← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وَتَعَيُّنُهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الْأَدْنَى لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الْأَعْلَى وَمِنْ حُكْمِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» قَالَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصَرُ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا لِمَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِهَا غَيْرَهُ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، وَلَا يَتَقَاصَرُ بِاسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ إلَّا الْقَتْلَ كَالسَّيْفِ فَكَانَ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقَوَدِ فِي الْمَنَاطِ وَهُوَ السَّتْرُ وَلَا مُعْتَبَرَ لِصِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ كَالْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ عَمْدًا فَإِنَّهُ كَقَتْلِهِ خَطَأً. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَمْنُوعَةٌ، فَإِنَّ ذَنْبَ الْعَمْدِ مِمَّا لَا يُسْتَرُ بِهَا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَعَلَّهَا كَمَا مَرَّ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ صِفَةِ الْعَمْدِيَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصَاحِبٍ لَنَا قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَإِيجَابُ النَّارِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْجَبَهَا بِشِبْهِ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالْحَجَرِ أَوْ الْعَصَا الْكَبِيرَيْنِ. سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ لَا يُعَارِضُ إشَارَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فَإِنَّ الْفَاءَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ كُلَّ الْجَزَاءِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ لَكَانَ الْمَذْكُورُ بَعْضَهُ وَهُوَ خَلَفٌ قَالَ (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَتْلِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ شِبْهُ الْعَمْدِ هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ سَوَاءٌ كَانَ الْهَلَاكُ بِهِ غَالِبًا كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا الْكَبِيرَيْنِ وَمِدَقَّةِ الْقَصَّارِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ. وَقَالَا: هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ بِهِ غَالِبًا كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ إذَا لَمْ يُوَالِ فِي الضَّرَبَاتِ. فَأَمَّا إذَا وَالَى فِيهَا فَقِيلَ شِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَهُمَا وَقِيلَ عَمْدٌ مَحْضٌ، قَالَا: سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ شِبْهَ الْعَمْدِ لِاقْتِصَارِ مَعْنَى الْعَمْدِ فِيهِ وَإِلَّا لَكَانَ عَمْدًا، وَاقْتِصَارُهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي اسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا يُقْتَلُ بِهَا غَالِبًا كَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِاسْتِعْمَالِهَا غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ. لَا فِي اسْتِعْمَالِ آلَةٍ لَا تَلْبَثُ فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِاسْتِعْمَالِهَا إلَّا الْقَتْلُ

стр. 4832

وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» وَلِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْقَتْلُ غَالِبًا فَقُصِرَتْ الْعَمْدِيَّةُ نَظَرًا إلَى الْآلَةِ، فَكَانَ شِبْهُ الْعَمْدِ كَالْقَتْلِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﷺ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا، وَفِيهِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير ﵁. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا مُطْلَقًا شِبْهَ عَمْدٍ فَتَخْصِيصُهُ بِهِ بِالصَّغِيرَةِ إبْطَالٌ لِلْإِطْلَاقِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ الْعَصَا الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ تَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِمَا غَيْرَ مَوْضُوعَتَيْنِ لِلْقَتْلِ وَلَا مُسْتَعْمَلَتَيْنِ لَهُ، إذْ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِعْمَالُ عَلَى غُرَّةٍ مِنْ الْمَقْصُودِ قَتْلُهُ، وَبِالِاسْتِعْمَالِ عَلَى غُرَّةٍ يَحْصُلُ الْقَتْلُ غَالِبًا، وَإِذَا تَسَاوَيَا وَالْقَتْلُ بِالْعَصَا

стр. 4833

قَالَ (وَمُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْإِثْمُ)؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِشَبَهِهِ بِالْخَطَأِ (وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بُعْدٍ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَأِ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَتَجِبُ مُغَلَّظَةً، وَسَنُبَيِّنُ صِفَةَ التَّغْلِيظِ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْقَتْلِ، وَالشُّبْهَةُ تُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ دُونَ حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ الصَّغِيرَةِ شِبْهُ عَمْدٍ فَكَذَا بِالْكَبِيرَةِ. وَقَوْلُهُ (وَمُوجَبُ ذَلِكَ) أَيْ مُوجَبُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: يَعْنِي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلَهُمَا (الْإِثْمُ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَهُوَ قَاصِدٌ فِي الضَّرْبِ) عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَفْسِيرِهِ (وَالْكَفَّارَةُ لِشَبَهِهِ بِالْخَطَأِ، وَالدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لَا بِمَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ عَمَّا تَصَالَحُوا فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ وَعَنْ قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ عَمْدًا وَعَنْ إقْرَارِ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ خَطَأً وَقَدْ كَانَ قَتْلُهُ عَمْدًا فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ. وَقَوْلُهُ (لِقَضِيَّةِ عُمَرَ ﵁) يَعْنِي مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ

стр. 4834

وَمَالِكٌ وَإِنْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ قَالَ (وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ، أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الْآيَةَ، وَهِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ. وَقَوْلُهُ (فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ) قِيلَ أَرَادَ قَوْلَهُ ﷺ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَأِ الْعَمْدِ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا» الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ الْمُصَنِّفِ ﵀ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَيْنَا وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا قَالَ أَسْلَفْنَا نَظَرًا إلَى الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الْمَعْقُولِ قَالَ (وَالْخَطَأُ عَلَى نَوْعَيْنِ) إنَّمَا انْحَصَرَ الْخَطَأُ فِي نَوْعَيْنِ، لِأَنَّ الرَّمْيَ إلَى شَيْءٍ مَثَلًا مُشْتَمِلٌ عَلَى فِعْلِ الْقَلْبِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالْجَارِحَةُ وَهُوَ الرَّمْيُ، فَإِنْ اتَّصَلَ الْخَطَأُ بِالْأَوَّلِ فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ اتَّصَلَ

стр. 4835

لِمَا بَيَّنَّاهُ (وَلَا إثْمَ فِيهِ) يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ قَالُوا: الْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ، فَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَعْرَى عَنْ الْإِثْمِ مِنْ حَيْثُ تَرْكُ الْعَزِيمَةِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّثَبُّتِ فِي حَالِ الرَّمْيِ، إذْ شَرْعُ الْكَفَّارَةِ يُؤْذِنُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى (وَيُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ إثْمًا فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ الضَّرْبَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ فَمَاتَ حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ وُجِدَ بِالْقَصْدِ إلَى بَعْضِ بَدَنِهِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ كَالْمَحَلِّ الْوَاحِدِ قَالَ (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، وَمُوجِبُهُ إذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ)؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَأُنْزِلَ مَوْقِعًا دَافِعًا فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُلْحَقُ بِالْخَطَإِ فِي أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَاتِلًا وَلَنَا أَنَّ الْقَتْلَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةً فَأُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ إنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالْحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ عَلَى مَا قَالُوا، وَهَذِهِ كَفَّارَةُ ذَنْبِ الْقَتْلِ وَكَذَا الْحِرْمَانُ بِسَبَبِهِ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا)؛ لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَخْتَصُّ إتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ بِالثَّانِي فَهُوَ الثَّانِي. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ ﵁ (وَلَا إثْمَ فِيهِ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ النَّوْعَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ (وَيُحْرَمُ عَنْ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ فِيهِ إثْمًا) بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَالْحِرْمَانُ يَجِبُ بِأَنْوَاعِ الْقَتْلِ فِيمَا هُوَ جِنَايَةٌ، قِيلَ عَلَى الْمُوَرِّثِ تَضَمَّنَتْ تُهْمَةَ الِاسْتِعْجَالِ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَهُ، إلَّا أَنَّهُ أَظْهَرَ الْخَطَأَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَصَرِ الضَّوْءِ فِي الْفَرَائِضِ مُسْتَوْفًى بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ. وَصُورَةُ ذَلِكَ رَجُلٌ تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ فَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقَوَدُ. وَلَوْ أَرَادَ يَدَ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ وَأَبَانَهُ فَهُوَ خَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلَا بِالْخَطَأِ، إلَّا أَنَّهُ كَالْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ بِثِقَلِهِ فَكَأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنْزَلَهُ قَاتِلًا) يَعْنِي فِي حَقِّ الضَّمَانِ فَكَذَا فِي الْكَفَّارَةِ وَالْحِرْمَانِ. وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْقَتْلِ وَهُوَ مَعْدُومٌ مِنْهُ حَقِيقَةً لِعَدَمِ اتِّصَالِ فِعْلِهِ بِهِ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ عَنْ الْهَدَرِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَافِرُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ يَأْثَمُ وَمَا فِيهِ إثْمٌ مِنْ الْقَتْلِ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ كَمَا ذَكَرْتُمْ فِي الْخَطَأِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ إنْ كَانَ يَأْثَمُ بِالْحَفْرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) أَيْ الْإِثْمُ الْحَاصِلُ بِالْقَتْلِ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحِرْمَانِ بِهِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ إثْمَهُ إثْمُ الْحَفْرِ لَا الْمَوْتِ. وَقَوْلُهُ (وَمَا يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ فَهُوَ عَمْدٌ فِيمَا سِوَاهَا) يَعْنِي لَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ (لِأَنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ) فَإِنَّ إتْلَافَ النَّفْسِ لَا يُقْصَدُ إلَّا بِالسِّلَاحِ وَمَا جَرَى

стр. 4836

بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ قَالَ (الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا) أَمَّا الْعَمْدِيَّةُ فَلِمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا حَقْنُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلِتَنْتَفِيَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ وَتَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ قَالَ (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ) لِلْعُمُومَاتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ مَجْرَاهُ، وَأَمَّا مَا دُونَهَا فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إتْلَافَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا يَقْصِدُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فَقْءَ الْعَيْنِ كَمَا يُقْصَدُ بِالسِّكِّينِ يُقْصَدُ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ (بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَقْسَامِ الْقَتْلِ وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا الْعَمْدُ وَهُوَ قَدْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَقَدْ لَا يُوجِبُهُ احْتَاجَ إلَى تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ (الْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ إلَخْ) هَذِهِ ضَابِطَةٌ كُلِّيَّةٌ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَجِبُ لَهُ الْقِصَاصُ، وَحَقْنُ الدَّمِ مَنَعَهُ أَنْ يَسْفِكَ. وَقَوْلُهُ (عَلَى التَّأْبِيدِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ، فَإِنَّ فِي دَمِهِ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ بِالْعَوْدِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ الْمُزِيلَةِ لِلْمُسَاوَاةِ الْمُنْبِئِ عَنْهَا الْقِصَاصُ، وَلَا بُدَّ مِنْ صِفَةِ الْعَمْدَيْنِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَمِنْ أَنَّ الْجِنَايَةَ بِهَا تَتَكَامَلُ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَذَلِكَ يُنَافِي وَصْفَ الْقِصَاصِ بِالْوُجُوبِ. الثَّانِي أَنَّ حَقْنَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِأَنَّ أَنْهَى مَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَزُولُ بِالِارْتِدَادِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثُ أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِمُسْلِمٍ قَتَلَ ابْنَهُ الْمُسْلِمَ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ وَلَا قِصَاصَ، الرَّابِعُ أَنَّ قَيْدَ التَّأْبِيدِ لِثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ، وَإِذَا قَتَلَ الْمُسْتَأْمَنُ مُسْلِمًا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ ثُبُوتُ حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَفْوِ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ مَا هُوَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالِارْتِدَادُ عَارِضٌ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَرُجُوعُ الْحَرْبِيِّ إلَى دَارِهِ أَصْلٌ لَا عَارِضٌ. وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ انْقَلَبَ مَالًا لِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ. وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ إلَى نُقْصَانٍ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ.

