Полный текст (5 149 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
هُنَاكَ يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ لِأَنَّ الذَّابِحَ مُبَاشِرٌ وَالْآمِرُ مُسَبِّبٌ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُبَاشَرَةِ فَيَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ الْمَغْرُورُ، وَهُنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ وَالْأَجِيرُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُتَعَدٍّ فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ (وَإِنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ وَلَا غُرُورَ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَيْهِمْ (وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: هَذَا فِنَائِي وَلَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ فَحَفَرُوا وَمَاتَ فِيهِ إنْسَانٌ) فَالضَّمَانُ
شَاةٍ ظَهَرَ فِيهَا اسْتِحْقَاقُ الْغَيْرِ، إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ لِكَوْنِهِ مُبَاشِرًا، وَكَوْنُ الْآمِرِ مُسَبِّبًا وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُبَاشَرَةِ فَيَضْمَنُ وَيَرْجِعُ لِلْغُرُورِ، وَهَاهُنَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ وَالْأَجِيرُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُتَعَدٍّ فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلَا يُنْقَلُ فِعْلُهُمْ إلَيْهِ وَلَيْسُوا بِمَغْرُورِينَ فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْهُمْ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَيْهِمْ. وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَمْرِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا تَحْتَاجُ إلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَصِحَّ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُهُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ، بَلْ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَصِحَّ ظَاهِرًا حَيْثُ عَلِمُوا، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْأَمْرِ بِإِشْرَاعِ الْجَنَاحِ، فَإِنَّ الْأُجَرَاءَ هُنَاكَ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا ضَمِنُوا وَرَجَعُوا عَلَى الْآمِرِ وَهَا هُنَا لَمْ يَضْمَنُوا أَصْلًا.
وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي ذَبْحِ شَاةِ غَيْرِهِ بِأَنَّ الذَّابِحَ مُبَاشِرٌ وَالْآمِرَ مُسَبِّبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إشْرَاعَ الْجَنَاحِ كَذَبْحِ الشَّاةِ إذَا ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهَا (وَإِنْ قَالَ لَهُمْ هَذَا فِنَائِي) ظَاهِرٌ.
стр. 4937
عَلَى الْأُجَرَاءِ قِيَاسًا (لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَمَا غَرَّهُمْ) وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ (لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ إلْقَاءِ الطِّينِ وَالْحَطَبِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ وَالرُّكُوبِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَفَى ذَلِكَ لِنَقْلِ الْفِعْلِ إلَيْهِ. قَالَ): وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا فَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَمِلَ الْقَنْطَرَةَ، وَكَذَلِكَ (إذَا وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعَدٍّ هُوَ تَسْبِيبٌ، وَالثَّانِي تَعَدٍّ هُوَ مُبَاشَرَةٌ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ تَخَلُّلَ فِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ كَمَا فِي الْحَافِرِ مَعَ الْمُلْقِي. .
قَالَ (وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَا إذَا سَقَطَ فَتَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ وَإِنْ كَانَ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ عَنْهُ فَعَطِبَ
وَقَوْلُهُ (فَكَانَ الْأَمْرُ بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ فِي التَّصَرُّفِ إلَخْ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يُخَالِفُ هَذَا الظَّاهِرَ وَهُوَ صَرِيحٌ فَلَا تُعْتَبَرُ الدَّلَالَةُ بِمُقَابَلَتِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ الْحَفْرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَيْسَ لِي ذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ، وَهَكَذَا لَفْظُ الْمَبْسُوطِ فَيَكُونُ الصَّرِيحُ مُشْتَرَكَ الدَّلَالَةِ فَلَا يُعَارِضُ الدَّلَالَةَ. قَالَ (وَمَنْ جَعَلَ قَنْطَرَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْأَوَّلَ) يَعْنِي جَعْلَ الْقَنْطَرَةِ وَوَضْعَ الْخَشَبَةِ (تَعَدٍّ) أَمَّا وَضْعُ الْخَشَبَةِ فَكَوْنُهُ تَعَدِّيًا ظَاهِرٌ وَأَمَّا بِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ فَلِأَنَّ الْبَانِيَ فَوَّتَ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ التَّدْبِيرَ فِي وَضْعِ الْقَنَاطِرِ عَلَى الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ مِنْ حَيْثُ تَعْيِينُ الْمَكَانِ وَالضِّيقِ
стр. 4938
بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا اللَّفْظُ يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حَامِلَ الشَّيْءِ قَاصِدٌ حِفْظَهُ فَلَا حَرَجَ فِي التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ، وَاللَّابِسُ لَا يَقْصِدُ حِفْظَ مَا يَلْبَسُهُ فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا فَجَعَلْنَاهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةً فَهُوَ كَالْحَامِلِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ. .
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ
وَالسَّعَةِ لِلْإِمَامِ فَكَانَ جِنَايَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالْجِنَايَةُ تَعَدٍّ لَا مَحَالَةَ
قَوْلُهُ (وَهَذَا اللَّفْظُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَعَطِبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ (يَشْمَلُ الْوَجْهَيْنِ) وَهُمَا تَلَفُ الْإِنْسَانِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهِ، وَتَلَفُهُ بِالتَّعَثُّرِ بِهِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَعَطِبَ بِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ وَذَلِكَ لَا يَشْمَلُ التَّعَثُّرَ بِهِ، نَعَمْ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ يَحْمِلُ الشَّيْءَ فِي الطَّرِيقِ فَيَسْقُطُ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيَعْطَبُ بِهِ إنْسَانٌ فَيَمُوتُ قَالَ الْحَامِلُ ضَامِنٌ يَشْمَلُهُمَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بَيِّنٌ. وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ جَعْلُ قَوْلِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّدَاءِ فَاسِدٌ لِأَنَّ مَوْتَ الْإِنْسَانِ بِسُقُوطِ الرِّدَاءِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ نَظَرَ إلَى الْمَعْطُوفِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي بِوَصْفِ السَّلَامَةِ. وَقَوْلُهُ (مَا لَا يَلْبَسُهُ عَادَةً) يَعْنِي مِثْلَ اللِّبَدِ وَالْجُوَالِقِ وَدُرُوعِ الْحَرْبِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَرْبِ، وَكَذَا إذَا لَبِسَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِعَدَمِ
стр. 4939
لِلْعَشِيرَةِ فَعَلَّقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِيهِ قِنْدِيلًا أَوْ جَعَلَ فِيهِ بَوَارِي أَوْ حَصَاةً فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ ضَمِنَ) قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْقُرَبِ وَكُلُّ أَحَدٍ مَأْذُونٌ فِي إقَامَتِهَا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، كَمَا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَنَصْبِ الْإِمَامِ وَاخْتِيَارِ الْمُتَوَلِّي وَفَتْحِ بَابِهِ وَإِغْلَاقِهِ وَتَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ إذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ تَعَدِّيًا أَوْ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَقَصْدُ الْقُرْبَةِ لَا يُنَافِي الْغَرَامَةَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ كَمَا إذَا تَفَرَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالطَّرِيقُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ: (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ
وَقَوْلُهُ (لِلْعَشِيرَةِ) يَعْنِي أَهْلَ الْمَسْجِدِ. وَقَوْلُهُ (ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ أَحَدٍ مِنْ الْعَشِيرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مِنْ بَعْدُ كَمَا إذَا فَعَلَهُ بِإِذْنِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ. وَقَوْلُهُ (كَنَصْبِ الْإِمَامِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَانِي مَوْجُودًا، أَمَّا إذَا كَانَ فَنَصَّبَ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْإِسْكَافِ ﵀: قَالَ أَبُو اللَّيْثِ ﵀: وَبِهِ نَأْخُذُ إلَّا أَنْ يُنَصِّبَ شَخْصًا وَالْقَوْمُ يُرِيدُونَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ ﵀ اخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ سَلَّامٍ إنَّ الْقَوْمَ أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ، وَالْبَانِي أَوْلَى بِالْعِمَارَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَتَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ إذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ) فَلَهُمْ تَكْرَارُ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سُبِقُوا بِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُكَرِّرَ الْجَمَاعَةَ. وَقَوْلُهُ (وَقَصْدُ الْقُرْبَةِ لَا يُنَافِي الْغَرَامَةَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْقُرَبِ. وَقَوْلُهُ (كَمَا إذَا انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا) فَإِنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ لَكِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ، فَإِنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ أَرْبَعَةً مِمَّنْ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ انْقَلَبَتْ قَذْفًا وَاسْتَوْجَبَ الْحَدَّ. قَالَ (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ إلَخْ) وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلٌ مِنْ الْعَشِيرَةِ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ فَإِمَّا إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا لِأَنَّ النَّفَلَ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ فَرْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَلْ كَانَ قَاعِدًا لِغَيْرِهَا ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ
стр. 4940
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ لِلصَّلَاةِ أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَأَمَّا الْمُعْتَكِفُ فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ
وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ) أَيْ لِتَعْلِيمِ الْفِقْهِ أَوْ الْحَدِيثِ (أَوْ لِلصَّلَاةِ) يَعْنِي مُنْتَظِرًا لَهَا (أَوْ نَامَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارًّا أَوْ قَعَدَ فِيهِ لِحَدِيثٍ) قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ، بَلْ لَا ضَمَانَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ تَكْرَارٌ، لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ وَغَيْرُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ هَذَا الْمَذْكُورَ كُلَّهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ضِمْنَ لَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ بَيَانٌ لِذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يُفِيدُ اتِّفَاقَ الْمَشَايِخِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَمَا رَأَيْت،
стр. 4941
بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إلَّا بِانْتِظَارِهَا فَكَانَ الْجُلُوسُ فِيهِ مُبَاحًا لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُنْتَظِرَ لِلصَّلَاةِ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا بِالْحَدِيثِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ.
وَلَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُلْحَقَةٌ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ التَّفَاوُتِ فَجَعَلْنَا الْجُلُوسَ لِلْأَصْلِ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَالْجُلُوسَ لِمَا يُلْحَقُ بِهِ مُبَاحًا مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالرَّمْيِ إلَى الْكَافِرِ أَوْ إلَى الصَّيْدِ وَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا وَطِئَ غَيْرَهُ وَالنَّوْمِ فِيهِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ جَلَسَ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَأَمْرُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ إنْ كَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَحْدَهُ. .
وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: فَقَدْ قِيلَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَ فِي الِاعْتِكَافِ. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَقَوْلُهُ (وَلَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ) لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا ضَاقَ عَلَى الْمُصَلِّي كَانَ لَهُ إزْعَاجُ الْقَاعِدِ فِيهِ الْمُشْتَغِلِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّدْرِيسِ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ دُونَ الْعَكْسِ، وَمَا عَرَفَ النَّاسُ الْمَسْجِدَ إلَّا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَلَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرَا مِنْ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَا سِوَى الْإِذْنِ وَالْعُكُوفِ بِهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَكَوْنُهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الصَّلَاةِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ الْأَصْلِيِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، وَالْبَاقِي وَاضِحٌ
стр. 4942
(فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ)
قَالَ: (وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَطُولِبَ صَاحِبُهُ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْهُ مُبَاشَرَةً، وَالْمُبَاشَرَةُ شَرْطٌ هُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْبِنَاءِ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَيَلَانُ وَشَغْلُ الْهَوَاءِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَصَارَ كَمَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْحَائِطَ لَمَّا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ اشْتَمَلَ هَوَاءَ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِمِلْكِهِ وَرَفْعُهُ فِي يَدِهِ، فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَطُولِبَ بِتَفْرِيغِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا امْتَنَعَ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَ ثَوْبُ إنْسَانٍ فِي حِجْرِهِ يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا بِالِامْتِنَاعِ عَنْ التَّسْلِيمِ إذَا طُولِبَ بِهِ كَذَا هَذَا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الثَّوْبِ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانَ يَمْتَنِعُ عَنْ التَّفْرِيغِ فَيَنْقَطِعُ الْمَارَّةُ حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَائِطِ فَيَتَعَيَّنُ لِدَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ، وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ الْعَامِّ مِنْهُ، ثُمَّ فِيمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ النُّفُوسِ تَجِبُ الدِّيَةُ وَتَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ، لِأَنَّهُ فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً دُونَ الْخَطَأِ فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ التَّخْفِيفُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ وَالْإِجْحَافِ بِهِ، وَمَا تَلِفَ بِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ كَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ يَجِبُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ، لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ وَالشَّرْطُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ وَطَلَبُ النَّقْضِ مِنْهُ دُونَ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِشْهَادَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ إنْكَارِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ. وَصُورَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ:
فَصْلٌ فِي الْحَائِطِ الْمَائِلِ)
لَمَّا كَانَ الْحَائِطُ الْمَائِلُ يُنَاسَبُ الْجُرْصُنَ وَالرَّوْشَنَ وَالْجَنَاحَ وَالْكَنِيفَ وَغَيْرَهَا أَلْحَقَ مَسَائِلَهُ بِهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ (وَإِذَا مَالَ حَائِطٌ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ إلَخْ) أَخَذَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ الْقِيَاسِ وَلَمْ يُوجِبْ الضَّمَانَ، وَعُلَمَاؤُنَا ﵏ اسْتَحْسَنُوا إيجَابَ الضَّمَانِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ ﵏، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ الْعَامِّ) كَالرَّامِي إلَى الْكُفَّارِ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَقَطْعِ الْعُضْوِ لِلْأَكْلَةِ عِنْدَ خَوْفِ هَلَاكِ النَّفْسِ. وَقَوْلُهُ (وَتَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ) قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى التَّقَدُّمِ إلَيْهِ فِي النَّقْدِ، وَعَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ الدَّارَ لَهُ، لِأَنَّ كَوْنَ الدَّارِ فِي يَدِهِ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ حَقٌّ عَلَى الْغَيْرِ. وَقَوْلُهُ (وَالشَّرْطُ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ) وَهُوَ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْحَقِّ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ إنَّ حَائِطَك هَذَا مَخُوفٌ أَوْ يَقُولُ مَائِلٌ فَانْقُضْهُ أَوْ اهْدِمْهُ حَتَّى لَا يَسْقُطَ وَلَا يُتْلِفَ شَيْئًا. وَلَوْ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَهْدِمَهُ فَذَاكَ مَشُورَةٌ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ التَّقَدُّمُ مِنْ صَاحِبِ حَقٍّ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَامَّةِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً إنْ مَالَ إلَى طَرِيقِهِمْ وَوَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ السِّكَّةِ الْخَاصَّةِ إنْ مَالَ إلَيْهَا وَصَاحِبِ الدَّارِ أَوْ سُكَّانِهَا إنْ مَالَ إلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ إلَى مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّفْرِيغِ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَ إلَى مَنْ يَسْكُنُ الدَّارَ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ فَلَمْ يُنْقَضْ حَتَّى سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ. وَقَوْلُهُ (وَالشَّرْطُ هُوَ التَّقَدُّمُ دُونَ الْإِشْهَادِ)
стр. 4943
اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَقَدَّمْت إلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي هَدْمِ حَائِطِهِ هَذَا، وَلَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ قَبْلَ أَنْ يَهِيَ الْحَائِطُ لِانْعِدَامِ التَّعَدِّي. .
قَالَ: (وَلَوْ بَنَى الْحَائِطَ مَائِلًا فِي الِابْتِدَاءِ قَالُوا: يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ تَعَدٍّ ابْتِدَاءً كَمَا فِي إشْرَاعِ الْجَنَاحِ. قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى التَّقَدُّمِ) لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى الْقَتْلِ، وَشَرْطُ التَّرْكِ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ النَّقْضِ لِيَصِيرَ بِتَرْكِهِ جَانِيًا، وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُرُورِ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ مُكَاتَبًا، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُطَالَبَةٌ بِالتَّفْرِيغِ فَيَتَفَرَّدُ كُلُّ صَاحِبِ حَقٍّ بِهِ. .
قَالَ: (وَإِنْ مَالَ إلَى دَارِ رَجُلٍ فَالْمُطَالَبَةُ إلَى مَالِكِ الدَّارِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سُكَّانٌ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ لِأَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ الدَّارَ فَكَذَا بِإِزَالَةِ مَا شَغَلَ هَوَاءَهَا، وَلَوْ أَجَّلَهُ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهَا أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاكِنُوهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ بِالْحَائِطِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَالَ إلَى الطَّرِيقِ فَأَجَّلَهُ الْقَاضِي أَوْ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْحَقَّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ إلَيْهِمَا إبْطَالُ حَقِّهِمْ. .
وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ بَعْدَمَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِتَرْكِ الْهَدْمِ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَقَدْ زَالَ تَمَكُّنُهُ بِالْبَيْعِ، بِخِلَافِ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِالْوَضْعِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْبَيْعِ فَلَا يَبْرَأُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ شِرَائِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ التَّفْرِيغَ مَعَ تَمَكُّنِهِ بَعْدَ مَا طُولِبَ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى كُلِّ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَتَفْرِيغِ الْهَوَاءِ، وَمَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ لَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ كَالْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُودَعِ وَسَاكِنِ الدَّارِ، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْفِكَاكِ وَإِلَى الْوَصِيِّ وَإِلَى أَبِي الْيَتِيمِ أَوْ أُمِّهِ فِي حَائِطِ الصَّبِيِّ لِقِيَامِ الْوِلَايَةِ، وَذَكَرَ الْأُمَّ فِي الزِّيَادَاتِ وَالضَّمَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ
حَتَّى لَوْ اعْتَرَفَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ طُولِبَ بِنَقْضِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ) أَيْ فِعْلُ الْوَصِيِّ وَالْأَبِ وَالْأُمِّ كَفِعْلِ الصَّبِيِّ، وَالتَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ كَالتَّقَدُّمِ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا هَدَرَ الْقَتِيلُ بِسُقُوطِ الْحَائِطِ إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَى الْأَبِ وَالْوَصِيِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّقَدُّمَ إلَيْهِمَا جُعِلَ كَالتَّقَدُّمِ إلَى الصَّغِيرَةِ مَا دَامَتْ وِلَايَتُهُمَا بَاقِيَةً وَقَدْ زَالَتْ بِالْبُلُوغِ فَصَارَ كَأَنَّ التَّقَدُّمَ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ، ثُمَّ إنَّهُمَا فِي تَرْكِ الْهَدْمِ يَعْمَلَانِ لِلصَّبِيِّ وَيَنْظُرَانِ لَهُ فَكَانَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْوَصِيُّ إذَا تَرَكَ النَّقْضَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ أَلْحَقَ ضَرَرًا بِمَالِ الْيَتِيمِ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
стр. 4944
دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّ وِلَايَةَ النَّقْضِ لَهُ، ثُمَّ التَّلَفُ بِالسُّقُوطِ إنْ كَانَ مَا لَا فَهُوَ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ نَفْسًا فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْمَوْلَى وَضَمَانُ الْمَالِ أَلْيَقُ بِالْعَبْدِ وَضَمَانُ النَّفْسِ بِالْمَوْلَى، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ الْحَائِطِ وَحْدَهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إصْلَاحِ نَصِيبِهِ بِطَرِيقِهِ وَهُوَ الْمُرَافَعَةُ إلَى الْقَاضِي.
(وَلَوْ سَقَطَ الْحَائِطُ الْمَائِلُ عَلَى إنْسَانٍ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَقَتَلَهُ فَتَعَثَّرَ بِالْقَتِيلِ غَيْرُهُ فَعَطِبَ لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لَا إلَيْهِ (وَإِنْ عَطِبَ بِالنَّقْضِ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَيْهِ إذْ النَّقْضُ مِلْكُهُ وَالْإِشْهَادُ عَلَى الْحَائِطِ إشْهَادٌ عَلَى النَّقْضِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ امْتِنَاعُ الشَّغْلِ (وَلَوْ عَطِبَ بِجَرَّةِ كَانَتْ عَلَى الْحَائِطِ فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِهِ وَهِيَ مِلْكُهُ ضَمِنَهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ مِلْكَ غَيْرِهِ لَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَى مَالِكِهَا قَالَ
أُجِيبَ بِأَنَّ فِي تَرْكِ النَّقْضِ دَفْعَ مَضَرَّةٍ مُتَحَقِّقَةٍ وَهِيَ مَضَرَّةُ مُؤْنَةِ النَّقْضِ وَبِنَائِهِ ثَانِيًا، وَفِي نَقْضِهِ دَفْعَ مَضَرَّةٍ مَوْهُومَةٍ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَسْقُطَ وَإِنْ سَقَطَ لَا يَهْلِكُ بِهِ شَيْءٌ فَكَانَ تَرْكُهُ أَنْظَرَ لِلصَّبِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ ضَمَانٌ.
وَقَوْلُهُ (فِي عِتْقِ الْعَبْدِ) يَعْنِي يُبَاعُ فِيهِ كَمَا يُبَاعُ فِي دُيُونِ تِجَارَتِهِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى كَضَمَانِ النَّفْسِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَقُلْنَا: الْعَبْدُ فِي ضَمَانِ الْتِزَامِ الْمَالِ كَالْحُرِّ فَإِنَّهُ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ فِي اكْتِسَابِ سَبَبِ ذَلِكَ، وَفِي الْتِزَامِ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّ فَكَّ الْحَجْرِ بِالْإِذْنِ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الدَّارِ لِلْمَوْلَى رَقَبَةً وَتَصَرُّفًا وَالْعَبْدُ خَصْمٌ مِنْ جِهَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ حَقًّا فِي دَارٍ بِيَدِ مَأْذُونٍ لَهُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا فَكَانَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ إشْهَادًا عَلَى الْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعِنْدَهُمَا ظَاهِرٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْلِصَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَكَانَ هَذَا تَقَدُّمًا إلَى الْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ وَتَقَدُّمًا إلَى الْعَبْدِ مِنْ وَجْهٍ، فَاعْتُبِرَ فِي ضَمَانِ الْأَنْفُسِ تَقَدُّمًا إلَى الْمَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فَكَّ الْحَجْرِ بِالْإِذْنِ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ، وَفِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ تَقَدُّمًا إلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِيهِ كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ) يَعْنِي لَوْ هَلَكَ أَحَدٌ بِسُقُوطِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ فِيهِ، وَهَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ. وَأَمَّا جَوَابُ الْقِيَاسِ فَهُوَ أَنْ لَا يَضْمَنَ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَمَّا الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ فَلِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّقْضِ فَلَمْ يَكُنْ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ مُفِيدًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ فَلِعَدَمِ التَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ فَلَمْ يُوجَدْ التَّعَدِّي مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ التَّفْرِيغِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ يَتَعَذَّرُ عَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي نَصِيبِهِ أَدَّى إلَى الضَّرَرِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ.
وَقَوْلُهُ (فَعَطِبَ لَا يَضْمَنُهُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَائِطِ الْقَتِيلَ الثَّانِيَ (لِأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ) أَيْ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ بِرَفْعِهِ مُفَوَّضٌ إلَى أَوْلِيَائِهِ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ دَفْنَهُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا إذَا وَقَعَ الْجَنَاحُ فِي الطَّرِيقِ فَتَعَثَّرَ إنْسَانٌ بِنَقْضِهِ وَمَاتَ ثُمَّ تَعَثَّرَ رَجُلٌ بِالْقَتِيلِ وَمَاتَ فَإِنَّ دِيَةَ الْقَتِيلَيْنِ جَمِيعًا عَلَى صَاحِبِ الْجَنَاحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ إشْرَاعَ الْجَنَاحِ فِي نَفْسِهِ جِنَايَةٌ وَهُوَ فِعْلُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَلْقَاهُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ حُصُولُ الْقَتِيلِ فِي الطَّرِيقِ مُضَافًا إلَى فِعْلِهِ كَحُصُولِ نَقْضِ الْجَنَاحِ فِي الطَّرِيقِ وَمَنْ أَلْقَى شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ كَانَ ضَامِنًا لِمَا عَطِبَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَفْرِيغَ الطَّرِيقِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَائِطِ فَإِنَّ نَفْسَ الْبِنَاءِ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ جَانِيًا لَكِنْ جُعِلَ كَالْفَاعِلِ بِتَرْكِ النَّقْضِ فِي الطَّرِيقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّفْرِيغِ، وَالتَّرْكُ مَعَ الْقُدْرَةِ وُجِدَ فِي حَقِّ النَّقْضِ لَا فِي حَقِّ الْقَتِيلِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ فَاعِلًا فِي حَقِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ لَا فِي حَقِّ الْقَتِيلِ الثَّانِي وَبِهَذَا يُعْلَمُ حُكْمُ مَا عَطِبَ بِالنَّقْضِ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحًا. وَقَوْلُهُ (فَسَقَطَتْ) يَعْنِي الْجَرَّةُ بِسُقُوطِ الْحَائِطِ، يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ الْجَرَّةُ وَحْدَهَا فَأَصَابَتْ إنْسَانًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا عَلَى
стр. 4945
(وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ خَمْسَةِ رِجَالٍ أَشْهَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَقَتَلَ إنْسَانًا ضَمِنَ خُمُسَ الدِّيَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَحَفَرَ أَحَدُهُمْ فِيهَا بِئْرًا وَالْحَفْرُ كَانَ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرِينَ أَوْ بَنَى حَائِطًا فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ) لَهُمَا أَنَّ التَّلَفَ بِنَصِيبِ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَبِنَصِيبِ مَنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ هَدَرٌ، فَكَانَا قِسْمَيْنِ فَانْقَسَمَ نِصْفَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي عَقْرِ الْأَسَدِ وَنَهْشِ الْحَيَّةِ وَجَرْحِ الرَّجُلِ. وَلَهُ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الثِّقَلُ الْمُقَدَّرُ وَالْعُمْقُ الْمُقَدَّرُ، لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وَهُوَ الْقَلِيلُ حَتَّى يُعْتَبَرُ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً فَتَجْتَمِعُ الْعِلَلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى أَرْبَابِهَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ، بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ فَإِنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ عِلَّةٌ لِلتَّلَفِ بِنَفْسِهَا صَغُرَتْ أَوْ كَبِرَتْ عَلَى مَا عُرِفَ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْمُزَاحِمَةِ أُضِيفَ إلَى الْكُلِّ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مِلْكِهِ وَهُوَ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِيمَا يُحْدِثُهُ فِي مِلْكِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا أَوْ غَيْرَ مَائِلٍ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ
وَقَوْلُهُ (فَعَلَيْهِ) أَيْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَافِرِ الْبِئْرِ وَبَانِي الْحَائِطِ. وَقَوْلُهُ (وَلَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الثِّقَلُ الْمُقَدَّرُ: يَعْنِي فِي الْحَائِطِ، وَالْعُمْقُ الْمُقَدَّرُ: يَعْنِي فِي الْبِئْرِ (لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ) أَيْ أَصْلَ الثِّقَلِ وَالْعُمْقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (وَهُوَ الْقَلِيلُ) أَيْ ذَلِكَ الْأَصْلُ: يَعْنِي أَنَّ الْجُزْءَ الْيَسِيرَ لَيْسَ بِمُهْلِكٍ (حَتَّى يُعْتَبَرَ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً فَتَجْتَمِعُ الْعِلَلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى أَرْبَابِهَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُمُسُ الدِّيَةِ فَيُتْرَكُ الْإِشْهَادُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ لَا يَزْدَادُ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ فَيُقَالُ لَهُمَا اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ مَعْنَيَانِ.
أَحَدُهُمَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَهُوَ التَّعَدِّي بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالْآخَرُ مَانِعٌ عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ التَّعَدِّي مِنْ حَيْثُ الْحَفْرُ فِي مِلْكِهِ فَيُجْعَلُ الْمُعْتَبَرُ جِنْسًا وَالْمُهْدَرُ جِنْسًا فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ الضَّمَانِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ صِفَةَ التَّعَدِّي تَحَقَّقَتْ فِي الثُّلُثَيْنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا كَمَا مَرَّ فِي عَقْرِ الْأَسَدِ وَنَهْشِ الْحَيَّةِ وَجَرْحِ الرَّجُلِ. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ أُضِيفَ إلَى الْكُلِّ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ) يُضَافُ إلَيْهِ وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْكُلِّ وَبَعْضُهَا مُعْتَبَرٌ فِي إضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهِ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَجُعِلَ غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ شَيْئًا وَاحِدًا وَإِنْ تَعَدَّدَ فَلِذَلِكَ صَارَ الضَّمَانُ نِصْفَيْنِ فَاعْتُبِرَ أَحَدُهُمَا وَأُهْدِرَ الْآخِرُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ)
стр. 4946
(بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا)
قَالَ (الرَّاكِبُ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ كَدَمَتْ أَوْ خَبَطَتْ، وَكَذَا
ذَكَرَ جِنَايَةَ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةَ عَلَيْهَا عَقِيبَ جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ. وَقَوْلُهُ (لَمَّا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ) الصَّحِيحُ: لَمَّا وَطِئَتْ الدَّابَّةُ. وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَا الْإِيطَاءِ مَحْذُوفَيْنِ، وَتَقْدِيرُهُ: أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا إنْسَانًا فَيَكُونُ مِنْ بَابِ فُلَانٌ يُعْطِي. وَقَوْلُهُ (مَا أَصَابَتْ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ، وَالْكَدْمُ: الْعَضُّ بِمُقْدِمِ الْأَسْنَانِ. وَالْخَبْطُ: الضَّرْبُ بِالْيَدِ. وَالصَّدْمُ: هُوَ أَنْ تَضْرِبَ الشَّيْءَ بِجَسَدِك، وَمِنْهُ اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ إذَا ضَرَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِنَفْسِهِ وَيُقَالُ نَفَحَتْ الدَّابَّةُ الشَّيْءَ إذَا ضَرَبَتْهُ بِحَدِّ حَافِرِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ جِنَايَةَ الدَّابَّةِ لَا تَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا، أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا مِلْكًا كَامِلًا أَوْ مُشْتَرَكًا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاضِلًا؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا وَاقِفَةً كَانَتْ الدَّابَّةُ أَوْ سَائِرَةً وَطِئَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ نَفَحَتْ أَوْ كَدَمَتْ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَائِقًا لَهَا أَوْ قَائِدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا عَلَيْهَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا أَتْلَفَتْ نَفْسًا أَوْ مَالًا، لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مُتَسَبِّبٌ لِاتِّصَالِ أَثَرِ فِعْلِهِ بِالْمُتْلَفِ بِوَاسِطَةِ فِعْلِ مُخْتَارٍ وَهُوَ الدَّابَّةُ، وَالْمُتَسَبِّبُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَلَا تَعَدِّيَ فِي إيقَافِ الدَّابَّةِ أَوْ تَسْيِيرِهَا فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ يَسِيرُ فَإِنْ وَطِئَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا ضَمِنَ، وَإِنْ كَدَمَتْ أَوْ نَفَحَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ ضَرَبَتْ بِذَنَبِهَا فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مُبَاشِرٌ لِلْإِتْلَافِ لِأَنَّ ثِقَلَهُ وَثِقَلَ الدَّابَّةِ اتَّصَلَا بِالْمُتْلَفِ فَكَأَنَّهُمَا وَطِئَا جَمِيعًا، الْمُبَاشِرُ ضَامِنٌ مُتَعَدِّيًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَفِي الثَّانِي مُتَسَبِّبٌ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي مِلْكِ غَيْرِ صَاحِبِهَا، فَإِمَّا أَنْ أَدْخَلَهَا صَاحِبُهَا فِيهِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَسَبِّبٍ وَلَا مُبَاشِرٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا أَوْ لَا وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً، لِأَنَّ صَاحِبَهَا إمَّا مُبَاشِرٌ أَوْ مُتَسَبِّبٌ مُتَعَدٍّ، إذْ لَيْسَ لَهُ إيقَافُ الدَّابَّةِ وَتَسْيِيرُهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَوْقَفَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ بِالْإِيقَافِ مُتَسَبِّبٌ مُتَعَدٍّ، إذْ لَيْسَ لَهُ
стр. 4947
إذَا صَدَمَتْ وَلَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِأَنَّهُ يُتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ فَقُلْنَا بِالْإِبَاحَةِ مُقَيَّدًا بِمَا ذَكَرْنَا لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ إنَّمَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِهَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ عَنْ التَّصَرُّفِ وَسَدِّ بَابِهِ وَهُوَ مَفْتُوحٌ، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِيطَاءِ وَمَا يُضَاهِيهِ مُمْكِنٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ التَّيْسِيرِ فَقَيَّدْنَاهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَنْهُ، وَالنَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ وَالذَّنَبِ لَيْسَ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ السَّيْرِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِ (فَإِنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ النَّفْحَةَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْإِيقَافِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عَنْ النَّفْحَةِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا فِي الْإِيقَافِ وَشَغْلِ الطَّرِيقِ بِهِ فَيَضْمَنُهُ.
