ) غَيْرَ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ تَصَرُّفٍ يَتَّصِلُ بِمَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ وَالْإِكْرَاهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَمَا لَا يَتَّصِلُ بِمَالِهِ كَالْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ أَوْ يَتَّصِلُ بِهِ، لَكِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْهَزْلِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَالْحَجْرُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى صَحَّ مِنْهُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بَعْدَ الْحَجْرِ
стр. 4362
لِأَنَّهُ مُبَذِّرٌ مَالَهُ بِصَرْفِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيه الْعَقْلُ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ اعْتِبَارًا بِالصَّبِيِّ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ احْتِمَالُ التَّبْذِيرِ وَفِي حَقِّهِ حَقِيقَتُهُ وَلِهَذَا مُنِعَ عَنْهُ الْمَالُ، ثُمَّ هُوَ لَا يُفِيدُ بِدُونِ الْحَجْرِ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ بِلِسَانِهِ مَا مُنِعَ مِنْ يَدِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ عَاقِلٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالرَّشِيدِ
عَلَى مَا سَيَجِيءُ. وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ مُبَذِّرٌ مَالَهُ بِصَرْفِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَ) كُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ (يُحْجَرُ عَلَيْهِ نَظَرًا لَهُ كَالصَّبِيِّ) فَهَذَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ (بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ احْتِمَالُ التَّبْذِيرِ وَفِي حَقِّهِ حَقِيقَتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَنْعُ الْمَالِ مِنْهُ، وَالْمَنْعُ لَا يُفِيدُ بِدُونِ الْحَجْرِ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِلِسَانِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ يَدِهِ) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِهِمَا.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ حَجْرَ السَّفِيهِ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ لَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ لَهُ. وَالْفَائِدَةُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَ السَّفِيهُ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ مُصْلِحًا فِي مَالِهِ كَالْفَاسِقِ، فَعِنْدَهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ زَجْرًا وَعُقُوبَةً وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ عَاقِلٌ) وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ (لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ) وَنُوقِضَ بِالْعَبْدِ
стр. 4363
وَهَذَا لِأَنَّ فِي سَلْبِ وِلَايَتِهِ إهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ وَهُوَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ التَّبْذِيرِ فَلَا يُتَحَمَّلُ الْأَعْلَى لِدَفْعِ الْأَدْنَى، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْحَجْرِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٍّ كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُتَطَبِّبِ الْجَاهِلِ وَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ جَازَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ، إذْ هُوَ دَفْعُ ضَرَرِ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْعِ الْمَالِ لِأَنَّ الْحَجْرَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْعُقُوبَةِ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَادِرٌ عَلَيْهِ نَظَرَ لَهُ الشَّرْعُ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ آلَةِ الْقُدْرَةِ وَالْجَرْيُ عَلَى خِلَافِهِ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْعُ الْمَالِ مُفِيدٌ لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ فِي الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْيَدِ.
قَالَ (وَإِذَا حَجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَ حَجْرَهُ وَأَطْلَقَ عَنْهُ جَازَ) لِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْهُ فَتْوَى وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَضَاءً فَنَفْسُ الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِمْضَاءِ، حَتَّى لَوْ رُفِعَ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ إلَى الْقَاضِي الْحَاجِرِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ نَفَذَ إبْطَالُهُ لِاتِّصَالِ الْإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ
(ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ
فَإِنَّهُ مُخَاطَبٌ عَاقِلٌ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَالَ مُخَاطَبٌ وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِكَامِلٍ فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا لِسُقُوطِ الْخِطَابَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْكَفَّارَاتِ الْمَالِيَّةِ وَبَعْضِ الْخِطَابَاتِ الْغَيْرِ الْمَالِيَّةِ كَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالشَّهَادَاتِ وَشَطْرِ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ ضُمَّ إلَى ذَلِكَ حُرٌّ سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ الْحَجْرِ (لِأَنَّ) فِي الْحَجْرِ سَلْبَ وِلَايَتِهِ (فِي سَلْبِ وِلَايَتِهِ إهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْعِ الْمَالِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا مُنِعَ عَنْهُ الْمَالُ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ مِنْهُ لِيَكُونَ هُوَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ زَجْرًا لَهُ عَلَى التَّبْذِيرِ، وَالْحَجْرِ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْعُقُوبَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا اعْتِبَارًا بِالصَّبِيِّ: أَيْ لَا يُقَاسُ السَّفِيهُ عَلَى الصَّبِيِّ (لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا قَادِرٌ عَلَيْهِ نَظَرَ لَهُ الشَّارِعُ مَرَّةً بِإِعْطَاءِ آلَةِ الْقُدْرَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَاقِلٌ (وَالْجَرْيُ عَلَى خِلَافِهِ لِسُوءِ اخْتِيَارِهِ) فَكَانَ قِيَاسٌ قَادِرٌ عَلَى عَاجِزٍ وَهُوَ فَاسِدٌ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْعُ الْمَالِ مُفِيدٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ ثُمَّ هُوَ لَا يُفِيدُ بِدُونِ الْحَجْرِ: يَعْنِي أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ بِدُونِ الْحَجْرِ مُفِيدٌ (لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ) إنَّمَا يَكُونُ (فِي الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَى الْيَدِ) أَيْ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفِدْ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا حُجِرَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنْ حَجَرَ عَلَى السَّفِيهِ عَلَى رَأْيِهِ ثُمَّ رَفَعَ حُكْمَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَ حَجْرَهُ وَأَطْلَقَ جَازَ تَصَرُّفُهُ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ قَضَاءَهُ لَاقَى مُجْتَهَدًا فِيهِ وَنَقْضُهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْ الْقَاضِي فَتْوَى لَا قَضَاءٌ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقْتَضِي الْمَقْضِيَّ لَهُ وَالْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ وَلَا مَقْضِيَّ لَهُ هَاهُنَا. سَلَّمْنَا وُجُودَ الْمَقْضِيِّ لَهُ عَلَى احْتِمَالٍ بَعِيدٍ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ السَّفِيهُ مَقْضِيًّا لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَجْرَ نَظَرَ لَهُ، لَكِنَّ نَفْسَ هَذَا الْقَضَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ لَمْ يَقُلْ