стр. 4837

الْحُرِّ بِطَرَفِهِ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ، وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ حَيْثُ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ تَفَاوُتٌ إلَى نُقْصَانٍ وَلَنَا أَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَهِيَ بِالدِّينِ وَبِالدَّارِ وَيَسْتَوِيَانِ فِيهِمَا، وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْإِبَاحَةِ، وَالنَّصُّ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ وَقَوْلُهُ لِلْعُمُومَاتِ يُرِيدُ بِهِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وَقَوْلَهُ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَذَكَرَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَوَجْهَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَهِيَ) أَيْ الْعِصْمَةُ (بِالدَّيْنِ) يَعْنِي عِنْدَهُ (أَوْ بِالدَّارِ) يَعْنِي عِنْدَنَا (وَ) الْعَبْدُ وَالْحُرُّ (يَسْتَوِيَانِ فِيهِمَا) فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ قَالَ جَازَ أَنْ تَكُونَ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ مَانِعَةً وَهِيَ ثَابِتَةٌ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ وَحَقِيقَةُ الْكُفْرِ تَمْنَعُ مِنْهُ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْتَأْمَنِ فَكَذَا أَثَرُهُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَجَرَيَانُ الْقِصَاصِ) مَعْنَاهُ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ مَانِعًا، إذْ لَوْ صَلَحَ لَمَا جَرَى بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْتَأْمَنِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (وَالنَّصُّ تَخْصِيصٌ بِالذَّكَرِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الْمُقَابَلَةِ فِي الْآيَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بِالذَّكَرِ وَهُوَ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي الذَّكَرَ بِالْأُنْثَى وَلَا الْعَكْسَ بِالْإِجْمَاعِ، وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ قَتْلَ غَيْرِ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ رَوَى أَنَّ قَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْعَرَبِ تَدَّعِي إحْدَاهُمَا فَضْلًا عَلَى الْأُخْرَى اقْتَتَلَتَا، فَقَالَتْ مُدَّعِيَةُ الْفَضْلِ: لَا نَرْضَى إلَّا بِقَتْلِ الذَّكَرِ مِنْهُمْ بِالْأُنْثَى مِنَّا وَالْحَرِّ مِنْهُمْ بِقَتْلِ الْعَبْدِ مِنَّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَنْ الْأَطْرَافِ. وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْجُزْءِ الْمُبَانِ، فَإِنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّقَّ ثَابِتٌ فِي أَجْزَاءِ الْجِسْمِ،

стр. 4838

قَالَ (وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَهُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَلِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَقْتَ الْجِنَايَةِ، وَكَذَا الْكُفْرُ مُبِيحٌ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ» وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ وَالدَّارِ وَالْمُبِيحُ كُفْرُ الْمُحَارِبِ دُونَ الْمُسَالِمِ، وَالْقَتْلُ بِمِثْلِهِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ بِخِلَافِ النُّفُوسِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ فِيهَا يَعْتَمِدُهَا فِي الْعِصْمَةِ وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهَا عَلَى مَا مَرَّ. قَالَ (وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي ثُبُوتِ اقْتِصَاصِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَذَهَبَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِهِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ﵃ إلَى ثُبُوتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ. اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ: «سَأَلْت عَلِيًّا ﵁ هَلْ عِنْدَك مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوَى الْقُرْآنِ؟ قَالَ لَا، وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إلَّا أَنْ يُعْطَى فَهْمًا فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْت: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وَبِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي وَقْتِ الْجِنَايَةِ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فِيهِ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا وَقْتَ الْقَتْلِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِدَمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ فِتْنَةُ الْكُفْرِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ. وَلَنَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ إبْرَاهِيمَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ» وَفِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ جَلَاءٌ لَا يُمَارَى. وَرُدَّ بِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى ابْنِ السَّلْمَانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ﵀ ابْنُ السَّلْمَانِيِّ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ، رُوِيَ عَنْهُ رَبِيعَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ» وَهُوَ مُرْسَلٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ابْنُ السَّلْمَانِيِّ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إذَا وَصَلَ فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّعْنَ بِالْإِرْسَالِ وَالطَّعْنُ الْمُبْهَمُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْعِصْمَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ) يَعْنِي عِنْدَهُ (أَوْ الدَّارِ) يَعْنِي عِنْدَنَا فَيَثْبُتُ. وَقَوْلُهُ (وَالْمُبِيحُ كُفْرُ الْمُحَارِبِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَكَذَا الْكُفْرُ مُبِيحٌ،

стр. 4839

الشُّبْهَةِ، وَالْمُرَادُ بِمَا رَوَى الْحَرْبِيَّ لِسِيَاقِهِ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْكُفْرِ مُبِيحٌ بَلْ الْمُبِيحُ كُفْرُ الْمُحَارِبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ وَقَوْلُهُ وَالْقَتْلُ بِمِثْلِهِ لِدَفْعِ قَوْلِهِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةُ: أَيْ قَتْلُ الذِّمِّيِّ بِالذِّمِّيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُفْرَ الذِّمِّيِّ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ إذْ لَوْ أَوْرَثَهَا لَمَا جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ. فَإِنْ قِيلَ: يُورِثُ الشُّبْهَةَ إذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ. قُلْنَا: فَيَكُونُ قَبْلَ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ مَعْصُومًا كَالْمُسْلِمِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ. وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁. وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنَّ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ لَمْ يَكُنْ مُفْرَدًا، وَلَوْ كَانَ مُفْرَدًا لَاحْتَمَلَ مَا قَالُوا وَلَكِنْ مَوْصُولًا بِغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ (لِسِيَاقِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ) وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ هَذَا عَلَى الْأَوَّلِ وَالْعَطْفُ لِلْمُغَايَرَةِ فَيَكُونُ كَلَامًا تَامًّا فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَدَائِهِ إلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ ذُو عَهْدٍ مُدَّةَ عَهْدِهِ وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقَدَّرُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافٍ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو عَهْدٍ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَيُقَدَّرُ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ، وَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَرْبِيٍّ يُقَدَّرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ أَعَمَّ وَالْأَعَمُّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْأَخَصِّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَمَا فَرَضْنَاهُ دَلِيلًا لَا يَكُونُ دَلِيلًا هَذَا خَلَفٌ بَاطِلٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا كَيْفِيَّةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْحَرْبِيِّ حَتَّى صَحَّ نَفْيُهُ وَقَتْلُهُمْ وَاجِبٌ؟

стр. 4840

قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَكَذَلِكَ كُفْرُهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحِرَابِ؛ فَالْجَوَابُ مِنْ جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمُسْلِمُ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ كَافِرًا حَرْبِيًّا فَهُوَ حَرَامٌ لَكِنْ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ. وَالثَّانِي أَنْ يَقْتُلَ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَعَارِكِ الْآرَاءِ لَا طَائِلَ تَحْتَ تَطْوِيلِهَا فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ (وَلَا يُقْتَلُ) يَعْنِي الْمُسْلِمَ (بِالْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ (وَلِأَنَّ كُفْرَهُ بَاعِثٌ عَلَى الْحِرَابِ

стр. 4841

لِأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ (وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ) قِيَاسًا لِلْمُسَاوَاةِ، وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الْمُبِيحِ (وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنُ وَبِنَاقِصِ الْأَطْرَافِ وَبِالْمَجْنُونِ) لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ فِيمَا وَرَاءَ الْعِصْمَةِ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ وَظُهُورَ التَّقَاتُلِ وَالتَّفَانِي قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ) إلَى دَارِهِ فَكَانَ كَالْحَرْبِيِّ (وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ لَيْسَ مَحْقُونَ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَقِيلَ هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ ﷺ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْهُ مِثْلُهُ لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّا قَدَّرْنَا ذَلِكَ بِكَافِرٍ حَرْبِيٍّ إلَّا إذَا أُرِيدَ هُنَاكَ بِالْحَرْبِيِّ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُحَارِبًا وَهُوَ الْحَقُّ، وَيُغْنِينَا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيِّ وَالْجَوَابِ عَنْهُ. وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ لِمَا بَيَّنَّا لِأَنَّ التَّقْدِيرَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمَرْوِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ فَلَمْ يَقُلْ لِمَا رَوَيْنَا وَقَوْلُهُ (لِلْعُمُومَاتِ) يَعْنِي الْآيَاتِ الدَّالَّةَ بِعُمُومِهَا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ إلَخْ) يَصْلُحُ لِجَمِيعِ مَا خَالَفْنَا فِيهِ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ إلَخْ) لَا يُقْتَلُ الْإِنْسَانُ بِوَلَدِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ

стр. 4842

حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ يُقَادُ إذَا ذَبَحَهُ ذَبْحًا، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْيَائِهِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُسْتَحَقَّ لَهُ إفْنَاؤُهُ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْأَعْدَاءِ مُقَاتِلًا أَوْ زَانِيًا وَهُوَ مُحْصَنٌ، وَالْقِصَاصُ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ ثُمَّ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ، وَإِنْ عَلَا فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ لِمَا بَيَّنَّا، وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ قَالَ (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِعَبْدِهِ وَلَا مُدَبَّرِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْقِصَاصَ وَلَا وَلَدِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ» وَهُوَ مَعْلُولٌ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِإِحْيَائِهِ وَهُوَ وَصْفٌ مُعَلَّلٌ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ وَالِدَهُ وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْأَعْدَاءِ مُقَاتِلًا أَوْ وَجَدَهُ زَانِيًا وَهُوَ مُحْصَنٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى بِهِ الْحُكْمُ مِنْ الْوَالِدِ إلَى الْجَدِّ مُطْلَقًا وَإِلَى الْأُمِّ وَالْجَدَّاتِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُمْ أَسْبَابٌ لِإِحْيَائِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِمْ. قَوْلُهُ (وَالْقِصَاصُ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْتُولُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْوَارِثُ يَسْتَحِقُّ إفْنَاءَهُ لَا الْوَلَدُ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِفَنَائِهِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إنْ ذَبَحَهُ يُقَادُ بِهِ لِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْخَطَأِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَمَاهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَإِنَّ فِيهِ تَوَهُّمَ التَّأْدِيبِ، لِأَنَّ شَفَقَةَ الْأُبُوَّةِ تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀. وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ وَهُوَ مُحْصَنٌ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّجْمَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ. لَا يُقَالُ: فَيَجِبُ أَنْ يُحَدَّ إذَا زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» صَارَ شُبْهَةً فِي الدَّرْءِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْيَائِهِ وَقَوْلُهُ (وَلَا وَلَدُهُ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ

стр. 4843

قَالَ (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ قَالَ (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِالسَّيْفِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ إنْ كَانَ فِعْلًا مَشْرُوعًا، فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا تُحَزَّ رَقَبَتُهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَالْمُرَادُ بِهِ السِّلَاحُ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الزِّيَادَةِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ فَيُحَزُّ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا فِي كَسْرِ الْعَظْمِ قَالَ (وَإِذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى وَتَرَكَ وَفَاءً فَلَهُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا أَرَى فِي هَذَا قِصَاصًا)؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ سَبَبُ الِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّهُ الْوَلَاءُ إنْ مَاتَ حُرًّا وَالْمِلْكُ إنْ مَاتَ عَبْدًا، وَصَارَ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمَوْلَى زَوَّجْتُهَا مِنْك لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ كَذَا هَذَا وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَوْلَى بِيَقِينٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْحُكْمُ مُتَّحِدٌ، وَاخْتِلَافُ السَّبَبِ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ حُكْمٍ فَلَا يُبَالَى بِهِ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مِلْكِ الْيَمِينِ يُغَايِرُ حُكْمَ النِّكَاحِ فِي يَسْتَوْجِبُ، وَجَازَ ذَلِكَ بِلَا تَأْكِيدٍ بِمُنْفَصِلٍ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ: يَعْنِي وَلَا يَسْتَوْجِبُ وَلَدُهُ عَلَى أَبِيهِ إذَا قَتَلَ الْأَبُ عَبْدَ وَلَدِهِ وَقَوْلُهُ (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ) مِثْلُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ أُمَّ ابْنِهِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِالسَّيْفِ) يَعْنِي إذَا وُجِدَ الْقَتْلُ الْمُوجَبُ لِلْقَوَدِ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالسَّيْفِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَتْلٌ بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ مِثْلُ أَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَمَاتَ مِنْهُ فُعِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَيُمْهَلُ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مَشْرُوعٍ كَأَنْ سَقَاهُ الْخَمْرَ حَتَّى قَتَلَهُ أَوْ لَاطَ بِصَغِيرٍ فَقَتَلَهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ فِيهِ مُسَاوَاةً فِي أَصْلِ الْوَصْفِ وَالْفِعْلِ الْمَقْصُودِ بِهِ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَهُوَ نَصٌّ عَلَى نَفْيِ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ بِغَيْرِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ سِلَاحًا) فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا قَوَدَ يَجِبُ إلَّا بِالسَّيْفِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَوَدَ اسْمٌ لِفِعْلٍ هُوَ جَزَاءُ الْفِعْلِ كَالْقِصَاصِ دُونَ مَا يَجِبُ شَرْعًا وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَهَذَا مُخْتَارُ صَاحِبِ الْأَسْرَارِ. فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ قَدَّرَهُ بِلَا قَوَدٍ يَجِبُ إلَّا بِالسَّيْفِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ الْقَتْلِ بِالْمُثْقِلِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ. وَوَجْهُهُ لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ الزِّيَادَةَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ، لِأَنَّ فِيهِ الْحَزَّ بَعْدَ فِعْلِ مِثْلِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَدَائِهِ إلَى انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَمَا فِي كَسْرِ الْعَظْمِ، فَإِنَّ مَنْ كَسَرَ عَظْمَ إنْسَانٍ سِوَى السِّنِّ عَمْدًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِذَا جَازَ تَرْكُ الْقِصَاصِ كُلِّهِ عِنْدَ تَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ تَرْكُ الْبَعْضِ أَوْلَى قَالَ (وَإِذْ قَتَلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَى الْمَوْلَى إلَخْ) إذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا فَلَا

стр. 4844

(وَلَوْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا مَعَ الْمَوْلَى)؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْلَى إنْ مَاتَ عَبْدًا، وَالْوَارِثُ إنْ مَاتَ حُرًّا إذْ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي مَوْتِهِ عَلَى نَعْتِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّ، بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُتَعَيَّنٌ فِيهَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَرَكَ وَفَاءً أَوْ لَمْ يَتْرُكْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا أَرَى فِي هَذَا قِصَاصًا. وَاسْتَدَلَّ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَكَأَنَّهُ حَامَ حَوْلَ الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ وَلَهُمَا أَنَّ حَقَّ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَوْلَى بِيَقِينٍ إلَخْ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْيُ اعْتِبَارِ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لِانْحِطَاطِهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ السَّبَبَيْنِ إذَا رَجَعَا إلَى شَخْصٍ وَحُكْمُهُمَا لَمْ يَخْتَلِفْ صَارَا كَسَبَبٍ وَاحِدٍ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا إذَا رَجَعَا إلَى شَخْصَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا كَالْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ اجْتَمَعُوا لِوُجُودِ الِاشْتِبَاهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي مَوْتِهِ عَلَى نَعْتِ الْحُرِّيَّةِ أَوْ الرِّقِّ، فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ يَمُوتُ حُرًّا إذَا أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ فَيَكُونُ الِاسْتِيفَاءُ لِوَرَثَتِهِ، وَعَلَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ يَمُوتُ عَبْدًا فَيَكُونُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِلْمَوْلَى (بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمَوْلَى مُتَعَيِّنٌ فِيهَا) وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَوَاضِحٌ كَمَا ذُكِرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَا وَارِثَ لَهُ أَوْ لَهُ وَرَثَةٌ أَرِقَّاءُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ

стр. 4845

(وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْمَوْلَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا بِلَا رَيْبٍ لِانْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ (وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ)؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَلِيهِ، وَالرَّاهِنُ لَوْ تَوَلَّاهُ لَبَطَل حَقُّ فِي ذِكْرِهِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً) يَعْنِي لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ

стр. 4846

الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ فَيُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِرِضَاهُ قَالَ (وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ فَلِأَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهَا وَهُوَ تَشَفِّي الصَّدْرِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَا يَعُودُ بِمَوْتِهِ وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْعَجْزِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَتَلَ وَلِيُّ الْمَعْتُوهِ) يَعْنِي ابْنَهُ (فَلِأَبِيهِ) وَهُوَ جَدُّ الْمَقْتُولِ الِاسْتِيفَاءُ (لِأَنَّهُ مِنْ) بَابِ (الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهَا) أَيْ إلَى النَّفْسِ (وَهُوَ تَشَفِّي الصَّدْرِ فَيَلِيهِ كَالْإِنْكَاحِ)

стр. 4847

(وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ)؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ (وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ يَدُ الْمَعْتُوهِ عَمْدًا) لِمَا ذَكَرْنَا (وَالْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ قَبِيلِهِ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الصُّلْحُ عَنْ النَّفْسِ وَاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَثْنَ إلَّا الْقَتْلُ وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي النَّفْسِ بِالِاعْتِيَاضِ عَنْهُ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِيفَاءِ وَوَجْهُ الْمَذْكُورِ هَا هُنَا وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْإِنْكَاحَ مَلَكَ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ كَالْأَخِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الْإِنْكَاحَ دُونَ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَلِلْأَبِ شَفَقَةٌ كَامِلَةٌ يُعَدُّ ضَرَرُ الْوَلَدِ ضَرَرَ نَفْسِهِ فَجُعِلَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ التَّشَفِّي كَالْحَاصِلِ لِلِابْنِ بِخِلَافِ الْأَخِ (وَلَهُ) أَيْ لِوَلِيِّ الْمَعْتُوهِ (أَنْ يُصَالِحَ) لَكِنْ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ، فَإِنْ نَقَصَ يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمَعْتُوهِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْمَعْتُوهِ (وَهَذَا) أَيْ الِاسْتِيفَاءُ (مِنْ قَبِيلِهِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الْإِطْلَاقِ) يُرِيدُ قَوْلَهُ وَالْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (إنَّ الْوَصِيَّ لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ) يَعْنِي عَنْ النَّفْسِ، وَأَمَّا