قَالَ (وَإِنْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا حَصَاةٌ أَوْ نَوَاةً أَوْ أَثَارَتْ غُبَارًا أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا فَفَقَأَ عَيْنَ إنْسَانٍ أَوْ أَفْسَدَ ثَوْبَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ حَجَرًا كَبِيرًا ضَمِنَ) لِأَنَّهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، إذْ سَيْرُ الدَّوَابِّ لَا يَعْرَى عَنْهُ، وَفِي الثَّانِي مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْ السَّيْرِ عَادَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِتَعْنِيفِ الرَّاكِبِ، وَالْمُرْتَدِفُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَالرَّاكِبِ لِأَنَّ الْمَعْنَى
شَغْلُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِإِيقَافِ الدَّابَّةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَمَّا إنْ سَارَتْ بِإِرْسَالِهِ أَوْ انْفَلَتَتْ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَتْ مَا لَمْ تَتَحَوَّلْ عَنْ جِهَةِ الْإِرْسَالِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً لِأَنَّ إرْسَالَهَا بِلَا حَافِظٍ سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ وَهُوَ فِيهِ مُتَعَدٍّ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا ضَمِنَ مَا أَتْلَفَتْ رَاكِبًا كَانَ أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا إلَّا النَّفْحَةَ بِالرِّجْلِ أَوْ الذَّنَبِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ أَوْ مُتَسَبِّبٌ مُتَعَدٍّ. وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْإِسْهَابِ بَيَانُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ﵀: الرَّاكِبُ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ، إلَى قَوْلِهِ: وَكَذَا إذَا صَدَمَتْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّاكِبُ فِي مِلْكِهِ، لِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إنْ اسْتَقَامَ فِي قَوْلِهِ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي قَوْلِهِ أَوْ كَدَمَتْ أَوْ خَبَطَتْ أَوْ صَدَمَتْ فِيمَا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَا مَرَّ آنِفًا، وَذَكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي يَنُبْنِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْفُرُوعُ فَقَالَ (وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ) أَمَّا أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ يَمْشِي فِيهِ لِتَرْتِيبِ مُهِمَّاتِهِ، فَالْحَجْرُ عَنْ ذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَدْفُوعٌ. وَأَمَّا أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلِأَنَّ غَيْرَهُ فِيهِ كَهُوَ فِي الِاحْتِيَاجِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى حَقِّهِ يَسْتَدْعِي الْإِبَاحَةَ مُطْلَقًا، وَبِالنَّظَرِ إلَى حَقِّ غَيْرِهِ يَسْتَدْعِي الْحَجْرَ مُطْلَقًا، فَقُلْنَا بِإِبَاحَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَمَلًا بِالْوَجْهَيْنِ وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَاضِحَةٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْمُرْتَدِفُ فِيمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي فِي مُوجَبِ الْجِنَايَةِ (كَالرَّاكِبِ لِأَنَّ الْمَعْنَى)
стр. 4948
لَا يَخْتَلِفُ. قَالَ (فَإِنْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ تَسِيرُ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ فَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ (وَكَذَا إذَا أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ) لِأَنَّ مِنْ الدَّوَابِّ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِيقَافِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَطِبَ إنْسَانٌ بِرَوْثِهَا أَوْ بَوْلِهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا الْإِيقَافِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، ثُمَّ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا بِالْمَارَّةِ مِنْ السَّيْرِ لِمَا أَنَّهُ أَدْوَمُ مِنْهُ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ (وَالسَّائِقُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا وَالْقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا دُونَ رِجْلِهَا) وَالْمُرَادُ النَّفْحَةُ. قَالَ ﵁: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِ السَّائِقِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَغَائِبٌ عَنْ بَصَرِ الْقَائِدِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: إنَّ السَّائِقَ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا، إذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ،
أَيْ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ وَهُوَ الْمُبَاشَرَةُ وَالتَّصَرُّفُ فِي الدَّابَّةِ بِالتَّسْيِيرِ عَلَى مَا أَرَادَ (لَا يَخْتَلِفُ) لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِمْ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ هُوَ) يَعْنِي الْإِيقَافَ (أَكْثَرُ ضَرَرًا بِالْمَارَّةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِيقَافَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ لَكِنَّهُ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي الدَّابَّةِ فَلْيَلْتَحِقْ بِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَضَرُّ مِنْهُ (لِمَا أَنَّهُ) أَيْ الْإِيقَافَ (أَدْوَمُ مِنْ السَّيْرِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ) وَقَوْلُهُ (وَالسَّائِقُ ضَامِنٌ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الرَّاكِبِ بَيَّنَ أَحْكَامَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ، وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ النَّفْحَةُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَإِنَّمَا فَسَّرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ بِلَا خِلَافٍ لِأَحَدٍ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ﵏) يَعْنِي الْعِرَاقِيِّينَ. وَقَوْلُهُ (فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) يَعْنِي بِإِبْعَادِ الدَّابَّةِ عَنْ الْمُتْلَفِ أَوْ بِإِبْعَادِهِ عَنْهَا. وَقَوْلُهُ (وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ ﵏) يُرِيدُ مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ،
стр. 4949
بِخِلَافِ الْكَدْمِ لِإِمْكَانِهِ كَبْحَهَا بِلِجَامِهَا. وَبِهَذَا يَنْطِقُ أَكْثَرُ النُّسَخِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُونَ النَّفْحَةَ كُلُّهُمْ لِأَنَّ فِعْلَهَا مُضَافٌ إلَيْهِمْ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ ﵊ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَمَعْنَاهُ النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ، وَانْتِقَالُ الْفِعْلِ بِتَخْوِيفِ الْقَتْلِ كَمَا فِي الْمُكْرَهِ وَهَذَا تَخْوِيفٌ بِالضَّرْبِ. قَالَ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَهُ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ) لِأَنَّهُمَا مُسَبِّبَانِ بِمُبَاشَرَتِهِمَا شَرْطَ التَّلَفِ وَهُوَ تَقْرِيبُ الدَّابَّةِ إلَى مَكَانِ الْجِنَايَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالرَّاكِبِ (إلَّا أَنَّ عَلَى الرَّاكِبِ الْكَفَّارَةَ) فِيمَا أَوْطَأَتْهُ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا) وَلَا عَلَى الرَّاكِبِ فِيمَا وَرَاءَ الْإِبْطَاءِ، لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ وَثِقَلِ الدَّابَّةِ تَبَعٌ لَهُ، لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافٌ إلَيْهِ وَهِيَ آلَةٌ لَهُ وَهُمَا مُسَبَّبَانِ لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا إلَى الْمَحَلِّ شَيْءٌ، وَكَذَا الرَّاكِبُ فِي غَيْرِ الْإِيطَاءِ، وَالْكَفَّارَةُ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ لَا حُكْمُ التَّسَبُّبِ، وَكَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيطَاءِ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُبَاشَرَةِ (وَلَوْ كَانَ رَاكِبٌ وَسَائِقٌ قِيلَ: لَا يَضْمَنُ السَّائِقُ مَا أَوْطَأَتْ الدَّابَّةُ) لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالسَّائِقُ مُسَبِّبٌ، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى. وَقِيلَ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ. .
وَقَوْلُهُ (مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ. وَقَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ ﵊ «الرِّجْلُ جُبَارٌ») مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَمَعْنَى جُبَارٌ: هَدَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَضْمُونٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَانْتِقَالُ الْفِعْلِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِأَنَّ فِعْلَهَا مُضَافٌ إلَيْهِمْ: يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِكْرَاهِ، وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ لِأَنَّ هُنَاكَ الِانْتِقَالَ بِتَخْوِيفِ الْقَتْلِ وَهُنَا تَخْوِيفٌ بِالضَّرْبِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، قِيلَ وَفِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافٌ إلَى رَاكِبِهَا وَلَا كَلَامَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي النَّفْحَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ.
وَالْجَوَابُ الْقَوِيُّ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ ﵊ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَأَتَى بِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الضَّابِطِ الْكُلِّيِّ وَبَيَانِ الْكَفَّارَةِ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا إلَى الْمَحَلِّ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ عَامِلٌ فِي الْإِتْلَافِ فَإِنَّ السَّوْقَ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الرُّكُوبِ أَوْجَبَ ضَمَانَ مَا أَتْلَفَتْ بِالْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوبُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ عَمَلُ السَّوْقِ فِي الْإِتْلَافِ إلَى الرُّكُوبِ، بَلْ كَانَ التَّلَفُ مُضَافًا إلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَالْمُسَبِّبُ إنَّمَا لَا يَضْمَنُ مَعَ الْمُبَاشِرِ إذَا كَانَ سَبَبًا لَا يَعْمَلُ فِي التَّلَفِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ، كَالْحَفْرِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّلَفَ مُنْفَرِدًا
стр. 4950
قَالَ (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ لِمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ بِصَدْمَتِهِ آلَمَ نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَيُعْتَبَرُ نِصْفُهُ، كَمَا إذَا كَانَ الِاصْطِدَامُ عَمْدًا، أَوْ جَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ جِرَاحَةً أَوْ حَفَرَا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ بِئْرًا فَانْهَارَ عَلَيْهِمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَكَذَا هَذَا. وَلَنَا أَنَّ الْمَوْتَ يُضَافُ إلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِلْإِضَافَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، كَالْمَاشِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْبِئْرِ وَوَقَعَ فِيهَا لَا يُهْدَرُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهِ، وَفِعْلُ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، لَكِنَّ الْفِعْلَ الْمُبَاحَ فِي غَيْرِهِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ كَالنَّائِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى غَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّ الدِّيَةِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ فَرَجَّحْنَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ
عَنْ الدَّفْعِ الَّذِي هُوَ مُبَاشَرَةٌ، وَتَذَكَّرْ تَخْصِيصَ الْعِلَلِ وَمُخَلِّصَهُ فَإِنَّهُ مِنْ مَظَانِّهِ
. وَقَالَ (إذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ إلَخْ) أَيْ ضَرَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِنَفْسِهِ، وَحُكْمُ الْمَاشِيَيْنِ حُكْمُ الْفَارِسَيْنِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَوْتُ الْمُصْطَدِمَيْنِ غَالِبًا فِي الْفَارِسَيْنِ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ، وَمَا ذَكَرَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجْهُ الْقِيَاسِ، وَمَا قُلْنَا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ فَرَجَّحْنَا قَوْلَنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ: يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ إلَخْ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخَصْمَ أَيْضًا تَرَجَّحَ جَانِبُهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى فَتَعَارَضَتْ جِهَتَا التَّرْجِيحِ. وَالثَّانِي أَنَّ مَا ذُكِرَ ثَمَّ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ يَصْلُحُ حُجَّةً، وَمَا صَلَحَ حُجَّةً لَمْ يَصْلُحْ مُرَجِّحًا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَنْقُوضٌ بِالْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ بِمَشْيِهِ فَيَكُونُ فَاسِدًا، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً. وَقَوْلُهُ (وَفِيمَا ذُكِرَ) جَوَابٌ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي جِهَتِهِمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ
стр. 4951
الْفِعْلَانِ مَحْظُورَانِ فَوَضَحَ الْفَرْقُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ يَهْدُرُ الدَّمُ فِي الْخَطَإِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ دَفْعًا وَفِدَاءً، وَقَدْ فَاتَتْ لَا إلَى خُلْفٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمَوْلَى فَهُدِرَ ضَرُورَةً، وَكَذَا فِي الْعَمْدِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلَكَ بَعْدَمَا جَنَى وَلَمْ يَخْلُفْ بَدَلًا، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا فَفِي الْخَطَإِ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ قِيمَةُ الْعَبْدِ فَيَأْخُذُهَا وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الْحُرِّ، وَيَبْطُلُ حَقُّ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ فِي الدِّيَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ فَقَدْ أَخْلَفَ بَدَلًا بِهَذَا الْقَدْرِ فَيَأْخُذُهُ وَرَثَةُ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْخُلْفِ، وَفِي الْعَمْدِ يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ النِّصْفُ فِي الْعَمْدِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَأْخُذُهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، وَمَا عَلَى الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ إلَّا قَدْرَ مَا أَخْلَفَ مِنْ الْبَدَلِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ.
قَالَ (وَمَنْ سَاقَ دَابَّةً فَوَقَعَ السَّرْجُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ، وَكَذَا عَلَى هَذَا سَائِرُ أَدَوَاتِهِ كَاللِّجَامِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا مَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ، لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ وَهُوَ تَرْكُ الشَّدِّ أَوْ الْإِحْكَامِ فِيهِ، بِخِلَافِ الرِّدَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُشَدُّ فِي الْعَادَةِ، وَلِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِحِفْظِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا فِي الْمَحْمُولِ عَلَى عَاتِقِهِ دُونَ اللِّبَاسِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فَيُقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ.
قَالَ (وَمَنْ قَادَ قِطَارًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَ)، فَإِنْ وَطِئَ بَعِيرٌ إنْسَانًا ضَمِنَ بِهِ الْقَائِدُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الْقَائِدَ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقِطَارِ كَالسَّائِقِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَقَدْ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ، وَالتَّسَبُّبِ بِوَصْفِ التَّعَدِّي سَبَبٌ لِلضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ ضَمَانَ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِيهِ وَضَمَانُ الْمَالِ فِي مَالِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا)
الْفِعْلَ لَمَّا كَانَ مَحْظُورًا كَانَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَسَقَطَ إيجَابُهُ الضَّمَانَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَاعْتُبِرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَالْمَشْيُ مُبَاحٌ مَحْضٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجَبًا لِلضَّمَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَصْلًا فَكَانَ صَاحِبُهُ قَاتِلًا لَهُ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةِ أَحَدٍ لَهُ فِي قَتْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا تَمَامُ دِيَةِ الْآخَرِ، كَمَنْ مَشَى حَتَّى سَقَطَ فِي الْبِئْرِ ضَمِنَ الْحَافِرُ وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ بِالْحَفْرِ وَالْمَشْيِ جَمِيعًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَشْيُ مُبَاحًا لَمْ يُعْتَبَرْ. وَقَوْلُهُ (هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ) أَيْ وُجُوبُ تَنْصِيفِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَطَأَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ وَالْعَمْدَ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْخَصْمِ. وَقَوْلُهُ (فَيَأْخُذُهَا) أَيْ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الْحُرِّ، قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَوَّلًا تَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ لَا مَحَالَةَ وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ وَالْعَاقِلَةُ يَتَحَمَّلُونَ هَاهُنَا مُوجَبَ جِنَايَتِهِ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمَيِّتُ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ سَقَطَ عَنْهُمْ، كَمَا قُلْنَا فِي امْرَأَةٍ قَطَعَتْ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً فَتَزَوَّجَهَا عَلَى الْيَدِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَإِنَّ الدِّيَةَ تَصِيرُ مَهْرًا وَتَسْقُطُ عَنْ الْعَاقِلَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّقُوطَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّاجِعُ هُوَ الْجَانِي وَهَاهُنَا الرَّاجِعُ وَارِثُهُ فَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَوَّلًا هُوَ الْجَانِي يَسْقُطُ وَبِالنَّظَرِ إلَى أَنَّ الرَّاجِعَ غَيْرُهُ لَا يَسْقُطُ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَالْبَاقِي وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِحِفْظِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) يَعْنِي السَّرْجَ وَسَائِرَ الْأَدَوَاتِ كَمَا فِي الْمَحْمُولِ عَلَى عَاتِقِهِ إذَا وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ اللِّبَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ حِفْظَهُ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي بَابِ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَادَ قِطَارًا)
стр. 4952
لِأَنَّ قَائِدَ الْوَاحِدِ قَائِدٌ لِلْكُلِّ، وَكَذَا سَائِقُهُ لِاتِّصَالِ الْأَزِمَّةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ السَّائِقُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْإِبِلِ، أَمَّا إذَا كَانَ تَوَسَّطَهَا وَأَخَذَ بِزِمَامٍ وَاحِدٍ يَضْمَنُ مَا عَطِبَ بِمَا هُوَ خَلْفَهُ، وَيَضْمَنَانِ مَا تَلِفَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّ الْقَائِدَ لَا يَقُودُ مَا خَلْفَ السَّائِقِ لِانْفِصَامِ الزِّمَامِ، وَالسَّائِقُ يَسُوقُ مَا يَكُونُ قُدَّامَهُ.
