Полный текст (5 149 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
(الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ الْوَرِقِ أَوْ الذَّهَبِ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِيهَا «يُقَوِّمُهَا فَيُؤَدِّي مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ»، وَلِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِنْمَاءِ بِإِعْدَادِ الْعَبْدِ فَأَشْبَهَ الْمُعَدَّ بِإِعْدَادِ الشَّرْعِ، وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ لِيَثْبُتَ الْإِعْدَادُ، قَالَ
الدُّنْيَا: أَيْ مَتَاعُهَا سِوَى النَّقْدَيْنِ. وَقَوْلُهُ (كَائِنَةً مَا كَانَتْ) أَيْ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّوَائِمِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَالثِّيَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ.
وَقَوْلُهُ (وَتُشْتَرَطُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ) أَيْ حَالَةَ الشِّرَاءِ أَمَّا إذَا
стр. 737
(يُقَوِّمُهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ) احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ قَالَ ﵁: وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي الْأَصْلِ خَيَّرَهُ لِأَنَّ الثَّمَنَيْنِ فِي تَقْدِيرِ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ بِهِمَا سَوَاءٌ، وَتَفْسِيرُ الْأَنْفَعِ أَنْ يُقَوِّمَهَا بِمَا تَبْلُغُ نِصَابًا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ
كَانَتْ النِّيَّةُ بَعْدَ الْمِلْكِ فَلَا بُدَّ مِنْ اقْتِرَانِ عَمَلِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةٍ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ لَا تَعْمَلُ كَمَا مَرَّ. وَقَوْلُهُ (يُقَوِّمُهَا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ) أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي التَّقْوِيمِ، فَإِنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا هَذَا هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَمَالِي، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يُقَوِّمُهَا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ يَتِمُّ النِّصَابُ وَبِالْآخَرِ لَا يَتِمُّ يُقَوَّمُ بِمَا يَتِمُّ بِالِاتِّفَاقِ احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَذَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ لِلْأَنْفَعِ فِي الْكِتَابِ.
وَالثَّانِي مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ أَنْ يُقَوِّمَ صَاحِبُ الْمَالِ بِأَيِّ النَّقْدَيْنِ شَاءَ، وَوَجْهُهُ
стр. 738
يُقَوِّمُهَا بِمَا اشْتَرَى إنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ النُّقُودِ قَوَّمَهَا بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقَوِّمُهَا بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ (وَإِذَا كَانَ النِّصَابُ كَامِلًا فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ فَنُقْصَانُهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ) لِأَنَّهُ يَشُقُّ اعْتِبَارُ الْكَمَالِ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي ابْتِدَائِهِ لِلِانْعِقَادِ وَتَحَقُّقِ
أَنَّ التَّقْوِيمَ لِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْمَالِيَّةِ وَالثَّمَنَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَالِيَّةِ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ قِيمَتُهُ مَرَّةً بِهَذَا النَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الشِّرَاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِقِيمَتِهَا لِأَنَّ الْغَبْنَ نَادِرٌ. وَالرَّابِعُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَنْ يُقَوِّمَهَا بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ عَلَى كُلِّ حَالٍّ يَعْنِي سَوَاءً اشْتَرَاهَا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُعْتَبَرٌ بِالتَّقْوِيمِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ، وَمَتَى وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَقْوِيمِ الْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَهْلَكِ يَقُولُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فَكَذَا هَذَا. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ النِّصَابُ كَامِلًا فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ فَنُقْصَانُهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ) قَيَّدَ بِالنُّقْصَانِ احْتِرَازًا عَنْ الْهَلَاكِ، فَإِنَّ هَلَاكَ كُلِّ النِّصَابِ يَقْطَعُ الْحَوْلَ بِالِاتِّفَاقِ، وَذَكَرَ النِّصَابَ مُطْلَقًا لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَالسَّوَائِمِ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَلْزَمُ الزَّكَاةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ
стр. 739
الْغِنَى وَفِي انْتِهَائِهِ لِلْوُجُوبِ، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَالَةُ الْبَقَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ هَلَكَ الْكُلُّ حَيْثُ يَبْطُلُ حُكْمُ الْحَوْلِ، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ لِانْعِدَامِ النِّصَابِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّ بَعْضَ النِّصَابِ بَاقٍ فَيَبْقَى الِانْعِقَادُ
قَالَ (وَتُضَمُّ قِيمَةَ الْعُرُوضِ إلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَتَّى يَتِمَّ النِّصَابُ)
مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ كَامِلًا لِأَنَّ حَوَلَانَ الْحَوْلِ عَلَى الْمَالِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْحَوْلِ بِمَعْنَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَنَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّصَابِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلِانْعِقَادِ وَفِي الِانْتِهَاءِ لِلْوُجُوبِ وَمَا بَيْنَهُمَا بِمَعْزِلٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا فَلَا يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْحَوْلِ بِمَعْنَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنُّقْصَانِ النُّقْصَانُ فِي الذَّاتِ، فَإِنَّ النُّقْصَانَ فِي الْوَصْفِ يَجْعَلُ السَّائِمَةَ عَلُوفَةً يُسْقِطُهَا بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّ فَوَاتَ الْوَصْفِ وَارِدٌ عَلَى كُلِّ النِّصَابِ فَكَانَ كَهَلَاكِ النِّصَابِ كُلِّهِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْوَصْفِ.
وَقَوْلُهُ (وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: حَاصِلُ مَسَائِلِ الضَّمِّ أَنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ بِالْقِيمَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا، وَكَذَلِكَ يُضَمُّ إلَى النَّقْدَيْنِ بِلَا خِلَافٍ، وَالسَّوَائِمُ الْمُخْتَلِفَةُ الْجِنْسِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى
стр. 740
لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ التِّجَارَةِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ جِهَةُ الْإِعْدَادِ (وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ) لِلْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ سَبَبًا، ثُمَّ يُضَمُّ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا بِالْأَجْزَاءِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، حَتَّى إنَّ مَنْ
بَعْضٍ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ التِّجَارَةِ) يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِلْكُ النِّصَابِ النَّامِي وَالنَّمَاءُ إمَّا بِالْإِسَامَةِ أَوْ بِالتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ كُلًّا مِنَّا فِي الْأُولَى فَتَعَيَّنَ الثَّانِيَةُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ افْتَرَقَتْ جِهَةُ الْإِعْدَادِ) يَعْنِي أَنَّ الِافْتِرَاقَ فِي الْجِهَةِ يَكُونُ الْإِعْدَادُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِإِعْدَادِهَا لِلتِّجَارَةِ، وَفِي النَّقْدَيْنِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَكُونُ مَانِعًا عَنْ الضَّمِّ بَعْدَ حُصُولِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ النَّمَاءُ (وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إلَى الْفِضَّةِ) عِنْدَنَا لِلْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، فَإِذَا كَانَ مَا هُوَ أَبْعَدُ فِي الْمُجَانَسَةِ عِلَّةً وَهُوَ الْعُرُوض فَلَأَنْ يَكُونَ فِي الْأَقْرَبِ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ (وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ سَبَبًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَيُوجِبُ الضَّمَّ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُضَمُّ بِالْقِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا بِالْإِجْزَاءِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَتَبْلُغُ قِيمَتُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَشْرَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُلُثٌ وَمِنْ الْآخَرِ ثُلُثَانِ
стр. 741
كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، هُمَا يَقُولَانِ الْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْقَدْرُ دُونَ الْقِيمَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي مَصُوغٍ وَزْنُهُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ فَوْقَهَا، هُوَ يَقُولُ: إنَّ الضَّمَّ لِلْمُجَانَسَةِ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ دُونَ الصُّورَةِ فَيُضَمُّ بِهَا.
بَابٌ فِيمَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ
أَوْ رُبُعٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَإِنَّهُ يُضَمُّ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، وَدَلِيلُهُمَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّمَا أَوْجَبْنَا الضَّمَّ بِالْمُجَانَسَةِ وَهِيَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الصُّورَةِ وَاعْتِبَارُ الْإِجْزَاءِ اعْتِبَارُ الصُّورَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَصُوغِ لَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، إذْ لَيْسَ فِيهَا ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ فِي النُّقُودِ إنَّمَا تَظْهَرُ شَرْعًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
(بَابٌ فِيمَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ)
أَلْحَقَ هَذَا الْبَابَ بِكِتَابِ الزَّكَاةِ اتِّبَاعًا لِلْمَبْسُوطِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ لِمُنَاسَبَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْعُشْرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمَارِّ عَلَى الْعَاشِرِ هُوَ الزَّكَاةُ بِعَيْنِهَا إلَّا أَنَّ هَذَا الْعَاشِرَ كَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ يَأْخُذُ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَلَيْسَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمَا
стр. 742
(إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ فَقَالَ أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ أَوْ عَلَيَّ دَيْنٌ وَحَلَفَ صُدِّقَ) وَالْعَاشِرُ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ التُّجَّارِ، فَمَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ تَمَامَ الْحَوْلِ أَوْ الْفَرَاغِ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ مُنْكِرًا لِلْوُجُوبِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ الْيَمِينِ
بِزَكَاةٍ، وَقَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى هَذَا الْبَابِ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ لِكَوْنِهَا عِبَادَةً مَحْضَةً لَا شَائِبَةَ فِيهَا لِلْغَيْرِ، وَالْعَاشِرُ مُشْتَقٌّ مِنْ عَشَرْت الْقَوْمَ إذَا أَخَذْت عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ تَسْمِيَةٌ لِلشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ أَخْذُهُ الْعُشْرَ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (قَوْلُهُ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ) أَيْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ وَهِيَ السَّوَائِمُ لَا يَحْتَاجُ الْعَاشِرُ فِيهَا إلَى مُرُورِ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَخْذِ لَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ عُشْرَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَمُرَّ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّ الْأَدَاءَ لِصَاحِبِ الْمَالِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْحِمَايَةِ لِبُطُونِهَا، فَإِذَا أَخْرَجَهَا إلَى الْمَفَازَةِ احْتَاجَتْ إلَيْهَا فَصَارَتْ كَالسَّوَائِمِ، فَإِذَا مَرَّ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَقَالَ أَصَبْته مُنْذُ أَشْهُرٍ: يُعْنَى لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْمَالِ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّ الْحَوْلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْجِنْسِ، أَوْ قَالَ عَلَى دَيْنٍ. يَعْنِي دَيْنًا مُسْتَغْرِقًا لَهُ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ صُدِّقَ وَعَرَّفَ الْعَاشِرَ بِقَوْلِهِ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ التُّجَّارِ. وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْكَافِرِ وَلَيْسَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ صَدَقَةً. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي نَصْبِهِ أَخْذُ الصَّدَقَاتِ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَدَاءِ الْعِبَادَةِ، وَمَا عَدَاهَا تَابِعٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَنْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ.