стр. 4848

أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصُّلْحِ الْمَالُ وَأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَمَا يَجِبُ بِعَقْدِ الْأَبِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّشَفِّي وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَبِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِبْطَالِ فَهُوَ أَوْلَى وَقَالُوا الْقِيَاسُ أَلَّا يَمْلِكَ الْوَصِيُّ الِاسْتِيفَاءَ فِي الطَّرَفِ كَمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَّحِدٌ وَهُوَ التَّشَفِّي وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ اسْتِيفَاؤُهُ بِمَنْزِلَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَالصَّبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْتُوهِ فِي هَذَا، وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي الصَّحِيحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَا وَلِيَّ لَهُ يَسْتَوْفِهِ السُّلْطَانُ، وَالْقَاضِي بِمَنْزِلَتِهِ فِيهِ قَالَ (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ الصِّغَارُ)؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَمَّا دُونَهَا فَيَمْلِكُهُ. وَقَوْلُهُ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْمَالُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ أَيْ بِعَقْدِ الْوَصِيِّ قَالَ (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ إلَخْ) إذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ صِغَارًا وَكِبَارًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ الْأَبُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَلَهُمْ الِاسْتِيفَاءُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ﵏ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ الصِّغَارُ وَوَجْهُهُمَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَوَجْهُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْغُيَّبِ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ الْعَفْوِ فِي الْحَالِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّهُ فِي الْغَائِبِ مَوْهُومٌ فَالِاسْتِيفَاءُ يَقَعُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَفِي الصَّغِيرِ مَأْيُوسٌ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ فَانْتَفَى الشُّبْهَةُ، وَإِذَا انْتَفَى الشُّبْهَةُ وَهُوَ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّى لِثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَمَلًا كَالْوِلَايَةِ فِي الْإِنْكَاحِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ تَعَدَّدَ الْقَتِيلُ وَعَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّ لِغَيْرِهِ وِلَايَةَ اسْتِيفَاءِ قِصَاصِ قَتِيلِهِ لَا مَحَالَةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، فَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ كَانَ ثَابِتًا سَاقِطًا وَهُوَ مُحَالٌ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَيَنْقَلِبُ مَالًا نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْقَتِيلُ فَإِنَّ الْحَقَّ ثَمَّةَ مُتَعَدِّدٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ

стр. 4849

الْبَعْضِ لِعَدَمِ التَّجَزِّي، وَفِي اسْتِيفَائِهِمْ الْكُلَّ إبْطَالُ حَقِّ الصِّغَارِ فَيُؤَخَّرُ إلَى إدْرَاكِهِمْ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْكَبِيرَيْنِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ وَلَهُ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ لِثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ، وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ مِنْ الصَّغِيرِ مُنْقَطِعٌ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلًا كَمَا فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ، بِخِلَافِ الْكَبِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ ثَابِتٌ وَمَسْأَلَةُ الْمَوْلَيَيْنِ مَمْنُوعَةٌ قَالَ (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْحَدِيدِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ سُقُوطِ بَعْضٍ سُقُوطُ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ (وَمَسْأَلَةُ الْمَوْلَيَيْنِ مَمْنُوعَةٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ، وَسَنَدُ مَنْعِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْأَسْرَارِ لَا رِوَايَةَ فِي عَبْدٍ أَعْتَقَهُ رَجُلَانِ ثُمَّ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ وَلَهُ مَوْلَيَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَنْفَرِدُ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَأَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ إنَّمَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِالِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَكْمُلْ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْمِلْكِ وَبَعْضَ الْوَلَاءِ لَيْسَ بِسَبَبٍ أَصْلًا فَكَانَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمَا كَنِصْفِ رَجُلٍ وَشَطْرِ عِلَّةٍ وَقَوْلُهُ (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ إلَخْ) وَاضِحٌ وَكَذَا قَوْلُهُ

стр. 4850

بِالْعُودِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ) قَالَ ﵁: وَهَذَا إذَا أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَدِيدِ لِوُجُودِ الْجُرْحِ فَكَمُلَ السَّبَبُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِ الْحَدِيدِ فَعِنْدَهُمَا يَجِبُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا مِنْهُ لِلْآلَةِ، وَهُوَ الْحَدِيدُ وَعَنْهُ إنَّمَا يَجِبُ إذَا جَرَحَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الضَّرْبُ بِسِنْجَاتِ الْمِيزَانِ؛ وَأَمَّا إذَا ضَرَبَهُ بِالْعُودِ فَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِوُجُودِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ وَامْتِنَاعِ الْقِصَاصِ حَتَّى لَا يُهْدَرَ الدَّمُ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَصَا الْكَبِيرَةِ فَيَكُونُ قَتْلًا بِالْمُثْقَلِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ، وَقِيلَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّوْطِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُوَالَاةِ لَهُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الضَّرَبَاتِ إلَى أَنْ مَاتَ دَلِيلُ الْعَمْدِيَّةِ فَيَتَحَقَّقُ الْمُوجِبُ وَلَنَا مَا رَوَيْنَا «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ» وَيُرْوَى " شِبْهِ الْعَمْدِ " الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّأْدِيبِ أَوْ لَعَلَّهُ اعْتَرَاهُ الْقَصْدُ فِي خِلَالِ الضَّرَبَاتِ فَيَعْرَى أَوَّلُ الْفِعْلِ عَنْهُ وَعَسَاهُ أَصَابَ الْمَقْتَلَ، وَالشُّبْهَةُ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ فَوَجَبَ الدِّيَةُ قَالَ (وَمَنْ غَرَّقَ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا فِي الْبَحْرِ فَلَا قِصَاصَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُمَا يُسْتَوْفَى حَزًّا وَعِنْدَهُ يُغَرَّقُ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ لَهُمْ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» وَلِأَنَّ الْآلَةَ قَاتِلَةٌ فَاسْتِعْمَالُهَا أَمَارَةُ الْعَمْدِيَّةِ، وَمَنْ غَرَّقَ صَبِيًّا) وَ (كَمَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ إنْ كَانَ فِعْلًا مَشْرُوعًا. وَقَوْلُهُ (لَهُمْ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏، لَكِنَّ اسْتِدْلَالَ الشَّافِعِيِّ بِالْحَدِيثِ وَاسْتِدْلَالهمَا بِالْمَعْقُولِ.

стр. 4851

وَلَا مِرَاءَ فِي الْعِصْمَةِ وَلَهُ قَوْلُهُ ﵊ «أَلَا إنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا» وَفِيهِ «وَفِي كُلِّ خَطَإٍ أَرْشٌ»؛ لِأَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلْقَتْلِ، وَلَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِعْمَالِهِ فَتَمَكَّنَتْ شُبْهَةُ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: اقْتَصَّ أَثَرَهُ، وَمِنْهُ الْقُصَّةُ لِلْجَلَمَيْنِ، وَلَا تَمَاثُلَ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالدَّقِّ لِقُصُورِ الثَّانِي عَنْ تَخْرِيبِ الظَّاهِرِ، وَكَذَا لَا يَتَمَاثَلَانِ فِي حِكْمَةِ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ بِالسِّلَاحِ غَالِبٌ وَبِالْمُثْقَلِ نَادِرٌ، وَقَوْلُهُ (وَلَا مِرَاءَ فِي الْعِصْمَةِ) أَيْ لَا شَكَّ فِيهَا. وَقَوْلُهُ (وَمِنْهُ الْمَقَصَّةُ لِلْجَلَمَيْنِ) الْجَلَمُ الَّذِي يُجَزُّ بِهِ وَهُمَا جَلَمَانِ.

стр. 4852

وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ، وَقَدْ أَوْمَتْ إلَيْهِ إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ فِيهِ وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ. قَالَ (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ وَعَدَمِ مَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ فِي الظَّاهِرِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ قَالَ (وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ظَنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَإِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالْخَطَأُ بِنَوْعَيْهِ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الدِّيَةُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ نَصُّ الْكِتَابِ «وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِالدِّيَةِ» قَالُوا: إنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ، فَإِنْ كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ لَا تَجِبُ لِسُقُوطِ عِصْمَتِهِ بِتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ قَالَ ﵊ «مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» قَالَ (وَمَنْ شَجَّ نَفْسَهُ وَشَجَّهُ رَجُلٌ وَعَقَرَهُ أَسَدٌ وَأَصَابَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَسَدِ وَالْحَيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِكَوْنِهِ هَدَرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا مُعْتَبَرٌ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى يَأْثَمَ عَلَيْهِ وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا كَتَبْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ فَلَمْ يَكُنْ هَدَرًا مُطْلَقًا وَكَانَ جِنْسًا آخَرَ، وَفِعْلُ الْأَجْنَبِيِّ مُعْتَبَرٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَارَتْ ثَلَاثَةَ أَجْنَاسٍ فَكَأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَتْ بِثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ فَيَكُونُ التَّالِفُ بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ (وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ) لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ التَّحْرِيقُ بِالتَّحْرِيقِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ ﷺ «لَا تُعَذِّبُوا أَحَدًا بِعَذَابِ اللَّهِ» (أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ وَقَدْ أَوْمَتْ) أَيْ أَشَارَتْ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى كَوْنِهِ مَحْمُولًا عَلَى السِّيَاسَةِ (إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ) حَيْثُ قَالَ غَرَّقْنَا وَلَمْ يَقُلْ غَرِّقُوهُ. وَقَوْلُهُ (وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ) مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُ (فِي الْكَفَّارَةِ) خَيَّرَهُ: يَعْنِي أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنَّمَا كَانَ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَقَوْلُهُ (لِوُجُودِ السَّبَبِ) يَعْنِي سَفْكَ دَمٍ مَحْقُونٍ عَلَى التَّأْبِيدِ عَمْدًا (وَعَدَمُ مَا يُبْطِلُ حُكْمَهُ) يَعْنِي مِنْ عَفْوٍ أَوْ شُبْهَةٍ وَقَوْلُهُ (وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ) يُرِيدُ بِهِ الْخَطَأَ فِي الْقَصْدِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الدِّيَةُ) مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى الْكَفَّارَةِ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ) يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ (وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ تَوَالَتْ رَوَى «أَنَّ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ تَوَالَتْ عَلَى الْيَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَقَتَلُوهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ فَوَهَبَهَا لَهُمْ حُذَيْفَةُ» وَقَوْلُهُ (وَمَنْ شَجَّ نَفْسَهُ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَفِعْلُهُ بِنَفْسِهِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا) يَعْنِي فَلَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الضَّمَانِ لِمَكَانِ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّنَافِي. وَقَوْلُهُ (يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) أَثَرُ كَوْنِ فِعْلِهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ صَارَ كَأَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ بِمَرَضٍ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ فِي نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرَةٌ فَصَارَ كَالْبَاغِي. وَقَوْلُهُ (فَلَمْ يَكُنْ هَدَرًا مُطْلَقًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ هَدَرٌ فِي الدُّنْيَا مُعْتَبَرٌ فِي الْآخِرَةِ وَالْبَاقِي وَاضِحٌ

