← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ، بِخِلَافِ السَّمْنِ فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَذِّرٌ. وَلَنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ الْجَانِبَيْنِ وَالْخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ السَّاحَةِ بَنَى فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لَهُ بَعْدَ النَّقْضِ؛ أَمَّا الصِّبْغُ فَيَتَلَاشَى، وَبِخِلَافِ مَا إذَا انْصَبَغَ بِهُبُوبِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ لِيَضْمَنَ الثَّوْبَ فَيَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الْأَصْلِ الصِّبْغَ. قَالَ أَبُو عِصْمَةَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِنْ شَاءَ رَبُّ الثَّوْبِ بَاعَهُ وَيَضْرِبُ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ وَصَاحِبُ الصَّبْغِ بِمَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ الصَّبْغَ بِالْقِيمَةِ، وَعِنْدَ امْتِنَاعِهِ تَعَيَّنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَيَتَأَتَّى، هَذَا فِيمَا إذَا انْصَبَغَ الثَّوْبُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا لِوَجْهٍ فِي السَّوِيقِ، غَيْرَ أَنَّ السَّوِيقَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ وَالثَّوْبُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ. وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ السَّوِيقَ يَتَفَاوَتُ بِالْقَلْيِ فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمِثْلُ سَمَّاهُ بِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، وَالصُّفْرَةُ كَالْحُمْرَةِ. وَلَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَهُوَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا زِيَادَةٌ. وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ. وَقِيلَ إنْ كَانَ ثَوْبًا يُنْقِصُهُ السَّوَادُ فَهُوَ نُقْصَانٌ، وَإِنْ كَانَ ثَوْبًا يُزِيدُ فِيهِ السَّوَادُ فَهُوَ كَالْحُمْرَةِ وَقَدْ عُرِفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا تُنْقِصُهُ الْحُمْرَةُ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَتَرَاجَعَتْ بِالصَّبْغِ إلَى عِشْرِينَ، فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى ثَوْبٍ تُزِيدُ فِيهِ الْحُمْرَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةً يَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْخَمْسَتَيْنِ جُبِرَتْ بِالصَّبْغِ. كَمَا أَنَّ فِي فَصْلِ السَّاحَةِ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ إذَا لَمْ تَتَضَرَّرْ الْأَرْضُ بِهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَغْلَ مِلْكِ الْغَيْرِ بِمِلْكِهِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّمْيِيزَ مُمْكِنٌ) يَعْنِي بِالْعَصْرِ. وَقَوْلُهُ (وَلَنَا مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ بِالْجِيمِ بِقَوْلِهِ وَوَجْهٌ آخَرُ لَنَا. وَقَوْلُهُ (وَالْخَيْرُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ لَا يَكُونُ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الصَّبْغِ: يَعْنِي إنْ شَاءَ سَلَّمَ الثَّوْبَ إلَى مَالِكِهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ صَبْغِهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ. وَبَيَانُهُ أَنَّ تَخْيِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَعَذِّرٌ لِجَوَازِ وُقُوعِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا، وَتَخْيِيرُ الْمَالِكِ أَوْلَى لِأَنَّ الثَّوْبَ أَصْلٌ وَالصَّبْغَ صِفَةٌ فَيَكُونُ كَالتَّابِعِ لَهُ، وَالسَّوِيقُ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ وَالسَّمْنُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ (قَالَ أَبُو عِصْمَةَ الْمَرْوَزِيُّ) ﵀ (فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَمَنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ، وَاحْتُرِزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَنْ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عِصْمَةَ مُتَّصِلٌ بِمَا يَلِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الِانْصِبَاغِ وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الِانْصِبَاغِ كَذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ مِنْ أَبِي عِصْمَةَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ تَصْحِيحًا لِلنَّقْلِ (وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا) فِي مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ وَالِانْصِبَاغِ (الْوَجْهُ) يَعْنِي جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ وَتَعْلِيلَهَا (فِي السَّوِيقِ) مِنْ حَيْثُ الْخَلْطُ وَالِاخْتِلَاطُ بِغَيْرِ فِعْلٍ (غَيْرَ أَنَّ السَّوِيقَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَيَضْمَنُ مِثْلَهُ، وَالثَّوْبُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ. وَقَالَ فِي الْأَصْلِ: يَضْمَنُ قِيمَةَ السَّوِيقِ لِأَنَّ السَّوِيقَ يَتَفَاوَتُ بِالْقَلْيِ فَلَمْ يَبْقَ مِثْلِيًّا. وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ (الْمِثْلُ سَمَّاهُ بِهِ) أَيْ سَمَّى الْمِثْلَ بِالْقِيمَةِ (لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ) أَيْ لِقِيَامِ الْمِثْلِ مَقَامَ الْمَغْصُوبِ، وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ فِي مِنْهُ وَبِهِ بِتَأْوِيلِ مَا يُقَوَّمُ (قَوْلُهُ فَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَخْ) مَعْنَاهُ إنْ نَظَرَ إلَى ثَوْبٍ تَزِيدُ فِيهِ الْحُمْرَةُ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَمْسَةً مَثَلًا يَأْخُذُ ثَوْبَهُ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ، لِأَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ اسْتَوْجَبَ نُقْصَانَ الثَّوْبِ عَشْرَةً وَاسْتَوْجَبَ الصَّبَّاغُ عَلَيْهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ خَمْسَةً، فَالْخَمْسَةُ بِالْخَمْسَةِ قِصَاصٌ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ النُّقْصَانِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَهَذَا رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.

стр. 4447

(فَصْلٌ) وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مَلَكَهَا وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ. وَلَنَا أَنَّهُ مَلَكَ الْبَدَلَ بِكَمَالِهِ، وَالْمُبَدَّلُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَيَمْلِكُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ لِحَقِّ الْمُدَبَّرِ، (فَصْلٌ): لَمَّا فَرَغَ مِنْ كَيْفِيَّةِ مَا يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْغَاصِبِ بِالضَّمَانِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ تَتَّصِلُ بِمَسَائِلِ الْغَصْبِ. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَيْنًا فَغَيَّبَهَا) فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ صَبَرَ إلَى أَنْ تُوجَدَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ فَضَمِنَهَا الْغَاصِبُ مَلَكَهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. قَالَ (الْغَصْبُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ) كَمَا لَوْ غَصَبَ مُدَبَّرًا وَغَيَّبَهُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالِاتِّفَاقِ (وَلَنَا الْمَالِكُ مَلَكَ الْبَدَلَ وَهُوَ الْقِيمَةُ بِكَمَالِهِ) يَعْنِي يَدًا وَرَقَبَةً، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ بَدَلَ شَيْءٍ خَرَجَ الْمُبْدَلُ عَنْ مِلْكِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ وَدَخَلَ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْبَدَلِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مَالِكِ الْبَدَلِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُبْدَلُ قَابِلًا لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَالْمُدَبَّرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَلَامُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ الْغَصْبُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ مُنَاسِبًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ ﵀، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأَسْرَارِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏: الْغَصْبُ يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْمَغْصُوبِ عِنْدَ الْقَضَاءِ

стр. 4448

نَعَمْ قَدْ يُفْسَخُ التَّدْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لَكِنَّ الْبَيْعَ بَعْدَهُ يُصَادِفُ الْقِنَّ. قَالَ (وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِالْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ. بِالضَّمَانِ أَوْ التَّرَاضِي. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذَا وَهْمٌ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ لِلْغَاصِبِ حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْوَلَدُ، وَلَوْ كَانَ الْغَصْبُ هُوَ السَّبَبُ لَكَانَ إذَا تَمَّ الْمِلْكُ بِذَلِكَ السَّبَبِ يَمْلِكُ الزَّوَائِدَ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ وَمَعَ هَذَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَعْضُ الشُّنْعَةِ، فَالْغَصْبُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ وَالْمِلْكُ حُكْمٌ مَشْرُوعٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَيَكُونُ سَبَبُهُ مَشْرُوعًا مَرْغُوبًا فِيهِ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَ الْعُدْوَانُ الْمَحْضُ سَبَبًا لَهُ، فَإِنَّهُ تَرْغِيبٌ لِلنَّاسِ فِيهِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَرْغُوبٌ لَهُمْ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ مِثْلِهِ إلَى الشَّرْعِ. وَقِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِكَوْنِ الْغَصْبِ سَبَبًا لِلْمِلْكِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ أَنَّهُ يُوجِبُهُ مُطْلَقًا بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ، وَالثَّابِتُ بِهِ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ. وَقَوْلُهُ (نَعَمْ قَدْ يُفْسَخُ التَّدْبِيرُ بِالْقَضَاءِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ، فَإِنَّ مَوْلَاهُ لَوْ بَاعَهُ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ جَازَ الْبَيْعُ وَفُسِخَ التَّدْبِيرُ. وَتَقْرِيرُهُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ: يَعْنِي نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ هُوَ فِي ضِمْنِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْفَصْلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَحِينَئِذٍ كَانَ مُصَادِفًا لِلْقِنِّ لَا لِلْمُدَبَّرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِمُصَادَفَتِهِ الْقِنَّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ التَّدْبِيرُ وَالْكَلَامُ فِيهِ. قَالَ (وَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ) إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَاصِبِ بَلْ يَكُونُ لِلْمَالِكِ (لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِالْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ يَمِينَ الْغَاصِبِ وَلِلْغَاصِبِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ، بَلْ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَنْفِي الزِّيَادَةَ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا ﵏: يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ كَالْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ. وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ ﵀ يَقُولُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عُدَّتْ مُشْكِلَةً. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْوَدِيعَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمُودَعَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ، وَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَسْقَطَهَا وَارْتَفَعَتْ الْخُصُومَةُ. وَأَمَّا الْغَاصِبُ فَعَلَيْهِ هَاهُنَا الْيَمِينُ وَالْقِيمَةُ، وَبِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا الْيَمِينُ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْوَدِيعَةِ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ اخْتَارَ قَوْلَ مَنْ