стр. 4364
تَصَرُّفُهُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُسَلَّمُ إلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ. وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ الْعِلَّةُ وَصَارَ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَتَأَدَّبُ بَعْدَ هَذَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا فِي هَذَا السِّنِّ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْمَنْعِ فَلَزِمَ الدَّفْعُ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ
بِهِ فَصَارَ مَحَلًّا لِلْقَضَاءِ يَحْتَاجُ إلَى إمْضَاءٍ، فَلَوْ رَفَعَ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ إلَى الْقَاضِي الْحَاجِرِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَقَضَى بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ وَصِحَّةِ الْحَجْرِ ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ نَفَذَ إبْطَالُهُ لِاتِّصَالِ الْإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَفِيهًا مُنِعَ عَنْهُ مَالُهُ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَتَصَرُّفَاتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ نَافِذَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ سُلِّمَ إلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ الرُّشْدُ مِنْهُ، وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدُهُ، وَتَسَامُحُ عِبَارَتِهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَبَدِ وَحَتَّى ظَاهِرٌ (وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى بِبَقَائِهِ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ) وَهَذَا الدَّلِيلُ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ السَّفَهُ لَكِنَّ الْمَعْلُولَ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ حَيْثُ التَّأْدِيبُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّأْدِيبِ، وَلَا تَأْدِيبَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَصِيرُ جِدًّا بِاعْتِبَارِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْبُلُوغِ فِي الْإِنْزَالِ وَهُوَ اثْنَتَا عَشَرَةَ سَنَةً وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ قَابِلًا لِلتَّأْدِيبِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْمَنْعِ فَلَزِمَ الدَّفْعُ. وَالثَّانِي أَنْ يُجْعَلَ مُعَارَضَةً فَيُقَالُ: مَا ذَكَرْتُمْ وَإِنْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ لَكِنْ عِنْدَنَا مَا يَنْفِيهِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْعَ الْمَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ إلَخْ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَنْعَ) دَلِيلٌ آخَرُ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ وِجْدَانُهُ فِي أَوَائِلِ الْبُلُوغِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ بِتَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْبُلُوغِ مِنْ حَيْثُ السِّنُّ
стр. 4365
بِاعْتِبَارِ أَثَرِ الصِّبَا وَهُوَ فِي أَوَائِلِ الْبُلُوغِ وَيَتَقَطَّعُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى الْمَنْعُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا لَا يُمْنَعُ الْمَالُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا، ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْحَجْرَ. فَعِنْدَهُمَا لَمَّا صَحَّ الْحَجْرُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إذَا بَاعَ تَوْفِيرًا لِفَائِدَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَجَازَهُ الْحَاكِمُ لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ وُجِدَ وَالتَّوَقُّفُ لِلنَّظَرِ لَهُ وَقَدْ نَصَّبَ الْحَاكِمُ نَاظِرًا لَهُ فَيَتَحَرَّى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَيَقْصِدُهُ.
ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا قَرُبَ مِنْ الْبُلُوغِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبُلُوغِ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ اعْتِبَارًا بِمُدَّةِ التَّمْيِيزِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ ﵊ بِقَوْلِهِ «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا» (وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَوْ بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا لَا يُمْنَعُ عَنْهُ الْمَالُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَثَرِ الصِّبَا) فَإِنْ قِيلَ: الدَّفْعُ مُعَلَّقٌ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ لَا الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ، سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مُنْكَرٌ يُرَادُ بِهِ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ إذَا وَصَلَ الْإِنْسَانُ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لِصَيْرُورَةِ فُرُوعِهِ أَصْلًا فَكَانَ مُتَنَاهِيًا فِي الْأَصَالَةِ. قَالَ (ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِهِ) أَرَادَ أَنَّ التَّفْرِيعَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ فَإِذَا بَاعَ لَا يَنْفُذُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ (وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْحَجْرَ. فَعِنْدَهُمَا لَمَا صَحَّ الْحَجْرُ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ إذَا بَاعَ لِتَظْهَرَ فَائِدَةُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ) فَيَكُونُ مَوْقُوفًا (فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ فِيهِ مَصْلَحَةً) بِأَنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ رَابِحًا وَكَانَ الثَّمَنُ بَاقِيًا فِي يَدِهِ (أَجَازَهُ) وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ خَاسِرًا وَلَمْ يَبْقَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ لَمْ يُجِزْهُ، لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِهِ لِخُرُوجِ الْمَبِيعِ عَنْ يَدِهِ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَالتَّوَقُّفِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ قَدْ وُجِدَ) وَذَلِكَ يُوجِبُ الْجَوَازَ. وَرُدَّ بِأَنَّ رُكْنَ التَّصَرُّفِ إذَا وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ يُوجِبُ ذَلِكَ وَالسَّفِيهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ بِالْعَقْلِ وَالسَّفَهُ لَا يَنْفِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَامَ التَّوَقُّفُ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (لِلنَّظَرِ لَهُ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ نَصَبَ نَاظِرًا لَهُ فَيَتَحَرَّى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ كَمَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَيَقْصِدُهُ).