وَقَوْلُهُ (فَمَنْ أَنْكَرَ تَمَّامَ الْحَوْلِ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَصَبْت مُنْذُ أَشْهُرٍ (أَوْ الْفَرَاغُ مِنْ الدَّيْنِ) بِقَوْلِهِ أَوْ عَلَى دَيْنٍ (كَانَ مُنْكِرًا لِلْوُجُوبِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا دُونَ الْحَوْلِ فَكَيْفَ عَبَّرَ عَنْهُ
стр. 743
(وَكَذَا إذَا قَالَ: أَدَّيْتُهَا إلَى عَاشِرٍ آخَرَ)، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِي تِلْكَ السُّنَّةِ عَاشِرٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى وَضْعَ الْأَمَانَةِ مَوْضِعَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَاشِرٌ آخَرُ فِي تِلْكَ السَّنَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ (وَكَذَا إذَا قَالَ: أَدَّيْتُهَا أَنَا) يَعْنِي إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ فِيهِ، وَوِلَايَةُ الْأَخْذِ بِالْمُرُورِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْحِمَايَةِ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي صَدَقَةِ السَّوَائِمِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ، وَفِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: أَدَّيْتُ بِنَفْسِي إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ لَا يُصَدَّقُ وَإِنْ حَلَفَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْحَقَّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ. وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلسُّلْطَانِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ. ثُمَّ قِيلَ الزَّكَاةُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ. وَقِيلَ هُوَ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ يَنْقَلِبُ نَفْلًا
بِقَوْلِهِ فَمَنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْلِ. وَالثَّانِي أَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّصْدِيقِ فِيهِمَا التَّحْلِيفُ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَشْهُرَ تَقَعُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا لِكَوْنِهِ جَمْعَ قِلَّةٍ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً لَكِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعَاشِرِ فِي الْأَخْذِ وَحَقُّ الْفَقِيرِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ فَالْعَاشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَيَسْتَحْلِفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِمَا حَقُّ الْعَبْدِ، وَلَا يَلْزَمُ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ إذَا أَنْكَرَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ فِي الْحُدُودِ مُتَعَذِّرٌ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا قَالَ أَدَّيْت إلَى عَاشِرٍ آخَرَ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (ثُمَّ قِيلَ الزَّكَاةُ هُوَ الْأَوَّلُ) بِنَاءً عَلَى مَا لِأَصْحَابِنَا مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَ يَبْرَأُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ، فَمَنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ قَالَ الزَّكَاةُ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ خَفِيَ عَلَى السَّاعِي مَكَانَ مَالِهِ فَادَّعَى صَاحِبُ الْمَالِ زَكَاتَهُ وَقَعَ زَكَاةً (وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ) مَالِيَّةٌ زَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ الْإِقْدَامِ عَمَّا لَيْسَ إلَيْهِ (وَمَنْ اخْتَارَ الثَّانِيَ قَالَ الزَّكَاةُ هُوَ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ يَنْقَلِبُ نَفْلًا) كَمَنْ صَلَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ فَأَدَّاهَا
стр. 744
وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ فِيمَا يُصَدَّقُ فِي السَّوَائِمِ وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ لَمْ يَشْتَرِطْ إخْرَاجَ الْبَرَاءَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَشَرَطَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى، وَلِصِدْقِ دَعْوَاهُ عَلَامَةٌ فَيَجِبُ إبْرَازُهَا. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَلَا يُعْتَبَرُ عَلَامَةً.
قَالَ (وَمَا صُدِّقَ فِيهِ الْمُسْلِمُ صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّيُّ)؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ فَتُرَاعَى تِلْكَ الشَّرَائِطُ تَحْقِيقًا لِلتَّضْعِيفِ
وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَوَجْهُ الصِّحَّةِ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ وِلَايَةُ الْأَخْذِ لِلسُّلْطَانِ شَرْعًا فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَانَ أَدَاءُ رَبِّ الْمَالِ فَرْضًا لَغْوًا كَمَا لَوْ أَدَّى الْجِزْيَةَ إلَى الْمُقَاتِلَةِ بِنَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ (لَمْ يُشْتَرَطْ إخْرَاجُ الْبَرَاءَةِ) أَيْ الْعَلَامَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِخَطِّ الْإِبْرَاءِ مِنْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ. وَالْعَيْبِ بَرَاءَةً وَالْجَمْعُ بَرَاءَاتٌ وَالْبَرَاوَاتُ عَامِّيٌّ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.
وَقَوْلُهُ (فَيَجِبُ إبْرَازُهَا) أَيْ إظْهَارُ الْعَلَامَةِ كَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ شَجَّةً أَوْ قَطْعًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْرَازُ عَلَامَتِهِمَا (وَجْهُ الْأَوَّلِ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ (أَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ) فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ حُكْمًا (فَلَمْ يُعْتَبَرْ عَلَامَةً) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الْعَلَامَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهَا الْيَمِينُ.
قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: إنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُصَدَّقْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصُدِّقَ عِنْدَهُمَا قِيلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ فِيمَا يَصَّدَّقُ فِي السَّوَائِمِ وَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي السَّوَائِمِ يَصَّدَّقُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ وَفِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ فِي أَرْبَعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ إخْرَاجُ الْبَرَاءَةِ فِي الْجَمِيعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ أَصَبْته مُنْذُ أَشْهُرٍ أَوْ أَدَّيْتهَا إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَدَّيْته إلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ عَاشِرٌ آخَرُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَامَّ وَأَرَادَ الْخَاصَّ: أَيْ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ (فَيُرَاعَى تِلْكَ الشَّرَائِطُ تَحْقِيقًا لِلتَّضْعِيفِ) يَعْنِي أَنَّ تَضْعِيفَ الشَّيْءِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ
стр. 745
(وَلَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ إلَّا فِي الْجَوَارِي يَقُولُ: هُنَّ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، أَوْ غِلْمَانٍ مَعَهُ يَقُولُ: هُمْ أَوْلَادِي)؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْحِمَايَةِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ يَحْتَاجُ إلَى الْحِمَايَةِ غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِنَسَبِ مَنْ فِي يَدِهِ مِنْهُ صَحِيحٌ، فَكَذَا بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا تَبْتَنِي عَلَيْهِ فَانْعَدَمَتْ صِفَةُ الْمَالِيَّةِ فِيهِنَّ، وَالْأَخْذُ لَا يَجِبُ إلَّا مِنْ الْمَالِ.
قَالَ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبْعُ الْعُشْرِ
الشَّيْءُ الْمُضَعَّفُ عَلَى أَوْصَافِ الْمُضَعَّفِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَكَانَ تَبْدِيلًا لَا تَضْعِيفًا وَقَوْلُهُ (وَلَا يُصَدَّقُ الْحَرْبِيُّ) يَعْنِي فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا (إلَّا فِي الْجَوَارِي يَقُولُ هُنَّ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي أَوْ غِلْمَانٍ مَعَهُ يَقُولُ هُمْ أَوْلَادِي لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْحِمَايَةِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ يَحْتَاجُ إلَيْهَا) وَإِنَّمَا لَمْ يُصَدَّقْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفُصُولِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي تَصْدِيقِهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَمْ يَتِمَّ الْحَوْلُ عَلَى مَالِي فَفِي الْأَخْذِ مِنْهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَوْلِ لِتَمَامِ الْحِمَايَةِ لِتَحْصِيلِ النَّمَاءِ وَالْحِمَايَةِ لِلْحَرْبِيِّ تَتِمُّ بِنَفْسِ الْأَمَانِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمَانُ صَارَ مَسْبِيًّا مَعَ أَمْوَالِهِ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي دَارِنَا وَإِنْ قَالَ الْمَالُ بِضَاعَةٌ فَلَا حُرْمَةَ لِصَاحِبِهَا وَلَا أَمَانَ، وَإِنْ قَالَ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ لِلنَّقْلِ إلَى غَيْرِ دَارِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا، وَإِنْ قَالَ أَدَّيْتهَا إلَى عَاشِرٍ آخَرَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ أُجْرَةُ الْحِمَايَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ بِنَفْسِ الْأَمَانِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَلَوْ قَالَ أَدَّيْتهَا أَنَا كَذَّبَهُ اعْتِقَادُهُ غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِنَسَبِ مَنْ فِي يَدِهِ مِنْهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْبِيًّا لَا يُنَافِي الِاسْتِيلَادَ وَالنَّسَبُ كَمَا يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا وَالْأَخْذُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْمَالِ الْمَمْرُورِ بِهِ.
قَالَ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبُعُ الْعُشْرِ) رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَصَّبَ الْعُشَارَ فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا مِنْ الْمُسْلِمِ رُبُعَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرَ، وَكَانَ هَذَا بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا. وَالْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ فِيهِ مَا قِيلَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ رُبُعُ الْعُشْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ «هَاتُوا رُبُعَ عُشُورِ أَمْوَالِكُمْ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ وِلَايَةُ الْأَخْذِ لِلْعَاشِرِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحِمَايَةِ، وَحَاجَةُ الذِّمِّيِّ إلَى الْحِمَايَةِ أَكْثَرُ لِأَنَّ طَمَعَ اللُّصُوصِ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْفَرُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ كَمَا فِي صَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ، ثُمَّ الْحَرْبِيُّ مِنْ الذِّمِّيِّ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ مِنْ الْمُسْلِمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْحَرْبِ
стр. 746
وَمِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفُ الْعُشْرِ وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرُ) هَكَذَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ سُعَاتَهُ (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنْ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ زَكَاةٌ أَوْ ضِعْفُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّصَابِ وَهَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لَا نَأْخُذُ مِنْ الْقَلِيلِ وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَمْ يَزَلْ عَفْوًا وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِمَايَةِ. قَالَ (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَا يُعْلَمُ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا نَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ) لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَالْعُشْرُ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا رُبْعَ
عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَلَهُمْ مَقْبُولَةٌ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِم عَلَى الذِّمِّيِّ، ثُمَّ الذِّمِّيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ، فَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ تَضْعِيفًا لَا تَبْدِيلًا.
(وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنْ مِثْلِهَا) لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ إلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ ﵁ لَمَّا سُئِلَ حِينَ نَصَّبَ الْعَاشِرَ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ نَأْخُذُ مِمَّا مَرَّ بِهِ الْحَرْبِيُّ؟ فَقَالَ: كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا؟ فَقَالُوا: الْعُشْرَ، فَقَالَ: خُذُوا مِنْهُمْ الْعُشْرَ. وَلَسْنَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ أَنَّ أَخْذَنَا لِمُقَابَلَةِ أَخْذِهِمْ أَمْوَالَنَا، فَإِنَّ أَخْذَهُمْ أَمْوَالَنَا ظُلْمٌ وَأَخْذَنَا أَمْوَالَهُمْ حَقٌّ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّا إذَا عَامَلْنَاهُمْ بِمِثْلِ مَا يُعَامِلُونَنَا كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى مَقْصُودِ الْأَمَانِ وَاتِّصَالِ التِّجَارَاتِ. لَا يُقَالُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنَافٍ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْحِمَايَةِ، وَقَالَ هَاهُنَا: لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَخْذُ مَعْلُولًا لِأَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مَعْلُولًا لِغَيْرِهِ لِئَلَّا يَتَوَارَدَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَخْذُ مِنْهُمْ مَعْلُومٌ لِلْحِمَايَةِ. وَأَمَّا الْمِقْدَارُ الْمُعَيَّنُ وَهُوَ الْعُشْرُ فَمَعْلُولٌ لِلْمُجَازَاةِ إلَخْ، وَلَا تَنَافِيَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَالْعُشْرُ) تَقُولُ عَيِيت بِأَمْرِي إذَا لَمْ تَهْتَدِ لِوُجْهَتِهِ، وَأَعْيَانِي هُوَ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعِيِّ وَهُوَ الْجَهْلُ، فَإِنْ أَعْيَاكُمْ: أَيْ جَهْلُكُمْ: يُعْنَى إذَا اشْتَبَهَ الْحَالُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَاشِرُ مَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا
стр. 747
الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ نَأْخُذُ بِقَدَرِهِ، وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْكُلَّ لَا نَأْخُذُ الْكُلَّ)؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ (وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ أَصْلًا لَا نَأْخُذُ) لِيَتْرُكُوا الْأَخْذَ مِنْ تُجَّارِنَا وَلِأَنَّا أَحَقُّ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
قَالَ (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ عَلَى عَاشِرٍ فَعَشَرَهُ ثُمَّ مَرَّ مَرَّةً أُخْرَى لَمْ يَعْشُرْهُ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ)؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتِئْصَالُ الْمَالِ وَحَقُّ الْأَخْذِ لِحِفْظِهِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ الْأَوَّلِ بَاقٍ، وَبَعْدَ الْحَوْلِ يَتَجَدَّدُ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ إلَّا حَوْلًا، وَالْأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يَسْتَأْصِلُ الْمَالَ (فَإِنْ عَشَرَهُ فَرَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ عَشَرَهُ أَيْضًا)؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ.
وَكَذَا الْأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يُفْضِي إلَى الِاسْتِئْصَالِ
يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ غَدْرٌ) أَيْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ الْحِمَايَةِ وَالْغَدْرُ حَرَامٌ، قَالَ ﷺ «وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ» وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ جَمِيعُ مَا فِي يَدِهِ إلَّا قَدْرُ مَا يُبَلِّغُهُ مَأْمَنَهُ، لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِتَبْلِيغِهِ مَأْمَنَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكُلُّ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ فَيُجَازِيهِمْ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ لِيَنْزَجِرُوا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ عَلَى عَاشِرٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْعُشْرَ إنَّمَا يَتَكَرَّرُ فِيمَا يَمُرُّ بِهِ بِكَمَالِ الْحَوْلِ أَوْ بِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ بِالرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ بِالْمُرُورِ عَلَى الْعَاشِرِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا لَمْ يُعَشِّرْهُ ثَانِيًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ نَصْرَانِيًّا مَرَّ بِفَرَسٍ لَهُ عَلَى عَاشِرِ عُمَرَ ﵁ فَعَشَّرَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ ثَانِيًا فَهَمَّ أَنْ يُعَشِّرَهُ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: كُلَّمَا مَرَرْت بِكَ عَشَّرْتَنِي إذًا يَذْهَبُ فَرَسِي كُلُّهُ؟ فَتَرَكَ الْفَرَسَ عِنْدَهُ وَذَهَبَ إلَى عُمَرَ ﵁، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ أَتَى الْمَسْجِدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى عَتَبَتَيْ الْبَابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ، فَقَصَّ النَّصْرَانِيُّ الْقِصَّةَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَتَاك الْغَوْثُ فَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَرَجَعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ، فَظَنَّ النَّصْرَانِيُّ أَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِظُلَامَتِهِ فَرَجَعَ كَالْخَائِبِ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَى فَرَسِهِ وَجَدَ كِتَابَ عُمَرَ قَدْ سَبَقَهُ إنَّك إنْ أَخَذْت الْعُشْرَ مَرَّةً فَلَا تَأْخُذْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: إنَّ دِينًا يَكُونُ الْعَدْلُ فِيهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَأَسْلَمَ. فَإِنْ قِيلَ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ، ثُمَّ قَالَ لَا يُمْكِنُ مِنْ الْمَقَامِ إلَّا حَوْلًا، وَالْمُرَادُ بِهِ إلَّا قَرِيبًا مِنْ الْحَوْلِ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ حَوْلًا كَامِلًا. أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى
стр. 748
(وَإِنْ مَرَّ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عَشَرَ الْخَمْرَ دُونَ الْخِنْزِيرِ) وَقَوْلُهُ عَشَرَ الْخَمْرَ: أَيْ مِنْ قِيمَتِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعْشُرُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُمَا. وَقَالَ زُفَرُ: يَعْشُرُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَعْشُرُهُمَا إذَا مَرَّ بِهِمَا جُمْلَةً كَأَنَّهُ جَعَلَ الْخِنْزِيرَ تَبَعًا لِلْخَمْرِ، فَإِنْ مَرَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ عَشَرَ الْخَمْرَ دُونَ الْخِنْزِيرِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْقِيمَةَ فِي ذَوَاتِ الْقِيَمِ لَهَا حُكْمُ الْعَيْنِ وَالْخِنْزِيرُ مِنْهَا، وَفِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لَيْسَ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ
يَحُولَ الْحَوْلُ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِحَالِهِ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ثَانِيًا.
قَالَ (وَإِنْ مَرَّ ذِمِّيٌّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عُشِّرَ الْخَمْرُ دُونَ الْخِنْزِيرِ) إذَا مَرَّ الذِّمِّيُّ عَلَى الْعَاشِرِ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ وَتَبْلُغُ الْقِيمَةُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ بِقَوْلِهِ (أَيْ مِنْ قِيمَتِهَا) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مَسْرُوقٍ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ يُعَشَّرُ عَيْنُهَا وَنَفْيًا لِظَاهِرِ مَا يُفْهَمُ فَإِنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعَشِّرُ عَيْنَ الْخَمْرِ وَالْمُسْلِمُ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِرَابِهَا ثُمَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ بِأَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ وَلَا قِيمَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ أَتْلَفَ الْمُسْلِمُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ، وَزُفَرُ ﵀ سَوَّى بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَالِيَّةِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَتْلَفَ خِنْزِيرَ الذِّمِّيِّ ضَمِنَهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ خَمْرَهُ، وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ التَّبَعِيَّةَ فَجَعَلَ الْخِنْزِيرَ تَابِعًا لِلْخَمْرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ أَقْرَبُ إلَى الْمَالِيَّةِ بِوَاسِطَةِ التَّخْلِيلِ، وَقَدْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مَقْصُودًا.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الشُّفْعَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ وَإِذَا اشْتَرَى ذِمِّيٌّ دَارًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَشَفِيعُهَا ذِمِّيٌّ، إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَوْ كَانَ لِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ حُكْمُهُ لَمَا أُخِذَ بِقِيمَتِهِ كَمَا لَا يَأْخُذُهَا بِعَيْنِهِ وَبِمَسْأَلَةِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَتْلَفَ خِنْزِيرًا لِذِمِّيٍّ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ وَلَوْ كَانَ لَهَا حُكْمُ الْعَيْنِ لَمَا ضَمِنَهَا كَمَا لَا يَضْمَنُ عَيْنَهَا، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَبِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ إذَا غَصَبَ خِنْزِيرَ ذِمِّيٍّ وَتَحَاكَمَا إلَى الْقَاضِي يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالرَّدِّ وَالتَّسْلِيمِ وَذَلِكَ حِمَايَةً لَهُ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قِيمَةَ ذَوَاتِ الْقِيَمِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنِهَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ عَيْنِهَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَبِمَنْزِلَتِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَدَاءَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالتَّعْيِينِ وَلَا تَعْيِينَ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ فَأَخَذَتْ الْقِيمَةُ حُكْمَ الْعَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِهَذَا إذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ امْرَأَةً عَلَى خِنْزِيرٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَتَاهَا بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى قَبُولِهَا كَمَا لَوْ أَتَاهَا بِعَيْنِهِ، فَلَمَّا دَارَتْ الْقِيمَةُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ لَا تَكُونَ أُعْطِيت حُكْمَ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْأَخْذِ وَالْحِيَازَةِ وَهُوَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ تُعْطَ فِي حَقِّ الْإِعْطَاءِ لِأَنَّهُ
стр. 749
وَالْخَمْرُ مِنْهَا، وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْحِمَايَةِ وَالْمُسْلِمُ يَحْمِي خَمْرَ نَفْسِهِ لِلتَّخْلِيلِ فَكَذَا يَحْمِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَحْمِي خِنْزِيرَ نَفْسِهِ بَلْ يَجِبُ تَسْيِيبُهُ بِالْإِسْلَامِ فَكَذَا لَا يَحْمِيهِ عَلَى غَيْرِهِ
(وَلَوْ مَرَّ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بِمَالٍ فَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ مَا عَلَى الرَّجُلِ) لِمَا ذَكَرْنَا فِي السَّوَائِمِ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ مِائَةً أُخْرَى قَدْ حَالَ عَلَيْهَا لَمْ يُزَكِّ الَّتِي مَرَّ بِهَا) لِقِلَّتِهَا وَمَا فِي بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حِمَايَتِهِ (وَلَوْ مَرَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِضَاعَةً لَمْ يَعْشُرْهَا)؛ لِأَنَّهُ غَيْرَ مَأْذُونٍ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ. قَالَ (وَكَذَا الْمُضَارَبَةُ) يَعْنِي إذَا مَرَّ الْمُضَارِبُ بِهِ عَلَى الْعَاشِرِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا يَعْشُرُهَا لِقُوَّةِ حَقِّ الْمُضَارِبِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ رَبُّ الْمَالِ نَهْيَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْدَ مَا صَارَ عُرُوضًا فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ يَبْلُغُ نَصِيبُهُ نِصَابًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ
(وَلَوْ مَرَّ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ
مَوْضِعُ إزَالَةٍ وَتَبْعِيدٍ وَهُوَ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ وَالْإِتْلَافِ، وَنُوقِضَ بِذِمِّيٍّ أَخَذَ قِيمَةَ خِنْزِيرٍ لَهُ اسْتَهْلَكَهُ ذِمِّيٌّ وَقَضَى بِهَا دَيْنًا لِمُسْلِمٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ أَخْذُ الْقِيمَةِ كَأَخْذِ الْعَيْنِ لَمَا جَازَ الْقَضَاءُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَضَى بِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ وَقَعَتْ الْمُعَاوَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ السَّبَبُ، وَاخْتِلَافُ الْأَسْبَابِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ عَلَى مَا عُرِفَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ خِنْزِيرِ نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ حِمَايَةِ خِنْزِيرِ غَيْرِهِ لِغَرَضٍ يَسْتَوْفِيهِ، وَالْعَاشِرُ لَوْ حَمَاهُ حَمَاهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَاضِي.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ مَرَّ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمِائَةٍ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ) يَعْنِي هُوَ مَأْذُونٌ بِالتِّجَارَةِ فَقَطْ، فَلَوْ أَخَذَ أَخَذَ غَيْرَ زَكَاةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ سِوَى الزَّكَاةِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا نَائِبَ عَنْهُ) أَيْ إنَّمَا هُوَ نَائِبٌ فِي التِّجَارَةِ لَا غَيْرُ، وَالنَّائِبُ تَقْتَصِرُ وِلَايَتُهُ عَلَى مَا فُوِّضَ إلَيْهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَبْضَعِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ مَرَّ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ) ظَاهِرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْمُضَارِبِ رُجُوعٌ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ كَذَا قَالَ
стр. 750
وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَشَرَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَدْرِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ هَذَا أَمْ لَا. وَقِيَاسُ قَوْلِهِ الثَّانِي فِي الْمُضَارَبَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَنَّهُ لَا يَعْشُرُهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيمَا فِي يَدِهِ لِلْمَوْلَى وَلَهُ التَّصَرُّفُ فَصَارَ كَالْمُضَارِبِ. وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ بِالْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى فَكَانَ هُوَ الْمُحْتَاجَ إلَى الْحِمَايَةِ، وَالْمُضَارِبُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ حَتَّى يَرْجِعَ بِالْعُهْدَةِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَكَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الْمُحْتَاجَ. فَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ فِي الْمُضَارِبِ رُجُوعًا مِنْهُ فِي الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ مَعَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ أَوْ لِلشُّغْلِ. قَالَ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْخَوَارِجِ فِي أَرْضٍ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْهَا فَعَشَرَهُ يُثَنَّى عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) مَعْنَاهُ: إذَا مَرَّ عَلَى عَاشِرِ أَهْلِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ إنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ.
بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ
فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ. وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (أَوْ لِلشَّغْلِ) أَيْ عِنْدَهُمَا. فَإِنَّ الشَّغْلَ بِالدَّيْنِ مَانِعٌ عَنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. وَقَوْلُهُ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الْخَوَارِجِ) وَاضِحٌ
(بَابُ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ)
أَخَّرَ بَابَ الْمَعْدِنِ عَنْ الْعَاشِرِ لِأَنَّ الْعُشْرَ أَكْثَرُ وُجُودًا، وَالْمَالُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأَرْضِ لَهُ أَسَامٍ ثَلَاثَةٌ: الْكَنْزُ،
стр. 751
قَالَ (مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ
وَالْمَعَادِنُ، وَالرِّكَازُ. وَالْكَنْزُ اسْمٌ لِمَا دَفَنَهُ بَنُو آدَمَ، وَالْمَعْدِنُ اسْمٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ الْأَرْضَ، وَالرِّكَازُ اسْمٌ لَهُمَا جَمِيعًا. وَالْكَنْزُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَنَزَ الْمَالَ كَنْزًا جَمَعَهُ، وَالْمَعْدِنُ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَالرِّكَازُ مِنْ رَكَّزَ الرُّمْحَ أَيْ غَرَزَهُ. وَعَلَى هَذَا جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ: أَيْ مُثْبَتٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاكِزُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ فِي لَقَبِ الْبَابِ الْكَنْزُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْمَعَادِنِ وَالْكُنُوزِ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْدِنُ لَزِمَ التَّكْرَارُ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمَعَادِنِ وَإِنْ أُرِيدَ الْمَعَادِنُ وَالْكَنْزُ كَانَ تَقْدِيرُهُ بَابٌ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمَعَادِنِ وَالْكَنْزِ.
قَالَ (مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعَادِنِ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: جَامِدٌ يَذُوبُ وَيَنْطَبِعُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ، وَجَامِدٌ لَا يَذُوبُ كَالْجِصِّ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ، وَمَائِعٌ لَا يَتَجَمَّدُ كَالْمَاءِ وَالْقِيرِ وَالنِّفْطِ.
وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا، لِأَنَّ الذَّهَبَ أَوْ الْفِضَّةَ الَّذِي يُوجَدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْدِنًا أَوْ كَنْزًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُوَا إمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي حَيِّزِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ حَيِّزِ دَارِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي مَفَازَةٍ لَا مَالِكَ لَهَا، أَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، أَوْ فِي دَارٍ، وَالْمَوْجُودُ كَنْزٌ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا:
стр. 752
وُجِدَ فِي أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ فَفِيهِ الْخُمُسُ) عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ كَالصَّيْدِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ كُلُّهُ وَالْحَوْلُ
إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاشْتَبَهَ الْحَالُ. فَفِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَذُوبُ وَيَتَطَبَّعُ إذَا (وُجِدَ فِي أَرْضِ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ الْخُمُسُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ) وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (كَالصَّيْدِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ فِي قَوْلٍ) لِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ نَمَاءٌ كُلُّهُ، وَالْحَوْلُ لِلتَّنْمِيَةِ وَالنِّصَابُ عِنْدَهُ مُعْتَبَرٌ، فَلَوْ كَانَ دُونَ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ وَلَمْ يَقُلْ فِي جَانِبِنَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَائِلٌ بِالزَّكَاةِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِاشْتِرَاطِ الْحَوْلِ، فَنَفَاهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الدَّلِيلِ، وَنَحْنُ نَقُولُ
стр. 753
لِلتَّنْمِيَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَهُوَ مِنْ الرَّكْزِ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَعْدِنِ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَحَوَتْهَا أَيْدِينَا غَلَبَةً فَكَانَتْ غَنِيمَةً. وَفِي الْغَنَائِمِ الْخُمُسُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ إلَّا أَنَّ لِلْغَانِمِينَ يَدًا حُكْمِيَّةً لِثُبُوتِهَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ فَلِلْوَاجِدِ فَاعْتَبَرْنَا الْحُكْمِيَّةَ فِي حَقِّ الْخُمُسِ وَالْحَقِيقَةَ فِي حَقِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ حَتَّى كَانَتْ لِلْوَاجِدِ
(وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ
بِالْخُمُسِ وَالْحَوْلُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» قَالَهُ حِينَ سُئِلَ عَمَّا يُوجَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْعَادِي، وَعَطَفَ عَلَى الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَقَالَ فِيهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» عَطَفَ عَلَى الْمَدْفُونِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّكَازِ الْمَعْدِنُ فَإِنَّهُ مِنْ الرِّكْزِ وَهُوَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْدِنِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ (وَلِأَنَّهَا) أَيْ الْأَرْضَ (كَانَتْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَحَوَتْهَا أَيْدِينَا) وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ غَنِيمَةً وَهُوَ أَيْضًا وَاضِحٌ، وَفِي الْغَنِيمَةِ الْخُمُسُ بِالنَّصِّ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الصَّيْدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَالصَّيْدِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ غَنِيمَةً لَكَانَ الْخُمُسُ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّ لِلْغَانِمِينَ يَدًا حُكْمِيَّةً) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ إذَا حَوَتْ أَيْدِيهمْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهَاهُنَا أَيْدِيهمْ حُكْمِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ أَيْدِيهمْ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ حَقِيقَةً ثَبَتَتْ عَلَى بَاطِنِهَا حُكْمًا.
(وَأَمَّا الْحَقِيقِيَّةُ فَلِلْوَاجِدِ) فَكَانَ مَا فِي بَاطِنِهَا غَنِيمَةً حُكْمًا لَا حَقِيقَةً (فَاعْتَبَرْنَا الْحُكْمِيَّةَ فِي حَقِّ الْخُمُسِ وَالْحَقِيقِيَّةَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ حَتَّى كَانَ لِلْوَاجِدِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ هَذَا الْمَالِ كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ، وَلِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَا حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ إمَّا سَهْمًا أَوْ رَضْخًا، فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ يُرْضَخُ لَهُمْ إذَا قَاتَلُوا عَلَى مَا سَيَجِيءُ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ وَإِنْ قَاتَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ الرِّكَازِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكُلُّ. فَإِنْ قِيلَ: رَوَى أَنَّ عَبْدًا وَجَدَ جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ فَأَدَّى ثَمَنَهُ وَأَعْتَقَهُ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ وَجَدَهُ فِي دَارِ رَجُلٍ صَاحِبِ خُطَّةٍ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا فَصَرَفَهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُعْطِيَ ثَمَنَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِيُوصِلَهُ إلَى الْعِتْقِ. قَالَ فِي التُّحْفَةِ: يَجُوزُ لِلْوَاجِدِ أَنْ يَصْرِفَ الْخُمُسَ إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَا يُغْنِيهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ وَهُوَ حَقٌّ وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مَا يُشِيرُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
قَالَ (وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ)
стр. 754
مَعْدِنًا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا فِيهِ الْخُمُسُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا وَلَهُ أَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مُرَكَّبٌ فِيهَا وَلَا مُؤْنَةَ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ فَكَذَا فِي هَذَا الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ لَا يُخَالِفُ الْجُمْلَةَ، بِخِلَافِ الْكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ فِيهَا (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى إحْدَاهُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الدَّارَ مُلِكَتْ خَالِيَةً عَنْ الْمُؤَنِ دُونَ الْأَرْضِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْعُشْرُ، وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الدَّارِ فَكَذَا هَذِهِ الْمُؤْنَةُ
(وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا) أَيْ كَنْزًا (وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ) عِنْدَهُمْ لِمَا رَوَيْنَا وَاسْمُ الرِّكَازِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَنْزِ لِمَعْنَى الرَّكْزِ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ
إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ فِي دَارِهِ (مَعْدِنًا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا فِيهِ الْخُمُسُ) لَهُمَا إطْلَاقُ قَوْلِهِ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالدَّارِ، وَدَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهَا لَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَمْ يُجْزِهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَجُوزُ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا لَا مِنْ أَجْزَائِهَا خِلْقَةً، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا. وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا خَصَّهُ بِهَذِهِ الدَّارِ فَكَأَنَّهُ نَفَّلَ بِهَا، وَلِلْإِمَامِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ: لَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا فِي الدَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فِيهِ الْخُمُسُ، وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا: أَيْ كَنْزًا) إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهَذَا لِأَنَّ الرِّكَازَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْدِنِ وَالْكَنْزِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمَعْدِنِ فَيُرَادُ بِهِ الْكَنْزُ وَلِيَصِحَّ قَوْلُهُ (وَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ عِنْدَهُمْ) فَإِنْ وَجَبَ الْخُمُسُ بِالِاتِّفَاقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَنْزِ لَا فِي الْمَعْدِنِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ فِي الدَّارِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمَعْدِنِ فَاسْتِدْلَالُهُ بِهِ هُنَا اسْتِعْمَالٌ لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَاسْمُ الرِّكَازِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَنْزِ لِمَعْنَى الرِّكْزِ فِيهِ وَهُوَ الْإِثْبَاتُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَدْلُولَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا سَقَطَ مَا قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ لِسِبَاقِ مَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ الْكَنْزُ فَكَانَ ذِكْرُ الْكَنْزِ مَقْصُودًا هُنَاكَ فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ، إذْ دَلَالَةُ الرِّكَازِ عَلَى مَا ادَّعَى الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَنْزِ بِسَبَبِ دَلَالَةِ الرِّكَازِ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يَدُلُّ عَلَى الْكَنْزِ وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْدِنِ فَكَانَ مُحْتَمَلًا كَالنَّصِّ.