стр. 4449

قَالَ (فَإِنْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ وَقَدْ ضَمِنَهَا بِقَوْلِ الْمَالِكِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا أَوْ بِنُكُولِ الْغَاصِبِ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ وَهُوَ الْغَاصِبُ)؛ لِأَنَّهُ تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ بِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِهِ رِضَا الْمَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا الْمِقْدَارَ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ حَيْثُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الْحُجَّةِ. وَلَوْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا مِثْلَ مَا ضَمَّنَهُ أَوْ دُونَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ ﵀ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ حَيْثُ لَمْ يُعْطِ لَهُ مَا يَدَّعِيهِ وَالْخِيَارُ لِفَوَاتِ الرِّضَا. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ)؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ الثَّابِتَ فِيهِ نَاقِصٌ لِثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةً، وَلِهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ دُونَ الْأَوْلَادِ، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُقُودِ الْبَيْعِ دُونَ قَالَ: ذِكْرُ أَوْصَافِ الْمَغْصُوبِ فِي دَعْوَى الْغَصْبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ جَارِيَةً لَهُ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ بِهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ ﵀: يَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، لِأَنَّهُ قَالَ: أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ غَصَبَ جَارِيَةً لَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَقِيمَتَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَصَحَّ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَمْتَنِعُ عَنْ إحْضَارِ الْمَغْصُوبِ عَادَةً، وَحِينَ يُغْصَبُ إنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ الشُّهُودِ مُعَايَنَةُ فِعْلِ الْغَصْبِ دُونَ الْعِلْمِ بِأَوْصَافِ الْمَغْصُوبِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ عِلْمِهِمْ بِالْأَوْصَافِ لِأَجْلِ التَّعَذُّرِ، وَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ فِعْلُ الْغَصْبِ فِي مَحَلٍّ هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَصَارَ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ كَثُبُوتِهِ بِإِقْرَارِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَجِيءَ بِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ مَا قَالَ: تَأْوِيلُهَا أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْغَاصِبِ بِذَلِكَ، فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِ الْغَصْبِ فَلَا تُقْبَلُ مَعَ جَهَالَةِ الْمَغْصُوبِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فِي الْمَغْصُوبِ وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ (فَإِنْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِمَّا ضَمِنَ) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَ بَعْدَ تَمَامِ الرِّضَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ ضَمِنَهَا بِقَوْلِ الْمَالِكِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْمَالِكُ أَوْ بِنُكُولِ الْغَاصِبِ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَالِكِ وَالْعَيْنُ لِلْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ بِسَبَبٍ اتَّصَلَ بِهِ رِضَا الْمَالِكِ حَيْثُ ادَّعَى هَذَا الْمِقْدَارَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَمَا لَوْ ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ، إنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ حَيْثُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ، فَإِنْ قِيلَ: أَخْذُهُ الْقِيمَةَ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الرِّضَا فَكَانَتْ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَأَخْذُهُ دُونَهَا) أَيْ أَخْذُ الْمَالِكِ مَا دُونَ الزِّيَادَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ الرِّضَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ عَدَمُ الْحُجَّةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تِلْكَ الْقِيمَةَ كَانَتْ بِاخْتِيَارِهِ (وَلَوْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ وَقِيمَتُهَا مِثْلُ مَا ضَمِنَهُ أَوْ دُونَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ) يَعْنِي مَا إذَا ضَمِنَهُ بِقَوْلِ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ (فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ) أَيْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَمْضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَيْنَ وَرَدَّ الْعِوَضَ (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀: لَا خِيَارَ لَهُ فِي اسْتِرْدَادِهَا لِأَنَّهُ تَوَفَّرَ عَلَيْهِ بَدَلُ مِلْكِهِ بِكَمَالِهِ (وَهُوَ) أَيْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (الْأَصَحُّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِزَوَالِ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ حَيْثُ لَمْ يُعْطِ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَمَا لَمْ يَتِمَّ الرِّضَا لَمْ يَسْقُطْ الْخِيَارُ. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ إلَخْ)

стр. 4450

الْعِتْقِ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ. قَالَ (وَوَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ وَنَمَاؤُهَا، وَثَمَرَةُ الْبُسْتَانِ الْمَغْصُوبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إنْ هَلَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُتَعَدَّى فِيهَا أَوْ يَطْلُبَهَا مَالِكُهَا فَيَمْنَعُهَا إيَّاهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً لِوُجُودِ الْغَصْبِ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا فِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ إذَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَ الْمَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَيَدُ الْمَالِكِ مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ، وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَبَاعَهُ فَضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْغَاصِبُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ الثَّابِتَ فِيهِ نَاقِصٌ لِثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا أَوْ ضَرُورَةَ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْأَكْسَابِ دُونَ الْأَوْلَادِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَالنَّاقِصُ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ دُونَ الْإِعْتَاقِ بِالنَّصِّ كَمِلْكِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَقُيِّدَ بِإِعْتَاقِ الْغَاصِبِ ثُمَّ بِتَضْمِينِهِ احْتِرَازٌ عَنْ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ ثُمَّ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ: فِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ قِيَاسًا عَلَى الْوَقْفِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ (وَوَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ وَنَمَاؤُهَا) كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ (وَثَمَرَةُ الْبُسْتَانِ الْمَغْصُوبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْجُحُودِ عِنْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ) وَالْأَكْسَابُ الْحَاصِلَةُ بِاسْتِغْلَالِ الْغَاصِبِ لَيْسَتْ مِنْ نَمَائِهِ فِي شَيْءٍ حَتَّى تُضْمَنَ بِالتَّعَدِّي لِمَا أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ، وَمَنَافِعُهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عِنْدَنَا فَكَذَا بَدَلُهَا. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: زَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونَةٌ مُتَّصِلَةً كَانَتْ أَوْ مُنْفَصِلَةً) بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ عِنْدَهُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، فَكَانَ كَالظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ إذَا وَلَدَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ فِي حَقِّ الْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنِعَ مِنْ الْمَخْرَجِ (وَلَنَا أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ يَدَ الْمَالِكِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا) فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْغَصْبِ، وَإِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهَا مَا كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يُزِيلَهَا الْغَاصِبُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَلَدَ إذَا غَصَبَ الْجَارِيَةَ حَامِلًا، لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا غَصَبَهَا غَيْرَ حَامِلٍ فَحَبِلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَوَلَدَتْ، وَالرِّوَايَةُ فِي الْأَسْرَارِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ بِمَالٍ بَلْ يُعَدُّ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ فَلَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ،

стр. 4451

وَلَوْ اُعْتُبِرَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْوَلَدِ لَا يُزِيلُهَا، إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْمَنْعِ، حَتَّى لَوْ مَنَعَ الْوَلَدَ بَعْدَ طَلَبِهِ يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إذَا تَعَدَّى فِيهِ كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَذَلِكَ بِأَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، وَفِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ لَا يَضْمَنُ وَلَدَهَا إذَا هَلَكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِرْسَالِ لِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إذَا هَلَكَ بَعْدَهُ لِوُجُودِ الْمَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الشَّرْعُ، عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا. وَلَوْ أَطْلَقَ الْجَوَابَ فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ، سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ لَا إزَالَةَ ثَمَّةَ ظَاهِرًا، إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْمَنْعِ عِنْدَ الطَّلَبِ، حَتَّى لَوْ مَنَعَهُ بَعْدَ الطَّلَبِ أَوْ تَعَدَّى فِيهِ قُلْنَا بِالضَّمَانِ كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ، وَذَلِكَ بِأَنْ أَتْلَفَهُ أَوْ ذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ التَّسْلِيمَ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ بَلْ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَهُ فَإِنَّ تَفْوِيتَ يَدِهِ يَحْصُلُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْغَاصِبِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْأُمَّ مَضْمُونَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَالْأَوْصَافُ الْقَارَّةُ فِي الْأُمَّهَاتِ تَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ كَالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالْمِلْكِ فِي الشِّرَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ بِصِفَةٍ قَارَّةٍ فِي الْأُمِّ بَلْ هُوَ لُزُومُ حَقٍّ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ وُصِفَ بِهِ الْمَالُ كَانَ مَجَازًا. فَإِنْ قِيلَ: وَقَدْ وُجِدَ الضَّمَانُ فِي مَوَاضِعَ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا فَكَانَ أَمَارَةَ زَيْفِهَا، وَذَلِكَ كَغَاصِبِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يُزِلْ يَدَ الْمَالِكِ بَلْ أَزَالَ يَدَ الْغَاصِبِ، وَالْمُلْتَقِطُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِشْهَادِ وَلَمْ يُزِلْ يَدًا، وَالْمَغْرُورُ إذَا مَنَعَ الْوَلَدَ يَضْمَنُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ يُزِلْ يَدًا فِي حَقِّ الْوَلَدِ، وَيَضْمَنُ الْأَمْوَالَ بِالْإِتْلَافِ تَسَبُّبًا كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ إزَالَةُ يَدِ أَحَدٍ وَلَا إثْبَاتُهَا. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا قُلْنَا إنَّ الْغَصْبَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ يُوجِبُ الضَّمَانَ مُطَّرِدٌ لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَانَ غَصْبًا فَلَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ حُكْمًا نَوْعِيًّا يَثْبُتُ كُلُّ شَخْصٍ مِنْهُ بِشَخْصٍ مِنْ الْعِلَّةِ مِمَّا يَكُونُ تَعَدِّيًا (قَوْلُهُ وَفِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا فِي الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ إنْ قَاسَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِرْسَالِ فَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ عِنْدَنَا لِعَدَمِ الْمَنْعِ، وَإِنْ قَاسَ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْمَنْعِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الشَّرْعُ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأُمَّ مَضْمُونَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْجَوَابِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا (وَإِذَا أَطْلَقَ) يَعْنِي لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ سَوَاءٌ هَلَكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِرْسَالِ أَوْ بَعْدَهُ (فَهُوَ ضَمَانُ جِنَايَةٍ) أَيْ إتْلَافٍ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ وَزَوَائِدَهُ كَانَ

стр. 4452

وَلِهَذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا، وَيَجِبُ بِالْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ، فَلَأَنْ يَجِبَ بِمَا هُوَ فَوْقَهَا وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْأَمْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ (وَمَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءً بِهِ انْجَبَرَ آمِنًا فِي الْحَرَمِ صَيْدًا، وَذَلِكَ فِي بُعْدِهِ عَنْ أَيْدِينَا، فَالْوُقُوعُ فِي أَيْدِينَا تَلَفٌ لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فَيَضْمَنُ لِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوعِ فِي أَيْدِينَا (وَلِهَذَا يَتَكَرَّرُ) الْجَزَاءُ (بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ) فَإِنَّهُ لَوْ أَدَّى الضَّمَانَ بِسَبَبِ إخْرَاجِ الصَّيْدِ عَنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ الصَّيْدَ مِنْ الْحَرَمِ وَجَبَ جَزَاءٌ آخَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الْإِرْسَالِ بِتَكَرُّرِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ الَّتِي هِيَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ) يَعْنِي الضَّمَانَ (بِالْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ بِالنَّصِّ فَلَأَنْ يَجِبَ بِمَا هُوَ فَوْقَهَا وَهُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مُسْتَحَقِّ الْأَمْنِ أَوْلَى) قَالَ (وَمَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ إلَخْ) مَا نَقَصَتْ الْجَارِيَةُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَهُوَ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، فَلَوْ غَصَبَهَا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَمَاتَ الْوَلَدُ فَعَلَيْهِ رَدُّ الْجَارِيَةِ وَرَدُّ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ بِاَلَّذِي ثَبَتَ فِيهَا بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ، لِأَنَّ الْجَارِيَةَ بِالْغَصْبِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَقَدْ فَاتَ جُزْءٌ مَضْمُونٌ مِنْهَا فَتَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ فَاتَ كُلُّهَا، فَإِنْ رُدَّتْ الْجَارِيَةُ وَالْوَلَدُ وَقَدْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَابِرَةً لِذَلِكَ النُّقْصَانِ لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ شَيْئًا. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَلَكَهُ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ. كَمَا فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ الْمُخْرَجَةِ مِنْ الْحَرَمِ إذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ

стр. 4453

النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ وَسَقَطَ ضَمَانُهُ عَنْ الْغَاصِبِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُهُ فَلَا يَصْلُحُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ كَمَا فِي وَلَدِ الظَّبْيَةِ، وَكَمَا إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبِالْوَلَدِ وَفَاءٌ، وَصَارَ كَمَا إذَا جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ غَيْرِهِ أَوْ خَصَى عَبْدَ غَيْرِهِ أَوْ عَلَّمَهُ الْحِرْفَةَ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ. وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ أَوْ الْعُلُوقُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَدِهَا تُسَاوِي ذَلِكَ النُّقْصَانَ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَبِرُ بِهَا، بَلْ يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ مَعَ وُجُوبِ رَدِّهِمَا إلَى الْحَرَمِ، وَكَمَا إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ أَوْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ، وَكَمَا إذَا جَزَّ صُوفَ شَاةِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ مَكَانَهُ آخَرُ، أَوْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرِ الْغَيْرِ فَنَبَتَتْ قَوَائِمُ أُخْرَى مَكَانَهَا. أَوْ خُصِيَ عَبْدُ غَيْرِهِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ بِسَبَبِ الْخِصَاءِ، أَوْ عَلَّمَهُ الْحِرْفَةَ فَأَضْنَاهُ التَّعْلِيمُ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَبِرُ الصُّوفُ بِالصُّوفِ، وَالْقَوَائِمُ بِالْقَوَائِمِ، وَلَا مَا نَقَصَ مِنْ الْجُزْءِ بِالْخِصَاءِ وَالتَّعْلِيمِ بِمَا زَادَ مِنْ الْقِيمَةِ فِيهِ. وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ عِنْدَهُمَا وَالْعُلُوقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا عُرِفَ ذَلِكَ يَعْنِي فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ. وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ غَصَبَ جَارِيَةً وَزَنَى بِهَا عَلَى مَا يَجِيءُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ النُّقْصَانُ نُقْصَانًا لِأَنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لَمَّا أَثَّرَ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ، كَالْبَيْعِ لَمَّا أَزَالَ الْمَبِيعَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ أَدْخَلَ الثَّمَنَ فِي مِلْكِهِ فَكَانَ الثَّمَنُ خَلَفًا عَنْ مَالِيَّةِ الْمَبِيعِ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ حَتَّى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ

стр. 4454

وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا، وَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا ثُمَّ نَبَتَتْ أَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهَا وَأَدَّاهُ مَعَ الْعَبْدِ يُحْتَسَبُ عَنْ نُقْصَانِ الْقَطْعِ، وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعٌ، وَكَذَا إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ. وَتَخْرِيجُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ، إذْ الْوِلَادَةُ لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ أَصْلِهِ لِلْبَرَاءَةِ، فَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ رَدِّ خَلَفِهِ، وَالْخِصَاءُ لَا يُعَدُّ زِيَادَةً؛ لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضِ الْفَسَقَةِ، وَلَا اتِّحَادَ فِي السَّبَبِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ النُّقْصَانِ الْقَطْعُ كَلَا فَوَاتٍ، وَصَارَ كَمَا إذَا غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً ثُمَّ هَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ أَوْ سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا ثُمَّ نَبَتَتْ أَوْ قَطَعَتْ يَدَ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِهِ وَأَخَذَ أَرْشَهَا وَأَدَّاهُ مَعَ الْعَبْدِ يُحْتَسَبُ عَنْ نُقْصَانِ الْقَطْعِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ النُّقْصَانُ لِكَوْنِهِ إلَى خَلَفٍ (قَوْلُهُ وَوَلَدُ الظَّبْيَةِ مَمْنُوعٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا، وَتَقْرِيرُهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نُقْصَانَ الظَّبْيَةِ بِالْوِلَادَةِ لَا يَنْجَبِرُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، وَكَذَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأُمَّ إذَا مَاتَتْ لَا تَنْجَبِرُ قِيمَتُهَا بِقِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ، وَهَذَا الْمَنْعُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا تَخْرِيجُهَا عَلَى الظَّاهِرِ فَهُوَ أَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْوِلَادَةَ سَبَبٌ لِلزِّيَادَةِ وَلَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِمَوْتِ الْأُمِّ إذْ لَا تُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ يُجْبَرُ بِالْوِلَادَةِ قَدْرُ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تُوجِبُ الْمَوْتَ فَالنُّقْصَانُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ دُونَ مَوْتِ الْأُمِّ وَرَدُّ الْقِيمَةِ كَرَدِّ الْعَيْنِ، وَلَوْ رَدَّ عَيْنَ الْجَارِيَةِ كَانَ النُّقْصَانُ مَجْبُورًا بِالْوَلَدِ فَكَذَا إذَا رَدَّ قِيمَتَهَا (وَبِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ الرَّدِّ. وَوَجْهُهُ أَنَّ

стр. 4455

وَالْجَزُّ، وَسَبَبَ الزِّيَادَةِ النُّمُوُّ، وَسَبَبَ النُّقْصَانِ التَّعْلِيمُ، وَالزِّيَادَةُ سَبَبَهَا الْفَهْمُ. . قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا فَحَبِلَتْ ثُمَّ رَدَّهَا وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ عَلِقَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا) لَهُمَا أَنَّ الرَّدَّ قَدْ صَحَّ، وَالْهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا رَدَّ الْأُمَّ بِنُقْصَانِ الْوِلَادَةِ هَلْ يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِرَدِّ الْوَلَدِ، وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ هَالِكًا كَيْفَ يَنْجَبِرُ النُّقْصَانُ بِهِ، وَالْخِصَاءُ لَا يُعَدُّ زِيَادَةً لِأَنَّهُ غَرَضُ بَعْضِ الْفَسَقَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِبَارٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمَسَائِلِ فَلَيْسَ فِيهِ اتِّحَادُ السَّبَبِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَلَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَذْكُورُ جَوَابُ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا، وَأَصْلُ نُكَتِهِ الْخَصْمِ وَهُوَ أَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَابِرًا لِنُقْصَانٍ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ عَلَى حَالِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ أَشَارَ إلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نُقْصَانًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَابِرٍ، فَإِطْلَاقُ الْجَابِرِ عَلَيْهِ تَوَسُّعٌ فِي الْعِبَارَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْوَلَدُ خَلَفًا وَبَدَلًا عَنْ النُّقْصَانِ لَمَا بَقِيَ مِلْكًا لِلْمَوْلَى عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ بِضَمَانِ الْغَاصِبِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مَالِكٍ وَاحِدٍ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَوْلَى لَا مَحَالَةَ، وَمِنْ حَيْثُ الْمِلْكُ لَيْسَ بِبَدَلٍ بَلْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ، فَإِذَا ارْتَفَعَ النُّقْصَانُ بَطَلَتْ الْخَلْفِيَّةُ بَقِيَ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: الْوَلَدُ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ خَلَفًا عَنْ الْمَضْمُونِ؟ فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ عَدَمِ عَدِّهِ نُقْصَانًا لَا تَضْمِينُهُ، هَذَا الْجَوَابُ صَالِحٌ لِلدَّفْعِ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي أَيْضًا. فَلِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ مَا أَلْطَفَهُ ذِهْنًا، جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا. قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَزَنَى بِهَا) قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَغْصِبُ الْجَارِيَةَ فَيَزْنِي بِهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَتَحْمِلُ فَتَمُوتُ فِي نِفَاسِهَا، قَالَ. هُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا يَوْمَ عَلِقَتْ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ ضَمَانٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَةِ أَيْضًا إذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا بَعْدَمَا يَرُدُّهَا، وَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلٍ ثُمَّ يَرُدُّهَا فَتَحْبَلُ بِتَقْدِيمِ الرَّدِّ عَلَى الْحَبَلِ، وَوَقَعَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ الْحَبَلِ عَلَى الرَّدِّ لِبَيَانِ أَنَّ الْحَبَلَ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الرَّدِّ، قَالَ: الرَّدُّ قَدْ صَحَّ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْحَقَّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَصِحَّتُهُ تُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ الضَّمَانِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ حَيْثُ هَلَكَتْ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَهُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْهَلَاكُ بَعْدَهُ بِسَبَبٍ حَدَثَ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ) لَا بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَالْهَلَاكُ بِذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ

стр. 4456

فَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ. كَمَا إذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ رَدَّهَا فَهَلَكَتْ. أَوْ زَنَتْ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا فَجُلِدَتْ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، وَكَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ. وَلَهُ أَنَّهُ غَصَبَهَا وَمَا انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرُدَّتْ وَفِيهَا ذَلِكَ فَلَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ، وَصَارَ كَمَا إذَا جَنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ جِنَايَةً فَقُتِلَتْ بِهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ، أَوْ دُفِعَتْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً يُرْجَعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ الْقِيمَةِ. كَذَا هَذَا. بِخِلَافِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ لِيَبْقَى ضَمَانُ الْغَصْبِ بَعْدَ فَسَادِ الرَّدِّ. وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءِ التَّسْلِيمِ. مَا ذَكَرْنَا شَرْطُ صِحَّةِ الرَّدِّ وَالزِّنَا سَبَبٌ لِجَلْدٍ مُؤْلِمٍ لَا جَارِحٍ وَلَا مُتْلِفٍ فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ. . قَالَ (وَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَيَغْرَمُ النُّقْصَانَ) كَمَا إذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ثُمَّ رَدَّهَا فَهَلَكَتْ أَوْ زَنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَرَدَّهَا فَجُلِدَتْ فَهَلَكَتْ مِنْهُ، وَكَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ) وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْحَبَلِ (فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ) فَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا لَكِنْ يَضْمَنُ نُقْصَانَ الْحَبَلِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الرَّدَّ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، لِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ غَصَبَهَا وَمَا انْعَقَدَ فِيهَا سَبَبُ التَّلَفِ وَرَدُّهَا وَفِيهَا ذَلِكَ (فَصَارَ كَمَا إذَا جَنَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَقُتِلَتْ بِهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ أَوْ دَفَعَتْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ الْقِيمَةِ كَذَا هَذَا. بِخِلَافِ الْحُرَّةِ) إذَا زَنَى بِهَا رَجُلٌ مُكْرَهَةً فَحَبِلَتْ وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا (لِأَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ) وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ فَلَا يَبْقَى ضَمَانُ الْغَصْبِ بَعْدَ فَسَادِ الرَّدِّ بِكَوْنِهَا حُبْلَى (قَوْلُهُ وَفِي فَصْلِ الشِّرَاءِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا كَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً قَدْ حَبِلَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ بِطَرِيقِ الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ فَصْلَ الشِّرَاءِ الْوَاجِبِ عَلَى الْبَائِعِ ابْتِدَاءُ التَّسْلِيمِ: أَيْ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمَوْتُهَا بِالنِّفَاسِ لَا يَعْدَمُ التَّسْلِيمَ (وَمَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ (شَرْطٌ لِصِحَّةِ الرَّدِّ) وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ تَمْثِيلُ مَا لَمْ يُوجَدْ بِشَرْطِهِ عَلَى مَا وُجِدَ بِشَرْطٍ وَهُوَ تَمْثِيلٌ فَاسِدٌ، قِيلَ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْعَيْنَ إذْ الْأَوْصَافُ لَا تَدْخُلُ فِي الشِّرَاءِ وَلِهَذَا لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَقَدْ وُجِدَ، فَلَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ فِي يَدِهِ. وَأَمَّا الْغَصْبُ فَالْأَوْصَافُ دَاخِلَةٌ فِيهِ، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ جَارِيَةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَرَدَّهَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَإِذَا دَخَلَتْ الْأَوْصَافُ فِيهِ كَانَ الرَّدُّ بِدُونِهَا رَدًّا فَاسِدًا. وَأَمَّا إذَا حُمَّتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَوْتِ مَا بِهَا مِنْ الْحُمَّى وَالضَّعْفِ وَقْتَ الْمَوْتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مَادَّةً كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ حَدَثَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ أَوْ مُرَكَّبَةً مِنْهُمَا فَلَا يُضَافُ إلَى سَبَبٍ قَائِمٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِالشَّكِّ (قَوْلُهُ وَالزِّنَا سَبَبٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا أَوْ زَيْتٌ فِي يَدِهِ إلَخْ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي وُجِدَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إنَّمَا يُوجِبُ الْجَلْدَ الْمُؤْلِمَ لَا الْجَارِحَ وَلَا الْمُتْلِفَ، وَلَمَّا جُلِدَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِجَلْدٍ مُتْلِفٍ كَانَ غَيْرَ مَا وَجَبَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا يَضْمَنُ. قَالَ (وَلَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَنَافِعَ مَا غَصَبَهُ إلَخْ) مَنَافِعُ الْغَصْبِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، لَكِنْ إنْ نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ غَرِمَ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَضْمُونَةٌ بِأَجْرِ الْمِثْلِ وَلَا فَرْقَ فِي الْمَذْهَبَيْنِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَرُبَّمَا سَمَّى الْأَوَّلَ غَصْبًا وَالثَّانِي إتْلَافًا فِي شُمُولِ الْعَدَمِ عِنْدَنَا وَشُمُولِ الْوُجُودِ عِنْدَهُ.