стр. 4853

فَصْلٌ قَالَ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَيْفًا فَقَدْ أَطَلَّ دَمَهُ» وَلِأَنَّهُ بَاغٍ فَتَسْقُطُ عِصْمَتُهُ بِبَغْيِهِ، وَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الْقَتْلِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَهُ قَتْلُهُ وَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِمْ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ إشَارَةٌ إلَى الْوُجُوبِ، وَالْمَعْنَى وُجُوبُ دَفْعِ الضَّرَرِ وَفِي سَرِقَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصًا لَيْلًا فِي مِصْرٍ أَوْ نَهَارًا فِي طَرِيقٍ فِي غَيْرِ مِصْرٍ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَلْبَثُ وَلَكِنْ فِي اللَّيْلِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَيُضْطَرُّ إلَى دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ، وَكَذَا فِي النَّهَارِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فِي الطَّرِيقِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَإِذَا قَتَلَهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا قَالُوا: فَإِنْ كَانَ عَصًا لَا تَلْبَثُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ السِّلَاحِ عِنْدَهُمَا قَالَ (وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ وَالدَّابَّةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الدَّابَّةِ وَلَا يَجِبُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَيُعْتَبَرُ بِالْبَالِغِ الشَّاهِرِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْمُولًا عَلَى قَتْلِهِ بِفِعْلِهِ فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا حَتَّى لَوْ تَحَقَّقَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الْقِصَاصَ أَلْحَقَ بِهَا فَصْلًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي لَهَا عَرْضِيَّةُ إيجَابِ الْقِصَاصِ وَهِيَ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (أُطِلَّ دَمُهُ) أَيْ أُهْدِرَ، وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْنَى) أَيْ وَمَعْنَى الْوُجُوبِ (دَفْعُ الضَّرَرِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ دَفْعُ الشَّرِّ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ لَا عَيْنُ الْقَتْلِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَعْقُولِ وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ وَالدَّابَّةُ) يَعْنِي إذَا صَالَا عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَمْدًا يَضْمَنُ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ. وَقَوْلُهُ (فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ) يَعْنِي أَنَّ الْمُكْرَهَ لَمَّا صَارَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيَارِ مِنْ جِهَةِ الْمُكْرِهِ أُضِيفَ التَّلَفُ إلَى الْمُكْرِهِ فَكَذَلِكَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ

стр. 4854

أَمَّا فِعْلُهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى لَوْ حَقَّقْنَاهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ، وَكَذَا عِصْمَتُهُمَا لِحَقِّهِمَا وَعِصْمَةُ الدَّابَّةِ لِحَقِّ مَالِكِهَا فَكَانَ فِعْلُهُمَا مُسْقِطًا لِلْعِصْمَةِ دُونَ فِعْلِ الدَّابَّةِ، وَلَنَا أَنَّهُ قَتَلَ شَخْصًا مَعْصُومًا أَوْ أَتْلَفَ مَالًا مَعْصُومًا حَقًّا لِلْمَالِكِ وَفِعْلُ الدَّابَّةِ لَا يَصْلُحُ مُسْقِطًا وَكَذَا فِعْلُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ عِصْمَتُهُمَا حَقَّهُمَا لِعَدَمِ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُبِيحِ وَهُوَ دَفْعُ الشَّرِّ فَتَجِبُ الدِّيَةُ قَالَ (وَمَنْ شَهَرَ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فِي الْمِصْرِ فَضَرَبَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ) مَعْنَاهُ: إذَا ضَرَبَهُ فَانْصَرَفَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارِبًا بِالِانْصِرَافِ فَعَادَتْ عِصْمَتُهُ قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَيْلًا وَأَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَاتَّبَعَهُ وَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «قَاتِلْ دُونَ مَالِك» وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْقَتْلُ دَفْعًا فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَا اسْتِرْدَادًا فِي الِانْتِهَاءِ، وَتَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ إلَّا بِالْقَتْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ عَمْدًا مِنْ الْمِفْصَلِ قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ أَكْبَرَ مِنْ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ رِعَايَتُهَا فِيهِ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لَا فَلَا، وَقَدْ أَمْكَنَ فِي الْقَطْعِ مِنْ الْمِفْصَلِ فَاعْتُبِرَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِكِبَرِ الْيَدِ وَصِغَرِهَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ لَا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ يَعُودُ عَلَى الْمُكْرِهِ فَيَقْتُلُهُ. وَقَوْلُهُ (قَاتِلْ دُونَ مَالِك) أَيْ لِأَجْلِ مَالِك. وَقَوْلُهُ (فَكَذَا اسْتِرْدَادًا فِي الِانْتِهَاءِ) لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ أَتْبَعَهُ بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ قَوْلُهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِكِبَرِ الْيَدِ وَصِغَرِهَا) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ وَهُوَ الْبَطْشِ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَلَا تَرِدُ الشَّجَّةُ الْمُوضِحَةُ إذَا أَخَذَتْ مَا بَيْنِ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ وَلَمْ تَأْخُذْهُ مِنْ الشَّاجِّ لِكِبَرِ رَأْسِهِ فَإِنَّ الْكِبَرَ قَدْ اُعْتُبِرَ وَخُيِّرَ الْمَشْجُوجِ بَيْنِ الْقِصَاصِ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ وَبَيْنِ أَخْذِهِ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ

стр. 4855

الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنُ لِإِمْكَانِ رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ. . قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَلَعَهَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِامْتِنَاعِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَلْعِ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَذَهَبَ ضَوْءُهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: تُحْمَى لَهُ الْمِرْآةُ وَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُقَابَلُ عَيْنُهُ بِالْمِرْآةِ فَيَذْهَبُ ضَوْءُهَا، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. . قَالَ: (وَفِي السِّنِّ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (وَإِنْ كَانَ سِنُّ مَنْ يُقْتَصُّ مِنْهُ أَكْبَرَ مِنْ سِنِّ الْآخَرِ) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السِّنِّ لَا تَتَفَاوَتُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ. قَالَ: (وَفِي كُلِّ شَجَّةٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ الْقِصَاصُ) لِمَا تَلَوْنَا. قَالَ (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ) وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَقَالَ ﵊: «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» وَالْمُرَادُ غَيْرُ السِّنِّ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُمَاثَلَةِ فِي غَيْرِ السِّنِّ مُتَعَذِّرٌ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، بِخِلَافِ السِّنِّ لِأَنَّهُ يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ، وَلَوْ قَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ يُقْلَعُ الثَّانِي فَيَتَمَاثَلَانِ. . لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْنُ، وَفِي الِاقْتِصَاصِ بِمِقْدَارِهَا يَقِلُّ شَيْنُ الشَّاجِّ وَيَأْخُذُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ بِالشَّجَّةِ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ فَانْتَفَى الْمُمَاثَلَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْقِصَاصِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ مَعْنًى وَهُوَ مِقْدَارُ شَجَّتِهِ وَيَتْرُكُ الصُّورَةَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَهَا. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃. رُوِيَ أَنَّ هَذَا حَدَثَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ فَسَأَلَ عَنْهُ الصَّحَابَةَ ﵃ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى جَاءَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَضَى بِذَلِكَ وَعَمِلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ ﵁ وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قَوْلُهُ (لِمَا تَلَوْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ، وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄) فَإِنْ كَانَ السِّنُّ عَظْمًا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَلَا بُدَّ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ الْعِظَامِ وَهُوَ إمْكَانُ الْقِصَاصِ فِيهَا بِأَنْ يُبْرَدَ بِالْمِبْرَدِ بِقَدْرِ مَا كُسِرَ مِنْهَا أَوْ إلَى أَصْلِهَا إنْ قَلَعَهَا وَلَا يُقْلَعُ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ بِهِ لِثَاتُهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَظْمٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ» حَيْثُ لَمْ يُسْتَثْنَ السِّنُّ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَطِبَّاءُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ وَيَنْمُو بَعْدَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 4856

قَالَ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ) لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ يَعُودُ إلَى الْآلَةِ، وَالْقَتْلُ هُوَ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا دُونَ مَا دُونَ النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ إتْلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْآلَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ. (وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ. وَيُعْتَبَرُ الْأَطْرَافُ بِالْأَنْفُسِ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً لَهَا. قَالَ هُوَ عَظْمٌ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ عَظْمٌ حَتَّى قَالَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُ السِّنِّ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ) قَدْ ذَكَرَهُ مَرَّةً، لَكِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ عَمْدٌ وَهَاهُنَا أَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ إذَا حَصَلَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَأَمْكَنَ الْقِصَاصُ جُعِلَ عَمْدًا. رُوِيَ «أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بِلَطْمَةٍ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ» وَاللَّطْمَةُ إذَا أَتَتْ عَلَى النَّفْسِ لَا تُوجِبُ الْقَوَدَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ جُعِلَ خَطَأً وَوَجَبَ الْأَرْشُ وَقَوْلُهُ (وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (إلَّا فِي الْحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ) يَعْنِي لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسَلَكَا فِي الْبَابِ طَرِيقًا سَهْلًا وَهُوَ اعْتِبَارُ الْأَطْرَافِ بِالنُّفُوسِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنُّفُوسِ فَكَمَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي النُّفُوسِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَطْرَافِ لِكَوْنِهَا