стр. 4366
وَلَوْ بَاعَ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرِ الْقَاضِي عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْحَجْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّظَرِ وَالْحَجْرُ لِنَظَرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ الْقَاضِي. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَحْجُورًا عِنْدَهُ، إذْ الْعِلَّةُ هِيَ السَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا
(وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَهُمَا). وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْفُذُ. وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ إلَخْ وَمَا لَا فَلَا، لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي مَعْنَى الْهَازِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْهَازِلَ يُخْرِجُ كَلَامَهُ لَا عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الْعُقَلَاءِ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَمُكَابَرَةِ الْعَقْلِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ، فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ وَالْعِتْقُ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ فَيَصِحُّ مِنْهُ
وَلَوْ بَاعَ السَّفِيهُ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَجْرِ الْقَاضِي عِنْدَهُ لِأَنَّ الْحَجْرَ دَائِرٌ بَيْنَ الضَّرَرِ) وَهُوَ إهْدَارُ آدَمِيَّتِهِ (وَالنَّظَرِ) لَهُ فِي إبْقَاءِ الْمَبِيعِ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا كَانَ (فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَحْجُورًا) عَلَيْهِ (عِنْدَهُ إذْ الْعِلَّةُ عِنْدَهُ هِيَ السَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الصِّبَا) وَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ صَارَ سَفِيهًا) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ مَحْجُورًا حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِيرُ مَحْجُورًا بِمُجَرَّدِ السَّفَهِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا) يَعْنِي بَعْدَ الْحَجْرِ (نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَهُمَا) وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَلَمْ يُخَصَّ قَوْلُهُمَا بِالذِّكْرِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْحُكْمُ قَبْلَ الْحَجْرِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فِي نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِ الْمَحْجُورِ بِسَبَبِ السَّفَهِ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحَجْرِ عِنْدَهُ بَلْ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِهِمَا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الْحَجْرُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ. وَعَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْفُذُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ (وَ) ذَكَرَ أَنَّ (الْأَصْلَ عِنْدَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَجْرُ، وَمَا لَا فَلَا لِأَنَّ السَّفِيهَ فِي مَعْنَى الْهَازِلِ) لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْهَازِلَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ لَا عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الْعُقَلَاءِ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَمُكَابَرَةِ الْعَقْلِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي عَقْلِهِ فَكَذَلِكَ السَّفِيهُ وَالْعِتْقُ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ فَيَصِحُّ مِنْهُ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ السَّفِيهَ لَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَأَعْتَقَ رَقَبَةً لَمْ يُنَفِّذْهُ الْقَاضِي وَكَذَا لَوْ نَذَرَ بِهَدْيٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُنَفِّذْهُ فَهَذَا مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» وَقَدْ أَثَّرَ فِيهِ الْحَجْرُ بِالسَّفَهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْهَازِلَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَتَقَ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ وَالْمَحْجُورُ بِالسَّفَهِ إذَا أَعْتَقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ، فَالْهَزْلُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي وُجُوبِ السِّعَايَةِ وَالْحَجْرُ أَثَّرَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ السَّفِيهِ لَا فِي حَقِّ الْهَازِلِ،
стр. 4367
وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقِّ حَتَّى لَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ إلَّا الطَّلَاقَ كَالْمَرْقُوقِ، وَالْإِعْتَاقُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَذَا مِنْ السَّفِيهِ (وَ) إذَا صَحَّ عِنْدَهُمَا (كَانَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ لِمَعْنَى النَّظَرِ وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْعِتْقِ إلَّا أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ فَيَجِبُ رَدُّهُ بِرَدِّ الْقِيمَةِ كَمَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ إنَّمَا تَجِبُ حَقًّا لِمُعْتِقِهِ وَالسِّعَايَةُ مَا عُهِدَ وُجُوبُهَا فِي الشَّرْعِ إلَّا لِحَقِّ غَيْرِ الْمُعْتِقِ (وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ فَيُعْتَبَرُ بِحَقِيقَتِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ مَا دَامَ الْمَوْلَى حَيًّا لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ
وَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لِقَصْدِهِ اللَّعِبَ بِهِ دُونَ مَا وُضِعَ الْكَلَامُ لَهُ لَا لِنُقْصَانٍ فِي الْعَقْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَجْرِ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِتْلَافِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَنْفِيذِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ، لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِهِمَا إضَاعَةَ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَجْرِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي جَمِيعِ مَالِهِ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ وَالنَّذْرِ. وَعَنْ الثَّانِي مَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ. وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ قَصْدَ اللَّعِبِ بِالْكَلَامِ وَتَرْكَ مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ مُكَابَرَةِ الْعَقْلِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْحَجْرَ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقِّ) فَإِنَّهُ لَا يُزِيلُ الْخِطَابَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِإِلْزَامِ الْعُقُوبَةِ بِاللِّسَانِ بِاكْتِسَابِ سَبَبِهَا، كَمَا أَنَّ الرِّقَّ كَذَلِكَ (فَلَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ إلَّا الطَّلَاقُ كَالرَّقِيقِ، وَالْإِعْتَاقُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّقِيقِ فَكَذَا مِنْ السَّفِيهِ) قُلْنَا: لَيْسَ السَّفَهُ كَالرِّقِّ لِأَنَّ حَجْرَ الرِّقِّ لِحَقِّ الْغَيْرِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُلَاقِيهِ تَصَرُّفُهُ، حَتَّى إنَّ تَصَرُّفَهُ فِيمَا لَا حَقَّ لِلْغَيْرِ فِيهِ نَافِذٌ كَالْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَهَاهُنَا لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُلَاقِيهِ تَصَرُّفُهُ فَيَكُونُ نَافِذًا (فَإِذَا صَحَّ عِنْدَهُمَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْحَجْرَ لِمَعْنَى النَّظَرِ وَذَلِكَ فِي رَدِّ الْعِتْقِ إلَّا أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ) لِعَدَمِ قَبُولِهِ الْفَسْخَ (فَيَجِبُ رَدُّهُ بِرَدِّ الْقِيمَةِ كَمَا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ) لِأَجْلِ النَّظَرِ لِغُرَمَائِهِ أَوْ وَرَثَتِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ لِغُرَمَائِهِ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ لِمَعْنَى النَّظَرِ إلَى آخِرِ النُّكْتَةِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ، لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ حَقًّا لِمُعْتِقِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرْعِ وَإِنَّمَا الْمَعْهُودُ أَنْ يَجِبَ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ) كَمَا فِي إعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْعَى لِلسَّاكِتِ (وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ جَازَ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ فَيُعْتَبَرُ بِحَقِيقَتِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ إنْشَاءَ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ فَلَأَنْ يَمْلِكَ إنْشَاءَ حَقِّهِ كَانَ أَوْلَى (إلَّا أَنَّهُ لَا تَجِبُ السِّعَايَةُ فِي حَيَاةِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ) وَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ دَيْنًا.
стр. 4368
وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ الرُّشْدُ سَعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمَوْتِهِ وَهُوَ مُدَبَّرٌ، فَصَارَ كَمَا إذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ
(وَلَوْ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْوَلَدُ حُرًّا وَالْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ لِإِبْقَاءِ نَسْلِهِ فَأُلْحِقَ بِالْمُصْلِحِ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ وَقَالَ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، وَإِنْ مَاتَ سَعَتْ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ إذْ لَيْسَ لَهُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْوَلَدَ شَاهِدٌ لَهَا. وَنَظِيرُهُ الْمَرِيضُ إذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً جَازَ نِكَاحُهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ (وَإِنْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا جَازَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ النِّكَاحِ (وَبَطَلَ الْفَضْلُ) لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهَذَا الْتِزَامٌ بِالتَّسْمِيَةِ وَلَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ فَلَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ وَصَارَ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ (وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَجَبَ لَهَا النِّصْفُ فِي مَالِهِ) لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ إلَى مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةً) لِمَا بَيَّنَّا.
فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا لِأَنَّهُ عَتَقَ وَهُوَ مُدَبَّرٌ وَالْعِتْقُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ يُوجِبُ السِّعَايَةَ فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا) أَلَا يَرَى أَنَّ مُصْلِحًا لَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِقِيمَتِهِ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا لِغُرَمَائِهِ. قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ قِنًّا، لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُوجِبُ السِّعَايَةَ قِنًّا كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ لَيْسَ بِسَبَبٍ قَبْلَهُ، إلَّا إنْ جُعِلَ هَاهُنَا سَبَبًا قَبْلَهُ ضَرُورَةً فَلَا تَظْهَرُ سَبَبِيَّتُهُ فِي إيجَابِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ قِنًّا، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَنْعِ عَنْ الْبَيْعِ وَتَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا. قِيلَ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ وَفِيهَا يَسْعَى الْعَبْدُ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ النَّفَاذِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا غَيْرُ، أَلَا يَرَى أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْوَصِيَّةِ صَحِيحٌ دُونَ التَّدْبِيرِ.
(وَلَوْ وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْوَلَدُ حُرًّا وَالْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ لِإِبْقَاءِ نَسْلِهِ) وَ (إبْقَاؤُهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لِحَيَاةِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ) بِبَقَاءِ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَأُلْحِقَ السَّفِيهُ بِالْمُصْلِحِ فِي حَقِّ الِاسْتِيلَادِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ كَانَتْ الْجَارِيَةُ حُرَّةً لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ وَإِنْ مَاتَ مَدْيُونًا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ) أَيْ إنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهَا وَلَدٌ مِنْهُ (وَقَالَ هَذِهِ أُمُّ وَلَدِي كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الدَّعْوَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ دَعْوَةَ تَحْرِيرٍ (فَلَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا، وَإِنْ مَاتَ سَعَتْ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ، إذْ لَيْسَ لَهَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ) فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ حُرَّةٌ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا وَتَسْعَى فِي قِيمَتِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ (بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْوَلَدَ شَاهِدٌ لَهَا) فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَكَذَا فِي دَفْعِ حُكْمِ الْحَجْرِ عَنْ تَصَرُّفِهِ (وَنَظِيرُهُ الْمَرِيضُ إذَا ادَّعَى وَلَدَ جَارِيَتِهِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً جَازَ نِكَاحُهَا) كَلَامُهُ وَاضِحٌ، وَقَوْلُهُ (وَصَارَ كَالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ) يَعْنِي فِي لُزُومِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْدَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ وَسُقُوطِ الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَرَضِ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَهَاهُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَصْلًا.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ) يَعْنِي يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ لَا الزِّيَادَةُ سَوَاءٌ تَزَوَّجَ بِمَهْرٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا وَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَتَبْطُلُ الزِّيَادَةُ (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ النِّكَاحِ، وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتَضَدَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى أَنَّهُ
стр. 4369
قَالَ (وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ (وَيُنْفَقُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ) لِأَنَّ إحْيَاءَ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِقَرَابَتِهِ، وَالسَّفَهُ لَا يُبْطِلُ حُقُوقَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَيْهِ لِيَصْرِفَهَا إلَى مَصْرِفِهَا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ لِكَوْنِهَا عِبَادَةً، لَكِنْ يَبْعَثُ أَمِينًا مَعَهُ كَيْ لَا يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ. وَفِي النَّفَقَةِ يَدْفَعُ إلَى أَمِينِهِ لِيَصْرِفَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَوْ ظَاهَرَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بَلْ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَظِهَارَهُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ بِفِعْلِهِ، فَلَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ يُبَذِّرُ أَمْوَالَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا كَذَلِكَ مَا يَجِبُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ فِعْلِهِ.
قَالَ (فَإِنْ أَرَادَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ (وَلَا يُسَلِّمُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إلَيْهِ وَيُسَلِّمُهَا إلَى ثِقَةٍ مِنْ الْحَاجِّ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ) كَيْ لَا يُتْلِفُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ (وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا) اسْتِحْسَانًا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهَا، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَجِّ (وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقِرَانِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إفْرَادِ السَّفَرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (وَلَا يُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسُوقَ بَدَنَةً) تَحَرُّزًا عَنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، إذْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا وَهِيَ جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ.
قَالَ (فَإِنْ مَرِضَ وَأَوْصَى بِوَصَايَا فِي الْقُرَبِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ جَازَ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ) لِأَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ إذْ هِيَ حَالَةَ
لَا فَائِدَةَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُسَدُّ بَابُ إتْلَافِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، بَلْ هَذَا أَضَرُّ لَهُ مِنْ إتْلَافِهِ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ إذْ هُوَ يَكْتَسِبُ الْمَحْمَدَةَ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالْمَذَمَّةِ فِي التَّزَوُّجِ وَالطَّلَاقِ، قَالَ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ».
قَالَ (وَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ) وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ كَنَفَقَةِ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَهَذَا وَالْمُصْلِحُ فِيهِ سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ وَبِالسَّفَهِ لَا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ فِي إسْقَاطِ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ عَنْهُ، وَلَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، لَكِنْ لَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ فِي الْقَرَابَةِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَعُسْرَةِ الْقَرِيبِ، لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُلْزِمُ إقْرَارُهُ شَيْئًا إلَّا فِي الْوَلَدِ، فَإِنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا تَصَادَقَا عَلَى النَّسَبِ قُبِلَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَصْدِيقِ الْآخَرِ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّسَبِ، وَالسَّفَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ لِكَوْنِهِ مِنْ حَوَائِجِهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ عُسْرَةِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالزَّوْجِيَّةِ صَحِيحٌ وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلِهَا وَالنَّفَقَةُ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ (بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَوْ ظَاهَرَ) يَعْنِي مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ (حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بَلْ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ وَظِهَارَهُ بِصَوْمٍ) لِكُلِّ حِنْثٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَعَنْ كُلِّ ظِهَارٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِلْمَالِ حَالَ التَّكْفِيرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ (مِمَّا يَجِبُ بِفِعْلِهِ) إذْ السَّبَبُ الْتِزَامُهُ فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ مَعْنَى التَّبْذِيرِ بِفَتْحِ هَذَا الْبَابِ وَتَضْيِيعِ فَائِدَةِ الْحَجْرِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الرَّقَبَةِ فَأَنَّى يَصِحُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مُنْتَفِيَةٌ، لِأَنَّ دَلَائِلَ الْحَجْرِ تُوجِبُ السِّعَايَةَ عَلَى مَنْ يُعْتِقُهُ السَّفِيهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَعَ السِّعَايَةِ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الظِّهَارِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَرَادَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً وَاحِدَةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا اسْتِحْسَانًا) لِذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُعْطِيَ لَهَا نَفَقَةَ السَّفَرِ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ عِنْدَنَا تَطَوُّعٌ. كَمَا لَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلْحَجِّ تَطَوُّعًا، فَإِنْ جَنَى جِنَايَةً، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُجْزِئُ فِيهِ الصَّوْمُ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَيْسَ إلَّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَزِمَهُ الدَّمُ يُؤَدِّي إذَا أَصْلَحَ.