стр. 4457

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُهَا، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَذْهَبَيْنِ بَيْنَ مَا إذَا عَطَّلَهَا أَوْ سَكَنَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ سَكَنَهَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَطَّلَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَهُ أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ حَتَّى تُضْمَنَ بِالْعُقُودِ فَكَذَا بِالْغُصُوبِ. وَلَنَا أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إمْكَانِهِ إذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وَفَصَّلَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ: إنْ سَكَنَهَا فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ عَطَّلَهَا فَكَانَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ (لِلشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ) لِكَوْنِهَا غَيْرَ الْآدَمِيِّ خُلِقَ لِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيِّ وَيَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ وَالضِّنَةُ (وَيَضْمَنُ بِالْعُقُودِ) صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ فَاسِدَةً بِالْإِجْمَاعِ (فَكَذَا بِالْغُصُوبِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَجْعَلُ غَيْرَ الْمُتَقَوِّمِ مُتَقَوِّمًا كَمَا لَوْ وَرَدَ عَلَى الْمَيْتَةِ (وَلَنَا أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي إمْكَانِهِ) أَيْ تَصَرُّفِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَسْبِهِ (إذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى) وَمَا حَدَثَ فِي إمْكَانِ الرَّجُلِ فَهُوَ فِي مِلْكِهِ دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِلْعَبْدِ إلَّا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ إلَى إقَامَةِ التَّكَالِيفِ، فَالْمَنَافِعُ حَاصِلَةٌ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَ نَفْسِهِ. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا حُدُوثَهَا عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ لَكِنْ لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبَهَا وَإِتْلَافَهَا وَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وَإِنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهَا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا تَحْقِيقَ غَصْبِهَا وَإِتْلَافَهَا لَكِنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمَنَافِعُ لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ. وَاعْتُرِضَ بِمَا إذَا أَتْلَفَ مَا يَسْرُعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي تَبْقَى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مِنْ حَيْثُ الْفِنَاءُ وَالْبَقَاءُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَبِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمْ صَحِيحًا لَمَا جَازَ لِأَنَّ الْقُرْبَانَ إلَى مَالِ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْوَجْهِ الْأَحْسَنِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ مَا تَكُونُ بَيْنَ بَاقٍ وَبَاقٍ لَا بَيْنَ بَاقٍ وَأَبْقَى، فَكَانَ السُّؤَالُ غَيْرَ وَارِدٍ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ بَيْنَ جَوْهَرَيْنِ لَا بَيْنَ جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ أَلَا يَرَى أَنَّ بَيْعَ الثِّيَابِ بِالدَّرَاهِمِ جَائِزٌ

стр. 4458

غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ لِسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَبَقَاءِ الْأَعْيَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَبْلَى دُونَ الْآخَرِ، وَعَنْ الثَّانِي بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ شِرَاءَ الثِّيَابِ بِدَرَاهِمِ الْيَتِيمِ جَائِزٌ لِلْوَصِيِّ مَعَ وُجُودِ التَّفَاوُتِ كَمَا ذَكَرْنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَانَ الْأَحْسَنَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ هُوَ مَا لَا يُعَدُّ عَيْبًا فِي التَّصَرُّفَاتِ

стр. 4459

وَقَدْ عَرَفْت هَذِهِ الْمَآخِذَ فِي الْمُخْتَلِفِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ فِي ذَاتِهَا، بَلْ تُقَوَّمُ ضَرُورَةً عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ وَلَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ، إلَّا أَنَّ مَا اُنْتُقِصَ بِاسْتِعْمَالِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ. وَقَدْ عَرَفْت هَذِهِ الْمَآخِذَ) أَيْ الْعِلَلَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، أَوْ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ، وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ إنَّهَا لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا، وَثَالِثًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ الْأَعْيَانَ إلَى آخِرِهِ (وَفِي الْمُخْتَلِفِ) يَعْنِي فِي مُخْتَلِفِ أَبِي اللَّيْثِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْمَنَافِعُ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ فِي ذَاتِهَا لِأَنَّ التَّقَوُّمَ لَا يَسْبِقُ الْوُجُودَ وَالْإِحْرَازَ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَبْقَى غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ بَلْ يَتَقَوَّمُ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْحَاجَةِ (عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ) عَلَيْهَا بِالتَّرَاضِي، وَلَا عَقْدَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (إلَّا أَنَّ) أَيْ لَكِنَّ (مَا يَنْقُصُ بِاسْتِعْمَالِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4460

(فَصْلٌ فِي غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ) قَالَ (وَإِذَا أَتْلَفَ الْمُسْلِمُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا، فَإِنْ أَتْلَفَهُمَا لِمُسْلِمٍ لَمْ يَضْمَنْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُهَا لِلذِّمِّيِّ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الذِّمِّيِّ. لَهُ أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي الْأَحْكَامِ فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ. وَلَنَا أَنَّ التَّقْوِيمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ، إذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ لَنَا وَالْخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا. فَصْلٌ): فِي غَصْبِ مَا لَا يَتَقَوَّمُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ غَصْبُ مَا يَتَقَوَّمُ لِتَحْقِيقِ الْغَصْبِ فِيهِ حَقِيقَةً بَيَّنَ غَصْبَ مَا لَا يَتَقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ عَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ مُتَقَوِّمًا إمَّا بِاعْتِبَارِ دِيَانَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِتَقَوُّمِهِ أَوْ بِتَغَيُّرِهِ فِي نَفْسِهِ إلَى التَّقْوِيمِ (قَالَ: وَإِنْ أَتْلَفَ الْمُسْلِمُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إتْلَافُ الْمُسْلِمِ خَمْرَ الْمُسْلِمِ. وَإِتْلَافُ الذِّمِّيِّ خَمْرَ الْمُسْلِمِ، وَإِتْلَافُ الذِّمِّيِّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ، وَإِتْلَافُ الْمُسْلِمِ خَمْرَ الذِّمِّيِّ. وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتْلِفِ فِي الْأَوَّلَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا فِي الْآخَرَيْنِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بَاعَهَا الذِّمِّيُّ مِنْ الذِّمِّيِّ جَازَ الْبَيْعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ. قَالَ (سَقَطَ تَقَوُّمُهَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي الْأَحْكَامِ) قَالَ ﷺ «إذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمِّيِّ فَأَعْلِمُوهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» أَوْ إذَا سَقَطَ تَقَوُّمُهَا (فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ) أَيْ مَا يَضْمَنُ بِهِ (وَلَنَا أَنَّ التَّقَوُّمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ، إذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا) دَلَّ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁ حِينَ سَأَلَ عَمَّا لَهُ: مَاذَا تَصْنَعُونَ بِمَا يَمُرُّ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْخُمُورِ؟ فَقَالُوا: نَعْشِرُهَا، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا، وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا، فَقَدْ جَعَلَهَا مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ

стр. 4461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حَيْثُ جَوَّزَ بَيْعَهَا وَأَمَرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلَّا لِتَدَيُّنِهِمْ بِذَلِكَ

стр. 4462

وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ فَيَتَعَذَّرُ الْإِلْزَامُ، وَإِذَا بَقِيَ التَّقَوُّمُ فَقَدْ وُجِدَ إتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوِّمٍ فَيَضْمَنُهُ. بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا، إلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الْخَمْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ لِكَوْنِهِ إعْزَازًا لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَتْ الْمُبَايَعَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا. وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ) يَعْنِي لَا نُجَادِلُهُمْ عَلَى التَّرْكِ (وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ) يَعْنِي لَا يُجْبَرُونَ عَلَى التَّرْكِ بِالْإِلْزَامِ بِالسَّيْفِ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَحِينَئِذٍ تَعْذُرُ الْإِلْزَامُ عَلَى تَرْكِ التَّدَيُّنِ فَبَقِيَ التَّقَوُّمُ فِي حَقِّهِمْ، وَإِذَا بَقِيَ فَقَدْ وُجِدَ إتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوِّمٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِالنَّصِّ فَيَضْمَنُهُ، وَنُوقِضَ بِمَا إذَا مَاتَ الْمَجُوسِيُّ عَنْ ابْنَتَيْنِ إحْدَاهُمَا امْرَأَتُهُ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا مِنْ الْمِيرَاثِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ النِّكَاحِ وَصِحَّةُ النِّكَاحِ تُوجِبُ تَوْرِيثَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي دِيَانَتِهِمْ ثُمَّ لَمْ نَتْرُكْهُمْ وَمَا يَدِينُونَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّوْرِيثَ بِأَنْكِحَةِ الْمَحَارِمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانٍ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) جَوَابٌ لِمَقِيسٍ عَلَيْهِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ (لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا، إلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الْخَمْرِ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً) وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ فِي الْكِتَابِ بِتَأْوِيلِ الشَّرَابِ أَوْ الْمَذْكُورِ (لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِهِ لِكَوْنِهِ إعْزَازًا لَهُ) بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ عَنْ تَمْلِيكِهَا وَتَمَلُّكِهَا، فَإِنْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا مُبَايَعَةٌ جَازَ لَهُمْ التَّمْلِيكُ وَالتَّمَلُّكُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ جَازَ تَسْلِيمُ مِثْلِهَا وَتَسَلُّمُهُ

стр. 4463

وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ عُقُودِهِمْ، وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ يَكُونُ لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ. . قَوْلُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمَلُّكِ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ، كَذَا قِيلَ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ إلَى آخِرِهِ لَا تُسَاقُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْعَطْفِ حِينَئِذٍ (وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُقُودِهِمْ) يَعْنِي بِعَدَمِ الْجَوَازِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَلَا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِسْقٌ مِنْهُمْ لَا تَدَيُّنٌ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لِلذِّمِّيِّ) فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُ الذِّمِّيِّ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ أَيْضًا فِي الْحَقِيقَةِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀. وَوَجْهُ الْجَوَابِ (أَنَّا مَا ضَمَّنَا لَهُمْ تَرْكُ التَّعَرُّضِ) لِلْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لِلذِّمِّيِّ (لِمَا فِيهِ) أَيْ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ (مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ) بِالتَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. وَاسْتَشْكَلَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِمَا إذَا أَتْلَفَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَلِيبًا، وَفِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ أَصْلِيٌّ، فَالنَّصْرَانِيُّ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الِارْتِدَادِ (وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ: يَعْنِي لَمَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مَعَ احْتِمَالِ الصِّحَّةِ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى. وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي اعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَوَجْهُ الْجَوَابِ مَا قَالَهُ أَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حُرْمَتِهِ قَائِمٌ فَلَمْ يَعْتَبِر اعْتِقَادَهُمْ فِي إيجَابِ