стр. 4857

وَلَنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ. بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ فِي الْبَطْشِ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ فَاعْتُبِرَ أَصْلُهُ، وَبِخِلَافِ الْأَنْفُسِ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ إزْهَاقُ الرُّوحِ وَلَا تَفَاوَتَ فِيهِ. (وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ) لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَرْشِ. . تَابِعَةً لَهَا (وَلَنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ وَهُوَ) أَيْ التَّفَاوُتُ (مَعْلُومٌ قَطْعًا بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ) فَإِنَّ الشَّرْعَ قَوَّمَ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ لِلْحُرِّ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ قَطْعًا وَيَقِينًا، وَلَا تَبْلُغُ قِيمَةُ يَدِ الْعَبْدِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ بَلَغَتْ كَانَ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ فَلَا تَكُونُ مُسَاوِيَةً لِيَدِ الْحُرِّ يَقِينًا، فَإِذَا كَانَ التَّفَاوُتُ مَعْلُومًا قَطْعًا أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ (بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ فِي الْبَطْشِ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ فَاعْتُبِرَ أَصْلُهُ) فَإِنْ قِيلَ: إنْ اسْتَقَامَ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لَمْ يَسْتَقِمْ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِمْكَانِ التَّسَاوِي فِي قِيمَتِهِمَا بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّسَاوِيَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، وَالْمُمَاثَلَةُ الْمَشْرُوطَةُ شَرْعًا لَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ كَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا وُجُودَ التَّفَاوُتِ فِي الْبَدَلِ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ لَكِنَّ الْمَعْقُولَ مِنْهُ مَنْعُ اسْتِيفَاءِ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ دُونَ الْعَكْسِ فَإِنَّ الشَّلَّاءَ تُقْطَعُ بِالصَّحِيحَةِ وَأَنْتُمْ لَا تَقْطَعُونَ يَدَ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ. فَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّفَاوُتُ الْمَالِيُّ مَانِعًا مُطْلَقًا، وَالشَّلَلُ لَيْسَ مِنْهُ فَيُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ تَفَاوُتًا مَالِيًّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِيمَا يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ تَفَاوُتًا فِي الْمَنْفَعَةِ تَنْتَفِي بِهِ الْمُمَاثَلَةُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ، فَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَطْرَافِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَنْقَصِ

стр. 4858

قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةٌ فَبَرَأَ مِنْهَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، إذْ الْأَوَّلُ كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا ضَابِطَ فِيهِ، وَكَذَا الْبُرْءُ نَادِرٌ فَيُفْضِي الثَّانِي إلَى الْهَلَاكِ ظَاهِرًا. قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ الْيَدَ الْمَعِيبَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ كَامِلًا مُتَعَذَّرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ وَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْعِوَضِ كَالْمِثْلِيِّ إذَا انْصَرَمَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ بَعْدَ الْإِتْلَافِ ثُمَّ إذَا اسْتَوْفَاهَا نَاقِصًا فَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ كَمَا إذَا رَضِيَ بِالرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ (وَلَوْ سَقَطَتْ الْمُؤْنَةُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ قُطِعَتْ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ لَهُ) عِنْدَنَا لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْقِصَاصِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ بِحَقٍّ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ جَائِزٌ دُونَ الْبَدَلِ بِالْأَطْرَافِ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ (قَالَ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ لَوْ زَالَ الشَّلَلُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى الْأَرْشُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ: إمَّا الْقِصَاصُ، أَوْ الْأَرْشُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ

стр. 4859

سَرِقَةٍ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا فَصَارَتْ سَالِمَةً لَهُ مَعْنًى. . قَالَ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا فَاسْتَوْعَبَتْ الشَّجَّةُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ فَالْمَشْجُوجُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ اقْتَصَّ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ يَبْتَدِئُ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ) لِأَنَّ الشَّجَّةَ مُوجِبَةٌ لِكَوْنِهَا مَشِينَةٌ فَقَطْ فَيَزْدَادُ الشَّيْنُ بِزِيَادَتِهَا، وَفِي اسْتِيفَائِهِ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَا يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْرَ حَقِّهِ مَا يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ فَيَنْتَقِصُ فَيُخَيَّرُ كَمَا فِي الشَّلَّاءِ وَالصَّحِيحَةِ، وَفِي عَكْسِهِ يُخَيَّرُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ كَامِلًا لِلتَّعَدِّي إلَى غَيْرِ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا) قَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَيَدُ الْقَاطِعِ أَكْبَرُ مِنْ يَدِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ. وَقَوْلُهُ (وَفِي عَكْسِهِ يُخَيَّرُ أَيْضًا) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَشْجُوجِ أَكْبَرَ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ لِأَنَّهُ إنْ اسْتَوْفَى الْمَشْجُوجُ مِثْلَ حَقِّهِ مِسَاحَةً كَانَ

стр. 4860

حَقِّهِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ فِي طُولِ الرَّأْسِ وَهِيَ تَأْخُذُ مِنْ جَبْهَتِهِ إلَى قَفَاهُ وَلَا تَبْلُغُ إلَى قَفَا الشَّاجِّ فَهُوَ بِالْخِيَارِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ. . قَالَ: (وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ وَلَا فِي الذَّكَرِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ يَجِبُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ. وَلَنَا أَنَّهُ يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ (إلَّا أَنْ تُقْطَعَ الْحَشَفَةُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ كَالْمَفْصِلِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ أَوْ بَعْضَ الذَّكَرِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ، بِخِلَافِ الْأُذُنِ إذَا قُطِعَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ وَلَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ، وَالشَّفَةُ إذَا اسْتَقْصَاهَا بِالْقَطْعِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَ بَعْضُهَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُهَا. . فَصْلٌ قَالَ: (وَإِذَا اصْطَلَحَ الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةُ عَلَى مَا قِيلَ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الصُّلْحِ. وَقَوْلُهُ ﵊. أَزْيَدَ فِي الشَّيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَكُونُ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الشَّيْنِ كَانَ دُونَ حَقِّهِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاقْتِصَاصِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، وَالْبَاقِي إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ (فَصْلٌ) لَمَّا كَانَ تَصَوُّرُ الصُّلْحِ بَعْدَ تَصَوُّرِ الْجِنَايَةِ وَمُوجَبِهَا أَتْبَعَهُ ذَلِكَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (إذَا اصْطَلَحَ الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ الْمُسَمَّى قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا زَائِدًا عَلَى مِقْدَارِ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ عَلَى مَا قِيلَ إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأُمِّ، فَإِنْ عَفَا

стр. 4861

«مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ» الْحَدِيثُ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْأَخْذُ بِالرِّضَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَهُوَ الصُّلْحُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْوَرَثَةِ يَجْرِي فِيهِ الْإِسْقَاطُ عَفْوًا فَكَذَا تَعْوِيضًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إحْسَانِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِحْيَاءِ الْقَاتِلِ فَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي. وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِيهِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مُقَدَّرٌ فَيُفَوَّضُ إلَى اصْطِلَاحِهِمَا كَالْخُلْعِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا فَهُوَ حَالٌّ لِأَنَّهُ مَالٌ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ، وَالْأَصْلُ فِي أَمْثَالِهِ الْحُلُولُ نَحْوُ الْمَهْرِ وَالثَّمَنِ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ. . قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَعَبْدًا فَأَمَرَ الْحُرُّ وَمَوْلَى الْعَبْدِ رَجُلًا بِأَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَمِهِمَا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ فَالْأَلْفُ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَوْلَى نِصْفَانِ) لِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ أُضِيفَ إلَيْهِمَا. (وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مِنْ الدَّمِ أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ عَنْ الْقِصَاصِ وَكَانَ لَهُمْ نُصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ). إذَا اُسْتُعْمِلَ بِاللَّامِ كَانَ مَعْنَاهُ الْبَدَلَ: أَيْ فَمَنْ أُعْطِيَ مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ فَاتِّبَاعٌ: أَيْ فَمَنْ أُعْطِيَ وَهُوَ وَلِيُّ الْقَتْلِ مُطَالَبَةَ بَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ مُجَامَلَةٍ وَحُسْنِ مُعَامَلَةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى مَا قِيلَ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا فِي عَفْوِ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ، وَتَقْرِيرُهُ فَمَنْ عُفِيَ عَنْهُ وَهُوَ الْقَاتِلُ مِنْ أَخِيهِ فِي الدِّينِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ شَيْءٌ مِنْ الْقِصَاصِ بِأَنْ كَانَ لِلْقَتِيلِ أَوْلِيَاءٌ فَعَفَا بَعْضُهُمْ فَقَدْ صَارَ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالًا وَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى حِصَصِهِمْ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ: أَيْ فَلْيَتَّبِعْ غَيْرُ الْعَافِي بِطَلَبِ حِصَّتِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَلِيُؤَدِّ الْقَاتِلُ إلَيْهِ حَقَّهُ وَافِيًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إنْ شَاءُوا قَادُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْأَخْذُ بِالرِّضَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعُدُولُ إلَى الْمَالِ إلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ وَهُوَ الصُّلْحُ بِعَيْنِهِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (نَصُّ مُقَدِّرٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ. وَقَوْلُهُ (كَالْخُلْعِ وَغَيْرُهُ) يَعْنِي كَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ

стр. 4862

وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَكَذَا الدِّيَةَ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الزَّوْجَيْنِ. لَهُمَا أَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ وَهِيَ بِالنَّسَبِ دُونَ السَّبَبِ لِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ، وَلَنَا «أَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ»، وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي الزَّوْجَيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا اللَّفْظُ كَمَا تَرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ حَقٌّ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَهُمَا. وَنُقِلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْأَسْرَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَالِكٍ فِي الدِّيَةِ خَاصَّةً وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: النِّسَاءُ لَا تَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ وَلَهُنَّ حَقُّ الْعَفْوِ. ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلزَّوْجَيْنِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالْأَسْرَارِ، وَهُوَ مُؤَاخَذَةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لَهَا عَدَمُ صِحَّةِ مَا نَقَلَهُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا مَا نَقَلَهُ. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا أَنَّ الْوِرَاثَةَ خِلَافَةٌ) يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَوْرِيثِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ شَيْئًا وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْوِرَاثَةُ فِيمَا يَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ خِلَافًا وَهِيَ فِيهِ بِالنَّسَبِ لَا السَّبَبِ لِانْقِطَاعِهِ بِالْمَوْتِ وَالْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ إنَّمَا يَجِبَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقُلْنَا: إنَّهُ فَاسِدٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَحَدِيثُ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا

стр. 4863

وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، حَتَّى أَنَّ مَنْ قُتِلَ وَلَهُ ابْنَانِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنٍ كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الصُّلْبِيِّ وَابْنِ الِابْنِ فَيَثْبُتُ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا فِي حَقِّ الْإِرْثِ أَوْ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْجُرْحُ، وَإِذَا ثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَالْإِسْقَاطِ عَفْوًا وَصُلْحًا وَمِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ حَقِّ الْبَعْضِ فِي الْقِصَاصِ سُقُوطُ حَقِّ الْبَاقِينَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُتِلَ رَجُلَيْنِ وَعَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ قِصَاصَانِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ لِاخْتِلَافِ الْقَتْلِ وَالْمَقْتُولِ وَهَاهُنَا وَاحِدٌ لِاتِّحَادِهِمَا، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالًا لِأَنَّهُ امْتَنَعَ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى الْقَاتِلِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِفِعْلِهِ وَرِضَاهُ، ثُمَّ يَجِبُ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَالَ زُفَرُ: يَجِبُ فِي سَنَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ وَعَفَا أَحَدُهُمَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ خَطَأً. ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُمَا مَوْرُوثَانِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَا فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ كَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا أَوَّلًا لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ وَلَا يَقَعُ لِلْمَيِّتِ إلَّا بِأَنْ يُسْنَدَ الْوُجُوبُ إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الْجَرْحُ فَكَانَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ فِي ثُبُوتِهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ دَخَلَتْ دِيَتُهُ فِيهَا وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ. وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقْسِمُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَفْوِ وَالْبَاقِي وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ) يَعْنِي بِالْعَفْوِ فَيَكُونُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى الثُّلُثُ وَفِي الثَّانِيَةِ السُّدُسُ كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ خَطَأً. وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ بَعْضُ بَدَلِ الدَّمِ لَا بَدَلِ الْجُزْءِ، وَكُلُّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، فَكَذَا بَعْضُهُ كَالْأَلْفِ الْمُؤَجَّلَةِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِنَّ كُلَّ دِرْهَمٍ مِنْهَا كَذَلِكَ.

стр. 4864

وَلَنَا أَنَّ هَذَا بَعْضُ بَدَلِ الدَّمِ وَكُلَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ، وَالْوَاجِبُ فِي الْيَدِ كُلُّ بَدَلِ الطَّرَفِ وَهُوَ فِي سَنَتَيْنِ فِي الشَّرْعِ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ. . قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِيهِ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَقَوْلُهُ (وَالْوَاجِبُ فِي الْيَدِ) جَوَابُ اعْتِبَارِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ قَالَ (وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا إلَخْ) إذَا تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ اُقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ لِانْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ، لَكِنَّهُ تَرْكٌ بِمَا رُوِيَ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا فَقَضَى عُمَرُ ﵁ بِالْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتهمْ. وَالتَّمَالُؤُ التَّعَاوُنُ، وَصَنْعَاءُ الْيَمَنِ: قَصَبَتُهَا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَتَلَ ثَلَاثَةً بِوَاحِدٍ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ، وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ مُتَوَافِرِينَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ فَإِنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَتَحَقَّقُ غَالِبًا إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُقَاوِمُ الْوَاحِدَ، وَمَا غَلَبَ وُقُوعُهُ مِنْ الْفَسَادِ يُوجِبُ مَزْجَرَةً فَيَجِبُ الْقِصَاصُ تَحْقِيقًا لِحِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَمَا عَجَزَ الْمُفْسِدُ عَنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِ أَمْثَالَهُ وَيَقْتُلَ لِعِلْمِهِ أَنْ لَا قِصَاصَ فَيُؤَدِّيَ إلَى سَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمَعْقُولِ إنْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا عَلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ فَلَا يَرْبُو عَلَى الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِهِ الْمُؤَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى سَائِرِ أَبْوَابِ الْعُقُوبَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَا يُوجِبُ الْفَسَادَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَيَرْبُو

стр. 4865

وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالْقِصَاصُ مَزْجَرَةٌ لِلسُّفَهَاءِ فَيَجِبُ تَحْقِيقًا لِحِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ. (وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً فَحَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ قُتِلَ لِجَمَاعَتِهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قُتِلَ لَهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمْ وَيَجِبُ لِلْبَاقِينَ الْمَالُ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا وَلَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ قُتِلَ لَهُمْ وَقُسِمَتْ الدِّيَاتُ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَيُقْتَلُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ. لَهُ أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ الْوَاحِدِ قِتْلَاتٌ وَاَلَّذِي تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ قَتْلُ وَاحِدٍ فَلَا تَمَاثُلَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ بِالشَّرْعِ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ بِوَصْفِ الْكَمَالِ فَجَاءَ التَّمَاثُلُ أَصْلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ، عَلَى ذَلِكَ بِقُوَّةِ أَثَرِهِ الْبَاطِنِ وَهُوَ إحْيَاءُ حِكْمَةِ الْإِحْيَاءِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لَا يُنَافِيهِ لِأَنَّهُمْ فِي إزْهَاقِ الرُّوحِ الْغَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَكْسِ وَحَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ قُتِلَ بِجَمَاعَتِهِمْ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمْ وَيَجِبُ الْمَالُ لِلْبَاقِينَ) يَعْنِي أَنَّ قَتْلَهُمْ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَإِنْ قَتَلَهُمْ جُمْلَةً أَوْ جُهِلَ الْأَوَّلُ قُتِلَ بِهِمْ وَقُسِمَ الدِّيَاتُ بَيْنَهُمْ أَوْ يُقْرَعُ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا (إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ بِالشَّرْعِ) يُرِيدُ قَضِيَّةَ عُمَرَ ﵁ (وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتْلَى (قَاتِلٌ قِصَاصًا بِوَصْفِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ أَصْلُهُ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُقْتَلُ بِالْوَاحِدِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُمَاثَلَةٌ لَمَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مَثَلًا لِلْوَاحِدِ كَانَ

стр. 4866

وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ صَالِحٌ لِلْإِزْهَاقِ فَيُضَافُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ إذْ هُوَ لَا يَتَجَزَّأُ،. الْعَكْسُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحٌ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْقَتْلَ جُرْحٌ صَالِحٌ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْبَاقِينَ كَانَ قَاتِلًا بِصِفَةِ الْكَمَالِ، وَالْحُكْمُ إذَا حَصَلَ عَقِيبَ عِلَلٍ لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا، فَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا تَوْزِيعًا أَوْ كَمَلًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي،

стр. 4867

وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ مَعَ الْمُنَافِي لِتَحْقِيقِ الْإِحْيَاءِ وَقَدْ حَصَلَ بِقَتْلِهِ فَاكْتَفَى بِهِ. . قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا مَاتَ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِفَوَاتِ مَحِلِّ الِاسْتِيفَاءِ فَأَشْبَهَ مَوْتَ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَيَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ إذْ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ. . قَالَ (وَإِذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ يَدَاهُمَا، وَالْمُفْرِضُ إذَا أَخَذَ سِكِّينًا وَأَمَرَّهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى انْقَطَعَتْ لَهُ الِاعْتِبَارُ بِالْأَنْفُسِ، وَالْأَيْدِي تَابِعَةٌ لَهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ الزَّجْرِ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ بَعْضَ الْيَدِ، لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ حَصَلَ بِاعْتِمَادِيِّهِمَا وَالْمَحَلُّ مُتَجَزِّئٌ فَيُضَافُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَعْضُ فَلَا مُمَاثَلَةَ، بِخِلَافِ النَّفْسِ لِأَنَّ الِانْزِهَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ غَالِبٌ حَذَارِ الْغَوْثِ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قَطْعِ الْيَدِ مِنْ الْمِفْصَلِ فِي حَيِّزِ النُّدْرَةِ لِافْتِقَارِهِ إلَى مُقَدَّمَاتٍ بَطِيئَةٍ فَيَلْحَقُهُ الْغَوْثُ. قَالَ (وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُ دِيَةُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ وَهُمَا قَطَعَاهَا. (وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ فَحَضَرَا فَلَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا يَدَهُ وَيَأْخُذَا مِنْهُ نِصْفَ الدِّيَةِ يَقْسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ قَطَعَهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي التَّعَاقُبِ يُقْطَعُ بِالْأَوَّلِ، وَفِي الْقِرَانِ يُقْرَعُ لِأَنَّ الْيَدَ اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهَا لِلثَّانِي كَالرَّهْنِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَفِي الْقِرَانِ الْيَدُ الْوَاحِدَةُ لَا تَفِي بِالْحَقَّيْنِ فَتُرَجَّحُ بِالْقُرْعَةِ. وَلَنَا أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِهِ كَالْغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ، وَالْقِصَاصُ مِلْكُ الْفِعْلِ يَثْبُتُ مَعَ الْمُنَافِي فَلَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ. وَلِهَذَا إذَا حَلَفَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلَ فُلَانًا فَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ حَنِثُوا (وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ شُرِعَ مَعَ الْمُنَافِي) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَ بُنْيَانَ الرَّبِّ» (لِتَحْقِيقِ الْإِحْيَاءِ وَتَحْقِيقُ الْإِحْيَاءِ قَدْ حَصَلَ بِقَتْلِهِ) أَيْ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ (فَاكْتَفَى بِهِ) وَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ) ظَاهِرٌ. قَالَ (وَإِذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ إلَخْ) تَعَدُّدُ الْجَانِي فِي الْأَطْرَافِ لَيْسَ كَتَعَدُّدِهِ فِي النَّفْسِ عِنْدَنَا، فَإِذَا قَطَعَ يَدًا فَلَا قِصَاصَ أَصْلًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنْ وَضَعَ أَحَدُهُمَا السِّكِّينَ مِنْ جَانِبٍ وَالْآخَرُ مِنْ آخَرَ وَأَمَرَّا حَتَّى الْتَقَى السِّكِّينَانِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَقْطَعْ إلَّا بَعْضَ الْيَدِ فَلَا يُقْطَعُ بِهِ كُلُّ يَدِهِ، وَإِنْ أَخَذَا سِكِّينًا وَأَمَرَّاهَا عَلَى يَدِهِ حَتَّى انْقَطَعَتْ قُطِعَتْ أَيْدِيهِمَا اعْتِبَارًا بِالْأَنْفُسِ، إمَّا لِكَوْنِهَا تَابِعَةً لَهَا، وَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِجَامِعِ الزَّجْرِ. وَلَنَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَاطِعٌ بَعْضَ الْيَدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَحَلُّ مُتَّحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَا انْقَطَعَ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِفِعْلِ الْآخَرِ، وَقَاطِعُ بَعْضِ الْيَدِ لَا يُقْطَعُ كُلُّ يَدِهِ قِصَاصًا لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُتَجَزِّئٌ فَإِنَّ قَطْعَ بَعْضٍ وَتَرْكَ بَعْضٍ مُتَصَوَّرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ فَاعِلًا كَمَلًا، بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّ الِانْزِهَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ مَرَّ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَطَعَ وَاحِدٌ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَمِينَ أَحَدِهِمَا وَيَسَارَ الْآخَرِ قُطِعَتْ يَدَاهُ. لَا يُقَالُ: تَنْتَفِي الْمُمَاثَلَةُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ مَا فَوَّتَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ فَوَّتَاهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا اسْتَوْفَاهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا زِيَادَةَ عَلَى حَقِّهِ. قَوْلُهُ (وَالْقِصَاصُ مِلْكُ الْفِعْلِ ثَبَتَ مَعَ الْمُنَافِي) يَعْنِي لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ حُرٌّ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْيَدَ اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكُ الْفِعْلِ ثَبَتَ ضَرُورَةَ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى شَغْلِ الْمَحَلِّ الْخَالِي بِتَجْزِئَتِهِ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ مَشْغُولًا لَمْ يَمْنَعْ عَنْ ثُبُوتِ الثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّهْنِ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمَحَلِّ لِكَوْنِهِ