(فَإِنْ مَرِضَ وَأَوْصَى) وَقُيِّدَ بِالْمَرَضِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ فِي الْمَرَضِ، فَإِنَّ السَّفِيهَ الصَّحِيحَ
стр. 4370
انْقِطَاعِهِ عَنْ أَمْوَالِهِ وَالْوَصِيَّةُ تَخْلُفُ ثَنَاءً أَوْ ثَوَابًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعَاتِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
قَالَ (وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْفَاسِقِ إذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ عِنْدَنَا وَالْفِسْقُ الْأَصْلِيُّ وَالطَّارِئُ سَوَاءٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحْجَرُ عَلَيْهِ زَجْرًا لَهُ وَعُقُوبَةً عَلَيْهِ كَمَا فِي السَّفِيهِ وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ عِنْدَهُ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ نَوْعُ رُشْدٍ فَتَتَنَاوَلُهُ النَّكِرَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عِنْدَنَا لِإِسْلَامِهِ فَيَكُونُ وَالِيًا لِلتَّصَرُّفِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ
إذَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَحُكْمُهَا كَحُكْمِ الْمَرِيضِ، وَالْقِيَاسُ يَنْفِيهَا كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ فِي حَيَاتِهِ، وَاسْتَحْسَنُوا فِيهَا إذَا وَافَقَ الْحَقَّ وَمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّ نَظَرَهُ فِيهِ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بَعْدَ وُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ مِنْ الْمَالِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَحِينَئِذٍ لَا نَظَرَ لَهُ فِي الْمَانِعِ وَإِنَّمَا النَّظَرُ لَهُ فِي اكْتِسَابِ الثَّنَاءِ الْحَسَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي تَنْفِيذِهَا ذَلِكَ (وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْرِيعَاتِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى) فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالَ: إنَّ الَّذِي بَلَغَ سَفِيهًا وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ وَهُوَ يَعْقِلُ مَا يَصْنَعُهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلِوَصِيِّ الْأَبِ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَى الصَّغِيرِ يَشْتَرِي لَهُ مَالًا وَيَبِيعُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْأَبِ وَلَا وَصِيُّ الْأَبِ عَلَى الْبَائِعِ السَّفِيهِ إلَّا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ. وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَجُوزُ طَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ، وَلَا يَجُوزُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَلَا عَتَاقُهُ، وَالرَّابِعُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ، وَهَذَا السَّفِيهُ إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ صَحَّ تَدْبِيرُهُ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْفَاسِقِ إذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ عِنْدَنَا، وَالْفِسْقُ الْأَصْلِيُّ وَالطَّارِئُ سَوَاءٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُحْجَرُ عَلَيْهِ) وَمَبْنَى هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى أَنَّ الْحَجْرَ عِنْدَهُ لِلزَّجْرِ وَالْعُقُوبَةِ وَالْفَاسِقُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ. وَعِنْدَهُمَا لِلنَّظَرِ لَهُ فِي مَالِهِ فَإِذَا أَصْلَحَ مَالَهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ حَجْرٌ (وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الْآيَةَ) نَكَّرَ الرُّشْدَ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ مِنْهُ وَالْكَثِيرَ، وَمَنْ أَصْلَحَ فِي مَالِهِ فَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ (وَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ عِنْدَنَا لِإِسْلَامِهِ فَيَكُونُ وَالِيًا لِلتَّصَرُّفِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ.
стр. 4371
وَيَحْجُرُ الْقَاضِي عِنْدَهُمَا أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ وَهُوَ أَنْ يُغْبَنَ فِي التِّجَارَاتِ وَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ لِمَا فِي الْحَجْرِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ.
(فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ)
وَيَحْجُرُ الْقَاضِي عِنْدَهُمَا أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِسَفِيهٍ لَكِنَّهُ مُتَغَفِّلٌ) يَعْنِي فِي التِّجَارَاتِ (وَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ لِمَا فِي الْحَجْرِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ مَا حَجَرَ عَلَى حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَكَانَ يُغْبَنُ فِي التِّجَارَاتِ بَلْ قَالَ لَهُ ﷺ «قُلْ لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُغَفَّلِ ثَبَتَ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ لِمَا أَنَّهُ يُتْلِفُ الْأَمْوَالَ كَالسَّفِيهِ فَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ. وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمَنْعِ الْمَالِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحَجْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ فِي حَدِّ الْبُلُوغِ)
الْبُلُوغُ فِي اللُّغَةِ: الْوُصُولُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: انْتِهَاءُ حَدِّ الصِّغَرِ. وَلَمَّا كَانَ الصِّغَرُ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَجَبَ بَيَانُ انْتِهَائِهِ،
стр. 4372
قَالَ (بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ إذَا وَطِئَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً)، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: إذَا تَمَّ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَعَنْهُ فِي الْغُلَامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنْ يَطْعَنَ فِي التَّاسِعِ عَشْرَةَ سَنَةً وَيَتِمُّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَا اخْتِلَافَ. وَقِيلَ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَمَّا الْعَلَامَةُ فَلِأَنَّ الْبُلُوغَ بِالْإِنْزَالِ حَقِيقَةً وَالْحَبَلُ وَالْإِحْبَالُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْإِنْزَالِ، وَكَذَا الْحَيْضُ فِي أَوَانِ الْحَبَلِ، فَجُعِلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْبُلُوغِ، وَأَدْنَى الْمُدَّةِ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الْغُلَامِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي حَقِّ الْجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ. وَأَمَّا السِّنُّ فَلَهُمْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَّةُ أَنَّ الْبُلُوغَ لَا يَتَأَخَّرُ فِيهِمَا عَنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ. وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ وَأَشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَابَعَهُ الْقُتَيْبِيُّ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ فَيُبْنَى الْحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِنَاثَ نُشُوءُهُنَّ وَإِدْرَاكُهُنَّ أَسْرَعُ فَنَقَصْنَا فِي حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي يُوَافِقُ وَاحِدٌ مِنْهَا الْمِزَاجَ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ (وَإِذَا رَاهَقَ الْغُلَامُ أَوْ الْجَارِيَةُ الْحُلُمَ وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْبُلُوغِ فَقَالَ قَدْ بَلَغْتُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ) لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا ظَاهِرًا، فَإِذَا أَخْبَرَا بِهِ وَلَمْ يُكَذِّبْهُمَا الظَّاهِرُ قُبِلَ قَوْلُهُمَا فِيهِ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ.