وَأَمَّا إرَادَةُ الْكَنْزِ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ فَبِدَلِيلٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ فَكَانَ مُفَسَّرًا
стр. 755
ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ وَقَدْ عُرِفَ حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ فَفِيهِ الْخُمُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا بَيَّنَّا ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْهُ إذْ لَا عِلْمَ بِهِ لِلْغَانِمِينَ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، فَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مِنْهُ،
فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْعَامِّ عَلَى مَا قَرَّرَ لَا بِالْمُشْتَرَكِ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ عِنْدَنَا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ سَوَاءٌ (ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ) يُعَرِّفُهَا حَيْثُ وَجَدَهَا مُدَّةً يَتَوَهَّمُ أَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ فَفِيهِ الْخُمُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْجُودُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ رَصَاصًا أَوْ غَيْرَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاجِدُ صَغِيرًا أَوْ بَالِغًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا إلَّا إذَا كَانَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ (لَمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْقُولِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ) يَعْنِي الَّذِي هُوَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الَّذِي يَكُونُ بِضَرْبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يُلْحَقُ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذَا التَّفْرِيعُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ تَمَّ الْإِحْرَازُ مِنْهُ إذْ لَا عِلْمَ بِهِ لِلْغَانِمَيْنِ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْغَانِمَيْنِ يَدًا حُكْمِيَّةً وَلِلْوَاجِدِ يَدًا حَقِيقِيَّةً فَيَكُونُ فِيهِ الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ هَذَا الْكَنْزَ الْمَذْكُورَ (فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَكَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ الْخُمُسُ لِلْفُقَرَاءِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَالِكٍ (لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الْحِيَازَةِ وَهِيَ مِنْهُ) لِأَنَّ
стр. 756
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُخْتَطِّ لَهُ وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ الْإِمَامُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ أَوَّلَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ وَهِيَ يَدُ الْخُصُوصِ فَيَمْلِكُ بِهَا مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ مَلَكَ الدُّرَّةَ ثُمَّ بِالْبَيْعِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُخْتَطُّ لَهُ يُصْرَفُ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالُوا وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ يُجْعَلُ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ
(وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي دَارِ بَعْضِهِمْ رِكَازًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ) تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الدَّارِ فِي يَدِ صَاحِبِهَا خُصُوصًا (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ فَهُوَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
الْمُخْتَطَّ لَهُ مَا حَازَ مَا فِي الْبَاطِنِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُخْتَطِّ لَهُ وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ الْإِمَامُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ أَوَّلَ الْفَتْحِ لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهِ) فَإِنْ قِيلَ: يَدُ الْمُخْتَطِّ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً لَكِنَّهَا يَدٌ حُكْمِيَّةٌ وَبِهَا لَا يُمْلَكُ كَمَا فِي الْغَانِمِينَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَهِيَ يَدُ الْخُصُوصِ) يَعْنِي أَنَّ الْيَدَ الْحُكْمِيَّةَ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ إذَا كَانَتْ يَدَ عُمُومٍ كَمَا فِي الْغَانِمِينَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ يَدَ خُصُوصٍ (فَيُمْلَكُ بِهَا مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ مَلَكَ الدُّرَّةَ) وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْغَازِي بَعْدَ الْقِسْمَةِ نَافِذٌ وَقَبْلَهَا لَا، وَمَا ثَمَّةَ إلَّا عُمُومُ الْيَدِ وَخُصُوصُهَا، فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُخْتَطَّ لَهُ قَدْ مَلَكَ لَكِنْ بَاعَ الْأَرْضَ فَخَرَجَ الْكَنْزُ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَعْدِنٌ.
أَجَابَ بِأَنَّهُ: أَيْ الْكَنْزَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، كَمَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ السَّمَكَةَ لَمْ تَخْرُجْ بِبَيْعِهَا الدُّرَّةُ عَنْ مِلْكِهِ، بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُخْتَطُّ لَهُ يُصْرَفْ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالُوا) وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ. وَقَالَ أَبُو الْيُسْرِ: يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَوْلُهُ (وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَوَجَدَ فِي دَارِ بَعْضِهِمْ رِكَازًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنًا أَوْ كَنْزًا (رَدَّهُ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ) قَالَ ﷺ «فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ» (لِأَنَّ مَا فِي الدَّارِ فِي يَدِ صَاحِبِهَا خُصُوصًا وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ) أَيْ الَّتِي فِي حَيِّزِ دَارِ الْحَرْبِ وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ (فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 757
فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يُعَدُّ غَدْرًا وَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُتَلَصِّصٍ غَيْرِ مُجَاهِرٍ (وَلَيْسَ فِي الْفَيْرُوزَجِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ خُمُسٌ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» (وَفِي الزِّئْبَقِ الْخُمُسُ) فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ
فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَا يُعَدُّ غَدْرًا وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ لَا خُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ وَهِيَ مَا كَانَ فِي يَدِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَوَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِ) فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُسْتَأْمَنُ مِنَّا فِي دَرَاهِمِ إذَا وَجَدَ فِي أَرْضٍ لَيْسَ بِمَمْلُوكَةٍ رِكَازًا فَهُوَ لَهُ، وَالْمُسْتَأْمَنُ مِنْهُمْ فِي دَارِنَا لَوْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كُلُّهُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ أَحْكَامٍ فَتُعْتَبَرُ الْيَدُ الْحُكْمِيَّةُ فِيهَا عَلَى الْمَوْجُودِ وَدَارُ الْحَرْبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَدُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْفَرْضُ عَدَمُهَا.
وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِي الْفَيْرُوزَجِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ) هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَكَذَلِكَ الْجِصُّ وَالْكُحْلُ وَالزِّرْنِيخُ وَالْيَاقُوتُ وَغَيْرُهَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ احْتِرَازًا عَمَّا يُوجَدُ مِنْهُ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ الزِّئْبَقِ وَاللُّؤْلُؤِ فِي خَزَائِنِ الْكُفَّارِ فَأُصِيبَ قَهْرًا فَإِنَّ فِيهِ الْخُمُسَ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا خُمُسَ فِي الْحَجَرِ» مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ مَعْدِنِهِ فَكَانَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلِّ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ (وَفِي الزِّئْبَقِ الْخُمُسُ) قِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ بِالْهَمْزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِالْكَسْرِ الْبَاءُ، بَعْدَ الْهَمْزِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُصَابُ فِي مَعْدِنِهِ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا. حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا شَيْءَ فِيهِ وَكُنْت أَقُولُ فِيهِ الْخُمُسُ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَاظِرُهُ وَأَقُولُ إنَّهُ كَالرَّصَاصِ حَتَّى قَالَ فِيهِ الْخُمُسُ، ثُمَّ رَأَيْت أَنْ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيهِ الْخُمُسُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ لَا شَيْءَ فِيهِ، قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيرِ وَالنِّفْطِ: يَعْنِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِيَاهِ وَلَا خُمُسَ فِي الْمَاءِ. وَقَالَا
стр. 758
(وَلَا خُمُسَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفُ: فِيهِمَا وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ خُمُسٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ الْعَنْبَرِ. وَلَهُمَا أَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ فَلَا يَكُونُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ
إنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلَاجِ مِنْ عَيْنِهِ وَيَنْطَبِعُ مَعَ غَيْرِهِ فَكَانَ كَالْفِضَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَنْطَبِعُ مَا لَمْ يُخَالِطْهَا شَيْءٌ، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ
(وَلَا خُمُسَ فِي الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهِمَا وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ الْخُمُسُ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ الْعَنْبَرِ) رُوِيَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ: كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَسْأَلُهُ عَنْ عَنْبَرَةٍ وُجِدَتْ عَلَى السَّاحِلِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي جَوَابِهِ: إنَّهُ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَفِيهِ الْخُمُسُ.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَصْلُحُ حُجَّةً فِي الْعَنْبَرِ لَا فِي اللُّؤْلُؤِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ حُجَّةً فِي اللُّؤْلُؤِ. وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ سُؤَالَ عُمَرَ كَانَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ يُسْتَخْرَجَانِ مِنْ الْبَحْرِ قَالَ: فِيهِمَا الْخُمُسُ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى اللُّؤْلُؤِ بِالدَّلَالَةِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ بِالْعَنْبَرِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ وَفِيهِ الْخُمُسُ، فَكَذَا كُلُّ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ دَفْعًا لِلْحُكْمِ (وَلَهُمَا أَنَّ قَعْرَ الْبَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْقَهْرُ) وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا كَانَ بِأَيْدِي الْكَفَرَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْعَنْبَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ لِأَنَّ قَهْرَ الْمَاءِ يَمْنَعُ قَهْرَ غَيْرِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: لَوْ وُجِدَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي قَعْرِ
стр. 759
غَنِيمَةً وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ فِيمَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ وَبِهِ نَقُولُ (مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا فَهُوَ لِلَّذِي وَجَدَهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ) مَعْنَاهُ: إذَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ لَا مَالِكَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
(بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ)
الْبَحْرِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ) جَوَابٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِجَوَابِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَانَ (فِيمَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ) أَيْ دَفَعَهُ وَقَذَفَهُ (وَبِهِ) أَيْ بِوُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْعَنْبَرِ الَّذِي دَسَرَهُ الْبَحْرُ (نَقُولُ) وَمُرَادُهُ دَسَرَهُ الْبَحْرُ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَجَدَهُ الْجَيْشُ عَلَى سَاحِلِهِ فَأَخَذُوهُ فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ: وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَنْبَرِ: إنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ: إمَّا عَلَى بَحْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بَحْرِ دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَلَصِّصِ وَلَا خُمُسَ فِيهِمَا. وَقَوْلُهُ (مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ رِكَازًا، وَالْمُرَادُ بِالْمَتَاعِ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الْبَيْتِ مِنْ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهَا، وَذَكَرَ هَذَا لِبَيَانِ أَنَّ وُجُوبَ الْخُمُسِ لَا يَتَفَاوَتُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرِّكَازُ مِنْ النَّقْدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ)
سُمِّيَ الْعُشْرُ زَكَاةً كَمَا سُمِّي الْمُصَدِّقُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَاشِرًا مَجَازًا، وَتَأْخِيرُ الْعُشْرِ عَنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْعُشْرَ
стр. 760
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ سُقِيَ سَيْحًا أَوْ سَقَتْهُ السَّمَاءُ، إلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ. وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ عِنْدَهُمَا عُشْرٌ) فَالْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ. لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»
مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَالْعِبَادَاتُ الْخَالِصَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا (قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀) فِي كُلِّ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَيَنْبَغِي بِهِ النَّمَاءُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا يَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ لَا يُوَسَّقُ أَوْ لَا يُسْقَى سَيْحًا أَيْ بِمَاءٍ جَارٍ، أَوْ سَقَتْهُ السَّمَاءُ، أَيْ الْمَطَرُ الْعُشْرُ، (إلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ) وَالتِّبْنَ وَالسَّعَفَ، (وَقَالَا: لَا يَجِبُ الْعُشْرُ إلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ) تَبْقَى مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ (إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ كُلُّ وَسْقٍ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) قَيَّدَ بِالثَّمَرَةِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ اسْمٌ لِشَيْءٍ مِنْ أَصْلٍ وَقَيَّدَ بِالْبَاقِيَةِ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهَا وَحَدُّ الْبَقَاءِ أَنْ يَبْقَى سَنَةً فِي الْغَالِبِ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَغَيْرِهَا دُونَ الْخَوْخِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَنَحْوِهَا، وَقَيَّدَ بِمَا إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ دُونَهَا، وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَخَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا مَنٍّ لِأَنَّ كُلَّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: الْوَسْقُ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ (وَلَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ) كَالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ (عُشْرٌ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ الْبُقُولَ لَيْسَتْ بِثَمَرَةٍ وَالْفَوَاكِهُ لَا بَقَاءَ لَهَا سَنَةً إلَّا بِمُعَالَجَةٍ كَثِيرَةٍ (فَالْخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَفِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِ ثَمَرَةً لِأَنَّ الْبُقُولَ دَخَلَتْ فِي اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ (لَهُمَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ (قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» أَيْ عُشْرٌ لِأَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ
стр. 761
وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّصَابُ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَالِكِ فِيهِ فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ ﵊ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَالزَّكَاةُ غَيْرُ مَنْفِيَّةٍ فَتَعَيَّنَ
تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتَهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (وَلِأَنَّهُ صَدَقَةٌ) بِدَلِيلِ تَعَلُّقِهِ بِنَمَاءِ الْأَرْضِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْكَافِرِ وَصَرْفِهِ إلَى مَصْرِفِ الصَّدَقَاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ صَدَقَةٌ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّصَابُ لِيَتَحَقَّقَ الْغِنَى (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﷺ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ» وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالْأَوْسَاقِ وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) فَتَكُونُ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ نِصَابُ الزَّكَاةِ، قِيلَ الْعُشْرُ فِيهِ مَعْنَى الْعَادَةِ كَمَا ذَكَرْتُمْ فَيَكُونُ لِمَالِيَّتِهِ عَفْوٌ وَنِصَابٌ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ قِيَاسُ مَا فِيهِ الْعِبَادَةُ مَعَ كَوْنِهِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَالِكِ فِيهِ) أَيْ فِي الْعُشْرِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ: يَعْنِي أَنَّ الْغِنَى صِفَةُ الْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ فِي بَابِ الْعُشْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى يَجِبَ فِي أَرَاضِي الْمُكَاتَبِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْأَرَاضِي الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ (فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الْغَنِيُّ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ نَفَى الصَّدَقَةَ عَنْ الْخَضْرَاوَاتِ وَلَيْسَ الزَّكَاةُ
стр. 762
الْعُشْرُ وَلَهُ مَا رَوَيْنَا، وَمَرْوِيُّهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى وَالسَّبَبُ هِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ
مَنْفِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَيَّنَ الْعُشْرُ (وَلَهُ مَا رَوَيْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَفِيهِ الْعُشْرُ» (وَمَرْوِيُّهُمَا) وَهُوَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ (مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا الْعَاشِرُ) يَعْنِي إذَا مَرَّ بِالْخَضْرَوَاتِ عَلَى الْعَاشِرِ وَأَرَادَ الْعَاشِرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَيْنِهَا لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ عِنْدَ إبَاءِ الْمَالِكِ عَنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ لَا يَأْخُذُ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْمَرْوِيِّ (أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ) فِي حَقِّ هَذَا الْمَحْمَلِ الَّذِي حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْ عَيْنِهَا لِيَصْرِفَهُ إلَى عِمَالَتِهِ جَازَ وَإِنَّمَا قُلْنَا عِنْدَ إبَاءِ الْمَالِكِ عَنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَا كَلَامَ فِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَخْذَ ثَبَتَ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ وَلَا نَظَرَ هَاهُنَا لِأَنَّ الْعَاشِرَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ نَائِيًا عَنْ الْبَلْدَةِ وَلَا يَجِدُ فَقِيرًا ثَمَّةَ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى الْبَلَدِ وَرُبَّمَا تَفْسُدُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْفُقَرَاءِ فَيُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ فَلَا يَأْخُذُ بَلْ يُؤَدِّيهِ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ هَذِهِ الْمَادَّةَ أَنَّ الْعَالِمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ مُوجِبِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا رَوَيَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَحْمَلٍ آخَرَ وَعَمِلَ بِهِ فِيهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَخَذَ هَذَا الْأَصْلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِنَّهُ عَمِلَ بِالْعَامِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حِينَ أَرَادَ إجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَأَجَلَاهُمْ وَلَمْ يَتَلَفَّتْ إلَى مَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «اُتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» كَذَا نَقَلَهُ شَيْخِي عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ ﵏ وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى)
стр. 763
وَلِهَذَا يَجِبُ فِيهَا الْخَرَاجُ أَمَّا الْحَطَبُ وَالْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ فَلَا تُسْتَنْبَتُ فِي الْجِنَانِ عَادَةً بَلْ تُنَقَّى عَنْهَا حَتَّى لَوْ اتَّخَذَهَا مُقَصَّبَةً أَوْ مُشَجَّرَةً أَوْ مَنْبَتًا لِلْحَشِيشِ يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ أَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ فَفِيهِمَا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالَ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ السَّعَفِ وَالتِّبْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَبُّ وَالتَّمْرُ دُونَهُمَا
دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى مُدَّعَاهُ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ السَّبَبَ هِيَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَالْأَرْضُ النَّامِيَةُ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى فَلَوْ لَمْ يَجِبْ الْعُشْرُ فِيمَا لَا يَبْقَى لَكَانَ قَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالْخَارِجُ بِلَا شَيْءٍ وَذَلِكَ إخْلَاءٌ لِلسَّبَبِ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ (وَلِهَذَا يَجِبُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا لَا يَبْقَى مِنْ الْخَارِجِ كَالْخَضْرَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ النَّامِيَةِ بِالْخَارِجِ الَّذِي لَا يَبْقَى عَلَى تَأْوِيلِ الْمَكَانِ.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْحَطَبُ) بَيَانٌ لِمَا اسْتَثْنَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ وَقَوْلُهُ (فِي الْجِنَانِ) أَيْ فِي الْبَسَاتِينِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يُسْتَنْمَى بِهِ الْأَرْضُ لَا عُشْرَ فِيهَا لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُنَقَّى عَنْهَا الْبَسَاتِينُ لِأَنَّهَا إذَا غَلَبَتْ عَلَى الْأَرْضِ أَفْسَدَتْهَا فَلَا يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ حَتَّى لَوْ اتَّخَذَ الْأَرْضَ مَقْصَبَةً أَوْ مَشْجَرَةً أَوْ مَنْبِتًا لِلْحَشِيشِ وَأَرَادَ بِهِ الِاسْتِنْمَاءَ بِقَطْعِ ذَلِكَ وَبَيْعِهِ وَجَبَ فِيهَا الْعُشْرُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ) الْقَصَبُ كُلُّ نَبَاتٍ كَانَ سَاقُهُ أَنَابِيبَ وَكُعُوبًا، وَالْكَعْبُ الْعُقْدَةُ، وَالْأُنْبُوبُ مَا بَيْنَ الْكَعْبَيْنِ. وَأَنْوَاعُ الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَقْلَامُ وَقَصَبُ الذَّرِيرَةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ مُتَقَارِبُ الْعُقَدِ وَأُنْبُوبُهُ مَمْلُوءٌ مِنْ مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ وَفِي مَضْغِهِ حَرَافَةٌ وَمَسْحُوقُهُ عَطِرٌ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْهِنْدِ وَأَجْوَدُهُ الْيَاقُوتِيُّ اللَّوْنِ وَقَصَبُ السُّكَّرِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهَا الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ. وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَفِيهِمَا الْعُشْرُ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِمَا اسْتِغْلَالُ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ السَّعَفِ وَهُوَ وَرَقُ الْجَرِيدِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَرَاوِحُ وَالتِّبْنُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ دُونَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْعُشْرُ فِي التِّبْنِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا وَقْتَ كَوْنِ الزَّرْعِ قَصِيلًا وَالتِّبْنُ هُوَ الْقَصِيلُ ذَاتًا إلَّا أَنَّهُ زَادَتْ فِيهِ الْيُبُوسَةُ وَبِهَا لَا يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي التِّبْنِ لِأَنَّ الْعُشْرَ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ فِي السَّاقِ حَتَّى لَوْ قَصَلَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْقَصِيلِ، فَإِذَا أَدْرَكَ تَحَوُّلَ الْعُشْرِ مِنْ السَّاقِ إلَى
стр. 764
قَالَ: (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَكْثُرُ فِيهِ وَتَقِلُّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ أَوْ سَيْحًا وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ فَالْمُعْتَبَرُ أَكْثَرُ السَّنَةِ كَمَا مَرَّ فِي السَّائِمَةِ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: فِيمَا لَا يُوسَقُ كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْقُطْنِ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أَدْنَى مَا يُوسَقُ) كَالذُّرَةِ فِي زَمَانِنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ فَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَجِبُ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ الْخَارِجُ خَمْسَةَ أَعْدَادٍ مِنْ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ. فَاعْتُبِرَ فِي الْقُطْنِ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ كُلُّ حِمْلٍ ثَلَاثُمِائَةِ مَنٍّ، وَفِي الزَّعْفَرَانِ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ)؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ
(وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀
الْحَبِّ كَمَا تَحَوَّلَ الْخَرَاجُ مِنْ الْمُكْنَةِ عِنْدَ التَّعْطِيلِ إلَى الْخَارِجِ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
قَالَ (وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ) الْغَرْبُ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ، وَالدَّالِيَةُ الْمَنْجَنُونُ تُدِيرُهَا الْبَقَرَةُ. وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الدَّالِيَةَ جِذْعٌ طَوِيلٌ يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ مَدَاقِّ الْأُرْزِ فِي رَأْسِهِ مِغْرَفَةٌ كَبِيرَةٌ يُسْتَقَى بِهَا، وَالسَّانِيَةُ النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عِنْدَهُ يَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ النِّصَابِ وَالْبَقَاءِ، وَعِنْدَهُمَا أَيْضًا نِصْفُ الْعُشْرِ لَكِنْ بِشَرْطِ النِّصَابِ وَالْبَقَاءِ كَمَا بَيَّنَّا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ ظَاهِرٌ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: عَلَّلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَبِكَثْرَتِهَا فِيمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ فَإِنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْخُمُسَ فِي الْغَنَائِمِ وَالْمُؤْنَةُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الزِّرَاعَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ فَنَتَّبِعُهُ وَنَعْتَقِدُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ سُقِيَ سَيْحًا وَبِدَالِيَةٍ) وَاضِحٌ. وَإِنَّمَا عَطَفَ الدَّالِيَةَ بِالْبَاءِ لِأَنَّ السَّيْحَ اسْمٌ لِلْمَاءِ دُونَ الدَّالِيَةِ، فَإِنَّ الدَّالِيَةَ آلَةُ الِاسْتِقَاءِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سُقِيَ دَالِيَةً لِأَنَّ الدَّالِيَةَ غَيْرُ مُسْقِيَةٍ بَلْ هِيَ آلَةُ السَّقْيِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ أَبُو يُوسُفَ) قِيلَ: إنَّمَا ابْتَدَأَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا يَرِدُ إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْعُشْرِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُمَا أَثْبَتَا الْحُكْمَ عَلَى قَوْدِ مَذْهَبِهِمَا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَسْقِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فِيمَا لَا يُوسَقُ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْوَسْقِ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ نَوْعُهُ) لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالصَّاعِ ثُمَّ بِالْكَيْلِ ثُمَّ بِالْوَسْقِ فَكَانَ الْوَسْقُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ مِنْ مِعْيَارِهِ، وَأَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْقُطْنِ الْحَمْلُ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالْأَسَاتِيرِ ثُمَّ بِالْأَمْنَاءِ ثُمَّ بِالْحَمْلِ فَكَانَ الْحَمْلُ أَعْلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ. وَفِي الزَّعْفَرَانِ الْمَنُّ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَوَّلًا بِالسَّنَجَاتِ ثُمَّ بِالْأَسَانِينِ ثُمَّ بِالْمَنِّ.