стр. 4464

قَالَ (فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ فَلِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذَ جِلْدَ الْمَيْتَةِ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ)، وَالْمُرَادُ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ وَمِنْهُ إلَى الشَّمْسِ، وَبِالْفَصْلِ الثَّانِي إذَا دَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا التَّخْلِيلَ تَطْهِيرٌ لَهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ إذْ لَا تَثْبُتُ الْمَالِيَّةُ بِهِ وَبِهَذَا الدِّبَاغِ اتَّصَلَ بِالْجِلْدِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْغَاصِبِ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ فَلِهَذَا يَأْخُذُ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيَأْخُذُ الْجِلْدَ وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ، وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الْحَبْسِ فِي الْبَيْعِ. قَالَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُمَا ضَمِنَ الْخَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الْجِلْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ الْجِلْدَ مَدْبُوغًا وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ) الضَّمَانِ هَذَا مَا قَالُوهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَاجَّةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَالٌّ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ وَالْجَوَابُ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ قَوْلُهُ ﷺ «اُتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» وَكَانَ ذَلِكَ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ. قَالَ (فَإِنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا إلَخْ) مَنْ غَصَبَ مِنْ مُسْلِمٍ خَمْرًا فَخَلَّلَهَا أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ فَكُلٌّ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ، لِأَنَّ التَّخْلِيلَ أَوْ الدِّبَاغَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِخَلْطِ شَيْءٍ وَبِمَا لَهُ قِيمَةٌ أَوْ لَا، فَإِنْ خُلِّلَ بِغَيْرِ شَيْءٍ بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ وَمِنْهُ إلَيْهَا، أَوْ دُبِغَ بِالْقَرَظِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ وَرَقُ السَّلَمِ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُون الْخَلُّ وَالْجِلْدُ بَاقِيَيْنِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَا بَاقِيَيْنِ أَخَذَ الْمَالِكُ الْخَلَّ بِلَا شَيْءٍ وَأَخَذَ الْجِلْدَ وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ. وَطَرِيقُ عِلْمِهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَتِهِ ذَكِيًّا غَيْرَ مَدْبُوغٍ وَإِلَى قِيمَتِهِ مَدْبُوغًا فَيَضْمَنُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ كَحَقِّ الْحَبْسِ فِي الْمَبِيعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ نَيِّرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بَاقِيَيْنِ، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُمَا الْغَاصِبُ ضَمِنَ الْخَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الْجِلْدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، قَالَا: يَضْمَنُ الْجِلْدَ مَدْبُوغًا وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَإِنْ هَلَكَا فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ لِأَنَّ دَلِيلَهُ الْإِجْمَاعُ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ

стр. 4465

وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُهُ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْخَلُّ؛ فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ، يَجِبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَأَمَّا الْجِلْدُ فَلَهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيَضْمَنُهُ مَدْبُوغًا بِالِاسْتِهْلَاكِ وَيُعْطِيهِ الْمَالِكُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ وَيَضْمَنُهُ وَيُعْطِيه الْمَالِكُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ، فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ خَلَّفَهُ قِيمَتَهُ كَمَا فِي الْمُسْتَعَارِ. وَبِهَذَا ضَمِنَ فَلَا وَجْهَ لِضَمَانِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَئِذٍ، وَلَا لِضَمَانِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْهَلَاكِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِفِعْلٍ مَوْصُوفٍ بِالتَّعَدِّي وَالْفَرْضُ عَدَمُهُ (وَقَوْلُهُ أَمَّا الْخَلُّ) دَلِيلُ صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَأَمَّا الْجِلْدُ فَلَهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ) قَالَ الْقُدُورِيُّ: يَعْنِي إذَا غَصَبَ الْجِلْدَ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَأَمَّا إذَا أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فِي الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ فَدَبَغَهُ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا. وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ (وَهُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ) وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ (يَضْمَنُهُ وَيُعْطِيهِ الْمَالِكُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ إذَا غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُهُ وَيُعْطِيهِ الْمَالِكُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ) وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ نَفْسَ الْغَصْبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُوجِبُ الضَّمَانَ بِخِلَافِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ) دَلِيلٌ آخَرُ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْجِلْدَ لَوْ كَانَ قَائِمًا وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ، فَإِذَا فَوَّتَ الرَّدَّ خَلَفَهُ قِيمَتُهُ كَمَا فِي الْمُسْتَعَارِ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ لَا الْهَلَاكِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْهَلَاكَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا تَفْوِيتَ مِنْهُ هُنَاكَ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ وَغَيْرُهُ

стр. 4466

فَارَقَ الْهَلَاكُ بِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُمَا يُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ. أَمَّا عِنْدَ اتِّحَادِهِ فَيَطْرَحُ عَنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَاقِي لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَلَهُ أَنَّ التَّقَوُّمَ حَصَلَ بِصُنْعِ الْغَاصِبِ وَصَنْعَتُهُ مُتَقَوِّمَةٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ وَالْجِلْدُ تَبَعٌ لَهُ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ، ثُمَّ الْأَصْلُ وَهُوَ الصَّنْعَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّابِعُ، كَمَا إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، بِخِلَافِ وُجُوبِ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْمِلْكَ، وَالْجِلْدُ غَيْرُ تَابِعٍ لِلصَّنْعَةِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، بِخِلَافِ الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ فِيهِمَا كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الدَّبْغِ وَالصَّبْغِ فَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِلصَّنْعَةِ، فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَوْلُهُمَا يُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ: يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ قَوَّمَ الْجِلْدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدِّبَاغَ بِالدَّنَانِيرِ، فَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ وَيَأْخُذُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ، أَمَّا إذَا قَوَّمَهُمَا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ فَيُطْرَحُ عَنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَاقِي لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجِلْدَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ التَّقَوُّمُ بِصَنْعَةِ الْغَاصِبِ وَصَنْعَتُهُ مُتَقَوِّمَةٌ لِاسْتِعْمَالِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا زَادَ الدِّبَاغُ، فَكَانَ التَّقَوُّمُ حَقًّا لِلْغَاصِبِ وَكَانَ الْجِلْدُ تَابِعًا لِصَنْعَةِ الْغَاصِبِ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ، ثُمَّ الْأَصْلُ وَهُوَ الصَّنْعَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّابِعُ لِئَلَّا يَلْزَمَ مُخَالَفَةُ التَّبَعِ أَصْلَهُ، كَمَا إذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ فَإِنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَصْلَ وَهُوَ الصَّنْعَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَكَذَلِكَ الْجِلْدُ، وَإِلَّا فَالْغَصْبُ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ فِي الْهَلَاكِ وَالِاسْتِهْلَاكِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّدِّ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِأَنَّهُ وَاجِبُ الرَّدِّ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ حَالَ قِيَامِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْمِلْكَ، وَالْجِلْدُ غَيْرُ تَابِعٍ لِلصَّنْعَةِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّمَانَ يَعْتَمِدُ التَّقَوُّمَ وَالْأَصْلُ فِيهِ الصَّنْعَةُ وَهِيَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فَكَذَا مَا يَتْبَعُهَا وَالرَّدُّ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ وَالْجِلْدُ فِيهِ أَصْلٌ لَا تَابِعٌ فَوَجَبَ رَدُّهُ وَتَتْبَعُهُ الصَّنْعَةُ. قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا كَمَا إذَا غَصَبَ ثَوْبًا وَأَقْحَمَ الذَّكِيَّ اسْتِظْهَارًا

стр. 4467

وَلَوْ كَانَ قَائِمًا فَأَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ قِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ صَبْغِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةً. وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ عَجَزَ الْغَاصِبُ عَنْ رَدِّهِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. لِأَنَّ التَّقَوُّمَ فِيهِمَا: أَيْ فِي الذَّكِيِّ وَالثَّوْبِ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الدَّفْعِ وَالصَّبْغِ فَلَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِلصَّنْعَةِ، وَالتَّقَوُّمُ يُوجِبُ الضَّمَانَ (وَلَوْ كَانَ) الْجِلْدُ (قَائِمًا فَأَرَادَ الْمَالِكُ أَنْ نَتْرُكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ فِي هَذَا الْوَجْهِ) أَيْ الَّذِي كَانَ الدِّبَاغُ فِيهِ بِشَيْءٍ مُتَقَوِّمٍ (وَيُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ قِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) بِلَا خِلَافٍ (لِأَنَّ الْجِلْدَ لَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ صَبْغِ الثَّوْبِ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةً. وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا لَهُ ذَلِكَ) وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ) دَلِيلُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ لَا دَلِيلُ الْمُخَالِفِينَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ إذَا تَرَكَ الْجِلْدَ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمِنَهُ عَجَزَ الْغَاصِبُ عَنْ رَدِّهِ فَصَارَ كَالِاسْتِهْلَاكِ، وَهُوَ أَيْ الِاسْتِهْلَاكُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ

стр. 4468

ثُمَّ قِيلَ: يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا فِي الِاسْتِهْلَاكِ. وَقِيلَ يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدِ ذَكِيٍّ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، وَلَوْ دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ. وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا. وَقِيلَ طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الدِّبَاغَةِ هُوَ الَّذِي حَصَّلَهُ فَلَا يَضْمَنُهُ. وَجْهُ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ صِفَةَ الدِّبَاغَةِ تَابِعَةٌ لِلْجِلْدِ فَلَا تُفْرَدُ عَنْهُ، وَإِذَا صَارَ الْأَصْلُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَكَذَا صِفَتُهُ، وَلَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ فِيهِ قَالُوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: صَارَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ. وَعِنْدَهُمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ وَأَعْطَى مَا زَادَ الْمِلْحُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ دَبْغِ الْجِلْدِ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ وَزْنِ الْمِلْحِ مِنْ الْخَلِّ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَرْكَهُ عَلَيْهِ وَتَضْمِينَهُ فَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ. وَقِيلَ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، وَلَوْ خَلَّلَهَا بِإِلْقَاءِ الْخَلِّ فِيهَا، فَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ صَارَ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ خَلًّا إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ بِأَنْ كَانَ الْمُلْقَى فِيهِ خَلًّا قَلِيلًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ كِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ خَلْطَ الْخَلِّ بِالْخَلِّ فِي التَّقْدِيرِ وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ الْعَجْزَ فِي الِاسْتِهْلَاكِ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ وَفِيمَا تَرَكَهُ وَضَمِنَهُ الْقِيمَةُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّضْمِينِ فِي صُورَةٍ تَعَدَّى فِيمَا الْغَاصِبُ جَوَازُهُ فِيمَا لَيْسَ كَذَلِكَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِهِمَا فَقِيلَ يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ كَمَا فِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ. وَقِيلَ قِيمَةُ جِلْدٍ ذَكِيٍّ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، هَذَا كُلُّهُ إذَا دُبِغَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ وَخُلِّلَ بِغَيْرِ خَلْطِ شَيْءٍ أَمَّا إذَا دَبَغَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ بِلَا شَيْءٍ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الثَّوْبِ وَهُوَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمَالِكِ. وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ وَلَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، فَكَانَتْ الْمَالِيَّةُ وَالتَّقَوُّمُ جَمِيعًا حَقَّ الْمَالِكِ فَيَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ فَقِيلَ: ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا، وَقِيلَ طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ. وَقَدْ ذُكِرَ وَجْهُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَإِذَا خَلَّلَ الْخَمْرَ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ فِيهِ قَالَ الْمَشَايِخُ ﵏: صَارَ الْخَلُّ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَعِنْدَهُمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ وَأَعْطَى مَا زَادَ الْمِلْحُ فِيهِ كَمَا فِي دِبَاغِ الْجِلْدِ. وَقَوْلُهُ (قَالُوا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ ثَمَّةَ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ مَا قِيلَ إنَّ هَذَا وَالْأَوَّلَ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْمِلْحَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَبَاقِي كَلَامِهِ ظَاهِرٌ سِوَى أَلْفَاظٍ يُشِيرُ إلَيْهَا قَوْلُهُ (فَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ وَقِيلَ) بِتَكْرِيرٍ قِيلَ إشَارَةٌ إلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ قَائِمًا فَأَرَادَ الْمَالِكُ، إلَى أَنْ قَالَ: قِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ)