وَهَذَا الْفَصْلُ لِبَيَانِ ذَلِكَ. قَالَ (بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ إلَخْ) الْحُلُمُ بِالضَّمِّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، يُقَالُ حَلُمَ وَاحْتَلَمَ بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ إذَا وَطِئَ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِنْزَالُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَقَالَا: إذَا تَمَّ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَهَذَا أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَبَعْضُهُمْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁.
(قَوْلُهُ وَإِذَا رَاهَقَ الْغُلَامُ أَوْ الْجَارِيَةُ) يُقَالُ: رَهَقَهُ: أَيْ دَنَا مِنْهُ، وَصَبِيٌّ مُرَاهِقٌ أَيْ دَانٍ لِلْحُلُمِ (وَأَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْبُلُوغِ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُ فَقَالَ قَدْ بَلَغْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا) ثُمَّ قِيلَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ بِالْبُلُوغِ إذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَأَدْنَى الْمُدَّةِ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الْغُلَامِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَفِي حَقِّ الْجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4373
بَابُ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَحْجُرُ فِي الدَّيْنِ، وَإِذَا وَجَبَتْ دُيُونٌ عَلَى رَجُلٍ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ وَالْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ أَحْجُرْ عَلَيْهِ) لِأَنَّ فِي الْحَجْرِ إهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٍّ
بَابُ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ)
الدَّيْنُ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ عِنْدَهُمَا، لَكِنْ بِشَرْطِ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْكَبِ فَلَا جَرَمَ آثَرَ تَأْخِيرَهُ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ احْتِيَاطًا لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ إنْ وَقَعَ، وَأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْحَجْرَ كَانَ بِسَبَبِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ لَهُ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَحْدُثُ لَهُ بِالْكَسْبِ أَوْ غَيْرِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْحَادِثِ نَفَذَ، وَأَنْ يُبَيِّنَ مِنْ الْحَجْرِ لِأَجْلِهِ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ بِإِبْرَاءِ الْغَرِيمِ وَوُصُولِ حَقِّهِ إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ (وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُجَوِّزُهُ لِأَنَّ فِيهِ إهْدَارَ أَهْلِيَّتِهِ) وَذَلِكَ ضَرَرٌ فَوْقَ ضَرَرِ الْمَالِ، فَلَا يُتْرَكُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى. فَإِنْ قِيلَ: إهْدَارُ الْأَهْلِيَّةِ ضَرَرٌ يَلْحَقُ الْمَدْيُونَ وَتَرْكُ الْحَجْرِ ضَرَرٌ يَلْحَقُ الدَّائِنَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَوَّلُ أَعْلَى أَنْ لَوْ كَانَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ضَرَرَ الدَّائِنِ يَنْدَفِعُ بِالْحَبْسِ لَا مَحَالَةَ، وَالْحَبْسُ ضَرَرٌ يَلْحَقُ الْمَدْيُونَ مُجَازَاةً شَرْعًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَى مَا انْدَفَعَ بِهِ ضَرَرُ الدَّائِنِ وَإِهْدَارُ الْأَهْلِيَّةِ أَعْلَى مِنْ الْحَبْسِ
стр. 4374
(فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْحَاكِمُ) لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ، وَلِأَنَّهُ تِجَارَةٌ لَا عَنْ تَرَاضٍ فَيَكُونُ بَاطِلًا بِالنَّصِّ
فَيَكُونُ أَعْلَى مِنْ ضَرَرِ الدَّائِنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْحَاكِمُ لِأَنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ وَلِأَنَّهُ تِجَارَةٌ لَا عَنْ تَرَاضٍ فَيَكُونُ بَاطِلًا بِالنَّصِّ،
стр. 4375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4376
(وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ أَبَدًا حَتَّى يَبِيعَهُ فِي دَيْنِهِ) إيفَاءً لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَدَفْعًا لِظُلْمِهِ (وَقَالَا: إذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ
وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَبِيعَهُ فِي دَيْنِهِ إيفَاءً لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَدَفْعًا لِظُلْمِهِ. وَقَالَا: إذَا طَلَبَ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
стр. 4377
وَمَنَعَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْإِقْرَارِ حَتَّى لَا يُضِرَّ بِالْغُرَمَاءِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ إنَّمَا جَوَّزَاهُ نَظَرًا لَهُ، وَفِي هَذَا الْحَجْرِ نَظَرٌ لِلْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ عَسَاهُ يُلْجِئُ مَالَهُ فَيَفُوتُ حَقُّهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمَا وَمَنَعَهُ مِنْ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَمَّا الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْمَنْعُ لِحَقِّهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ. قَالَ (وَبَاعَ مَالَهُ إنْ امْتَنَعَ الْمُفْلِسُ مِنْ بَيْعِهِ وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ الْبَيْعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِإِيفَاءِ دَيْنِهِ حَتَّى يُحْبَسَ لِأَجْلِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. قُلْنَا: التَّلْجِئَةُ مَوْهُومَةٌ، وَالْمُسْتَحَقُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ، وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ مُتَعَيِّنٍ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْحَبْسُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ الطَّرِيقِ، كَيْفَ وَلَوْ صَحَّ الْبَيْعُ كَانَ الْحَبْسُ إضْرَارًا بِهِمَا بِتَأْخِيرِ حَقِّ الدَّائِنِ وَتَعْذِيبِ الْمَدْيُونِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا. قَالَ (وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَرَاهِمُ قَضَى الْقَاضِي بِغَيْرِ أَمْرِهِ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ لِلدَّائِنِ حَقَّ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ (وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ وَلَهُ دَنَانِيرُ أَوْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ بَاعَهَا الْقَاضِي فِي دَيْنِهِ)
وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَاتِ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَنْ يَبِيعَ بِالْغَبْنِ يَسِيرًا كَانَ أَوْ فَاحِشًا.