قَالَ (وَإِنْ رَبَطَ رَجُلٌ بَعِيرًا إلَى الْقِطَارِ وَالْقَائِدُ لَا يَعْلَمُ فَوَطِئَ الْمَرْبُوطُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ صِيَانَةُ الْقِطَارِ عَنْ رَبْطِ غَيْرِهِ، فَإِذَا تَرَكَ الصِّيَانَةَ صَارَ مُتَعَدِّيًا، وَفِي التَّسْبِيبِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ (ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ) لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسَبِّبٌ لِأَنَّ الرَّبْطَ مِنْ الْقَوْدِ بِمَنْزِلَةِ التَّسَيُّبِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِاتِّصَالِ التَّلَفِ بِالْقَوْدِ دُونَ الرَّبْطِ. قَالُوا: هَذَا إذَا رَبَطَ وَالْقِطَارُ يَسِيرُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْقَوْدِ دَلَالَةً، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّابِطِ، أَمَّا إذَا رَبَطَ وَالْإِبِلُ قِيَامٌ ثُمَّ قَادَهَا ضَمِنَهَا الْقَائِدُ لِأَنَّهُ قَادَ بَعِيرَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً وَكَانَ لَهَا سَائِقًا فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا يَضْمَنُهُ) لِأَنَّ الْفِعْلَ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ السَّوْقِ. قَالَ (وَلَوْ أَرْسَلَ طَيْرًا وَسَاقَهُ فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ) وَالْفَرْقُ أَنَّ بَدَنَ الْبَهِيمَةِ يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَاعْتُبِرَ سَوْقُهُ وَالطَّيْرُ لَا يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَصَارَ وُجُودُ السَّوْقِ وَعَدَمِهِ بِمَنْزِلَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَائِقًا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ
الْقِطَارُ: الْإِبِلُ تُقْطَرُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَالْجَمْعُ قُطُرٌ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
قَالَ (وَإِنْ رَبَطَ رَجُلٌ بَعِيرًا إلَى الْقِطَارِ إلَخْ) رَجُلٌ رَبَطَ بَعِيرًا إلَى قِطَارٍ يَقُودُهُ رَجُلٌ. فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ بِرَبْطِهِ الْقَائِدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَقَدْ وَطِئَ الْمَرْبُوطُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ الدِّيَةُ لِإِمْكَانِ تَحْرُزْهُ عَنْ رَبْطِ الْغَيْرِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ صَارَ مُتَسَبِّبًا مُتَعَدِّيًا وَالدِّيَةُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ ثُمَّ تَرْجِعُ عَاقِلَةُ الْقَائِدِ بِمَا ضَمِنُوا مِنْ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ: ضَمِنَ الْقَائِدُ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي رَبَطَ الْبَعِيرَ، وَوَفَّقَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الْمَبْسُوطِ حَقِيقَةَ الضَّمَانِ. فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْقَائِدِ وَالرَّابِطِ، إلَّا أَنَّ الْعَوَاقِلَ تَعْقِلُ عَنْهُمَا. وَاعْتَبَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَالَ الضَّمَانِ وَقَرَارَهُ وَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَرْجِعُوا لِأَنَّ الْقَائِدَ حِينَ عَلِمَ بِالرَّبْطِ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ فَلَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِظُهُورِهِ. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ابْتِدَاءً) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (قَالُوا) يَعْنِي أَنَّ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلسَّيْرِ وَالْوُقُوفِ، وَالْمَشَايِخُ ﵏ قَالُوا هَذَا: أَيْ رُجُوعَ عَاقِلَةِ الْقَائِدِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ إذَا رَبَطَ وَالْقِطَارُ يَسِيرُ. أَمَّا إذَا رَبَطَ وَالْإِبِلُ قِيَامٌ ثُمَّ قَادَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا الْقَائِدُ بِلَا رُجُوعٍ عَلَى أَحَدٍ، وَالْوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً) يُرِيدُ كَلْبًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، وَمَعْنَى سَوْقِهِ إيَّاهُ أَنْ يَمْشِيَ خَلْفَهُ (وَلَوْ أَرْسَلَ طَيْرًا) أَيْ بَازِيًا وَسَاقَهُ فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ بِأَنْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَمْ يُضَمِّنْ الْمُرْسِلُ السَّائِقَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ
стр. 4953
أَرْسَلَهُ إلَى صَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَائِقًا فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ حَلَّ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَهِيمَةَ مُخْتَارَةٌ فِي فِعْلِهَا وَلَا تَصْلُحُ نَائِبَةً عَنْ الْمُرْسِلِ فَلَا يُضَافُ فِعْلُهَا إلَى غَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ، إلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ مَسَّتْ فِي الِاصْطِيَادِ فَأُضِيفَ إلَى الْمُرْسِلِ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ مَشْرُوعٌ وَلَا طَرِيقَ لَهُ سِوَاهُ وَلَا حَاجَةَ فِي حَقِّ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ احْتِيَاطًا صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ. قَالَ ﵁: وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا أَرْسَلَ دَابَّةً فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا فَالْمُرْسِلُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ سَيْرَهَا مُضَافٌ إلَيْهِ مَا دَامَتْ تَسِيرُ عَلَى سَنَنِهَا، وَلَوْ انْعَطَفَتْ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ سِوَاهُ وَكَذَا إذَا وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَتْ بَعْدَ الْإِرْسَالِ فِي الِاصْطِيَادِ ثُمَّ سَارَتْ فَأَخَذَتْ الصَّيْدَ، لِأَنَّ تِلْكَ الْوَقْفَةَ تَحَقُّقُ مَقْصُودِ الْمُرْسِلِ لِأَنَّهُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ تُنَافِي مَقْصُودَ الْمُرْسِلِ وَهُوَ السَّيْرُ فَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَهُ إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ نَفْسًا أَوْ مَالًا فِي فَوْرِهِ لَا يَضْمَنُهُ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَفِي الْإِرْسَالِ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُهُ لِأَنَّ شَغْلَ الطَّرِيقِ تَعَدٍّ فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، أَمَّا الْإِرْسَالُ لِلِاصْطِيَادِ فَمُبَاحٌ وَلَا تَسْبِيبَ إلَّا بِوَصْفِ التَّعَدِّي.
قَالَ (وَلَوْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً فَأَفْسَدَتْ زَرْعًا عَلَى فَوْرِهِ ضَمِنَ الْمُرْسِلُ، وَإِنْ مَالَتْ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا) وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ لَا يَضْمَنُ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فَأَصَابَتْ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: هِيَ الْمُنْفَلِتَةُ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ إلَيْهِ
السَّوْقِ وَالْإِرْسَالِ فِيهِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ وَقَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ (انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ) أَيْ سِوَى طَرِيقِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِأَنْ كَانَ عَلَى الْجَادَّةِ مَاءٌ أَوْ وَحْلٌ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْعَطِفْ يَمْنَةً وَيَسْرَةً. وَقَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ) أَيْ يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ. وَقَوْلُهُ (وَهَذِهِ) أَيْ وَقْفَةُ الدَّابَّةِ تُنَافِي مَقْصُودَ الْمُرْسِلِ وَهُوَ السَّيْرُ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْإِرْسَالِ هُوَ السَّيْرُ لَا الْوُقُوفُ. وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُوقِفَتْ لِأَنَّ حُكْمَهَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَبَيَّنَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْسَالَيْنِ كَمَا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَتْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى فَوْرِهِ) أَيْ فَوْرِ الْإِرْسَالِ وَهُوَ أَنْ لَا تَمِيلَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا. وَقَوْلُهُ (لِمَا مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ. وَقَوْلُهُ (قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: هِيَ الْمُنْفَلِتَةُ) أَيْ الْعَجْمَاءُ الَّتِي أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهَا هِيَ
стр. 4954
مِنْ الْإِرْسَالِ وَأَخَوَاتِهِ.
قَالَ (شَاةٌ لِقَصَّابٍ فُقِئَتْ عَيْنُهَا فَفِيهَا مَا نَقَصَهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ اللَّحْمُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا النُّقْصَانُ (وَفِي عَيْنِ بَقَرَةِ الْجَزَّارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ، وَكَذَا فِي عَيْنِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ النُّقْصَانُ أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالشَّاةِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ» وَهَكَذَا قَضَى عُمَرُ ﵁، وَلِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدَ سِوَى اللَّحْمِ كَالْحَمْلِ
الْمُنْفَلِتَةُ لَا الَّتِي أُرْسِلَتْ، فَإِنَّ إفْسَادَهَا إذَا كَانَ فِي فَوْرِ الْإِرْسَالِ لَيْسَ بِجُبَارٍ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فَكَانَ تَفْسِيرُهُ احْتِرَازًا عَنْ الْأُجَرَاءِ عَلَى عُمُومِهِ. وَقَوْلُهُ (مِنْ الْإِرْسَالِ وَأَخَوَاتِهِ) يَعْنِي السَّوْقَ وَالْقَوْدَ وَالرُّكُوبَ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ مِنْ الْإِرْسَالِ وَأَمْثَالِهِ أَوْ يَقُولَ مِنْ الْإِرْسَالِ وَأَخَوَاتِهَا بِتَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ إذْ السَّوْقُ وَالْقَوْدُ لَمَّا كَانَ أُخْتًا لَا أَخًا لِلْإِرْسَالِ كَانَ الْإِرْسَالُ أُخْتًا أَيْضًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ جَعْلُ بَعْضِ أَسْبَابِ التَّعَدِّي أَخًا وَبَعْضِهَا أُخْتًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا مُؤَنَّثٌ مَعْنَوِيٌّ خُولِفَ فِيمَا يَقْتَضِيهِ حَتَّى يُنَاقِشَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ (شَاةٌ لِقَصَّابٍ فُقِئَتْ عَيْنُهَا) الْجَزْرُ: الْقَطْعُ، وَجَزَرَ الْجَزُورَ: نَحَرَهَا، وَالْجَزُورُ مَا أُعِدَّ مِنْ الْإِبِلِ لِلنَّحْرِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَهِيَ مُؤَنَّثٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَجَزُورُهُ رُبْعُ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَقُلْ وَبَعِيرُهُ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَإِنْ أُعِدَّ اللَّحْمُ كَالشَّاةِ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِمَا، بَلْ سَوَاءٌ كَانَا مُعَدَّيْنِ لِلَّحْمِ أَوْ لِلْحَرْثِ وَالْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ فَفِيهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ كَمَا فِي الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ النُّقْصَانُ وَاعْتِبَارُهُ بِالشَّاةِ عَمَلٌ بِالظَّاهِرِ. وَلَنَا مَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَالْجَمَالِ، وَالْعَمَلُ مَوْجُودٌ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَيَلْحَقُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدَ سِوَى اللَّحْمِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الشَّاةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا
стр. 4955
وَالرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَالْجَمَالِ وَالْعَمَلِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ الْآدَمِيَّ وَقَدْ تُمْسَكُ لِلْأَكْلِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْبِهُ الْمَأْكُولَاتِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ بِشَبَهِ الْآدَمِيِّ فِي إيجَابِ الرُّبْعِ وَبِالشَّبَهِ الْآخَرِ فِي نَفْيِ النِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ عَيْنَاهَا وَعَيْنَا الْمُسْتَعْمِلِ فَكَأَنَّهَا ذَاتُ أَعْيُنٍ أَرْبَعَةٍ فَيَجِبُ الرُّبْعُ بِفَوَاتِ إحْدَاهَا.
قَالَ (وَمَنْ سَارَ عَلَى دَابَّةٍ فِي الطَّرِيقِ فَضَرَبَهَا رَجُلٌ أَوْ نَخَسَهَا فَنَفَحَتْ رَجُلًا أَوْ ضَرَبَتْهُ بِيَدِهَا أَوْ نَفَرَتْ فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ) هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالْمَرْكَبَ مَدْفُوعَانِ بِدَفْعِ النَّاخِسِ فَأُضِيفَ فِعْلُ الدَّابَّةِ إلَيْهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِيَدِهِ، وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيبِهِ وَالرَّاكِبُ فِي فِعْلِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُهُ فِي التَّغْرِيمِ لِلتَّعَدِّي، حَتَّى لَوْ كَانَ وَاقِفًا دَابَّتَهُ عَلَى الطَّرِيقِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ
اللَّحْمُ وَفَقْءُ الْعَيْنِ لَا يُفَوِّتُهُ بَلْ هُوَ عَيْبٌ يَسِيرٌ فَيَلْزَمُ نُقْصَانُ الْمَالِيَّةِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِهَا) دَلِيلٌ آخَرُ. وَهُوَ أَيْضًا وَاضِحٌ لَكِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَيْنَيْنِ لَا يُضْمَنَانِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ، كَذَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ النَّصُّ وَهُوَ وَرَدَ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ نَخَسَهَا) يَعْنِي بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ وَالنَّخْسُ هُوَ الطَّعْنُ، وَمِنْهُ نَخَّاسُ الدَّوَابِّ دَلَّالُهَا. فَإِنْ قِيلَ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ لِكَوْنِهِ مُبَاشِرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الشَّرِكَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ بِالْأَثَرِ، وَفِيهِ أَثَرُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالْمُرْكَبَ مَدْفُوعَانِ بِدَفْعِ النَّاخِسِ، لِأَنَّ فِعْلَ الرَّاكِبِ قَدْ انْتَقَلَ إلَى الدَّابَّةِ لِأَنَّ الْوَثْبَةَ الْمُهْلِكَةَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْهَا فَكَانَ مُضْطَرًّا فِي حَرَكَتِهِ، وَفِعْلُ الدَّابَّةِ قَدْ انْتَقَلَ إلَى النَّاخِسِ لِكَوْنِهِ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ مُلْجِئًا فَكَانَ النَّاخِسُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ لِلدَّابَّةِ وَالرَّاكِبِ مَعًا عَلَى مَا فَعَلَ فِي الدَّابَّةِ، وَالْمَدْفُوعُ إلَى الشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ مُبَاشِرًا لَا يُعْتَبَرُ مُبَاشِرًا كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ الْكَامِلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ إنْ فُرِضَ مُبَاشِرًا وَلَا التَّسْبِيبُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ التَّعَدِّيَ وَهُوَ مَفْقُودٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ النَّفْحَةِ أَوْجَبَتْ الضَّمَانَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ ﵏ وَهِيَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُهُ عَلَى السَّائِقِ إذَا كَانَ بِالْإِذْنِ وَهَاهُنَا بِلَا إذْنٍ، فَلَوْ نَخَسَ وَهُوَ مَأْذُونٌ كَانَ سَائِقًا، وَإِمْكَانُ التَّحَرُّزِ إنَّمَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرُ الْمَأْذُونِ بِذَلِكَ مُتَعَدٍّ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيبِهِ) دَلِيلٌ آخَرُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرَّاكِبَ إنْ كَانَ فِعْلُهُ مُعْتَبَرًا فَهُوَ مُبَاشِرٌ وَالتَّعَدِّي لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ،
стр. 4956
وَالنَّاخِسِ نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْإِيقَافِ أَيْضًا. قَالَ (وَإِنْ نَفَحَتْ النَّاخِسَ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا) لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ أَلْقَتْ الرَّاكِبَ فَقَتَلَتْهُ كَانَ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيبِهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَالَ (وَلَوْ وَثَبَتْ بِنَخْسِهِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ وَطِئَتْهُ فَقَتَلَتْهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ) لِمَا بَيَّنَّاهُ، وَالْوَاقِفُ فِي مِلْكِهِ وَاَلَّذِي يَسِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَالرَّاكِبِ نِصْفَيْنِ، لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِثِقَلِ الرَّاكِبِ وَوَطْءِ الدَّابَّةِ، وَالثَّانِي مُضَافٌ إلَى النَّاخِسِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ نَخَسَهَا بِإِذْنِ الرَّاكِبِ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الرَّاكِبِ لَوْ نَخَسَهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي نَفْحَتِهَا لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ، إذْ النَّخْسُ فِي مَعْنَى السَّوْقِ فَصَحَّ أَمْرُهُ بِهِ، وَانْتَقَلَ إلَيْهِ لِمَعْنَى الْأَمْرِ.