стр. 4469

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ لِلْغَاصِبِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْخَلْطِ اسْتِهْلَاكٌ عِنْدَهُ، وَلَا ضَمَانَ فِي الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ نَفْسِهِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِمَا بَيَّنَّا. وَيَضْمَنُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ أَجْرَوْا جَوَابَ الْكِتَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُلْقَى فِيهِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ مُتَقَوِّمًا. وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى. . قَالَ (وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمٍ بَرْبَطًا أَوْ طَبْلًا أَوْ مِزْمَارًا أَوْ دُفًّا أَوْ أَرَاقَ لَهُ سَكَرًا أَوْ مُنَصَّفًا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَبَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَائِزٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ فِي الدُّفِّ وَالطَّبْلِ الَّذِي يُضْرَبُ لِلَّهْوِ. فَأَمَّا طَبْلُ الْغُزَاةِ وَالدُّفُّ الَّذِي يُبَاحُ ضَرْبُهُ فِي الْعُرْسِ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَقِيلَ الْفَتْوَى فِي الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِهِمَا. وَالسَّكَرُ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إذَا اشْتَدَّ. وَالْمُنَصَّفُ مَا ذَهَبَ نِصْفُهُ بِالطَّبْخِ. وَفِي الْمَطْبُوخِ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَهُوَ الْبَاذَقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي التَّضْمِينِ وَالْبَيْعِ. لَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُعِدَّتْ لِلْمَعْصِيَةِ فَبَطَلَ تَقَوُّمُهَا كَالْخَمْرِ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا إذَا فَعَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَمْوَالٌ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِمَا يَحِلُّ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَإِنْ صَلُحَتْ لِمَا لَا يَحِلُّ فَصَارَ كَالْأَمَةِ الْمُغَنِّيَةِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَلَا يُوجِبُ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ، وَجَوَازُ الْبَيْعِ وَالتَّضْمِينِ مُرَتَّبَانِ عَلَى الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ بِالْيَدِ إلَى الْأُمَرَاءِ لِقُدْرَتِهِمْ وَبِاللِّسَانِ إلَى غَيْرِهِمْ، وَتَجِبُ قِيمَتُهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلَّهْوِ كَمَا فِي الْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ وَالْكَبْشِ النَّطُوحِ وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ وَالدِّيكِ الْمُقَاتِلِ وَالْعَبْدِ الْخَصِيِّ تَجِبْ الْقِيمَةُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، كَذَا هَذَا، وَفِي السَّكَرِ وَالْمُنَصَّفِ تَجِبُ قِيمَتُهُمَا، وَلَا يَجِبُ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِ عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ جَازَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَ عَلَى نَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا حَيْثُ أَيْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ ﵀، فَإِنَّ أَصْلَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَيْضًا أَنَّ خَلْطَ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ لَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ عِنْدَهُمَا وَحِينَئِذٍ كَانَ الْخَلُّ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَإِذَا أَتْلَفَهُ فَقَدْ أَتْلَفَ حَقَّ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَيَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَ خَلِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ (هُوَ لِلْغَاصِبِ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي مَا إذَا صَارَتْ خَلًّا مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدَ زَمَانٍ، وَقَوْلُهُ (أَجْرَوْا جَوَابَ الْكِتَابِ) يَعْنِي الْجَامِعَ الصَّغِيرَ وَهُوَ قَوْلُهُ لِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّخْلِيلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبَعْضُهُمْ أَجْرَوْهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَالُوا لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَلَّ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَهِيَ التَّخْلِيلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَالتَّخْلِيلُ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ وَالتَّخْلِيلُ بِصَبِّ الْخَلِّ فِيهِ لِأَنَّ الْمُلْقَى فِيهِ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْقَ مُتَقَوِّمًا. قَالَ (وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمٍ بَرْبَطًا أَوْ طَبْلًا) قَالَ فِي جَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ كَسَرَ لِمُسْلِمٍ بَرْبَطًا وَهُوَ آلَةٌ مِنْ آلَاتِ الطَّرَبِ وَالطَّبْلُ وَالْمِزْمَارُ وَالدُّفُّ مَعْرُوفَةٌ. وَقَوْلُهُ (أَهَرَاقَ لَهُ سَكَرًا) أَيْ صَبَّهُ، يُقَالُ فِيهِ هَرَاقَ يُهَرِيق بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ، وَأَهْرَاق يُهْرِيقُ بِسُكُونِهَا، وَالْهَاءُ فِي الْأَوَّلِ بَدَلٌ عَنْ الْهَمْزَةِ وَفِي الثَّانِي زَائِدَةٌ، وَكَلَامُهُ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 4470

يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ عَلَى ذَلِكَ. . قَالَ (وَمَنْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةً فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ ضَمِنَ قِيمَةَ الْمُدَبَّرَةِ وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ قِيمَتَهُمَا؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ الْمُدَبَّرَةِ مُتَقَوِّمَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَالِيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا مُتَقَوِّمَةٌ، وَالدَّلَائِلُ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. كِتَابُ الشُّفْعَةِ (كِتَابُ الشُّفْعَةِ) وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الشُّفْعَةِ بِالْغَصْبِ تَمَلُّكُ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا رِضَاهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَالْحَقُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً دُونَهُ، لَكِنْ تَوَفُّرُ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِلِاحْتِرَازِ مَعَ كَثْرَتِهِ بِكَثْرَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْإِجَارَاتِ وَالشَّرِكَاتِ

стр. 4471

الشُّفْعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الضَّمُّ، سُمِّيَتْ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمِّ الْمُشْتَرَاةِ إلَى عَقَارِ الشَّفِيعِ. . قَالَ (الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ ثُمَّ لِلْجَارِ) أَفَادَ هَذَا اللَّفْظُ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِكُلِّ وَالْمُزَارَعَاتِ أَوْجَبَ تَقْدِيمَهَا. وَسَبَبُهَا اتِّصَالُ مِلْكِ الشَّفِيعِ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي. وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْمَبِيعِ عَقَارًا وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الضَّمُّ، سُمِّيَتْ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمِّ الْمُشْتَرَاةِ إلَى عَقَارِ الشَّفِيعِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ تَمَلُّكِ الْمَرْءِ مَا اتَّصَلَ بِعَقَارِهِ مِنْ الْعَقَارِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَرِكَةٍ أَوْ جِوَارٍ. قَالَ (الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ إلَخْ) الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ: أَيْ ثَابِتَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ: أَيْ لِلشَّرِيكِ ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّهِ كَالشَّرَابِ وَالطَّرِيقِ، ثُمَّ لِلْجَارِ: يَعْنِي الْمُلَاصِقَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (أَفَادَ هَذَا اللَّفْظُ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِكُلِّ

стр. 4472

وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَفَادَ التَّرْتِيبَ، أَمَّا الثُّبُوتُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَفَادَ التَّرْتِيبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ») أَيْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً فَبَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَمَّا إذَا بَاعَ بَعْدَهَا فَلَمْ يَبْقَ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ حَقٌّ لَا فِي الْمَدْخَلِ وَلَا فِي نَفْسِ الدَّارِ فَحِينَئِذٍ لَا شُفْعَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ

стр. 4473

«جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ، يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَقَبُهُ؟ قَالَ شُفْعَتُهُ» وَيُرْوَى «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمُ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطَّرِيقُ فَلَا شُفْعَةَ» «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالْأَرْضُ يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ الشَّرِيكُ فِي حَقِّ الدَّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَعْنِي يَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ، إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْغَيْبَةِ فِي إبْطَالِ حَقٍّ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ. قِيلَ مَعْنَاهُ أَحَقُّ بِهِ عَرْضًا عَلَيْهِ لِلْبَيْعِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ فَسَّرَ الْحَقَّ بِالِانْتِظَارِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَهُ أَحَقَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ يَنْتَظِرُ تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ مَا شَمَلَهُ كَلِمَةُ " أَحَقُّ " وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى شُفْعَتِهِ مُدَّةَ الْغَيْبَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَقَبُهُ؟ قَالَ: شُفْعَتُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ» وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ وَالثَّانِي لِلشَّرِيكِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ، وَالثَّالِثُ لِلْجَارِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ لِقَوْلِهِ ﷺ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»). وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ لِقَوْلِهِ

стр. 4474

وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ الْمَالِ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ تَلْزَمُهُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، - ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» فَتَنْحَصِرُ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ: يَعْنِي إذَا كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ قَالَ «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ» وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَقْسُومِ وَالشَّرِيكُ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ وَالْجَارِ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْسُومٌ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ) دَلِيلٌ لَهُ مَعْقُولٌ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ الْمَالِ عَلَى الْغَيْرِ بِلَا رِضَاهُ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَثْبُتَ حَقُّ الشُّفْعَةِ أَصْلًا، لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ قِيَاسًا أَصْلًا، وَلَا دَلَالَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَهَذَا) أَيْ الْجَارُ: يَعْنِي شُفْعَةَ الْجَارِ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، لِأَنَّ ثُبُوتَهَا فِيهِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ الَّتِي تَلْزَمُهُ. وَقَوْلُهُ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْمَقْسُومُ، وَيُفْهَمُ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَنَّ نِزَاعَهُ لَيْسَ فِي الْجَارِ وَحْدَهُ بَلْ فِيهِ وَفِي الشَّرِيكِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ مَقْسُومٌ أَيْضًا، وَفِيمَا لَمْ يَحْتَمِلْ الْقِسْمَةَ كَالْبِئْرِ وَالْحَمَّامِ (وَلَنَا مَا رَوَيْنَا) مِنْ الْأَحَادِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ ﵊ «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ»

стр. 4475

وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَاوَضَةِ بِالْمَالِ اعْتِبَارًا بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الِاتِّصَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إنَّمَا انْتَصَبَ سَبَبًا فِيهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ، إذْ هُوَ مَادَّةُ الْمَضَارِّ عَلَى مَا عُرِفَ، وَقَطْعُ هَذِهِ الْمَادَّةِ بِتَمَلُّكِ الْأَصْلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد (وَلِأَنَّ مِلْكَ الشَّفِيعِ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ) وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ. وَقَوْلُهُ تَأْبِيدٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَنْقُولِ وَالسُّكْنَى بِالْعَارِيَّةِ. وَقَوْلُهُ وَقَرَارٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ لِوُجُوبِ النَّقْضِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَلَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارَضَةِ بِالْمَالِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْإِجَارَةِ وَالْمَرْهُونَةِ وَالْمَجْعُولَةِ مَهْرًا اعْتِبَارًا: أَيْ إلْحَاقًا بِالدَّلَالَةِ بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهُوَ مَا لَا يُقْسَمُ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (لِأَنَّ الِاتِّصَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ) يَعْنِي اتِّصَالَ التَّأْبِيدِ وَالْقَرَارِ (إنَّمَا انْتَصَبَ سَبَبًا فِي مَوْرِدِ الشَّرْعِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ إذْ الْجِوَارُ مَادَّةُ الْمَضَارِّ) مِنْ إيقَادِ النَّارِ وَإِثَارَةِ الْغُبَارِ وَمَنْعِ ضَوْءِ النَّهَارِ وَإِعْلَاءِ الْجِدَارِ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ (وَقَطْعُ هَذِهِ الْمَادَّةِ بِتَمَلُّكِ الْأَصْلِ) يَعْنِي الشَّفِيعَ (أَوْلَى لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى) فَيُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصِيلَ دَافِعٌ وَالدَّخِيلَ رَافِعٌ وَالدَّفْعُ