وَقَوْلُهُ (التَّلْجِئَةُ مَوْهُومَةٌ) لِأَنَّهُ احْتِمَالٌ مَرْجُوحٌ فَلَا يُهْدَرُ بِهِ أَهْلِيَّةُ الْإِنْسَانِ وَلَا يُرْتَكَبُ الْبَيْعُ بِلَا تَرَاضٍ. وَقَوْلُهُ (وَالْبَيْعُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِيفَاءُ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَالِاسْتِيهَابِ وَالسُّؤَالِ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَعْيِينُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ) فَإِنَّ التَّفْرِيقَ هُنَاكَ مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنْ التَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّفْرِيقِ (قَوْلُهُ وَالْحَبْسُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا حَتَّى يُحْبَسُ بِرَفْعِ السِّينِ لِأَجْلِهِ: أَيْ لِأَجْلِ الْبَيْعِ وَتَقْرِيرُهُ. سَلَّمْنَا لُزُومَ الْحَبْسِ لَكِنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ الْبَيْعِ بَلْ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِمَا اخْتَارَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاسْتِقْرَاضِ وَالِاسْتِيهَابِ وَسُؤَالِ الصَّدَقَةِ وَبَيْعِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ كَيْفَ) أَيْ كَيْفَ صَحَّ الْبَيْعُ (وَلَوْ صَحَّ الْمَبِيعُ كَانَ الْحَبْسُ ظُلْمًا لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِمَا بِتَأْخِيرِ حَقِّ الدَّائِنِ وَتَعْذِيبِ الْمَدْيُونِ فَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا)
стр. 4378
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ كَمَا فِي الْعُرُوضِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَهُ جَبْرًا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الثَّمَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ مُخْتَلِفَانِ فِي الصُّورَةِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى الِاتِّحَادِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الِاخْتِلَافِ يُسْلَبُ عَنْ الدَّائِنِ وِلَايَةُ الْأَخْذِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، بِخِلَافِ الْعُرُوضِ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِصُوَرِهَا وَأَعْيَانِهَا، أَمَّا النُّقُوذُ فَوَسَائِلُ فَافْتَرَقَا
(وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ النُّقُودُ ثُمَّ الْعُرُوض ثُمَّ الْعَقَارُ يُبْدَأُ بِالْأَيْسَرِ فَالْأَيْسَرِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ مُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمَدْيُونِ (وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ دَسْتُ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَيُبَاعُ الْبَاقِي) لِأَنَّ بِهِ كِفَايَةً وَقِيلَ دَسْتَانِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ، لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ ثِيَابَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَلْبَسٍ.
قَالَ (فَإِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الْحَجْرِ بِإِقْرَارٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ)، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمَالِ حَقُّ الْأَوَّلِينَ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهِمْ بِالْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (وَلَوْ اسْتَفَادَ مَالًا آخَرَ بَعْدَ الْحَجْرِ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِيهِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِعَدَمِهِ وَقْتَ الْحَجْرِ.
قَالَ (وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَذَوِي أَرْحَامِهِ مِمَّنْ يَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ حَاجَتَهُ الْأَصْلِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِغَيْرِهِ فَلَا
وَلَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ (قَوْلُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ هَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُرَدُّ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقَاضِي عَلَى الْمَدْيُونِ فِي الْعُرُوضِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ فِي النَّقْدَيْنِ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ وَهُوَ بَيْعُ الصَّرْفِ (قَوْلُهُ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ) قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ لِلْغَرِيمِ وِلَايَةُ الْأَخْذِ نَظَرًا إلَى الِاتِّحَادِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَرْكُ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي أَعَمُّ وَأَقْوَى، فَلَوْ ثَبَتَ لِلْغَرِيمِ وِلَايَةُ الْأَخْذِ مَعَ قُصُورِهِ لَثَبَتَ لِلْقَاضِي لِقُوَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ النُّقُودُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ نَصَّبَ نَاظِرًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لِلْمَدْيُونِ كَمَا يَنْظُرُ لِلْغُرَمَاءِ فَيَبِيعُ مَا كَانَ أَنْظَرَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الِاسْتِهْلَاكِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ قَضَاءِ الدُّيُونِ: يَعْنِي إذَا اسْتَهْلَكَ مَالَ الْغَيْرِ فِي حَالَةِ الْحَجْرِ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِهِ قَبْلَ قَضَاءِ الدُّيُونِ فَكَانَ الْمُتْلَفُ عَلَيْهِ أُسْوَةً لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ (لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا مَرَدَّ لَهُ) بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّ سَبَبَهُ مُحْتَمَلٌ.
وَقَوْلُهُ
стр. 4379
يُبْطِلُهُ الْحَجْرُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً كَانَتْ فِي مِقْدَارِ مَهْرِ مِثْلِهَا أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ وَطَلَبَ غُرَمَاؤُهُ حَبْسَهُ وَهُوَ يَقُولُ لَا مَالَ لِي حَبَسَهُ الْحَاكِمُ فِي كُلِّ دَيْنٍ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ كَالْمَهْرِ وَالْكَفَالَةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ بِوُجُوهِهِ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا نُعِيدُهَا.