стр. 4868

أَمَّا الْمَحِلُّ فَخُلُوٌّ عَنْهُ فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الثَّانِي، بِخِلَافِ الرَّهْنِ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الْمَحَلِّ. فَصَارَ كَمَا إذَا قَطَعَ الْعَبْدُ يَمِينَيْهِمَا عَلَى التَّعَاقُبِ فَتُسْتَحَقُّ رَقَبَتُهُ لَهُمَا، وَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَطَعَ يَدَهُ فَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لِثُبُوتِ حَقِّهِ وَتَرَدُّدِ حَقِّ الْغَائِبِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى لَمْ يَبْقَ مَحِلُّ الِاسْتِيفَاءِ فَيَتَعَيَّنُ حَقُّ الْآخَرِ فِي الدِّيَةِ لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا. . قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ لَزِمَهُ الْقَوَدُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ يُلَاقِي حَقَّ الْمَوْلَى بِالْإِبْطَالِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِالْمَالِ. وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِهِ فَيُقْبَلُ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الدَّمِ عَمَلًا بِالْآدَمِيَّةِ حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَبُطْلَانُ حَقِّ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ الضِّمْنِ فَلَا يُبَالَى بِهِ. (وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًا فَنَفَذَ السَّهْمُ مِنْهُ إلَى آخَرَ فَمَاتَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْأَوَّلِ وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَمْدٌ وَالثَّانِي أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ، كَأَنَّهُ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَثَرِ. . مَمْلُوكًا. وَقَوْلُهُ (وَلِتَرَدُّدِ حَقِّ الْآخَرِ) يَعْنِي أَنَّ حَقَّ الْحَاضِرِ ثَابِتٌ فِي الْيَدِ وَمُزَاحَمَةُ الْآخَرِ لَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مَوْهُومَةٌ عَسَى أَنْ يَعْفُوَ أَوْ لَا يَحْضُرَ فَلَا يُؤَخَّرُ الْمَعْلُومُ لِلْمَوْهُومِ كَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ إذَا ادَّعَى الشُّفْعَةَ وَالْآخَرُ غَائِبٌ يُقْضَى بِالْجَمِيعِ لَهُ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ أَوْفَى بِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قُضِيَ بِجَمِيعِ طَرَفِهِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيُقْضَى لِلْآخَرِ بِالْأَرْشِ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ لَزِمَهُ الْقَوَدُ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْخَطَأِ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا، أَمَّا الْمَحْجُورُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ) تَوْضِيحٌ لِبَقَائِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَكُلُّ مَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ فِيهِ فَهُوَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، وَلِهَذَا وَقَعَ طَلَاقُ زَوْجَتِهِ بِالْإِقْرَارِ لِوُقُوعِهِ بِالْإِيقَاعِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْحَدَّ يُؤْخَذُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَثَرِ) قِيلَ: فَإِنَّ الرَّمْيَ إذَا أَصَابَ حَيَوَانًا وَمَزَّقَ جِلْدَهُ سُمِّيَ جَرْحًا، وَإِنْ قَتَلَهُ سُمِّيَ قَتْلًا، وَإِنْ أَصَابَ الْكُوزَ وَكَسَرَهُ سُمِّيَ كَسْرًا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَلٍّ عَمْدًا وَبِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ خَطَأً، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِأَسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحَالِّ وَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنْ يَتَعَدَّدَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فَيَصِيرُ فِعْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ يُوصَفُ بِوَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرَيْنِ، كَالْحَرَكَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُوصَفَ بِالسُّرْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَرَكَةٍ وَبِالْبُطْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُخْرَى، فَكَذَا هَذَا الْفِعْلُ يُوصَفُ بِالْعَمْدِ نَظَرًا إلَى قَصْدِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّخْصِ الْأَوَّلِ وَبِالْخَطَأِ نَظَرًا إلَى عَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِي. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْخَطَأُ يَسْتَلْزِمُ إبَاحَةً لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا أَمْرًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يُوجَدْ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْخَطَأَ هُوَ تَحَقُّقُ الْجِنَايَةِ فِي إنْسَانٍ مُخَالِفٍ لِظَنِّ الْجَانِي، كَمَنْ رَمَى إلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ إنْسَانٌ، أَوْ لِقَصْدِهِ مُطْلَقًا كَمَنْ رَمَى إلَى هَدَفٍ فَأَصَابَ إنْسَانًا، وَكَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَالرَّمْيُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَالِفِ لَهُمَا كَالرَّمْيِ لَا إلَى مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا مُطْلَقًا لِيَخْرُجَ مَنْ قَصَدَ قَطْعَ يَدِ رَجُلٍ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ

стр. 4869

فَصْل قَالَ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً عُنُقَهُ وَمَاتَ فَإِنَّهُ عَمْدٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْمَقْصُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ قَدْ يَكُونُ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ ذَلِكَ فَأَصَابَ رَقَبَةَ غَيْرِهِ فَحَزَّهَا أَوْ رَمَى إلَى شَخْصٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَمَاتَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ، لِأَنَّ قَطْعَ يَدِ رَجُلٍ أَوْ قَتْلَهُ لَا يَكُونُ قَتْلًا لِغَيْرِهِ فَكَانَ مُخَالِفًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. (فَصْلٌ) ذَكَرَ حُكْمَ الْفِعْلَيْنِ عَقِيبَ فِعْلٍ وَاحِدٍ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ رِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا) الْقَطْعُ وَالْقَتْلُ إذَا حَصَلَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَانَا عَلَى وُجُوهٍ: أَنْ يَكُونَا خَطَأَيْنِ أَوْ عَمْدَيْنِ، أَوْ يَكُونَ الْقَتْلُ خَطَأً وَالْقَطْعُ عَمْدًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَرْبَعَةٌ. ثُمَّ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ فَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ

стр. 4870

فَبَرَأَتْ يَدُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا فَبَرَأَتْ ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجِرَاحَاتِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْأَعَمِّ يَقَعُ بِضَرَبَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَفِي اعْتِبَارِ كُلِّ ضَرْبَةٍ بِنَفْسِهَا بَعْضُ الْحَرَجِ، إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ لِلْجَمْعِ فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْفِعْلَيْنِ، وَفِي الْآخَرَيْنِ لِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَقَدْ تَجَانَسَا بِأَنْ كَانَا خَطَأَيْنِ يَجْمَعُ بِالْإِجْمَاعِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ وَاكْتَفَى بِدِيَّةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ يَدُهُ، فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَالَ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ اُقْتُلُوهُ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: اُقْتُلُوهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُقْتَلُ وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ لِتَجَانُسِ الْفِعْلَيْنِ وَعَدَمِ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَذِّرٌ، إمَّا لِلِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ هَذَيْنِ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْقَوَدُ وَهُوَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعُ بِالْقَطْعِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ، أَوْ لِأَنَّ الْحَزَّ يَقْطَعُ إضَافَةَ السِّرَايَةِ إلَى الْقَطْعِ، حَتَّى لَوْ صَدَرَ مِنْ شَخْصَيْنِ يَجِبُ. مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ شَخْصَيْنِ فَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا، فَإِنْ كَانَا مِنْ شَخْصَيْنِ يُفْعَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجَبُ فِعْلِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ التَّدَاخُلَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَانَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِيجَابُ مُوجَبِ الْفِعْلَيْنِ أَوْ إهْدَارُ أَحَدِهِمَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ (وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَمْعَ) يَعْنِي الِاكْتِفَاءَ بِمُوجَبِ أَحَدِهِمَا وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ تَتْمِيمًا لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْأَعَمِّ: يَعْنِي فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ يَقَعُ بِضَرَبَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَفِي اعْتِبَارِ كُلِّ ضَرْبَةٍ بِنَفْسِهَا بَعْضُ الْحَرَجِ فَيُجْعَلُ الثَّانِي مُتَمِّمًا لِلْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ الْكُلُّ وَاحِدًا، إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ إمَّا بِاخْتِلَافِ الْفِعْلَيْنِ وَصْفًا أَوْ مُوجَبًا أَوْ بِتَخَلُّلِ الْبُرْءِ، فَحِينَئِذٍ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ. فَإِنْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ فَلَا جَمْعَ أَصْلًا لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ قَدْ انْتَهَى فَيَكُونُ الْقَتْلُ بَعْدَهُ ابْتِدَاءً، فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَقَدْ اخْتَلَفَا جِنْسًا فَكَذَلِكَ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَإِنْ تَجَانَسَا خَطَأً جُمِعَ بِالْإِجْمَاعِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهُوَ تَخَلُّلُ الْبُرْءِ وَالِاخْتِلَافِ وَاكْتُفِيَ بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَجَانُسًا عَمْدًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ الْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْطَعَ ثُمَّ يَقْتُلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ وَقَالَا يَقْتُلُ وَلَا يَقْطَعُ، وَقَوْلُهُ (فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَالَ اقْطَعُوهُ)
следующие страницы →