стр. 4476

وَضَرَرُ الْقِسْمَةِ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ. أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ (قَوْلُهُ وَضَرَرُ الْقِسْمَةِ مَشْرُوعٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ تَلْزَمُهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ لُزُومَ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ طَالَبَهُ الْمُشْتَرِي بِالْقِسْمَةِ فَيَلْحَقُهُ بِسَبَبِهِ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ فَمَكَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ أَخْذِ الشُّفْعَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ. وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّة لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ " فَإِنْ وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ " مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ لِأَنَّهُ ﷺ عَلَّقَ عَدَمَ الشُّفْعَةِ بِالْأَمْرَيْنِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَلَمْ تُصْرَفْ الطُّرُقُ بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا تَجِبُ الشُّفْعَةُ، وَإِنَّمَا نَفْيُ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا الصُّورَةِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ، لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ

стр. 4477

وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الْخَلِيطِ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ» فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ وَالْخَلِيطُ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الْجَارُ. مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، فَرُبَّمَا يُشْكِلُ أَنَّهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ أَوْ لَا، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدَمَ الشُّفْعَةِ فِيهَا (الدَّلِيلُ عَلَى الثَّانِي) أَعْنِي عَلَى التَّرْتِيبِ (قَوْلُهُ ﷺ «الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الْخَلِيطِ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ») قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ وَالْخَلِيطُ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الْجَارُ) وَدَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ غَيْرُ خَافِيَةٍ،

стр. 4478

وَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمَبِيعِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ، وَبَعْدَهُ الِاتِّصَالُ فِي الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ، وَالتَّرْجِيحُ يَتَحَقَّقُ بِقُوَّةِ السَّبَبِ، وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْقِسْمَةِ إنْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً صَلَحَ مُرَجِّحًا. . قَالَ (وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ وَالشِّرْبِ وَالْجَارِ شُفْعَةٌ مَعَ الْخَلِيطِ فِي الرَّقَبَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ. قَالَ (فَإِنْ سُلِّمَ فَالشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنْ سُلِّمَ أَخَذَهَا الْجَارُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ التَّرْتِيبِ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْجَارُ الْمُلَاصِقُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ وَبَابُهُ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَعَ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الرَّقَبَةِ لَا شُفْعَةَ لِغَيْرِهِ سَلَّمَ أَوْ اسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِهِ. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ السَّبَبَ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الْكُلِّ، إلَّا أَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقُّ التَّقَدُّمِ، فَإِذَا سَلَّمَ كَانَ لِمَنْ يَلِيهِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ (وَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ) دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْقِسْمَةِ) يَعْنِي قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ دَفْعَ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، لَكِنَّهُ إنْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ صَلَحَ مُرَجِّحًا، لِأَنَّ التَّرْجِيحَ أَبَدًا إنَّمَا يَقَعُ بِمَا لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ. قَالَ (وَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ فِي الطَّرِيقِ وَالشِّرْبِ إلَخْ) إذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ ثَبَتَ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ إلَّا إذَا سَلَّمَ الْمُتَقَدِّمَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنْ سَلَّمَ فَلِلْمُتَأَخِّرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الْكُلِّ، إلَّا أَنَّ لِلشَّرِيكِ حَقَّ التَّقَدُّمِ، لَكِنْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ طَلَبَ الشُّفْعَةَ مَعَ الشَّرِيكِ إذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ لِيُمْكِنَهُ الْأَخْذُ إذَا سَلَّمَ الشَّرِيكُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى سَلَّمَ الشَّرِيكُ فَلَا حَقَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ جَعَلَ الْمُتَقَدِّمَ حَاجِبًا، فَلَا فَرْقَ إذْ ذَاكَ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالشَّرِيكُ فِي الْبَيْعِ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا كَمَا فِي مَنْزِلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّارِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَارٍ كَبِيرَةٍ بُيُوتٌ وَفِي بَيْتٍ مِنْهَا شَرِكَةٌ فَالشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْجَارِ، وَكَذَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، لِأَنَّ اتِّصَالَهُ أَقْوَى لِأَنَّ الْمَنْزِلَ مِنْ حُقُوقِ الدَّارِ وَمَرَافِقِهِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مَتَى ذُكِرَ مَعَ كُلِّ حَقٍّ

стр. 4479

بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ الْمَرَضِ، وَالشَّرِيكُ فِي الْمَبِيعِ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضٍ مِنْهَا كَمَا فِي مَنْزِلٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ جِدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ فِي مَنْزِلٍ، وَكَذَا عَلَى الْجَارِ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ أَقْوَى وَالْبُقْعَةَ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ أَوْ الشِّرْبُ خَاصًّا حَتَّى تَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ فَالطَّرِيقُ الْخَاصُّ أَنْ لَا يَكُونَ نَافِذًا، وَالشِّرْبُ الْخَاصُّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وَمَا تَجْرِي فِيهِ فَهُوَ عَامٌّ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخَاصَّ أَنْ يَكُونَ نَهْرًا يُسْقَى مِنْهُ قَرَاحَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَتْ سِكَّةٌ غَيْرَ نَافِذَةٍ يَتَشَعَّبُ مِنْهَا سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ وَهِيَ مُسْتَطِيلَةٌ فَبِيعَتْ دَارٌ فِي السُّفْلَى فَلِأَهْلِهَا الشُّفْعَةُ خَاصَّةً دُونَ أَهْلِ الْعُلْيَا، وَإِنْ بِيعَتْ لِلْعُلْيَا فَلِأَهْلِ السِّكَّتَيْنِ، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي. وَلَوْ كَانَ نَهْرٌ صَغِيرٌ يَأْخُذُ مِنْهُ نَهْرٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الطَّرِيقِ فِيمَا بَيَّنَّاهُ. . قَالَ (وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ بِالْجُذُوعِ عَلَى الْحَائِطِ شَفِيعَ شَرِكَةٍ وَلَكِنَّهُ شَفِيعُ جِوَارٍ)؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْعَقَارِ وَبِوَضْعِ الْجُذُوعِ لَا يَصِيرُ شَرِيكًا فِي الدَّارِ إلَّا أَنَّهُ جَارٌ مُلَازِقٌ. قَالَ (وَالشَّرِيكُ فِي الْخَشَبَةِ تَكُونُ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ جَارٌ) لِمَا بَيَّنَّا. . قَالَ (وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الْأَمْلَاكِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ عَلَى هُوَ لَهَا وَالْبُقْعَةُ وَاحِدَةٌ أَرَادَ الْمَوْضِعَ الَّذِي هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالشَّفِيعِ وَذَلِكَ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا صَارَ أَحَقَّ بِالْبَعْضِ كَانَ أَحَقَّ بِالْجَمِيعِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَالْجَارُ سَوَاءٌ فِي بَقِيَّةِ الدَّارِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ وَالشِّرْبُ خَاصًّا حَتَّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ، وَفُسِّرَ الْخَاصُّ بِمَا اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ التَّفَاسِيرِ الْمَذْكُورَةِ لَهُ. وَالْقِرْوَاحُ مِنْ الْأَرْضِ: كُلُّ قِطْعَةٍ عَلَى حِيَالِهَا لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا شَائِبَةُ شَجَرٍ. وَذَكَرَ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ فِي السِّكَّةِ وَأَحَالَهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ فَتْحَهُ لِلْمُرُورِ وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْمُرُورِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ وَجَوَازَ فَتْحِ الْبَابِ يَتَلَازَمَانِ، فَكَانَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ فَتْحِ الْبَابِ فِي سِكَّةٍ فَلَهُ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ فِي تِلْكَ السِّكَّةِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ صُورَةُ ذَلِكَ، وَمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ (وَلَوْ كَانَ نَهْرٌ صَغِيرٌ يَأْخُذُ مِنْهُ نَهْرٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الطَّرِيقِ فِيمَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ يَتَشَعَّبُ مِنْهَا سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ، إلَخْ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الشُّفْعَةِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ جَوَازِ التَّطَرُّقِ فَلِذَلِكَ قَالَ عَلَى قِيَاسِ الطَّرِيقِ: يَعْنِي لَوْ بِيعَ أَرْضٌ مُتَّصِلَةٌ بِالنَّهْرِ الْأَصْغَرِ كَانَتْ الشُّفْعَةُ لِأَهْلِ النَّهْرِ الْأَصْغَرِ لَا لِأَهْلِ النَّهْرِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي السِّكَّةِ الْمُتَشَعِّبَةِ مَعَ السِّكَّةِ الْمُسْتَطِيلَةِ الْعُظْمَى، وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ صَاحِبِ الْجُذُوعِ وَهِيَ وَاضِحَةٌ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْعَقَارِ. قَالَ (وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ إلَخْ)

стр. 4480

مَقَادِيرِ الْأَنْصِبَاءِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهَا لِتَكْمِيلِ مَنْفَعَتِهِ فَأَشْبَهَ الرِّبْحَ وَالْغَلَّةَ وَالْوَلَدَ وَالثَّمَرَةَ. وَلَنَا أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الِاتِّصَال فَيَسْتَوُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الشُّفْعَةِ. وَهَذَا آيَةُ كَمَالِ السَّبَبِ وَكَثْرَةُ الِاتِّصَالِ تُؤْذِنُ بِكَثْرَةِ الْعِلَّةِ، وَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ هَاهُنَا لِظُهُورِ الْأُخْرَى بِمُقَابِلَتِهِ وَتَمَلُّكُ مِلْكِ غَيْرِهِ لَا يُجْعَلُ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَأَشْبَاهِهَا، وَلَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ فَهِيَ لِلْبَاقِينَ فِي الْكُلِّ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَاصَ لِلْمُزَاحَمَةِ مَعَ كَمَالِ السَّبَبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقَدْ انْقَطَعَتْ. وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ غُيَّبًا يَقْضِي بِهَا بَيْنَ الْحُضُورِ عَلَى عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَعَلَّهُ لَا يَطْلُبُ، وَإِنْ قَضَى لِحَاضِرٍ بِالْجَمِيعِ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ يَقْضِي لَهُ بِالنِّصْفِ، وَلَوْ حَضَرَ ثَالِثٌ فَبِثُلُثِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ، فَلَوْ سَلَّمَ الْحَاضِرَ بَعْدَمَا قَضَى لَهُ بِالْجَمِيعِ لَا يَأْخُذُ الْقَادِمُ إلَّا النِّصْفَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْكُلِّ لِلْحَاضِرِ إذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ فَالشُّفْعَةُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِذَا كَانَ الدَّارُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ الشَّرِيكَانِ الشُّفْعَةَ قَضَى بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ نِصْفَيْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَثْلَاثًا بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ مَرَافِقِ الْمِلْكِ لِأَنَّهَا لِتَكْمِيلِ مَنْفَعَتِهِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ الْمِلْكِ كَالرِّبْحِ وَالْغَلَّةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ. وَلَنَا أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الشُّفْعَةِ وَهَذَا آيَةُ كَمَالِ السَّبَبِ، وَالتَّسَاوِي فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ يُوجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ لَا مَحَالَةَ لِيَثْبُتَ الْحُكْمُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الِاتِّصَالُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ وَصَاحِبُ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ اتِّصَالًا فَأَتَى يَتَسَاوَيَانِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَكَثْرَةُ الِاتِّصَالِ تُؤْذِنُ بِكَثْرَةِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِكُلِّ جُزْءٍ عِلَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صَاحِبَ الْقَلِيلِ لَوْ انْفَرَدَ اسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ، وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بِقُوَّةٍ فِي الدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَتِهِ، وَلَا قُوَّةَ هَاهُنَا لِظُهُورِ الْأُخْرَى بِمُقَابَلَتِهَا حَيْثُ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْقَلِيلِ، وَلَوْ كَانَ مَرْجُوحًا لَمَا اسْتَحَقَّ شَيْئًا لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ يَنْدَفِعُ فِي مُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ قَدْ تَسْتَلْزِمُ مَالًا يَسْتَلْزِمُهُ الْأَفْرَادُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ، وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَثِيرِ يَتَفَاوَتَانِ، كَالِابْنِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ التَّرِكَةِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ وَالثُّلُثَيْنِ مَعَ الْبِنْتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مُطْلَقًا تَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، أَوْ الَّتِي لَمْ تَجْتَمِعْ مِنْ عِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ عِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ وَالْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْهُمَا لَا تَسْتَلْزِمُ زِيَادَةً وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ وَالْأَرْبَعَةَ سَوَاءٌ وَلَمْ تَسْتَلْزِمْ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ زِيَادَةً، وَمَسْأَلَةُ الْمِيرَاثِ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، إذْ لَمْ يَجْتَمِعْ فِي الِابْنِ عِلَّتَانِ إنْ ضَمِنَتْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى فَاسْتَلْزَمَتْ الزِّيَادَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ تَفَاوُتِ فِي عُصُوبَتِهِ بِجَعْلِ الشَّارِعِ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْحَالَتَانِ. وَقَوْلُهُ (وَتَمَلَّكَ مِلْكَ غَيْرِهِ) جَوَابٌ عَنْ جَعْلِهِ الشُّفْعَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ: يَعْنِي أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّمَلُّكِ لَا يَجْعَلُ الشُّفْعَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ مِلْكِهِ كَالْأَبِ فَإِنَّ لَهُ التَّمَكُّنَ مِنْ تَمَلُّكِ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ ثَمَرَاتِ مِلْكِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ) يَعْنِي وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ وَأَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَضَاءِ لَهُ بِحَقِّهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَالشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ فِي الْكُلِّ عَلَى عَدَدِهِمْ دُونَ أَنْصِبَائِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَامِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالِانْتِقَاصُ كَانَ لِلْمُزَاحَمَةِ وَقَدْ انْقَطَعَتْ بِالتَّسْلِيمِ