قَالَ (وَلَوْ وَطِئَتْ رَجُلًا فِي سَيْرِهَا وَقَدْ نَخَسَهَا النَّاخِسُ بِإِذْنِ الرَّاكِبِ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لِكَوْنِهِ مَدْفُوعًا فَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْ ذَكَرَهُ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيمَا إذَا أَتْلَفَتْ بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ التَّلَفُ بِالثِّقَلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هَاهُنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي النَّفْحِ بِالرِّجْلِ وَالضَّرْبِ بِالْيَدِ وَالصَّدْمَةِ فَكَانَا مُتَسَبِّبَيْنِ، وَتَرَجَّحَ النَّاخِسُ فِي التَّغْرِيمِ لِلتَّعَدِّي، وَفِي اسْتِعْمَالِ التَّرْجِيحِ هَاهُنَا تَسَامُحٌ، لِأَنَّ شَرْطَهُ إذَا كَانَ مَفْقُودًا لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى التَّرْجِيحِ، وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ اُعْتُبِرَ مُوجِبًا فِي التَّغْرِيمِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ سَبَبُ الِاعْتِبَارِ فَكَانَ ذِكْرُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ، وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالْمُرْكَبَ مَدْفُوعَانِ، وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيبِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَاقِفُ فِي مِلْكِهِ وَاَلَّذِي يَسِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) يَعْنِي يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَيَّدَ بِمِلْكِهِ احْتِرَازًا عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِيقَافِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَتَنَصَّفُ الضَّمَانُ هُنَاكَ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ (وَالثَّانِي) أَيْ الْوَطْءُ (مُضَافٌ إلَى النَّاخِسِ) لِأَنَّهُ كَالسَّائِقِ لَهَا وَالسَّائِقُ مَعَ الرَّاكِبِ يَضْمَنَانِ مَا وَطِئَتْهُ الدَّابَّةُ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
стр. 4957
إذَا كَانَتْ فِي فَوْرِهَا الَّذِي نَخَسَهَا) لِأَنَّ سَيْرَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُضَافٌ إلَيْهِمَا، وَالْإِذْنُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَهُ مِنْ حَيْثُ السَّوْقُ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَالرُّكُوبُ وَإِنْ كَانَ عِلَّةً لِلْوَطْءِ فَالنَّخْسُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ أَوْ عِلَّةٌ لِلسَّيْرِ وَالسَّيْرُ عِلَّةٌ لِلْوَطْءِ وَبِهَذَا لَا يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ الْعِلَّةِ، كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا غَيْرُهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَمَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا لِمَا أَنَّ الْحَفْرَ شَرْطُ عِلَّةٍ أُخْرَى دُونَ عِلَّةِ الْجُرْحِ كَذَا هَذَا. ثُمَّ قِيلَ: يَرْجِعُ النَّاخِسُ عَلَى الرَّاكِبِ بِمَا ضَمِنَ فِي الْإِيطَاءِ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِأَمْرِهِ. وَقِيلَ: لَا يَرْجِعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِيمَا أَرَاهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِيطَاءِ وَالنَّخْسُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَصَارَ كَمَا إذَا أَمَرَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ بِتَسْيِيرِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا وَمَاتَ حَتَّى ضَمَّنَ عَاقِلَةَ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَلَى الْآمِرِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّسْيِيرِ وَالْإِيطَاءُ يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَكَذَا إذَا نَاوَلَهُ سِلَاحًا فَقَتَلَ بِهِ آخَرَ حَتَّى ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ، ثُمَّ النَّاخِسُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ الْإِيطَاءُ فِي فَوْرِ النَّخْسِ حَتَّى يَكُونَ السَّوْقُ مُضَافًا إلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَوْرِ ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ لِانْقِطَاعِ أَثَرِ النَّخْسِ فَبَقِيَ السَّوْقُ مُضَافًا إلَى الرَّاكِبِ عَلَى الْكَمَالِ.
(وَمَنْ قَادَ دَابَّةً فَنَخَسَهَا رَجُلٌ فَانْفَلَتَتْ مِنْ يَدِ الْقَائِدِ فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا فَهُوَ عَلَى النَّاخِسِ وَكَذَا إذَا كَانَ لَهَا سَائِقٌ فَنَخَسَهَا غَيْرُهُ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَالنَّاخِسُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا فَفِي مَالِهِ لِأَنَّهُمَا مُؤَاخَذَانِ بِأَفْعَالِهِمَا) وَلَوْ نَخَسَهَا شَيْءٌ مَنْصُوبٌ فِي الطَّرِيقِ
وَقَوْلُهُ (مُضَافٌ إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الرَّاكِبِ وَالنَّاخِسِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَيْهَا: أَيْ إلَى النَّخْسَةِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ) لِوُجُودِ انْفِصَالِ السَّوْقِ عَنْ الْإِتْلَافِ فَلَيْسَ عَيْنَهُ وَلَا مِنْ ضَرُورَاتِهِ. وَقَوْلُهُ (يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّاخِسِ لِأَنَّ الرَّاكِبَ أَذِنَ لَهُ بِالسَّوْقِ لَا بِالْإِيطَاءِ وَالْإِتْلَافِ. وَقَوْلُهُ (وَالرُّكُوبُ وَإِنْ كَانَ عِلَّةً) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ الرَّاكِبُ صَاحِبُ عِلَّةٍ لِلْوَطْءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ رِجْلَ الدَّابَّةِ فِي الْوَضْعِ وَالرَّفْعِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ رِجْلِهِ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ النَّاخِسِ، وَالنَّاخِسُ صَاحِبُ شَرْطٍ فِي حَقِّ فِعْلِ الْوَطْءِ، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْعِلَّةِ أَوْلَى. وَوَجْهُهُ أَنَّ الرُّكُوبَ وَإِنْ كَانَ عِلَّةً لِلْوَطْءِ لَكِنَّ النَّخْسَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ الرُّكُوبِ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ أَوْ عِلَّةٌ لِلسَّيْرِ وَالسَّيْرُ عِلَّةٌ لِلْوَطْءِ، فَكَانَ الْوَطْءُ ثَابِتًا بِعِلَّتَيْنِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ مَثَّلَ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَصَارَ كَمَا إذَا أَمَرَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، أَمَّا عَلَى الصَّبِيِّ فَلِأَنَّ مَسْكَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يُضَافُ السَّيْرُ إلَيْهِ وَأَمَّا عَلَى الرَّجُلِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسَيِّرْهَا، وَإِذَا لَمْ يُضَفْ سَيْرُهَا إلَى أَحَدٍ كَانَتْ مُنْفَلِتَةً وَفِعْلُهَا جُبَارٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالنَّاخِسُ إذَا كَانَ عَبْدًا)
стр. 4958
فَنَفَحَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ نَصَبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِشَغْلِ الطَّرِيقِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ كَأَنَّهُ نَخَسَهَا بِفِعْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ)
قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَإٍ
يَعْنِي وَنَخَسَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ يَدْفَعُ بِهَا أَوْ يَفْدِي، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ إلَى آخِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْحُرُّ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ وَهُوَ الْعَبْدُ، وَأَخَّرَهُ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَتِهِ. لَا يُقَالُ: الْعَبْدُ لَا يَكُونُ أَدْنَى مَنْزِلَةً مِنْ الْبَهِيمَةِ فَكَيْفَ أَخَّرَ بَابَ جِنَايَتِهِ عَنْ بَابِ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ، لِأَنَّ جِنَايَةَ الْبَهِيمَةِ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الرَّاكِبِ أَوْ السَّائِقِ أَوْ الْقَائِدِ وَهْم مُلَّاكٌ. قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَإٍ) اعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْخَطَأِ هُنَا
стр. 4959
قِيلَ لِمَوْلَاهُ: إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ بِهَا أَوْ تَفْدِيهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ فِي اتِّبَاعِ الْجَانِي بَعْدَ الْعِتْقِ. وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مُوجِبِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُتْلِفِ لِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي، إلَّا أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ عَنْهُ، وَلَا عَاقِلَةَ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَقْلَ عِنْدِي بِالْقَرَابَةِ وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاهُ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا فِي الدَّيْنِ. وَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا فِي الْجِنَايَةِ
مُفِيدٌ فِي الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَمْدًا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَأَمَّا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا يُفِيدُ لِأَنَّ خَطَأَ الْعَبْدِ وَعَمْدَهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ سَوَاءٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَالَ فِي الْحَالَيْنِ، إذْ الْقِصَاصُ لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْعَبْدِ وَلَا بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْأَحْرَارِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَقَوْلُهُ (قِيلَ لِمَوْلَاهُ إمَّا تَدْفَعُهُ بِهَا أَوْ تَفْدِيهِ) يَعْنِي بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى الْمَوْلَى بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُبَرِّئَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا لِجَنَابَةٍ بِجِنَايَةِ الْحُرِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُسْتَأْنَى فِي جِنَايَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ مُوجَبَهَا يَخْتَلِفُ بِالسِّرَايَةِ وَعَدَمِهَا، وَالْقَضَاءُ قَبْلَ الِاسْتِينَاءِ قَضَاءٌ بِالْمَجْهُولِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ فِي اتِّبَاعِ الْجَانِي بَعْدَ الْعِتْقِ) فَعِنْدَهُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ فَيَتْبَعُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَعِنْدَنَا الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى دُونَ الْعَبْدِ فَلَا يَتْبَعُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ بِالْعِتْقِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَقَوْلُهُ (وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃) فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، قَالَ: إذَا جَنَى الْعَبْدُ إنْ شَاءَ دَفَعَهُ وَإِنْ شَاءَ فَدَاهُ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄ وَغَيْرِهِمَا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ مَذْهَبِهِ. قَالَ: عَبِيدُ النَّاسِ أَمْوَالُهُمْ جَزَاءُ جِنَايَتِهِمْ فِي قِيمَتِهِمْ: أَيْ فِي أَثْمَانِهِمْ لِأَنَّ الثَّمَنَ قِيمَةُ الْعَبْدِ. وَقَوْلُهُ (فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ كَمَا فِي الدَّيْنِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ يَكُونُ شَاغِلًا لِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى دَيْنَهُ كَذَلِكَ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ وَكَذَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا فِي الذِّمِّيِّ يَعْنِي إذَا قَتَلَ الذِّمِّيُّ رَجُلًا خَطَأً تَجِبُ دِيَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا
стр. 4960
عَلَى الْمَالِ.
وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ حَالَةَ الْخَطَإِ أَنْ تَتَبَاعَدَ عَنْ الْجَانِي تَحَرُّزًا عَنْ اسْتِئْصَالِهِ وَالْإِجْحَافِ بِهِ، إذْ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْجِنَايَةَ، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي إذَا كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ،
فِي إتْلَافِ الْمَالِ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ النُّسْخَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) ظَاهِرٌ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُخْتَلِفٌ، فَإِنَّ حُكْمَهَا عِنْدَنَا الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى وَعِنْدَهُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ بَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ وَنَحْنُ عَلَى أَصْلٍ، فَمِنْ أَيْنَ يَقُومُ لِأَحَدِنَا حُجَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الشَّافِعِيُّ ﵀ جَعَلَ مُوجَبَ جِنَايَتِهِ فِي ذِمَّتِهِ كَوُجُوبِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَكَوُجُوبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ، وَنَحْنُ إذْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَقِيَ أَصْلُهُ بِلَا أَصْلٍ فَبَطَلَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ ﵀ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ، وَبِقَوْلِهِ وَبِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ. وَأَمَّا أَصْلُنَا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى النَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ إبْطَالُهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ عَلَى أَصْلٍ يَبْطُلُ بِإِبْدَاءِ الْفَارِقِ. عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ الْأَصْلَ فِي مُوجَبِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُتْلِفِ يَبْطُلُ أَيْضًا بِقَوْلِنَا الْأَصْلُ ذَلِكَ فِي مُوجَبِ الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَأِ وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَا يُفِيدُهُ، إذْ الْكَلَامُ فِي الْخَطَأِ وَالثَّانِي عَيْنُ النِّزَاعِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ هُوَ الْجَانِي غَيْرُ مُفِيدٍ) لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَالْأَصْلُ فِي الْجَانِي أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ فَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
стр. 4961
وَالْمَوْلَى عَاقِلَتُهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَنْصِرُ بِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا النُّصْرَةُ حَتَّى تَجِبَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ. بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا عَاقِلَةَ فَتَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ، وَبِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمَالَ، إلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَفِي إثْبَاتِ الْخِيرَةِ نَوْعُ تَخْفِيفٍ فِي حَقِّهِ كَيْ لَا يُسْتَأْصَلَ، غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ مَوْتِ الْجَانِي الْحُرِّ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ اسْتِيفَاءً فَصَارَ كَالْعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. قَالَ (فَإِنْ دَفَعَهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُ حَالًّا) أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ وَعِنْدَ اخْتِيَارِهِ الْوَاجِبَ عُيِّنَ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمَوْلَى عَاقِلَتُهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْمَوْلَى عَاقِلَتَهُ لَمَا كَانَ مُخَيَّرًا كَمَا فِي سَائِرِ الْعَوَاقِلِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْخَطَأَ يُوجِبُ التَّخْفِيفَ، وَلَمَّا كَانَ فِي سَائِرِ الْعَوَاقِلِ كَثْرَةً ظَهَرَ فِيهَا بِالتَّوْزِيعِ وَالْقِسْمَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُوجِبُ الْإِجْحَافَ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمَوْلَى وَاحِدٌ فَأَظْهَرْنَاهُ فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ.
وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ وَجَبَ الْجَنَابَةُ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى حَتَّى وَجَبَ التَّخْيِيرُ لِمَا سَقَطَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْحُرِّ الْجَانِي إذَا مَاتَ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْقُطُ عَنْ عَاقِلَتِهِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْقِيمَةِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ هُوَ الدَّفْعُ يُسْقِطُ الْمُوجَبَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. وَقَوْلُهُ (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ أَنَّ الدِّيَةَ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَكِنْ لِلْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَ هَذَا الْوَاجِبَ بِدَفْعِ الْجَانِي، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لِمَا ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا ﵏ ذَكَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْأَرْشُ عَلَى الْمَوْلَى وَلَهُ الْمُخَلِّصُ بِالدَّفْعِ. ثُمَّ قَالَ: وَالرِّوَايَةُ بِخِلَافِ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْعَبْدُ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَوْتِ الْحُرِّ الْجَانِي) جَوَابٌ عَمَّا يُذْكَرُ هَاهُنَا مُسْتَشْهَدًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّ اسْتِيفَاءٌ فَصَارَ كَالْعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَنْ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى وَلَا تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ. قَالَ (فَإِنْ دَفَعَهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ) فَإِنْ دَفَعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْجَانِي مَلَكَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (وَإِنْ فَدَاهُ فِدَاءً بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ) وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالًّا، أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ عَيْنُ الْعَبْدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَالتَّأْجِيلُ فِي الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ شُرِعَ لِلتَّحْصِيلِ تَرَفُّهًا وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ بَاطِلٌ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا جُعِلَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ فِي الشَّرْعِ قَامَ مَقَامَهُ وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءً فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ. قِيلَ كَوْنُ
стр. 4962
وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ فِي الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا بِالْمُتْلَفِ وَلِهَذَا سُمِّيَ فِدَاءً فَيَقُومُ مَقَامَهُ وَيَأْخُذُ حُكْمَهُ فَلِهَذَا وَجَبَ حَالًّا كَالْمُبْدَلِ (وَأَيُّهُمَا اخْتَارَهُ وَفَعَلَهُ لَا شَيْءَ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ غَيْرَهُ) أَمَّا الدَّفْعُ فَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّقَبَةِ سَقَطَ. وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إلَّا الْأَرْشُ، فَإِذَا أَوْفَاهُ حَقَّهُ سَلَّمَ الْعَبْدَ لَهُ،
الشَّيْءِ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَالَ قَدْ يَقَعُ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَتَّحِدَا فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ وَإِذَا صَارَ مَا لَا تَعَلُّقَ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ دُونَ الْأَصْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِدَاءَ لَمَّا وَجَبَ بِمُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ فِي النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ أَشْبَهَ الدِّيَةَ وَالْأَرْشَ وَهُمَا يَثْبُتَانِ مُؤَجَّلًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْفِدَاءِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا اخْتَارَهُ الْمَوْلَى كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ كَذَلِكَ: أَيْ كَسَائِرِ الدُّيُونِ حَالًّا، لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الدُّيُونِ عَارِضٌ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَتَعَارَضَ جَانِبُ الْحُلُولِ وَالْأَجَلِ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْحُلُولِ بِكَوْنِهِ فَرْعَ
стр. 4963
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ حَقِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ لَمْ يَبْرَأْ لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى ذِمَّةِ الْمَوْلَى.
قَالَ (فَإِنْ عَادَ فَجَنَى كَانَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ كَحُكْمِ الْجِنَايَةِ الْأُولَى) مَعْنَاهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ لِأَنَّهُ لَمَّا طَهُرَ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ جُعِلَ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ جِنَايَةٍ. قَالَ (وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ قِيلَ لِلْمَوْلَى إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ يَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ تَفْدِيهِ بِأَرْشِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِيَةِ بِهَا كَالدُّيُونِ الْمُتَلَاحِقَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَمْ يَمْنَعْ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ فَحَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا عَلَى قَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِمَا (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً يَقْتَسِمُونَ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدًا وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ) يَقْتَسِمَانِهِ أَثْلَاثًا (لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَرْشِ النَّفْسِ)، وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الشَّجَّاتِ (وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَفْدِيَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَدْفَعَ إلَى بَعْضِهِمْ مِقْدَارَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ مِنْ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الْحُقُوقَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهَا وَهِيَ الْجِنَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ، بِخِلَافِ مَقْتُولِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ لَهُ وَلِيَّانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَدْفَعَ إلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَّحِدٌ لِاتِّحَادِ سَبَبِهِ وَهِيَ الْجِنَايَةُ الْمُتَّحِدَةُ، وَالْحَقُّ يَجِبُ لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ لِلْوَارِثِ خِلَافَةً عَنْهُ فَلَا
أَصْلٍ حَالٍّ مُوَافَقَةً بَيْنَ الْأَصْلِ وَفَرْعِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَا يُشْعِرُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْفَرْعُ الْأَصْلَ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَالْمَسَائِلُ الْمَذْكُورَةُ تَغَيَّرَتْ بِذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ صَالِحٍ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَالِ فَلَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ وَالتُّرَابُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ بِطَبْعِهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إلْحَاقِ النِّيَّةِ بِهِ لِيَكُونَ مُطَهِّرًا شَرْعًا بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ يَمْنَعُهُ عَنْ الْحُلُولِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ أَصْلِهِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهِ.