إلَى أَنْ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ: يَعْنِي خَلَّى سَبِيلَهُ لِوُجُوبِ النَّظِرَةِ إلَى الْمَيْسَرَةِ، وَلَوْ مَرِضَ فِي الْحَبْسِ يَبْقَى فِيهِ إنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَقُومُ بِمُعَالَجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ تَحَرُّزًا عَنْ هَلَاكِهِ، وَالْمُحْتَرِفُ فِيهِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِهِ هُوَ الصَّحِيحُ لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ فَيَنْبَعِثَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ وَفِيهِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ وَطْؤُهَا لَا يُمْنَعُ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَضَاءُ إحْدَى الشَّهْوَتَيْنِ فَيُعْتَبَرُ بِقَضَاءِ الْأُخْرَى. قَالَ (وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحَبْسِ يُلَازِمُونَهُ وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدٌ وَلِسَانٌ» أَرَادَ بِالْيَدِ الْمُلَازَمَةَ وَبِاللِّسَانِ التَّقَاضِيَ. قَالَ (وَيَأْخُذُونَ فَضْلَ كَسْبِهِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ) لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ فِي الْقُوَّةِ (وَقَالَا: إذَا فَلَّسَهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ تَحَرُّزًا عَنْ هَلَاكِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إهْلَاكُهُ لِمَكَانِ الدَّيْنِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ الْهَلَاكُ إلَيْهِ بِالْمَخْمَصَةِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إهْلَاكُهُ لِأَجْلِ مَالِ الْغَيْرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ السِّجْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ، وَأَنَّهُ فِي الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَمْنَعُ عَنْ الِاكْتِسَابِ فِي السِّجْنِ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، لِجَانِبِ الْمَدْيُونِ لِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَلِرَبِّ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ إذَا فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يُصْرَفُ ذَلِكَ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُرَمَائِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحَبْسِ) أَيْ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَدُورُوا مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ (يُلَازِمُونَهُ وَلَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدٌ وَلِسَانٌ» أَرَادَ بِالْيَدِ الْمُلَازَمَةَ، وَبِاللِّسَانِ التَّقَاضِي) وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الزَّمَانِ فَيَتَنَاوَلُ الزَّمَانَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ عَنْ الْحَبْسِ وَقَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ (يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ) أَيْ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، هَذَا إذَا أَخَذُوا فَضْلَ كَسْبِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَوْ أَخَذَهُ الْقَاضِي وَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ. وَأَمَّا الْمَدْيُونُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لَوْ آثَرَ أَحَدَ الْغُرَمَاءِ عَلَى غَيْرِهِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِاخْتِيَارِهِ فَلَهُ
стр. 4380
الْحَاكِمُ حَالَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ مَالًا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِفْلَاسِ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ فَتَثْبُتُ الْعُسْرَةُ وَيَسْتَحِقُّ النَّظِرَةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا يَتَحَقَّقُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْلَاسِ، لِأَنَّ مَالَ اللَّهِ تَعَالَى غَادٍ وَرَائِحٌ، وَلِأَنَّ وُقُوفَ الشُّهُودِ عَلَى عَدَمِ الْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا ظَاهِرًا فَيَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْمُلَازَمَةِ. وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْيَسَارِ تَتَرَجَّحُ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا، إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْعُسْرَةُ. وَقَوْلُهُ فِي الْمُلَازَمَةِ لَا يَمْنَعُونَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالسَّفَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ وَلَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَنَّهُ حَبْسٌ (وَلَوْ دَخَلَ دَارِهِ لِحَاجَتِهِ لَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعُ خَلْوَةٍ، وَلَوْ اخْتَارَ الْمَطْلُوبُ الْحَبْسَ وَالطَّالِبُ الْمُلَازَمَةَ فَالْخِيَارُ إلَى الطَّالِبِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ لِاخْتِيَارِهِ الْأَضْيَقَ عَلَيْهِ، إلَّا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِالْمُلَازَمَةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِأَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ دُخُولِهِ دَارِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْبِسُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ
(وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا يُلَازِمُهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَلَكِنْ يَبْعَثُ امْرَأَةً أَمِينَةً تُلَازِمُهَا.
قَالَ (وَمَنْ أَفْلَسَ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحْجُرُ الْقَاضِي عَلَى الْمُشْتَرِي بِطَلَبِهِ
ذَلِكَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ فَقَالَ: رَجُلٌ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةٍ وَلِآخَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَلِآخَرَ مِنْهُمْ مِائَتَانِ وَمَالُهُ خَمْسُمِائَةٍ، فَاجْتَمَعَ الْغُرَمَاءُ وَحَبَسُوهُ بِدُيُونِهِمْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَيْفَ يَقْسِمُ أَمْوَالَهُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ حَاضِرًا فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ دُيُونَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْقَضَاءِ، وَيُؤْثِرَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ فَيَنْصَرِفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ غَائِبًا وَالدُّيُونُ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَالْقَاضِي يَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ، إذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ تَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ (بَيِّنَةُ الْيَسَارِ تَتَرَجَّحُ) الْيَسَارُ اسْمٌ لِلْإِيسَارِ مِنْ أَيْسَرَ: أَيْ اسْتَغْنَى، وَالْإِعْسَارُ مَصْدَرُ أَعْسَرَ: أَيْ افْتَقَرَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى بَيِّنَةِ الْعِسَارِ بِمَعْنَى الْإِعْسَارِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا) لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِعْسَارِ تُؤَكِّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، إذْ الْأَصْلُ هُوَ الْعُسْرَةُ فَصَارَ كَبَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ فِي مُقَابَلَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُلَازَمَةِ (لَا يَمْنَعُونَهُ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلْمُلَازَمَةِ (وَلَا يُجْلِسُهُ فِي مَوْضِعٍ لِأَنَّهُ حَبْسٌ) وَلَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالسِّكَكِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَيَتَضَرَّرُ الْمُدَّعِي (وَلَوْ دَخَلَ دَارِهِ لِحَاجَتِهِ) كَغَدَاءٍ أَوْ غَائِطٍ (لَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْضِعِ خَلْوَةٍ) وَعَنْ هَذَا قِيلَ: إذَا أَعْطَاهُ الْغَدَاءَ أَوْ أَعَدَّ لَهُ مَوْضِعًا لِأَجْلِ الْغَائِطِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَهْرُبَ (وَلَوْ اخْتَارَ الْمَطْلُوبُ الْحَبْسَ وَالطَّالِبُ الْمُلَازَمَةَ فَالْخِيَارُ إلَى الطَّالِبِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ لِاخْتِيَارِهِ الْأَضْيَقَ) وَالْأَشَدَّ (عَلَيْهِ إلَّا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ بِالْمُلَازَمَةِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ بِأَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ دُخُولِهِ دَارِهِ فَحِينَئِذٍ يَحْبِسُهُ
دَفْعًا لِلضَّرَرِ
عَنْهُ) وَفِي مَعْنَاهُ مَنْعُهُ عَنْ الْإِكْسَابِ بِقَدْرِ قُوتِ يَوْمِهِ وَلِعِيَالِهِ.
(وَالدَّائِنُ الرَّجُلُ لَا يُلَازِمُ الْمَدْيُونَةَ لِاسْتِلْزَامِهَا الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، لَكِنْ يَبْعَثُ امْرَأَةً أَمِينَةً تُلَازِمُهَا).
قَالَ (وَمَنْ أَفْلَسَ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ) إذَا اشْتَرَى مَتَاعًا مِنْ رَجُلٍ فَأَفْلَسَ وَالْمَتَاعُ بَاقٍ فِي يَدِهِ (فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يَحْجُرُ الْقَاضِي بِطَلَبِ الْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي) حَتَّى لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ
следующие страницы →