وَقَوْلُهُ (وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ) قَيَّدَ بِأَرْضِ
стр. 765
لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْحَيَوَانِ فَأَشْبَهَ الْإِبْرَيْسَمَ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ» وَلِأَنَّ النَّخْلَ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَنْوَارِ وَالثِّمَارِ وَفِيهِمَا الْعُشْرُ فَكَذَا فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ دُودِ الْقَزِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَوْرَاقِ وَلَا عُشْرَ فِيهَا. ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ النِّصَابَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
الْعُشْرِ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لَا عُشْرَ وَلَا خَرَاجَ كَمَا نُبَيِّنُ.
وَقَوْلُهُ (فَأَشْبَهَ الْإِبْرَيْسَمَ) يَعْنِي الَّذِي يَكُونُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ (وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊) يَعْنِي بِهِ مَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ إنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ» (وَلِأَنَّ النَّحْلَ يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَنْوَارِ وَالثِّمَارِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ (وَفِيهِمَا الْعُشْرُ فِيمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ظَاهِرٌ.
стр. 766
أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ قِيمَةُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ عَشْرَ قِرَبٍ لِحَدِيثِ «بَنِي شَبَّابَةَ أَنَّهُمْ
وَقَوْلُهُ (لِحَدِيثِ بَنِي شَبَّابَةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَنِي سَيَّارَةَ، وَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ بَنِي شَبَّابَةَ قَوْمٌ مِنْ جُرْهُمٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: مِنْ خَثْعَمَ كَانَتْ لَهُمْ نَحْلٌ عَسَّالَةٌ يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً وَكَانَ يَحْمِي لَهُمْ وَادِيَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيَّ ﵁، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁: إنَّ النَّحْلَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَشَاءُ، فَإِنْ أَدَّوْا إلَيْك مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ
стр. 767
كَانُوا يُؤَدُّونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ» وَعَنْهُ خَمْسَةُ أَمْنَاءٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرَقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ. وَكَذَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ مِنْ الْعَسَلِ وَالثِّمَارِ فَفِيهِ الْعُشْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ، وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَهُوَ الْخَارِجُ.
- ﷺ فَاحْمِ لَهُمْ وَادِيَهُمْ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّاسِ، فَدَفَعُوا إلَيْهِ الْعُشْرَ. وَالْقِرْبَةُ خَمْسُونَ رِطْلًا.
وَقَوْلُهُ (كُلُّ فَرَقٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا) الْفَرَقُ بِفَتْحَتَيْنِ إنَاءٌ يَأْخُذُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَصْوُعٍ، نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ ثَعْلَبٍ وَخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْمُحَدِّثُونَ عَلَى السُّكُونِ وَكَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى التَّحْرِيكِ وَفِي الصِّحَاحِ: الْفَرْقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا. قَالَ وَقَدْ يُحَرَّكُ. ثُمَّ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قُلْت وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْفَرَقُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِيمَا عِنْدِي مِنْ أُصُولِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ) أَيْ الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ كَمَا هُوَ فِي الْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ فَيُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِقِيمَةِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ خَمْسَةِ أَمْنَاءٍ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا يُوجَدُ فِي الْجِبَالِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (أَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَهُوَ الْخَارِجُ) يَعْنِي وَلَا مُعْتَبَرَ بِكَوْنِ الْأَرْضِ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لَهُ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إذَا
стр. 768
قَالَ (وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ الْعُشْرُ لَا يُحْتَسَبُ فِيهِ أَجْرُ الْعُمَّالِ وَنَفَقَةُ الْبَقَرِ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ فَلَا مَعْنَى لِرَفْعِهَا.
قَالَ (تَغْلِبِيٌّ لَهُ أَرْضٌ عُشْرٍ عَلَيْهِ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا)
زَرَعَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ لِمَا أَنَّ الْخَارِجَ سُلِّمَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَكَذَا هَذَا
(قَوْلُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ) كُلُّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ الْوَاجِبُ الْعُشْرِيُّ عُشْرًا كَانَ أَوْ نِصْفَهُ لَا يَرْفَعُ الْمُؤْنَةَ مِنْ الْعُشْرِ مِثْلُ أَجْرِ الْعُمَّالِ وَالْبَقَرِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يَعْنِي لَا يُقَالُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي قَدْرِ الْخَارِجِ الَّذِي بِمُقَابَلَةِ الْمُؤْنَةِ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ بَلْ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ الْخَارِجِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَجِبُ النَّظَرُ إلَى قَدْرِ قِيَمِ الْمُؤَنِ مِنْ الْخَارِجِ فَيُسَلَّمُ ذَلِكَ الْقَدْرُ بِلَا عُشْرٍ ثُمَّ يُعَشَّرُ الْبَاقِي لِأَنَّ قَدْرَ الْمُؤَنِ بِمَنْزِلَةِ السَّالِمِ لَهُ بِعِوَضٍ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ سُلِّمَ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ بِقَدْرِ مَا عَزَمَ مِنْ نُقْصَانِ الْأَرْضِ فَطَابَ لَهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ، وَوَجْهُ قَوْلِنَا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ بِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: «مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ»، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا مَعْنًى لِأَنَّ رَفْعَهَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّفَاوُتِ
стр. 769
عُرِفَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّ فِيمَا اشْتَرَاهُ التَّغْلِبِيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ عُشْرًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ
الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَارِجَ فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ إذَا كَانَ عِشْرِينَ قَفِيزًا فَفِيهِ الْعُشْرُ قَفِيزَانِ، وَإِذَا كَانَ الْخَارِجُ فِيمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَرْبَعِينَ قَفِيزًا، وَالْمُؤْنَةُ تُسَاوِي عِشْرِينَ قَفِيزًا، فَإِذَا رُفِعَتْ كَانَ الْوَاجِبُ قَفِيزَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ تَفَاوُتٌ بَيْنَ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَبَيْنَ مَا سُقِيَ بِغَرْبٍ وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا سُقِيَ بِغَرْبٍ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمُؤْنَةِ، وَهَذَا الْحَلُّ مِنْ خَوَاصِّ هَذَا الشَّرْحِ فَلْيُتَأَمَّلْ. قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ مِمَّا فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْعُشْرِيُّ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ فَكَأَنَّ الْعُشْرَ صَارَ عَلَمًا لِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ عُشْرًا لُغَوِيًّا أَوْ نِصْفَهُ.
وَقَوْلُهُ (تَغْلِبِيٌّ) بِكَسْرِ اللَّامِ مَنْسُوبٌ إلَى بَنِي تَغْلِبَ وَقَوْلُهُ (عُرِفَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ عُمَرَ ﵁ مَعَهُمْ، وَلَا فَصْلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مِلْكَهُ فِي الْأَصْلِ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ مُسْلِمٍ. (وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّ فِيمَا اشْتَرَاهُ التَّغْلِبِيُّ مِنْ الْمُسْلِمِ عُشْرًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَالِكِ) فَتَضْعِيفُ الْعُشْرِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرَاضِي الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهَا.
стр. 770
(فَإِنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ ذِمِّيٌّ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا عِنْدَهُمْ) لِجَوَازِ التَّضْعِيفِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ (وَكَذَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَسْلَمَ التَّغْلِبِيُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) سَوَاءٌ كَانَ التَّضْعِيفُ أَصْلِيًّا أَوْ حَادِثًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةً لَهَا. فَتَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْلِمِ بِمَا فِيهَا كَالْخَرَاجِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَعُودُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ) لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيفِ قَالَ فِي الْكِتَابِ
وَلَهُمَا أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ نُضَعِّفَ عَلَيْهِمْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ فَيُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَرَاهَا) يَعْنِي الْأَرْضَ الَّتِي عَلَيْهَا عُشْرٌ مُضَاعَفٌ مِنْ الْأَصْلِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ (ذِمِّيٌّ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا) مِنْ الْعُشْرِ الْمُضَاعَفِ (عِنْدَهُمْ لِجَوَازِ التَّضْعِيفِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ) فَإِنَّ الذِّمِّيَّ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالِ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ) يَعْنِي يَبْقَى عُشْرُهَا مُضَاعَفًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ التَّضْعِيفِ الْأَصْلِيِّ وَالْحَادِثِ (لِأَنَّ التَّضْعِيفَ صَارَ وَظِيفَةً لَهَا فَتَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْلِمِ بِمَا فِيهَا كَالْخَرَاجِ) فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ، وَكَذَا إذَا أَسْلَمَ صَاحِبُهَا، وَهَذَا لِأَنَّ بَقَاءَ الْحُكْمِ يُسْتَغْنَى عَنْ بَقَاءِ الْعِلَّةِ كَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ بَقِيَا بَعْدَ زَوَالِ الْحَاجَةِ إلَى إظْهَارِ التَّجَلُّدِ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَيُطْلَبُ ثَمَّةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَعُودُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ لِزَوَالِ الدَّاعِي إلَى التَّضْعِيفِ) وَهُوَ الْكُفْرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّغْلِبِيَّ إذَا كَانَتْ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ يَجِبُ فِيهَا شَاتَانِ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ أَسْلَمَ يُؤْخَذُ مِنْهُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَالَ الزَّكَاةِ أَقْبَلَ لِلتَّحَوُّلِ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ تَبْطُلُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ وَالسَّوَائِمَ تَبْطُلُ عَنْهَا بِجَعْلِهَا عَلُوفَةً وَالْأَرَاضِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (قَالَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ
стр. 771
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: قَالَ ﵀: اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ الْحَادِثَ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْوَظِيفَةِ
(وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْلِمٍ بَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ) يُرِيدُ بِهِ ذِمِّيًّا غَيْرَ تَغْلِبِيٍّ (وَقَبَضَهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀)؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْكَافِرِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عَلَيْهِ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا) وَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ اعْتِبَارًا بِالتَّغْلِبِيِّ وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀. هِيَ عُشْرِيَّةٌ عَلَى حَالِهَا)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤْنَةً لَهَا فَلَا يَتَبَدَّلُ كَالْخَرَاجِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ (فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ كَمَا كَانَتْ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَى الشَّفِيعِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِ،
فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ (وَهُوَ) أَيْ الْعَوْدُ إلَى عُشْرٍ وَاحِدٍ (قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ) أَيْ نُسَخُ الْمَبْسُوطِ (فِي بَيَانِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ) أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي بَقَاءِ التَّضْعِيفِ) عَلَى الْمُسْلِمِ وَمَا بَعْدَهُ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْلِمٍ بَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ) أَيْ ذِمِّيٍّ غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ النَّصْرَانِيِّ وَلَفْظَ الذِّمِّيِّ يَتَنَاوَلَانِ التَّغْلِبِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ النَّصَارَى، وَذَكَرَ قُبَيْلَ هَذَا بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ التَّغْلِبِيِّ فَكَانَ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَقَبَضَهَا لِيُعْلَمَ بِهِ تَأَكُّدُ مِلْكِ الذِّمِّيِّ فِيهَا وَتَقَرُّرُ الْأَرْضِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا أَخَذَهَا مُسْلِمٌ بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ تَبْقَى عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَجِيءُ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْكَافِرِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ وَاحِدٌ وَعُشْرٌ مُضَاعَفٌ، وَالْعُشْرُ الْمُضَاعَفُ يَعْتَمِدُ الصُّلْحَ وَالتَّرَاضِيَ كَمَا فِي التَّغَالِبَةِ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَالْعُشْرُ الْوَاحِدُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَعَيَّنَ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِهِ لِكَوْنِهِ مُؤْنَةً فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالْكَافِرُ أَهْلٌ لَهَا. وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارٌ بِالتَّغْلِبِيِّ) يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا وَجَبَ أَخْذُهُ مِنْ الْكَافِرِ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ كَصَدَقَةِ بَنِي تَغْلِبَ، وَمَا يَمُرُّ بِهِ الذِّمِّيُّ عَلَى الْعَاشِرِ وَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ التَّبْدِيلِ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ فِي الْوَصْفِ وَالْخَرَاجُ وَاجِبٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ) وَجْهُ الْأُولَى أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ تَعَلَّقَ بِهِ فَهُوَ كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَاتِلَةِ بِالْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ أَنَّ مَا يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ هُوَ مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْعِبَادَةِ، وَمَالُ الْكَافِرِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُصْرَفُ مَصَارِفَ الْخَرَاجِ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: إنْ أَخَذَ الْأَرْضَ الَّتِي بَاعَهَا الْمُسْلِمُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسْلِمٌ (بِالشُّفْعَةِ أَوْ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ كَمَا كَانَتْ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ (فَلِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَى الشَّفِيعِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِ)
стр. 772
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ بِحُكْمِ الْفَسَادِ جَعَلَ الْبَيْعَ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا الشِّرَاءِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقَّ الرَّدِّ (وَإِذَا كَانَتْ لِمُسْلِمٍ دَارُ خُطَّةٍ فَجَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ)
وَلَمْ يَتَوَسَّطْ النَّصْرَانِيُّ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا رَجَعَ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَهَا مِنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْقَبْضِ مِنْهُ كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ لَا عَلَى الْمُوَكِّلِ لِحُصُولِ الْقَبْضِ مِنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ قَبَضَهَا مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبًا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ دُونَ الْمُشْتَرِي (وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ (فَلِأَنَّهُ بِالرَّدِّ وَالْفَسْخِ بِحُكْمِ الْفَسَادِ جُعِلَ الْبَيْعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ) أَيْ الْبَائِعِ (لَمْ يَنْقَطِعْ بِهَذَا الشِّرَاءِ) وَهُوَ الْفَاسِدُ (لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقَّ الرَّدِّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ لِمُسْلِمٍ دَارُ خُطَّةٍ) دَارُ خُطَّةٍ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ بِالْإِضَافَةِ سَمَاعًا وَيَجُوزُ خُطَّةً بِالنَّصْبِ تَمْيِيزًا كَمَا فِي عِنْدِي رَاقُودٌ خَلًّا وَالْخُطَّةُ مَا خَطَّهُ الْإِمَامُ بِالتَّمْلِيكِ عِنْدَ فَتْحِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَوَضْعُ
стр. 773
مَعْنَاهُ إذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تُسْقَى بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَفِيهَا الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ
(وَلَيْسَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فِي دَارِهِ شَيْءٌ)
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِبَيَانِ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلشَّيْءِ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ فَإِنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ دَارًا كَمَا كَانَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكُهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَإِذَا جَعَلَهَا بُسْتَانًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ إنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ إنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْأَرَاضِي بِاعْتِبَارِ إنْزَالِهَا وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْمَاءِ وَاسْتُشْكِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَنَّ فِيهَا تَوْظِيفَ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي أَبْوَابِ السِّيَرِ مِنْ الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ.
وَأَجَابَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صُنْعٌ يُسْتَدْعَى ذَلِكَ وَهَاهُنَا وُجِدَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ إذْ الْخَرَاجُ يَجِبُ حَقًّا لِلْمُقَاتِلَةِ فَيَخْتَصُّ وُجُوبُهُ بِمَا حَوَتْهُ الْمُقَاتِلَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَسَقَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ يَتَقَرَّرْ أَمْرُهُ عَلَى عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ أَرْضٌ تُسْقَى بِمَاءِ الْعُشْرِ، وَقَدْ اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ فَإِنَّ مَاءَهَا عُشْرِيٌّ وَفِيهِ الْخَرَاجُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فِي دَارِهِ شَيْءٌ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: إنَّمَا
стр. 774
لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَعَلَ الْمَسَاكِنَ عَفْوًا (وَإِنْ جَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ) وَإِنْ سَقَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْعُشْرِ إذْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْخَرَاجُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْمَاءِ الْعُشْرِيِّ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ عُشْرًا وَاحِدًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ عُشْرَانِ وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِيهِ، ثُمَّ الْمَاءُ الْعُشْرِيُّ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبِحَارِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ أَحَدٍ، وَالْمَاءُ الْخَرَاجِيُّ مَاءُ الْأَنْهَارِ الَّتِي
خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ ﵁ إنَّ الْمَجُوسَ كَثِيرٌ بِالسَّوَادِ فَقَالَ: أَعْيَانِي أَمْرُ الْمَجُوسِ، وَفِي الْقَوْمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» الْحَدِيثَ فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ ﵁ بِذَلِكَ عَمِلَ بِهِ وَأَمَرَ عُمَّالَهُ أَنْ يَمْسَحُوا أَرَاضِيَهُمْ وَعَامِرَهُمْ فَيُوَظِّفُوا الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ وَرِيعِهِمْ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَالرِّيعِ وَعَفَا عَنْ رِقَابِ دُورِهِمْ وَعَنْ رِقَابِ الْأَشْجَارِ فِيهَا، فَلَمَّا ثَبَتَ الْعَفْوُ فِي حَقِّهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَبْعَدَ عَنْ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ جَعَلَهَا بُسْتَانًا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْعُشْرِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ إذْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْخَرَاجُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهِ) وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ لِلْمَاءِ أَوْ لِحَالِ مَنْ تُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَظِيفَةُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي نَاقَضَ هَذَا قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي مِثْلِ هَذَا تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعُشْرُ إذَا سَقَى أَرْضَهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَاءِ وَلَكِنَّ قَبُولَ الْمَحَلِّ شَرْطُ وُجُوبِ الْحُكْمِ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِإِيجَابِ الْعُشْرِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ كَانَ الْمُسْلِمُ مَحَلًّا لِإِيجَابِ الْخَرَاجِ، وَفِيهِ الصَّغَارُ وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا صَغَارَ فِي خَرَاجِ الْأَرَاضِي إنَّمَا هُوَ خَرَاجُ الْجَمَاجِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ صُنْعٌ يَقْتَضِيهِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا) يَعْنِي مَا مَرَّ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا اشْتَرَى مِنْ مُسْلِمٍ أَرْضًا عُشْرِيَّةً وَجَبَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُشْرٌ مُضَاعَفٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرٌ وَاحِدٌ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا هَذَا وَجَبَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ إذَا سَقَى أَرْضًا بِمَاءِ الْعُشْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عُشْرٌ وَاحِدٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عُشْرَانِ، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَدْ مَرَّ، وَكَذَا الرِّوَايَتَانِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمَصْرِفِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْمَاءُ الْعُشْرِيُّ) بَيَانٌ لِلْمَاءِ الْعُشْرِيِّ وَالْخَرَاجِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ
стр. 775
شَقَّهَا الْأَعَاجِمُ، وَمَاءُ جَيْحُونَ وَسَيْحُونَ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ عُشْرِيٌّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِيهَا أَحَدٌ كَالْبِحَارِ، وَخَرَاجِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ يَتَّخِذُ عَلَيْهَا الْقَنَاطِرَ مِنْ السُّفُنِ وَهَذَا يَدٌ عَلَيْهَا (وَفِي أَرْضِ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ التَّغْلِبِيَّيْنِ مَا فِي أَرْضِ الرَّجُلِ التَّغْلِبِيِّ) يَعْنِي الْعُشْرَ الْمُضَاعَفَ فِي الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجَ الْوَاحِدَ فِي الْخَرَاجِيَّةِ،
وَالْأَنْهَارُ الَّتِي شَقَّهَا الْأَعَاجِمُ مِثْلُ نَهْرِ الْمَلِكِ وَيَزْدَجْرِدَ وَمَرْوَرُوذَ، لِأَنَّ أَصْلَ تِلْكَ الْأَنْهَارِ بِمَالِ الْخَرَاجِ فَصَارَ مَاؤُهَا خَرَاجِيًّا، وَصَارَتْ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً تَبَعًا، وَجَيْحُونُ نَهْرُ تِرْمِذَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَسَيْحُونُ نَهْرُ التُّرْكِ وَهُوَ نَهْرُ خُجَنْدَ، وَدِجْلَةُ نَهْرُ بَغْدَادَ، وَالْفُرَاتُ نَهْرُ الْكُوفَةِ.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْآبَارُ وَالْعُيُونُ الَّتِي حُفِرَتْ وَظَهَرَتْ فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ مَاؤُهَا عُشْرِيٌّ أَمَّا الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ فَالْمَاءُ أَيْضًا خَرَاجِيٌّ لِأَنَّ الْمَاءَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ خَارِجًا مِنْهَا، وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْأَرْضَ الْعُشْرِيَّةَ مَا تُسْقَى مِنْ مَاءِ الْعُشْرِ، فَلَوْ كَانَ مَاءُ الْعُشْرِ مِنْ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا لِتَوَقُّفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَرَاضِيَ الْعُشْرِيَّةَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: فَأَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ وَسَيَأْتِي تَحْدِيدُهَا. وَالثَّانِي: كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا. وَالثَّالِثُ: الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَالرَّابِعُ: بُسْتَانُ مُسْلِمٍ كَانَ دَارِهِ فَاتَّخَذَهُ بُسْتَانًا. وَالْخَامِسُ: الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ الَّتِي أَحْيَاهَا مُسْلِمٌ وَكَانَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ: فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ لَهُ دَارٌ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا أَوْ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَجَعَلَهَا بُسْتَانًا وَسَقَى بِمَاءِ آبَارِهَا أَوْ الْعُيُونِ الَّتِي فِيهَا وَجَبَ الْعُشْرُ، وَإِنْ كَانَ الدَّارُ لِمَجُوسِيٍّ. وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُجُوبِ الْخَرَاجِ أَوْ الْعُشْرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْمُضَاعَفِ وَعَلَى هَذَا إذَا أَحْيَا
следующие страницы →