لَا يُقَالُ: قَدْ يَتَضَرَّرُ بِوُجُوبِهِ حَالًا فَهُوَ ضَرُورَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَزِمَهُ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى الدَّفْعِ فَهُوَ ضَرَرٌ مَرْضِيٌّ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ إلَخْ (وَإِنْ مَاتَ) أَيْ الْعَبْدُ الْجَانِي بَعْدَمَا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا لَمْ يَبْرَأْ بِمَوْتِ الْعَبْدِ عَنْ الْفِدَاءِ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْحَانِثَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ، وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَهَاهُنَا قَدْ تَعَيَّنَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ أَوْجَبُ رِعَايَةً لِاحْتِيَاجِهِمْ وَذَلِكَ فِي التَّعَيُّنِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا الْفِعْلُ فَتَعَيَّنَ الْوَاجِبُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى) أَيْ الْجِنَايَةِ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرَّهْنِ فَإِنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِي بِهِ، حَتَّى أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ مَاتَ بَعْدَ الرَّهْنِ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ أُخْرَى سِوَى دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ لَحِقَتْهُ قَبْلَ الرَّهْنِ أَوْ بَعْدَهُ لَا يَتَعَلَّقُ سَائِرُ الدُّيُونِ بِالرَّهْنِ فَقَدْ مَنَعَ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ بِرَقَبَتِهِ غَيْرُهُ وَهَاهُنَا لَمْ يَمْنَعْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الرَّهْنِ إيفَاءً أَوْ اسْتِيفَاءً حُكْمًا فَكَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ اسْتَوْفَاهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي الْجِنَايَةِ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (عَلَى قَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِمَا) لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا عَمَّا فَاتَ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى قَدْرِ الْمُعَوَّضِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الثَّانِيَةِ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا حُكْمُ الشَّجَّاتِ) يَعْنِي لَوْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً وَآخَرَ هَاشِمَةً وَآخَرَ مُنَقِّلَةً ثُمَّ اخْتَارَ الْمَوْلَى الدَّفْعَ يُدْفَعُ إلَى صَاحِبِ الْمُوضِحَةِ سُدُسُ الْعَبْدِ لِأَنَّ لَهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَإِلَى صَاحِبِ الْهَاشِمَةِ ثُلُثُهُ لِأَنَّ لَهُ أَلْفًا، وَإِلَى صَاحِبِ الْمُنَقِّلَةِ نِصْفٌ لِأَنَّ لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَيَقْتَسِمُونَ الرَّقَبَةَ هَكَذَا.
وَقَوْلُهُ (وَهِيَ الْجِنَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ) يَعْنِي فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ فِي أَحَدِهِمْ خِلَافَ مَا اخْتَارَهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ (وَالْحَقُّ يَجِبُ لِلْمَقْتُولِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: الْحَقُّ وَإِنْ كَانَ مُتَّحِدًا بِالنَّظَرِ إلَى السَّبَبِ فَهُوَ مُتَعَدِّدٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ
стр. 4964
يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ فِي مُوجَبِهَا.
قَالَ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ) لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ فَوْتُ حَقِّهِ فَيَضْمَنُهُ وَحَقُّهُ فِي أَقَلِّهِمَا، وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ بِدُونِ الْعِلْمِ، وَفِي الثَّانِي صَارَ مُخْتَارًا لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَمْنَعُهُ مِنْ الدَّفْعِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْآخَرِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الدَّفْعَ لِزَوَالِ الْمِلْكِ بِهِ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ الْمُقَرُّ لَهُ يُخَاطَبُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ الْمُقِرُّ وَأَلْحَقَهُ الْكَرْخِيُّ بِالْبَيْعِ وَأَخَوَاتِهِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ فَيَسْتَحِقُّهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِإِقْرَارِهِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ.
وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهَا، وَكَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ وَإِطْلَاقُ الْبَيْعِ يَنْتَظِمُ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَنَقْضِهِ، وَبِخِلَافِ الْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا زَالَ، وَلَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَصِرْ مُخْتَارًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ لِأَنَّ الزَّوَالَ بِهِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ يَثْبُتُ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلِ فَيَصِيرُ بِنَفْسِهِ مُخْتَارًا، وَلَوْ بَاعَهُ مَوْلَاهُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْبَيْعِ، وَإِعْتَاقُ
فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلَ الْأُولَى. وَوَجْهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ مُتَعَدِّدٌ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ يَجِبُ لِلْمَقْتُولِ إلَخْ. لَا يُقَالُ: الْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْوُرَّاثِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلِلْمَيِّتِ حُكْمًا فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ حَقِيقَةً فَوَجَبَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْوَارِثِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَيِّتِ أَصْلٌ وَمِلْكَ الْوَارِثِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ وَاعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى.
قَالَ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ) الْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا عَلِمَ بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا يُعْجِزُهُ عَنْ الدَّفْعِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لَكِنْ يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ الْفُرُوعُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي قَبْلَ الْعِلْمِ وَبَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ) يَعْنِي إذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً فَقَالَ وَلِيُّهَا هُوَ عَبْدُك فَادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ فَقَالَ هُوَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ وَدِيعَةٌ عِنْدِي أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ إجَارَةٌ أَوْ رَهْنٌ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ الْخُصُومَةُ حَتَّى يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، إنْ أَقَامَهَا أُخِّرَ الْأَمْرُ إلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا خُوطِبَ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلدِّيَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الدَّفْعِ، وَقَوْلُهُ (وَأَلْحَقَهُ الْكَرْخِيُّ بِالْبَيْعِ وَأَخَوَاتِهِ) فِي صَيْرُورَتِهِ مُخْتَارًا لِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ، قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَهُوَ رِوَايَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْأُصُولِ. وَقَوْلُهُ (وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ) يُرِيدُ قَوْلَهُ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا إلَخْ.
وَقِيلَ يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً خَطَأً فَإِنَّهُ يَنْتَظِمُ النَّفْسَ وَمَا دُونَهُ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَالٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ) لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدُّخُولِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِهِ وَلَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ هَاهُنَا، وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَنَقَصَهُ، وَبِخِلَافِ الْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ) يَعْنِي لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِهِمَا لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا زَالَ. قِيلَ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ كَانَ مُجِيزًا لِلْبَيْعِ وَالْبَائِعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ إذَا عَرَضَ عَلَى الْبَيْعِ كَانَ فَاسِخًا لِلْبَيْعِ فَلِمَ لَا يَكُونُ الْمَوْلَى بِالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ أَوْ بِالْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ثَمَّةَ ضَرُورَةً لَمْ تَتَحَقَّقْ هَاهُنَا، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مُجِيزًا وَفَاسِخًا هُنَاكَ لَكَانَ تَصَرُّفُهُ وَاقِعًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَذُّرِ الْفَسْخِ فِي الْأُولَى وَتَقْدِيرِ الْإِجَازَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِهَذَا التَّصَرُّفِ لَمْ يَتَبَيَّنْ بِالدَّفْعِ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَافْتَرَقَا، وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ) بِأَنْ كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ الْجَانِي عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّ مُوجَبَهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ فَكَانَتْ الْكِتَابَةُ نَظِيرَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَعْدَ
стр. 4965
الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمَوْلَى بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِ الْمَوْلَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ فَنَقَصَهُ فَهُوَ مُخْتَارٌ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ حَبَسَ جُزْءًا مِنْهُ وَكَذَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَوَطِئَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ لِأَنَّهُ عَيْبٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ، وَبِخِلَافِ وَطْءِ الثَّيِّبِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ غَيْرِ إعْلَاقٍ، وَبِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا بِالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فِي الْأَظْهَرِ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَكَذَا بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ رَكِبَهُ دَيْنٌ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُفَوِّتُ الدَّفْعَ وَلَا يُنْقِصُ الرَّقَبَةَ، إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فَلَزِمَ الْمَوْلَى قِيمَتُهُ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ
الْقَبْضِ.
وَقَوْلُهُ (فِيمَا ذَكَرْنَاهُ) قِيلَ يَعْنِي فِي اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، وَقِيلَ فِي الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَعَدَمِهِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ ضَرَبَهُ فَنَقَصَهُ) يَعْنِي بِأَنْ أَثَّرَ فِيهِ حَتَّى صَارَ مُهَرْوِلًا أَوْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ بِبَقَاءِ أَثَرِ الضَّرْبِ فَهُوَ مُخْتَارٌ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ حَبَسَ جُزْءًا مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا ضَرَبَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْأَرْشِ إلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الدَّمِ أَنْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا صَارَ كَأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَوَطِئَهَا) يَعْنِي يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ مُعَلَّقًا لِمَا قُلْنَا إنَّهُ حَبَسَ جُزْءًا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ) يَعْنِي لَا يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ عَنْ الدَّفْعِ كَمَا لَا يُعْجِزُهُ عَنْ الْبَيْعِ، وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ عَيْبٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ) وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا بِالسَّرِقَةِ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ، فَإِنَّ بِهَذَا الْإِقْرَارِ يَدْخُلُهَا نَوْعُ عَيْبٍ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمًا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ طَعْنِ عِيسَى حَيْثُ قَالَ: التَّزْوِيجُ تَعْيِيبٌ وَبِالتَّعْيِيبِ يَثْبُتُ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ كَمَا لَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدَيْهَا وَعَيَّبَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْيِيبَ حَقِيقَةً يَثْبُتُ بِهِ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ لِأَنَّ فِيهِ حَبْسَ جُزْءٍ مِنْهَا، وَأَمَّا الْحُكْمِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ وَطْءِ الثَّيِّبِ) فَإِنَّ بِهِ لَا يَصِيرُ الْمَوْلَى مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَلِّقًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ غَيْرِ إعْلَاقٍ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ مُطْلَقَ الْوَطْءِ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِأَنَّ الْحِلَّ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ فَكَانَ الْوَطْءُ دَلِيلًا عَلَى إمْسَاكِ الْعَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؟ فَإِنَّ الْوَطْءَ هُنَاكَ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا، وَهَاهُنَا لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَقَعَ الْوَطْءُ حَرَامًا، لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ زَوَائِدَهَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ حَصَلَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ جَعَلْنَاهُ فَسْخًا، وَهَاهُنَا إذَا دَفَعَهَا بِالْجِنَايَةِ يَمْلِكُهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ مِنْ وَقْتِ الدَّفْعِ وَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ زَوَائِدِهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الِاسْتِخْدَامِ) يَعْنِي لَوْ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، حَتَّى لَوْ عَطِبَ فِي الْخِدْمَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَلَا يَصِيرُ مُخْتَارًا بِالْإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ فِي الْأَظْهَرِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْتَقِضُ بِالْأَعْذَارِ فَيَكُونُ قِيَامُ حَقِّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِيهِ عُذْرًا فِي نَقْضِ الْإِجَارَةِ وَالرَّاهِنُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَاسْتِرْدَادِ الرَّهْنِ مَتَى شَاءَ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ عَجْزُهُ عَنْ الدَّفْعِ بِهَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ.
وَقَوْلُهُ (فِي الْأَظْهَرِ) احْتِرَازٌ عَمَّا ذُكِرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ أَنَّهُ يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عَلَيْهِ يَدًا مُسْتَحَقَّةً فَصَارَ كَالْبَيْعِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ) يَعْنِي لَا يَكُونُ بِهِ مُخْتَارًا لِأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ عَنْ الدَّفْعِ وَلَا يُنْقِصُ الرَّقَبَةَ (إلَّا أَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى) وَوُجُوبُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ نُقْصَانٌ لَهُ، لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يَتْبَعُونَ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ إذَا دُفِعَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهِ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ
стр. 4966
لِعَبْدِهِ إنْ قَتَلْت فُلَانًا أَوْ رَمَيْته أَوْ شَجَجْته فَأَنْتَ حُرٌّ) فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ (وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ لِأَنَّ وَقْتَ تَكَلُّمِهِ لَا جِنَايَةَ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِوُجُودِهِ، وَبَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا)؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ أَوْ لَا يُعْتِقَ وُجِدَ الشَّرْطُ وَثَبَتَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ تِلْكَ، كَذَا هَذَا.
وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْإِعْتَاقَ بِالْجِنَايَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ يُنَزَّلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك يَصِيرُ ابْتِدَاءُ الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا إذَا مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَرِضَ حَتَّى طَلُقَتْ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ يَصِيرُ فَارًّا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُطَلِّقًا بَعْدَ وُجُودِ الْمَرَضِ، بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَ لِأَنَّ غَرَضَهُ طَلَاقٌ أَوْ عِتْقٌ يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، إذْ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ حَرَّضَهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ بِتَعْلِيقِ أَقْوَى الدَّوَاعِي إلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، فَهَذَا دَلَالَةُ الِاخْتِيَارِ.
قَالَ (وَإِذَا قَطَعَ الْعَبْدُ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَدُفِعَ إلَيْهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ فَالْعَبْدُ صُلْحٌ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ رُدَّ عَلَى الْمَوْلَى وَقِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ اُقْتُلُوهُ أَوْ اُعْفُوا عَنْهُ) وَوَجْهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَاطِلًا لِأَنَّ الصُّلْحَ كَانَ
لِعَبْدِهِ إنْ قَتَلْت فُلَانًا) وَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الدِّيَةَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ قَتَلْت أَوْ رَمَيْته أَوْ شَجَجْته فَأَنْتَ حُرٌّ فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀، لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَالْعِلْمِ بِهَا، وَعِنْدَ التَّكَلُّمِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِمَوْجُودٍ، وَبَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ مُخْتَارًا، وَاسْتَشْهَدَ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (وَلَنَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ حَرَّضَهُ) دَلِيلٌ آخَرُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَوْلَى حَرَّضَ الْعَبْدَ عَلَى مُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْقَتْلُ أَوْ الرَّمْيُ أَوْ الشَّجُّ (بِتَعْلِيقِ أَقْوَى الدَّوَاعِي إلَيْهِ) أَيْ إلَى الشَّرْطِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِفِعْلِهِ) رَغْبَةً مِنْهُ فِي الْحُرِّيَّةِ (وَهَذَا دَلَالَةُ الِاخْتِيَارِ) وَإِنَّمَا قُلْنَا بِجِنَايَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ عَلَّقَهُ بِغَيْرِهَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ جَنَى ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ عِنْدَ التَّعْلِيقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلَّقَ بِالْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ عَلَّقَ بِهَا أَقْوَى الدَّوَاعِي إلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ وُجُودُهَا فَكَانَ عَالِمًا بِهَا ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الدِّيَةَ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تُوجِبُ الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْعَبْدُ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَلَمْ يُفَوِّتْ الْمَوْلَى عَلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِتَعْلِيقِهِ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ (وَوَجْهُ ذَلِكَ) يُرِيدُ بَيَانَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا أَعْتَقَ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعْتِقْ (أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَسَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ) أَيْ الدَّفْعَ (وَقَعَ بَاطِلًا) وَسَمَّاهُ صُلْحًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ﵏
стр. 4967
عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ أَطْرَافَ الْعَبْدِ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَطْرَافِ الْحُرِّ فَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ الْقَوَدُ فَكَانَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِغَيْرِ بَدَلٍ فَبَطَلَ وَالْبَاطِلُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ، كَمَا إذَا وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي عِدَّتِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا وَأَنْ يُجْعَلَ صُلْحًا عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَرَضِيَ الْمَوْلَى بِهِ يَصِحُّ وَقَدْ رَضِيَ الْمَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَوْنِ الْعَبْدِ عِوَضًا عَنْ الْقَلِيلِ يَكُونُ أَرْضَى بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْ الْكَثِيرِ فَإِذَا أُعْتِقَ يَصِحُّ الصُّلْحُ فِي ضِمْنِ الْإِعْتَاقِ ابْتِدَاءً وَإِذَا لَمْ يُعْتِقْ لَمْ يُوجَدْ الصُّلْحُ ابْتِدَاءً وَالصُّلْحُ الْأَوَّلُ وَقَعَ بَاطِلًا فَيُرَدُّ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْلَى وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيرَتِهِمْ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ.
وَذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: رَجُلٌ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَصَالَحَ الْقَاطِعُ الْمَقْطُوعَةَ يَدَهُ عَلَى عَبْدٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ
أَنَّ الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْفِدَاءُ فَكَانَ الدَّفْعُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ لِسُقُوطِ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ بِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ الْمَالِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ، وَإِذَا سَرَى تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ هُوَ الْقِصَاصُ فَكَانَ الصُّلْحُ وَاقِعًا بِغَيْرِ بَدَلٍ: يَعْنِي الْمُصَالَحَ عَنْهُ، لِأَنَّ الَّذِي كَانَ الصُّلْحُ وَقَعَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَالُ قَدْ زَالَ، وَاَلَّذِي وُجِدَ مِنْ الْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الصُّلْحِ فَبَطَلَ، وَالْبَاطِلُ لَا يُورِثُ شُبْهَةً، كَمَا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ شُبْهَةً لِدَرْءِ الْحَدِّ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَاقِلِ أَنَّهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ، وَلَا صِحَّةَ لِهَذَا الصُّلْحِ إلَّا بِجَعْلِهِ صُلْحًا عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَيُجْعَلُ مُصَالِحًا عَنْ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، وَيُجْعَلُ الْمَوْلَى أَيْضًا كَذَلِكَ دَلَالَةً، لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ يَكُونُ الْعَبْدُ عِوَضًا عَنْ الْقَلِيلِ كَانَ بِكَوْنِهِ عِوَضًا عَنْ الْكَثِيرِ أَرْضَى، وَشَرْطُ صِحَّةُ الِاقْتِضَاءِ وَهُوَ إمْكَانُ الْمُقْتَضِي مَوْجُودٌ، وَلِهَذَا لَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ الْمَوْلَى صَحَّ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ حَصَلَ بَيْنَهُمَا صُلْحٌ جَدِيدٌ ابْتِدَاءً، وَإِذَا لَمْ يُعْتِقْ لَمْ يُوجَدْ الصُّلْحُ ابْتِدَاءً، وَالصُّلْحُ الْأَوَّلُ وَقَعَ بَاطِلًا فَيُرَدُّ الْعَبْدُ إلَى الْمَوْلَى وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيَرَتِهِمْ فِي الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ.
وَقَوْلُهُ (وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀
стр. 4968
فَأَعْتَقَهُ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْعَبْدُ صُلْحٌ بِالْجِنَايَةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ. وَهَذَا الْوَضْعُ يَرِدُ إشْكَالًا فِيمَا إذَا عَفَا عَنْ الْيَدِ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هُنَالِكَ، وَهَاهُنَا قَالَ يَجِبُ. قِيلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا جَوَابُ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ الْوَضْعَانِ جَمِيعًا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ. وَقِيلَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ صَحَّ ظَاهِرًا لِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ لَهُ فِي الْيَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَيَصِحُّ الْعَفْوُ ظَاهِرًا، فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَطَلَ حُكْمًا يَبْقَى مَوْجُودًا حَقِيقَةً فَكَفَى ذَلِكَ لِمَنْعِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ.
أَمَّا هَاهُنَا الصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الْجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ يُبْطِلْ الْجِنَايَةَ لَمْ تَمْتَنِعْ الْعُقُوبَةُ، هَذَا إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ، أَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ فَالتَّخْرِيجُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ جِنَايَةً وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ: قِيمَةٌ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقِيمَةٌ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ بِكُلِّ الْقِيمَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ: الدَّفْعُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالْبَيْعُ لِلْغُرَمَاءِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ إيفَاءً مِنْ الرَّقَبَةِ الْوَاحِدَةِ بِأَنْ
وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ: أَيْ كِتَابِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْوَضْعِ، وَسَاقَ الْكَلَامَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَبَعْضُ الشَّارِحِينَ عَبَّرَ عَنْ النُّسْخَةِ الْأُولَى بِالنُّسْخَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَعَنْ الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَوْلُهُ (إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ رُدَّ إلَى مَوْلَاهُ وَيُجْعَلُ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى خِيَرَتِهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْعَفْوِ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا الْوَضْعُ يَرِدُ إشْكَالًا) قِيلَ أَيْ الْوَضْعُ الثَّانِي وَهُوَ النُّسْخَةُ الْغَيْرُ الْمَعْرُوفَةُ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا الْوَضْعَ بِوُرُودِ الْإِشْكَالِ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعَبْدَ فِي هَذَا الْوَضْعِ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَالصُّلْحُ مُتَضَمِّنٌ لِلْعَفْوِ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْحَطِيطَةِ فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَ الْعَفْوِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَضْعُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الدَّفْعَ ثَمَّةَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ بَلْ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَطُّ شَيْءٍ فَلَا يَرِدُ إشْكَالًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ، وَقِيلَ هَذَا الْوَضْعُ: أَيْ وَضْعُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي النُّسْخَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَغَيْرِهَا يَرِدُ إشْكَالًا فِيمَا إذَا عَفَا عَنْ الْيَدِ وَسَرَى إلَى النَّفْسِ وَمَاتَ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هُنَاكَ، وَهَاهُنَا قَالَ يَجِبُ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ ﵏ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا ذَكَرَ هَاهُنَا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ جَوَابُ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ الْوَضْعَانِ جَمِيعًا عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ: يَعْنِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى النُّسْخَتَيْنِ جَوَابُ الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ وُجُوبُ الدِّيَةِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَفِي الْقِيَاسِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فَكَانَ الْوَضْعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتِلْكَ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، فَانْدَفَعَ التَّدَافُعُ وَحَصَلَ التَّوَافُقُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْيَدِ صَحَّ ظَاهِرًا، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ كَانَ فِي الْيَدِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ (فَيَصِحُّ الْعَفْوُ ظَاهِرًا) وَتَبْطُلُ بِهِ الْجِنَايَةُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهَا يُبْطِلُهَا (فَبَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ بَطَلَ الْعَفْوُ بِالسِّرَايَةِ حُكْمًا يَبْقَى مَوْجُودًا حَقِيقَةً) وَذَلِكَ كَافٍ لِمَنْعِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ (أَمَّا هَاهُنَا فَالصُّلْحُ لَا يُبْطِلُ الْجِنَايَةَ بَلْ يُقَرِّرُهَا حَيْثُ صَالَحَ عَنْهَا عَلَى مَالٍ، فَإِذَا لَمْ تَمْتَنِعْ الْجِنَايَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ الْعُقُوبَةُ، هَذَا إذَا لَمْ يُعْتِقْهُ، أَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ فَالتَّخْرِيجُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وَقِيمَةٌ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الْأَرْشِ.
وَقَوْلُهُ (أَتْلَفَ حَقَّيْنِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونًا بِكُلِّ الْقِيمَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَوْنُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا مُتَنَافِيَيْنِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ لِيَكُونَ الْإِتْلَافُ وَارِدًا عَلَيْهِمَا. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ أَيْضًا مِنْ الرَّقَبَةِ الْوَاحِدَةِ بِأَنْ يُدْفَعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ فَيَكُونُ الْإِتْلَافُ وَارِدًا عَلَيْهِمَا فَيَضْمَنُهُمَا بِهِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى وَعَلَيْهِ
стр. 4969
يُدْفَعَ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثُمَّ يُبَاعَ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضْمَنُهُمَا بِالْإِتْلَافِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَوْلَى وَيَدْفَعُهَا الْمَوْلَى إلَى الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إنَّمَا يَضْمَنُ لِلْمَوْلَى بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَلَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْحَقُّ لِأَنَّهُ دُونَهُ، وَهَاهُنَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِتْلَافِ الْحَقِّ فَلَا تَرْجِيحَ فَيَظْهَرَانِ فَيَضْمَنُهُمَا.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَدَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ثُمَّ وَلَدَتْ فَإِنَّهُ يُبَاعُ الْوَلَدُ مَعَهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ جَنَتْ جِنَايَةً لَمْ يُدْفَعْ الْوَلَدُ مَعَهَا) وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ فِيهَا وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا اسْتِيفَاءً فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَوَلَدِ الْمَرْهُونَةِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّفْعِ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى لَا فِي ذِمَّتِهَا، وَإِنَّمَا يُلَاقِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الدَّفْعُ وَالسِّرَايَةُ فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ.
دَيْنٌ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ فَإِنْ دَفَعَ بِيعَ فِي دَيْنِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِأَصْحَابِ الْوَلَاءِ، وَإِنَّمَا بَدَأْنَا بِالدَّفْعِ لِأَنَّ بِهِ تَوْفِيرَ الْحَقَّيْنِ فَإِنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ يَصِيرُ مُوَفًّى بِالدَّفْعِ ثُمَّ يُبَاعُ بَعْدَهُ لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ، وَمَتَى بَدَأْنَا بِدَفْعِهِ فِي الدَّيْنِ تَعَذَّرَ الدَّفْعُ بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لِلْمُشْتَرِي الْمِلْكُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي يَدِهِ جِنَايَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ الدَّفْعِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالدَّيْنِ بَعْدَهُ وَاجِبًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا إثْبَاتُ حَقِّ الِاسْتِخْلَاصِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ بِالدَّيْنِ، فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي الْأَعْيَانِ أَغْرَاضًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَبْطُلْ الدَّيْنُ بِحُدُوثِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّ مُوجَبَهَا صَيْرُورَتُهُ حُرًّا، فَإِذَا كَانَ مَشْغُولًا وَجَبَ دَفْعُهُ مَشْغُولًا، ثُمَّ إذَا بِيعَ وَفَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ صُرِفَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ بِيعَ عَلَى مِلْكِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِالدَّيْنِ تَأَخَّرَ إلَى حَالِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا لَوْ بِيعَ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْجِنَايَةِ كَانَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي النَّفْسِ لِأَوْلِيَائِهَا، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ يُوجِبُ الْأَرْشَ دُونَ الْقِيمَةِ وَقَدْ مَرَّ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ) وَاضِحٌ وَقَوْلُهُ (فَلَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَتِهِ الْحَقُّ) يَعْنِي حَقَّ الدَّفْعِ (لِأَنَّهُ دُونَهُ) أَيْ الْحَقُّ دُونَ الْمِلْكِ فَيَكُونُ الْحَقُّ مَعَ الْمِلْكِ مَرْجُوحًا.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَدَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ) فَرْقٌ بَيْنَ وِلَادَةِ الْأَمَةِ بَعْدَ اسْتِدَانَتِهَا وَبَيْنَ وِلَادَتِهَا بَعْدَ جِنَايَتِهَا فِي أَنَّ الْوَلَدَ يُبَاعُ مَعَهَا فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ فِيهَا وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهَا اسْتِيفَاءً حَتَّى صَارَ الْمَوْلَى مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَكَانَتْ مِنْ الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَارَّةِ فِي الْأُمِّ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالرَّهْنِ. وَأَمَّا مُوجَبُ الْجِنَايَةِ فَالدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ وَذَلِكَ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى لَا فِي ذِمَّتِهَا حَتَّى لَا يَصِيرَ الْمَوْلَى مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ اسْتِخْدَامٍ (وَإِنَّمَا يُلَاقِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الدَّفْعُ) فَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ لِكَوْنِهِ وَصْفًا غَيْرَ قَارٍّ حَصَلَ عِنْدَ الدَّفْعِ. وَقَوْلُهُ (وَالسِّرَايَةُ فِي الْأَوْصَافِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْحَقِيقِيَّ فِي مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ فَهُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَتَحَوَّلُ بِتَحَوُّلِهِ، وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَيْنَ الْأَمَةِ فِي ذِمَّتِهَا، فَإِنَّ الْمَوْلَى إنْ أَعْتَقَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا، وَلَوْ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا لَمَا ضَمِنَ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَدْيُونٌ إنْسَانًا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ دَيْنَهُ. وَالثَّانِي أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا سَرَى أَثَرُ الدَّفْعِ إلَى أَرْشٍ اسْتَحَقَّتْهُ بِجِنَايَةٍ جَنَى بِهَا عَلَيْهَا جَانٍ وَدَفَعَهُ إلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِمَا أَنَّ وَلَدَهَا جُزْؤُهَا وَأَرْشُهَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمَّا لَمْ يَسْرِ إلَى جُزْئِهَا لِكَوْنِهِ أَثَرَ فِعْلٍ حَقِيقِيٍّ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْرِيَ إلَى مَا لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهَا.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ عَلَى الْمَوْلَى لِتَفْوِيتِهِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بَيْعًا وَاسْتِيفَاءً مِنْ ثَمَنِهِ لَا بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ إيفَاءُ الدُّيُونِ لَا ضَمَانُ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ الْقَاتِلُ دَيْنَ مَنْ قَتَلَهُ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْمُتْلَفِ
стр. 4970
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ زَعَمَ رَجُلٌ آخَرُ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَتَلَ الْعَبْدُ وَلِيًّا لِذَلِكَ الرَّجُلِ الزَّاعِمِ خَطَأً فَلَا شَيْءَ لَهُ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ فَقَدْ ادَّعَى الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَأَبْرَأَ الْعَبْدَ وَالْمَوْلَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
قَالَ (وَإِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ فَقَالَ لِرَجُلٍ قَتَلْتُ أَخَاك خَطَأً وَأَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلْته وَأَنْتَ حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ لَمَّا أَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُرِفَ رِقُّهُ، وَالْوُجُوبُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى دَفْعًا أَوْ فِدَاءً، وَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ طَلَّقْت امْرَأَتِي وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ بِعْت دَارِي وَأَنَا صَبِيٌّ، أَوْ قَالَ طَلَّقْت امْرَأَتِي وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ بِعْت دَارِي وَأَنَا مَجْنُونٌ وَقَدْ كَانَ جُنُونُهُ مَعْرُوفًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ (وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا قَطَعْتُ يَدَك وَأَنْتِ أَمَتِي وَقَالَتْ قَطَعْتَهَا وَأَنَا حُرَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْهَا إلَّا الْجِمَاعَ وَالْغَلَّةَ اسْتِحْسَانًا،
وَهُوَ الدَّيْنُ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعَيْنِ ضَمَانًا، وَضَمَانُ الْعُدْوَانِ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَنَافِعِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، لَا يُقَالُ: هَذَا الْمَانِعُ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَهَلَّا اُعْتُبِرَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ هُنَاكَ لَاقَى مَحَلًّا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ، بِخِلَافِ صُورَةِ النَّقْضِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ. قُلْت: مُخَلِّصُهُ مَعْلُومٌ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْأَرْشَ بَدَلُ جُزْءٍ مُتَّصِلٍ فَاتَ بِالْجِنَايَةِ وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَدْ اسْتَحَقَّهَا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا فَمَا فَاتَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِعِوَضٍ قَامَ الْعِوَضُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ قُتِلَتْ وَأَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتَهَا كَانَ عَلَيْهِ دَفْعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ بِجُزْءٍ وَلَا بَدَلًا عَنْ جُزْءٍ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ) صُورَتُهُ الْمَذْكُورَةُ ظَاهِرَةٌ، وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْإِقْرَارَ بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ بَعْدَهَا، وَلَا تَفَاوُتَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (وَإِبْرَاءُ الْعَبْدِ) يَعْنِي مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ لَا مِنْ قِسْطِهِ فِيهَا، وَإِبْرَاءُ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ إعْتَاقًا حَتَّى يَصِيرَ بِهِ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ مُسْتَهْلِكًا حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى أَخْذِ الْعَبْدِ بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ وَلَا عَلَى الْمَوْلَى بِشَيْءٍ وَلَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا بِحُجَّةٍ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ) يَعْنِي إذَا أُعْتِقَ عَبْدٌ مَعْرُوفٌ بِالرِّقِّ (فَقَالَ لِرَجُلٍ قَتَلْت أَخَاك خَطَأً وَأَنَا عَبْدٌ وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ قَتَلْته وَأَنْتَ حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، إذْ الْكَلَامُ فِي عَبْدٍ مَعْرُوفِ الرِّقِّ وَالْوُجُوبُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَوْلَى دَفْعًا أَوْ فِدَاءً، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ ادَّعَى تَارِيخًا سَابِقًا فِي إقْرَارِهِ وَالْمَقَرُّ لَهُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ التَّارِيخِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّارِيخِ لِلتَّرْجِيحِ بَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْإِقْرَارِ، وَهَاهُنَا هُوَ مُنْكِرٌ لِأَصْلِهِ فَصَارَ كَمَنْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَوْ خُلِقَ. وَقَوْلُهُ (كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ) يَعْنِي مَعَ يَمِينِهِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلضَّمَانِ
قَالَ (وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا مَبْنَاهَا عَلَى إسْنَادِ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ (إلَّا الْجِمَاعَ وَالْغَلَّةَ) أَنْ يَقُولَ لَهَا جَامَعْتُك وَأَنْتِ أَمَتِي أَوْ أَخَذْت مِنْك غَلَّةَ عَمَلِك وَأَنْتِ أَمَتِي وَقَالَتْ بَلْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ الَّذِي هُوَ الْمَوْلَى اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ إلَّا شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ عَلَيْهَا: يَعْنِي لَوْ كَانَ أَقَرَّ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وَالْمَأْخُوذُ قَائِمٌ فِي يَدِهِ وَاخْتَلَفَا فِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّ الرَّدَّ فِيهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، بَنَاهَا مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.