стр. 4481

يَقْطَعُ حَقَّ الْغَائِبِ عَنْ النِّصْفِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ. . قَالَ (وَالشُّفْعَةُ تَجِبُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ) وَمَعْنَاهُ بَعْدَهُ لَا أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الِاتِّصَالُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ غَائِبًا يُقْضَى بِهَا بَيْنَ الْحَاضِرِينَ عَلَى عَدَدِهِمْ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَعَلَّهُ لَا يَطْلُبُ: يَعْنِي قَدْ يَطْلُبُ وَقَدْ لَا يَطْلُبُ، فَلَا يُتْرَكُ حَقُّ الْحَاضِرِينَ بِالشَّكِّ؛ وَإِنْ قُضِيَ لِحَاضِرٍ بِالْجَمِيعِ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ وَطَلَبَهَا يُقْضَى لَهُ بِالنِّصْفِ، فَإِنْ حَضَرَ ثَالِثٌ فَبِثُلُثِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَهُ فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا النِّصْفَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بَيْنَهُمَا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْضِيًّا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبٍ فِيمَا قُضِيَ بِهِ لِصَاحِبِهِ، وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّةٍ لَا يَصِيرُ مَقْضِيًّا لَهُ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَا اسْتَوَوْا فِي سَبَبِهَا وَبَيْنَ مَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ أَقْوَى كَالشَّرِيكِ مَعَ الْجَارِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ: أَيْ أَصَرَّ بَعْدَمَا قُضِيَ لَهُ بِالْجَمِيعِ لَا يَأْخُذُ الْقَادِمُ إلَّا النِّصْفَ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِالْكُلِّ لِلْحَاضِرِ قَطَعَ حَقَّ الْغَائِبِ عَنْ النِّصْفِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ قَالَ (وَالشُّفْعَةُ تَجِبُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ) وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ سَبَبُهَا الْعَقْدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّ سَبَبَهَا الِاتِّصَالُ عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الدَّخِيلِ عَنْ الْأَصِيلِ لِسُوءِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَالضَّرَرُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاتِّصَالِ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمِلْكِ الشَّفْعِ، وَلِهَذَا قُلْنَا بِثُبُوتِهَا لِلشَّرِيكِ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَلِلْجَارِ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّبَبُ لَجَازَ تَسْلِيمُهَا قَبْلَ الْمَبِيعِ لِوُجُودِهِ بَعْدَ السَّبَبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ صَحِيحٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَبِيعَ شَرْطٌ وَلَا وُجُودَ لِلْمَشْرُوطِ قَبْلَهُ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ بَعْدَ تَحْقِيقِ السَّبَبِ فِي حَقِّ صَحِيحَةِ التَّسْلِيمِ كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَإِسْقَاطِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي شَرْطِ الْجَوَازِ وَامْتِنَاعِ الْمَشْرُوطِ قَبْلَ تَحْقِيقِ الشَّرْطِ غَيْرُ خَافٍ عَلَى أَحَدٍ

стр. 4482

وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا رَغِبَ الْبَائِعُ عَنْ مِلْكِ الدَّارِ، وَالْبَيْعُ يُعَرِّفُهَا وَلِهَذَا يُكْتَفَى بِثُبُوتِ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَأْخُذَهَا الشَّفِيعُ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يُكَذِّبُهُ. . قَالَ (وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ)؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ وَالطَّلَبِ لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ رَغْبَتُهُ فِيهِ دُونَ إعْرَاضِهِ عَنْهُ، قَوْلُهُ وَالْوَجْهُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ (أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا رَغِبَ الْبَائِعُ عَنْ مِلْكِ الدَّارِ) وَرَغْبَتُهُ عَنْهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَلَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْبَيْعُ فَيُقَامُ مَقَامَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْمِلْكِ سَبَبٌ، وَالرَّغْبَةُ عَنْ الْمِلْكِ شَرْطٌ، وَالْبَيْعُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِهِ صَحَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي. وَنُوقِضَ بِمَا إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ أَوْ وَهَبَ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الرَّغْبَةَ عَنْهُ قَدْ عُرِفَتْ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدًا لِبَقَاءِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ، بِخِلَافِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ انْقِطَاعِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَعُومِلَ بِهِ كَمَا زَعَمَهُ، وَالْهِبَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذْ غَرَضُ الْوَاهِبِ الْمُكَافَأَةُ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ حَقُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ (وَتَسْتَقِرُّ بِالْإِشْهَادِ) لِلشُّفْعَةِ أَحْوَالُ اسْتِحْقَاقٍ، وَهُوَ بِالِاتِّصَالِ بِالْمِلْكِ بِشَرْطِ الْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاسْتِقْرَارٍ وَهُوَ بِالْإِشْهَادِ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الطَّلَبَ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ: أَيْ مِنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْمُسَارَعَةِ قَضَى فِي الطَّلَبِ إلَى الْمُوَاثَبَةِ لِتَلَبُّسِهِ بِهَا لِأَنَّهُ: أَيْ الشُّفْعَةَ ذَكَّرَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إلَى حَقٍّ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ، قَالَ ﵊ «وَالشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ، إنْ قَيَّدَهَا ثَبَتَ» وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ السُّقُوطِ، كُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْرَضَ

стр. 4483

وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ. . قَالَ (وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ حَكَمَ بِهَا الْحَاكِمُ)؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تَمَّ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الشَّفِيعِ إلَّا بِالتَّرَاضِي أَوْ قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا فِي الرُّجُوعِ وَالْهِبَةِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا فِيمَا إذَا مَاتَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الطَّلَبَيْنِ وَبَاعَ دَارِهِ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا الشُّفْعَةُ أَوْ بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمُخَاصِمِ لَا تُوَرَّثُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَتَبْطُلُ شُفْعَتُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا فِي الثَّالِثَةِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ لَهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ تَجِبُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ مُعَارَضَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. عَنْهُ أَوْ دَامَ عَلَيْهِ. وَالْإِشْهَادُ وَالطَّلَبُ يَدُلَّانِ عَلَى الدَّوَامِ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ طَلَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ. وَتُمْلَكُ. وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَخْذِ إمَّا بِتَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَدَلِيلُهُ الْمَذْكُورُ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ (وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا) أَيْ تَوَقُّفُ الْمِلْكِ فِي الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ بَعْدَ الطَّلَبَيْنِ إلَى وَقْتِ أَخْذِ الدَّارِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقَوْلُهُ (يَعْنِي فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) إذَا مَاتَ الشَّفِيعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا فَلَا تُورَثُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ (فِي الثَّانِيَةِ) يَعْنِي إذَا بَاعَ دَارِهِ لِزَوَالِ السَّبَبِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ. وَقَوْلُهُ (فِي الثَّالِثَةِ) يَعْنِي إذَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِ الدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَشْفُوعَةَ فَكَيْفَ يَمْلِكُ بِهَا غَيْرَهَا. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ قَوْلُهُ تَجِبُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ) يَعْنِي قَوْلَ الْقُدُورِيِّ ﵀ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4484

بَابُ طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا قَالَ (وَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عَلِمَ، حَتَّى لَوْ بَلَغَ الشَّفِيعُ الْبَيْعَ وَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَةً بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» وَلَوْ أُخْبِرَ بِكِتَابٍ وَالشُّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ فَقَرَأَ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ، وَالرِّوَايَتَانِ فِي النَّوَادِرِ. وَبِالثَّانِيَةِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانِ التَّأَمُّلِ كَمَا فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَمَا بَلَغَهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا لَمَّا لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ بِدُونِ الطَّلَبِ شَرَعَ فِي بَيَانِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَتَقْسِيمِهِ. قَالَ (وَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ) كَلَامُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ سِوَى أَلْفَاظٍ نُنَبِّهُ عَلَيْهَا (طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ) سُمِّيَ بِهَا تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» أَيْ طَلَبَهَا عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عُلِمَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ إنْسَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ قَبْلَ

стр. 4485

الْبَيْعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " أَوْ قَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ " لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَمْدٌ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ جِوَارِهِ وَالثَّانِيَ تَعَجُّبٌ مِنْهُ لِقَصْدِ إضْرَارِهِ، وَالثَّالِثَ لِافْتِتَاحِ كَلَامِهِ فَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَنْ ابْتَاعَهَا وَبِكَمْ بِيعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْغَبُ فِيهَا بِثَمَنٍ دُونَ ثَمَنٍ وَيَرْغَبُ عَنْ مُجَاوَرَةِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ أَشْهَدُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ، وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَجْلِسِ إشَارَةً إلَى مَا اخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ. وَيَصِحُّ الطَّلَبُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَبْت الشُّفْعَةَ أَوْ أَطْلُبُهَا أَوْ أَنَا طَالِبُهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَعْنَى، وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ حَتَّى الْبَابِ لِأَنَّهُ حَقٌّ ضَعِيفٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ إنَّمَا هُوَ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ) يَعْنِي رُبَّمَا يَجْحَدُ الْخَصْمُ فَيَحْتَاجُ إلَى الشُّهُودِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ وَإِنَّمَا شَرْطٌ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنْ الشُّفْعَةِ، وَالْإِشْهَادُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَقَوْلُهُ (بِكُلِّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ: لَوْ قِيلَ لِقَرَوِيٍّ بِيعَ أَرْضٌ بِجَنْبِ أَرْضِك فَقِيلَ شُفْعَةٌ شُفْعَةٌ كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنْهُ صَحِيحًا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إذَا قَالَ الشَّفِيعُ طَلَبْت الشُّفْعَةَ وَأَخَذْتهَا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ وَقَعَ كَذِبًا فِي الِابْتِدَاءِ فَكَانَ كَالسُّكُوتِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ عُرْفًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَوْ قَالَ أَطْلُبُ وَآخُذُ بَطَلَ لِأَنَّهُ عِدَةٌ
следующие страницы →