وَأَجَابَ عَنْ تَخَلُّفِ
стр. 4971
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَضْمَنُ إلَّا شَيْئًا قَائِمًا بِعَيْنِهِ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وُجُوبَ الضَّمَانِ لِإِسْنَادِهِ الْفِعْلَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَكَمَا فِي الْوَطْءِ وَالْغَلَّةِ. وَفِي الشَّيْءِ الْقَائِمِ أَقَرَّ بِيَدِهَا حَيْثُ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهَا، وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ فَقَأْت عَيْنَكَ الْيُمْنَى وَعَيْنِي الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ ثُمَّ فُقِئَتْ وَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ: لَا بَلْ فَقَأْتَهَا وَعَيْنُك الْيُمْنَى مَفْقُوءَةٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ يَدَهَا لَوْ قَطَعَهَا وَهِيَ مَدْيُونَةٌ، وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ وَالْغَلَّةِ لِأَنَّ وَطْءَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ الْمَدْيُونَةَ لَا يُوجِبُ الْعُقْرَ، وَكَذَا أَخْذُهُ مِنْ
الشَّيْءِ الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِيَدِهِ: أَيْ بِيَدِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (حَيْثُ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ عَلَيْهَا. وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ) وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا أُسْنِدَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ يَدَهَا لَوْ قَطَعَهَا وَهِيَ مَدْيُونَةٌ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ وَالْغَلَّةِ لِأَنَّ وَطْءَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ الْمَدْيُونَةَ لَا يُوجِبُ الْعُقْرَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ مِنْ غَلَّتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَدْيُونَةً لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فَحَصَلَ فِيهِمَا الْإِسْنَادُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا (لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ فَقَأْت عَيْنَك الْيُمْنَى وَعَيْنِي الْيُمْنَى صَحِيحَةٌ ثُمَّ فُقِئَتْ) يُرِيدُ بِذَلِكَ بَرَاءَتَهُ عَنْ ضَمَانِ الْعَيْنِ قِصَاصًا وَأَرْشًا (وَقَالَ الْمَقَرُّ لَهُ بَلْ فَقَأْتهَا وَعَيْنُك الْيُمْنَى مَفْقُوءَةٌ) يُرِيدُ بِهِ وُجُوبَ نِصْفِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْعُضْوِ الْمُتْلَفِ إنْ كَانَ صَحِيحًا حَالَ الْإِتْلَافِ ثُمَّ تَلِفَ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا ﵏ أَنَّ مُوجَبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ، وَلَهُ الْعُدُولُ إلَى الْمَالِ فَقَبْلَ الْعُدُولِ إذَا فَاتَ الْمَحَلُّ بَطَلَ الْحَقُّ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ. كَمَا إذَا قَطَعَ يَمِينَ شَخْصٍ ثُمَّ شُلَّتْ يَمِينُهُ. وَفَقْءُ الْعَيْنِ بِالتَّعْوِيرِ لَا قِصَاصَ فِيهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَقْءٌ ذَهَبَ بِهِ نُورُهَا وَلَمْ تَنْخَسِفْ وَالْقِصَاصُ فِيهِ جَارٍ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا يَضْمَنُ مَالَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَخَذَهُ وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ) لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ: لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ بَيَانًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى صُورَتُهَا: مُسْلِمٌ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخَذَ مَالَ حَرْبِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ خَرَجَا إلَيْنَا فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذْت مِنْك مَالًا وَأَنْتَ حَرْبِيٌّ فَقَالَ بَلْ أَخَذْت مِنِّي وَأَنَا مُسْلِمٌ فَإِنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ، كَذَا قِيلَ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَوَجْهُ
стр. 4972
غَلَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَدْيُونَةً لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فَحَصَلَ الْإِسْنَادُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ.
قَالَ (وَإِذَا أَمَرَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ صَبِيًّا حُرًّا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ حَقِيقَةً، وَعَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ) وَكَذَا إذَا كَانَ الْآمِرُ صَبِيًّا لِأَنَّهُمَا لَا يُؤَاخَذَانِ بِأَقْوَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ وَمَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُمَا، وَلَا رُجُوعَ لِعَاقِلَةِ الصَّبِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ الْآمِرِ أَبَدًا، وَيَرْجِعُونَ عَلَى الْعَبْدِ الْآمِرِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ لَا لِنُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ قَاصِرُ الْأَهْلِيَّةِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَ عَبْدًا) مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ عَبْدًا وَالْمَأْمُورُ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا (يُخَاطَبُ مَوْلَى الْقَاتِلِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ) وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْحَالِ، وَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِأَقَلَّ مِنْ الْفِدَاءِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، وَكَذَا إذَا كَانَ عَمْدًا وَالْعَبْدُ الْقَاتِلُ صَغِيرًا لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ، أَمَّا إذَا كَانَ كَبِيرًا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِجَرَيَانِهِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
قَالَ (وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلَيْنِ عَمْدًا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَدْفَعُ نِصْفَهُ إلَى الْآخَرَيْنِ أَوْ يَفْدِيهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمَ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَفَا أَحَدُ وَلِيِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَانْقَلَبَ مَالًا فَصَارَ كَمَا لَوْ وَجَبَ الْمَالُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الرَّقَبَةِ أَوْ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا وَقَدْ سَقَطَ نَصِيبُ الْعَافِيَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ وَبَقِيَ النِّصْفُ (فَإِنْ كَانَ قَتَلَ أَحَدَهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرَ خَطَأً فَعَفَا أَحَدُ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ فَإِنْ فَدَاهُ الْمَوْلَى فَدَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا خَمْسَةُ آلَافٍ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ مِنْ وَلِيِّي الْعَمْدِ وَعَشَرَةُ آلَافٍ لِوَلِيَّيْ الْخَطَأِ) لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَلَبَ الْعَمْدُ مَالًا كَانَ حَقُّ وَلِيَّيْ الْخَطَإِ فِي كُلِّ الدِّيَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَحَقُّ أَحَدِ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ فِي نِصْفِهَا خَمْسَةَ آلَافٍ، وَلَا تَضَايُقَ فِي الْفِدَاءِ فَيَجِبُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا (وَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ، وَثُلُثُهُ لِغَيْرِ الْعَافِي مِنْ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَدْفَعُهُ أَرْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ، وَرُبْعُهُ لِوَلِيِّ الْعَمْدِ) فَالْقِسْمَةُ عِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ،
قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ إنَّهُ أَسْنَدَ إقْرَارَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ قَدْ يُضْمَنُ إذَا أَخَذَهُ دَيْنًا فَكَانَ قَدْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُسْمَعُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوْلَى وَهُوَ مَا إذَا أَخَذَ الْغَلَّةَ أَوْ وَطِئَهَا، وَفِي وَجْهٍ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَارِيَةِ وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّ الْمَوْلَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا مَالًا وَهُوَ قَائِمٌ فِي يَدِهِ، وَفِي وَجْهٍ اخْتَلَفُوا وَهُوَ مَا إذَا اسْتَهْلَكَ مَالَهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِسْنَادَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ يُوجِبُ سُقُوطَ الْمَقَرِّ بِهِ، وَالْآخَرُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ مُخْرَجٌ عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي مُخْرَجٌ عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ خَرَّجَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُمَا عَلَى الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا أَمَرَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ) عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ قُبَيْلَ فَصْلِ الْجَنِينِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ) أَيْ لَا ضَرُورَةَ فِي إعْطَاءِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ عَنْ عُهْدَةِ الضَّمَانِ بِإِعْطَاءِ الْأَقَلِّ مِنْ الْفِدَاءِ أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ بِأَمْرِهِ مَا هُوَ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا.
قَالَ (وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلَيْنِ عَمْدًا) كَلَامُهُ وَاضِحٌ، إلَى قَوْلِهِ: وَإِنْ دَفَعَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَثْلَاثًا: ثُلُثَاهُ لِوَلِيَّيْ الْخَطَأِ، وَثُلُثُهُ لِغَيْرِ الْعَافِي مِنْ وَلِيَّيْ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَأَصْلُ هَذَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَيْنِ إذَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ كَالْغَرِيمَيْنِ فِي التَّرِكَةِ
стр. 4973
فَيُسَلِّمُ النِّصْفَ لِوَلِيَّيْ الْخَطَإِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فَيَتَنَصَّفُ، فَلِهَذَا يُقَسَّمُ أَرْبَاعًا. وَعِنْدَهُ يُقَسَّمُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ أَثْلَاثًا، لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ أَصْلُهُ التَّرِكَةُ الْمُسْتَغْرَقَةُ بِالدُّيُونِ فَيَضْرِبُ هَذَا بِالْكُلِّ وَذَلِكَ بِالنِّصْفِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ وَأَضْدَادٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ) (عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَتَلَ مَوْلًى لَهُمَا) أَيْ قَرِيبًا لَهُمَا (فَعَفَا أَحَدُهُمَا) (بَطَلَ الْجَمِيعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْفَعُ الَّذِي عَفَا نِصْفَ نَصِيبِهِ إلَى الْآخَرِ أَوْ يَفْدِيهِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ) وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَتَلَ وَلِيًّا لَهُمَا، وَالْمُرَادُ الْقَرِيبُ أَيْضًا، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ: عَبْدٌ قَتَلَ مَوْلَاهُ وَلَهُ ابْنَانِ فَعَفَا أَحَدُ الِابْنَيْنِ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ.
وَنَحْوِهَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ لِعَدَمِ التَّضَايُقِ فِي الذِّمَّةِ، فَيَثْبُتُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَيُضْرَبُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ. وَأَمَّا إذَا وَجَبَتْ قِسْمَةُ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً لَا بِسَبَبِ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَهِيَ أَنَّ فُضُولِيًّا لَوْ بَاعَ عَبْدَ إنْسَانٍ كُلَّهُ وَفُضُولِيًّا آخَرُ بَاعَ نِصْفَهُ وَأَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَيْنِ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَرْبَاعًا فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِي الْعَيْنِ ابْتِدَاءً لَا يَثْبُتُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ، لِأَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ تَضِيقُ عَنْ الْحَقَّيْنِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ الْمَدْفُوعِ لِوَلِيِّ الْخَطَأِ وَرُبْعُهُ لِلسَّاكِتِ مِنْ وَلِيِّ الْعَمْدِ، لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْعَمْدِ كَانَ فِي جَمِيعِ الرَّقَبَةِ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ وَفَرَغَ النِّصْفُ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ وَلِيِّ الْخَطَأِ بِهَذَا النِّصْفِ بِلَا مُنَازَعَةٍ، بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَةُ وَلِيِّ الْخَطَأِ وَالسَّاكِتِ مِنْ وَلِيِّ الْعَمْدِ فِي هَذَا النِّصْفِ، فَصَارَ هَذَا النِّصْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ أَرْبَاعًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْفُضُولِيَّيْنِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ أَصْلَ حَقِّهِمَا لَيْسَ فِي عَيْنِ الْعَبْدِ بَلْ فِي الْأَرْشِ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْمُتْلَفِ، وَالْقِسْمَةُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ تَكُونُ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْخَطَأِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ وَحَقَّ شَرِيكِ الْعَافِي فِي خَمْسَةٍ فَيُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحِصَّتِهِ، كَرَجُلٍ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَلْفَانِ لِرَجُلٍ وَأَلْفٌ لِآخَرَ مَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَانَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَ صَاحِبَيْ الدَّيْنِ أَثْلَاثًا بِطَرِيقِ الْعَوْلِ وَالْمُضَارَبَةُ ثُلُثَاهَا لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ وَثُلُثُهَا لِصَاحِبِ الْأَلْفِ كَذَلِكَ هَذَا بِخِلَافِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْعَيْنِ ابْتِدَاءً.
. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَتَلَ مَوْلًى لَهُمَا) فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ: أَيْ قَرِيبًا لَهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أَيْ الْأَقَارِبَ
стр. 4974
وَلَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ ثَبَتَ فِي الْعَبْدِ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ لَهُ فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ وَهُوَ النِّصْفُ مَالًا، غَيْرَ أَنَّهُ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ نِصْفُهُ فِي نَصِيبِهِ وَالنِّصْفُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَمَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ سَقَطَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ مَالًا، وَمَا كَانَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَقِيَ وَنِصْفُ النِّصْفِ هُوَ الرُّبْعُ فَلِهَذَا يُقَالُ: ادْفَعْ نِصْفَ نَصِيبِك أَوْ افْتَدَاهُ بِرُبْعِ الدِّيَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ يَكُونُ حَقَّ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ بَدَلُ دَمِهِ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ بِهِ وَصَايَاهُ، ثُمَّ الْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَهُ فِيهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَاجَتِهِ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا فَلَا تَخْلُفُهُ الْوَرَثَةُ فِيهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَبْدٌ لَهُمَا أَعْتَقَاهُ فَعَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّ الْآخَرِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: وَقَالَا: يُقَالُ لِلْعَافِي ادْفَعْ نِصْفَ نَصِيبِك إلَى شَرِيكِك أَوْ افْدِهِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ ﵀. قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْلَيَيْنِ فِي نِصْفِ الْقِصَاصِ شَائِعًا، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ لَهُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي حَقِّ الدَّمِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَوْلَى فِي دَمِهِ كَأَجْنَبِيٍّ فَيَسْتَحِقُّ دَمَهُ بِالْقِصَاصِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالْمِلْكِ، فَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا انْقَلَبَ نَصِيبُ الْآخَرِ وَهُوَ النِّصْفُ مَالًا غَيْرَ أَنَّهُ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ فَيَكُونُ نِصْفُهُ فِي نَصِيبِهِ وَنِصْفُهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، فَمَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ سَقَطَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَمَا كَانَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَقِيَ هُوَ نِصْفُ النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبْعُ فَلِذَلِكَ يَدْفَعُ نِصْفَ نَصِيبِهِ وَهُوَ الرُّبْعُ أَوْ يَفْدِيهِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ نَصِيبَ الْعَافِي قَدْ سَقَطَ وَنَصِيبَ الْآخَرِ وَهُوَ النِّصْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ فَيَنْقَلِبُ مَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَبْطُلُ أَصْلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ فِي نَصِيبِ الْعَافِي فَيَنْقَلِبُ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبْعُ مَالًا، فَلَمَّا اُحْتُمِلَ هَذَا وَاحْتُمِلَ ذَاكَ لَا يَنْقَلِبُ مَالًا لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ الْهِدَايَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْمَسْمُوعِ
стр. 4975
(فَصْلٌ).
(وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا تُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً، وَفِي الْأَمَةِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ وَلِهَذَا يَجِبُ لِلْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْعَقْدُ وَبَقَاؤُهُ بِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا وَصَارَ كَقَلِيلِ الْقِيمَةِ وَكَالْغَصْبِ.
(فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْفَاعِلِيَّةِ (وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لَا تُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ قُضِيَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً. وَفِي الْأَمَةِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ قُضِيَ لَهَا بِخَمْسَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةً وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَوَّلًا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ) آخِرًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا وَهَلَكَ فِي يَدِهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ بِالْإِجْمَاعِ.
لَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ) وَبَدَلُ الْمَالِيَّةِ بِالْقِيمَةِ فَالضَّمَانُ بِالْقِيمَةِ، أَمَّا أَنَّهُ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ؛ فَلِأَنَّهُ (يَجِبُ لِلْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ إلَّا مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ، وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْقَى الْعَقْدُ وَبَقَاؤُهُ بِبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ أَصْلًا) إنْ بَقِيَ الْعَيْنُ (أَوْ بَدَلًا) إنْ هَلَكَتْ (وَصَرّ كَقَلِيلِ الْقِيمَةِ وَكَالْغَصْبِ) وَأَمَّا أَنَّهُ بَدَلُ الْمَالِيَّةِ
следующие страницы →